← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5823–5862 · переход к 5828.

стр. 5823

هذا البابِ، فرُوي عن جَماعةٍ من الصَّحابةِ إيجابُ الوُضُوءِ من مسِّ الذَّكرِ، منهُم: عُمرُ بن الخطّابِ، وعبدُ اللَّه بن عُمرَ. حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا الفَضْلُ بن الحُبابِ، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ الطَّيالِسيُّ، قال: حدَّثنا نافعُ بن عُمرَ، عنِ ابنِ أبي مُلَيكةَ، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ صلَّى بالنّاسِ، فأهْوَى بيدِهِ فأصابَ فرجهُ، فأشارَ إليهم: أنِ امكُثُوا، فخرجَ فتوضَّأ، ثُمَّ رجعَ إليهم فأعادَ (١). وأمّا ابنُ عُمر فمِن حديثِ مالكٍ في "المُوطَّأ" (٢) عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ. والزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه (٣). وأمّا سعدُ بن أبي وقّاصٍ، فمِن رِوايةِ مالكٍ (٤) أيضًا، عن إسماعيل بن محمدِ بن سعدٍ، عن مُصعبِ بن سعدٍ، عن سعدٍ. هذه رِوايةُ أهلِ المدينةِ عنهُ في إيجابِ الوُضُوءِ منهُ. ورَوَى عنهُ أهلُ الكُوفةِ إسقاط الوُضُوءِ منهُ (٥). ورُوي عن جماعةٍ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ الوُضُوءُ من مَسِّ الذَّكرِ، منهُم: جابرُ بن عبدِ اللَّه، وزيدُ بن خالدٍ، وأبو هريرةَ (٦).

стр. 5824

قال أبو بكرٍ الأثرمُ: سُئل أبو عبدِ اللَّه، عنِ الوُضُوءِ من مَسِّ الذَّكرِ، فقال: نعَمْ، نرَى الوُضُوءَ من مسِّ الذَّكرِ. قيلَ لهُ: فمن لم يرهُ، أتُعنِّفُهُ (١)؟ قال: الوُضُوءُ أقوى. قيل لهُ: فمَنْ قال: لا وُضُوءَ. قال: الوُضُوءُ أكثرُ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، وعن أصحابِهِ، والتّابِعينَ. قال أبو عُمر: أمّا التّابِعُونَ الذين رُوي عنهُمُ الوُضُوءُ من مسِّ الذَّكرِ، من كِتابِ الأثرم، وكِتابِ ابنِ أبي شَيْبةَ، وعبدِ الرَّزّاقِ: فسعيدُ بن المُسيِّبِ، وعَطاءُ بن أبي رباح، وطاوُوسٌ، وعُروةُ، وسُليمانُ بن يَسارٍ، وأبانُ بن عُثمان، وابنُ شِهاب، ومُجاهِدٌ، ومَكْحُولٌ، والشَّعبيُّ، وجابرُ بن زيدٍ، والحسنُ، وعِكرِمةُ. وبذلك قال الأوزاعيُّ، والشّافِعيُّ، واللَّيثُ بن سعدٍ، وأحمدُ، وإسحاقُ وداودُ، والطَّبريُّ (٢). واضطربَ مالكٌ (٣) في إيجابِ الوُضُوءِ منهُ، واستقرَّ قولُهُ: أن لا إعادةَ على من صلَّى بعدَ أن مسَّهُ قاصِدًا، ولم يتوضَّأ، إلّا في الوقتِ، فإن خرجَ الوقتُ، فلا إعادةَ عليه. وعلى ذلك أكثرُ أصحابِهِ، وكذلك اختلف أصحابُهُ فيمن مسَّ ذكرهُ ساهيًا ببطنِ كفِّهِ، فرَوَى ابنُ القاسم عنهُ: من مسَّ فرْجهُ في غُسلِ الجنابةِ، أنَّهُ يُعيدُ وُضُوءَهُ. وكذلك في سماع أشهب، وابنِ نافع، عن مالكٍ، فيمن مسَّ ذكرهُ وهُو يتوضَّأُ قبل أن يغسِلَ رِجليهِ: أنَّهُ ينتقِضُ وُضوؤه (٤). ورَوَى ابنُ وَهْبٍ (٥) عنهُ: أنَّهُ لا يُعيدُ الوُضُوءَ، إلّا من تعمَّدَ مسَّهُ. قال

стр. 5825

ابنُ وَهْبٍ: قيلَ لمالكٍ: فإن مسَّهُ على غِلالةٍ خَفيفةٍ؟ قال: لا وُضُوءَ عليه، ومن لم يتَعمَّد مسَّهُ، فلا وُضُوءَ عليه. وذكرَ العُتْبيُّ، عن سُحنُون وابنِ القاسم ما قدَّمنا، من سُقُوطِ الوُضُوءِ منهُ. واختار ابنُ حبيبٍ (١) إعادةَ الوُضُوءِ في العَمْدِ وغيرِهِ، لمن لم يُصلِّ، فإن صلَّى أعادَ في الوقتِ على رِوايةِ ابنِ القاسم. ومالَ البَغداديُّون إلى رِوايةِ ابنِ وَهْب: أنَّ الوُضُوءَ منهُ استِحباب في العَمدِ دُونَ غيرِهِ. قال ابنُ وَهْبٍ: سُئلَ مالكٌ عنِ الوُضُوءِ من مَسِّ الذَّكرِ، فقال: حَسنٌ، وليس بسُنّةٍ، وأحَبُّ إليَّ أن يتوضَّأ من سماع ابنِ وَهْبٍ. قال أبو عُمر: وأمّا سائرُ من ذكَرْنا من العُلماءِ بالحِجازِ، فإنَّهُم يرونَ منهُ الإعادةَ في الوَقتِ وبعدَهُ، وذهبَتْ إليه (٢) طائفةٌ من المالكيِّين، منهُم: أصبغُ بن الفرج، وعيسى بن دينارٍ، واحتجُّوا بأنَّ عبد اللَّه بن عُمرَ أعادَ الصَّلاةَ والوُضُوءَ منهُ للصُّبح بعدَ طُلُوع الشَّمسِ (٣). وهذه إعادةٌ بعد خُرُوج الوَقْتِ، وكان إسماعيلُ بن إسحاقَ وسائرُ البَغداديِّين من المالكيِّينَ، يجعلُونَ مسَّ الذَّكرِ من بابِ المُلامسةِ، فيقولُون: إنِ التذَّ الذي يَمسُّ ذكَرهُ، فالوُضُوءُ عليه واجِبٌ، وإن صلَّى دُونَ وُضُوءٍ، فالإعادةُ عليه في الوَقتِ وبعدَهُ، وإن لم يلتذَّ من مَسِّهِ، فلا شيءَ عليه، كالمُلامِسِ للنِّساءِ سَواءٌ في مذهبِهِم (٤). وأمّا الذينَ لم يروا في مسِّ الذَّكرِ وُضُوءًا: فعليُّ بن أبي طالِبٍ، وعمّارُ بن

стр. 5826

ياسِرٍ، وعبدُ اللَّه بن مسعُودٍ، وعبدُ اللَّه بن عبّاسٍ، وحُذَيفةُ بن اليمانِ، وعِمرانُ بن حُصَينٍ، وأبو الدَّرداءِ (١). واختُلِف فيه عن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، فرُوي عنهُ: أنَّهُ لا وُضُوءَ على من مَسَّ ذكرهُ. هذه رِوايةُ أهلِ الكُوفةِ عنهُ. ذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ (٢)، عنِ ابنِ عُيينةَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن قَيْسِ بن أبي حازِم قال: سألَ رجُلٌ سعدَ بن أبي وقّاصٍ عن مَسِّ الذَّكرِ، أيتوضَّأُ منهُ؟ قال: إن كان منكَ شيءٌ نجِسٌ، فاقطعهُ. ورَوَى أهلُ المدينةِ (٣) عنهُ: أنَّهُ كان يتوضَّأُ منهُ (٤). وكذلك اختُلِف فيه عن أبي هريرةَ وسعيدِ بن المُسيِّبِ، فرُوِيَ عنهُما القولانِ جميعًا (٥). وقال ربيعةُ بن أبي عبدِ الرَّحمنِ وسُفيانُ الثَّوريُّ وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: لا وُضُوءَ في مسِّ الذَّكرِ (٦). ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٧)، عنِ الثَّوريِّ، قال: دعاني وابنَ جُريج، بعضُ أُمرائهِم،

стр. 5827

فسألَنا عن مسِّ الذَّكرِ، فقال ابنُ جُرَيج: يتوضَّأُ. وقلتُ: لا وُضُوءَ عليه. فلمّا اختلفنا، قلتُ لابنِ جُريج: أرأيتَ لو أنَّ رجُلًا وضعَ يدَه في مَنيٍّ، قال: يَغْسِلُ يَدَهُ. قلتُ: فأيُّها أنجسُ المنيُّ، أم الذَّكرُ؟ قال: المنيُّ. قلتُ: فكيفَ هذا؟ قال: ما ألقاها على لسانِكَ إلّا شَيْطانٌ. قال أبو عُمر: إنَّما جازَتِ المُناظرةُ والقياسُ عندَهُما في هذه المسألةِ، لاختِلافِ الآثارِ فيها عنِ النَّبيِّ ﷺ ، وأنَّهُ لم يأتِ عنهُ فيها عندَهُما شيءٌ يجِبُ التَّسليمُ لهُ من وجهٍ لا تعارُض فيه، واختلَفَ فيه الصَّحابةُ أيضًا، فمِن هاهُنا تناظرا فيها. والأسانيدُ عنِ الصَّحابةِ في إسقاطِ الوُضُوءِ منهُ، أسانيدُ صِحاحٌ، من نَقلِ الثِّقاتِ. قال أبو عُمر: تحصيلُ مَذهبِ مالكٍ (١) في ذلك: أنْ لا وُضُوءَ فيه؛ لأنَّ الوُضُوءَ عندَهُ منهُ استِحباب، لا إيجاب. بدليلِ أنَّهُ لا يَرى الإعادةَ على من صلَّى بعدَ أن مَسَّ ذكرهُ إلّا في الوقتِ. وفي (٢) سماع أشهب وابنِ نافع، عن مالكٍ: أنَّهُ سُئلَ عنِ الذي يَمسُّ ذكرهُ ويُصلِّي: أيُعيدُ الصَّلاةَ؟ فقال: لا أُوجِبُهُ أنا. فرُوجِعَ، فقال: يُعيدُ ما كان في الوَقتِ، وإلّا فلا (٣). وقال الأوزاعيُّ: إن مَسَّ ذكرهُ بساعِدِهِ، فعليه الوُضُوءُ. وهُو قولُ عَطاءٍ. وبه قال أحمدُ بن حَنْبل (٤).

стр. 5828

وقال اللَّيثُ: من مسَّ ما بينَ أليتيهِ، فعلَيهِ الوُضُوءُ (١). قال اللَّيثُ: من مَسَّ ذكرَ البهائم، فعلَيهِ الوُضُوءُ. وقال مالكٌ واللَّيثُ: إن مسَّ ذكرهُ بذِراعِهِ وقَدَمِهِ، فلا وُضُوءَ عليه. وقال مالكٌ والشّافِعيُّ واللَّيثُ بن سعدٍ: لا يُجبِ الوُضُوءُ إلّا على من مسَّ ذكرهُ بباطِنِ كفِّهِ. وجُملةُ قولِ مالكٍ وأصحابِهِ (٢): إن مَسَّ ذكرَهُ بظاهِرِ يَدِهِ، أو بظاهِرِ ذِراعيهِ، أو باطِنِهِما، أو مسَّ أُنْثَييهِ، أو شيئًا من أرفاغِهِ (٣)، أو غيرِها، أو شيئًا من أعضائهِ سِوى الذَّكرِ، فلا وُضُوءَ عليه، ولا على المرأةِ عندَهُم وُضُوءٌ في مَسِّها فَرْجَها (٤). وقد رُوي عن مالكٍ: أنَّ على المرأةِ الوُضُوءَ في مَسِّها فرْجها، إذا ألطفَتْ، أو قبضت والتذَّت (٥). وكان مكحُولٌ وطاوُوسٌ وسعيدُ بن جُبيرٍ وحُميدٌ الطَّويلُ يقولُون: إن مسَّ ذكَرهُ غير مُتعمِّدٍ، فلا وُضُوءَ عليه. وبه قال داودُ. وقال الأوزاعيُّ والشّافِعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ: عمدُهُ وخطؤُهُ في ذلك سواءٌ، إذا أفضى بيدِهِ إليه (٦).

стр. 5829

وجُملةُ قولِ الشّافِعيِّ (١) في هذا البابِ، ما ذكرهُ في كِتابِ الطَّهارةِ المِصريِّ، قال: وإذا أفْضَى الرَّجُلُ إلى ذكرِهِ، ليسَ بينهُ وبينهُ سترٌ، فقد وجبَ عليه الوُضُوءُ، عامِدًا كان أو ساهيًا، والإفضاءُ باليَدِ إنَّما هُو بباطِنِها، كما تقولُ: أفْضَى بيدِهِ مُبايِعًا، وأفضى بيديهِ إلى الأرضِ ساجِدًا، وسواءٌ قليل ما مسَّ من ذَكرِهِ أو كثيرُهُ، إذا كان بباطِنِ الكفِّ، وكذلك من مسَّ دُبُرهُ بباطِنِ الكفِّ (٢)، أو فرجَ امرأتِهِ، أو ذكرَ غيرِهِ، أو دُبُرهُ، وسواءٌ مسَّ ذلك من حيٍّ أو ميِّتٍ، وحُكمُ المرأةِ في ذلك كلِّهِ كالرَّجُلِ، منْها ومن غيرِها. قال: ومن مسَّ ذكرهُ بباطِنِ كفِّهِ على ثَوْبٍ عامِدًا أو ساهيًا، أو مسَّهُ بظهرِ كفِّهِ، أو ذِراعِهِ عامِدًا أو ساهيًا، فلا شئَ عليه، لقولِ رسُولِ اللَّه ﷺ : "إذا أفضى أحدُكُم. . . " (٣). وكذلك المرأةُ. قال: وإن مسَّ شيئًا من هذا من بَهيمةٍ، لم يجِب عليه الوُضُوءُ من قِبَلِ أنَّ للآدميِّين حُرْمةً وتعبُّدًا. قال: ولا شيءَ عليه في مَسِّ أُنْثَييهِ ورُفغَيهِ، وأليتيهِ، وفَخِذيهِ. قال: وإنَّما قِسْنا الفرج بالفرج، وسائر الأعضاءِ غير باطِنِ الكفِّ، قياسًا على الفَخِذِ. قال أبو عُمر: أمّا قولُ الشّافِعيِّ في مَسِّ الرَّجُلِ فرجَ المرأةِ، ومسِّ المرأةِ فرجَ الرَّجُلِ، فقد (٤) وافقهُ على ذلك الأوزاعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ. ووافقهُ على

стр. 5830

قولِهِ في مَسِّ ذكَرِ الصَّبيِّ، والحيِّ، والميِّتِ: عطاءٌ، وأبو ثورٍ. ووافقهُ على إيجابِ الوُضُوءِ من مَسِّ الدُّبُرِ: عطاءٌ، والزُّهريُّ (١). وكان عُروةُ يقولُ: من مسَّ أُنْثَييهِ فعليه الوُضُوءُ (٢). قال أبو عُمر: النَّظرُ عِندي في هذا البابِ: أنَّ الوُضُوءَ لا يجِبُ إلّا على من مَسَّ ذكَرَهُ أو فرْجهُ، قاصِدًا مُفضيًا، وأمّا غيرُ ذلك منهُ، أو من غيرِهِ، فلا يُوجِبُه النَّظر (٣). والأصلُ أنَّ الوُضُوءَ المُجتَمع عليه، لا ينتقِضُ إلّا بإجماع، أو بسنّةٍ ثابتةٍ، غيرِ محُتمِلةٍ للتَّأويلِ، فلا (٤) عيبَ على القائلِ بقولِ الكُوفيِّين، لأنَّ إيجابهُ من (٥) الصَّحابةِ لهم فيه ما تقدَّم ذِكرُهُ، وباللَّه التَّوفيقُ (٦).

стр. 5831

حديثٌ خامِسٌ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن عبدِ اللَّه بن واقِدٍ، أنَّهُ قال: نَهَى رسُولُ اللَّه ﷺ عن أكلِ لُحُوم الضَّحايا بعدَ ثلاثةِ أيام. قال عبدُ اللَّه بن أبي بكر: فذكرتُ ذلك لعَمرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، فقالت: صدَقَ، سمِعتُ عائشةَ تقولُ: دَفَّ ناسٌ من أهلِ الباديةِ حضرةَ الأضْحَى في زَمَنِ رسُولِ اللَّه ﷺ ، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ادَّخِرُوا لثلاثٍ، وتَصدَّقُوا بما بَقِيَ". قالت: فلمّا كان بعدَ ذلك، قيلَ لرسُولِ اللَّه ﷺ : لقد كان النّاسُ ينتفِعُونَ بضحاياهُمْ ويَجْمُلُونَ (٢) منها الودَكَ، ويتَّخِذُونَ منها الأسقيةَ، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "وما ذاكَ؟ " أو كما قال. قالوا: نهيتَ عن لُحُوم الضَّحايا بعدَ ثلاثٍ. فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّما نَهَيتُكُم من أجْلِ الدّافّةِ التي دفَّتْ عليكُم، فكُلُوا، وتَصَدَّقُوا، وادَّخِرُوا". يعني بالدّافّةِ: قومًا مَساكينَ قدِمُوا المدينةَ. قال أبو عُمر: عبدُ اللَّه (٣) بن واقِدٍ هذا، هُو عبدُ اللَّه بن واقِدِ بن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، تابِعيٌّ، ثِقةٌ، شريفٌ جليلٌ، سمِعَ عبد اللَّه بن عُمرَ، وأُمُّهُ أمةُ اللَّه بنتُ عبدِ اللَّه بن عيّاشِ بن أبي ربيعةَ. ومات عبدُ اللَّه بن واقِدٍ في سنةِ سبعَ عشْرةَ ومئةٍ، في خِلافةِ هشام بن عبدِ الملكِ. قال أبو عُمر: وأمّا قولُ عائشةَ ﵂ في هذا الحديثِ: "دفَّ ناسٌ". فمعناهُ عندَ أهلِ اللُّغةِ: دفَّ ناسٌ إلينا وأتونا، وأصلُهُ عندَهُم من دَفيفِ الطّائرِ، إذا حرَّكَ جناحيهِ ورِجلاهُ في الأرضِ، يُقالُ في ذلك: دَفَّ الطّائرُ، يدِفُّ دفيفًا.

стр. 5832

وقال الخليلُ (١): والدّافّةُ، قومٌ يدِفُّونَ، أي: يسيرُونَ سيرًا ليِّنًا، وتَدافَّ القومُ، إذا ركِبَ بعضُهُم بعضًا في قِتالٍ، أو نحوِهِ. وأمّا قولهُا: "حَضرةَ الأضحى" فمعناهُ: في وقتِ الأضْحَى، وفي حينِ الأضْحَى. وأمّا قولُهُ: ويجمُلُون منها (٢) الوَدكَ. فمعناهُ يُذيبُونَ منها الشَّحم، والوَدَكُ: الشَّحمُ، يُقالُ منهُ: جملْتُ الشَّحمَ، وأجملتُهُ، واجتملْتُهُ، أي: أذبتَهُ، والاجتِمالُ: الادِّهانُ بالجميل، وهي الإهالةُ. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: نَهَى رسُولُ اللَّه ﷺ عن أكلِ لُحُوم الضَّحايا بعدَ ثلاثٍ، فقد بانَ في هذا الحديثِ الوَجْهُ والعِلّةُ، التي من أجْلِها نَهَى رسُولُ اللَّه ﷺ عن أكلِ لُحُوم الضَّحايا بعدَ ثلاثٍ، وأنَّ ذلك إنَّما كان من أجلِ الدّافّةِ التي دفَّت عليهم من المساكينِ، ليُطعِمُوهُم ويُواسُوهُم. حدَّثنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عُثمانَ. وأخبرنا عبدُ العزيزِ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ. قالا: حدَّثنا سعيدُ بن عُثمانَ الأعناقيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الملكِ بن صالح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه الرَّقاشيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُرَيع، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ، قالت: كان رسُولُ اللَّه ﷺ قد نَهَى عن لُحُوم الأضاحيِّ بعدَ ثَلاثٍ، فلمّا كان في العام القابِلِ، وضَحَّى النّاسُ. قالت: قلتُ: يا رسُولَ اللَّه، إن كانت هذه الأضاحيُّ لَتَرْفُقُ النّاسَ (٣) كانوا يدَّخِرُونَ من لُحُومِها ووَدَكِها، قال: "فما مَنَعهُم من ذلك؟ " قلتُ: يا نبيَّ اللَّه، أولم تَنْههُم عامَ الأوَّلِ عن أن جملُوا لُحُومَها بعدَ ثلاثٍ؟ قال: "إنَّما نَهَيتُ عن ذلك

стр. 5833

للحاضِرةِ التي حَضَرتهُم من أهلِ الباديةِ، ليَبُثُّوا لُحُومَها فيهم، فأمّا الآنَ فليأكُلُوا وليدَّخِرُوا" (١). وقد ثبتَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "كنتُ نهيتُكُم عن زيار القُبُورِ فزُورُوها، ونَهَيتكم عن لُحُوم الأضاحيِّ بعدَ ثلاثٍ فكُلُوا، وادَّخِرُوا، وتزوَّدُوا" (٢). وقد ذكَرْنا الآثارَ بذلك في بابِ ربيعةَ، من كِتابِنا هذا. وتكلَّمنا على معاني هذا الحديثِ هُناكَ، بما يُغني عن إعادتِهِ هاهُنا، وباللَّه توفيقُنا. أخبَرَنا خلَفُ بن القاسم وعبدُ اللَّه بن محمدِ بن أسدٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن جعفرِ بن الوَردِ، قال: حدَّثنا بكرُ بن سَهْلٍ والوليدُ بن العبّاسِ بن مُسافِرٍ، قالا: حدَّثنا أبو صالح عبدُ اللَّه بن صالح (٣)، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثني عُبيدُ اللَّه بن أبي جَعْفرٍ، عن أبي الأسودِ، عن هشام بن عُروةَ، عن يحيى بن سَعيدٍ، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ، أنَّها قالت في لَحْم الضَّحايا: كُنّا نُصلِحُ منهُ، ويَقْدَمُ فيه النّاسُ إلى المدينةِ، وقال لنا رسُولُ اللَّه ﷺ : "لا تأكُلُوا إلّا ثلاثةَ أيام". ليسَ بالعَزيمةِ، ولكِن أرادَ أن يُطعِمُوا منهُ (٤). فهذا الحديثُ يُبيِّنُ لكَ معنى النَّهي عن أكلِ لُحُوم الضَّحايا: أنَّهُ كان ندبًا إلى الخيرِ لا إيجابًا. وفي إسنادِ هذا الحديثِ رِوايةُ النَّظيرِ عنِ النَّظيرِ، والكبيرِ عنِ الصَّغيرِ، وعلى هذا كان السَّلفُ ﵃ أجمعين.

стр. 5834

حديثٌ سادِسٌ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ عائشةَ أُمَّ المُؤمِنينَ أخْبَرتها: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كان عندَها، وأنَّها سمِعَتْ صوتَ رَجُلٍ يَسْتأذِنُ في بيتِ حَفْصةَ، قالت عائشةُ: فقلتُ: يا رَسُولَ اللَّه هذا رجُلٌ يَسْتأذِنُ في بيتِكَ. فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "أُراهُ فُلانًا" -لعمِّ حَفْصةَ من الرَّضاعةِ- فقالت عائشةُ: يا رسُولَ اللَّه لو كان فُلانٌ حيًّا، لعمِّها من الرَّضاعةِ، دخَلَ عليَّ؟ فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "نعَمْ، إنَّ الرَّضاعةَ تُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الوِلادةُ". قد مَضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ، وما كان مِثلهُ، في بابِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ، فلا معنَى لإعادةِ ذلك هاهُنا. وقد نَسَبْنا عمرةَ بنتَ عبدِ الرَّحمنِ فيما مَضَى أيضًا، من كِتابِنا هذا. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: لعمِّ حَفْصةَ من الرَّضاعةِ. فإنَّهُ كان عمَّها؛ لأنَّهُ كان أخا عُمر بن الخطّابِ من الرَّضاعةِ، أرْضَعتهُما امرأةٌ واحِدةٌ، وليسَ كأفلحَ أخي أبي القُعَيسِ، عمِّ عائشةَ. وقد ذكَرْنا كيفَ المعنى في قِصّةِ عائشةَ، مع أخي أبي القُعَيسِ، في بابِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ، فلا معنَى لتكريرِهِ هاهُنا. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "إنَّ الرَّضاعةَ تُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الوِلادةُ" ففيه دليلٌ على أنَّ امرأةَ الابنِ من الرَّضاعةِ مُحرَّمةٌ. فإن ظنَّ ظانٌّ، أنَّ في قولِ اللَّه : ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] دليلٌ على أنَّ الأبناءَ من الرَّضاعةِ، لا تُحرَّمُ

стр. 5835

حَلائلهُم على آبائهِم، فليسَ كما ظنَّ؛ لأنَّ هذه الآيةَ إنَّما نزلَتْ في حَلائلِ الأبناءِ من الأصلابِ، نفيًا للذينِ تَبنَّوا، ولم يكونُوا أبناءً، مِثل زيدِ بن حارِثةَ، إذ تبنّاهُ رسُولُ اللَّه ﷺ ، وكان يُدعَى: زيد بن محمدٍ، حتّى نَزَلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، ثُمَّ نكحَ رسُولُ اللَّه ﷺ امرأتهُ، بعدَ أن قَضَى زيدٌ منها وَطَرهُ وطلَّقها، فمعنى قولِهِ: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ يُريدُ غير المُتَبنَّينَ. وأمّا الرَّضاعةُ فلا، ألا تَرى إلى قولِ اللَّه : ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] بعد قولِهِ: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾، أنَّهُ قد دخلَ فيه بإجماع المُسلِمينَ: الأُختانِ من الرَّضاعةِ، لِما بيَّنهُ رسُولُ اللَّه ﷺ في الرَّضاعةِ أنَّها تُحرِّمُ ما يُحرِّمُ النَّسبُ، فلو تزوَّجَ رجُل صَبِيَّتينِ رَضِيعتينِ، فجاءَتِ امرأةٌ، فأرْضَعتهُما، صارتا أُختَينِ بالرَّضاع، وحُرِّمتا عليه، واستأنفَ نِكاحَ أيَّتِهِما شاءَ. فقِفْ على الأصلِ في هذا البابِ، وفي كلِّ بابٍ، تَعرِف به وجهَ الصَّوابِ.

стр. 5836

حديثٌ سابعٌ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر، عن عَمرةَ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: كان فيما أُنزِلَ من القُرآنِ: "عَشْرُ رَضَعاتٍ معلُوماتٍ [يُحرِّمنَ] (٢) ". ثُمَّ نُسِخنَ بخَمسٍ معلُوماتٍ، فتُوُفِّي رسُولُ اللَّه ﷺ وهُو مِمّا يُقرَأُ من القُرآنِ. هذا أصحُّ إسنادٍ لهذا الحديثِ عن عائشةَ (٣). وإلى القَول بهذا الحديثِ، في مِقدارِ الرَّضاع المُحرِّم، ذهَبَ الشّافِعيُّ (٤) وجماعةٌ، وهُو مذهبُ عائشةَ. وقد ذكَرْنا من جاءَ معهُم من العُلماءِ على ذلك، ومن خالَفهُم فيه، ودليلَ كلِّ واحِدٍ منهُم، فيما ذهَبَ إليه من ذلك، في بابِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ. وقد تقدَّم القولُ في معنى ناسخ القُرآنِ ومَنسُوخِهِ، وما في ذلك من الوُجُوهِ، في بابِ زيدِ بن أسلمَ. ومَضَى القولُ في مِقدارِ ما يُحرِّمُ من الرَّضاع، وما للعُلماءِ في ذلك من التَّنازُع، في بابِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ أيضًا. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن عُمرَ، قال: حدَّثنا خالدُ بن الحارِثِ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن صالح أبي الخليلِ، عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ،

стр. 5837

عن مُسَيكةَ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: لا تُحرِّمُ الرَّضعةُ، ولا الرَّضْعَتانِ، ولا يُحرِّمُ من الرِّضاع أقلُّ من سبع رَضَعاتٍ (١). قال أحمدُ بن زُهَيرٍ: خالَفهُ هشامٌ، عن قتادةَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن عُمر، قال: حدَّثنا مُعاذُ بن هشام، قال: حدَّثني أبي، عن قَتادةَ، عن أبي الخليلِ صالح بن أبي مريمَ، عن يُوسُف بن ماهَك، عن عبدِ اللَّه بن الزُّبَيرِ، عن عائشةَ، قالت: إنَّما يُحرِّمُ من الرِّضاع سَبْعُ رَضَعاتٍ (٢). قال: وحدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن عُمرَ، قال: حدَّثنا مُعاذُ بن هشام، قال: حدَّثني أبي، عن قَتادةَ، عن أبي الخليلِ صالح بن أبي مريمَ، عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ، عن أُمِّ الفَضْلِ: أنَّ رجُلًا من بني عامرٍ، قال: يا رسُولَ اللَّه، هل تُحرِّمُ الرَّضعةُ الواحِدةُ؟ قال: "لا" (٣). قال أبو عُمر: اختُلِف على قَتادةَ في هذا الحديثِ، فيما ذكرَ أحمدُ بن زُهَيرٍ، وغيرُهُ، وهي عِندي أحاديثُ جَمَعها صالحُ بن أبي مريمَ، ليسَ فيها اختِلافٌ،

стр. 5838

والأحاديثُ عن عائشةَ في هذا مُضْطرِبةٌ، ويستحيلُ أن تكونَ السَّبعُ مَنسُوخةً عندَها بخمسٍ، ثُمَّ تُفتي بالسَّبع، ولا تقُومُ بما نُقِلَ عن عائشةَ في هذا الحديثِ حُجّةٌ. وقد مَضَى القولُ في ذلك بما يكفي، في بابِ ابنِ شِهاب، والحمدُ للَّه. وأمّا من جِهةِ الإسنادِ، فحديثُ مالكٍ أثبتُ عندَ أهلِ العِلْم بالحديثِ، من حديثِ صالح أبي الخَليلِ؛ لأنَّ نَقَلتهُ كلَّهُم أئمّةٌ عُلماءُ جِلّةٌ، وإن كان قد قيلَ: إنَّ مالكًا انفرَدَ بهذا الحديثِ عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، وإنَّ عبدَ اللَّه بن أبي بكرٍ انفرَدَ به عن عَمرةَ، وإنَّهُ لا يُعرَفُ إلّا بهذا الإسنادِ، ولكِنَّهُم عُدُولٌ، يجِبُ العَملُ بما رَوَوهُ، وباللَّه التَّوفيقُ (١).

стр. 5839

حديثٌ ثامِنٌ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن عَمْرةَ، أنَّها أخبَرتهُ: أنَّ زيادَ بن أبي سُفيانَ كتبَ إلى عائشةَ زوج النَّبيِّ ﷺ ، أنَّ عبد اللَّه بن عبّاسٍ قال: من أهْدَى هديًا، حرُمَ عليه ما يحرُمُ على الحاجِّ، حتّى يُنحَرَ الهَدْيُ. وقد بَعثتُ بهَدْيٍ، فاكتُبي إليَّ بأمرِكِ، أو مُرِي صاحِبَ الهَدْي. قالت عَمرةُ: فقالت عائشةُ: ليسَ كما قال ابنُ عبّاسٍ، أنا فتَلتُ قلائدَ هَدْيِ رسُولِ اللَّه ﷺ بيَديَّ، ثُمَّ قَلَّدَها رسُولُ اللَّه ﷺ بيدِهِ، ثُمَّ بعثَ بها رسُولُ اللَّه ﷺ مع أبي، فلم يَحْرُم على رسُولِ اللَّه ﷺ شيءٌ أحلَّهُ اللَّه لهُ، حتّى نُحِرَ الهَدْيُ. هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عندَ جميع رُواتِهِ، فيما علِمتُ (٢). ورواهُ عُثمانُ بن عُمرَ، عن مالكٍ، بخِلافِ بعضِ مَعانيهِ، لأنَّهُ ذكَرَ فيه الإشعارَ، وليسَ ذلك في رِوايةِ غيرِهِ في هذا الحديثِ، عن مالكٍ فيما علِمتُ (٣). حدَّثناهُ سعيدُ بن عُثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحَيم، قال: حدَّثنا يحيى بن محمدِ بن صاعِدٍ، عن يَعقُوبَ الدَّورقيِّ، عن عُثمان بن عُمرَ، عن مالكٍ، عن

стр. 5840

عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن عَمرةَ، عن عائشةَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قلَّدَ هَدْيهُ، وأشْعَرهُ، وبعَثَ به إلى مكّةَ، وأقامَ بالمدينةِ، فلم يَجْتنِبْ شيئًا كان لهُ حَلالًا (١). قال أبو عُمر: هذا اللَّفظُ ليسَ بصحيح في حديثِ مالكٍ هذا، وإنَّما هُو مَعرُوفٌ في حَديثِ أفلَحَ بن حُميدٍ، عنِ القاسم، عن عائشةَ (٢). وسَنذكُرُهُ في هذا البابِ إن شاءَ اللَّه. وفي حديثِ مالكٍ في "المُوطَّأ" مَعانٍ من الفِقهِ: منها: أنَّ عبد اللَّه بن عبّاسٍ كان يَرى، أنَّ من بعثَ بهَدْيٍ إلى الكعبةِ، لزِمهُ إذا قلَّدهُ، أن يُحرِمَ ويجتنِب كلَّ ما يجتنِبُ الحاجُّ، حتّى يُنْحَر هَدْيهُ. وقد تابَع عبد اللَّه بن عبّاسٍ على ذلك: عبدُ اللَّه بن عُمرَ (٣)، وطائفةٌ. ورُوي بمِثلِ ذلك أثرٌ مرفُوعٌ من حديثِ جابرٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . ومنها: أنَّ أصحابَ النَّبيِّ ﷺ كانوا يختلِفُونَ في مَسائلِ الفِقهِ، وعُلُوم الدِّيانةِ، فلا يَعيبُ بعضُهُم بعضًا، بأكثرَ من رَدِّ قولِهِ، ومُخالَفتِهِ إلى ما عِندهُ من السُّنّةِ في ذلك، وهكذا يجِبُ على كلِّ مُسلِم. ومنها: ما كان عليه الأُمَراءُ من الاهتِبالِ بأمرِ الدِّينِ، والكِتابِ فيه إلى البُلدانِ. ومنها: عملُ أزْواج النَّبيِّ ﷺ بأيديهِنَّ، وامتِهانُهُنَّ أنفُسهُنَّ، وكذلك كان رسُولُ اللَّه ﷺ يَمتهِنُ نفسهُ في عَملِ بيتِهِ، فرُبَّما خاطَ ثوبهُ، ورُبَّما خصَفَ نَعلهُ، وقد قلَّدَ هَدْيهُ المذكُورَ في هذا الحَديثِ بيَدِهِ ﷺ .

стр. 5841

ذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن ذرٍّ، قال: سمِعتُ عَطاءَ بن أبي رباح، يقولُ: رأيتُ عائشةَ تَفتِلُ القَلائد للغَنم تُساقُ معَها هَدْيًا (١). ومنها: التَّطوُّعُ بإرسالِ الهَدْيِ إلى الكَعْبةِ، تقرُّبًا إلى اللَّه بذلك. وفي ذلك دليلٌ على فضْلِ الهَدْيِ، والضَّحايا. ومنها: أنَّ تقليدَ الهَدْيِ، لا يُوجِبُ على صاحِبِهِ الإحرام. وهذا المعنى الذي سِيقَ (٢) لهُ الحديثُ، وهُو الحُجّةُ عِند التَّنازُع، وقد تَنازَعَ العُلماءُ، واختَلفُوا في ذلك. فأمّا مالكٌ، فذكَرَ ابنُ وَهْبٍ، وغيرُهُ عنهُ: أنَّهُ سُئلَ عمّا اختلَفَ النّاسُ فيه من الإحْرام في تَقليدِ الهَدْيِ، مِمَّن لا يُريدُ الحجَّ ولا العُمرةَ؟ فقال: الأمرُ عندَنا الذي نأخُذُ به في ذلك، قولُ عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعَثَ بهديِهِ، ثُمَّ أقامَ، فلم يَتْرُك شيئًا مما أحلَّ اللَّه لهُ، حتّى نحَرَ الهَدْي (٣). قال مالكٌ: ولا يَنْبغي أن يُقلِّدَ الهَدْي، ولا يُشعَرَ، إلّا عندَ الإهلالِ، إلّا رجُل لا يُريدُ الحجَّ، فيبعثُ بهديِهِ، ويُقيمُ حلالًا في أهلِهِ (٤). وقال الثَّوريُّ: إذا قلَّدَ الهَدْيَ، فقد أحرمَ، إن كان يُريدُ الحجَّ أوِ العُمرةَ، وإن كان لا يُريدُ ذلك، فليَبْعث بهديِهِ، وليُقِمْ حلالًا (٥).

стр. 5842

وقال الشّافِعيُّ وأبو ثورٍ (١) وداودُ: لا يكونُ أحدٌ مُحرِمًا بسياقةِ الهَدْي، ولا بتَقْليدِهِ، ولا يجِبُ عليه بذلك إحرامٌ، حتّى ينويهُ ويُريدهُ. وقال أبو حَنِيفةَ: من ساقَ هديًا، وهُو يؤُمُّ البيت، ثُمَّ قلَّدهُ، فقد وجَبَ عليه الإحرامُ، وإن جلَّلَ (٢) الهَدْي، أو أشْعَرهُ، لم يكُن مُحرِمًا، إنَّما يكونُ مُحرِمًا بالتَّقليدِ. وقال: إن كان معهُ شاةٌ فقلَّدَها، لم يَجِب عليه الإحرامُ؛ لأنَّ الغنمَ لا تُقلَّدُ. وقال: إن بعثَ بهديِهِ فقلَّدهُ، وأقام حلالًا، ثُمَّ بَدا لهُ أن يخرُجَ، فخرج واتَّبع هديهُ، فإنَّهُ لا يكونُ مُحرِمًا حين يخرُجُ، إنَّما يكونُ مُحرِمًا (٣) إذا أدركَ هديهُ، وأخذهُ وسارَ به، وساقهُ معهُ. وقال أبو حَنيفةَ وأبو يُوسُف ومحمدٌ: إن بعثَ بهديٍ لمُتعةٍ، ثُمَّ أقامَ حَلالًا أيامًا، ثُمَّ خرجَ، وقد كان قلَّدَ هديهُ، فهُو مُحرِمٌ حينَ يخرُجُ، ألا ترى أنَّهُ بعَثَ بهديِ المُتْعةِ؟ وقال ابنُ عبّاسٍ، وابنُ عُمر، وميمُونُ بن أبي شَبيبٍ وجَماعةٌ: من قلَّدَ، أو أشْعَرَ، أو جلَّل فقد أحرَمَ، وإن كان في أهلِهِ (٤). وليسَ (٥) في الرِّوايةِ عنِ ابنِ عبّاسٍ وابنِ عُمر: أو جلَّل. وإنَّما ذلك عن ميمُونٍ وحدهُ. فأمّا الحديثُ الذي إليه ذهَبَ منِ اتَّبع ابن عبّاسٍ وابن عُمرَ على قولِهِما في هذا البابِ، فما وجَدتُهُ في أصلِ سَماع أبي، ﵀: أنَّ محمدَ بن أحمد بن قاسم بن

стр. 5843

هِلالٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا نَصرُ بن مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا أسدُ بن مُوسى، قال: حدَّثنا حاتِمُ بن إسماعيلَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عَطاءِ بن أبي (١) لَبِيبةَ، عن عبدِ الملكِ بن جابرٍ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّه، قال: كنتُ عندَ النَّبيِّ ﷺ جالِسًا، فقَدَّ (٢) قَمِيصهُ من جَيْبه (٣)، حتّى أخرَجهُ من رِجْلَيهِ، فنظرَ القومُ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: "إنِّي (٤) أمَرْتُ ببُدْني التي بَعثتُ بها أن تُقلَّدَ وتُشعَرَ على مكانِ كذا وكذا، فلبِستُ قَمِيصي، ونَسِيتُ، فلم أكُن لأُخرِجَ قَمِيصي من رأسِي". وكان بعَثَ ببُدنِهِ، وأقامَ بالمدينةِ (٥). فذهَبَ قومٌ، إلى أنَّ الرَّجُل إذا بعَثَ بهديِهِ، وأقامَ في أهلِهِ، فقلَّدَ الهَدْي وأشْعَرهُ: أنَّهُ يَتَجرَّدُ، فيُقيمُ كذلك، حتّى يحِلَّ النّاسُ من حجِّهِم. واحتجُّوا بهذا الحديثِ، وبما مَضَى في حديثِ مالكٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، من قولِهِ: من أهْدَى هديًا، حرُمَ عليه ما يَحرُمُ على الحاجِّ، حتّى ينحَرَ الهَدْي. وعبدُ الرَّحمنِ بن عَطاءِ بن أبي لبيبةَ هذا، رجُلٌ من أهلِ المدينةِ، شيخٌ رَوَى عنهُ جماعةٌ من أهلِ المدينةِ (٦)، منهُم: حاتِمُ بن إسماعيلَ، وسُليمانُ بن بلالٍ، والدَّراورديُّ وداودُ بن قَيْسٍ.

стр. 5844

ويروي هو عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، وعامرِ بن سعدٍ. ويُقالُ: عبدُ الرَّحمنِ بن لبيبةَ، وعبدُ الملكِ بن جابرٍ هذا، ليس بالمشهُورِ بالنَّقل. وذكَرَ عبدُ الرَّزّاق، قال: أخبَرنا داودُ بن قَيْسٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عطاءٍ، أنَّهُ سمِعَ ابني جابرٍ يُحدِّثانِ، عن أبيهما جابرِ بن عبدِ اللَّه، قال: بينا النَّبيُّ ﷺ جالِسٌ مع أصحابِهِ إذ شقَّ قميصهُ، حتّى خرجَ منهُ، فسُئلَ، فقال: "وَعَدتُهُم يُقلِّدُونَ هَدْيي اليومَ، فنسيتُ" (١). وذكر عبدُ الرَّزّاق، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن أيُّوبَ، عنِ ابنِ سِيرينَ، قال. وأخبَرنا هشامُ بن حَسّان، عنِ ابنِ سِيرينَ: أنَّ ابن عبّاسٍ بعَثَ بهديِهِ، ثُمَّ وقَعَ على جاريةٍ لهُ، فأُتِي مُطرِّف بن الشِّخِّيرِ في المنام، فقيلَ لهُ: ائتِ ابن عبّاسٍ، فمُرهُ أن يُطهِّرَ فرْجهُ. فلمّا أصبَحَ أبَى أن يأتيهُ، فأُتي اللَّيلةَ الثّانيةَ، فقيلَ لهُ مثلَ ذلك، وأُتي ليلةً ثالِثةً فقيل لهُ قولٌ فيه بعضُ الشِّدّةِ، فلمّا أصبَحَ أتَى ابن عبّاسٍ فأخبَرهُ بذلك، فقال ابنُ عبّاس: وما ذاك؟ ثُمَّ ذكَرَ، فقال: إنِّي وَقَعتُ على فُلانةٍ، بعدَما قلَّدتُ الهَدْي، فكتَبَ ذلك اليوم الذي وقَعَ عليها، فلمّا قدِمَ ذلك الرَّجُلُ الذي بعَثَ بالهَدْيِ معهُ، سألهُ: أيَّ يوم قلَّدْتَ الهَدْيَ؟ فأخبَرهُ، فإذا هُو قد وقَعَ عليها بعدَما قلَّدَ الهَدْي، فأعتَقَ ابنُ عبّاسٍ جاريتهُ تلك. قال: وأخبَرنا ابنُ جُريج، قال: أخبَرنا نافعٌ، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: إذا قلَّدَ الرَّجُلُ هَدْيهُ، فقد أحرمَ، والمرأةُ كذلك، فإن لم يحُجَّ، فهُو حرامٌ حتّى يُنحَرَ هَدْيُهُ. قال: وأخبَرنا مَعْمرٌ، عن أيُّوب، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ مِثلهُ.

стр. 5845

وحمّادُ بن سَلَمةَ، عن أيُّوب، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّهُ كان إذا بعَثَ بهَدْيِهِ، أمسكَ عنِ النِّساءِ (١). وروى يحيى بن سعيدٍ القَطّانُ، عن عُبيدِ اللَّه، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: إذا قلَّدَ الرَّجُلُ الهَدْي وأشْعَرهُ، فقد أحرمَ، وإن كان في أهلِهِ (٢). وقد روى أبو العاليةِ، عنِ ابنِ عُمرَ، خِلافَ ما رَوَى نافعٌ؛ ذكَرَ حمّادُ بن سَلَمةَ، عن أيُّوب، عن أبي العاليةِ، قال: سألتُ ابن عُمر عنِ الرَّجُلِ يبعثُ بهَدْيِهِ، أيُمسِكُ عنِ النِّساءِ؟ فقال ابنُ عُمر: ما عَلِمنا المُحرِمَ يحِلُّ، حتّى يطُوفَ بالبيتِ (٣). وذكَرَ مَعْمرٌ، عن أيُّوبَ، عن أبي العاليةِ، قال: سمِعتُ ابن عُمرَ، يقولُ: يقولونَ (٤): إذا بعثَ الرَّجُلُ بالهَدْيِ، فهُو محُرِمٌ. واللَّه لو كان مُحرِمًا، ما كان لهُ حِلٌّ، دُونَ أن يطُوفَ بالبيتِ. قال أيُّوبُ: فذكَرتُهُ لنافع، فأنْكَرهُ. ورَوَى شُعبةُ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن مَيمُونِ بن أبي شَبيبٍ، قال: من قلَّدَ، أو أشعَرَ، أو جَلَّل، فقد أحرَمَ (٥). قال أبو عُمر: لم يَلْتفِت مالكٌ، ومن قال بقولِهِ، إلى حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن عَطاءِ بن لبيبةَ، عنِ ابني (٦) جابرٍ، عن جابرٍ. المذكُورِ في هذا البابِ، ورَدُّوهُ بحديثِ عائشةَ، لتواتُرِ طُرُقِهِ عنها وصِحَّتِهِ، وما يَصْحبُهُ من جِهةِ النَّظرِ، إلى ثُبُوتِهِ من طَريقِ الأثرِ.

стр. 5846

رواهُ مسرُوقُ بن الأجْدَع (١)، والأسودُ بن يزيدَ، عن عائشةَ. وهُشامُ بن عُروةَ، عن أبيه (٢)، عن عائشةَ. وابنُ شِهاب، عن عُروةَ، وعَمْرةُ عن عائشةَ (٣). وعبدُ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيه، عن عائشةَ (٤). وأفلحُ بن حُميدٍ، عنِ القاسم، عن عائشةَ. ذكر مَعمرٌ، عنِ الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: إن كنتُ لأفتِلُ قَلائدَ هَدْيِ رسُولِ اللَّه ﷺ ، ثُمَّ يَبْعثُ بها، فما يجتنِبُ شيئًا مِمّا يجتنِبُ المُحرِمُ (٥). وذكر ابنُ وَهبٍ، عنِ اللَّيثِ، عنِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ وعمرةَ، عن عائشةَ مِثلهُ (٦). وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن هشام بن (٧) عُروةَ، عن أبيه، قال: دخلَ رجُلٌ على عائشةَ، فقال: إنَّ ابن زيادٍ قلَّدَ بُدُنَهُ، فتَجرَّدَ. قالت عائشةُ: فهل كانت لهُ كعبةً يطُوفُ بها؟ قالوا: لا. قالت: واللَّه ما حلَّ أحدٌ من حَجٍّ ولا عُمرةٍ، حتّى يطُوفَ بالبيتِ. ثُمَّ قالت: لقد كنتُ أفتِلُ قلائدَ هَدْيِ رسُولِ اللَّه ﷺ ،

стр. 5847

ثُمَّ يَبْعثُ بها، فما يَتَّقي. أو قالت: فما يجتنِبُ شيئًا مِمّا يجتنِبُ المُحرِمُ (١). وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وأحمدُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عنِ الشَّعبيِّ، عن مَسرُوقٍ، قال: قلتُ لعائشةَ: إنَّ رِجالًا هاهُنا يبعثُونَ بالهَدْيِ إلى البيتِ، ويأمُرُونَ الذين يبعثُونهُم أن يُعرِّفُوهُمُ اليوم الذي يُقلِّدُونها، فلا يَزالُونَ مُحرِمينَ، حتّى يحِلَّ النّاسُ، فصفَّقت بيَدِها، فسمِعتُ ذلك من وراءِ الحِجابِ، فقالت: سُبحانَ اللَّه، لقد كنتُ أفتِلُ قلائدَ هَدْيِ رسُولِ اللَّه ﷺ بيدَيَّ، فيَبْعثُ بها إلى الكَعْبةِ، ويُقيمُ فينا لا يترُكُ شيئًا مِمّا يَصْنعُ الحلالُ، حتّى يَرْجِعَ النّاسُ (٢). حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا هارُونُ بن عيسى، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن مَسْلَمةَ القَعْنَبيُّ، قال: حدَّثنا أفلحُ بن حُميدٍ، عنِ القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ، قالت: فتلتُ قلائد بُدنِ رسُولِ اللَّه ﷺ بيدي، ثُمَّ قلَّدَها وأشْعَرَها، وبعَثَ بها إلى البيتِ وأقامَ بالمدينةِ، فما حرُمَ عليه شيءٌ كان لهُ حلالًا (٣).

стр. 5848

والآثارُ عن عائشةَ بهذا مُتواتِرةٌ. وبها قال مالكٌ، والشّافِعيُّ، في أكثرِ أهلِ الحِجازِ، وأبو حنيفةَ، والثَّوريُّ، والحسنُ بن حيٍّ، وعُبيدُ اللَّه بن الحسنِ، في جَماعةِ أهلِ العِراقِ، والأوزاعيُّ في أهلِ الشّام، واللَّيثُ بن سعدٍ، وأحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ ابنُ راهوية، وأبو عُبيدٍ، وأبو ثورٍ، وداودُ، والطَّبَريُّ. ولم يقُل واحِدٌ منهُم بحديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن عَطاءٍ، وليسَ عندَهُم بذلك، وتركَ مالكٌ الرِّوايةَ عنهُ، وهُو جارُهُ، وحسبُك بهذا. إلّا أنَّ أبا حَنِيفةَ وأصحابهُ، خصُّوا الإبِل إذا قلَّدها من قَصَدَ البيتَ، أنَّهُ يكونُ بتَقليدِهِ لها مُحرِمًا، إذا كان قاصِدًا للحَجِّ، أوِ العُمرةِ إلى البيتِ. وليسَ كذلك عندَهُم من قلَّدَ الغنمَ، وإن أمَّ البيتَ، لأنَّ الغنمَ لا تُقلَّدُ عندَهُم (١). وهُو قولُ مالكٍ، وأصحابِهِ في الغنَم: أنَّها لا تُقلَّدُ. قال مالكٌ وأصحابُهُ: تُقلَّدُ الإبِلُ والبقرُ، ولا تُقلَّدُ الغَنمُ، وتُجزِئُ النَّعلُ الواحِدةُ في التَّقليدِ، وتجعلُ حَبائلَ (٢) القلائدِ مِمّا شِئتَ. وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: يُقلَّدُ كلُّ هَدْيِ، مُتعةٍ، أو قِرانٍ، أو تَطوُّع، من الإبِلِ والبَقرِ، فأمّا الغَنمُ فلا تُقلَّدُ، ولا يُقلَّدُ هديُ إحصارٍ، ولا جِماع، ولا جَزاءِ صَيْدٍ، ولا حِنْثٍ في يمينٍ، يُهدي جَزُورًا أو بقرةً. وقالوا: التَّجليلُ حَسَنٌ، ولا يضُرُّ تَرْكُهُ، والتَّقليدُ أوجَبُ منهُ. وقال مالكٌ (٣): جِلالُ البُدنِ من عَملِ النّاسِ، وهُو من زينتِها، ولا بأسَ بشقِّ أوساطِ الجِلالِ، إذا كانت بالثَّمنِ اليَسيرِ، بالدِّرهمينِ ونحوِ ذلك؛ لأنَّ ذلك زينةٌ لها.

стр. 5849

وقال الشّافِعيُّ (١): تُقلَّدُ الإبِلُ والبقرُ، وتُقلَّدُ الغنمُ الرِّقاع. وقال أبو ثورٍ: تُقلَّدُ البُدنُ، والهَدْيُ كلُّها، من الإبِلِ والبَقرِ والغَنم، تَطوُّعًا كانت أو واجِبةً، في مُتعةٍ أو قِرانٍ، أو جَزاءِ صيدٍ، أو نَذرٍ، أو يَمينٍ، إذا اختارَ صاحِبُ الهَدْي، قلَّدَ ذلك كلَّهُ إن شاءَ، ويُجلِّلُ الهَدْيَ بما شاءَ (٢). واحتجَّ منِ أجازَ تَقليدَ الغنم، بما رواهُ أبو مُعاويةَ، عن الأعْمَش (٣)، عن إبراهيمَ، عنِ الأسودِ، عن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أهْدَى إلى البيتِ مرّةً غَنمًا، فقلَّدها. حدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمد بن (٤) مُعاويةُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٥): حدَّثنا هنّاد (٦) بن السَّريِّ، عن أبي مُعاويةَ، فذكرَهُ. قال أحمدُ بن شُعيبٍ (٧): وأخبرنا محمدُ بن قُدامةَ، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن منصُورٍ، عن إبراهيم، عنِ الأسودِ، عن عائشةَ، قالت: لقد رأيتُني أفتِلُ قلائدَ هديِ رسُولِ اللَّه ﷺ من الغَنم، فيبعثُ بها، ثُمَّ يُقيمُ فينا حَلالًا.

стр. 5850

وروى شُعبةُ (١) وسُفيانُ (٢)، عن منصُورٍ بإسنادِهِ نحوهُ. وشُعبةُ (٣) أيضًا وسُفيانُ (٤)، عنِ الأعمشِ، عن إبراهيم، عنِ الأسودِ، عن عائشةَ مِثلهُ. ومحمدُ بن جُحادةَ (٥)، عنِ الحكم، عن إبراهيم، عنِ الأسودِ، عن عائشةَ معناهُ (٦). واحتجَّ من لم يَرَ تقليدَ الغَنم، بأنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ إنَّما حجَّ حجّةً واحِدةً، لم يُهدِ فيها غنمًا. وأنكرُوا حديثَ الأسودِ عن عائشةَ، في تَقليدِ الغَنم، قالوا: هُو حديثٌ لا يَعرِفُهُ أهلُ بيتِ عائشةَ. واختلَفَ الفُقهاءُ أيضًا في إشعارِ البُدنِ (٧). فقال مالكٌ (٨): تُشعَرُ الإبِلُ والبقرُ، ولا تُشعرُ الغنمُ، وتُشعَرُ في الشِّقِّ الأيسرِ.

стр. 5851

وكذلك قال أبو يُوسُف ومحمدٌ مِثل قولِ مالكٍ سواءً في ذلك كلِّهِ. وحُجّةُ من رأى الإشعار: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ أشعَرَ؛ أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): أخبرنا أبو الوليدِ الطَّيالِسيُّ وحفصُ بن عُمرَ، المعنى، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، عن قَتادةَ. قال أبو الوليدِ: سمِعتُ أبا حسّان، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ صلَّى الظُّهرَ بذي الحُلَيفةِ، ثُمَّ دَعا ببَدَنةٍ فأشْعَرَها من صَفْحةِ سَنامِها الأيمنِ، ثُمَّ سلَتَ الدَّم عنها، وقلَّدَها بنَعلينِ، ثُمَّ أُتي براحِلةٍ، فلمّا قعدَ عليها، واسْتَوَتْ به على البَيْداءِ، أهلَّ بالحجِّ. قال أبو داود: وهذا مِمّا تفرَّدَ به أهلُ البصرةِ من السُّننِ، لا يَشْرَكُهُم فيه أحدٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أشعرَ من الجانِبِ الأيمنِ. قال أبو عُمر: هذا هُو المعرُوفُ المحفُوظُ في حديثِ ابنِ عبّاسٍ هذا: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ أشعَرَ بَدَنتهُ من شِقِّها الأيمنِ. ورأيتُ في كِتابِ ابنِ عُليّةَ، عن أبيه، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن أبي حسّان الأعرج، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ أشعَرَ بدنةً من الجانِبِ الأيسرِ، ثُمَّ سلَتَ الدَّمَ عنها، وقلَّدها نَعْلينِ. وهذا عِندي مُنكرٌ في حديثِ ابنِ عبّاسٍ هذا، والمعرُوفُ فيه ما ذكَرَهُ أبو داود: الجانِبُ الأيمنُ. لا يَصِحُّ في حديثِ ابنِ عبّاسٍ غيرُ ذلك. إلّا أنَّ عبد اللَّه بن عُمرَ كان يُشعِرُ بَدَنتهُ من الجانِبِ الأيسرِ. هكذا روى مالكٌ (٢) وأيُّوبُ وعُبيدُ اللَّه بن عُمر، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ.

стр. 5852

وهُو قولُ مالكٍ، وأبي يُوسُف، ومحمدٍ، وجماعةٍ، وهُو المعرُوفُ عن عطاءٍ. وقد رَوَى مَعْمرٌ، عنِ الزُّهريِّ، عن سالم، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّهُ كان يُشعِرُ في الشِّقِّ الأيمنِ، حين يُريدُ أن يُحرِمَ (١). ورَوَى ابنُ عُليّةَ، عن أيُّوبَ، عن نافع، قال: كان ابنُ عُمر يُشعِرُ من الجانِبِ الأيسرِ، ورُبَّما أشعرَ من الجانِبِ الأيمنِ (٢). وهُو أمرٌ خفيفٌ عندَ أهلِ العِلم، لا يكرهُونَ شيئًا من ذلك. وقد كان ابنُ عُمرَ رُبَّما أشعرَ في السَّنام. وروى مالكٌ (٣)، عن نافع، قال: كان ابنُ عُمرَ إذا وخزَ في سَنام بَدَنتِهِ يُشعِرُها، قال: بسم اللَّه، واللَّه أكبرُ. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، عنِ الثَّوريِّ، عن منصُورٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: تُشْعَرُ البُدنُ من حيثُ تيسَّر (٤). وقال أبو حَنيفةَ: أكرهُ الإشعار؛ لأنَّهُ تعذيبٌ للبُدنِ، في غَيرِ نَفْع لها، ولا لصاحِبِها، لنَهيِ رسُولِ اللَّه ﷺ عنِ اتِّخاذِ شيءٍ فيه الرُّوحُ غَرضًا (٥). ولِنهيِهِ عنِ المُثلةِ (٦).

стр. 5853

وقال الشّافِعيُّ وأبو ثورٍ وأحمدُ وإسحاقُ وسائرُ أهلِ العِلم: تُشعرُ البُدنُ في الشِّقِّ الأيمنِ. وحُجَّتُهُم: أنَّ رسُول اللَّه ﷺ قلَّد بَدَنةً، وأشْعَرَها من الشِّقِّ الأيمنِ، وسلَتَ الدَّم عنها. رواهُ ابنُ عبّاسٍ وغيرُهُ عنِ النَّبيِّ ﷺ (١). وأمّا من جِهةِ النَّظرِ، فإنَّ الأُصُولَ كلَّها تشهدُ، أنَّ المُحرِمَ لا يحِلُّ إلّا بعمَلٍ يعملُهُ، أقلُّهُ الطَّوافُ بالبيتِ، والسَّعيُ بين الصَّفا والمروةِ. وهذا أمرٌ مُتَّفقٌ عليه. وفي حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن عَطاءٍ، وقولِ (٢) ابنِ عبّاسٍ، وابنِ عُمرَ، ما يُوجِبُ أن يحِلَّ، دُونَ عَمَل يَعْملُهُ، إذا نَحرَ هَدْيهُ، وهذا خِلافُ الإحْرام المُتَّفَقِ عليه. وليسَ حديثُ جابرٍ، مِمّا يُعارَضُ بمِثلِهِ حديثُ عائشةَ عندَ أهلِ العِلم بالحديثِ، وقد كان ابنُ الزُّبيرِ يحلِفُ: إنَّ فِعلَ ما رُوي عنِ ابنِ عبّاسٍ وابنِ عُمرَ في هذا البابِ بدعةٌ، ولا يجُوزُ في العُقولِ أن يحلِفَ على أنَّ ذلك بدعةٌ، إلّا وهُو قد علِمَ أنَّ السُّنّةَ خِلافُ ذلك. رَوى مالكٌ (٣)، عن يحيى بن سَعيدٍ، عن محمدِ بن إبراهيمَ بن الحارِثِ التَّيميِّ، عن ربيعةَ بن عبدِ اللَّه بن الهُديرِ، أنَّهُ رأى رَجُلًا مُتجرِّدًا بالعِراقِ، قال: فسَألتُ النّاسَ عنهُ، فقالوا: أمرَ بهديِهِ أن يُقلَّدَ، فلِذلك تجرَّدَ. قال ربيعةُ: فلقيتُ عبدَ اللَّه بن الزُّبيرِ، فقال: بدْعةٌ وربِّ الكَعْبةِ. وفي حديثِ عائشةَ أيضًا من الفِقهِ، ما يرُدُّ الحديثَ الذي رواهُ شُعبةُ، عن مالكِ بن أنَسٍ، عن عُمرَ بن مُسلِم بن أكيمةَ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أُمِّ سلمةَ،

стр. 5854

أنَّ رسُول اللَّه ﷺ قال: "إذا دخَلَ العَشْرُ، فأرادَ أحدُكُم أن يُضحِّي، فلا يأخُذ من شَعرِهِ، ولا من أظْفارِهِ شيئًا" (١). ففي هذا الحديثِ أنَّهُ لا يجُوزُ لمن أرادَ أن يُضحِّى أن يحلِقَ شَعْرًا، ولا يَقُصَّ ظُفرًا. وفي حديثِ عائشةَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ لم يجتنِب شيئًا مِمّا يجتنِبُهُ المُحرِمُ، حينَ قلَّد هَدْيهُ، وبعث به. وهُو يرُدُّ حديث أُمِّ سلمةَ ويدفعُهُ. وحديثُ أمِّ سلَمةَ لم يُدخلهُ مالك في "مُوطَّئه" ولو كان عندَهُ صحيحًا، لأدخلَهُ في "موطَّئه" كما أدخَلَ فيه ما يُعارضُه ويَدْفَعُه (٢). ومِمّا يدُلُّ على ضَعفِهِ وَوَهنِهِ: أنَّ مالكًا رَوَى عن عُمارةَ بن عبدِ اللَّه، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ، قال: لا بأسَ بالاطِّلاءِ بالنَّورةِ في عَشْرِ ذي الحِجّةِ (٣). فتَرْكُ سعيدٍ لاسْتِعمالِ هذا الحديثِ، وهُو راويتُهُ، دليل على أنَّهُ عندَهُ غيرُ ثابتٍ، أو مَنسُوخٌ. وقد أجمعَ العُلماءُ، على أنَّ الجِماعَ مُباحٌ في أيام العَشْرِ، لمن أرادَ أن يُضحِّي، فما دُونهُ أحْرَى أن يكونَ مُباحًا.

стр. 5855

ومذهَبُ مالكٍ: أنَّهُ لا بأسَ بحَلْقِ الرَّأسِ، وتقليم الأظْفارِ، وقَصِّ الشّارِبِ، في عَشْرِ ذي الحِجّةِ، وهُو مذهبُ سائرِ الفُقهاءِ أيضًا (١) بالمدينةِ، والكُوفةِ (٢). وقال اللَّيثُ بن سعدٍ، وقد ذُكِر لهُ حديثُ سَعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أُمِّ سلمةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من أهلَّ عليه منكُم هِلالُ ذي الحِجّةِ، وأرادَ أن يُضحِّي، فلا يأخُذ من شَعرِهِ وأظْفارِهِ، حتّى يُضحِّي". فقال اللَّيثُ: قد رُوي هذا، والنّاسُ على غيرِ هذا (٣). وقال الأوزاعيُّ: إذا اشْتَرى أُضْحَيتهُ بعدَما دخلَ العشرُ، فإنَّهُ يَكُفُّ عن قَصِّ شارِبِهِ وأظفارِهِ، وإنِ اشْتَراها قبلَ أن يدخُل العَشرُ فلا بأسَ. واختلَفَ قولُ الشّافِعيِّ في ذلك، فمرّةً قال: من أرادَ أن يُضحِّي، لم يَمسَّ في العَشْرِ من شعرِهِ شيئًا، ولا من أظفارِهِ. وقال في موضِع آخر: أُحِبُّ لمن أرادَ أن يُضحِّي، أن لا يَمسَّ في العَشْرِ من شعرِهِ ولا من أظفارِهِ شيئًا، حتّى يُضحِّي، لحديثِ أُمِّ سَلَمةَ، فإن أخَذَ من شَعرِهِ وأظفارِهِ فلا بأسَ؛ لأنَّ عائشةَ قالت: كنتُ أفتِلُ قلائدَ هدي رسُولِ اللَّه ﷺ . . . الحديثَ. وذكَرَ الأثرمُ، أنَّ أحمدَ بن حَنْبل كان يأخُذُ بحديثِ أُمِّ سلمةَ هذا. قيلَ لهُ: فإن أرادَ غيرُهُ أن يُضحِّي، وهُو لا يُريدُ أن يُضحِّي؟ فقال: إذا لم يُرِد أن يُضحِّي، لم يُمسِك عن شيءٍ، إنَّما قال: "إذا أرادَ أحدُكُم أن يُضحِّي" (٤).

стр. 5856

وقال: ذكرتُ لعبدِ الرَّحمنِ بن مهديٍّ حديثَ عائشةَ: كان النَّبيُّ ﷺ إذا بعَثَ بالهَدْي، وحديثَ أُمِّ سلَمةَ: إذا دخلَ العَشْرُ، فبَقِي عبدُ الرَّحمنِ، ولم يأتِ بجوابٍ، فذكَرتُهُ ليَحْيَى بن سعيدٍ، فقال يحيى: ذاك لهُ وجهٌ، وهذا لهُ وجهٌ، حديثُ عائشةَ: إذا بعثَ بالهَدْيِ وأقامَ، وحديثُ أُمِّ سلمةَ: إذا أرادَ أن يُضحِّي بالمِصرِ. قال أحمدُ: وهكذا أقولُ. قيل لهُ: فيُمسِكُ عن شَعْرِهِ وأظفارهِ؟ قال: نعم، كلُّ من أرادَ أن يُضحِّي. فقيل لهُ: هذا على الذي بمكّةَ؟ فقال: لا، بل على المُقيم. وقال: هذا الحديثُ رواهُ شُعبةُ، عن مالكٍ، عن عَمرِو (١) بن مُسلِم، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أُمِّ سلمةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٢). ورواهُ ابنُ عُيَينةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حُمَيدٍ، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أُمِّ سَلَمةَ، رَفعهُ إلي النَّبيِّ ﷺ (٣). قال: وقد رواهُ يحيى بن سَعيدٍ القطّانُ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حُمَيدٍ هكذا، ولكِنَّهُ وقَفهُ على أُمِّ سَلَمةَ. قال: وقد رواهُ محمدُ بن عَمرٍو، عن شيخ مالكٍ. قيلَ لهُ: إنَّ قَتادةَ يروي عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ: أنَّ أصحاب النَّبيِّ ﷺ كانوا

стр. 5857

إذا اشْتَروا ضَحاياهُم، أمسكُوا عن شُعُورِهِم وأظفارِهِم، إلى يوم النَّحرِ. فقال: هذا يُقوِّي هذا، ولم يَرهُ خِلافًا، ولا ضَعَّفهُ. قال أبو عُمر: حديثُ قَتادةَ هذا اختُلِفَ فيه على قَتادةَ، وكذلك حديثُ أُمِّ سَلَمةَ مُختلَفٌ فيه، وفي رُواتِهِ من لا تقُومُ به حُجّة، وأكثرُ أهلِ العِلم يُضعِّفُونَ هذينِ الحَدِيثينِ. وقد ذكر عِمرانُ بن أنسٍ: أنَّهُ سأل مالكًا عن حديثِ أُمِّ سلمةَ هذا، فقال: ليسَ من حَدِيثي. قال: فقلتُ لجُلسائهِ: قد رواهُ عنهُ شُعبةُ، وحدَّث به عنهُ، وهُو يقولُ: ليسَ من حديثي. فقالوا لي: إنَّهُ إذا لم يأخُذ بالحديثِ، قال فيه: ليسَ من حديثي. قال أبو عُمر: عِمْرانُ (١) بن أنَسٍ هذا مَدَنيٌّ في سِنِّ مالكِ بن أنَسٍ، يُكْنَى أبا أنَسٍ، وليسَ هُو عِمرانَ بن أبي أنَسٍ أبا شُعَيبٍ المدنيَّ، وعِمرانُ بن أبي أنَسٍ أوثقُ من عِمرانَ بن أنَسِ، فقِفْ على ذلك. حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرِ بن حرب، قال (٢): حدَّثنا يحيى بن أيُّوب، قال: حدَّثنا مُعاذُ بن مُعاذٍ العَنْبريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا عَمرُو بن مُسلِم بن عُمارةَ بن أُكيمةَ اللِّيثيُّ، قال: سمِعتُ سعيد بن المُسيِّبِ، يقولُ: سمِعتُ أُمَّ سلمةَ تقولُ: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "من كان لهُ ذِبْحٌ يَذْبحُهُ، فإذا أهلَّ هِلالُ ذي الحِجّةِ، فلا يأخُذُ من شَعرِهِ، ولا من أظْفارِهِ شيئًا".

стр. 5858

وبه عن أحمد بن زُهَير، قال (١): حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمةَ، عن عبدِ اللَّه بن محمدِ بن عَقيلٍ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "إذا دخلَ الرَّجُلُ في العَشرِ، وابتاعَ أُضْحِيتهُ، فلْيُمسِك عن شَعْرِهِ وأظفارِهِ". قلتُ: النِّساءُ؟ قال: "أمّا النِّساءُ، فلا". لم يذكُرِ ابنُ عَقيلٍ في حديثِهِ: أُمَّ سَلَمةَ. قال (٢): وحدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلَمةَ، عن قَتادةَ، عن كثيرِ بن أبي كثيرٍ مولى عبدِ الرَّحمنِ بن سَمُرةَ، عن يحيى بن يَعمُر، أنَّ عليَّ بن أبي طالِبٍ قال: إذا دخلَ العَشْرُ، واشْتَرى أُضْحَيتهُ، أمسكَ عن شَعْرِهِ وأظفارِهِ. قال قتادةُ: فأخبَرتُ بذلك سعيد بن المُسيِّبِ، فقال: كذلك كانوا يقولُونَ.

стр. 5859

حديثٌ تاسِعٌ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم، عن عبدِ الملكِ بن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن هشام، عن خَلّادِ بن السّائبِ الأنصاريِّ، عن أبيه، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "أتاني جِبريلُ فأمَرَني أن آمُرَ أصْحابي أو مَنْ مَعِي، أن يَرْفعُوا أصواتهُم بالتَّلبيةِ، أو بالإهْلالِ". يُريدُ أحدهُما. هذا حديثٌ اختُلِف في إسنادِهِ اختِلافًا كثيرًا، وأرجُو أن تكونَ رِوايةُ مالكٍ فيه أصَحَّ ذلك إن شاءَ اللَّه (٢). فأمّا الثَّوريُّ، فرَوَى هذا الحديث عن عبدِ اللَّه بن أبي لبيدٍ (٣)، عنِ المُطَّلِبِ بن عبدِ اللَّه بن حَنْطبٍ، عن خَلّادِ بن السّائبِ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهَنيِّ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "جاءَني جِبريلُ فقال: مُرْ أصْحابكَ فلْيرفعُوا أصْواتهُم بالتَّلبيةِ، فإنَّها شِعارُ الحجِّ". ذكرهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (٤)، عن وكيع، عن سُفيان الثَّوريِّ بهذا الإسنادِ.

стр. 5860

وذكر ابنُ سَنْجرٍ، قال: حدَّثنا قَبِيصةُ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عبدِ اللَّه بن أبي لبيدٍ، قال: أخبَرنا المُطَّلِبُ بن عبدِ اللَّه بن حَنْطبٍ، عن خَلّادِ بن السّائبِ، عن أبيه، عن زَيْدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "أتاني جِبريلُ فقال: ارفَعْ صوتَكَ بالإهلالِ، فإنَّهُ شِعارُ الحجِّ" (١). هكذا قال قَبيصةُ: خلّادُ بن السّائبِ، عن أبيه. ولم يقُل: وكيعٌ: عن أبيه (٢). وقد مَضَى القولُ في مَعنى التَّلبيةِ والإهلالِ، فيما سلفَ من هذا الكِتابِ، والمعنَى فيهما واحِدٌ، وذلك: رَفْعُ صوتِ الحاجِّ بـ: "لبَّيْكَ اللَّهُمَّ لبَّيْكَ"، على ما مَضَى في حديثِ نافع، عنِ ابنِ عُمرَ (٣) من ألفاظِ التَّلبيةِ. واختلَفَ العُلماءُ في وُجُوبِ التَّلبيةِ وكيفيَّتِها، فذهَبَ أهلُ الظّاهِرِ إلى وُجُوبِ التَّلبيةِ، منهُم: داودُ، وغيرُهُ. وقال سائرُ أهلِ العِلْم: ذلك من سُننِ الحجِّ وزينتِهِ. وكان مالكٌ يَرى على من تركَ التَّلبيةَ من أوَّلِ إحْرامِهِ، إلى آخِرِ حجِّهِ، دمًا يُهريقُهُ (٤). وكان الشّافِعيُّ وأبو حَنِيفةَ، لا يَرَيانِ عليه شيئًا، وإن كان قد أساءَ عندَهُم.

стр. 5861

وقد مضَتْ هذه المسألةُ، في بابِ نافع من هذا الكِتابِ مُجوَّدةً. وكذلك أوجبَ أهلُ الظّاهِرِ رفعَ الصَّوتِ بالتَّلبيةِ، ولم يُوجِبهُ غيرُهُم. وقال مالكٌ: يرفعُ المُحرِمُ صَوْتهُ بالتَّلبيةِ قدرَ ما يُسمِعُ نَفسهُ، وكذلك المرأةُ تَرْفعُ صَوْتها قدرَ ما تُسمِعُ نفسها. وقال في "المُوطَّأ" (١): لا يرفعُ المُحرِمُ صَوْتهُ بالإهلالِ في المساجِدِ، مَساجِدِ الجماعةِ ليُسْمِعَ نفسَهُ ومن يَليهِ، إلّا المسجِدَ الحَرامَ، ومَسجِد منًى، فإنَّهُ يَرْفعُ صوتهُ فيهما. قال: ولا (٢) يُلبِّي عِند اصْطِدام الرِّفاقِ. وقال إسماعيلُ بن إسحاقَ: الفَرْقُ بين المسجِدِ الحرام ومَسجِدِ منًى، وبينَ سائرِ المساجِدِ في رَفْع الصَّوتِ بالتَّلبيةِ: أنَّ مساجِدَ الجماعةِ إنَّما بُنِيت للصَّلاةِ خاصّةً، فكُرِهَ رفعُ الصَّوتِ فيها، وجاءَتِ الكراهيةُ في رَفْع الصَّوتِ فيها عامًّا، لم يُخصَّ أحدٌ من أحدٍ، إلّا الإمامُ الذي يُصلِّي بالنّاسِ فيها، فدخَلَ المُلبِّي في الجُملةِ، ولم يدخُل في ذلك المسجِدُ الحرامُ ومسجِدُ منًى؛ لأنَّ المسجِدَ الحرامَ جُعِلَ للحاجِّ وغيرِ الحاجِّ، قال اللَّه : ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] وكان المُلبِّي إنَّما يقصِدُ إليه، فكانَ لهُ فيه من الخُصُوصِ ما ليسَ في غَيرِه. وأمّا مَسْجِدُ منًى، فإنَّه (٣) للحاجِّ خاصّةً.

стр. 5862

قال: وقد ذكرَ أبو ثابتٍ، عنِ ابنِ (١) نافع، عن مالكٍ: أَنَّهُ سُئلَ عنِ المُحرِم: هل يرفعُ صوتهُ بالتَّلبيةِ في المساجِدِ التي بينَ مكّةَ والمدينةِ؟ قال: نعم، لا بأسَ بذلك. قال إسماعيلُ: لأنَّ هذه المساجِد إنَّما جُعِلت للمُجتازينَ، وأكثرُهُمُ المُحرِمُونَ، فهُم من النَّحوِ الذي وصفنا (٢). وقال الشّافِعيُّ وأبو حنيفةَ والثَّوريُّ وأصحابُهُم: يرفعُ المُحرِمُ صوتهُ بالتَّلبيةِ (٣)، ويُلبِّي عندَ اصطِدام الرِّفاقِ، والإشْرافِ، والهُبُوطِ، واستِقبالِ اللَّيل، وفي المساجدِ كلِّها (٤). وقد كان الشّافِعيُّ يقولُ بالعِراقِ مِثل قولِ مالكٍ، ثُمَّ رجع إلى هذا، على ظاهِرِ الحديثِ المذكُورِ في هذا البابِ وعُمُومِهِ، لأنَّهُ لم يخُصَّ فيه مَوْضِعًا من موضِع. وكان ابنُ عُمر يرفعُ صوتهُ بالتَّلبيةِ (٥). وقال ابنُ عبّاس: هي زينةُ الحجِّ (٦). وقال أبو حازِم: كان أصحابُ رسُولِ اللَّه ﷺ لا يبلُغُونَ الرَّوحاءَ حتّى تُبحَّ حُلُوقُهُم من التَّلبيةِ (٧).
следующие страницы →