← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6103–6142 · переход к 6108.

стр. 6103

وممَّن ذهب إلى هذا: يعقُوبُ ابنُ السِّكِّيتِ، وابنُ قتيبةَ، وهُو قولُ يُونُسَ بنِ حَبِيبٍ، وذَهَبُ إليه قومٌ من أهلِ الفِقهِ والحديثِ. وقال آخرُونَ: المِسكِينُ أحْسَنُ حالًا من الفَقِيرِ. واحتجَّ قائلو هذه المقالةِ بقولِ اللَّه : ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]. فأخبَرَ أنَّ للمِسكِينِ سَفِينةً من سُفُنِ البَحرِ، ورُبَّما ساوَتْ جُملةً من المالِ. واحتجُّوا بقولِ اللَّه : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، قالوا: فهذه الحالُ التي وصفَ اللَّهُ بها الفُقراءَ، دُونَ الحالِ التي أخبَرَ بها عنِ المساكِينِ. قالوا: ولا حُجَّةَ في بَيْتِ الرّاعِي؛ لأنَّهُ إنَّما ذكَرَ أنَّ الفَقِيرَ كانت لهُ حَلُوبةٌ في حالٍ ما. قالوا: والفَقِيرُ معناهُ في كلام العربِ: المفقُورُ الذي نُزِعَتْ فِقْرةٌ من ظَهرِهِ من شِدَّةِ الفَقرِ، فلا حالَ أشدُّ من هذه، واسْتَشهدُوا بقولِ الشّاعِر (١): لمّا رأى لُبَدُ النُّسُورَ تَطايَرَت ... رفَعَ القَوادِمَ كالفَقِيرِ الأعْزَلِ أي: لم يُطِقِ الطَّيران، فصارَ بمنزِلةِ منِ انقطَعَ صُلبُهُ، ولُصِق بالأرضِ. قالوا: وهذا هُو الشَّدِيدُ المسكنةِ، واسْتَدلُّوا بقولِ اللَّه : ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] يعني: مِسكِينًا قد لُصِقَ بالتُّرابِ من شِدَّةِ الفقرِ. وهذا يدُلُّ على أنَّ ثَمَّ مِسكِينًا ليس ذا مَتْرَبةٍ، مِثلَ الطَّوّافِ وشبْهِهِ، ممَّن لهُ البُلغةُ والسَّعيُ في الاكتِسابِ، بالسُّؤالِ والتَّحرُّفِ، ونحو هذا.

стр. 6104

وممَّن ذهَبَ إلى أنَّ المِسكِينَ أحسنُ حالًا من الفقِيرِ: الأصْمَعِيُّ، وأبو جعفرٍ أحمدُ بن عُبيدٍ، وهُو قولُ الكُوفيِّين من الفُقهاءِ: أبي حنِيفةَ وأصحابه، ذكر ذلك عنهُمُ الطَّحاوِيُّ، وهُو أحدُ قولي الشّافِعِيِّ (١). وللشّافِعِيِّ ﵀ قولٌ آخرُ، أنَّ الفقِير والمِسكِينَ سواءٌ، ولا فرقَ بينهُما في المعنى، وإنِ افترقا في الاسم. وإلى هذا ذهَبَ ابنُ القاسم، وسائرُ أصحابِ مالكٍ، في تأوِيلِ قولِ اللَّه : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]. وأمّا أكثرُ أصحابِ الشّافِعِيِّ، فعلى ما ذهَبَ إليه الكُوفيُّون في هذا البابِ، واللَّهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ. وقال أبو بكر ابنُ الأنبارِيِّ: المِسكِينُ في كَلام العربِ: الذي سَكَّنهُ الفقرُ، أي: قلَّلَ حَرَكتهُ، واشتِقاقُهُ من السُّكُونِ، يُقالُ: قد تمَسْكَنَ الرَّجُلُ وتَسَكَّنَ: إذا صارَ مِسكِينًا، وتمَدرَعَ الرَّجُلُ وتَدرَّعَ: إذا لبِسَ المِدْرَعةَ. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الصَّدقةَ على أهلِ السَّترِ والتَّعفُّفِ، أفْضَلُ مِنها على السّائلِينَ الطَّوّافِينَ. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن أبي سليمانَ، قال: حدَّثنا سُحنُون، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني أشْهَلُ بن حاتِم، عنِ ابنِ عَوْنٍ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، قال: قالَ عُمرُ: ليس الفَقِيرُ الذي لا مالَ لهُ، ولكنَّ الفقِير الأخلقُ الكَسْبِ (٢).

стр. 6105

حديثٌ تاسِعٌ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "المُؤمِنُ يأكُلُ في مِعًى واحِدٍ، والكافِرُ يأكُلُ في سَبْعةِ أمْعاءٍ". قال أبو عُمر: "مِعًى"، مَقصُورٌ، مِثلُ غِنًى، وسِوًى، ومِنًى. وهذا الحديثُ خرجَ على غيرِ مَقصُودِهِ بالحديثِ، والإشارَةُ فيه إلى كافِرٍ بعَيْنِهِ، لا إلى جِنْسِ الكُفّار، ولا سبِيلَ إلى حَملِهِ على العُمُوم؛ لأنَّ المُشاهَدةَ تدفعُهُ وتُكذِّبُهُ، وقد جلَّ رسُولُ اللَّه ﷺ عن ذلك، ألا ترى أنَّهُ قد يُوجَدُ كافِرٌ أقلَّ أكلًا من مُؤمِنٍ، ويُسلِمُ الكافِرُ، فلا يَنْتقِصُ أكلُهُ ولا يَزِيدُ؟ وفي حديثِ سُهَيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ما يَدُلُّ على أنَّ هذا الحَدِيث كان في رَجُلٍ بعينِهِ، ولذلك جَعلهُ مالكٌ في "مُوطَّئهِ" (٢) بعدَهُ مُفسِّرًا لهُ، وقد قيلَ فيه غيرُ هذا مِمّا قد ذَكَرتُهُ في حديثِ سهَيلٍ، وسيأتي حديثُ سُهيلٍ في بابه، من كِتابِنا هذا إن شاءَ اللَّه. ويُروَى أنَّ الرَّجُل الذي قال فيه رسُولُ اللَّه ﷺ هذه المَقالةَ، هُو: جَهْجاهُ بن سعِيدٍ الغِفارِيُّ، وقد ذكَرْناهُ، وذكَرْنا خَبرهُ في كِتابِ "الصَّحابة" (٣). حدَّثني سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثني قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٤): حدَّثنا زيدُ بن الحُبابِ، قال:

стр. 6106

حدَّثنا موسى بنُ عُبَيدةَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ (١) بن سَلْمان الأغرُّ، عن عَطاءِ بنِ يَسارٍ، عن جَهْجاهٍ الغِفارِيِّ، أنَّهُ قدِمَ في نَفرٍ من قَوْمِهِ يُرِيدُونَ الإسلام، فحَضَرُوا مع رسُولِ اللَّه ﷺ المغرِبَ، فلمّا سلَّمَ قال: "لِيأخُذ كلُّ رَجُلٍ مِنكُم بيدِ جَلِيسِهِ". قال: فلم يبقَ في المسجِدِ غيرُ رسُولِ اللَّه ﷺ وغيرِي، وكنتُ رَجُلًا عظِيمًا طُوالًا، لا يُقْدِمُ عليَّ أحدٌ، فذهَبَ بي رسُولُ اللَّه ﷺ إلى مَنْزِلِهِ، فحَلَبَ لي عنزًا، فأتيتُ عليها، حتّى حلَبَ لي سَبْعةَ أعْنُزٍ، فأتيتُ عليها. وذكر الحديث، وفيه: فلمّا أسْلَمتُ دَعاني رسُولُ اللَّه ﷺ إلى مَنزِلِهِ، فحلَبَ لي عَنْزًا، فرُوِيتُ وشَبِعتُ، فقالت أُمُّ أيمنَ: يا رسُولَ اللَّه، أليس هذا ضَيْفَنا؟ فقال: "بَلَى، ولكنَّهُ أكلَ في مِعَى مُؤمِنٍ اللَّيلةَ، وأكلَ قبلَ ذلك في مِعَى كافِرٍ، والكافِرُ ياكُلُ في سَبْعةِ أمعاءٍ، والمُؤمِنُ يأكُلُ في مِعًى واحدٍ". قال أبو عُمر: وهذا أيضًا لفظُ عُمُوم، والمُرادُ به الخُصُوصُ، فكأنَّهُ قال: هذا إذ كان كافِرًا، كان يأكُلُ في سَبْعةِ أمعاءٍ، فلمّا آمنَ عُوفيَ (٢) وبُورِكَ لهُ في نَفسِهِ، فكَفاهُ جُزءٌ من سَبْعةِ أجزاءٍ، مِمّا كان يكفيه إذ كان كافِرًا، خُصُوصًا لهُ، واللَّه أعلمُ. فكان قولُهُ ﷺ في هذا الحديثِ: "الكافِرُ يأكُلُ في سبعةِ أمعاءٍ" إشارةً إليه، كأنَّهُ قال: هذا الكافِرُ، وكذلك المُؤمِنُ يأكُلُ في مِعًى واحِدٍ، يعني هذا المُؤمِن، واللَّه أعلمُ. وقد قال اللَّه : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾. وهُو يُرِيدُ رجُلًا (٣)،

стр. 6107

فيما قال أهلُ العِلم بتأوِيلِ القُرآنِ. وقيلَ: رَجُلانِ، ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. يعني قُريشًا، فجاءَ بلفظِ عُمُوم، ومعناهُ الخُصُوصُ، ومِثلُهُ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، و ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الذاريات: ٤٢]. كلُّ هذا عُمُومٌ يُرادُ به الخُصُوصُ، ومِثلُ هذا كثِيرٌ في القُرآنِ ولِسانِ (١) العربِ. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على ذمِّ الأكُولِ الذي لا يَشْبعُ، وأنَّها خَلَّةٌ مذمُومةٌ، وصِفةٌ غيرُ محمُودةٍ، وأنَّ القلَّ من الأكلِ أحمدُ وأفضلُ (٢)، وصاحِبُها عليها ممدُوحٌ، وإن كان الأمرُ كلُّهُ للَّه، وبيَدِهِ، وخلقِهِ وصُنعِهِ، لا شرِيكَ لهُ.

стр. 6108

حديثٌ عاشِرٌ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "كلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ، أو يُنصِّرانِهِ (٢)، كما تُناتَجُ الإبِلُ من بَهِيمةٍ جَمعاءَ، هل تُحِسُّ من جَدْعاءَ؟ ". قالوا: يا رسُولَ اللَّه، أرأيتَ الذي يمُوتُ وهُو صغِيرٌ؟ قال: "اللَّهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ". قال أبو عُمر: رُوِي هذا الحديثُ عنِ النَّبيِّ ﷺ من وُجُوهٍ صِحاح (٣) ثابتة، من حديثِ أبي هريرةَ وغيرِهِ. فممَّن رواهُ عن أبي هريرةَ: عبدُ الرَّحمنِ الأعرجُ (٤)، وسعِيدُ بن المُسيِّبِ (٥)، وأبو سَلَمةَ (٦) وحُميدٌ (٧) ابنا عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ، وأبو صالح السَّمّانُ (٨)،

стр. 6109

وسَعِيدُ بن أبي سَعِيدٍ (١)، ومحمدُ بنُ سِيرِينَ (٢). ورواهُ ابنُ شِهابٍ، فاختلَفَ أصحابُهُ عليه في إسنادِهِ، فرواهُ مَعْمرٌ والزُّبيدِيُّ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن سعِيدٍ، عن أبي هريرةَ (٣). ورواهُ يُونُسُ وابنُ أبي ذِئبٍ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ (٤). ورواهُ الأوزاعِيُّ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ (٥). وزعمَ محمدُ بن يحيى الذُّهِليُّ: أنَّ هذه الطُّرُقَ كلَّها صِحاحٌ، عنِ ابنِ شِهابٍ محفُوظةٌ. قال أبو عُمر: ليس هذا الحديثُ عِندَ مالكٍ عنِ ابنِ شِهابِ في "المُوطَّأ"، وهُو عِندَهُ عن أبي الزِّنادِ، كما ذكَرْناه (٦).

стр. 6110

وقد رَوَى هذا الحديثَ عبدُ اللَّه بن الفَضْلِ الهاشِمِيُّ، شيخُ مالكٍ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ، ويُنصِّرانِهِ، ويُمَجِّسانِهِ، كالبهِيمةِ تُنتَجُ البَهِيمةَ، هل تُحِسُّونَ فيها من جَدعاءَ، حتّى تكونوا أنتُم تَجْدَعُونها" (١). إلى هاهُنا انتهى حديثُهُ، ولم يذكُر ما في حديثِ مالكٍ، قولَهُ: أرأيتَ من يمُوتُ وهُو صغِيرٌ؟ إلى آخِرِ الحديثِ، وزاد فيه: "ويُمجِّسانِهِ". وهكذا رِوايةُ ابنِ شِهابٍ لهذا الحديثِ، ليس فيها قولُهُ: أرأيتَ من يمُوتُ وهُو صغِيرٌ؟ قال: "اللَّهُ أعلَمُ بما كانوا عامِلِينَ". وعِندَ ابنِ شِهابٍ، عن عَطاءِ بنِ يزِيد، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أَنَّهُ سُئلَ عن أولادِ المُشرِكِينَ، فقال: "اللَّهُ أعلَمُ بما كانوا عامِلِين". وسنذكُرُ حديث ابنِ شِهابٍ هذا، عن عطاءِ بنِ يزِيدَ، في بابٍ مُفردٍ (٢) من هذا الكِتابِ إن شاءَ اللَّه. أمّا قولُهُ في حديثِ مالكٍ وغيرِهِ: "كلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ. . . " الحديثَ. فإنَّ أهلَ العِلم من أصحابِنا وغيرِهِمُ اخْتَلفُوا في معنَى قولِهِ: "كلُّ مولُودٍ". فقالت طائفةٌ: ليس في قولِهِ: "كلُّ مولُودٍ" ما يقتفِي العُمُوم، قالوا: والمعنى في ذلك، أنَّ كلَّ من وُلِدَ على الفِطْرةِ، وكان لهُ أبوانِ على غيرِ الإسلام، هوَّداهُ، أو نصَّراهُ، أو مجَّساهُ.

стр. 6111

قالوا: وليس المعنى أنَّ جميعَ المولُودِين من بني آدمَ أجمعِينَ يُولَدُون على الفِطْرةِ، بلِ المعنَى أنَّ المولُودَ على الفِطْرةِ بينَ الأبوينِ الكافِرينِ يُكفِّرانِهِ، وكذلك من لم يُولَد على الفِطْرةِ، وكان أبواهُ مُؤمِنينِ، حُكِمَ لهُ بحُكمِهِما في صِغَرِهِ، إن كانا يهُودِيَّينِ، فهُو يهُودِيٌّ يرِثُهُما وَيَرِثانِهِ، وكذلك لو كانا نَصْرانِيَّينِ، أو مجُوسِيَّينِ، حتّى يُعبِّر عنهُ لسانُهُ، ويبلُغ الحِنثَ، فيكونَ لهُ حُكمُ نَفسِهِ حِينئذٍ، لا حُكمَ أبوَيهِ. واحتجَّ قائلو هذه المقالةِ بحديثِ أبي إسحاق، عن سَعِيدِ بنِ جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، عن أُبيِّ بنِ كَعْبٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "الغُلامُ الذي قَتَلهُ الخَضِرُ، طَبَعهُ اللَّهُ يومَ طَبَعهُ كافِرًا" (١). وبقولِهِ ﷺ : "ألا إنَّ بني آدمَ خُلِقُوا طَبَقاتٍ، فمنهُم من يُولَدُ مُؤمِنًا، ويحيا مُؤمِنًا، ويمُوتُ مُؤمِنًا، ومنهُم من يُولدُ كافِرًا، ويحيا كافِرًا، ويمُوتُ كافِرًا، ومنهُم من يُولدُ مُؤمِنًا، ويحيا مُؤمِنًا، ويمُوتُ كافِرًا، ومنهُم من يُولدُ كافِرًا ويحيا كافِرًا ويمُوتُ مُؤمِنًا". وهذا الحديثُ حدَّثناهُ خلفُ بن القاسم قِراءَةً مِنِّي عليه، أنَّ أحمدَ بن محمدِ بنِ أبي الموتِ (٢) المكِّيَّ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عليِّ بنِ زيدٍ (٣) الصّائغُ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن مَنصُورٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن زيدٍ،

стр. 6112

عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: صلَّى بنا رسُولُ اللَّه ﷺ العصرَ بنهارٍ، ثُمَّ قامَ وخَطَبنا إلى مَغرِبِ الشَّمسِ، فلم يَدَعْ شيئًا يكونُ إلى قِيام السّاعةِ، إلّا أخبرَ به، حَفِظهُ من حَفِظهُ، ونسِيهُ من نسِيهُ، وكان فيما حَفِظْنا أنْ قال: "ألا إنَّ الدُّنيا خَضِرةٌ حُلوةٌ، وإنَّ اللَّهَ مُسْتخلِفُكُم فيها، فناظِرٌ كيفَ تَعملُونَ، ألا فاتَّقُوا الدُّنيا، واتَّقُوا النِّساءَ". وكان فيما حَفِظنا، أنْ قال: "ألا لا يَمْنعنَّ رجُلًا هَيْبةُ النّاسِ أن يقولَ الحقَّ إذا عَلِمهُ". فبَكَى أبو سعِيدٍ وقال: قد واللَّه رأينا فهِبنا، وكان فيما حَفِظْنا أن قال: "ألا إنَّ لكلِّ غادِرٍ لواءً يومَ القِيامةِ بقدرِ غَدرتهِ، ولا غدرَ أعظمُ من غَدرِ إمام عامَّةٍ". وكان فيما حَفِظنا أن قال: "ألا إنَّ بني آدمَ خُلِقُوا طَبَقاتٍ شتَّى، منهُم من يُولَدُ مُؤمِنًا، ويحيا مُؤمِنًا، ويمُوتُ مُؤمِنًا، ومنهُم من يُولَدُ كافِرًا، ويحيا كافِرًا، ويمُوتُ كافِرًا، ومنهُم من يُولَدُ كافِرًا، ويحيا كافِرًا، ويمُوتُ مُؤمِنًا، ومنهُم من يُولَدُ مُؤمِنًا، ويحيا مُؤمِنًا، ويمُوتُ كافِرًا، ومنهُم حسَنُ القَضاءِ، حَسَنُ الطَّلبِ". وذكرَ تمام الحديثِ (١). قالوا: ففي هذا الحديثِ، معَ الحديثِ في غُلام الخَضرِ، ما يَدُلُّ على أنَّ قولَهُ: "كلُّ مولُودٍ" ليس على العُمُوم، وأنَّ المعنى فيه: أنَّ كلَّ مولُودٍ يُولدُ على الفِطْرةِ، وأبواهُ يهودِيّانِ، أو نصرانِيّانِ، فإنَّهُما يُهوِّدانِهِ، أو يُنصِّرانِهِ (٢)، ثُمَّ يصِيرُ عِندَ بُلُوغِهِ إلى ما يُحكَمُ به عليه.

стр. 6113

قالوا: وألفاظُ الحُفّاظِ على نَحوِ حديثِ مالكٍ هذا. ودَفَعُوا رِوايةَ من رَوى: "كلُّ بني آدم يُولَدُ على الفِطْرةِ". قالوا: ولو صَحَّ هذا اللَّفظُ، ما كان فيه أيضًا حُجَّةٌ لما ذَكَرنا، لأنَّ الخُصُوصَ جائزٌ دُخُولُهُ على هذا اللَّفظِ في لسانِ العَربِ، ألا تَرَى إلى قولِ اللَّه : ﴿تُدَمِّرُ كُلُّ شَيءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ولم تُدمِّرِ السَّماواتِ والأرض، وقولِهِ: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] ولم يُفتح عليهم أبوابُ الرَّحمةِ، ومِثلُ هذا كثِيرٌ. وذَكرُوا من ألفاظِ الأحادِيثِ في ذلك، رِوايةَ الأوزاعِيِّ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن حُميدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "كلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ، أو يُنصِّرانِهِ، أو يُمجِّسانِهِ". قال الأوزاعِيُّ: وذلك بقضاءٍ وقدر (١). وهكذا لفظُ حديثِ مَعْمرٍ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ، ويُنصِّرانِهِ ويُمِجِّسانِهِ (٢)، كما تُنتَجُ البَهِيمةُ بهِيمةً جمعاءَ هل تُحِسُّونَ فيها (٣) من جَدعاءَ؟ "، ثُمَّ يقولُ أبو هريرةَ: اقرؤُوا إن شِئتُم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]. ذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٤) هكذا.

стр. 6114

ولم يُختَلفْ في هذا اللَّفظِ عن مَعْمرٍ فيما عَلِمتُ، أعْني قولَهُ: "كلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ. . . " الحديثَ. وكذلك رواهُ ابنُ أبي ذِئبٍ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ. . . " الحديثَ (١)، كلفظِ حديثِ مَعْمرٍ سواءً، إلّا قولَ أبي هريرةَ. وكذلك حديثُ سَمُرةَ بنِ جُندُبٍ، حديثُ الرُّؤيا عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ أو يُنصِّرانِهِ (٢) " (٣). هذا لفظُهُ. ورَوَى أبو رجاءٍ العُطارِدِيُّ، عن سَمُرةَ بنِ جُندبٍ، الحديثَ الطَّوِيلَ، حديثَ الرُّؤيا. وفيه عنِ النَّبيِّ ﷺ : "وأمّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الذي في الرَّوضةِ، فإنَّهُ إبراهيمُ ﵇، وأمّا الوِلدانُ حَوْلهُ، فكلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ" (٤). وقال آخرُونَ: العنى في ذلك، كلُّ مَولُودٍ من بني آدمَ، فهُو يُولَدُ على الفِطرةِ أبدًا، وأبواهُ يُحكَمُ لهُ بحُكمِهِما، وإن كان قد وُلِدَ على الفِطرةِ، حتّى يكون ممَّن يُعبِّرُ عنهُ لسانُهُ. والدَّليلُ على أنَّ المعنَى كما وصَفْنا، رِوايةُ من رَوى: "كلُّ بني آدمَ يُولَدُ على الفِطْرةِ"، و: "ما من مَولُودٍ إلّا وهُو يُولَدُ على الفِطْرةِ". وحَقُّ الكلام أن يُحملَ على عُمُومِهِ.

стр. 6115

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبٌ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني جَعفرُ بن ربِيعةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ هُرمُزَ، أنَّهُ قالَ: قال أبو هريرةَ: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "كلُّ بني آدمَ يُولَدُ على الفِطْرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ، أو يُنصِّرانِهِ، كما تُنتجُ الإبِلُ من بَهِيمةٍ جَمعاءَ، هل تُحِسُّ من جَدعاءَ؟ " قال: أفرأيتَ من يَمُوتُ صغِيرًا يا رسُولَ اللَّه؟ قال: "اللَّهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِين". وكذلك رواهُ خالدٌ الواسِطِيُّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ إسحاقَ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "كلُّ بني آدمَ يُولَدُ على الفِطْرةِ"، ثُمَّ ذكرهُ سَواءً (١). رَوَى ابنُ وَهْبٍ، عن يُونُس بنِ يزِيد، عنِ ابنِ شِهابٍ، عن أبي سلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ما من مولُودٍ إلّا يُولَدُ على الفِطْرةِ". ثُمَّ قرأ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٢) [الروم: ٣٠]. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بن شُعَيب، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني يُونُسُ، عنِ ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ أبا هريرةَ قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ما من مَولُودٍ إلّا يُولَدُ على الفِطرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ، ويُنصِّرانِهِ، ويُمجِّسانِهِ، كما تُنتَجُ البَهِيمةُ بَهِيمةً جَمعاءَ، هل تُحِسُّونَ فيها من جَدْعاءَ؟ "، ثُمَّ

стр. 6116

قال أبو هريرةَ: اقرؤُوا: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (١). وكذلك حديثُ سَمُرةَ بنِ جُندبٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، حديثُ الرُّؤيا، فيه: "والشَّيخُ الذي في أصْلِ الشَّجرةِ: إبراهيمُ، والوِلْدانُ حَوْلهُ: أولادُ النّاسِ" (٢). قالوا: فهذه الأحادِيثُ تَدُلُّ ألفاظُها على أنَّ المعنى في حَدِيثِ مالكٍ، وما كان مِثلهُ، ليس كما تأوَّلهُ المُخالِفُ: أَنَّهُ يَقْتضِي أنَّ الأبوَينِ لا يُهوِّدانِ، ولا يُنصِّرانِ، إلّا من وُلِدَ على الفِطرةِ من أولادِهِما، بلِ الجميعُ يُولَدُونَ على الفِطْرةِ. قال أبو عُمر: الفِطرةُ المذكُورةُ في هذا الحديثِ، اختلفَ العُلماءُ فيها، واضْطَربُوا في معناها، وذَهَبُوا في ذلك مذاهِبَ مُتبايِنةً، ونَزَعت كلُّ فِرْقةٍ منهُم في ذلك بظاهِرِ آيةٍ، ونصِّ سُنَّةٍ، وسنُبيِّنُ ذلك كلَّهُ ونُوضِّحُهُ، ونَذكُرُ ما جاءَ فيه من الآثارِ، واختِلافِ الأقْوالِ والاعتِلالِ، عنِ السَّلَفِ والخَلَفِ، بعونِ اللَّه إن شاءَ اللَّه. وقد سألَ أبو عُبيدٍ (٣) محمدَ بن الحسنِ الفقِيهَ، صاحِبَ أبي حَنِيفةَ، عن معنَى هذا الحديثِ، فما أجابَهُ فيه بأكثرَ من أن قال: كان هذا القولُ من النَّبيِّ ﷺ قبلَ أن يُؤمَرَ النّاسُ بالجِهادِ. قال: وقال ابنُ المُباركِ: تَفسيرُه (٤) آخِرُ الحديثِ: "اللَّهُ أعلَمُ بما كانوا عامِلِينَ".

стр. 6117

هذا ما ذكَرهُ أبو عُبيدٍ في تفسِيرِ قولِهِ: "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ"، عن محمدِ بنِ الحسنِ وابنِ المُباركِ، لم يَزِد على ذلك (١) عنهُما ولا عن غَيرِهِما. فأمّا ما ذَكرهُ عنِ ابنِ المُباركِ، فقد رُوِي عن مالكٍ نَحوُ ذلك، وليس فيه مَقنعٌ (٢) من التَّأوِيلِ، ولا شَرْحٌ مُوعَبٌ في أمرِ الأطفالِ، ولكنَّها جُملةٌ تُؤَدِّي إلى الوُقُوفِ (٣) عنِ القَطْع فيهم بكُفرٍ أو إيمانٍ، أو جنّةٍ أو نارٍ، ما لم يبلُغُوا. وأمّا ما ذَكَرهُ عن محمدِ بنِ الحسنِ، فأظُنُّ محمدَ بن الحَسنِ حادَ عنِ الجَوابِ فيه، إمّا لإشْكالِهِ عليه، أو لجَهلِهِ به، أو لكَراهَةِ الخَوضِ في ذلك (٤)، وأمّا قولُهُ فيه: إنَّ ذلك القولَ كان من النَّبيِّ ﷺ قبلَ أن يُؤمرَ النّاسُ بالجِهادِ. فليس كما قالَ؛ لأنَّ في حَدِيثِ الأسودِ بنِ سرِيع، ما يُبيِّنُ أنَّ ذلك كان بعدَ الأمرِ بالجِهادِ. حدَّثنا سعِيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٥): حدَّثنا عبدُ الرَّحيم (٦) بن سُليمان، عن إسماعيلَ بنِ مُسلِم، عنِ الحَسنِ، عنِ الأسْودِ بنِ سَرِيع، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ما بالُ قَوْم بَلغُوا (٧) في القَتلِ، حتّى قَتَلوا الوِلدانَ؟ ". فقال رجُلٌ:

стр. 6118

أوليس إنَّما هُم أولادُ المُشرِكِينَ؟ فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "أوَليس خِيارُكُم أولادَ المُشرِكِينَ؟ إنَّهُ ليس من مَولُودٍ إلّا وهُو يُولَدُ على الفِطرةِ، فيُعبِّرُ عنهُ لسانُهُ، ويُهوِّدُهُ أبواهُ، أو يُنصِّرانِهِ". ورَوَى هذا الحديث عنِ الحسنِ جَماعةٌ، منهُم: بكرٌ المُزَنيُّ (١)، والعلاءُ (٢) بن زِيادٍ (٣)، والسَّرِيُّ بن يحيى (٤). وقد رُوِي عنِ الأحنفِ، عنِ الأسودِ بنِ سَرِيعٌ، وهُو حديثٌ بصرِيٌّ صحِيحٌ. ورَوى عوفٌ الأعرابِيُّ، عن أبي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ، عن سَمُرةَ بنِ جُندبٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "كلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ"، فناداهُ النّاسُ: يا رسُولَ اللَّه، وأولادُ المُشرِكِينَ؟ قال: "وأولادُ المُشرِكِينَ" (٥).

стр. 6119

قال أبو عُمر: أمّا اختِلافُ العُلماءِ في الفِطْرةِ المذكُورةِ في هذا الحديثِ، فقالت جماعةٌ من أهلِ الفِقهِ والنَّظرِ: أُرِيدَ بالفِطرةِ المذكُورةِ في هذا الحديثِ الخِلْقةُ التي خُلِقَ عليها المولُودُ، في المعرِفةِ بربِّهِ، فكأنَّهُ قال: كلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على خِلْقةٍ يَعرِفُ بها ربَّهُ، إذا بلغَ مَبْلغَ المعرِفةِ، يُرِيدُ خِلْقةً مخُالِفةً لخِلْقةِ البَهائم، التي لا تَصِلُ بخِلْقتِها إلى مَعرِفةِ ذلك. واحتجُّوا على أنَّ الفِطرةَ: الخِلْقةُ، والفاطِر: الخالِقُ، بقولِ اللَّه : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]، يعني: خالِقَهُنَّ، وبقولِهِ: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢]، يعني: خلقني، وبقولِهِ: ﴿الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ [الأنبياء: ٥٦]، يعني: خلقهُنَّ. قالوا: فالفِطرةُ: الخِلقْةُ، والفاطِرُ: الخالِقُ. وأنْكَرُوا أن يكونَ المولُودُ يُفطَرُ على كُفرٍ أو إيمانٍ، أو مَعرِفةٍ أو إنكارٍ. قالوا: وإنَّما يُولَدُ المولُودُ على السَّلامةِ في الأغلبِ، خِلقةً وطبعًا وبنيةً، ليس مَعها إيمانٌ ولا كُفرٌ، ولا إنكارٌ ولا معرِفةٌ، ثُمَّ يعتقِدُونَ الكُفرَ أوِ الإيمان بعد البُلُوغِ إذا ميَّزُوا، واحتجُّوا بقولِهِ في الحديثِ: "كما تُنتجُ البَهِيمةُ بَهِيمةً جَمعاءَ"، يعني: سالمةً، "هل تُحِسُّونَ فيها من جَدعاءَ؟ " (١)، يعني: مقطُوعةَ الأُذُنِ. فمثَّل قُلُوبَ بني آدم بالبَهائم، لأنَّها تُولَدُ كامِلةَ الخلقِ، ليس فيها نُقصانٌ، ثُمَّ تُقطعُ آذانُها بعدُ وأُنُوفُها، فيُقالُ: هذه بَحائرُ، وهذه سَوائبُ. يقولُ: فكذلك قُلُوبُ الأطفالِ في حِينِ وِلادتِهِم، ليس لهم كُفرٌ حِينئذٍ ولا إيمانٌ، ولا معرِفةٌ ولا إنكارٌ، كالبَهائم السّالمِةِ، فلمّا بَلَغُوا اسْتَهوتهُمُ الشَّياطِينُ، فكفرَ أكثرُهُم، وعصمَ اللَّهُ أقَلَّهُم.

стр. 6120

قالوا: ولو كان الأطفالُ قد فُطِرُوا على شيءٍ، على الكُفرِ أوِ الإيمانِ في أوَّليَّةِ أمرِهِم، ما انتَقلوا عنهُ أبدًا، وقد نَجِدُهُم يُؤمِنُون ثُمَّ يكفُرُون. قالوا: ويستحِيلُ في المعقُولِ (١) أن يكونَ الطِّفلُ في حِينِ وِلادتِهِ يَعقِلُ كُفرًا أو إيمانًا؛ لأنَّ اللَّهَ أخْرَجهُم في حالٍ لا يَفقهُونَ معها شيئًا، قال اللَّهُ : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، فمن لا يعلمُ شيئًا، استحالَ منهُ كُفرٌ أو إيمانٌ، أو معرِفةٌ أو إنكارٌ. قال أبو عُمر: هذا القولُ أصحُّ ما قيلَ في معنى الفِطرةِ التي يُولَدُ النّاسُ عليها -واللَّه أعلمُ- وذلك أنَّ الفِطْرةَ: السَّلامةُ والاستِقامةُ، بدليلِ حديثِ عِياضِ بنِ حِمارٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، حاكِيًا عن ربِّهِ : "إنِّي خَلَقتُ عِبادِي حُنفاءَ" (٢)، يعني: على اسْتِقامةٍ وسَلامةٍ. والحَنِيفُ في كلام العَرَبِ: المُستقِيمُ السّالِمُ، وإنَّما قيلَ للأعْرَج: أحنفُ، على جِهَةِ الفألِ، كما قيلَ للقَفرِ: مفازةٌ. فكأنَّهُ -واللَّه أعلمُ- أرادَ الذينَ خُلِّصُوا من الآفاتِ كلِّها والزِّياداتِ، ومن المعاصِي والطّاعاتِ، فلا طاعَةَ منهُم ولا مَعْصِيةَ، إذا لم يَعملوا (٣) بواحِدةٍ منهُما، ألا ترَى إلى قولِ موسى في الغُلام الذي قتلهُ الخَضِرُ: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤]، لمّا كان عِندهُ ممَّن لم يبلُغِ العملَ فيكسِبَ الذُّنُوبَ. ومن الحُجَّةِ أيضًا في هذا، قولُ اللَّه : ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦، والتحريم: ٧]، و: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، ومن لم يبلُغ

стр. 6121

وقتَ العملِ، لم يُرْتَهَن بشيءٍ، وقال اللَّهُ : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. ولمّا أجمعُوا على دَفع القَوَدِ، والقِصاصِ، والحُدُودِ، والآثام عنهُم في دارِ الدُّنيا، كانتِ الآخِرةُ أولى بذلك، واللَّه أعلمُ. وأمّا قولُهُ ﷺ : "كما تُناتجُ الإبِلُ من بَهِيمةٍ جَمعاءَ، هل تُحِسُّ من جَدْعاءَ؟ "، فالبَهِيمةُ الجَمعاءُ: المُجتمِعةُ الخَلْقِ، التّامَّةُ غيرُ النّاقِصةِ، الصَّحِيحةُ غيرُ السَّقِيمةِ، ليس فيها قَطع أُذُنٍ، ولا شَقُّها، ولا نقصُ شيءٍ مِنها، يقولُ: "فهل تَرَى فيها جَدْعاءَ؟ "، يقولُ: هل تُحِسُّ من جَدْع أو نُقصانٍ حِين تُنتَجُ لتمام؟ يقولُ: ثُمَّ الجَدْعُ والآفاتُ تدخُلُها بعد ذلك، فكذلك المولُودُ يُولَدُ سالمًا، ثُمَّ يحدُثُ فيه -بعدُ- الكُفرُ والإيمانُ. وقال آخرُونَ: الفِطْرةُ هاهُنا الإسلامُ، قالوا: وهُو المعرُوفُ عِندَ عامَّةِ السَّلفِ من أهلِ العِلم بالتَّأوِيلِ، قد أجمعُوا في قولِ اللَّه : ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] على أن قالوا: فِطرةُ اللَّه: دِينُ اللَّه الإسلامُ، واحتجُّوا بقولِ أبي هريرةَ في هذا الحديثِ: اقْرؤُوا إن شِئتُم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. وذَكرُوا عن عِكْرِمةَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وإبراهيمَ والضَّحّاكِ وقَتادةَ في قولِ اللَّه : ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ قالوا: دِينُ اللَّه الإسلامُ، ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] قالوا: لدِينِ اللَّه (١). واحتجُّوا بحديثِ محمدِ بنِ إسحاقَ، عن ثَوْرِ بنِ يزِيد، عن يحيى بنِ جابرٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عائذٍ الأزْدِيِّ، عن عِياضِ بنِ حِمارٍ المُجاشِعِيِّ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال للنّاسِ يومًا: "ألا أُحدِّثُكُم بما حَدَّثني اللَّهُ في الكِتابِ: إنَّ اللَّهَ خلَقَ آدمَ وبنِيهِ حُنَفاءَ مُسلِمِينَ. . . " الحديثَ بطُولِهِ.

стр. 6122

وكذلك رَوَى بكرُ بن مُهاجِرٍ، عن ثَوْرِ بنِ يزِيد، بإسنادِهِ في هذا الحديثِ: "حُنَفاءَ مُسلِمِين". حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بنِ أيُّوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعْدٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن ثَوْرِ بنِ يزِيدَ، عن يحيى بنِ جابرٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عائذٍ الأزدِيِّ -وكان عبدُ الرَّحمنِ من حَمَلةِ العِلم، يطلُبُهُ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ، وأصحابِ أصحابه- أنَّهُ حَدَّثهُ، عن عِياضِ بنِ حِمارٍ المُجاشِعِيِّ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال للنّاسِ يومًا: "ألا أُحدِّثُكُم بما حَدَّثني اللَّهُ في الكِتابِ: إنَّ اللَّهَ خلقَ آدمَ وبنِيهِ حُنَفاءَ مُسلِمِينَ، وأعْطاهُمُ المالَ حَلالًا، لا حرامَ فيه، فجَعلوا مِمّا أعطاهُمُ اللَّهُ حَلالًا وحرامًا. . . ". وذكرَ الحديثَ بتمامِهِ (١). قال أبو عُمر: رَوَى هذا الحديثَ قَتادةُ، عن مُطرِّفِ بنِ عبدِ اللَّه بن الشِّخِّيرِ، عن عِياضِ بنِ حِمارٍ (٢). ولم يَسْمع قَتادةُ من مُطرِّفٍ؛ لأنَّ همّام بن يحيى رَوَى عن قَتادةَ، قال: لم أسمَعهُ من مُطرِّفٍ، ولكن حَدَّثني ثلاثةٌ: عُقبةُ بن عبدِ الغافِرِ ويزِيدُ بن عبدِ اللَّه بنِ الشِّخِّيرِ والعلاءُ بن زِيادٍ، كلُّهُم يقولُ: حدَّثثي مُطرِّفُ بن الشِّخِّيرِ، عن عِياضِ بنِ حِمارٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ بهذا الحديثِ، قال فيه: "وإنِّي خَلَقتُ عِبادِي حُنَفاءَ كلَّهُم" (٣)، لم يَقُل: "مُسلِمِينَ".

стр. 6123

وكذلك رواهُ عَوْفٌ الأعرابِيُّ، عن حَكِيم الأثرم، عنِ الحَسَنِ، عن مُطرِّفٍ، أنَّ عِياضَ بن حِمارٍ حَدَّثهُ، عن رسُولِ اللَّه ﷺ ، فذكَرَ هذا الحديث، وقال فيه: "إنِّي خَلَقتُ عِبادِي حُنَفاءَ كلَّهُم، فأتَتهُمُ الشَّياطِينُ فاجْتالتهُم عن دِينِهِم" (١)، ولم يَقُل: "مُسلِمِينَ"، وإنَّما قال: "حُنَفاءَ" فقط. وقد رَوَى هذا الحديثَ محمدُ بن إسحاقَ، عمَّن لا يُتَّهمُ عِندَهُ، عن قَتادةَ، عن مُطرِّفٍ، عن عِياضِ بنِ حِمارٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، فقال فيه: "ألا وإنِّي خَلَقتُ عِبادِي حُنَفاءَ كلَّهُم"، وساق الحديثَ. فدلَّ هذا على حِفظِ محمدِ بنِ إسحاقَ، وإتقانِهِ، وضَبْطِهِ؛ لأنَّهُ ذكرَ: "مُسلِمِينَ" في رِوايتِهِ عن ثورِ بنِ يزِيدَ لهذا الحديثِ، وأسْقَطهُ من رِوايةِ قَتادةَ، وكذلك رواهُ شُعبةُ (٢) وهشامٌ (٣) ومَعْمرٌ (٤)، عن قَتادةَ، عن مُطرِّفٍ، عن عِياضٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، لم يقولوا فيه عن قَتادةَ: "مُسلِمِينَ". فليس في حديثِ قتادةَ ذِكرُ: "مُسلِمِينَ"، وهُو في حديثِ ثورِ بنِ يزِيدَ بإسنادِهِ. وقدِ اختلَفَ العُلماءُ في قولِهِ : ﴿حُنَفَاءَ﴾ [الحج: ٣١] فرُوِي عنِ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ في قولِهِ: ﴿حُنَفَاءَ﴾ قالا: حُجّاجًا (٥).

стр. 6124

ورُوِي عنِ الحَسنِ قال: الحنيفِيَّةُ (١): حَجُّ البيتِ (٢). وعن مُجاهِدٍ ﴿حُنَفَاءَ﴾ قال (٣): مُتَّبِعِين (٤). وهذا كلُّهُ يدُلُّ على أنَّ الحنيفِيَّةَ (٥): الإسلامُ. ويشهدُ لذلك قولُ اللَّه : ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]، وقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨]. فلا وجهَ لإنكارِ من أنكَرَ رِوايةَ من رَوَى: "حُنَفاءَ مُسلِمِينَ"، قال الشّاعِرُ، وهُو الرّاعِي (٦): أخلِيفةَ الرَّحمنِ إنّا مَعْشرٌ ... حُنفاءُ نَسْجُدُ بُكرةً وأصِيلا عَرَبٌ نَرَى للَّه في أموالِنا ... حقَّ الزَّكاةِ مُنزَّلًا تَنْزِيلا فهذا قد وصفَ الحنيفِيَّةَ (٧) بالإسلام، وهُو أمرٌ واضِحٌ لا خَفاءَ به. وقيلَ: الحنِيفُ: من كان على دِينِ إبراهيمَ، ثُمَّ سُمِّي من كان يَخْتتِنُ، ويحُجُّ البيت في الجاهِلِيَّةِ حَنِيفًا. والحنِيفُ اليومَ: المُسلِمُ.

стр. 6125

ويُقالُ: إنَّما سُمِّي إبراهيمُ حنِيفًا، لأنَّهُ كان حنَفَ عمّا كان يعبُدُ أبوهُ وقومُهُ من الآلهِةِ إلى عِبادةِ اللَّه، أي: عدَلَ عن ذلك ومالَ، وأصلُ الحنَفِ: ميلٌ من إبهامَيِ القَدَمينِ، كلُّ واحِدةٍ منهُما على صاحِبتها. ومِمّا احتجَّ به (١) من ذهَبَ إلى أنَّ الفِطْرةَ الإسلامُ، قولُهُ ﷺ : "خَمْسٌ من الفِطْرةِ" (٢)، فذكرَ منهُنَّ: قصَّ الشّارِبِ، والاخْتِتانَ، وهي من سُننِ الإسلام. وممَّن ذهَبَ إلى أنَّ الفِطرةَ في معنَى هذا الحديثِ الإسلامُ: أبو هريرةَ، وابنُ شِهاب (٣). حدَّثني محمدُ بن عبدِ اللَّه بنِ حَكَم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أبي حسّانَ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحمِيدِ بن حبِيبٍ، قال: حدَّثنا الأوزاعِيُّ، قال: سألتُ الزُّهْرِيَّ عن رجُلٍ عليه رَقَبةٌ مُؤمِنةٌ: أيُجزِئُ عنهُ الصَّبِيُّ أن يُعتِقَهُ وهُو رضِيعٌ؟ قال: نعم؛ لأنَّهُ وُلِدَ على الفِطْرةِ. يعني الإسلامَ. وعلى هذا القولِ يكونُ معنى قولِهِ في الحديثِ: "من بَهِيمةٍ جَمعاءَ، هل تُحِسُّ من جَدعاءَ؟ "، يقولُ: خُلِقَ الطِّفلُ سلِيمًا من الكُفرِ، مُؤمِنًا مُسلِمًا، على المِيثاقِ الذي أخذهُ اللَّه على ذُرِّيَّةِ آدمَ حِينَ أخرَجهُم من صُلبه، وأشْهَدهُم على أنفُسِهِم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. قال أبو عُمر: يستحِيلُ أن تكونَ الفِطرةُ المذكُورةُ في قولِ النَّبيِّ ﷺ : "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ" الإسلامَ؛ لأنَّ الإسلامَ والإيمانَ: قولٌ باللِّسانِ، واعتِقادٌ

стр. 6126

بالقلبِ، وعَملٌ بالجَوارِح، وهذا مَعدُومٌ من الطِّفلِ، لا يجهلُ ذلك ذو عَقلٍ، والفِطرةُ لها مَعانٍ ووُجُوهٌ في كلام العربِ. وإنَّما أجْزَأ الطِّفلُ المُرضَعُ عِندَ من أجازَ عِتقهُ في الرِّقابِ الواجِبةِ، لأنَّ حُكمَهُ حُكمُ أبوَيهِ. وخالَفهُم آخرُونَ فقالوا: لا يُجزِئُ في الرِّقابِ الواجِبةِ، إلّا من صامَ وصلَّى. وقد مَضَى في هذا البابِ من هذا المعنى ما يَكْفِي، والحمدُ للَّه. وقال آخرُونَ: معنى قولِهِ ﵇: "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ" يعني على البَدْأةِ التي ابتَدَأهُم عليها، أي: على ما فطَرَ اللَّهُ عليه خَلْقَهُ، من أَنَّه (١) ابتَدَأهُم للحياةِ والموتِ والشَّقاءِ والسَّعادةِ وإلى ما يَصِيرُونَ إليه عِندَ البُلُوغِ، من قَبُولِهِم (٢) عن آبائهِم (٣) واعتِقادِهِم، وذلك ما فطَرهُمُ اللَّهُ عليه، مِمّا لا بُدَّ من مَصِيرِهِم إلَيهِ. قالوا: والفِطرةُ في كلام العَرَبِ البَدْأةُ، والفاطِرُ: المُبدِئُ والمُبتدِئُ، فكأنَّهُ قال ﷺ : كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على ما ابتدَأهُ اللَّهُ عليه من الشَّقاءِ والسَّعادةِ، مِمّا يصِيرُ إليه. واحتَجُّوا بما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام الخُشنيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ بنِ مُهاجِرٍ، عن مُجاهِدٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: لم أكُن أدْرِي ما ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى: ١١]، حتّى أتى أعرابِيّانِ يَخْتصِمانِ في بئرٍ، قال أحدُهُما: أنا فطَرتُها. أيِ: ابْتَدأتُها (٤).

стр. 6127

قالوا: فالفِطرةُ: البَدْأةُ، واحتجُّوا بقولِ اللَّه : ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩ - ٣٠]. وذكُروا ما يُروى عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ في بعضِ دُعائهِ: اللَّهُمَّ جبارَ القُلُوبِ على فِطْرتِها، شَقِيِّها وسَعِيدِها (١). قال أبو عبدِ اللَّه محمد بن نَصرٍ المروزِيُّ: وهذا المذهبُ شَبِيهٌ بما (٢) حَكاهُ أبو عُبيدٍ، عن عبدِ اللَّه بنِ المُباركِ، أنَّهُ سُئلَ عن قولِ النَّبيِّ ﷺ : "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ"، فقال: يفسِّرُه الحديثُ الآخرُ، حِين سُئلَ عن أطفالِ المُشرِكينَ، فقال: "اللَّهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِين" (٣). قال المروزِيُّ: وقد كان أحمدُ بن حنبلٍ يذهَبُ إلى هذا القولِ، ثُمَّ تركهُ. قال أبو عُمر: ما رَسَمهُ مالكٌ في "المُوطَّأ" وذكرهُ في أبوابِ القَدَرِ، فيه من الآثارِ ما يدُلُّ على أنَّ مذهبَهُ في ذلك نحوُ هذا، واللَّه أعلمُ. أخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجهم، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا موسى بن عُبيدةَ، قال: سمِعتُ محمد بن كَعْبٍ القُرَظِيَّ، في قولِهِ : ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩ - ٣٠]، قال: منِ ابتدأ اللَّهُ خلقَهُ للضَّلالةِ، صيَّرهُ إلى الضَّلالةِ، وإن عمِلَ بأعمالِ الهُدى، ومنِ ابتدَأ اللَّهُ خلقَهُ على الهُدى، صَيَّرهُ اللَّهُ إلى الهُدى، وإن عملَ بأعمالِ الضَّلالةِ، ابتَدَأ خلقَ إبلِيسَ على الضَّلالةِ، وعمِلَ بعمَلِ السَّعادةِ مع الملائكةِ، ثُمَّ رَدَّهُ اللَّهُ إلى ما ابتَدَأ اللَّهُ عليه خلقهُ من

стр. 6128

الضَّلالةِ. قال: وكان من الكافِرِينَ. وابتَدَأ خلقَ السَّحَرةِ على الهُدَى، وعَمِلوا بعملِ الضَّلالةِ، ثُمَّ هداهُمُ اللَّهُ إلى الهُدى والسَّعادةِ، وتوفّاهُم عليها مُسلِمِينَ (١). وبهذا الإسنادِ عن محمدِ بنِ كعبٍ، في قولِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٢) [الأعراف: ١٧٢]، يقولُ: فأقرُّوا لهُ بالإيمانِ والمعرِفةِ، الأرواحُ قبلَ أن تُخلقَ أجْسادُها (٣). أخبرنا سعِيدُ بن نصرٍ وأحمدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا وَهْبُ بن مَسرَّةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بَشّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مهدِيٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي الوضّاح، عن سالم الأفطسِ، عن سعِيدِ بنِ جُبيرٍ، في قولِهِ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، قال: كما كتبَ عليكُم تكونُونَ (٤). وقال ابنُ أبي نَجِيح، عن مُجاهِدٍ (٥): ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، قال: شَقِيًّا وسَعِيدًا. وقال وقاءُ (٦) بن إياسٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، قال: يُبعثُ المُسلِمُ مُسلِمًا، والكافِرُ كافِرًا (٧).

стр. 6129

وقال الرَّبِيعُ بن أنَسٍ، عن أبي العالِيةَ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، قال: عادُوا إلى عِلمِهِ فيهم ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ (١) [الأعراف: ٣٠]. واحتجَّ من ذهَبَ هذا المذهبَ -في تَأوِيلِ الفِطْرةِ المذكُورةِ، في الحديثِ المَذكُورِ في هذا البابِ- بما ذَكرهُ أبو عبدِ اللَّه محمدُ بن نَصْرٍ المروزِيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا حكّامُ (٢) بن سَلْم، عن عَنْبسةَ، عن عُمارةَ بنِ عُميرٍ، عن أبي محمدٍ، رجُلٌ من أهلِ المدِينةِ، قال: سألتُ عُمر بن الخطّابِ عن قولِهِ : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (٣)﴾ الآيةَ، فقال: سألتُ رسُولَ اللَّه ﷺ كما سَألَتني، فقال: "خلَقَ اللَّهُ آدمَ بيدِهِ، ونفخَ فيه من رُوحِهِ، ثُمَّ أجلَسَهُ ومسَحَ ظَهرَهُ، فأخرجَ منهُ ذَرْءًا، قال: ذرءٌ ذَرأتُهُم للجنّةِ، يعملُونَ بما شِئتُ من عَملٍ، ثُمَّ أختِمُ لهم بأحْسَنِ أعمالِهِم، فأُدخِلُهُمُ الجنّةَ. ثُمَّ مسَحَ ظهرَهُ، فأخرجَ ذَرْءًا، فقال: ذَرْءٌ ذرأتُهُم للنّارِ، يَعْملُون بما شِئتُ من عَملٍ، ثُمَّ أختِمُ لهم بسُوء (٤) أعمالِهِم، فأُدخِلُهُمُ النّارَ" (٥). وذكرَ حديث مالكٍ (٦)، عن زيدِ بنِ أبي أُنيسةَ، عن عبدِ الحَمِيدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن مُسلِم بنِ يَسارٍ، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ سُئلَ عن هذه الآيةِ، فذكر الحديثَ مرفُوعًا بمعنى ما تقدَّمَ، على حسَبِ ما في "المُوطَّأ".

стр. 6130

قال أبو عُمر: ليس في قولِهِ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. ولا في: أن (١) يختِمَ اللَّهُ للعبدِ بما قَضاهُ لهُ وقدَّرهُ عليه، حِينَ أخرجَ ذرِّيَّةَ آدمَ من ظهرِهِ، دليلٌ على أنَّ الطِّفلَ يُولَدُ حِينَ يُولدُ مُؤمِنًا أو كافِرًا، لما شهِدَتْ به العُقُولُ، أَنَّهُ في ذلك الوَقتِ ليس ممَّن يَعْقِلُ إيمانًا ولا كُفرًا. والحديثُ الذي جاءَ فيه أنَّ النّاس خُلِقُوا طَبَقاتٍ، فمنهُم من يُولَدُ مُؤمِنًا، ومنهُم من يُولَدُ كافِرًا، على حسَبِ ما تقدَّم ذِكرُهُ في هذا الباب (٢)، ليس من الأحادِيثِ التي لا مَطعنَ فيها؛ لأنَّهُ انفردَ به عليُّ بن زيدِ بنِ جُدعانَ، وقد كان شُعبةُ يتكلَّمُ فيه، على أنَّهُ يحتملُ قولُهُ: "يُولَدُ مُؤمِنًا": يُولَدُ ليكون مُؤمِنًا، ويُولَدُ ليكونَ كافِرًا، على سابِقِ عِلم اللَّه (٣) فيه. وليس في قَولِهِ في الحديثِ: "خَلَقتُ هؤلاءِ للجنّةِ، وخلقتُ هؤلاءِ للنّارِ" أكثرُ من مُراعاةِ ما يُختمُ به لهم، لا أنَّهُم في حِينِ طُفُولتِهِم ممَّن يستحِقُّ جنّةً أو نارًا، أو يَعقِلُ كُفرًا أو إيمانًا. وقد أوضَحْنا الحُجَّةَ في هذا لمن أُلهم رُشدَهُ فيما تقدَّم، والحمدُ للَّه، وفي اختِلافِ السَّلفِ، واختِلافِ ما رُوِي من الآثارِ في الأطفالِ، ما يُبيِّنُ لك ما قُلنا إن شاءَ اللَّه. وقال آخرُونَ: معنى قولِهِ ﷺ : "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ": أنَّ اللَّهَ قد فطرَهُم على الإنكارِ والمعرِفةِ، وعلى الكُفرِ والإيمانِ، فأخذَ من ذُرِّيَّةِ آدمَ المِيثاقَ حِين خلَقهُم، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] قالوا جميعًا: ﴿بَلَى﴾ فأمّا أهلُ السَّعادة فقالوا: ﴿بَلَى﴾ على مَعرِفةٍ لهُ، طوعًا من قُلُوبهم، وأمّا أهلُ الشَّقاءِ، فقالوا: ﴿بَلَى﴾ كُرهًا، لا طوعًا.

стр. 6131

قالوا: وتصدِيقُ ذلك، قولُهُ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]. قالوا: وكذلك قولُهُ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩ - ٣٠]. قال المروزِيُّ: وسمِعتُ إسحاقَ بن إبراهيمَ، يعني: ابن راهوية، يذهَبُ إلى هذا المعنى، واحتجَّ بقولِ أبي هريرةَ: اقرؤُوا إن شِئتُم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، قال إسحاقُ: يقولُ: لا تبدِيلَ لخِلقتِهِ التي جُبِلَ عليها ولدُ آدم كلُّهُم، يعني: من الكُفرِ والإيمانِ، والمعرِفةِ والإنكارِ. واحتجَّ إسحاقُ أيضًا بقولِ اللَّه : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآيةَ. قال إسحاقُ: أجمعَ أهلُ العِلم أنَّها الأرواحُ (١) قبلَ الأجسادِ، اسْتَنطَقهُم وأشْهَدهُم على أنفُسِهِم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، فقال: انظُرُوا ألّا تقُولوا: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]. قال أبو عُمر: من أحسنِ ما رُوِي في تأوِيلِ قولِهِ : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٢) الآيةَ: ما حدَّثناهُ محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن مسرُورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسكِينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه بنِ سَنْجَر، قال: حدَّثنا عَمرُو بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ بن نصرٍ الهمدانيُّ، عنِ السُّديِّ (٣)، عن أصحابه، قال عَمرو: أصحابُهُ: أبو مالكٍ. وعن أبي صالح، عنِ ابنِ عبّاسٍ. وعن مُرَّةَ الهمدانيِّ، عنِ ابنِ مسعُودٍ. وعن ناسٍ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ،

стр. 6132

في قولِ اللَّه : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. قالوا: لمّا أخرجَ اللَّهُ آدمَ من الجنّةِ قبلَ أن يُهبِطُهُ من السَّماءِ، مسحَ صفحةَ ظهرِهِ اليُمنَى، فأخرجَ مِنها ذرِّيَّةً بيضاءَ مِثل اللُّؤلُؤِ، كهيئَةِ الذَّرِّ، فقال لهمُ: ادخُلوا الجنّةَ برحمتِي، ومسَحَ صفحةَ ظهرِهِ اليُسرَى فأخرجَ مِنها ذرِّيَّةً سوداءَ كهيئةِ الذَّرِّ، فقال: ادخُلوا النّار ولا أُبالِي، فذلك قولُهُ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة: ٤١]. ثُمَّ أخذَ منهُمُ المِيثاقَ، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ فأعطاهُ طائفة طائعِينَ، وطائفة كارِهِينَ على وَجهِ التَّقِيَّةِ، فقال: هُو والملائكةُ: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]، قالوا: فليس أحدٌ من ولَدِ آدمَ، إلّا وهُو يَعرِفُ اللَّهَ أَنَّهُ ربُّهُ، وذلك قولُهُ : ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]، وذلك قولُهُ: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، يعني يومَ أخَذَ المِيثاقَ (١). واحتجَّ إسحاقُ أيضًا بحديثِ أُبيِّ بنِ كعبٍ، في قِصَّةِ الغُلام الذي قَتَلهُ الخَضِرُ، قال: أخبَرنا سَلْمُ (٢) بن قتيبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الجبّارِ بن عبّاسٍ الهمْدانيُّ، عن أبي إسحاقَ، عن سعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، عن أُبيِّ بنِ كَعْبٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "الغُلامُ الذي قَتَلهُ الخضِرُ، طَبعهُ اللَّهُ يومَ طَبعهُ كافِرًا" (٣). قال إسحاقُ: وكان

стр. 6133

الظّاهِرُ ما قال موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ (١) [الكهف: ٧٤]، فأعلَمَ اللَّهُ الخَضِرُ ما كان الغُلامُ عليه في الفِطرةِ التي فطرهُ عليها؛ لأنَّهُ كان قد طُبِعَ يومَ طُبِعَ كافِرًا. قال إسحاقُ: وأخبَرنا سُفيانُ، عن عَمرٍو، عن سعِيدِ بنِ جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، أنَّهُ كان يقرأُ: "وأمّا الغُلامُ فكان كافِرًا وكان أبواهُ مُؤمِنينِ (٢) " (٣). قال إسحاقُ: فلو تركَ النَّبيُّ ﷺ النّاسَ ولم يُبيِّن لهم حُكمَ الأطفالِ، لم يَعرِفُوا المُؤمِنِين منهُم منِ الكافِرِينَ؛ لأنَّهُم لا يدرُونَ ما جُبِل كلُّ واحِدٍ منهُم عليه، حِين أُخرِج من ظَهرِ آدمَ. فبيَّنَ لهمُ النَّبيُّ ﷺ حُكمَ الطِّفلِ في الدُّنيا، فقال: "أبواهُ يُهوِّدانِهِ، ويُنصِّرانِهِ، ويُمَجِّسانِهِ". يقولُ: أنتُم لا تعرِفُونَ ما طُبِع عليه في الفِطرةِ الأُولى، ولكنَّ حُكمَ الطِّفلِ في الدُّنيا، حُكمُ أبوَيهِ، فاعرفُوا ذلك بالأبوَينِ، فمن كان صغيرًا بينَ أبوينِ له كافِرينِ أُلحِق بحُكمِهِما، ومن كان صغِيرًا بين أبوينِ مُسلِمينِ أُلحِق بحُكمِهِما، وأمّا إيمانُ ذلك وكُفرُهُ مِمّا يصِيرُ إليه، فعِلمُ ذلك إلى اللَّه، وبعلم (٤) ذلك فضَلَ الخَضِرُ موسى، إذ أطلَعهُ اللَّهُ عليه في ذلك الغُلام، وخصَّهُ بذلك العِلم. قال أبو عُمر: ما بيَّنَ رسُولُ اللَّه ﷺ لأحَدٍ من أُمَّتِهِ حُكمَ الأطفالِ الذين يمُوتُونَ صِغارًا بيانًا يَقْطعُ بمَجيئهِ (٥) العُذرَ، بلِ اختلفتِ الآثارُ عنهُ في ذلك، بما سنُورِدُهُ بعدَ هذا إن شاءَ اللَّه.

стр. 6134

واحتجَّ إسحاقُ أيضًا بحديثِ عائشةَ، حِين ماتَ صبِيٌّ من الأنصارِ بينَ أبوَينِ مُسلِمينِ، فقالت عائشةُ: طُوبَى لهُ، عُصفُورٌ من عَصافِيرِ الجنّةِ. فردَّ عليها النَّبيُّ ﷺ فقال: "مَهْ يا عائشةُ، وما يُدرِيكِ؟ إنَّ اللَّهَ خلقَ الجنّةَ، وخلقَ لها أهلَها، وخلقَ النّارَ، وخلقَ لها أهلَها" (١). قال إسحاقُ: فهذا الأصلُ الذي يَعتمِدُ عليه أهلُ العِلم. قال أبو عُمر: أمّا قولُ إسحاقَ ومن قال بقولِهِ، في تأوِيلِ الحديثِ في الفِطرةِ التي يُولدُ عليها بنُو آدم: إنَّها المعرِفةُ والإنكارُ، والكُفرُ والإيمانُ، فإنَّهُ لا يخلُو من أن يكونوا أرادُوا بقولِهِم ذلك، أنَّ اللَّهَ خلقَ الأطفالَ، وأخرجهُم من بُطُونِ أُمَّهاتِهِم، ليعرِفَ منهُمُ العارِفُ ويَعترِفَ فيُؤمِنَ، وليُنكِر منهُمُ المُنكِرُ ما يعرِفُ فيكفُرَ، وذلك كلُّهُ قد سبقَ به لهم قَضاءُ اللَّه، وتقدَّمَ فيه عِلمُهُ، ثُمَّ يصِيرُونَ إليه في حِينِ تصِحُّ منهُمُ المَعرِفةُ والإيمانُ والكُفرُ والجُحُودُ، وذلك عِندَ التَّميِيزِ والإدراكِ، فذلك ما قُلنا. أو يكونوا أرادُوا بقولِهِم ذلك، أنَّ الطِّفل يُولَدُ عارِفًا مُقِرًّا مُؤمِنًا، أو عارِفًا جاحِدًا مُنكِرًا كافِرًا في حِينِ وِلادتِهِ. فهذا ما يُكذِّبُهُ العيانُ والعقلُ، ولا عِلمَ أصحُّ من ذلك، لأنَّها شواهِدُ الأُصُولِ، ودلائلُ العُقُولِ. وليس في قولِهِ : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآيةَ دليل يشهدُ لهم بما ادَّعوهُ من ذلك، ولا فيه ردّ لما قُلنا، وإنَّما فيه أنَّ الخلقَ يُجْزَون ويصِيرُونَ إلى ما سبقَ لهم في عِلمِهِ، وهذا ما لا يختلِفُ أهلُ الحقِّ فيه. ومعنى الآيةِ والحديثِ: أنَّهُ أخرجَ ذرِّيَّةَ آدمَ من ظهرِهِ، كيفَ شاءَ ذلك، وألهمهُم أنَّهُ ربُّهُم، فقالوا: بلى، لئلّا يقولوا يومَ القِيامةِ: إنّا كُنّا عن هذا غافِلِينَ،

стр. 6135

ثُمَّ تابَعهُم بحُجَّةِ العَقلِ عِندَ التَّميِيزِ، وبالرُّسُلِ بعد ذلك، استِظهارًا بما في عُقُولِهِم من المُنازعةِ إلى خالِقٍ مُدبِّرٍ حكِيم يُدبِّرُهُم بما لا يتهيَّأُ لهم، ولا يُمكِنُهُم جَحدُهُ. وهذا إجماعُ أهلِ السُّنَّةِ، والحمدُ للَّه. وإنَّما اختلفُوا فيمَنْ مات وهُو طِفل لم يُدرِك، من أولادِ المُؤمِنِينَ والكافِرِينَ، على ما نُوضِّحُهُ بعد الفراغِ من القولِ في الفِطرةِ التي يُولدُ المولُودُ عليها، واختِلافِ أهلِ العِلم في معناها إن شاءَ اللَّه. وأمّا الغُلامُ الذي قتَلهُ الخضِرُ، فأبواهُ مُؤمِنانِ، لا شكَّ في ذلك، فإن كان طِفلًا، ولم يكُن كما قال بعضُ أهلِ العِلم رَجُلًا قاطِعًا للسَّبِيلِ، فمعلُومٌ أنَ شَرِيعتَنا ورَدَت بأنَّ كلَّ أبوينِ مُؤمِنينِ، لا يُحكَمُ لطِفلِهِما الصغِيرِ بحالِ الكُفرِ، ولا يحِلُّ قَتلُهُ بإجماع، وكَفَى بهذا حُجَّةً في تخصِيصِ غُلام الخَضِرِ. وقد أجمعَ المُسلِمُونَ من أهلِ السُّنَّةِ وغيرِهِم، إلّا المُجبِرةَ (١)، أنَّ أولادَ المُؤمِنِينَ في الجنّةِ، فكيفَ يجُوزُ الاحتِجاجُ بقِصَّةِ الغُلام الذي قتَلهُ الخضِرُ اليومَ في هذا البابِ؟ وأمّا حديثُ عائشةَ الذي احتجَّ به إسحاقُ، فإنَّهُ حَدِيثٌ ضعِيفٌ، انفردَ به طلحةُ بن يحيى، فأنكَرُوهُ عليه، وضعَّفُوهُ من أجلِهِ، وقد بيَّنتُ ذلك في بابِ ابنِ شِهابٍ، عن سعِيدِ بنِ المُسيِّبِ. وقولُ إسحاق في هذا البابِ، لا يرضاهُ الحُذّاقُ الفُقهاءُ (٢) من أهلِ السُّنَّةِ، وإنَّما هُو قولُ المُجبِرةِ، وفيما مَضَى كِفايةٌ، والحمدُ للَّه.

стр. 6136

وقال آخرُونَ: معنَى الفِطْرةِ المذكُورةِ في المولُودِينَ، ما أخذَ اللَّهُ من ذُرِّيَّةِ آدمَ من المِيثاقِ قبلَ أن يخرجُوا إلى الدُّنيا، يوم استخرجَ ذرِّيَّةَ آدمَ من ظهرِهِ فخاطبهُم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ فأقرُّوا جميعًا لهُ بالرُّبُوبيَّةِ عن مَعرِفةٍ منهُم به، ثُمَّ أخرَجهُم من أصلابِ آبائهِم مخلُوقِينَ، مَطبُوعِينَ على تلك المعرِفةِ وذلك الإقرارِ. قالوا: وليست تلك المعرِفةُ بإيمانٍ، ولا ذلك الإقرارُ بإيمانٍ، ولكنَّهُ إقرار من الطَّبِيعةِ للرَّبِّ، فِطْرةٌ ألزمها قُلُوبَهُم، ثُمَّ أرسلَ إليهمُ الرُّسُلَ فدعَوْهُم إلى الاعتِرافِ لهُ بالرُّبُوبيَّةِ والخُضُوع، تَصدِيقًا بما جاءَت به الرُّسُلُ، فمنهُم من أنكرَ وجحَدَ بعد المعرِفةِ، وهُو به عارِفٌ، لأنَّهُ لم يكُنِ اللَّهُ ليدعُوَ خلقهُ إلى الإيمانِ به وهُو لم يُعرِّفْهُم نفسهُ، لأنه كان يكونُ حِينئذٍ قد كلَّفهُمُ الإيمان بما لا يعرِفُونَ، قالوا: وتصدِيقُ ذلك قولُهُ : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وذكرُوا ما ذكرهُ السُّدِّيُّ عن أصحابه، وعن أبي صالح، عنِ ابنِ عبّاسٍ، وعن مُرَّةَ، عنِ ابنِ مسعُودٍ (١) على حسَبِ ما ذكرناهُ قبلَ هذا، في قولِ اللَّه : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (٢)﴾ الآيةَ [الأعراف: ١٧٢]. وذكرُوا أيضًا ما حدَّثناهُ إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ اللَّه بنِ صالح، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن موسى، قال: حدَّثنا أبو جَعْفرٍ الرّازِيُّ، عنِ الرَّبِيع بنِ أنَسٍ، عن أبي العالِيةِ، عن أُبيِّ بنِ كَعْبٍ، في قولِ اللَّه : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ إلى قولِهِ: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]. قال: جَمعهُم جميعًا، فجَعَلهم أرواحًا، ثُمَّ صوَّرهُم، ثُمَّ اسْتَنطقهُم، فقال: ألستُ بربِّكُم؟

стр. 6137

قالوا: بلى شهِدنا. أن تقُولوا يومَ القِيامةِ: لم نعلم هذا. قالوا: نَشْهدُ أَنَّك ربُّنا وإلهُنا، لا ربَّ لنا غيرُك، ولا إله لنا غيرُك. قال: فإنِّي أُرسِلُ إليكُم رُسُلي، وأُنزِلُ عليكُم كُتُبِي، فلا تُكذِّبُوا رُسُلي، وصَدِّقُوا بوَعدِي، وإنِّي سَأنتقِمُ ممَّن أشركَ بي، ولم يُؤمنْ بي. قال: فأخذَ عَهدَهُم وميثاقَهُم، ورفعَ أباهُم آدمَ فنظرَ إليهم، فرَأى منهُمُ (١) الغنيَّ والفَقِير، وحسنَ الصُّور وغير ذلك، فقال: يا ربِّ، لو سوَّيتَ بين عِبادِكَ. قال: أحببتُ أن أُشكرَ. قال: والأنبِياءُ يَومئذٍ بينهُم مِثلُ السُّرُج. قال: وخُصُّوا بمِيثاقٍ آخرَ للرِّسالةِ (٢) أن يُبلِّغُوها، قال: فهُو قولُهُ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧]، قال: وهي فِطْرةُ اللَّه التي فطَرَ النّاس عليها. قال (٣): وذلك قولُهُ: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، وذلك قولُهُ: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، قال: فكان في عِلم اللَّه من يُكذِّبُ به ومن يُصدِّقُ، قال: وكان رُوحُ عيسى ﵇ من تلك الأرواح التي أخذَ عَهْدَها ومِيثاقَها في زَمنِ آدم. وذكرَ تمامَ الحديثِ (٤). وسُئل حمّادُ بن سلمةَ عن قولِ النَّبيِّ ﷺ : "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ"، فقال: هذا عِندَنا حيثُ أُخِذَ العَهدُ عليهم في أصلابِ آبائهِم.

стр. 6138

قال أبو عُمر: القولُ فيما تقدَّم قبلَ هذا يُغني عنِ القولِ هاهُنا، وقد قال هؤلاءِ: ليست تلك المعرِفةُ بإيمانٍ، ولا ذلك الإقرارُ بإيمانٍ، ولكنَّهُ إقرارٌ من الطَّبِيعةِ للرَّبِّ، فِطرةٌ ألزَمَها قُلُوبهُم، فكفَوْنا بهذه المقالةِ أنفُسَهُم. وقال آخرُونَ: الفِطرةُ: ما يُقلِّبُ اللَّهُ قُلُوبَ الخلقِ إليه مِمّا يُرِيدُ ويشاءُ، فقد يكفُرُ العبدُ ثُمَّ يُؤمِنُ، فيمُوتُ مُؤمِنًا، وقد يُؤمِنُ ثُمَّ يكفُرُ، فيمُوتُ كافِرًا، وقد يَكْفُرُ ثُمَّ لا يزالُ على كُفرِهِ حتّى يمُوتَ عليه، وقد يكونُ مُؤمِنًا حتّى يمُوتَ على الإيمانِ، وذلك كلُّهُ تقدِيرُ اللَّه وفِطرتُهُ لهم. واحتجُّوا من الأثرِ بحديثِ عليِّ بنِ زيدٍ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: "ألا إنَّ بني آدم خُلِقُوا على طَبقاتٍ، فمنهُم من يُولدُ مُؤمِنًا ويحيا مُؤمِنًا ويمُوتُ مُؤمِنًا، ومنهُم من يُولَدُ كافِرًا ويحيا كافِرًا ويمُوتُ كافِرًا، ومنهُم من يُولَدُ مُؤمِنًا ويحيا مُؤمِنًا ويمُوتُ كافِرًا، ومنهُم من يُولدُ كافِرًا ويحيا كافِرًا ويمُوتُ مُؤمِنًا" (١). وقد مَضَى القولُ في إسنادِ هذا الحديثِ، فيما تقدَّم من هذا البابِ. والفِطرةُ عِندَ هؤلاءِ: ما قَضاهُ اللَّهُ وقدَّرهُ لعِبادِهِ من أوَّلِ أحوالِهِم إلى آخِرِها، كلُّ ذلك عِندَهُم فِطْرةٌ، سَواءٌ كانت عِندَهُم حالًا واحِدةً لا تنتقِلُ، أو حالًا بعدَ حالٍ، كقولِهِ : ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]، أي: حالًا بعدَ حالٍ، على ما سبقَ لهم في عِلم اللَّه. وهذا القولُ وإن كان صحِيحًا في الأصلِ، فإنَّهُ أضعفُ الأقاوِيلِ من جِهةِ اللُّغةِ في معنَى الفِطْرةِ، واللَّه أعلمُ. فهذا ما انتهى إلَينا عنِ العُلماءِ أهلِ الفِقهِ والأثرِ، وهُمُ الجماعةُ، في تأوِيلِ حديثِ رسُولِ اللَّه ﷺ : "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ".

стр. 6139

وأمّا أهلُ البِدَع، فمُنكِرُونَ لكلِّ ما قالهُ العُلماءُ في تأوِيلِ قولِ اللَّه : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآيةَ. قالوا: ما أخذَ اللَّهُ من آدمَ ولا من ذُرِّيَّتِهِ مِيثاقًا قطُّ قبلَ خَلْقِهِ إيّاهُم، وما خَلَقهُم قَطُّ إلّا في بُطُونِ أُمَّهاتِهِم، وما استخرَجَ قطُّ من ظَهرِ آدمَ من ذُرِّيَّةٍ تُخاطَبُ، ولو كان ذلك لأحياهُم ثلاث مرّاتٍ، والقُرآنُ قد نطقَ على أهلِ النّارِ بأنَّهُم قالوا ما لم يرُدَّهُ عليهم من قولِهِم: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]. وقال تصدِيقًا لذلك: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ يعني: في حالِ عدم غيرِ وُجُودٍ، ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ يُرِيدُ بخلقِهِ إيِّاكُم، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، فجعلَ الحياةَ مرَّتينِ والموتَ مرَّتينِ. قالوا: وكيفَ يُخاطِبُ اللَّهُ من لا يَعقِلُ؟ وكيفَ يُجِيبُ من لا عقلَ لهُ؟ أو كيف يحتجُّ عليهم بمِيثاقٍ لا يَذكُرُونهُ؟ وهُم لا يُؤاخَذُونَ بما نَسُوا، ولا نَجِدُ أحدًا يَذكُرُ أنَّ ذلك عرضَ لهُ، أو كان منهُ. قالوا: وإنَّما أرادَ اللَّهُ بقولِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآيةَ، إخراجَهُ إيّاهُم في الدُّنيا، وخلقَهُ لهم، وإقامَةَ الحُجَّةِ عليهم، بأن فطَرهُم وبناهُم (١)، فِطرةً إذا بلغُوا وعَقَلوا، عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ ربَّهُم، وخالِقُهُم. وقال بعضُهُم: أخرجَ الذُّرِّيَّةَ قرنًا بعد قرنٍ، وعصرًا بعد عَصرٍ، وأشْهَدهُم على أنفُسِهِم بما جعلَ في عُقُولِهِم مِمّا تُنازِعُهُم به أنفُسُهم إلى الإقرارِ بالرُّبُوبيَّةِ، حتّى صارُوا بمَنزِلةِ من قِيل لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. قال بعضُهُم: قال لهم: ألستُ بربِّكُمْ، على لسانِ بَعضِ أنبِيائهِ.

стр. 6140

وكلُّهُم يقولُ: إنَّ الحديث المأثُورَ، ليس بتأوِيلٍ للآية (١). ثُمَّ اختلفَ القائلونَ بهذا كلِّهِ في المعرِفةِ، هل تقعُ ضَرُورةً، أوِ اكتِسابًا؟ وليس هذا مَوْضِعَ ذِكرِ ذلك، والحمدُ للَّه. وأمّا اختِلافُ العُلماءِ في الأطفالِ، فقالت طائفة: أولادُ النّاسِ كلِّهِم، المُؤمنين منهُم والكافرين، إذا ماتُوا أطفالًا صِغارًا لم يبلُغُوا، في مشِيئةِ اللَّه يُصيِّرُهُم إلى ما شاءَ من رَحمةٍ أو عذابٍ. وذلك كلُّهُ عدلٌ منهُ، وهُو أعلَمُ بما كانوا عامِلِينَ. وقال آخرُونَ -وهُمُ الأكثرُ-: أطفالُ المُسلِمِين في الجنّةِ، وأطفالُ الكُفّارِ في المشِيئَةِ. وقال آخرُونَ: حُكمُ الأطفالِ كلّهِم، كحُكم آبائهِم في الدُّنيا والآخِرةِ، هُم مُؤمِنُون بإيمانِ آبائهِم، وكافِرُون بكُفرِ آبائهِم، فأطفالُ المُسلِمِينَ في الجنّةِ، وأطفالُ الكُفّارِ في النّارِ. وقال آخرُونَ: أولادُ المُسلِمِينَ وأولادُ الكُفّارِ إذا ماتُوا صِغارًا: جميعًا في الجنّةِ. وقال آخرُون: أولادُ المُشرِكِين خَدَمُ أهلِ الجنّةِ. وقال آخرُونَ: يُمتَحنُون في الآخِرةِ. ورَوَتْ كلُّ طائفةٍ فيما ذهَبت إليه من ذلك آثارًا وقفَتْ عِندَها، ودانت بها لصِحَّتِها لَدَيها، ونحنُ نذكُرُ مِنها ما حَضَرنا ذِكرُهُ، بعَونِ ربِّنا لا شرِيكَ لهُ، وباللَّه التَّوفيقُ.

стр. 6141

بابُ ذِكِرِ الأخبارِ التي احتجَّ بها من أوجبَ الوُقُوفَ عنِ الشَّهادةِ لأطفالِ المُسلِمِين وغيرِهِم بجنّةٍ أو نارٍ، وجعلَ جميعَهُم في مشِيئةِ الجبّار حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بن شُعيب، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني جعفرُ بن ربِيعةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ هُرمُز الأعرج، أنَّهُ قال: قال أبو هريرةَ: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "كلُّ بني آدمَ يُولَدُ على الفِطْرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ أو يُنصِّرانِهِ، كما تُنتَجُ الإبِلُ من بهِيمةٍ جَمعاءَ، هل تُحِسُّ من جَدعاءَ؟ " قيلَ: أفرأيتَ من يَمُوتُ وهُو صغِيرٌ يا رسُولَ اللَّه؟ قال: "اللَّهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ" (١). هكذا قال: "كلُّ بني آدمَ (٢) "، وهذا يَقْتضِي كلَّ مولُودٍ، لمُسلِم وغيرِ مُسلِم، على ظاهِرِهِ وعُمُومِهِ. وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، يعني القطّانَ، عن محمدِ بنِ عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: سُئلَ رسُولُ اللَّه ﷺ عنِ الأطفالِ، فقال: "اللَّهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ" (٣). هكذا قال: الأطفالُ، لم يخُصَّ شيئًا.

стр. 6142

حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بنِ أسَدٍ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمانَ بنِ السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يُوسُفَ، قال: حدَّثنا البُخارِيُّ، قال (١): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن عُبيدِ اللَّه بنِ أبي بكرٍ، عن أَنَسِ بنِ مالكٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ اللَّهَ وكَّل بالرَّحِم مَلَكًا يقولُ: يا رَبِّ نُطفةٌ، يا رَبِّ علقةٌ، يا رَبِّ مُضغةٌ، فإذا أرادَ أن يَقضِي خَلْقهُ، قال: أذَكَرٌ أم أُنْثَى؟ أشَقِيٌّ أم سَعِيدٌ؟ فما الرِّزقُ؟ وما الأجلُ؟ فيُكتَبُ وهُو في بَطنِ أُمِّهِ". حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سُليمانَ المِنْقَرِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن كثِيرٍ العَبْدِيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ الثَّورِيُّ وشُعبةُ وأبو عوانةَ. قال المِنْقَرِيُّ: وحدَّثنا عَمرُو بن مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ. وحدَّثنا أبو الرَّبِيع سليمانُ بن داود الزَّهرانيُّ وأبو بكر بن أبي شيبةَ، قالا: حدَّثنا جرِيرٌ وأبو مُعاوِيةَ، كلُّهُم يقولُ: حدَّثنا الأعمشُ، عن زيدِ بنِ وَهْبٍ، عن عبدِ اللَّه بنِ مسعُودٍ، قال: حدَّثنا رسُولُ اللَّه ﷺ ، وهُو الصّادِقُ المصدُوقُ: "إنَّ خلقَ ابنِ آدمَ يمكُثُ في بَطنِ أُمِّهِ أربعِينَ يومًا، ثُمَّ يصِيرُ عَلَقةً أربعِينَ يومًا، ثُمَّ يصِيرُ مُضغةً أربعِينَ يومًا، ثُمَّ يبعثُ اللَّه إليه مَلكًا، فيقولُ: يا ربِّ، أذكرٌ أم أُنثَى؟ أشقِي أم سَعِيد؟ ما الأجلُ؟ وما الأثرُ؟ فيُوحِي اللَّه، ويَكتُبُ الملكُ، حتّى إنَّ أحدَكُم ليَعملُ بعملِ أهلِ الجنّةِ، حتّى لا يكونَ بَينهُ وبينها إلّا ذِراعٌ، أو قِيدُ ذِراع، فيَغلِبُ عليه الكِتابُ الذي سبقَ، فيعمَلُ بعملِ أهلِ النّارِ، فيَدخُلُ النّارَ، وإنَّ الرَّجُلَ ليعملُ بعملِ أهلِ النّارِ، حتّى ما يكونُ بينهُ وبينَها
следующие страницы →