← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6068–6107 · переход к 6073.

стр. 6068

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرِ، قال (١): حدَّثني أُبيٌّ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيينةَ، عنِ ابنِ شُبرُمةَ، قال: كان الشَّعبِيُّ يقولُ لأبي الزِّنادِ: جِئتَ بها زُيُوفًا، وتذهبُ بها جِيادًا. وقال المدائِنيُّ (٢): كان خالدُ بن عبدِ الملكِ بنِ الحارِثِ بنِ الحكم (٣) قد ولَّى أبا الزِّنادِ المدِينةَ، فقال عليُّ بن الجونِ الغطفانيُّ: رأيتُ الخيرَ عالشَ لنا فعِشنا ... وأحياني مكانَ أبي الزِّنادِ وسارَ بسِيرةِ العُمَرينِ فينا ... بعدلٍ في الحُكُومةِ واقتِصادِ وقال الواقِدِيُّ (٤): سمِعتُ مالكَ بن أنسٍ يقولُ: كانت لأبي الزِّنادِ حلقةٌ على حِدَةٍ في مَسجِدِ رسُولِ اللَّه ﷺ . قال الواقِدِيُّ (٥): مات أبو الزِّنادِ فُجاءَةً في مُغتسلِهِ ليلةَ الجُمُعةِ، لسبعَ عشْرةَ خلت من شَهرِ رمضانَ سنةَ ثلاثِينَ ومئةٍ، وهُو ابنُ سِتٍّ وسِتِّين. وقِيل: تُوُفِّي أبو الزِّنادِ سنةَ إحْدَى وثلاثِين ومئةٍ وهُو ابنُ أربع وسِتِّين سَنَة. وقال الطَّبرِيُّ: كان أبو الزِّنادِ ثِقةً كثِير الحديثِ، فصِيحًا بصِيرًا بالعربِيَّةِ، كاتِئا، حاسِبًا، فقِيهًا، عالِمًا، عاقِلًا، وقد ولِي خراجَ المدِينةِ. قال أبو عُمر: لمالكٍ عنهُ في "المُوطَّأ" أربعة وخمسُونَ حديثًا مُسندةٌ ثابتةٌ صِحاحٌ مُتَّصِلةٌ.

стр. 6069

حديثٌ أوَّلٌ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "الرُّؤيا الحَسَنةُ من الرَّجُلِ الصّالِح، جُزءٌ من سِتَّةٍ وأربعِين جُزءًا من النُّبُوَّةِ" (٢). قد مَضَى القولُ في مَعنَى هذا الحديثِ، في بابِ إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلْحةَ، من كِتابِنا هذا، فأغْنَى ذلك عن إعادتِهِ هاهُنا، وباللَّه التَّوفيقُ.

стр. 6070

حديثٌ ثانٍ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "لا ينظُرُ اللَّهُ يومَ القِيامةِ إلى من يجُرُّ إزارهُ بَطَرًا". وقد مَضَى القولُ في مَعنَى هذا الحديثِ، في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ "بَطَرًا". فيفسرُهُ عِندِي قولُهُ في حديثِ ابنِ عُمرَ: "خُيلاءَ" على ما ذكَرْناهُ في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ، من تفسِيرِ الخُيلاءِ، والمَخِيلَةِ. وأمّا أصلُ البَطَرِ في اللُّغةِ، فلهُ وُجُوهٌ، أحدُها: كُفرُ النِّعمةِ، وهُو الذي يُشبِهُ المعنى المقصُودَ إليه بهذا الحديثِ. وقد يكونُ البَطَرُ بمعنى الدَّهَشِ. قال الخليلُ (٢): بَطِرَ بطرًا: إذا دهِشَ (٣)، وأبطَرْتُ حِلْمَهُ: أدهشتَهُ عنهُ، وبَطِرَ النِّعمةَ: إذا لم يشكُرها، ورجُلٌ بَطِرٌ: مُتمادٍ في الغَيِّ. ولكنَّ المعنى المُرادَ بهذا الحديثِ: التَّبختُرُ في المشي، والنَّظرُ في الأعْطافِ، والتِّيهُ، والتَّكبُّرُ، والتَّجبُّرُ، ونحوُ ذلك.

стр. 6071

حديثٌ ثالِثٌ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "تَحاجَّ آدمُ وموسى، قال لهُ موسى: أنتَ آدمُ الذي أغويتَ النّاسَ، وأخْرَجتَهُم مِنَ الجنّةِ؟ قال آدمُ: أنتَ موسى الذي أعْطاهُ اللَّهُ عِلمَ كلِّ شيءٍ، واصْطَفاهُ على النّاسِ برِسالتِهِ وبكلامِهِ؟ قال: نَعَمْ. قال: أفَتلُومُني على أمرٍ قد قُدِّرَ عليَّ قبلَ أن أُخلقَ". إلى هاهُنا انتهى حديثُ مالكٍ عِندَ جميع رُواتِهِ لهذا الحديثِ، وزادَ فيه ابنُ عُيَينةَ، عن أبي الزِّنادِ، بإسنادِهِ: "قبلَ أن أُخلقَ بأربعِينَ سنةً" (٢). وكذلك قال طاوُوسٌ، عن أبي هريرةَ. حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن حَرْب، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرٍو، عن طاوُوسٍ، سَمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "حاجَّ آدمُ موسى، فقال موسى: يا آدمُ، أنتَ أبونا، أخْرَجتنا من الجنّةِ. قال اَدمُ: يا موسى، أنتَ الذي اصْطَفاكَ اللَّهُ، بكلامِهِ، وخَطَّ لكَ التَّوراةَ بيد، أتلُومُني على أمْرٍ قَدَّرهُ عليَّ قبلَ أن يخلُقَني بأربعِينَ سَنةً؟ " (٣). وهذا حديثٌ صحِيحٌ ثابتٌ من جِهَةِ الإسنادِ، لا يختلِفُون في ثُبُوتِهِ. رواهُ

стр. 6072

عن أبي هريرةَ جماعةٌ من التّابِعِين. ورُوِي من وُجُوهٍ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، من رِوايةِ الثِّقاتِ الأئِمَّةِ الأثباتِ. حدَّثنا أحمدُ بن فَتْح بنِ عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا أبو عَمرٍو عُثمانُ بن محمدِ بنِ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّه بن سَلْم (١) المقدِسِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلِم، قال: حدَّثنا الأوْزاعِيُّ، قال: حدَّثني يحيى بن أبي كَثِيرٍ، قال: حدَّثني أبو سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لقِي آدمُ موسى، فقال لهُ موسى: أنتَ أبو النّاسِ الذي أغْوَيتهُم، وأخْرَجتهُم مِنَ الجنّةِ؟ فقالَ لهُ آدمُ: أنتَ موسى الذي كلَّمكَ اللَّه، واصْطَفاكَ برِسالتِهِ، فكيفَ تلُومُني على عَملٍ كتَبَ اللَّهُ عليَّ أن أعملَهُ قبلَ أن أُخلقَ (٢)؟ ". قال: "فحَجَّ آدمُ موسى" (٣). ورواهُ الزُّهْرِيُّ، فاختلَفَ أصحابُهُ عليه في إسنادِهِ: فرَواهُ إبراهيمُ بن سعد (٤) وشُعَيبُ بن أبي حَمْزةَ (٥)، عنِ الزُّهرِيِّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ.

стр. 6073

ورواهُ عُمرُ بن سَعِيدٍ، عنِ الزُّهرِيِّ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ (١). ورواهُ مَعْمرٌ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سَلمةَ وسعِيدٍ، عن أبي هريرةَ. ومنهُم من يجعلُهُ: عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ (٢)، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ (٣). ومنهُم من يروِيهِ عنِ الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ، عن أبي هريرةَ (٤). وكلُّهُم يَرْفعُهُ، وهي كلُّها صِحاحٌ، للِقاءِ الزُّهْرِيِّ جَماعةً من أصْحابِ أبي هريرةَ. وقد رُوِي هذا الحديثُ عن عُمرَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ مُسندًا، بأتمِّ ألفاظٍ، وأحسنِ سِياقةٍ. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن داود، قال: حدَّثنا سُحنُونٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن وَهْبٍ، قال: أخبرني هشامُ بن سَعْدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيهِ، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ موسى ﵇ قال: يا ربِّ، أبونا آدمُ أخْرَجَنا ونفسَهُ (٥) من الجنّةِ، فأراهُ اللَّهُ آدمَ، فقال لهُ: أنتَ آدمُ؟ قال آدمُ: نَعَمْ. قال: أنتَ الذي نفَخَ اللَّهُ فيكَ من رُوحِهِ، وعلَّمكَ الأسماءَ كلَّها، وأمرَ مَلائِكتَهُ فسَجدُوا لكَ؟ قال: نَعَمْ.

стр. 6074

قال: فما حَمَلكَ على أن أخْرَجتَنا ونفسَكَ (١) من الجنّةِ؟ قال لهُ آدمُ: ومن أنتَ؟ قال: أنا موسى. قال: أنتَ نبِيُّ بني إسرائِيلَ، الذي كلَّمكَ اللَّهُ من وراءِ حِجابٍ، لم يجعَلْ بينَكَ وبينهُ رسُولًا من خلقِهِ؟ قال: نَعَمْ، قال: أما وَجَدتَ في كِتابِ اللَّه الذي أنْزَلَ عليكَ، أنَّ ذلك كان في كِتابِ اللَّه قبلَ أن أُخلَقَ؟ قال: نَعَمْ. قال: أفَتلُومُني في شيءٍ سبَقَ من اللَّه فيه القَضاءُ قَبلُ؟ " قال عِندَ ذلك رسُولُ اللَّه ﷺ : "فحجَّ آدمُ موسى، فحَجَّ آدمُ موسى (٢) " (٣). في هذا الحديثِ من الفِقهِ: إثباتُ الحِجاج والمُناظَرةِ، وإباحَةُ ذلك إذا كان طَلبًا للحقِّ وظُهُورِهِ. وقد أفْرَدنا لهذا المعنَى بابًا كامِلًا، أوضحناهُ فيه بالحُجّة والبُرهانِ، والبَسْطِ والبَيانِ، في كِتابِنا "كِتابِ العِلم" (٤)، فأغْنَى ذلك عن إعادتِهِ هاهُنا. وفيه: إباحَةُ التَّقرِيرِ (٥)، والتَّعرِيضِ في معنى التَّوبِيخ في دَرْج الحِجاج، حتّى تقِرَّ الحُجَّةُ مقرَّها. وفيه: دليلٌ على أنَّ من علِمَ وطالَعَ العُلُوم، فالحُجَّةُ لهُ ألزمُ، وتوبِيخُهُ على الغَفْلةِ أعظمُ.

стр. 6075

وفيه: إباحةُ مُناظرةِ الصَّغِيرِ للكبِيرِ، والأصْغَرِ للأسنِّ، إذا كان ذلك طلبًا للازْدِياد من العِلم، وتَقريرِ الحقِّ وابتِغائِهِ (١). وفَيه: الأصلُ الجَسِيمُ الذي أجمعَ عليه أهلُ الحقِّ. وهُو أنَّ اللَّهَ قد فرَغَ من أعمالِ العِبادِ، فكلٌّ يجرِي فيما قُدِّر لهُ، وسبَقَ في عِلم اللَّه تبارَكَ اسمُهُ. وأمّا قولُهُ: "أفَتَلُومُني على أمرٍ قد قُدِّرَ عليَّ؟ " فهذا عِندِي مخصُوصٌ به آدمُ؛ لأنَّ ذلك إنَّما كان منهُ ومن موسى ﵉، بعدَ أن تِيبَ على آدمُ، وبعدَ أن تَلقَّى من ربِّهِ كلِماتٍ تابَ بها عليه، فحسُنَ منهُ أن يقولَ ذلك لموسى؛ لأنَّهُ قد كان تِيبَ عليه من ذلك الذَّنبِ. وهذا غيرُ جائِزٍ أن يقولَهُ اليومَ أحدٌ، إذا أتى ما نهاهُ اللَّهُ عنهُ (٢)، ويحتجُّ بمِثلِ هذا، فيقولُ: أتلُومُني على أن قتلتُ، أو زنيتُ، أو سرقتُ، وذلك قد سبقَ في عِلم اللَّه، وقدَّرهُ عليَّ قبل أن أُخلقَ؟ هذا ما لا يسُوغُ لأحدٍ أن يقولهُ، وقدِ اجتمعتِ الأُمَّةُ أنَّ من أتى ما يستحِقُّ الذَّمَّ عليه، فلا بأسَ بذمِّهِ، ولا حرجَ في لَومِهِ، ومن أتى ما يُحمدُ لهُ، فلا بأسَ بمَدحِهِ عليه وحمدِهِ. وقد حَكى مالكٌ، عن يحيى بنِ سعِيدٍ، مَعنَى ما ذكَرْنا: أنَّ ذلك إنَّما كان من آدمَ ﵇، بعدَ أن تِيبَ عليه، ذكَرهُ ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ. وهذا صحِيحٌ؛ لأنَّ رُوحَهُ لم تجتمِعْ برُوح موسى، ولم يَلْتقِيا، واللَّه أعلمُ، إلّا بعدَ الوَفاةِ، وبعدَ رَفْع أرواحِهِما في عِلِّيِّين، فكان التِقاؤُهُما كنحوِ الْتِقاءِ نبِيِّنا ﷺ بمَنْ لَقِيهُ في المِعراج من الأنبِياءِ، على ما جاءَ في الأثرِ الصَّحِيح، وإن كان ذلك عِندِي لا يحتمِلُ تَكْيِيفًا، وإنَّما فيه التَّسلِيمُ؛ لأنّا لم نُؤتَ من جِنسِ هذا العِلم إلّا قَليلًا.

стр. 6076

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن عمّارِ بنِ أبي عمّارٍ، قال: سَمِعتُ أبا هريرةَ يُحدِّثُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ (١). قال حمّادٌ: وأخبَرنا حُميدٌ، عنِ الحَسنِ، عن جُنْدبٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "لقِيَ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى" (٢). قال أبو عُمر: معنَى "حَجَّهُ": غلبهُ وظهرَ عليه في الحُجَّةِ. وفي ذلك دليلٌ على فضْلِ من أدلى (٣) عِندَ التَّنازُع بحُجَّتِهِ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامَةَ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن محمدِ بنِ عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "لَقِي آدمُ موسى، فقال لهُ موسى: يا آدمُ، أنتَ الذي خلقَكَ اللَّهُ بيدِهِ، وأسْكنَكَ جنَّتَهُ، وأسجَدَ لكَ مَلائِكتَهُ، ونفَخَ فيكَ من رُوحِهِ، فعلتَ ما فعلتَ، فأخرَجْتَ ذرِّيَّتكَ من الجنّةِ؟ قال آدمُ: يا موسى، أنتَ الذي اصطفاكَ اللَّهُ برِسالتِهِ وبكلامِهِ، وقرَّبكَ نَجِيًّا، وآتاكَ التَّوراةَ، فبكم تجِدُ الذَّنبَ الذي عَمِلتُهُ مَكتُوبًا عليَّ قبلَ أن أُخلقَ؟ قال: بأربعِيَن سَنة. قال: فلِمَ تلُومُنِي؟ ". قال النَّبيُّ ﷺ : "فحَجَّ آدمُ موسى". يقولُها ثلاثًا (٤).

стр. 6077

قال أبو عُمر: هذا الحديثُ من أوضَح (١) ما رُوِي عنِ النَّبيِّ ﷺ في إثباتِ القَدَرِ، ودَفْع قولِ القَدَرِيَّةِ، وباللَّه التَّوفيقُ. ورُوِيَ أنَّ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ كتبَ إلى الحسنِ البصرِيِّ: إنَّ اللَّهَ لا يُطالِبُ خَلْقَهُ بما قَضَى عليهم وقدَّرَ، ولكن يُطالِبُهُم بما نَهاهُم عنهُ وأمرَ، فطالِبْ نفسكَ من حيثُ يُطالِبُكَ ربُّكَ، والسَّلامُ (٢). وروينا أنَّ النّاسَ لمّا خاضُوا في القَدَرِ بالبصرةِ، اجتمعَ مُسلِمُ بن يَسارٍ ورُفيعٌ أبو العالِيةِ، فقال أحدُهُما لصاحِبه: تعال حتّى ننظُر فيما خاضَ النّاسُ فيه من (٣) هذا الأمر، قال: فقعَدا ففكَّرا، فاتَّفقَ رأيُهُما: أنَّهُ يَكْفي المُؤمنَ من هذا الأمرِ أن يعلمَ أنَّهُ لن يُصِيبَهُ إلّا ما كتَبَ اللَّهُ لهُ، وأنَّهُ مَجْزِيٌّ بعَملِهِ (٤).

стр. 6078

حديثٌ رابعٌ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "إيّاكُم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحديثِ، ولا تجسَّسُوا، ولا تحسَّسُوا، ولا تَنافسُوا، ولا تَحاسدُوا، ولا تَباغضُوا، ولا تَدابرُوا، وكُونوا عِبادَ اللَّه إخوانًا". قال أبو عُمر: احتجَّ قومٌ من الشّافِعِيَّةِ بهذا الحديثِ ومِثلِهِ في إبطالِ الذَّرائِع في البُيُوع، فقالوا: قال اللَّهُ : ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]. وقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إيّاكُم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكذبُ الحديثِ". وقال: "إنَّ اللَّهَ حرَّمَ من المُؤمِنِ دَمَهُ، وعِرْضَهُ، ومالَهُ، وألّا يُظنَّ به إلّا الخيرُ" (٢). وقال ﷺ : "إذا ظَنَنتُم، فلا تُحقِّقُوا" (٣). قالوا: وأحكامُ اللَّه على الحَقائِقِ، لا على الظُّنُونِ، فأبْطَلوا القولَ بالذَّرائِع في الأحْكام من البُيُوع وغيرِها، فقالوا: غيرُ جائِزٍ أن ويُقال: إنَّما أردتُ بهذا البيع كذا، بخِلافِ ظاهِرِهِ، وصارَ هذا كأنَّهُ كذا، ويدخُلُهُ كذا، لما يُنكِرُ فاعِلُهُ أنَّهُ أرادهُ. وللقولِ عليهم مَوْضِعٌ غيرُ هذا من جِهَةِ النَّظرِ. رَوَى أشهبُ، عن نافِع بنِ عُمرَ الجُمحِيِّ، عنِ ابنِ أبي مُلَيكةَ، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ قال: لا يحِلُّ لامرِئٍ مُسلِم سمِعَ من أخِيهِ كلِمةً، أن يظُنَّ بها سُوءًا، وهُو يجِدُ لها في شَيءٍ من الخَيْرِ مَصْدرًا (٤).

стр. 6079

حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن صالح بنِ عُمرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرِ بنِ محمدٍ المُنادِي، قال: أخبَرنا ابنُ سَيْف (١)، عنِ السَّرِيِّ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا يَعْلى بن عُبَيدٍ، قال: سمِعتُ سُفيانَ يقولُ: الظَّنُّ ظنّانِ: ظَنٌّ فيه إثمٌ، وظنٌّ ليس فيه إثمٌ، فأمّا الظَّنُّ الذي فيه إثمٌ فالذي يُتَكلَّمُ به، وأمّا الظَّنُّ الذي ليس فيه إثمٌ، فالذي لا يُتكلَّمُ به (٢). ومن حُجَّةِ من ذهَبَ إلى القولِ بالذَّرائِع، وهُم أصحابُ الرَّأيِ من الكُوفيِّين، ومالكٌ وأصحابُهُ من المدنِيِّين، من جِهَةِ الأثرِ، حديثُ عائِشةَ، في قِصَّةِ زَيْدِ بنِ أرقَمَ (٣)، وهُو حديثٌ يدُورُ على امْرأةٍ مجهُولةٍ، وليس عِندَ أهلِ الحديثِ بحُجَّةٍ. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "ولا تجسَّسُوا، ولا تحسَّسُوا". فهُما لفَظْتانِ معناهُما واحِدٌ، وهُو البَحثُ والتَّطلُّبُ لعايِبِ النّاسِ ومَساوِئهِم، إذا غابت واسْتَتَرَتْ (٤)، لم يحِلَّ لأحَدٍ أن يسألَ عنها، ولا يكشِفَ عن خَبرِها.

стр. 6080

قال ابنُ وَهْبٍ: ومنهُ: لا يَلِي (١) أحدُكُمُ استِماعَ ما يقولُ فيه أخُوهُ. وأصلُ هذه اللَّفظةِ في اللُّغةِ، من قولِكَ: حسَّ الثَّوبَ، أي: أدرَكَهُ بحسِّهِ وجسِّهِ، من المحسَّةِ والمجسَّةِ، وذلك حَرامٌ كالغِيبةِ، أو أشدَّ من الغِيبةِ، قال اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] فالقُرآنُ والسُّنَّةُ ورَدا جميعًا بأحْكام هذا المعنى، وهُو قدِ استُسهِلَ في زَمانِنا، فإنّا للَّه وإنّا إليه راجِعُونَ على ما حلَّ بنا. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى. وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ (٣). قالا: حدَّثنا أبو مُعاوِيةَ، عنِ الأعْمَشِ عن زَيْدٍ، يعني: ابنَ وَهْبٍ، قال: أُتِي ابنُ مَسْعُودٍ، فقيلَ لهُ: هذا فُلانٌ تقطُرُ لحيتُهُ خمرًا. فقال عبدُ اللَّه: إنّا قد نُهِينا عنِ التَّجسُّسِ، ولكن إن يَظهَرْ (٤) لنا شيءٌ نأخُذْه به. ورَوَى ابنُ أبي نَجِيح، عن مُجاهِدٍ، في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ قال: خُذُوا ما ظهَرَ، ودَعُوا (٥) ما سَتَر اللَّه (٦). وأمّا قولُهُ: "ولا تَنافسُوا". فالمُرادُ به التَّنافُسُ في الدُّنيا، ومَعناهُ: طَلَبُ

стр. 6081

الظُّهُورِ فيها على أصحابها، والتَّكبُّرُ عليهم، ومُنافستُهُم في رِياستِهم، والبَغْيُ عليهم، وحَسَدُهُم على ما آتاهُمُ اللَّه مِنْها. وأمّا التَّنافُسُ، والحَسَدُ على الخَيْرِ، وطُرُقِ البِرِّ، فليس من هذا في شيءٍ. وكذلك من سألَ عمّا غابَ عنهُ من عِلم وخيرٍ، فليس بمُتجسِّسٍ، فقِفْ على ما فسَّرتُ لك. وقد مَضَى في بابِ ابنِ شِهابٍ، عن أنسٍ، من هذا الكِتابِ، في معنى التَّحاسُدِ، والتَّدابُرِ، والتَّباغُضِ، ما فيه كِفايةٌ، فلا مَعنَى لإعادةِ ذلك هاهُنا. ومعنى قولِهِ: "لا تَدابَرُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تقاطَعُوا" مَعنًى مُتداخِلٌ كلُّهُ مُتقارِبٌ، والمَقْصَدُ فيه إلى النَّدبِ على التَّحابِّ، ودَفْع ما نَفَى ذلك؛ لأنَّكَ إذا أحببتَ أحدًا وأصْفَيتهُ الوُدَّ، لم تُعرِضْ عنهُ بوجهِكَ، ولم تُولِّهِ دُبُرَكَ، بل تُقبِلُ عليه، وتُواجِهُهُ، وتَلْقاهُ بالبِشْرِ، ومن أبْغَضتَهُ ولَّيتهُ دُبُرَكَ، وأعْرَضتَ عنهُ. وقد فسَّرنا هذه المعانيَ في مواضِعَ سلفت، من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه. أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا عيسى بنُ محمدٍ وابنُ عوفٍ، وهذا لفظُهُ، قالا: حدَّثنا الفِريابِيُّ، عن سُفيانَ، عن ثَوْرٍ، عن راشِدِ بنِ سعدٍ، عن مُعاوِيةَ، قال: سمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "إنَّكَ إنِ اتَّبعتَ عَوراتِ النّاسِ أفْسَدتَهُم، أو كِدتَ أن تُفسِدَهُم". قال أبو الدَّرداءِ: كَلِمةٌ سَمِعها مُعاوِيةُ من (٢) رسُولِ اللَّه ﷺ ، نَفَعهُ اللَّهُ بها.

стр. 6082

قال أبو عُمر: ورَوَى هذا الحديثَ عبدُ الرَّحمنِ بن جُبيرِ بنِ نُفيرٍ، عن أبيهِ، عن مُعاوِيةَ، عنِ النَّبيِّ ﵇ مِثلهُ بمعناهُ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيل التِّرمِذِيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ بنِ العَلاءِ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن الحارِثِ، قال: حدَّثني عبدُ اللَّه بن سالم، عنِ الزُّبَيدِيِّ (١)، قال: حدَّثني يحيى بن جابرٍ، أنَّ عبد الرحمنِ بن جُبيرٍ حدَّثهُ، أنَّ أباهُ حدَّثهُ، أنَّهُ سمِعَ مُعاوِيةَ بن أبي سُفيان، قال: إنِّي سَمِعتُ من رسُولِ اللَّه ﷺ كلامًا نَفَعني اللَّهُ به، سمِعتُهُ يقولُ: "أعرِضُوا عنِ النّاسِ، ألم تَرَ أنَّكَ إذا اتَّبعتَ الرِّيبةَ في النّاسِ أفْسَدتهُم، أو كِدتَ أن تُفسِدهُم؟ " (٢). حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا سعِيدُ بن عَمرٍو الحضرمِيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عيّاشٍ، قال: حدَّثنا ضمضمُ بن زُرعةَ، عن شُريح بنِ عُبيدٍ، عن جُبيرِ بنِ نُفيرٍ وكثِيرِ بنِ مُرَّةَ وعَمرِو بنِ الأسودِ، عنِ (٤) المِقدام بنِ مَعْدِي كَرِبَ وأبي أُمامةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الأمِيرَ إذا ابْتَغى الرِّيبةَ في النّاسِ أفْسَدهُم".

стр. 6083

حديثٌ خامِسٌ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرة (٢)، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "قال اللَّهُ ﵎: إذا أحَبَّ عبدِي لقائِي، أحْبَبتُ لقاءَهُ، وإذا كرِهَ لقائِي، كَرِهتُ لقاءَهُ". وهذا الحديثُ معناهُ -عِندَ أهلِ العِلم-: فيما يُعانِيهِ المرءُ عِندَ حُضُورِ أجْلِهِ، فإذا رَأى ما يَكْرَهُ، لم يُحِبَّ الخُرُوجَ من الدُّنيا، ولا لقاءَ اللَّه، لسُوءِ ما عاينَ مِمّا يَصِيرُ إلَيهِ، وإذا رَأى ما يُحِبُّ، أحبَّ لقاءَ اللَّه، والإسْراعَ إلى رحمتِهِ، لحُسنِ ما عاينَ وبُشِّر به، وليس حُبَّ الموتِ ولا كَراهِيتَهُ، والمرءُ في صِحَّتِهِ من هذا المعنى في شيءٍ، واللَّه أعلمُ. وقال أبو عُبيد (٣) في معنى قولِهِ ﵇: "من أحبَّ لقاءَ اللَّه، أحبَّ اللَّهُ لقاءَهُ"، قال: ليس وجهُهُ عِندِي أن يكونَ يكرهُ عَلَزَ الموتِ (٤) وشِدَّتهُ؛ لأنَّ هذا لا يَكادُ يخلُو منهُ أحدٌ، نبِيٌّ ولا غيرُهُ، ولكنَّ المكرُوهَ من ذلك، إيثارُ الدُّنيا، والرُّكُونُ إليها، والكَراهةُ أن يصِيرَ إلى اللَّه والدّارِ الآخِرةِ، ويُؤثِرَ المُقامَ في الدُّنيا. قال: ومِمّا يُبيِّنُ ذلك، أنَّ اللَّهَ قد عابَ قومًا في كِتابه بحُبِّ الحياةِ، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ [يونس: ٧]، وقال: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]، وقال: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾

стр. 6084

[الجمعة: ٧]. قال: فهذا يدُلُّ على أنَّ الكَراهِيةَ للِقاءِ اللَّه، ليست بكراهِيةِ الموتِ، وإنَّما هُو الكَراهَةُ للنُّقلةِ من الدُّنيا إلى الآخِرةِ. قال أبو عُمر: نَهَى رسُولُ اللَّه ﷺ أُمَّتَهُ عن أن يَتَمنَّى أحدُهُمُ الموتَ لضُرٍّ نزَلَ به، فالمُتمنِّي للمَوتِ، ليس بمُحِبٍّ للِقاءِ اللَّه، بل هُو عاصٍ للَّه في تمنِّيهِ الموتَ، إذا كان بالنَّهيِ عالِمًا. حدَّثنا سعِيدُ بن نَصْرٍ وعبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عَمرُو بنُ مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن قَتادةَ وعبدِ العزيزِ بنِ صُهَيبٍ وعليِّ بنِ زيدٍ، كلُّهُم عن أنَسٍ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "لا يَتَمنَّى أحدُكُمُ الموت لضُرٍّ نَزلَ (١) به، فإن كان لا بُدَّ قائِلًا، فلْيَقُل: اللَّهُمَّ أحْيِني ما كانتِ الحَياةُ خيرًا لي، وتوَّفَّني إذا كانتِ الوَفاةُ خيرًا لي" (٢). ورَوَى عنِ النَّبيِّ ﷺ النَّهيَ عن تمنِّي الموتِ جَماعةٌ من الصَّحابةِ، منهُم: خبّابُ بن الأرَتِّ (٣)، وأُمُّ الفَضلِ بنتُ الحارِثِ أُمُّ ابنِ عبّاس (٤)، وعابِسٌ الغِفارِيُّ (٥)، وأبو هريرةَ، وغيرُهُم.

стр. 6085

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، قال: حدَّثني قَيْسٌ، قال: أتيتُ خبّابًا وقدِ اكْتَوى سبعًا في بَطنِهِ، فقال: لولا أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ نَهانا أن ندعُوَ بالموتِ، لدَعَوتُ به (١). حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ الوَرْكانيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سعدٍ، عنِ ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لا يَتَمنَّى أحدُكُمُ الموت، إمّا مُحسِنٌ، فلَعلَّهُ يَزْدادُ خيرًا، وإمّا مُسِيءٌ، فلَعلَّهُ يسْتَعتِبُ" (٢). فهذه الآثارُ وما كان مِثْلَها، يدُلُّك على أنَّ حُبَّ لقاءِ اللَّه ليس بتمنِّي الموتِ، واللَّهُ أعلمُ. وقد يجُوزُ تمنِّي الموتِ لغيرِ البَلاءِ النّازِلِ، مِثلَ أن يخافَ على نفسِهِ المرءُ فِتنةً في دِينِهِ. قال مالكٌ: كان عُمرُ بن عبدِ العزيزِ لا يبلُغُهُ شيءٌ عن عُمرَ بنِ الخطّابِ، إلّا أحبَّ أن يعملَ به، حتّى لقد بلَغَهُ أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ دَعا على نفسِهِ بالموتِ، فدَعا عُمرُ بن عبدِ العزيزِ على نَفسِهِ بالموتِ، فما أتَتِ الجُمُعةُ حتّى ماتَ ﵀.

стр. 6086

وقد أوْضَحنا هذا المعنى، في هذا الكِتابِ، عِند قولِهِ ﷺ : "لا تقُومُ السّاعةُ حتّى يمُرَّ الرَّجُلُ بقبرِ أخِيهِ، فيقولُ: يا ليتني مَكانهُ" (١). وأمّا معنَى حديثِ هذا البابِ، فإنَّما هُو، واللَّه أعلمُ، عِندَ حُضُورِ الموتِ، ومُعاينَةِ بُشرَى الخيرِ أوِ الشَّرِّ، فعلى هذا تَنَزَّلُ الآثارُ، وعلى ذلك فسَّرهُ العُلماءُ. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى وخَلَفُ بن القاسم، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بنِ الحدّادِ بُكيرٌ، قال: حدَّثنا موسى بنُ هارُونَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيل التِّرمِذِيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن محمدٍ الفَرْوِيُّ (٢)، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن جعفرٍ، عن عُمارةَ بنِ غَزِيَّةَ، عن موسى (٣) بنِ وَرْدانَ المِصرِيِّ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "إن المُسلِم إذا حَضَرهُ الموتُ رأى بُشُرَهُ، فلم يكُن شيءٌ أبغَضَ إليه من المُكْثِ في الدُّنيا، وإذا حَضَرَ الكافِرُ الموتُ رأى بُشُرَهُ، فلم يكُن شيءٌ أحَبَّ إليه من المُكْثِ في الدُّنيا". قال أبو عُمر: بُشُرٌ، جمعُ بشِيرٍ، مِثل سرِيرٍ وسُرُرٍ، وقد يُخفَّفُ ذلك ويُثقَّلُ، مِثل رُسُلٍ ورُسْلٍ، وسُبُلٍ وسُبْلٍ. وقد تكونُ البُشْرَى بالخيرِ والشَّرِّ، كما قال اللَّهُ : ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]. وقال أهلُ اللُّغةِ أيضًا: إنَّهُ قد يكونُ البُشُرُ، جمعَ بشارةٍ. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا شَبَابةُ، عنِ ابنِ أبي ذِئبٍ، عن محمدِ بنِ عَمرِو بنِ عطاءٍ، عن سعِيدِ بنِ يَسارٍ،

стр. 6087

عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "الميِّتُ تحضُرُهُ الملائِكةُ، فإذا كان الرَّجُلَ الصّالِحَ، قالوا: اخرُجِي أيَّتُها النَّفسُ الطَّيِّبةُ، كانت في الجَسَدِ الطَّيِّبِ، اخرُجِي حَمِيدةً، وأبشِرِي برَوْح ورَيْحانٍ وربٍّ غيرِ غَضْبانَ". قال: "فلا تَزالُ يُقالُ لها ذلك، حتّى تخرُج، ثُمَّ يُعرَجُ بها إلى السَّماءِ، فيُفتحُ لها، فيُقالُ: مَن هذا؟ فيقولُونَ: فُلانٌ، فيُقالُ: مَرحبًا بالنَّفسِ الطَّيِّبةِ، كانت في الجسدِ الطَّيِّبِ، ادخُلي حَمِيدةً، وأبشِرِي برَوح ورَيْحانٍ، ورَبٍّ غيرِ غَضْبانَ، فلا يَزالُ يُقالُ ذلك، حتّى يُنتَهى بها إلى السَّماءِ، يَعني السّابعةَ، وإذا كان الرَّجُلَ السُّوءَ، وحَضَرتهُ الملائِكةُ عِندَ مَوتِهِ، قالت: اخرُجِي أيَّتُها النَّفسُ الخَبِيثةُ، كانت في الجَسدِ الخَبِيثِ، اخرُجِي ذمِيمةً، وأبشِرِي بحمِيم وغسّاقٍ، وآخَرَ من شكلِهِ أزواجٌ، فلا تَزالُ يُقالُ لها ذلك، حتّى تخرُجَ". وذكَرَ الحديثَ (١). وفيه ما يَدُلُّ على أنَّ ما ذكَرْنا من حُبِّ لقاءِ اللَّه وكراهتِهِ، إنَّما ذلك عِندَ حُضُورِ الوَفاةِ، ومُعايَنةِ ما لهُ عِندَ اللَّه، واللَّه أعلمُ. وفيه ما يَدُلُّ على أنَّ البِشارَةَ قد تكونُ بالخيرِ والشَّرِّ، وبما يَسُوءُ وبما يُسرُّ. وقد رُوِي عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ (٢) قال لبَعضِ أصحابه في حديثٍ ذَكَرهُ: "أيْنَما مَررتَ بقبرِ كافِرٍ، فبشِّرهُ بالنّارِ" (٣).

стр. 6088

ورُوِي عن عليٍّ ﵁، أنَّهُ قال: بشِّرْ قاتِلَ ابنِ صفِيَّةَ بالنّارِ (١). وقد حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا يزِيدُ بنُ هارُونَ، قال: أخبرنا محمدُ بن عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "من أحبَّ لقاءَ اللَّه، أحبَّ اللَّهُ لقاءَهُ، ومن كرِهَ لقاءَ اللَّهُ، كَرِهَ اللَّهُ لقاءَهُ". قيلَ: يا رسُولَ اللَّه، ما مِنّا أحدٌ، إلّا وهُو يكرَهُ الموتَ، ويَفْظَعُ (٢) به. فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إذا كان ذلك كُشِفَ لهُ" (٣). حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤): أخبَرنا هنّادُ بن السَّرِيِّ، عن أبي زُبيدٍ، عن مُطرِّفٍ، عن عامِرٍ الشَّعبِيِّ، عن شُريح بنِ هانِئٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "من أحبَّ لقاءَ اللَّه، أحبَّ اللَّهُ لقاءَهُ، ومن كرِهَ لقاءَ اللَّه، كرِهَ اللَّهُ لقاءَهُ". قال شُريحٌ:

стр. 6089

فأتَيْتُ عائِشةَ، فقلتُ: يا أُمَّ المُؤمِنِينَ، سمِعتُ أبا هريرةَ يذكُرُ عن رسُولِ اللَّه ﷺ حديثًا، إن كان كذلك، فقد هَلَكنا، فقالت: وما ذلك؟ قلتُ: قال: "من أحبّ لقاءَ اللَّه، أحبّ اللَّهُ لقاءَهُ، ومن كرِهَ لقاءَ اللَّه، كرِهَ اللَّهُ لقاءَهُ". وليس مِنّا أحدٌ إلّا وَيكْرهُ الموتَ. قالت: قد قالهُ رسُولُ اللَّه ﷺ ، ولكن ليس بالذي تذهبُ إليه، ولكنْ إذا طَمَحَ البصرُ، وحَشْرجَ الصَّدرُ، واقْشَعرَّ الجِلدُ، فعِندَ ذلك من أحبَّ لقاءَ اللَّه، أحبَّ اللَّهُ لقاءَهُ، ومن كرِهَ لقاءَ اللَّه، كرِه اللَّهُ لقاءَهُ. فهذه الآثارُ كلُّها، قد بانَ فيها أنَّ ذلك عِندَ حُضُورِ الموتِ، ومُعاينةِ ما هُنالكَ (١)، وذلك حِين لا تُقبلُ تَوْبةُ التّائِبِ، إن لم يَتُبْ قبلَ ذلك. وقد ذكرنا هذا المعنى مُجوَّدًا في بابِ نافِع، والحمدُ للَّه (٢).

стр. 6090

حديثٌ سادِسٌ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ نَهَى عن لبْسَتينِ، وعن بَيْعتينِ: عنِ المُلامَسَةِ والمُنابذةِ، وعن أن يَحْتبِيَ الرَّجُلُ في ثَوْبٍ واحِدٍ ليس على فرجِهِ منهُ شيءٌ، وعن أن يَشْتمِلَ الرَّجُلُ الثَّوبَ على أحَدِ شِقَّيهِ. أمّا المُلامسةُ والمُنابذةُ، فقد مَضَى تَفْسِيرُها في بابِ محمدِ بنِ يحيى بنِ حِبّان من هذا الكِتابِ (٢). وهذا الحديثُ أيضًا بيِّن مُسْتَغنٍ عنِ التَّفسِيرِ، بل هُو مُفسِّرٌ للِبْسَةِ الصَّمّاءِ المنهِيِّ عنها. وفيه دليلٌ، كالنَّصِّ، على النَّهيِ عن كَشْفِ العَوْر. وهُو أمرٌ مُجتمعٌ عليه، لا خِلافَ فيه، والحمدُ للَّه. حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحمِيدِ، قال: حدَّثنا الخضِرُ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، يعني: الأثْرَمَ، قال: سمِعتُ أبا عبدِ اللَّه، يَعني: أحمدَ بن حنبلٍ، يُسألُ عن الصَّمّاءِ في غيرِ الصَّلاةِ. فقال: كُرِهَتْ في الصَّلاةِ. ثُمَّ قال: أكْرَهُها إذا لم يكُن على عاتِقِهِ قمِيصٌ. قال أبو بكرٍ: الصَّمّاءُ مُفسَّرةٌ في حديثِ مالكٍ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ أن يَشْتمِلَ الرَّجُلُ بالثَّوبِ الواحِدِ على أحَدِ شِقّيهِ؛ حدَّثناهُ القَعْنبِيُّ، عن مالكٍ.

стр. 6091

قال أبو عُمر: الصَّمّاءُ كما جاءَ في حديثِ أبي الزِّنادِ: أن (١) يَشْتمِل الثَّوبُ على أحَدِ شِقَّيهِ، يعني: ولا يرفعُهُ عنهُ، يَتْرُكُهُ مُطبِقًا. وإنَّما سُمِّيتِ الصَّمّاءَ، لأنَّها لبْسَةٌ لا انْفِتاح فيها، كأنَّهُ لفظٌ مأخُوذٌ من الصَّمم الذي لا انفِتاحَ فيه، ومنهُ الأصمُّ الذي لا انفِتاحَ في سَمعِهِ، ويُقالُ للفَرِيضةِ، إذا لم تتَّفِقْ سِهامُها وانغَلَقَت: صمّاءُ؛ لأنَّهُ لا انفِتاحَ فيها للاخْتِصارِ. وقد جاءَ في تَفسِيرِ الصَّمّاءِ حديثٌ مرفُوعٌ؛ حدَّثناهُ سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا كثِيرُ بن هشام، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ بُرقانَ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن سالم، عن أبيهِ، قال: نَهَى رسُولُ اللَّه ﷺ عن لبْسَتينِ: الصَّمّاءِ، وهُو أن يَلْتحِفَ الرَّجُلُ بالثَّوبِ الواحِدِ، وَيحْتبِيَ الرَّجُلُ في الثَّوبِ الواحِدِ، ليس بينَ فرجِهِ وبين السَّماءِ سِتْرٌ. وحديثُ أبي الزِّنادِ أقْوَى من هذا الإسنادِ (٣). وقد مَضَى القولُ في الصَّمّاءِ، في أبي الزُّبيرِ، من هذا الكِتابِ، والحمدُ للَّه.

стр. 6092

حديثٌ سابعٌ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عنِ الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "قال رجُلٌ لم يَعْمَل حَسَنةً قطُّ لأهلِهِ: إذا ماتَ فحرِّقُوهُ، ثُمَّ اذْرُوا نِصفَهُ في البَرِّ، ونِصفَهُ في البَحرِ، فواللَّه لَئِن قدرَ اللَّهُ عليه، لَيُعذِّبنَّهُ عذابًا لا يُعذِّبُهُ أحدًا من العالمينَ. فلَمّا ماتَ الرَّجُلُ، فعلوا ما أمَرهُم به، فأمرَ اللَّهُ البَرَّ فجمَعَ ما فيه، وأمرَ البَحرَ فجمَعَ ما فيه، ثُمَّ قال: لمَ فعلتَ هذا؟ قال: من خَشْيتِكَ يا ربِّ، وأنتَ أعلَمُ. فغَفَر لهُ". قال أبو عُمر: تابَعَ يحيى على رَفْع هذا الحديثِ عن مالكٍ بهذا الإسنادِ أكثرُ رُواةِ "المُوطَّأ"، ووَقفهُ مُصعبُ بن عَبدِ اللَّه الزُّبيرِيُّ وعبدُ اللَّه بن مَسْلمةَ القَعْنبِيُّ، فجَعَلاهُ من قَولِ أبي هريرةَ، ولم يَرْفعاهُ. وقد رُوِي عنِ القَعْنبِيِّ مرفُوعًا، كرِوايةِ سائرِ الرُّواةِ عن مالكٍ. وممَّن رَواهُ مرفُوعًا عن مالكٍ: عبدُ اللَّه بن وَهْب (٢)، وابنُ القاسم (٣)، وابنُ بُكَيرٍ، وأبو المُصْعَبِ (٤)، ومُطرِّفٌ، ورَوْحُ بن عُبادَةَ (٥)، وجماعةٌ. أخبَرنا أبو القاسم خَلَفُ بن القاسم بنِ سهلٍ، قال: حدَّثنا أبو الفَوارِسِ أحمدُ بن محمدِ بنِ الحُسينِ بنِ السَّندِيِّ العَسْكرِيُّ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن عبدِ الأعلى والرَّبِيعُ بن سُليمانَ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن وَهْبٍ، قال: أخبَرني ابنُ أبي الزِّنادِ

стр. 6093

ومالكُ بن أنَس، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "قال رجُلٌ لم يعمَلْ خَيْرًا قطُّ لأهلِهِ: إذا ماتَ فأحْرِقُوهُ، واذرُوا نِصفهُ في البَرِّ، ونِصفهُ في البَحرِ، فواللَّه لئِن قدرَ اللَّهُ عليه، ليُعذِّبنَّهُ عذابًا لا يُعذِّبُهُ أحدًا من العالمينَ. فلمّا ماتَ، فعلوا به، فأمَرَ اللَّهُ البَحرَ فجمَعَ ما فيه، وأمرَ البرَّ فجمَعَ ما فيه، ثُمَّ قال: لمَ فعلتَ هذا؟ قال: من خَشْييكَ يا ربِّ، وأنتَ أعلمُ، فغفَرَ لهُ" (١). قال أبو عُمر: رُوِي من حديثِ الزُّهرِيِّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ، عن أبي هريرةَ، قال: سَمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "أسرَفَ رجُلٌ على نفسِهِ، حتّى إذا حَضَرتهُ الوَفاةُ قال لأهلِهِ: إذا أنا مُتُّ فأحرِقُوني. . . " الحديثَ. كحديثِ مالكٍ عن أبي الزِّنادِ سواءً (٢). ورُوِي من حديثِ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ هذا المعنى أيضًا. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو هِلالٍ، قال: حدَّثنا قَتادةُ، عن عُقبةَ بنِ عبدِ الغافرِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: كان فيمَنْ كان قبلَكُم رجُلٌ من الأُمم السّالِفةِ، أفادَهُ اللَّهُ مالًا وولدًا، فلمّا ذهَبَ، يعني:

стр. 6094

أكثرَ عُمرِهِ، قال لولدِهِ: لا أدعُ لكُم مالًا، أو تفعلُونَ ما أقولُ. قالوا: يا أبانا، لا تأمُرُ بشيءٍ إلّا فعلناهُ. قال: إذا أنا مُتُّ، فأحرِقُوني، ثُمَّ اسحقُوني، ثُمَّ اذرُوني في يوم رِيح عاصِفٍ، لعلِّي أُضِلُّ اللَّهَ. ففعلوا ذلك به، فقال اللَّهُ لهُ: كُنْ. فإذا هُو رجُلٌ قائِمٌ، قال: ما حملكَ على ما صنعتَ؟ فقال: مخافتُكَ. فما تَلافاهُ (١) غيرُها، فغفر لهُ. قال أحمدُ بن زُهَيرٍ: كذا قال أبو هِلالٍ، أوقفَ الحديثَ على أبي سعِيدٍ، ورَفعهُ سُليمانُ التَّيمِيُّ، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا مُعتمِرُ بن سُليمان، قال: أخبرنا أبي، قال: حدَّثنا قَتادةُ، عن عُقبةَ بنِ عبدِ الغافِرِ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ ذكرَ رَجُلًا فيمَنْ كان سلفَ. ثُمَّ ذكرَ نَحوهُ (٢). قال أبو عُمر: رُوِي من حديثِ أبي رافِع، عن أبي هريرةَ في هذا الحديثِ، أنَّهُ قال: "قال رجُلٌ لم يعمَلْ خيرًا قطُّ إلّا التَّوحِيدَ" (٣). وهذه اللَّفظةُ إن صحَّت، رَفَعتِ الإشكالَ في إيمانِ هذا الرَّجُلِ، وإن لم تَصِحَّ من جِهَةِ النَّقلِ، فهي صَحِيحةٌ من جِهةِ المعنى، والأُصُولُ كلُّها تَعضُدُها، والنَّظرُ يُوجِبُها؛ لأنَّهُ مُحالٌ غيرُ جائِزٍ أن يُغفرَ للَّذِينِ يمُوتُونَ وهُم كُفّار، لأنَّ اللَّهَ قد أخبَر أنَّهُ لا يَغفِرُ أن يُشركَ به لمن ماتَ كافِرًا (٤)، وهذا ما لا مدفعَ لهُ، ولا خِلافَ فيه بينَ أهلِ القِبلةِ.

стр. 6095

وفي هذا الأصلِ ما يدُلُّك على أنَّ قولَهُ في هذا الحديثِ: "لم يعمَلْ حَسَنةً قطُّ"، أو "لم يعمَلْ خيرًا قطُّ"، لم يُعْنَ به (١) إلّا ما عَدا التَّوحِيد من الحَسَناتِ والخَيْرِ، وهذا سائِغٌ في لسانِ العربِ، جائِزٌ في لُغتِها، أن يُؤتَى بلفظِ الكلِّ والمُرادُ البَعضُ. والدَّليلُ على أنَّ الرَّجُلَ كان مُؤمِنًا، قولُهُ حِين قِيل لهُ: "لِمَ فعلتَ هذا؟ فقال: من خَشْيتِكَ يا ربِّ". والخَشْيةُ لا تكونُ إلّا لمُؤمِنٍ مُصدِّقٍ، بل ما تَكادُ تكونُ إلّا لمُؤمِنٍ عالِم، كما قال اللَّهُ : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. قالوا: كلُّ من خافَ اللَّه، فقد آمنَ به وعَرَفهُ، ومُستحِيلٌ أن يَخافَهُ من لا يُؤمِنُ به. وهذا واضِحٌ لمن فهِمَ وأُلهِمَ رُشدهُ. ومِثلُ هذا الحديثِ في المعنى، ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، عنِ ابنِ العَجْلانِ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عن رسُولِ اللَّه ﷺ قال: "إنَّ رَجُلًا لم يعملْ خيرًا قطُّ، وكان يُدايِنُ النّاسَ، فيقولُ لرسُولِهِ: خُذ ما يَسِرَ، واترُك ما عَسِرَ، وتَجاوَزَ، لعلَّ اللَّهَ يَتَجاوزُ عنّا، فلمّا هلكَ، قال اللَّه: هل عمِلتَ خيرًا قطُّ؟ قال: لا، إلّا أنَّهُ كان لي غُلامٌ، فكنتُ أُدايِنُ النّاس، فإذا بَعثتُهُ يَتَقاضى قلتُ لهُ: خُذ ما يَسِرَ، واترُك ما عَسِرَ، وتَجاوُزَ، لعلَّ اللَّهَ يَتَجاوزُ عنّا. قال اللَّه: قد تَجاوزتُ عنكَ" (٢).

стр. 6096

قال أبو عُمر: فقولُ هذا الرَّجُل، الذي لم يعمَلْ خيرًا قطُّ، غيرَ تَجاوُزِهِ عن غُرمائهِ: "لعلَّ اللَّهَ يَتَجاوزُ عنّا" إيمانٌ، وإقرارٌ بالرَّبِّ ومُجازاتِهِ، وكذلك قولُ (١) الآخرِ: "خَشْيتُكَ يا ربِّ" إيمان باللَّه، واعتِرافٌ لهُ بالرُّبُوبيَّةِ، واللَّه أعلمُ. وأمّا قولُهُ: "لئن قَدَرَ اللَّهُ عليَّ". فقدِ اختلفَ العُلماءُ في مَعناهُ، فقال منهُم قائلونَ: هذا رجُلٌ جهِلَ بعضَ صِفاتِ اللَّه ، وهي القُدرةُ، فلم يعلَمْ أنَّ اللَّهَ على كلِّ ما يَشاءُ قدِيرٌ. قالوا: ومن جهِلَ صِفةً من صِفاتِ اللَّه ، وآمنَ بسائرِ صِفاتِهِ وعَرَفَها، لم يكُن بجهلِهِ بعضَ صِفاتِ اللَّه كافِرًا. قالوا: وإنَّما الكافِرُ: من عاندَ الحقَّ، لا من جَهِلهُ. وهذا قولُ المُتقدِّمِينَ من العُلماءِ، ومن سلكَ سَبِيلَهم من المُتأخِّرِينَ (٢). وقال آخرُونَ: أرادَ بقولِهِ: "لئن قَدَرَ اللَّهُ عليه" من القَدَرِ، الذي هُو القَضاءُ، وليس من باب القُدْرةِ والاسْتِطاعةِ في شيءٍ. قالوا: وهُو مِثلُ قولِ اللَّه في ذي النُّونِ: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وللعُلماءِ في تأوِيلِ هذه اللَّفظةِ قولانِ: أحدُهُما: أنَّها من التَّقدِيرِ والقَضاءِ. والآخرُ: أنَّها من التَّقتِيرِ والتَّضيِيقِ. وكلُّ ما قالهُ العُلماءُ في تأوِيلِ هذه الآيةِ، فهُو جائزٌ في تأوِيلِ هذا الحديثِ، في قولِهِ: "لئن قَدَر اللَّهُ عليَّ".

стр. 6097

فأحَدُ الوجهينِ تَقْدِيرُهُ: كأنَّ الرَّجُلَ قال: لئن كان قد سبَقَ في قَدَرِ اللَّه وقَضائهِ أن يُعذِّبَ كلَّ ذي جُرم على جُرمِهِ، ليُعذِّبَنِّي اللَّهُ على إجْرامِي وذُنُوبي عذابًا لا يُعذِّبُهُ أحدًا من العالمين غيرِي. والوجهُ الآخرُ تقدِيرُهُ: واللَّه لئن ضَيَّق اللَّهُ عليَّ، وبالغَ في مُحاسَبتِي وجَزائي على ذُنُوبي، ليكوننَّ ذلك، ثُمَّ أمرَ بأن يُحرَقَ بعد موتِهِ، من إفراطِ خَوْفِهِ. قال ابنُ قُتيبةَ (١): بَلَغني عنِ الكِسائيِّ، أنَّهُ قال: يُقالُ: هذا قَدَرُ اللَّه وقَدْرُهُ. قال: ولو قُرِئَت: "أوْدِيةٌ بقَدْرِها" (٢) مُخفَّفًا، أو قُرِئَت "وما قَدَّرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدَرِهِ" (٣)، مُثقَّلًا جاز، وأنشَدَ: وما صَبَّ رِجلِي في حَدِيدِ مُجاشِع ... معَ القَدْرِ إلّا حاجةٌ لي أُرِيدُها (٤) أرادَ: القَدَر. قال: ويُقالُ: هذا على قَدْرِ هذا وقَدَرِهِ. قال الأصمعِيُّ: أنشَدَنِي عيسى بن عُمر لبَدَوِيّ (٥): كلُّ شيءٍ حتّى أراكٍ (٦) مَتاعُ ... وبقَدْرٍ تفرُّقٌ واجتِماعُ ومن هذا حديثُ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ ﵇ في الهِلالِ: "فإنَّ غُمَّ عليكُم، فاقْدُرُوا لهُ" (٧). وقد ذكرتُهُ في بابه وموضِعِهِ من هذا الكِتابِ.

стр. 6098

وقد رَوينا عن أبي العبّاسِ أحمد بنِ يحيى ثعلبٍ، أنَّهُ قال في قولِ اللَّه : ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. قال: هُو من التَّقديرِ (١)، ليس من القُدْرةِ، يُقالُ منهُ: قَدَّرَ اللَّهُ لكَ الخيرَ يُقدِّرُهُ قدرًا. بمعنَى: قدَرَ اللَّهُ لكَ الخيرَ. وأنشد ثعلبٌ: ولا عائدًا ذاك الزَّمانُ الذي مَضَى ... تباركت ما تَقْدُرْ يقَعْ ولك الشُّكرُ يعني: ما تُقدِّرُهُ وتقضِي به يقعُ، يعني: ينزِلُ وينفذُ ويمضِي. قال أبو عُمر: هذا البيتُ لأبي صخرٍ الهُذلِيِّ (٢)، في قَصِيدةٍ لهُ أوَّلُها: لليْلَى بذاتِ الجَيْشِ دارٌ عرفتُها ... وأُخْرَى بذاتِ البَيْنِ آياتُها سُطْرُ وفيها يقولُ: وليس عشِيّاتُ الحِمَى برواجِع ... لنا أبدًا ما أبْرَمَ السَّلَمَ النَّضرُ ولا عائدٌ ذاك الزَّمانُ الذي مضى ... تباركت ما تَقْدُرْ يَقعْ ولك الشُّكرُ السَّلَمُ: شَجَرٌ من العِضاهِ يُدبغُ به. والنَّضرُ: النَّضارةُ والتَّنعُّمُ. وأبْرَمَ السَّلَمَ: أخْرَجَ بَرَمَتَهُ، وأبْرَمتُ الأمرَ: أحْكَمتَهُ. وقال غيرُهُ: فما النّاسُ أرْدَوهُ ولكن أقادَهُ ... يَدُ اللَّه والمُسْتنصِرُ اللَّهَ غالِبُ فإنَّكَ ما يَقْدُرْ لكَ اللَّهُ تَلْقَهُ ... كِفاحًا وتجلِبْهُ إليكَ الجَوالِبُ وقال ابنُ قُتيبةَ، في قولِ اللَّه : ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]: أن لن نُضيِّق عليه. قال: يُقالُ (٣): فُلانٌ مُقدَّرٌ عليه، ومُقتَّرٌ عليه. ومنهُ قولُهُ

стр. 6099

عزَّ وجلَّ: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦]. أي: ضيَّقَ عليه في رِزقِهِ. وقولُهُ: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ضُيِّق عليه في رِزقِهِ. وقال ثعلبٌ، في قولِ اللَّه : ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] قال: مُغاضِبًا للملِكِ. قال أبو عُمر: قد قيلَ ما قال ثعلبٌ، وقيل: إنَّهُ خرجَ مُغاضِبًا لنبيٍّ كان في زَمانِهِ. وهذانِ القولانِ للمُتأخِّرِين، وأمّا المُتقدِّمُونَ، فإنَّهُم قالوا: خرَجَ مُغاضِبًا لربِّهِ. رُوِي ذلك عنِ ابنِ مسعُودٍ، والشَّعبِيِّ، والحَسَنِ البَصرِيِّ، وغيرِهِم (١). ولولا خُرُوجُنا عمّا لهُ قَصَدْنا، لذكَرْنا خَبرَهُ وقِصَّتَهُ هاهُنا. وأمّا جَهلُ هذا الرَّجُلِ المذكُورِ في هذا الحديثِ، بصِفةٍ من صِفاتِ اللَّه في عِلْمِهِ وقَدَرِهِ، فليس ذلك بمُخرِجِهِ من الإيمانِ، ألا تَرَى أنَّ عُمر بن الخطّابِ (٢)، وعِمران بن حُصين (٣)، وجَماعةً من الصَّحابةِ، سَألوا رسُولَ اللَّه ﷺ عنِ القَدرِ، ومعلُومٌ أنَّهُم إنَّما سألُوهُ عن ذلك وهُم جاهِلُونَ به، وغيرُ جائزٍ عِندَ أحدٍ من المُسلِمِينَ أن يكونوا بسُؤالِهِم عن ذلك كافِرِين، أو يكونوا في حِينِ سُؤالِهِم عنهُ غيرَ مُؤمِنين. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا مُضرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا شَيْبانُ بن فَرُّوخ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن يزِيدَ

стр. 6100

الرِّشْكِ، قال: حدَّثنا مُطرِّفٌ، عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ، قال: قلتُ يا رسُولَ اللَّه، أعُلِم أهلُ الجنّةِ من أهلِ النّارِ؟ وذكر الحديثَ (١). ورَوَى اللَّيثُ، عن أبي قَبِيل (٢)، عن شُفيٍّ الأصبَحِيِّ، عن عبدِ اللَّه بنِ عَمرِو بنِ العاصِ. فذكر حديثًا في القَدَرِ، وفيه: فقال أصحابُ رسُولِ اللَّه ﷺ : فلأيِّ شيءٍ نَعملُ، إن كان الأمرُ قد فُرخَ منهُ (٣)؟ فهؤلاءِ أصحابُ رسُولِ اللَّه ﷺ ، وهُمُ العُلماءُ الفُضَلاءُ، سألوا عنِ القَدَرِ سُؤالَ مُتعلِّم جاهِلٍ، لا سُؤال مُتَعنِّتٍ مُعانِدٍ، فعلَّمهُم رسُولُ اللَّه ﷺ ما جَهِلوا من ذلك، ولم يضُرَّهُم جهلُهُم به قبلَ أن يَعْلمُوهُ، ولو كان لا يَسَعُهُم جهلُهُ وَقْتًا من الأوقاتِ، لعَلَّمَهم ذلك مع الشَّهادة بالإيمانِ، وأَخَذَ ذلك عليهم في حِينِ إسْلامِهِم، ولجعَلَهُ عمُودًا سادِسًا للإسلام، فتدبَّر، واستعِن باللَّه. فهذا الذي حَضَرني، على ما فهِمتُهُ من الأُصُولِ ووَعَيتُهُ، وقد أدَّيتُ اجْتِهادِي في تأوِيلِ حديثِ هذا البابِ كلَّه ولم آلُ، وما أُبرِّئُ نفسِي، وفوقَ كلِّ ذي عِلم عليمٌ، وباللَّه التَّوفيقُ.

стр. 6101

حديثٌ ثامِنٌ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "ليس المِسكِينُ بهذا الطَّوافِ الذي يطُوفُ على النّاسِ، فتردُّهُ اللُّقمةُ واللُّقمتانِ، والتَّمرةُ والتَّمرتانِ". قالوا: فما المِسكِينُ يا رسُولَ اللَّه؟ قال: "الذي لا يجِدُ غِنًى يُغنِيهِ، ولا يَفْطُنُ النّاسُ لهُ فيُتصدَّقَ عليه، ولا يقومُ فيسألُ النّاسَ". هكذا قال يحيى في هذا الحديثِ: فما المِسكِينُ؟ ولم يقُل: فمَنِ المِسكِينُ؟ وكان وجهُ الكلام أن يقولَ: فمَن (٢) المِسكِينُ؟ لأنَّ "مَن" وُضِعت لمن يَعقِلُ. وقد تابَعَ يحيى على قولِهِ: فما المِسكِينُ؟ جماعةٌ. ويَحتَمِلُ وَجْهينِ، أحدُهُما: أن يكونَ أرادَ فما (٣) الحالُ التي يكونُ بها السّائلُ مِسكِينًا. والوجهُ الآخرُ: أن تكونَ "ما" هاهُنا بمَعنَى (٤) مَن، كما قال : ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] أرادَ: ومَنْ بناها. وكما قال: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ٣] أرادَ (٥): ومن خلَقَ الذَّكرَ والأُنثى (٦). فأمّا قولُهُ: "ليس المِسكِينُ بهذا الطَّوّافِ". فإنَّهُ أرادَ: ليس المِسكِينُ حقًّا على الكَمالِ، وهُو الذي بالَغتهُ المَسْكنةُ بهذا الطَّوّافِ؛ لأنَّ هُناكَ مِسكِينًا أشدَّ

стр. 6102

مَسْكنةً من الطَّوّافِ، وهُو الذي لا يجِدُ غِنًى، ولا يسألُ، ولا يُفطَنُ لهُ فيُتصدَّق عليه. هذا وجهُ قولِهِ ﷺ : "ليس المِسكِينُ بالطَّوّافِ". لا وجهَ لهُ غيرُ ذلك؛ لأنَّهُ معلُومٌ أنَّ الطَّوّافَ مِسكِينٌ، وذلك موجُودٌ في الآثارِ، ومعرُوفٌ في اللُّغةِ، ألا ترى إلى قولِهِ ﷺ : "رُدُّوا المِسكِينَ ولو بظِلفٍ مُحْرَقٍ". هكذا رواهُ مالكٌ (١)، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عنِ ابنِ بُجيدٍ، عن جَدَّتِهِ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . وقولُ عائشةَ: إنَّ المِسكِينَ ليَقِفُ على بابي. . . الحَدِيثَ (٢). فقد سَمَّتهُ مِسكِينًا، وهُو طوّافٌ على الأبوابِ، وقد جعلَ اللَّهُ الصَّدقاتِ للفُقراءِ والمساكِينِ. وأجمعُوا أنَّ السّائلَ الطَّوّافَ المُحتاجَ: مِسكِينٌ، وفي هذا كلِّهِ ما يدُلُّك على ما وصَفْنا، وباللَّه توفيقُنا. واختلَفَ العُلماءُ وأهلُ اللُّغةِ في المِسكِينِ والفَقِيرِ، فقال منهُم قائلونَ: الفقِيرُ أحسنُ حالًا من المِسكِينِ. قالوا: والفقِيرُ: الذي لهُ بَعضُ ما يُقِيمُهُ ويكفيه (٣)، والمِسكِينُ الذي لا شيءَ لهُ، واحتجُّوا بقولِ الرّاعِي (٤): أمّا الفَقِيرُ الذي كانت حَلُوبتُهُ ... وَفْقَ العِيالِ فلم يُترَكْ لهُ سبَدُ قالوا: ألا ترى أنَّهُ قد أخبَر أنَّ لهذا الفقِيرِ حَلُوبةً.

стр. 6103

وممَّن ذهب إلى هذا: يعقُوبُ ابنُ السِّكِّيتِ، وابنُ قتيبةَ، وهُو قولُ يُونُسَ بنِ حَبِيبٍ، وذَهَبُ إليه قومٌ من أهلِ الفِقهِ والحديثِ. وقال آخرُونَ: المِسكِينُ أحْسَنُ حالًا من الفَقِيرِ. واحتجَّ قائلو هذه المقالةِ بقولِ اللَّه : ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]. فأخبَرَ أنَّ للمِسكِينِ سَفِينةً من سُفُنِ البَحرِ، ورُبَّما ساوَتْ جُملةً من المالِ. واحتجُّوا بقولِ اللَّه : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، قالوا: فهذه الحالُ التي وصفَ اللَّهُ بها الفُقراءَ، دُونَ الحالِ التي أخبَرَ بها عنِ المساكِينِ. قالوا: ولا حُجَّةَ في بَيْتِ الرّاعِي؛ لأنَّهُ إنَّما ذكَرَ أنَّ الفَقِيرَ كانت لهُ حَلُوبةٌ في حالٍ ما. قالوا: والفَقِيرُ معناهُ في كلام العربِ: المفقُورُ الذي نُزِعَتْ فِقْرةٌ من ظَهرِهِ من شِدَّةِ الفَقرِ، فلا حالَ أشدُّ من هذه، واسْتَشهدُوا بقولِ الشّاعِر (١): لمّا رأى لُبَدُ النُّسُورَ تَطايَرَت ... رفَعَ القَوادِمَ كالفَقِيرِ الأعْزَلِ أي: لم يُطِقِ الطَّيران، فصارَ بمنزِلةِ منِ انقطَعَ صُلبُهُ، ولُصِق بالأرضِ. قالوا: وهذا هُو الشَّدِيدُ المسكنةِ، واسْتَدلُّوا بقولِ اللَّه : ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] يعني: مِسكِينًا قد لُصِقَ بالتُّرابِ من شِدَّةِ الفقرِ. وهذا يدُلُّ على أنَّ ثَمَّ مِسكِينًا ليس ذا مَتْرَبةٍ، مِثلَ الطَّوّافِ وشبْهِهِ، ممَّن لهُ البُلغةُ والسَّعيُ في الاكتِسابِ، بالسُّؤالِ والتَّحرُّفِ، ونحو هذا.

стр. 6104

وممَّن ذهَبَ إلى أنَّ المِسكِينَ أحسنُ حالًا من الفقِيرِ: الأصْمَعِيُّ، وأبو جعفرٍ أحمدُ بن عُبيدٍ، وهُو قولُ الكُوفيِّين من الفُقهاءِ: أبي حنِيفةَ وأصحابه، ذكر ذلك عنهُمُ الطَّحاوِيُّ، وهُو أحدُ قولي الشّافِعِيِّ (١). وللشّافِعِيِّ ﵀ قولٌ آخرُ، أنَّ الفقِير والمِسكِينَ سواءٌ، ولا فرقَ بينهُما في المعنى، وإنِ افترقا في الاسم. وإلى هذا ذهَبَ ابنُ القاسم، وسائرُ أصحابِ مالكٍ، في تأوِيلِ قولِ اللَّه : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]. وأمّا أكثرُ أصحابِ الشّافِعِيِّ، فعلى ما ذهَبَ إليه الكُوفيُّون في هذا البابِ، واللَّهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ. وقال أبو بكر ابنُ الأنبارِيِّ: المِسكِينُ في كَلام العربِ: الذي سَكَّنهُ الفقرُ، أي: قلَّلَ حَرَكتهُ، واشتِقاقُهُ من السُّكُونِ، يُقالُ: قد تمَسْكَنَ الرَّجُلُ وتَسَكَّنَ: إذا صارَ مِسكِينًا، وتمَدرَعَ الرَّجُلُ وتَدرَّعَ: إذا لبِسَ المِدْرَعةَ. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الصَّدقةَ على أهلِ السَّترِ والتَّعفُّفِ، أفْضَلُ مِنها على السّائلِينَ الطَّوّافِينَ. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن أبي سليمانَ، قال: حدَّثنا سُحنُون، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني أشْهَلُ بن حاتِم، عنِ ابنِ عَوْنٍ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، قال: قالَ عُمرُ: ليس الفَقِيرُ الذي لا مالَ لهُ، ولكنَّ الفقِير الأخلقُ الكَسْبِ (٢).

стр. 6105

حديثٌ تاسِعٌ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "المُؤمِنُ يأكُلُ في مِعًى واحِدٍ، والكافِرُ يأكُلُ في سَبْعةِ أمْعاءٍ". قال أبو عُمر: "مِعًى"، مَقصُورٌ، مِثلُ غِنًى، وسِوًى، ومِنًى. وهذا الحديثُ خرجَ على غيرِ مَقصُودِهِ بالحديثِ، والإشارَةُ فيه إلى كافِرٍ بعَيْنِهِ، لا إلى جِنْسِ الكُفّار، ولا سبِيلَ إلى حَملِهِ على العُمُوم؛ لأنَّ المُشاهَدةَ تدفعُهُ وتُكذِّبُهُ، وقد جلَّ رسُولُ اللَّه ﷺ عن ذلك، ألا ترى أنَّهُ قد يُوجَدُ كافِرٌ أقلَّ أكلًا من مُؤمِنٍ، ويُسلِمُ الكافِرُ، فلا يَنْتقِصُ أكلُهُ ولا يَزِيدُ؟ وفي حديثِ سُهَيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ما يَدُلُّ على أنَّ هذا الحَدِيث كان في رَجُلٍ بعينِهِ، ولذلك جَعلهُ مالكٌ في "مُوطَّئهِ" (٢) بعدَهُ مُفسِّرًا لهُ، وقد قيلَ فيه غيرُ هذا مِمّا قد ذَكَرتُهُ في حديثِ سهَيلٍ، وسيأتي حديثُ سُهيلٍ في بابه، من كِتابِنا هذا إن شاءَ اللَّه. ويُروَى أنَّ الرَّجُل الذي قال فيه رسُولُ اللَّه ﷺ هذه المَقالةَ، هُو: جَهْجاهُ بن سعِيدٍ الغِفارِيُّ، وقد ذكَرْناهُ، وذكَرْنا خَبرهُ في كِتابِ "الصَّحابة" (٣). حدَّثني سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثني قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٤): حدَّثنا زيدُ بن الحُبابِ، قال:

стр. 6106

حدَّثنا موسى بنُ عُبَيدةَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ (١) بن سَلْمان الأغرُّ، عن عَطاءِ بنِ يَسارٍ، عن جَهْجاهٍ الغِفارِيِّ، أنَّهُ قدِمَ في نَفرٍ من قَوْمِهِ يُرِيدُونَ الإسلام، فحَضَرُوا مع رسُولِ اللَّه ﷺ المغرِبَ، فلمّا سلَّمَ قال: "لِيأخُذ كلُّ رَجُلٍ مِنكُم بيدِ جَلِيسِهِ". قال: فلم يبقَ في المسجِدِ غيرُ رسُولِ اللَّه ﷺ وغيرِي، وكنتُ رَجُلًا عظِيمًا طُوالًا، لا يُقْدِمُ عليَّ أحدٌ، فذهَبَ بي رسُولُ اللَّه ﷺ إلى مَنْزِلِهِ، فحَلَبَ لي عنزًا، فأتيتُ عليها، حتّى حلَبَ لي سَبْعةَ أعْنُزٍ، فأتيتُ عليها. وذكر الحديث، وفيه: فلمّا أسْلَمتُ دَعاني رسُولُ اللَّه ﷺ إلى مَنزِلِهِ، فحلَبَ لي عَنْزًا، فرُوِيتُ وشَبِعتُ، فقالت أُمُّ أيمنَ: يا رسُولَ اللَّه، أليس هذا ضَيْفَنا؟ فقال: "بَلَى، ولكنَّهُ أكلَ في مِعَى مُؤمِنٍ اللَّيلةَ، وأكلَ قبلَ ذلك في مِعَى كافِرٍ، والكافِرُ ياكُلُ في سَبْعةِ أمعاءٍ، والمُؤمِنُ يأكُلُ في مِعًى واحدٍ". قال أبو عُمر: وهذا أيضًا لفظُ عُمُوم، والمُرادُ به الخُصُوصُ، فكأنَّهُ قال: هذا إذ كان كافِرًا، كان يأكُلُ في سَبْعةِ أمعاءٍ، فلمّا آمنَ عُوفيَ (٢) وبُورِكَ لهُ في نَفسِهِ، فكَفاهُ جُزءٌ من سَبْعةِ أجزاءٍ، مِمّا كان يكفيه إذ كان كافِرًا، خُصُوصًا لهُ، واللَّه أعلمُ. فكان قولُهُ ﷺ في هذا الحديثِ: "الكافِرُ يأكُلُ في سبعةِ أمعاءٍ" إشارةً إليه، كأنَّهُ قال: هذا الكافِرُ، وكذلك المُؤمِنُ يأكُلُ في مِعًى واحِدٍ، يعني هذا المُؤمِن، واللَّه أعلمُ. وقد قال اللَّه : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾. وهُو يُرِيدُ رجُلًا (٣)،

стр. 6107

فيما قال أهلُ العِلم بتأوِيلِ القُرآنِ. وقيلَ: رَجُلانِ، ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. يعني قُريشًا، فجاءَ بلفظِ عُمُوم، ومعناهُ الخُصُوصُ، ومِثلُهُ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، و ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الذاريات: ٤٢]. كلُّ هذا عُمُومٌ يُرادُ به الخُصُوصُ، ومِثلُ هذا كثِيرٌ في القُرآنِ ولِسانِ (١) العربِ. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على ذمِّ الأكُولِ الذي لا يَشْبعُ، وأنَّها خَلَّةٌ مذمُومةٌ، وصِفةٌ غيرُ محمُودةٍ، وأنَّ القلَّ من الأكلِ أحمدُ وأفضلُ (٢)، وصاحِبُها عليها ممدُوحٌ، وإن كان الأمرُ كلُّهُ للَّه، وبيَدِهِ، وخلقِهِ وصُنعِهِ، لا شرِيكَ لهُ.
следующие страницы →