← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5858–5897 · переход к 5863.

стр. 5858

وبه عن أحمد بن زُهَير، قال (١): حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمةَ، عن عبدِ اللَّه بن محمدِ بن عَقيلٍ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "إذا دخلَ الرَّجُلُ في العَشرِ، وابتاعَ أُضْحِيتهُ، فلْيُمسِك عن شَعْرِهِ وأظفارِهِ". قلتُ: النِّساءُ؟ قال: "أمّا النِّساءُ، فلا". لم يذكُرِ ابنُ عَقيلٍ في حديثِهِ: أُمَّ سَلَمةَ. قال (٢): وحدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلَمةَ، عن قَتادةَ، عن كثيرِ بن أبي كثيرٍ مولى عبدِ الرَّحمنِ بن سَمُرةَ، عن يحيى بن يَعمُر، أنَّ عليَّ بن أبي طالِبٍ قال: إذا دخلَ العَشْرُ، واشْتَرى أُضْحَيتهُ، أمسكَ عن شَعْرِهِ وأظفارِهِ. قال قتادةُ: فأخبَرتُ بذلك سعيد بن المُسيِّبِ، فقال: كذلك كانوا يقولُونَ.

стр. 5859

حديثٌ تاسِعٌ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم، عن عبدِ الملكِ بن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن هشام، عن خَلّادِ بن السّائبِ الأنصاريِّ، عن أبيه، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "أتاني جِبريلُ فأمَرَني أن آمُرَ أصْحابي أو مَنْ مَعِي، أن يَرْفعُوا أصواتهُم بالتَّلبيةِ، أو بالإهْلالِ". يُريدُ أحدهُما. هذا حديثٌ اختُلِف في إسنادِهِ اختِلافًا كثيرًا، وأرجُو أن تكونَ رِوايةُ مالكٍ فيه أصَحَّ ذلك إن شاءَ اللَّه (٢). فأمّا الثَّوريُّ، فرَوَى هذا الحديث عن عبدِ اللَّه بن أبي لبيدٍ (٣)، عنِ المُطَّلِبِ بن عبدِ اللَّه بن حَنْطبٍ، عن خَلّادِ بن السّائبِ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهَنيِّ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "جاءَني جِبريلُ فقال: مُرْ أصْحابكَ فلْيرفعُوا أصْواتهُم بالتَّلبيةِ، فإنَّها شِعارُ الحجِّ". ذكرهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (٤)، عن وكيع، عن سُفيان الثَّوريِّ بهذا الإسنادِ.

стр. 5860

وذكر ابنُ سَنْجرٍ، قال: حدَّثنا قَبِيصةُ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عبدِ اللَّه بن أبي لبيدٍ، قال: أخبَرنا المُطَّلِبُ بن عبدِ اللَّه بن حَنْطبٍ، عن خَلّادِ بن السّائبِ، عن أبيه، عن زَيْدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "أتاني جِبريلُ فقال: ارفَعْ صوتَكَ بالإهلالِ، فإنَّهُ شِعارُ الحجِّ" (١). هكذا قال قَبيصةُ: خلّادُ بن السّائبِ، عن أبيه. ولم يقُل: وكيعٌ: عن أبيه (٢). وقد مَضَى القولُ في مَعنى التَّلبيةِ والإهلالِ، فيما سلفَ من هذا الكِتابِ، والمعنَى فيهما واحِدٌ، وذلك: رَفْعُ صوتِ الحاجِّ بـ: "لبَّيْكَ اللَّهُمَّ لبَّيْكَ"، على ما مَضَى في حديثِ نافع، عنِ ابنِ عُمرَ (٣) من ألفاظِ التَّلبيةِ. واختلَفَ العُلماءُ في وُجُوبِ التَّلبيةِ وكيفيَّتِها، فذهَبَ أهلُ الظّاهِرِ إلى وُجُوبِ التَّلبيةِ، منهُم: داودُ، وغيرُهُ. وقال سائرُ أهلِ العِلْم: ذلك من سُننِ الحجِّ وزينتِهِ. وكان مالكٌ يَرى على من تركَ التَّلبيةَ من أوَّلِ إحْرامِهِ، إلى آخِرِ حجِّهِ، دمًا يُهريقُهُ (٤). وكان الشّافِعيُّ وأبو حَنِيفةَ، لا يَرَيانِ عليه شيئًا، وإن كان قد أساءَ عندَهُم.

стр. 5861

وقد مضَتْ هذه المسألةُ، في بابِ نافع من هذا الكِتابِ مُجوَّدةً. وكذلك أوجبَ أهلُ الظّاهِرِ رفعَ الصَّوتِ بالتَّلبيةِ، ولم يُوجِبهُ غيرُهُم. وقال مالكٌ: يرفعُ المُحرِمُ صَوْتهُ بالتَّلبيةِ قدرَ ما يُسمِعُ نَفسهُ، وكذلك المرأةُ تَرْفعُ صَوْتها قدرَ ما تُسمِعُ نفسها. وقال في "المُوطَّأ" (١): لا يرفعُ المُحرِمُ صَوْتهُ بالإهلالِ في المساجِدِ، مَساجِدِ الجماعةِ ليُسْمِعَ نفسَهُ ومن يَليهِ، إلّا المسجِدَ الحَرامَ، ومَسجِد منًى، فإنَّهُ يَرْفعُ صوتهُ فيهما. قال: ولا (٢) يُلبِّي عِند اصْطِدام الرِّفاقِ. وقال إسماعيلُ بن إسحاقَ: الفَرْقُ بين المسجِدِ الحرام ومَسجِدِ منًى، وبينَ سائرِ المساجِدِ في رَفْع الصَّوتِ بالتَّلبيةِ: أنَّ مساجِدَ الجماعةِ إنَّما بُنِيت للصَّلاةِ خاصّةً، فكُرِهَ رفعُ الصَّوتِ فيها، وجاءَتِ الكراهيةُ في رَفْع الصَّوتِ فيها عامًّا، لم يُخصَّ أحدٌ من أحدٍ، إلّا الإمامُ الذي يُصلِّي بالنّاسِ فيها، فدخَلَ المُلبِّي في الجُملةِ، ولم يدخُل في ذلك المسجِدُ الحرامُ ومسجِدُ منًى؛ لأنَّ المسجِدَ الحرامَ جُعِلَ للحاجِّ وغيرِ الحاجِّ، قال اللَّه : ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] وكان المُلبِّي إنَّما يقصِدُ إليه، فكانَ لهُ فيه من الخُصُوصِ ما ليسَ في غَيرِه. وأمّا مَسْجِدُ منًى، فإنَّه (٣) للحاجِّ خاصّةً.

стр. 5862

قال: وقد ذكرَ أبو ثابتٍ، عنِ ابنِ (١) نافع، عن مالكٍ: أَنَّهُ سُئلَ عنِ المُحرِم: هل يرفعُ صوتهُ بالتَّلبيةِ في المساجِدِ التي بينَ مكّةَ والمدينةِ؟ قال: نعم، لا بأسَ بذلك. قال إسماعيلُ: لأنَّ هذه المساجِد إنَّما جُعِلت للمُجتازينَ، وأكثرُهُمُ المُحرِمُونَ، فهُم من النَّحوِ الذي وصفنا (٢). وقال الشّافِعيُّ وأبو حنيفةَ والثَّوريُّ وأصحابُهُم: يرفعُ المُحرِمُ صوتهُ بالتَّلبيةِ (٣)، ويُلبِّي عندَ اصطِدام الرِّفاقِ، والإشْرافِ، والهُبُوطِ، واستِقبالِ اللَّيل، وفي المساجدِ كلِّها (٤). وقد كان الشّافِعيُّ يقولُ بالعِراقِ مِثل قولِ مالكٍ، ثُمَّ رجع إلى هذا، على ظاهِرِ الحديثِ المذكُورِ في هذا البابِ وعُمُومِهِ، لأنَّهُ لم يخُصَّ فيه مَوْضِعًا من موضِع. وكان ابنُ عُمر يرفعُ صوتهُ بالتَّلبيةِ (٥). وقال ابنُ عبّاس: هي زينةُ الحجِّ (٦). وقال أبو حازِم: كان أصحابُ رسُولِ اللَّه ﷺ لا يبلُغُونَ الرَّوحاءَ حتّى تُبحَّ حُلُوقُهُم من التَّلبيةِ (٧).

стр. 5863

وأجمعَ العُلماءُ على أنَّ السُّنّةَ في المرأةِ: أن لا ترفَعَ صَوْتها، وإنَّما عليها أن تُسمِعَ نفسها، فخرجَتْ من جُملةِ ظاهرِ الحديثِ، وخُصَّتْ بذلك، وبَقِي الحديثُ في الرِّجالِ، وأسَعدُهُم به من ساعدهُ ظاهِر، وباللَّه التَّوفيقُ. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، عن مَعْمرٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن سالم، قال: كان ابنُ عُمر يرفعُ صوتهُ بالتَّلبيةِ، فلا يأتي الرَّوحاءَ حتّى يَصْحَلَ صوتُهُ، أو يَشْخَبَ (١) صوتُهُ (٢). قال أبو عُمر: لا وجهَ لقولِه: أو يَشْخَب. والصَّحيحُ: يَصْحَلَ. قال الخليلُ (٣): صحِلَ صوتُهُ صَحْلًا، فهُو أصحَلٌ (٤): إذا كانت فيه بحّةٌ.

стр. 5864

حديثٌ عاشِرٌ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، عن عبدِ الملكِ بن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن هشام المخزُوميِّ، عن أبيه: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ حينَ تزوَّج أُمَّ سلمةَ، وأصبحَتْ عندَهُ، قال لها: "ليسَ بكِ على أهلكِ هوانٌ، إن شِئتِ سبَّعتُ عندَكِ، وسبَّعتُ عِندهُنَّ، وإن شِئتِ ثلَّثتُ عندَكِ ودُرتُ". فقالت: ثَلِّثْ. هذا حديثٌ ظاهِرُهُ الانقِطاعُ، وهُو مُتَّصِلٌ مُسندٌ صحيحٌ، قد سَمِعهُ أبو بكرٍ من أُمِّ سلَمةَ. أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: أخبرنا أبو بكرٍ أحمدُ بن جعفرِ بن حمدانَ بن مالكٍ ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٢): أخبَرنا عبدُ الرَّزّاقِ (٣) ويحيى بنُ سعيدٍ الأُمويُّ وروحُ بن عُبادةَ، قالوا: حدَّثنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبَرنا حبيبُ بن أبي ثابتٍ، أنَّ عبدَ الحميدِ بن عبدِ اللَّه بن أبي عَمرٍو والقاسمَ بن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن هشام

стр. 5865

أخبَراهُ، أنَّهُما سَمِعا أبا بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن هشام، أنَّ أُمَّ سَلَمةَ زوجَ النَّبيِّ ﷺ أخبَرتهُ، في حَديثٍ طَويلٍ ذَكرُوهُ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال لها: "إن شِئتِ سبَّعتُ لكِ، وإن أُسبِّعْ لكِ، أُسبِّعْ لنِسائي". وقد رُوي هذا الحديثُ من وَجْهٍ آخرَ مُتَّصِلٍ أيضًا. حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا موسى بن إسماعيل. وأخبَرنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا محمدُ (٢) بن سَنْجرٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه ابن عائشةَ. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ (٣) بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جَعفرِ بن حَمْدان، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٤): حدَّثنا عفّانُ، قالوا: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، قال: أخبرنا ثابتٌ، قال: حدَّثني ابنُ عُمرَ بن أبي سلمةَ بمِنًى، عن أبيه، عن أُمِّ سَلَمةَ، في حديثٍ طويلٍ ذكرهُ، في نِكاح رسُولِ اللَّه ﷺ أُمَّ سلمةَ، وفيه: فلمّا بَنَى بأهلِهِ، قال لها: "إن شِئتِ أن أُسبِّع لكِ سبَّعتُ للنِّساءِ (٥) ".

стр. 5866

وهذا لفظُ حديثِ أحمد بن حَنْبل، عن عفّان. قال (١): وحدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا (٢) جعفرُ بن سُليمانَ، عن ثابتٍ، قال: حدَّثني عُمرُ (٣) بن أبي سَلَمةَ. قال: وقال سُليمانُ بن المُغيرةِ: عنِ ابنِ عُمرَ بن أبي سَلَمةَ. قال أبو عُمر: قولُ جَعْفرِ بن سُليمان في هذا الحديثِ، عن ثابتٍ: حدَّثني عُمرُ بن أبي سلمةَ. خطأٌ، وإنَّما هُو لثابتٍ: عنِ ابنِ عُمر بن أبي سلمةَ. كما قال حمّادُ بن سلمةَ، وسُليمانُ بن المُغيرةِ. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: أخبرنا أحمدُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثنا أبي، قال (٤): حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن سُفيانَ، قال: حدَّثني محمدُ بن أبي بكرٍ، عن عبدِ الملكِ بن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيه، عن أُمِّ سَلَمةَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ لمّا تَزوَّجها أقامَ عندَها ثلاثةَ أيام، وقال: "إنَّهُ ليسَ بكِ على أهْلكِ هَوانٌ، إن شِئتِ سبَّعتُ لكِ، وإن سبَّعتُ لكِ، سبَّعتُ لنِسائي". قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "إن سبَّعتُ لكِ، سبَّعتُ لنِسائي"، فإنَّهُ لا يقولُ به مالكٌ ولا أصحابُهُ، وهذا مِمّا تَرَكُوهُ من رِوايةِ أهلِ المدينةِ،

стр. 5867

لحديثٍ بصريٍّ، رواهُ مالكٌ (١)، عن حُميدٍ الطَّويلِ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: للبِكْرِ سَبْعٌ، وللثَّيِّبِ ثلاثٌ. قال مالكٌ: وذلك الأمرُ عِندنا، ولا يُحسَبُ على التي تزوَّج ما أقامَ عندَها. قال أبو عُمر: من قال بحديثِ هذا البابِ يقولُ: إن أقام عندَ البِكرِ، أوِ الثَّيِّبِ سبعًا، أقامَ عندَ سائرِ نِسائهِ سبعًا سبعًا، وإن أقام عندَها ثلاثًا، أقامَ عندَ كلِّ واحِدةٍ منهُنَّ كذلك. وتأوَّلُوا في قولِهِ: "وإن شِئتِ ثلَّثتُ، ودُرتُ"، أي: دُرتُ بثلاثٍ ثلاثٍ على سائرِهِنَّ. وهذا قولُ فُقهاءِ الكُوفيِّين. وفي هذا البابِ عَجَبٌ؛ لأنَّهُ صارَ فيه أهلُ الكُوفةِ إلى ما رَواهُ أهلُ المدينةِ، وصار فيه أهلُ المدينةِ، إلى ما رواهُ أهلُ البَصْرةِ. واختلَفَ الفُقهاءُ في هذا البابِ: فقال مالكٌ (٢) والشّافِعيُّ (٣) وأصحابُهُما والطَّبريُّ: يُقيمُ عندَ البِكرِ سبعًا، وعندَ الثَّيِّبِ ثلاثًا، فإن كانت لهُ امرأةٌ أُخرَى غيرَ التي تزوَّجَ، فإنَّهُ يَقسِمُ بينهُما بعدَ أن تمضيَ أيامُ التي تزوَّجَ. وقال ابنُ القاسم عن (٤) مالكٍ: مُقامُهُ عندَ البِكرِ سبعًا، وعندَ الثَّيِّبِ ثلاثًا، إذا كان لهُ امرأةٌ أُخرى، واجِبٌ (٥).

стр. 5868

قال ابنُ عبدِ الحكم، عن مالكٍ: إنَّما ذلك مُستحبٌّ، وليس بواجِبٍ (١). وقال الأوزاعيُّ: مَضَتِ السُّنّةُ: أن يجلِسَ في بيتِ البِكْرِ سبعًا، وعندَ الثَّيِّبِ أربعًا، وإن تَزوَّجَ بكرًا، ولهُ امرأةٌ أُخْرى، فإنَّ للبِكرِ ثلاثًا، ثُمَّ يَقْسِمُ، وإن تزوَّج الثَّيِّب، ولهُ امرأةٌ كان لها ليلتانِ (٢). وقال الثَّوريُّ: إذا تزوَّجَ البِكرَ على الثَّيِّبِ، أقامَ عندَها ثلاثًا، ثمَّ يَقْسمُ بينَهُما، وإذا تَزوَّجَ الثَّيِّبَ على البكرِ (٣)، أقامَ عندَها ليلتينِ، ثُمَّ قسم بينهُما بعدُ. قال: وقد سَمِعنا حديثًا آخرَ، قال: يُقيمُ مع البِكْرِ سبعًا، ومع الثَّيِّبِ ثلاثًا. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: القسمُ بينهُما سواءٌ: البِكرُ والثَّيِّبُ، ولا يقعُدُ عندَ الواحِدةِ، إلّا كما يَقعُدُ عندَ الأُخرى. قال محمدُ بن الحَسَنِ: لأنَّ الحُرمةَ لهما سواءٌ، ولم يكُن رسُولُ اللَّه ﷺ يُؤثِرُ واحِدة على أُخرَى. واحتجَّ بحديثِ هذا البابِ، وما قدَّمنا في تأويلِهِ (٤). قال أبو عُمر: الأحاديثُ المرفُوعةُ في هذا البابِ عن أنَسٍ (٥)، على ما ذهَبَ إليه مالكٌ والشّافِعيُّ، وهُو الصَّوابُ، وليسَ فيما ذهَبَ إليه غيرُهُما حديثٌ مرفُوعٌ نصًّا. وعن السَّلفِ من الصَّحابةِ والتّابِعين في هذا البابِ من الخِلافِ، مِثلُ ما ذكَرْنا عن فُقهاءِ الأمْصارِ، والحُجّةُ معَ من أدلى بالسُّنّةِ، وباللَّه التَّوفيقُ.

стр. 5869

أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: أخبرنا محمدُ بن بكرِ بن داسةَ، قال: أخبَرنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ وإسماعيلُ، عن خالدٍ الحذّاءِ، عن أبي قِلابةَ، عن أنَسِ بن مالكٍ، قال: إذا تزوَّجَ البِكرَ على الثَّيِّبِ، أقامَ عندَها سبعًا، وإذا تزوَّجَ الثَّيِّبَ أقامَ عندَها ثلاثًا. ولو قلتُ: إنَّهُ رَفعهُ لصَدقتُ، ولكِنَّهُ قال: السُّنّةُ كذلك. قال (٢): وحدَّثنا عُثمانُ بن أبي شيبةَ، عن هُشيم، عن حُميدٍ، عن أنَسٍ، قال: لمّا أخذَ رسولُ اللَّه ﷺ صفيّةَ، أقامَ عندَها ثلاثًا، وكانت ثيِّبًا. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: أخبرنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ الرَّقاشيُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصِم، قال: حدَّثنا سُفيانُ الثَّوريُّ، عن أيُّوبَ وخالدٍ الحذّاءُ، عن أبي قِلابةَ، عن أنَسٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا تزوَّجَ البِكرَ أقامَ عندَها سبعًا، وإذا تزوَّجَ الثَّيِّبَ أقامَ عندَها ثلاثًا" (٣). قال أبو عُمر: هذا الحديثُ فيما يقولُونَ (٤) خطأٌ من أبي عاصِم النَّبيلِ، ولهُ

стр. 5870

خَطَأٌ كثيرٌ عن مالكٍ والثَّوريِّ، وإنَّما المحفُوظُ في حديثِ خالدٍ الحذّاءِ، عن أبي قِلابةَ، عن أنَسٍ، أنَّهُ قال: السُّنّةُ للبِكرِ سَبْعٌ، وللثَّيِّبِ ثَلاثٌ. وأمّا رِوايةُ أيُّوبَ، فالمحفُوظُ فيها-عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : ما حدَّثناهُ سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١)، قال: حدَّثنا يَعْلَى، قال: حدَّثنا محمدٌ، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "للبكرِ سَبعٌ، وللثَّيِّبِ ثلاثٌ". قال أبو عُمرَ (٢): لم يخُصَّ في هذا الحديثِ من كانت عِندهُ امرأةٌ، مِمَّن لم تَكُن عندَهُ امرأةٌ، بل قال: "للبِكرِ سَبْعٌ، وللثَّيِّب ثلاث". قولًا مُطلقًا، وهذا عندَ جماعةٍ من أهلِ العِلْم لمن كانت لهُ غيرُها؛ لأنَّ من لم يكُن لهُ غيرُها، فمقامُهُ كلُّهُ عندَها، ومَبيتُهُ في بَيْتِها، والقسمُ إنَّما هُو في المبيتِ، لا في النَّهارِ.

стр. 5871

وقالت طائفةٌ من العُلماءِ: إنَّهُ يَلْزمُهُ المُقامُ عندَ البِكرِ سبعًا، وعندَ الثَّيِّبِ ثلاثًا، على ظاهِرِ الحديثِ نهارًا وليلًا، ثُمَّ يَقْسِمُ بعدُ في المبيتِ، إن كان لهُ غيرُها. وعلى حَسَبِ هذا الاختِلافِ، اختلفُوا في المُقام عندَها، هل هُو من حُقُوقِها، أو من حُقُوقِ الزَّوج على نِسائهِ غيرها؟ فقالت طائفةٌ: هُو حقٌّ للمرأةِ، إن شاءَت طَلَبتهُ، وإن شاءَت تَرَكتهُ. وقال آخرُونَ: هُو حقٌّ للزَّوج على نِسائهِ، إن شاءَ أقامَ عندَها، وإن شاءَ لم يُقِمْ، وسوَّى بينها وبينَ سائرِ نِسائهِ. وكِلا القولينِ قد رُوي أيضًا عن مالكٍ، ﵀، وظاهِرُ الحديثِ يَشْهدُ لقولِ من جَعلهُ من حقِّ المرأةِ، لقولِهِ: "للبِكرِ سبعٌ، وللثَّيِّبِ ثلاثٌ". ويُوجِبُ عليه (١) في البِكرِ على كلِّ حالٍ، أن يُقيمَ عندَها سبعًا، وعندَ الثَّيِّبِ ثلاثًا، على عُمُوم الآثارِ. وهُو قولُ جماعةٍ أيضًا من فُقهاءِ الأمصارِ، وهُو أمرٌ مَعمُولٌ به عندَهُم، وحسبُكَ بقولِ أنَسٍ: مَضَتِ السُّنّةُ بذلك. وباللَّه التَّوفيقُ.

стр. 5872

حديثٌ حاديَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، عن أبيه، أنَّ أبا البدّاح بن عاصِم بن عَدِيٍّ أخبَرهُ، عن أبيه: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ أرخصَ لرِعاءِ الإبِلِ في البيتُوتةِ عن منًى، يرمُونَ يومَ النَّحرِ، ثُمَّ يرمُونَ الغَدَ، أو من بَعدِ الغَدِ ليومينِ، ثُمَّ يرمُونَ يوم النَّفرِ. أبو بكر (٢) بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم الأنصاريُّ، أُمُّهُ كَبْشةُ ابنةُ عبدِ الرَّحمنِ بن سعدِ (٣) بن زُرارةَ خالتُهُ عَمْرةُ بنتُ عبدِ الرَّحمنِ، كان قاضيًا لعُمرَ بن عبدِ العزيزِ أيامَ إمْرتِهِ على المدينةِ، للوليدِ بن عبدِ الملكِ، فلمّا ولي عُمرُ الخِلافةَ، ولَّى أبا بكرٍ على المدينةِ، فاسْتَقضَى أبو بكرٍ أبا طُوالةَ، وكان أبو بكرٍ يُصلِّي بالنّاسِ، ويتولَّى أمْرَهُم، وتُوُفِّي أبو بكرٍ بالمدينةِ سنةَ عِشرينَ ومئةٍ وهُو ابنُ أربع وثمانينَ سنةً، في قولِ الواقِديِّ (٤). أخبَرنا (٥) عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن بَحْرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ الصّائغُ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ الحُلْوانيُّ (٦)، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، قال: حدَّثنا يحيى بن سَعيدٍ، عن

стр. 5873

عبدِ اللَّه بن دينار (١)، قال: كتبَ عُمرُ بن عبدِ العزيزِ إلى أبي بكر بن محمدٍ: انظُر ما كان من حَديثِ رسُولِ اللَّه ﷺ ، أو سُنّةٍ ماضيةٍ، أو حَديثِ عُمرَ، فاكتُبْهُ، فإنِّي قد خِفْتُ دُرُوسَ العِلم، وذهابَ أهلِهِ. وأبو البدّاح بن عاصِم بن عَدِيٍّ لا يُوقَفُ على اسمِهِ أيضًا، وكُنيتُهُ اسمُهُ، وقال الواقِديُّ: أبو البدّاح لَقَبٌ غلبَ عليه، ويُكْنَى أبا عَمرٍو، تُوُفِّي في سنةِ سبعَ عشْرةَ ومئةٍ، في خِلافةِ هشام بن عبدِ الملكِ وهُو ابنُ أربَع وثمانين سنةً، وهُو أبو البدّاح بن عاصِم بن عديِّ بن الجَدِّ بن العَجْلانِ، من بَليٍّ، من قُضاعةَ، حليفٌ لبني عَمرِو بن عَوْفٍ. وقد (٢) قال بعضُ النّاسِ: إنَّ لأبي البدّاح صُحْبةً. ولا يَصِحُّ ما قال، وإنَّما دخَلَ عليه ذلك، لقولِ ابنِ جُريج: إنَّ أُخت مَعقِلِ بن يَسارٍ كانت تحتَ أبي البدّاح، فطلَّقها، ثُمَّ أرادَ ردَّها، فعَضَلها أخُوها مَعقِلٌ، فنزَلَتِ الآيةُ. والصَّوابُ تحت أبي، أبي البدّاح (٣). وذكَرَ أحمدُ بن خالدٍ، أنَّ يحيى بن يحيى وحدَهُ، من بينِ أصحابِ مالكٍ، قال في هذا الحديثِ عن مالكٍ باسنادِهِ: إنَّ أبا البدّاح: عاصِمُ بنُ عَدِيٍّ. فجعَلَ أبا البدّاح كُنيةَ عاصِم بن عديٍّ، وجعلَ الحديث لهُ. والحديثُ إنَّما هُو لعاصِم بن عديٍّ، هُو الصّاحِبُ، وأبو البدّاح ابنُهُ يرويهِ عنهُ، وهُو الصَّحيحُ فيه عن أبي البَدّاح بن عاصِم بن عَدِيٍّ، عن أبيه. قال: وكذلك رواهُ ابنُ وَهْبٍ (٤)، وابنُ القاسم. قال أبو عُمر: لم نجِدهُ عندَ شُيُوخِنا في كِتابِ يحيى، إلّا: عن أبي البدّاح بن عاصِم بن عديٍّ. كما رواهُ جماعةُ الرُّواةِ، عن مالكٍ، وهُو الصَّحيحُ في إسنادِ هذا

стр. 5874

الحديثِ، كما قال أحمدُ، فإن كان يحيى رواهُ كما قال أحمدُ، فهُو غَلَطٌ من يحيى، واللَّهُ أعلمُ، أو من غيرِهِ. ولم يختلِفُوا في إسنادِ هذا الحديثِ عن مالكٍ، إلّا ما ذكَرَ أحمدُ بن خالدٍ، عن يحيى، وقدِ اختلفُوا عنهُ في ألفاظِهِ. وقد كان سُفيانُ بن عُيَينةَ يقولُ في إسنادِ هذا الحديثِ شيئًا يُشبِهُ ما حَكاهُ أحمدُ عن يحيى في رِوايتِهِ، عن مالكٍ، وَيعْضُدُهُ. وذلك أَنَّهُ قال فيه: عن أبي البَدّاح بن عديٍّ، عن أبيه. ومرّةً لم يقُل: عن أبيه (١). والصَّوابُ في إسنادِ هذا الحديثِ، ما قالهُ مالكٌ في رِوايةِ جُمهُورِ الرُّواةِ عنهُ. أخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): أخبرنا عمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى القطّانُ، قال: حدَّثنا مالكٌ، قال: أخبرنا عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، عن أبي البدّاح بن عاصِم بن عديٍّ، عن أبيه: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ رخَّصَ للرِّعاءِ في البيتُوتةِ، يرمُونَ يوم النَّحرِ، واليومينِ اللَّذينِ بَعَدهُ يجمعُونهُما في أحَدِهِما. قال أبو عُمر: هذا هُو الصَّحيحُ في إسنادِ هذا الحديثِ. وأمّا ألفاظُهُ، فلم يذكُر فيه: "في البيتُوتةِ عن منًى". ومعلُومٌ أنَّهُ إنَّما رخَّص لهم في البيتُوتةِ عن منًى بمكّةَ، هذا ما لا شَكَّ فيه، رخَّصَ لهم في ذلك، ولمن ولي السِّقايةَ من آلِ العبّاسِ. وفي رِوايةِ القَطّانِ هذه، ما يدُلُّ على أنَّ الرِّعاءَ رُخِّصَ لهم في جَمْع رميِ اليومينِ في اليوم الواحِدِ، قَدَّمُوا ذلك، أو أخَّرُوهُ.

стр. 5875

ومالكٌ (١) لا يَرى لهمُ التَّقديم، إنَّما يَرى لهم تأخيرَ رَمْيِ اليوم الثّاني، إلى الثالثِ، ثُمَّ يرمُونَ في الثالثِ ليومينِ؛ لأنَّهُ لا يُقْضَى عندَهُ شيءٌ من ذلك، حتّى يجِبَ. وغيرُهُ يقولُ: لا بأسَ بذلك كلِّهِ؛ لأنَّها رُخصةٌ رُخِّصَ لهم فيها، كما رُخِّصَ لمن نفَرَ وتعجَّلَ في يومينِ. وعندَ مالكٍ (٢): أنَّ الرِّعاءَ إذا رموا في اليوم الثالثِ، وهُو الثّاني من أيام التَّشريقِ لذلك اليوم، ولليوم الذي قبلهُ، نَفرُوا إن شاؤُوا في بَقيّةِ ذلك اليوم، فإن لم ينفِرُوا وبَقُوا إلى اللَّيلِ، لم يَنفِرُوا اليومَ الثالث من أيام التَّشريقِ حتّى يرمُوا في وَقْتِ الرَّميِ بعدَ الزَّوالِ. وإنَّما لم يُجِز مالكٌ للرِّعاءِ تقديمَ الرَّميِ؛ لأنَّ غيرَ الرِّعاءِ لا يجُوزُ لهم أن يرمُوا في أيام التَّشريقِ شَيْئًا من الجِمارِ قبلَ الزَّوالِ، ومن رَماها قبلَ الزَّوالِ، أعادَها، فكذلك الرِّعاءُ ليسَ لهمُ التَّقديمُ، وإنَّما رخَّصَ لهم في تأخيرِ رَمْيِ اليوم الثّاني إلى الثالثِ، فقِفْ على ذلك. قال أبو عُمر: لم يقُلِ القطّانُ في حديثهِ هذا، عن مالكٍ: ثُمَّ يرمُونَ يوم النَّفرِ. وهُو في "المُوطَّأ". واجتمعَ العُلماءُ على أنَّ أيامَ التَّشريقِ كلَّها أيامُ رَمْيٍ، وهي الثَّلاثةُ الأيام بعدَ يوم النَّحرِ. وأجمعُوا أنَّ يومَ النَّحرِ لا يُرْمَى فيه غيرُ جَمْرةِ العَقَبةِ قبلَ الزَّوالِ، ووَقتُها من طُلُوع الشَّمسِ إلى الزَّوالِ. وكذلك أجمعُوا أنَّ وقتَ رَمْي الجَمَراتِ في أيام

стр. 5876

التَّشريقِ الثَّلاثةِ، التي هي أيامُ منًى بعدَ يوم النَّحرِ، وقتُ الرَّميِ فيها (١) بعدَ زوالِ الشَّمسِ إلى غُرُوبِ الشَّمسِ. واختَلفُوا في حُكم مَن تركَ الرَّميَ في اليوم الثّاني من أيام التَّشريقِ. فقال مالكٌ (٢): من نَسِيَ رَمْي الجِمارِ حتّى يُمْسي، فلْيرم أيةَ ساعةٍ ذكرَ (٣)، من ليلٍ أو نهارٍ، كما يُصلِّي أيةَ ساعةٍ ذكرَ، غيرَ أنَّهُ إذا مضَتْ أيامُ منًى، فلا رَمْيَ، فإن ذكَرَ بعدَ أن يصدُرَ، وهُو بمكّةَ، أو بعدَ ما يخرُجُ منْها، فعليه الهَدْيُ. قال ابنُ وَهْبٍ: فقلتُ لمالكٍ: أفرأيتَ الذي يَنْسَى، أو يجهلُ في غيرِ يوم النَّحرِ في أيام منًى، فلا يَرْمي حتّى اللَّيلِ؟ قال: يَرْمي ساعتَئذٍ، ويُهدِي أحبُّ إليَّ، وهُو أخفُّ عِندِي من الذي يفُوتُهُ الرَّميُ يومَ النَّحرِ، حتّى يُمْسي. وقال أبو حَنِيفةَ: إذا تركَ رَمْيَ الجِمارِ كلِّها يومهُ إلى اللَّيلِ وهُو في أيام الرَّمي: رَماها باللَّيلِ، ولا شيءَ عليه، وإن تركَ الرَّمي حتّى يَنْشقَّ الفجرُ، رَمَى وعليه دمٌ (٤). قال: وإن تركَ من جَمْرةِ العَقَبةِ يومَ النَّحرِ ثلاثَ حَصَياتٍ إلى الغَدِ، رماهُنَّ، وعليه صَدَقةُ نِصفِ صاع لكلِّ حَصاةٍ، وإن تركَ أربعَ حَصَياتٍ فما فوْقهُنَّ، كان عليه دمٌ، ورَماهُنَّ إذا لم يَرْم حتّى طلعَ الفجرُ من الغَدِ. وقال أبو يُوسُف ومحمدٌ: يَرْمي ما تركَ من الغدِ، ولا شيءَ عليه (٥). وقال الشّافِعيُّ (٦): أيامُ منًى أيامٌ للرَّميِ، فمن أخَّرَ، أو نسي (٧) شيئًا، قَضَى

стр. 5877

في أيام منًى، فإن مضَتْ أيامُ منًى، ولم يَرْم، أهراقَ لذلك دمًا، إن كان الذي تركَ ثلاث حصياتٍ، وإن كان أقلَّ، ففي كلِّ حَصاةٍ مُدٌّ يتَصدَّقُ به. وهُو قولُ أبي ثورٍ. قال أبو عُمر: أجمعَ العُلماءُ على أنَّ من فاتَهُ رَمَيُ ما أُمِرَ برَميِهِ من الجِمارِ في أيام التَّشريقِ، حتّى غابتِ الشَّمسُ من آخِرِها، وذلك اليومُ الرّابعُ من يوم النَّحرِ، وهُو الثالثُ من أيام التَّشريقِ، فقد فاتَهُ وقتُ الرَّميِ، ولا سبيلَ لهُ (١) إلى الرَّميِ أبدًا، ولكن يَجبُرُهُ بالدَّم، أو بالطَّعام، على حَسَبِ ما للعُلماءِ في ذلك من الأقاويل. فمن ذلك، أنَّ مالكًا قال: لو تركَ الجِمار كلَّها، أو تركَ جمرةً منْها، أو تركَ حَصاةً من جَمْرةٍ، حتّى خرجت أيامُ منًى، فعليه دمٌ (٢). وقال أبو حنيفةَ: إن تركَ الجِمار كلَّها، كان عليه دمٌ (٣)، وإن ترك جمرةً واحِدةً كان عليه لكلِّ حصاةٍ من الجمرةِ إطعامُ مِسكينٍ نِصف صاع حِنطةٍ إلى أن يبلُغ دمًا فيُطعِم ما شاءَ، إلّا جمرةَ العقبةِ فمن تركها فعليه دمٌ (٤). وكذلك قال الأوزاعيُّ، إلّا أَنَّهُ قال: إن تركَ حَصاةً، تَصدَّق بشيءٍ. وقال الثَّوريُّ: يُطْعِمُ في الحَصاةِ، والحَصاتَينِ، والثَّلاثِ، فإن تَركَ أربعًا فصاعِدًا، فعليه دمٌ (٥). وقال اللَّيثُ: عليه في الحَصاةِ الواحِدةِ دمٌ.

стр. 5878

وقال الشّافِعيُّ (١): في الحَصاةِ الواحِدةِ مُدٌّ من طَعام، وفي حَصاتينِ مُدّانِ، وفي ثلاثِ حَصَياتٍ دمٌ. ولهُ قولٌ (٢) آخرَ مِثلُ قولِ اللَّيثِ، والأوَّلُ أشْهَرُ عنهُ. قال أبو عُمر: وقد ذكَرْنا الرُّتبةَ في أوقاتِ رَمْيِ الجَمَراتِ، وذلك لمن لم يُرخَّص لَهُ من سائرِ الحاجِّ كلِّهِم. ورُخِّصَ لرِعاءِ الإبِلِ، ولأهلِ سقايةِ العبّاسِ في المَبيتِ بمكّةَ عن منًى، وكذلك رُخِّصَ لهم في جَمْع رَمْيِ يومَينِ في يوم واحِدٍ على ما جاءَ في الآثارِ المَذْكُور في هذا البابِ. أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: أخبرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبَرنا أبو داودَ، قال (٣): حدثنا القعنبيُّ، عن مالكٍ. قال أبو داودَ: وحدَّثنا ابنُ السَّرح، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، عن أبيه، عن أبي البَدّاح بن عاصِم بن عَدِيٍّ، عن أبيه، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ أرخصَ لرِعاءِ الإبِلِ في البيتُوتةِ يرمُونَ يومَ النَّحرِ، ثُمَّ يرمُونَ الغَدَ، أو من (٤) بعدِ الغَدِ ليومينِ، ثُمَّ يرمُونَ يومَ النَّفرِ. وهذه الألفاظُ كألفاظِ رِوايةِ يحيى سَواءً، إلّا أنَّ القَعْنبيَّ وابن وَهْبٍ لم يذكُرا: عن منًى. وكذلك يحيى القطّانُ، لم يقُل فيه: عن منًى. ومعلُومٌ أنَّهُم إنَّما

стр. 5879

رُخِّصَ لهم في البيتُوتةِ عن منًى، وليسَ تَقْصيرُ من قصَّر عنهُ بشيءٍ، وكذلك رواهُ عبدُ الرَّزّاقِ، عن مالكٍ كما قال هؤُلاءِ: في البيتُوتةِ، لم يقُل: عن منًى. ذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ، عن مالكٍ، قال: حدَّثني عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، عن أبي البدّاح بن عاصِم بن عديٍّ، عن أبيه، قال: رخَّصَ رسُولُ اللَّه ﷺ لرِعاءِ الإبِلِ في البيتُوتةِ أن يرمُوا (١) يومَ النَّحرِ، ثُمَّ يجمعُونَ رَمْي يومينِ، بعدَ يوم النَّحرِ، فيَرْمُونهُ في أحدِهِما (٢)، ثُمَّ يرمُونَ يوم النَّفرِ (٣). وهذا مِثلُ رِوالة يحيى القطّانِ، في أنَّ لهم أن يَجْمَعُوا رَمْي يومينِ في يوم، قَدَّمُوا ذلك، أو أخَّرُوهُ. وألفاظُ "المُوطَّأ" تدُلُّ على هذا؛ لأنَّ قولهُ فيه: ثُمَّ يرمُونَ الغَدَ. يعني: من يوم النَّحرِ، أو منْ بَعدِ الغَدِ ليومينِ، ليَسْتَ: "أو" هاهُنا للشَّكِّ، وإنَّما هي للتَّخييرِ، بلا شكٍّ. وقد بانَ ذلك في رِوايةِ يحيى القطّانِ وعبدِ الرَّزّاقِ وغيرِهِما، عن مالكٍ. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ: ثمَّ (٤) يرمُونَ يوم النَّفرِ. وكذلك في "المُوطَّأ" ولم يذكُرهُ يحيى القطّانُ، وهُو شيءٌ نقَصَهُ. وقد رَوى هذا الحديثَ عبدُ الرَّحمنِ بن مهديٍّ، عن مالكٍ، فجَوَّد إسنادهُ ولفظهُ. قرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٥): حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مهديٍّ،

стр. 5880

قال: حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، عن أبي البَدّاحِ بن عاصِم بن عديٍّ، عن أبيه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ رخَّصَ للرِّعاءِ في البيتُوتةِ عن منًى يَرْمُونَ يومَ النَّحرِ، ثُمَّ يرمُونَ الغَدَ، أو منْ بَعدِ الغَدِ لليومَينِ (١)، ثُمَّ يرمُونَ يومَ النَّفرِ. ففي كلِّ رِوايةٍ عن مالكٍ في "المُوطَّأ" وغيرِهِ في هذا الحديثِ، الرُّخْصةُ للرِّعاءِ في أن يَرْمُوا إن شاءُوا يومَ ثاني النَّحرِ، وهُو الأوَّلُ من أيام التَّشْريقِ ليومَينِ، ثُمَّ لا يَرْمُونَ إلى يوم النَّفرِ، وإن شاؤُوا أن لا يَرْمُوا يومَ ثاني النَّحرِ، وَيَرْمُونَ في اليوم الثالثِ منهُ ليومينِ، أيَّ ذلك شاؤُوا، فذلك لهم على حَديثِ مالكٍ، التَّخييرُ لهم فيه ثابت. وكان مالكٌ يقولُ: يَرْمُونَ يومَ النَّحرِ، يعني: جَمْرةَ العَقَبةِ، ثُمَّ لا يرمُونَ من الغَدِ، فإذا كان بعدَ الغَدِ، رَمَوْا ليومينِ لذلك اليوم، ولليوم الذي قبلهُ؛ لأنَّهُم يَقْضُونَ ما كان عليهم (٢). ولا يَقْضي أحدٌ عندَهُ شيئًا، إلّا بعدَ أن يجِبَ عليه (٣). وغيرُهُ يقولُ: ذلك كلُّهُ جائزٌ، على ما في حديثِ مالكٍ؛ لأنَّها أيامُ رَمْيٍ كلُّها، وقد رُخِّصَ لهم في ذلك، وصحَّتِ الرُّخْصةُ به، والذي قالهُ مالكٌ في هذه المسألةِ موجُودٌ في رِوايةِ ابنِ جُرَيج لهذا الحَديثِ. أخبَرنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِث بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن الهيثم، قال: حدَّثنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبَرني محمدُ بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم،

стр. 5881

عن أبيه، عن أبي البَدّاح، عن (١) عاصِم بن عديٍّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ رخَّصَ للرِّعاءِ أن يَتَعاقبُوا فيْرمُوا يومَ النَّحرِ، ثُمَّ يَدَعُوا يومًا وليلة، ثُمَّ يَرْمُون الغَدَ (٢). وأمّا رِوايةُ ابنِ عُيَينةَ لهذا الحديثِ: فحَدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٣): حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، عن أبي البدّاح بن عديٍّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : أَنَّهُ رخَّصَ للرِّعاءِ أن يَرْمُوا يومًا، وَيدَعُوا يومًا. قال أحمدُ بن زُهَير: وسُئلَ يحيى بن مَعين عن هذا الحديثِ، فقال: أخْطَأ فيه ابنُ عُيينةَ. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ ومحمدٍ، عن أبيهما، عن أبي البدّاح بن عاصِم بن عديٍّ، عن أبيه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أرخصَ للرِّعاءِ أن يرمُوا يومًا، ويدعُوا يومًا. وأمّا البيتُوتةُ بمكّةَ وغيرِها عن منًى ليالي التَّشريقِ، فغيرُ جائزٍ عندَ الجميع، إلّا للرِّعاءِ -على ما في حَديثِ أبي البدّاح هذا عن أبيه- ولمن ولي السِّقايةَ من آلِ العبّاسِ.

стр. 5882

ولا خِلافَ بين العُلماءِ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ سنَّ في حَجَّتِهِ المَبِيتَ بمِنًى ليالي التَّشريقِ. وكذلك قال جماعةٌ من أهلِ العِلم، منهُم مالكٌ وغيرُهُ: أنَّ الرُّخصةَ في المبيتِ عن منًى ليالي منًى، إنَّما ذلك للرِّعاءِ، وللعبّاسِ وولدِهِ خاصّةً، فإنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ ولّاهُم عليها، وأذِنَ لهم في المبيتِ بمكّةَ، من أجلِ شُغلِهِم بالسِّقايةِ (١). وكان العبّاسُ ينظُرُ في السِّقايةِ، ويقومُ بأمرِها، وَيَسْقي الحاجَّ شَرابها أيام الموسِم، فلِذلك أرخَصَ لهُ في المبيتِ عن منًى بمكّةَ، كما أرخَصَ لرِعاءِ الإبِلِ في المبيتِ عن منًى، أيام منًى في إبِلِهِم، من أجلِ حاجتِهِم إلى رَعْي الإبِلِ، وضَرُورتِهِم إلى الخُرُوج بها نحو المَراعِي التي تبعُدُ عن منًى، فلا يجُوزُ لأحَدٍ غيرِهِم ذلك من سائرِ الحاجِّ. أخبَرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْلِ، قال: أخبَرنا محمدُ بن جَريرٍ، قال: حدَّثنا تميمُ بن المُنْتصِرِ الواسِطيُّ، قال: حدَّثنا عَبدُ اللَّه بن نُمَيرٍ (٢)، قال: أخبَرنا عُبيدُ اللَّه، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، أنَّ العبّاسَ استأذَنَ رسُولَ اللَّه ﷺ أن يَبِيتَ بمكّةَ أيامَ منًى، من أجْلِ سِقايتِهِ، فأذِنَ لهُ (٣). وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا ابنُ نُميرٍ وأبو أُسامةَ، عن

стр. 5883

عُبيدِ اللَّه، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ (١)، قال: اسْتَأذنَ العبّاسُ رسُولَ اللَّه ﷺ أن يبيتَ بمكّةَ ليالي منًى، من أجلِ سِقايتِهِ، فأذِنَ لهُ. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): أخبَرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أخبرنا عيسى بن يُونُس، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: رخَّصَ رسولُ اللَّه ﷺ للعبّاسِ بن عبدِ المُطَّلِبِ أن يَبِيتَ بمكّةَ أيامَ منًى، من أجلِ سِقايتِهِ. وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: أخبرنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٣): أخبَرنا إسحاقُ بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، عن مالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، عن أبي البدّاح بن عاصِم بن عديٍّ، عن أبيه: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ رخصَّ لرِعاءِ الإبِلِ في البيتُوتةِ، عن منًى. وذكرَ الحديث. وأخبَرنا أحمدُ بن محمدِ بن أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْلِ بن العبّاسِ، قال: أخبَرنا محمدُ بن جَريرٍ، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، عن حجّاج، عن عطاءٍ، عنِ ابنِ عبّاس: أَنَّهُ كان يأتي منًى كلَّ يوم عندَ زَوالِ الشَّمسِ، فيَرْمي الجِمار، ثُمَّ يرجِعُ إلى مكّةَ فيَبِيتُ بها؛ لأنَّهُ كان من أهْلِ السِّقايةِ (٤).

стр. 5884

واختلَفَ الفُقهاءُ في حُكم من باتَ عن منًى، من غيرِ الرِّعاءِ، وأهلِ السِّقايةِ، من سائرِ الحاجِّ. فقال مالكٌ (١): من تركَ المبيتَ ليلةً من ليالي منًى بمِنًى، فعليه دمٌ. وكذلك عندَهُ (٢) لو تركَ المبيت اللَّيالي كلَّها، عليه دمٌ. وسُئل مالكٌ فيما ذكَرَ أشهبُ، وغيرُهُ عنهُ: عَمَّن أفاضَ يوم النَّحرِ، فباتَ بمكّةَ ليلةً من ليالي منًى؟ قال: أرَى عليه دمًا. وقال أبو حنيفةَ وأبو يُوسُف ومحمدٌ: إن كان يأتي منًى فيَرْمي الجِمارَ، ثُمَّ يَبِيتُ بمكّةَ، فلا شيءَ عليه (٣). وقال الشّافِعيُّ (٤): إذا تركَ المبيتَ بمِنًى ليلةً من ليالي منًى، ففيها ثلاثةُ أقاويل، أحدُها: عليه مُدٌّ. والثّاني: عليه دِرهمٌ. والثالثُ: عليه ثُلُثُ (٥) دم. فإن تركَ ليلتينِ، فكذلك على هذه الثَّلاثةِ الأقاويلِ، أحدُها: مُدّانِ، والآخَرُ: دِرْهمانِ، والآخِرُ: ثُلُثا دم. وأمّا إن تركَ ذلك ثلاثَ ليالٍ، فلم يختلِف قولُهُ: إنَّ عليه دمًا. وقال أبو ثورٍ: إذا باتَ ليالي منًى كلَّها بمكّةَ، فعليه دمٌ. قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا أرْخَصَ في المبيتِ عن منًى ليالي منًى للحاجِّ، إلّا الحسن البَصْريَّ، ورِوايةً رواها عِكْرِمةُ عنِ ابنِ عبّاسٍ. ذكَرَ الطَّبريُّ، عن يعقُوبَ الدَّورقيِّ، عن هُشَيم، عن أبي حُرّةَ، عنِ الحسَنِ: أنَّهُ كان لا يَرى بأسًا أن يبيتَ الحاجُّ أيامَ منًى بمكّةَ، ويأتي منًى إذا أصبَحَ، ويَرْمي الجِمارَ بعدَ الزَّوالِ في كلِّ يوم (٦).

стр. 5885

وذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ، عنِ الأسْلَميِّ، عن داود، عن عِكرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، في رجُلٍ باتَ بمكّةَ أيام منًى، قال: ليس عليه شيءٌ. وعن ابنِ عُيينةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: لا بأسَ أن يبيتَ الرَّجُلُ بمكّةَ ليالي منًى، ويظلَّ إذا رَمَى الجِمارُ. ورَوَى عَطاءٌ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: إذا كان للرَّجُلِ متاعٌ بمكّةَ، فخَشِيَ عليه الضَّيعةُ، إن بات بمِنًى، فلا بأسَ أن يَبِيتَ عِندهُ بمكّةَ (١). وهذه الرِّوايةُ أشبهُ؛ لأنَّهُ خائفٌ مُضطرٌّ، فرُخِّصَ لهُ. وقال ابنُ جُريج، عن عَطاءٍ: إذا جاءَ مكّةَ لغيرِ ضرُورِة وباتَ بها، فلْيُهرِقْ دمًا. ومَعْمرٌ، عنِ الزُّهْريِّ، قال: إذا باتَ بمكّةَ ليالي منًى، فعليه دمٌ. قال أبو عُمر: أجمعَ الفُقهاءُ على أنَّ البيتَ للحاجِّ غيرُ الذين رُخِّصَ لهم لياليَ منًى بمِنًى، من شَعائرِ الحجِّ ونُسُكِهِ، والنَّظرُ يُوجِبُ على كلِّ مُسقِطٍ لنُسُكِهِ دمًا، قياسًا على سائرِ شَعائرِ الحجِّ ونُسُكِهِ. وأحسنُ ما في هذا البابِ، ما رواهُ مالكٌ (٢)، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: قال عُمرُ: لا يَبِيتنَّ أحدٌ من الحاجِّ من وَراءِ العَقَبةِ. وكان يُوكِلُ بذلك رِجالًا، لا يترُكُونَ أحدًا من الحاجِّ يَبِيتُ من وراءِ العقبةِ، إلّا أدخلُوهُ. وهذا يدُلُّ على أنَّ المَبِيتَ بمِنًى (٣) من مُؤَكَّداتِ أُمُورِ الحجِّ، واللَّه أعلمُ (٤).

стр. 5886

حديثٌ ثانيَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: يا رسُولَ اللَّه، إنَّ صفيّةَ بنتَ حُييٍّ قد حاضَتْ، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لعلَّها تحبِسُنا، ألم تكُن طافَتْ مَعكُنَّ بالبيتِ؟ " قُلن: بَلَى، قال: "فاخرُجْنَ". هذا حديثٌ صحيحٌ لم يُختَلف في إسنادِهِ، ولا في مَعناهُ (٢). ورُوي عن عائشةَ من وُجُوهٍ كثيرةٍ صِحاح. وفيه من الفِقهِ: أنَّ الحائضَ لا تَطُوفُ بالبيتِ. وهُو أمرٌ مُجتَمعٌ عليه، لا أعْلَمُ خِلافًا فيه، إلّا أنَّ طائفةً، منهُم أبو حنيفةَ، قالوا: لا يَنْبغي أن يَطُوفَ أحَدٌ إلّا طاهِرًا، فإن طافَ غيرُ طاهِرٍ من جُنُبٍ، أو حائضٍ، فيُجزئهِ، وعليه دمٌ (٣). وقال مالكٌ (٤) والشّافِعيُّ (٥)، وأكثرُ أهلِ العِلم: لا يُجزئه، وعليه أن يعُودَ إليه طاهِرًا، ولو من بلدِهِ، إن كان طَوافًا واجِبًا. وقد بيَّنّا الحُجّةَ في ذلك، في بابِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ.

стр. 5887

وقد قيلَ (١): إنَّ مَنْعَ الحائضِ من الطَّوافِ، إنَّما كان من أجلِ أنَّهُ في المَسْجِدِ، والحائضُ لا تَدْخُلُ في المسجدِ؛ لأنَّهُ مَوْضِعُ الصَّلاةِ. والطَّوافُ (٢) الذي أشار إليه رسُولُ اللَّه ﷺ في هذا الحديثِ بقولِهِ: "ألم تَكُن طافَتْ؟ " هُو طَوافُ الإفاضةِ، وذلك ظاهِرٌ في حديثِ مالك (٣)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، عن أبي سَلَمةَ، عن أُمِّ سُليم: أنَّها حاضَتْ، أو ولدَتْ بعدَ ما أفاضَتْ. وفي حديثِ ابنِ شهاب، عن أبي سَلَمةَ وعُروةَ، عن عائشةَ، قالت: حاضَتْ صفيّةُ بعدَ ما أفاضَتْ (٤). وفي حديثِ الأعْرَج، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ، قالت: خَرَجنا حُجّاجًا مع رسُولِ اللَّه ﷺ ، فأفَضْنا يومَ النَّحرِ، وحاضَتْ صفيّةُ (٥). وفي حديثِ مالكٍ (٦)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيه، عن عائشةَ: أنَّ صفيّةَ بنت حُييٍّ حاضَتْ، فذكرُوا ذلك لرسُولِ اللَّه ﷺ فقال: "أحابِسَتُنا هِيَ؟ " فقيل: إنَّها قد أفاضَتْ. فهذه الآثارُ كلُّها قد أوضحَتْ أنَّ الطَّوافَ الحابِس للحائضِ الذي لا بُدَّ منهُ، هُو طوافُ الإفاضةِ.

стр. 5888

وكذلك يُسمِّيهِ أهلُ الحِجازِ: طَوافَ الإفاضةِ. ويُسمِّيهِ أهلُ العِراقِ: طوافَ الزِّيارةِ. وكرِهَ مالكٌ أن يُقال: طوافُ الزِّيارةِ. وهُو واجِبٌ فرضًا عندَ الجميع، لا ينُوبُ عنهُ دمٌ، ولا بُدَّ من الإتيانِ به، وإيّاهُ عَنَى اللَّهُ بقولِهِ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، إلّا أنَّ مذهبَ مالكٍ في هذا الطَّوافِ: أنَّهُ ينُوبُ عنهُ غيرُهُ، مع وُجُوبِهِ عندَهُ، على حسَبِ ما بيَّناهُ من مَذهبِهِ في ذلك، في الكِتابِ "الكافي" (١). وفي هذا الحديثِ دليلٌ واضِحٌ أيضًا على وُجُوبِهِ، وإن كان الإجماعُ يُغني عن ذلك. ألا تَرى إلى قولِهِ ﷺ : "لعلَّها تحبِسُنا؟ "، ثُمَّ قال: "ألم تَكُن طافَتْ معكُنَّ؟ "، فلمّا قيلَ لهُ: بلى، قال: "فاخرُجنَ". فلو قيلَ لهُ: لم تَطُف، لاحتبَسَ عليها حتّى تَطْهُر من حَيْضتِها وتطُوفَ. لأنَّ من أدركَ عَرَفةَ قبلَ انفِجارِ الصُّبح، من يوم النَّحرِ، فقد أدركَ الحجَّ، فكلُّ فرْضٍ فيه سِواهُ يجيءُ به متى ما أمْكَنَهُ وقدَرَ عليه، وكلُّ سُنّةٍ فيه جَبْرُها بالدَّم، فالمرأةُ الحائضُ قبلَ طَوافِ الإفاضةِ، تبَقَى ويُحبَسُ عليها كَرِيُّها (٢) حتّى تَطْهُر فتفيضَ، فإذا كانت قد أفاضَتْ، ثُمَّ حاضَتْ وخرجَ النّاسُ، لم يَكُن عليها التقاءُ لوداع البيتِ ورُخِّصَ لها في أن تنفِرَ، وتَدَعَ السُّنّةَ في طَوافِ الوَداع، رُخصةً لها، وعُذرًا وسعةً (٣).

стр. 5889

ذكَرَ ابنُ عبدِ الحكم، عن مالكٍ، قال: إذا حاضَتِ المرأةُ أو نَفِسَتْ قبلَ الإفاضةِ، فلا تَبْرحْ حتّى تطهُرَ وتطُوفَ بالبيتِ، ويُحبَسُ عليها الكريُّ، ما يُحبَسُ على الحائضِ خمسةَ عشَرَ يومًا، ويُحبَسُ على النُّفساءِ حتّى تَطْهُرَ بأقْصَى ما يَحبِسُ النِّساءَ الدَّمُ، ولا حُجّةَ للكَرِيِّ أن يقول: لم أعلَمْ أنَّها حامِلٌ، وليسَ عليها أن تُعيِنهُ في العَلَفِ. قال: وإن حاضَتْ بعد الإفاضةِ، فلتنفِر. قال: وإنِ اشْتَرطَتْ عليه عُمرةَ المُحرِم، فحاضَتْ قبل أن تَعْتمِر، فلا يُحْبَسُ عليها كَرِيُّها، ولا يَرْجِعُ عليها من الكِراءِ شيءٌ. قال: وإن كان بينَ الحائضِ وبين طُهْرِها اليومَ واليَومَيْنِ، أقامَ معها أبدًا، وإن كان بين ذلك أيامٌ، لم يُحبَسْ إلّا كريُّها وحدَهُ (١). وقال محمدُ بن الموّازِ: لستُ أعرِفُ حَبْسَ الكريِّ وحدَهُ، كيفَ يحبِسُهُ وحدهُ، يُعرِّضُهُ ليُقطَعَ عليه الطَّريقُ للوَحْدةِ (٢). وفي الحَديثِ المذكُورِ في هذا البابِ دليلٌ واضِحٌ على ما ذكَرْنا، إلّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيمَنْ تركَ طوافَ الوَداع غيرَ الحائضِ. فقال مالكٌ (٣): من تركَ وداعَ البيتِ أساءَ، ولا دمَ عليه؛ لأنَّ الوداعَ عندَهُ (٤) من مُستحبّاتِ الحجِّ، بدليلِ قولِهِ ﷺ : "فاخرُجنَ". وفي غيرِ هذا الحديثِ: "فلا إذَنْ" (٥). وهذا تنبيهٌ على أنَّهُ لم يبقَ عليها من النُّسُكِ شيءٌ. ومِمّا يدُلُّ على ذلك، أنَّ أهلَ مكّةَ والمُقيمينَ بها، لا وداعَ عليهم، فعُلِمَ أنَّهُ استِحباب، والمُستَحَبُّ إذا تُرِكَ، ليسَ فيه دمٌ، ولمّا كان طوافُ الوداع بعدَ اسْتِباحةِ وطءِ النِّساءِ، أشبهَ طوافَ المكِّيِّ والمُعتمِرِ، فلا شيءَ فيه.

стр. 5890

وقال أبو حَنِيفةَ (١) والثَّوريُّ والشّافِعيُّ (٢) وأصْحابُهُم: عليه دمٌ. ومن حُجَّتِهِم أنَّ ابنَ عبّاسٍ كان يقولُ: من تركَ شيئًا من نُسُكِهِ، فعليه دمٌ (٣). ومن أصحابِ الشّافِعيِّ من يقولُ: إنَّ هذا الدَّمَ استِحبابٌ. وقد أجمعُوا أنَّ طوافَ الوَداع من النُّسُكِ، ومن سُنَنِ الحجِّ المسنُونةِ. قال أبو عُمر: قد رُوي ذلك عن عُمرَ، وابن عُمرَ (٤)، وابنِ عبّاسٍ، وغيرِهِم. ولا مُخالِفَ لهم من الصَّحابةِ. ورَوَى معمرٌ، عنِ الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ خطَبَ النّاس، فقال: إذا نَفَرتُم من منًى، فلا يصدُرْ أحدٌ، حتّى يطُوفَ بالبيتِ، فإنَّ آخِرَ المناسِكِ الطَّوافُ بالبيتِ. ونافعٌ، عنِ ابنِ عُمر، عن عُمر مِثلهُ (٥). ومعمرٌ، عن أيُّوب، عن نافع. وعن الزُّهريِّ، عن سالم: أنَّ صفيّةَ بنت أبي عُبيدٍ حاضَتْ يومَ النَّحرِ، بعدَما طافَتْ بالبيتِ، فأقامَ ابنُ عُمرَ عليها سبعًا، حتّى طهُرَتْ، فطافَتْ، فكانَ آخرَ عَهْدِها بالبيتِ. قال الزُّهْريُّ: وأخبَرني طاوُوسٌ، أنَّهُ سمِعَ ابن عُمرَ قبلَ أن يمُوتَ بعام، أو بعامينِ، يقولُ: أمّا النِّساءُ فقد رُخِّصَ لهُنَّ (٦). قال الزُّهريُّ: ولو رأيتَ طاوُوسًا، علِمتَ أنَّهُ لا يكذِبُ.

стр. 5891

قال مَعْمرٌ: وأخبَرَنا ابنُ طاوُوسٍ، عن أبيه، أنَّهُ سمِعَ ابن عُمرَ، يقولُ: لا يَنْفِرنَّ أحدٌ من الحاجِّ، حتّى يطُوفَ بالبيتِ. فقلتُ: ما لهُ لم يسمع ما سمِعَ أصحابُهُ. ثُمَّ جلستُ إليه من العام القابِلِ، فسمِعتُهُ يقولُ: أمّا النِّساءُ فقد رُخِّصَ لهُنَّ (١). قال عبدُ الرَّزّاقِ: وأخبَرنا معمرٌ، عنِ ابنِ طاوُوسٍ، عن أبيه: أنَّ زيدَ بن ثابتٍ وابن عبّاسٍ تمارَيا (٢) في صَدَرِ الحائضِ قبلَ أن يكون آخِرَ عَهْدِها الطَّوافُ بالبيتِ، فقال ابنُ عبّاس: تَنْفِرُ، وقال زيدٌ: لا تَنْفِرُ. فدخَلَ زيدٌ على عائشةَ فسَألها، فقالت: تنفِرُ. فخرَجَ زيدٌ وهُو يتَبسَّمُ ويقولُ: ما الكلامُ إلّا ما قُلت (٣). قال أبو عُمر: هكذا يكونُ الإنصافُ، وزيدٌ مُعلِّمُ ابنِ عبّاسٍ، فما لنا لا نَقْتدِي بهم، واللَّه المُستعانُ. قال أبو عُمر: كلُّ من لم يَطُفْ طوافَ الوَداع، وأمكنهُ الرُّجُوعُ إليه بغيرِ ضَررٍ يدخُلُ عليه، رجعَ فطافَ، ثُمَّ نفرَ، وقد كان عُمرُ بن الخطّابِ يرُدُّ من لم يُودعِّ البيتَ بالطَّوافِ من مرِّ الظَّهرانِ (٤). وقال مالكٌ: هذا عِندي بعيدٌ، وفيه ضَررٌ داخِلٌ على النّاسِ، وإنَّما يرجِعُ إلى طوافِ الوداع من كان قريبًا، ولم يكُن عليه في انصِرافِهِ ضرر (٥).

стр. 5892

يُقالُ: إنَّ بينَ مرِّ الظَّهرانِ ومكّةَ خمسةَ عشَرَ ميلًا. وأهلُ العِلم كلُّهُم يَسْتحِبُّ أن لا يدَعَ أحدٌ وداعَ البيتِ، إذا كان عليه قادِرًا، فإن نفَرَ، ولم يُودِّع، فقد ذكَرْنا ما للعُلماءِ في ذلك من إيجابِ الدَّم. وقال مالكٌ (١): إذا حاضَتِ المرأةُ بمِنًى قبلَ أن تطُوفَ للإفاضةِ، فإنَّها تُقيمُ حتّى تَطْهُر، ثُمَّ تطُوفُ بالبيتِ للإفاضةِ، ويُحبَسُ عليها كَرِيُّها أكثَرَ ما يَحبِسُ الحائضَ الدَّمُ، حتّى تطوفَ طوافَ الإفاضة (٢)، ثُمَّ تخرُجُ إلى بَلدِها. قال مالكٌ: وليسَ عليها أن تُعينهُ في العَلَفِ. قال أبو عُمر: فهذانِ الطَّوَافانِ قد مَضَى حُكمُهُما، والإجماعُ (٣) والاختِلافُ فيهما. وبقي الطَّوافُ الثالثُ، وهُو طوافُ الدُّخُولِ، الذي يصِلُهُ الحاجُّ بالسَّعيِ بينَ الصَّفا والمروةِ، إذا لم يَخْشَ فوتَ عَرَفةَ. ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ أنَّ هذا الطَّوافَ من سُننِ الحجِّ وشَعائرِهِ ونُسُكِهِ، واختَلَفُوا فيمَنْ قدِمَ مكّةَ وهُو قادِرٌ على الطَّوافِ غيرُ خائفٍ فوتَ عرفةَ، فلم يَطُف. فقال مالكُ بن أنسٍ، فيمن قدِمَ يوم عَرَفةَ: إن شاءَ أخَّرَ الطَّوافَ إلى يوم النَّحرِ، وإن شاءَ طافَ وسَعَى، ذلك واسِعٌ كلُّهُ (٤). قال: وإن قدِمَ يومَ التَّرويةِ، فلا يترُكِ الطَّوافَ (٥).

стр. 5893

قال أبو عُمر: فإن تَرَكهُ، فتَحصيلُ مذهبِ مالكٍ والشّافِعيِّ (١): أنَّ عليه لتَرْكِهِ دمًا. والدَّمُ عندَهُم خَفِيفٌ في ذلك؛ لأنَّهُ نُسُكٌ ساقِطٌ عنِ المكِّيِّ، وعن المُراهِقِ، الذي يخافُ فوتَ عَرَفةَ. وقال أبو حنيفةَ وأبو يُوسُف ومحمدٌ: إذا تركَ الحاجُّ طوافَ الدُّخُولِ، فطافَ طوافَ الزِّيارةِ، رمَلَ في ثلاثةِ أشْواطٍ منها (٢)، وسَعَى بين الصَّفا والمروةَ، ولم يكُن عليه شيءٌ (٣). وقال أبو ثورٍ: إن تركَ الحاجُّ -إذا قدِمَ مكّةَ- الطَّوافَ للدُّخُولِ وهُو بمكّةَ حتّى أتى منًى، كان عليه دمٌ، وذلك أنَّ هذا شيءٌ من نُسُكِهِ تَرَكهُ. قال أبو عُمر: حُجّةُ من أوجبَ فيه الدَّمَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ فعَلَهُ في حجَّتِهِ، وقال: "خُذُوا عنِّي مناسِككُم" (٤)، وهُو المُبيِّنُ عنِ اللَّه مُرادهُ، فصارَ من مَناسِكِ الحجِّ وسُننِهِ، فوجَبَ على تارِكِهِ الدَّمُ. وحُجّةُ من لم يرَ فيه شيئًا، أنَّ اللَّهَ لم يأمُر بذلك الطَّوافِ، ولا رسُولُهُ، ولا اتَّفقَ الجميع (٥) على وُجُوبِهِ سُنّةً، والقولُ الأوَّلُ أصحُّ وأقْيَسُ، واللَّه أعلمُ.

стр. 5894

حديثٌ ثالِثَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، عن عَمْرةَ بنْتِ (٢) عبدِ الرَّحمنِ، أنَّها أخبَرتهُ أنَّها سمِعَتْ عائشةَ تقولُ -وذُكِرَ لها أنَّ عبدَ اللَّه بن عُمرَ يقولُ: إنَّ الميِّتَ ليُعذَّبُ ببُكاءِ الحيِّ- فقالت عائشةُ: يَغفِرُ اللَّهُ لأبي عبدِ الرَّحمنِ، أمَا إنَّهُ لم يَكْذِبْ، ولكِنَّهُ نَسِيَ، أو أخطَأ، إنَّما مرَّ رَسُولُ اللَّه ﷺ بيهُوديّةٍ يَبْكي عليها أهلُها، فقال: "إنَّهُم ليَبْكُونَ عليها، وإنَّها لتُعذَّبُ في قَبْرِها". هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عندَ جماعةِ الرُّواةِ (٣)، إلّا القعنبيَّ، فإنَّهُ ليسَ عندَهُ في "المُوطَّأ" وهُو عندَهُ في الزِّياداتِ خارِج "المُوطَّأ" (٤). وهُو حديثٌ ثابتٌ، وليسَ في "المُوطَّأ" لهذا الحديثِ غيرُ هذا الإسنادِ. وقد رَوى الوليدُ بن مُسلِم، عن مالكٍ، عن نافع، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "الميِّتُ يُعذَّبُ ببُكاءِ الحيِّ عليه" (٥). وهذا حديثٌ غريبٌ لمالك، لا أعلمُ أحدًا رواهُ عنهُ غيرَ الوليدِ بن مُسلِم، وليسَ فيه نكارةٌ؛ لأنَّهُ محفُوظٌ من رِوايةِ عُبيدِ اللَّه بن عُمر، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ (٦).

стр. 5895

قال أبو عُمر: اختلَفَ النّاسُ في معنى قولِهِ ﷺ : "إنَّ الميِّتَ ليُعذَّبُ ببُكاءِ أهلِهِ عليه"، فقال منهُم قائلُونَ: معناهُ أن يُوصِيَ بذلك الميِّتُ. وقال آخرُونَ: معناهُ أن (١) يُمْدَحَ في ذلك البُكاءِ، بما كان يُمدَحُ به أهلُ الجاهِليّةِ من الفَتَكاتِ والغَدَراتِ وما أشْبَهها من الأفعالِ، التي هي عندَ اللَّه ذُنُوبٌ، فهُم يَبْكُونَ لفَقْدِها، ويَمْدحُونهُ بها، وهُو يُعذَّبُ من أجْلِها، فكأنَّهُ قال: يُعذَّبُ بما يُبْكَى عليه به، ومن أجلِهِ. وقال آخرُونَ: البُكاءُ في هذا الحديثِ، وما كان مِثلَهُ، معناهُ: النِّياحةُ وشقُّ الجُيُوبِ، ولَطْمُ الخُدُودِ، ونَحْوُ هذا من (٢) النِّياحةِ، وأمّا بُكاءُ العَيْنِ فلا. وذهبت عائشةُ، إلى أنَّ أحدًا لا يُعذَّبُ بفِعلِ غيرِهِ. وهُو أمرٌ مُجتَمعٌ عليه، لقولِ اللَّه : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وقال ﷺ لأبي رِمثةَ في ابنِهِ (٣): "إنَّكَ لا تَجْني عليه، ولا يَجْني عليكَ" (٤). وقال اللَّهُ : ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤].

стр. 5896

ولكِن قد صحَّ عنِ النَّبيِّ ﷺ من حديثِ عُمرَ بن الخطّابِ (١)، وعبدِ اللَّه بن عُمرَ، والمُغيرةِ بن شُعبةَ، وغيرِهِم: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "يُعذَّبُ الميِّتُ بما نِيحَ عليه". وهذا محمُولٌ عندَ جماعةٍ من أهلِ العِلم، على ما نذكُرُهُ في هذا (٢) البابِ عنهُم بعدَ ذِكرِ الآثارِ في ذلك إن شاءَ اللَّه. فأمّا إنكارُ عائشةَ على ابنِ عُمرَ، فقد رُوِيَ من وُجُوهٍ: منها: ما رواهُ هشامُ بن عُروةَ، عن أبيه، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ الميِّت ليُعذَّبُ ببُكاءِ أهْلِهِ (٣) ". فذُكِرَ ذلك لعائشةَ، فقالت: وَهَلَ (٤) ابنُ عُمرَ، إنَّما مَرَّ رسُولُ اللَّه ﷺ على يهُوديٍّ، فقال: "إنَّ صاحِبَ هذا القَبرِ يُعذَّبُ، وأهلُهُ يبكُونَ عليه" (٥). وروَىَ أيُّوبُ، عنِ ابنِ أبي مُلَيكةَ، عنِ القاسم، قال: قالت عائشةُ: إنَّكُم لتُحدِّثُونَ عن غيرِ كاذِبَيْنِ: عُمر وابنِهِ، ولكِنَّ السَّمعَ يُخطِئُ (٦). قال أبو عُمر: ليس إنكارُ عائشةَ بشيءٍ. وقد وقفَ ابنُ عُمرَ على مِثلِ ما نزعَتْ به عائشةُ، فلم يَرْجِع، وثبتَ على ما سمِعَ، وهُو الواجِبُ كان عليه.

стр. 5897

حدَّثنا يَعِيشُ بن سَعيدٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عنِ ابنِ سيرينَ، قال: قال ابنُ عُمر: إنَّ المُعوَّلَ عليه يُعذَّبُ، فقال رجُلٌ: إنَّ اللَّهَ أضحكَ وأبْكَى، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] قال: فقال ابنُ عُمر: قد قالهُ (١) رسُولُ اللَّه ﷺ (٢). قال أبو عُمر: فهذا يُبيِّنُ لكَ، أنَّ ابن عُمرَ قد أثبتَ ما حفِظَ عن رسُولِ اللَّه ﷺ في ذلك، ولم يَنْسَ، ومن حفِظَ فهُو حُجّةٌ على من لم يحفظ. وليسَ يُسوَّغُ عندَ جماعةِ أهلِ العِلم الاعتِراضُ على السُّننِ بظاهِرِ القُرآنِ، إذا كان لها مخرجٌ ووَجهٌ صحيحٌ؛ لأنَّ السُّنّةَ مُبيِّنةٌ للقُرآنِ، قاضيةٌ عليه، غيرُ مُدافِعةٍ (٣) لهُ، قال اللَّهُ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وقد أبَى جماعةٌ من العُلماءِ من نسخ السُّنّةِ بالقُرآنِ، فيما يُمكِنُ فيه النُّسخُ، وقالوا: لو جازَ ذلك، لارتَفعَ البيانُ، وهذه مسألةٌ من الأُصُولِ، ليسَ هذا موضِعَ ذِكرِها.
следующие страницы →