← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6138–6177 · переход к 6143.

стр. 6138

قال أبو عُمر: القولُ فيما تقدَّم قبلَ هذا يُغني عنِ القولِ هاهُنا، وقد قال هؤلاءِ: ليست تلك المعرِفةُ بإيمانٍ، ولا ذلك الإقرارُ بإيمانٍ، ولكنَّهُ إقرارٌ من الطَّبِيعةِ للرَّبِّ، فِطرةٌ ألزَمَها قُلُوبهُم، فكفَوْنا بهذه المقالةِ أنفُسَهُم. وقال آخرُونَ: الفِطرةُ: ما يُقلِّبُ اللَّهُ قُلُوبَ الخلقِ إليه مِمّا يُرِيدُ ويشاءُ، فقد يكفُرُ العبدُ ثُمَّ يُؤمِنُ، فيمُوتُ مُؤمِنًا، وقد يُؤمِنُ ثُمَّ يكفُرُ، فيمُوتُ كافِرًا، وقد يَكْفُرُ ثُمَّ لا يزالُ على كُفرِهِ حتّى يمُوتَ عليه، وقد يكونُ مُؤمِنًا حتّى يمُوتَ على الإيمانِ، وذلك كلُّهُ تقدِيرُ اللَّه وفِطرتُهُ لهم. واحتجُّوا من الأثرِ بحديثِ عليِّ بنِ زيدٍ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: "ألا إنَّ بني آدم خُلِقُوا على طَبقاتٍ، فمنهُم من يُولدُ مُؤمِنًا ويحيا مُؤمِنًا ويمُوتُ مُؤمِنًا، ومنهُم من يُولَدُ كافِرًا ويحيا كافِرًا ويمُوتُ كافِرًا، ومنهُم من يُولَدُ مُؤمِنًا ويحيا مُؤمِنًا ويمُوتُ كافِرًا، ومنهُم من يُولدُ كافِرًا ويحيا كافِرًا ويمُوتُ مُؤمِنًا" (١). وقد مَضَى القولُ في إسنادِ هذا الحديثِ، فيما تقدَّم من هذا البابِ. والفِطرةُ عِندَ هؤلاءِ: ما قَضاهُ اللَّهُ وقدَّرهُ لعِبادِهِ من أوَّلِ أحوالِهِم إلى آخِرِها، كلُّ ذلك عِندَهُم فِطْرةٌ، سَواءٌ كانت عِندَهُم حالًا واحِدةً لا تنتقِلُ، أو حالًا بعدَ حالٍ، كقولِهِ : ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]، أي: حالًا بعدَ حالٍ، على ما سبقَ لهم في عِلم اللَّه. وهذا القولُ وإن كان صحِيحًا في الأصلِ، فإنَّهُ أضعفُ الأقاوِيلِ من جِهةِ اللُّغةِ في معنَى الفِطْرةِ، واللَّه أعلمُ. فهذا ما انتهى إلَينا عنِ العُلماءِ أهلِ الفِقهِ والأثرِ، وهُمُ الجماعةُ، في تأوِيلِ حديثِ رسُولِ اللَّه ﷺ : "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ".

стр. 6139

وأمّا أهلُ البِدَع، فمُنكِرُونَ لكلِّ ما قالهُ العُلماءُ في تأوِيلِ قولِ اللَّه : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآيةَ. قالوا: ما أخذَ اللَّهُ من آدمَ ولا من ذُرِّيَّتِهِ مِيثاقًا قطُّ قبلَ خَلْقِهِ إيّاهُم، وما خَلَقهُم قَطُّ إلّا في بُطُونِ أُمَّهاتِهِم، وما استخرَجَ قطُّ من ظَهرِ آدمَ من ذُرِّيَّةٍ تُخاطَبُ، ولو كان ذلك لأحياهُم ثلاث مرّاتٍ، والقُرآنُ قد نطقَ على أهلِ النّارِ بأنَّهُم قالوا ما لم يرُدَّهُ عليهم من قولِهِم: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]. وقال تصدِيقًا لذلك: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ يعني: في حالِ عدم غيرِ وُجُودٍ، ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ يُرِيدُ بخلقِهِ إيِّاكُم، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، فجعلَ الحياةَ مرَّتينِ والموتَ مرَّتينِ. قالوا: وكيفَ يُخاطِبُ اللَّهُ من لا يَعقِلُ؟ وكيفَ يُجِيبُ من لا عقلَ لهُ؟ أو كيف يحتجُّ عليهم بمِيثاقٍ لا يَذكُرُونهُ؟ وهُم لا يُؤاخَذُونَ بما نَسُوا، ولا نَجِدُ أحدًا يَذكُرُ أنَّ ذلك عرضَ لهُ، أو كان منهُ. قالوا: وإنَّما أرادَ اللَّهُ بقولِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآيةَ، إخراجَهُ إيّاهُم في الدُّنيا، وخلقَهُ لهم، وإقامَةَ الحُجَّةِ عليهم، بأن فطَرهُم وبناهُم (١)، فِطرةً إذا بلغُوا وعَقَلوا، عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ ربَّهُم، وخالِقُهُم. وقال بعضُهُم: أخرجَ الذُّرِّيَّةَ قرنًا بعد قرنٍ، وعصرًا بعد عَصرٍ، وأشْهَدهُم على أنفُسِهِم بما جعلَ في عُقُولِهِم مِمّا تُنازِعُهُم به أنفُسُهم إلى الإقرارِ بالرُّبُوبيَّةِ، حتّى صارُوا بمَنزِلةِ من قِيل لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. قال بعضُهُم: قال لهم: ألستُ بربِّكُمْ، على لسانِ بَعضِ أنبِيائهِ.

стр. 6140

وكلُّهُم يقولُ: إنَّ الحديث المأثُورَ، ليس بتأوِيلٍ للآية (١). ثُمَّ اختلفَ القائلونَ بهذا كلِّهِ في المعرِفةِ، هل تقعُ ضَرُورةً، أوِ اكتِسابًا؟ وليس هذا مَوْضِعَ ذِكرِ ذلك، والحمدُ للَّه. وأمّا اختِلافُ العُلماءِ في الأطفالِ، فقالت طائفة: أولادُ النّاسِ كلِّهِم، المُؤمنين منهُم والكافرين، إذا ماتُوا أطفالًا صِغارًا لم يبلُغُوا، في مشِيئةِ اللَّه يُصيِّرُهُم إلى ما شاءَ من رَحمةٍ أو عذابٍ. وذلك كلُّهُ عدلٌ منهُ، وهُو أعلَمُ بما كانوا عامِلِينَ. وقال آخرُونَ -وهُمُ الأكثرُ-: أطفالُ المُسلِمِين في الجنّةِ، وأطفالُ الكُفّارِ في المشِيئَةِ. وقال آخرُونَ: حُكمُ الأطفالِ كلّهِم، كحُكم آبائهِم في الدُّنيا والآخِرةِ، هُم مُؤمِنُون بإيمانِ آبائهِم، وكافِرُون بكُفرِ آبائهِم، فأطفالُ المُسلِمِينَ في الجنّةِ، وأطفالُ الكُفّارِ في النّارِ. وقال آخرُونَ: أولادُ المُسلِمِينَ وأولادُ الكُفّارِ إذا ماتُوا صِغارًا: جميعًا في الجنّةِ. وقال آخرُون: أولادُ المُشرِكِين خَدَمُ أهلِ الجنّةِ. وقال آخرُونَ: يُمتَحنُون في الآخِرةِ. ورَوَتْ كلُّ طائفةٍ فيما ذهَبت إليه من ذلك آثارًا وقفَتْ عِندَها، ودانت بها لصِحَّتِها لَدَيها، ونحنُ نذكُرُ مِنها ما حَضَرنا ذِكرُهُ، بعَونِ ربِّنا لا شرِيكَ لهُ، وباللَّه التَّوفيقُ.

стр. 6141

بابُ ذِكِرِ الأخبارِ التي احتجَّ بها من أوجبَ الوُقُوفَ عنِ الشَّهادةِ لأطفالِ المُسلِمِين وغيرِهِم بجنّةٍ أو نارٍ، وجعلَ جميعَهُم في مشِيئةِ الجبّار حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بن شُعيب، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني جعفرُ بن ربِيعةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ هُرمُز الأعرج، أنَّهُ قال: قال أبو هريرةَ: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "كلُّ بني آدمَ يُولَدُ على الفِطْرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ أو يُنصِّرانِهِ، كما تُنتَجُ الإبِلُ من بهِيمةٍ جَمعاءَ، هل تُحِسُّ من جَدعاءَ؟ " قيلَ: أفرأيتَ من يَمُوتُ وهُو صغِيرٌ يا رسُولَ اللَّه؟ قال: "اللَّهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ" (١). هكذا قال: "كلُّ بني آدمَ (٢) "، وهذا يَقْتضِي كلَّ مولُودٍ، لمُسلِم وغيرِ مُسلِم، على ظاهِرِهِ وعُمُومِهِ. وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، يعني القطّانَ، عن محمدِ بنِ عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: سُئلَ رسُولُ اللَّه ﷺ عنِ الأطفالِ، فقال: "اللَّهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ" (٣). هكذا قال: الأطفالُ، لم يخُصَّ شيئًا.

стр. 6142

حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بنِ أسَدٍ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمانَ بنِ السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يُوسُفَ، قال: حدَّثنا البُخارِيُّ، قال (١): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن عُبيدِ اللَّه بنِ أبي بكرٍ، عن أَنَسِ بنِ مالكٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ اللَّهَ وكَّل بالرَّحِم مَلَكًا يقولُ: يا رَبِّ نُطفةٌ، يا رَبِّ علقةٌ، يا رَبِّ مُضغةٌ، فإذا أرادَ أن يَقضِي خَلْقهُ، قال: أذَكَرٌ أم أُنْثَى؟ أشَقِيٌّ أم سَعِيدٌ؟ فما الرِّزقُ؟ وما الأجلُ؟ فيُكتَبُ وهُو في بَطنِ أُمِّهِ". حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سُليمانَ المِنْقَرِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن كثِيرٍ العَبْدِيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ الثَّورِيُّ وشُعبةُ وأبو عوانةَ. قال المِنْقَرِيُّ: وحدَّثنا عَمرُو بن مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ. وحدَّثنا أبو الرَّبِيع سليمانُ بن داود الزَّهرانيُّ وأبو بكر بن أبي شيبةَ، قالا: حدَّثنا جرِيرٌ وأبو مُعاوِيةَ، كلُّهُم يقولُ: حدَّثنا الأعمشُ، عن زيدِ بنِ وَهْبٍ، عن عبدِ اللَّه بنِ مسعُودٍ، قال: حدَّثنا رسُولُ اللَّه ﷺ ، وهُو الصّادِقُ المصدُوقُ: "إنَّ خلقَ ابنِ آدمَ يمكُثُ في بَطنِ أُمِّهِ أربعِينَ يومًا، ثُمَّ يصِيرُ عَلَقةً أربعِينَ يومًا، ثُمَّ يصِيرُ مُضغةً أربعِينَ يومًا، ثُمَّ يبعثُ اللَّه إليه مَلكًا، فيقولُ: يا ربِّ، أذكرٌ أم أُنثَى؟ أشقِي أم سَعِيد؟ ما الأجلُ؟ وما الأثرُ؟ فيُوحِي اللَّه، ويَكتُبُ الملكُ، حتّى إنَّ أحدَكُم ليَعملُ بعملِ أهلِ الجنّةِ، حتّى لا يكونَ بَينهُ وبينها إلّا ذِراعٌ، أو قِيدُ ذِراع، فيَغلِبُ عليه الكِتابُ الذي سبقَ، فيعمَلُ بعملِ أهلِ النّارِ، فيَدخُلُ النّارَ، وإنَّ الرَّجُلَ ليعملُ بعملِ أهلِ النّارِ، حتّى ما يكونُ بينهُ وبينَها

стр. 6143

إلّا ذِراعٌ، أو قِيدُ ذِراع، فيَغلِبُ عليه الكِتابُ الذي سبقَ، فيعمَلُ بعمَلِ أهلِ الجنّةِ، فيدخُلُ الجنّةَ" (١). وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جَعْفرِ بنِ حَمْدان، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن أحمد بنِ حَنْبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قال (٢): حدَّثنا أبو مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن زيدِ بنِ وَهْبٍ، عن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا رسُولُ اللَّه ﷺ ، وهُو الصّادِقُ المصدُوقُ: "إنَّ أحدكُم يُجمعُ خلقُهُ في بَطنِ أُمِّهِ في أربعِينَ يومًا، ثُمَّ يكونُ عَلَقةً مِثل ذلك، ثُمَّ يكونُ مُضْغةً مِثل ذلك، ثُمَّ يُرسلُ إليه الملكُ، فينفُخُ فيه الرُّوحَ، ويُؤمَرُ بأربع كلِماتٍ: رزقِهِ، وأجَلِهِ، وعَملِهِ، وشِقِّيٍّ أم سعِيدٍ، فوالذي لا إلهَ غيرُهُ، إنَّ أحدكُم ليَعملُ بعمَلِ أهلِ الجنّةِ، حتّى ما يكونُ بينهُ وبينها إلّا ذِراعٌ، فيَسْبِقُ عليه الكِتابُ، فيُختَمُ لهُ بعملِ أهلِ النّارِ، فيدخُلُها، وإنَّ الرَّجُلَ ليَعمَلُ بعملِ أهلِ النّارِ، حتّى ما يكونُ بينهُ وبينها إلّا ذِراعٌ، فيسبِقُ عليه الكِتابُ، فيَعملُ بعمَلِ أهلِ الجنّةِ فيَدخُلُها".

стр. 6144

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ الصّائغُ، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي بُكَيرٍ، قال: حدَّثنا زُهَيرُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عَطاءٍ، أنَّ عِكرِمةَ بن خالدٍ (١) حدَّثهُ، أنَّ أبا الطُّفَيلِ حدَّثهُ، أنَّهُ سمِعَ عبد اللَّه بن مَسعُودٍ يقولُ: إنَّ الشَّقِيَّ من شَقِي في بَطنِ أُمِّهِ، وإنَّ السَّعِيدَ من وُعِظَ بغيرِهِ. قال: فخَرَجتُ من عِندِهِ أتعجَّبُ مِمّا سمِعتُهُ منه، حتّى دخلتُ على أبي سَرِيحةَ حُذيفةَ بنِ أسِيدٍ الغِفارِيِّ، فتَعجَّبتُ عِندَهُ، فقال: مِمَّ تَتَعجَّبُ؟ فقلتُ: سمِعتُ أخاكَ عبد اللَّه بن مسعُودٍ يقولُ: إنَّ الشَّقِيَّ من شَقِي في بطنِ أُمِّهِ، وإنَّ السَّعِيدَ من وُعِظَ بغيرِهِ. فقال: ومن أيِّ ذلك تَعجبُ؟ فقلتُ: أيَشْقَى أحدٌ بغَيرِ عَملٍ؟ فأهْوَى إلى أُذُنيهِ وقال: سمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ بأُذُنيَّ هاتَينِ: "إنَّ النُّطفةَ تمكُثُ في الرَّحِم أربعِينَ لَيْلةً، ثُمَّ يَتَسَوَّرُ (٢) عليها الملكُ". قال زُهَيرٌ: حَسِبتُ قال: "الذي وُكِّل بخَلْقِها، فيقولُ: يا ربِّ، أذَكَرٌ أم أُنثى؟ ثُمَّ يقولُ: يا ربِّ، سَوِيٌّ أو غيرُ سَوِيٍّ؟ فيَجَعلُهُ اللَّه سوِيًّا أو غيرَ سَوِيٍّ، ذكرًا أم أُنثى (٣)؟ ثُمَّ يقولُ: ما رِزْقُهُ؟ ما أجلُهُ؟ ما خُلُقُهُ؟ ثُمَّ يجعلُهُ اللَّهُ شَقِيًّا، أو سَعِيدًا (٤) (٥).

стр. 6145

وقد روى هذا العنى جماعةٌ من الصَّحابةِ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . وحدَّثنا سعِيدُ بن نَصْرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذِيُّ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا طَلْحةُ بن يحيى، عن عمَّتِهِ عائشةَ بنتِ طلحةَ، عن خالتِها أُمِّ المُؤمِنِينَ، قالت: أُتِي رسولُ اللَّه ﷺ بصَبِيٍّ من صِبيانِ الأَنْصارِ ليُصلِّي عليه، فقلتُ: طُوبَى لهُ، عُصفُورٌ من عصافِيرِ الجنّةِ، لم يعمَلْ سوءًا، ولم يُدرِكهُ ذَنبٌ (٢)، فقال النَّبيُّ ﷺ : "أو غيرَ ذلك يا عائشةُ؟ إنَّ اللَّهَ خلقَ الجنّةَ وخلَقَ لها أهلها، وخلَقهُم في أصلابِ آبائهِم، وخلَقَ النّارَ، وخلَقَ لها أهلها، وخلَقهُم في أصلابِ آبائهِم". وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا

стр. 6146

أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا طلحةُ بن يحيى، عن عمَّتِهِ، يعني عائشةَ بنت طلحةَ، عن عائشةَ زوج النَّبيِّ ﷺ قالت. فذكرَ مِثلَ حديثِ ابنِ عُيَينةَ سَواءً (١). ورواهُ عن طلحةَ بنِ يحيى جماعةٌ بإسنادِهِ ومعناهُ. وزعمَ قومٌ أنَّ طَلْحةَ بن يحيى انفردَ بهذا الحديثِ. وليس كما زَعمُوا، وقد رواهُ فُضَيلُ بن عَمرٍو، عن عائشةَ بنتِ طلحةَ، كما رواهُ طلحةُ بن يحيى سواءً. ذكرهُ المروزِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا جرِير، عنِ العلاءِ بنِ المُسيِّبِ، عن فُضَيلِ بنِ عَمرٍو، عن عائشةَ بنتِ طَلْحةَ، عن عائشةَ أُمِّ المُؤمِنِين، قالت: تُوُفِّي صَبِيٌّ، فقلتُ: طُوبَى لهُ، عُصفُورٌ من عَصافِيرِ الجنّةِ، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "أوَلا تَدْرِين أنَّ اللَّهَ خلقَ الجنّةَ وخلقَ لها أهلًا، وخلقَ النّار فخَلَقَ لها أهلًا؟ " (٢). وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ المكِّيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا القَعنبِيُّ، قال: حدَّثنا مُعتمِرُ بن سُليمانَ، عن أبيهِ، عن رَقَبةَ بنِ مَصقلةَ، عن أبي إسحاقَ، عن سعِيدِ بنِ جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "إنَّ الغُلامَ الذي قَتَلهُ الخَضِرُ طُبِعَ كافِرًا، ولو عاشَ لأرهَقَ أبوَيهِ طُغيانًا وكُفرًا" (٣).

стр. 6147

قال أبو عُمر: هذا الحديثُ يقولُونَ: إنَّهُ انفردَ (١) برَفعِهِ رَقَبةُ بن مَصْقلةَ، وإنَّ أصحابَ أبي إسحاقَ الثِّقاتِ يُوقِفُونهُ على أُبيِّ بنِ كعبٍ، ورَقَبةُ بن مَصقلةَ ثِقةٌ فصِيحٌ (٢) عاقِلٌ، كان أحمدُ بن حَنْبلٍ ويحيى بن مَعِينٍ يُثْنِيانِ عليه (٣). وقد تابَعهُ عبدُ الجبّارِ بن عبّاسٍ على رَفعِهِ، وعبدُ الجبّارِ بن العبّاسِ رَجُلٌ كُوفيٌّ، روى عنهُ جماعة من جِلَّةِ أهلِ الكُوفةِ، منهُم: الحسنُ بن صالح ووكِيعٌ وأبو نُعَيم. وقال أحمدُ ويحيى: ليس به بأسٌ (٤). وقال أبو حاتِم الرّازِيُّ (٥): هُو ثِقةٌ، قِيل لهُ: لا بأسَ به؟ قال: ثِقةٌ. ذكرَ المروزِيُّ، قال: أخبَرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، يعني ابن راهوية، قال: أخبَرنا سَلْم (٦) بن قتيبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الجبّارِ بن عبّاسٍ الهَمْدانيُّ، عن أبي إسحاقَ، عن سَعِيدِ بنِ جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، عن أُبيِّ بنِ كعبِ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "الغُلامُ الذي قَتَلهُ الخَضِرُ طُبِع كافِرًا" (٧). وقد حدَّثنا سعِيدُ بن ثصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمِذِيُّ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ، قال (٨): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثني

стр. 6148

عَمرُو بن دِينارٍ، قال: أخبَرني سعِيدُ بن جُبَيرٍ، قال: كان ابنُ عبّاسٍ يقرأُ: "وأمّا الغُلامُ فكان كافِرًا، وكان أبواهُ مُؤمِنينِ" (١). حدَّثنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو البزّارُ، قال: حدَّثنا زِيادُ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا أبو مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا حجّاجٌ، عن عَطاءٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: كتَبَ نَجْدةُ الحرُورِيُّ إلى ابنِ عبّاسٍ يَسْألُهُ عن قَتلِ الصِّبيانِ، فكتَبَ إليه ابنُ عبّاسٍ: أمّا الصِّبيانُ، فإن كُنتَ أنتَ الخَضِرُ تَعلمُ المُؤمِنَ من الكافِرِ، فاقتُلهم (٢). ورَوَى قَتادةُ، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ مِثلهُ (٣). وأخبَرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَرِيرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن حُميدٍ، قال: حدَّثنا (٤) سَلَمةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عنِ الزُّهْرِيِّ ومحمدِ بنِ عليٍّ، عن يزِيد بنِ هُرمُز، قال: كتبَ نَجْدةُ إلى ابنِ عبّاسٍ يَسْألُهُ عن قَتْلِ الوِلدانِ، وَيَذكُرُ في كِتابه أنَّ العالِمَ صاحِبَ موسى قد قتلَ المولُودَ.

стр. 6149

قال يزِيدُ: فأنا كتَبتُ كِتابَ ابنِ عبّاسٍ بيديَّ، جَوابُهُ إلى نجدةَ: أمّا بعدُ، فإنَّكَ كتبتَ إليَّ تَسْألُني عن قَتلِ الوِلدانِ، وتذكُرُ في كِتابِكَ: أنَّ العالِمَ صاحِبَ موسى قد قتلَ المولُودَ، فلو كُنتَ تَعلمُ من الوِلدانِ ما علِمَ ذلك العالِمُ لقتَلْتَ، ولكنَّك لا تعلمُ، وقد نَهَى رسُولُ اللَّه ﷺ عن قَتلِهِم (١). ورَوَى الثَّورِيُّ، عن إسماعيل بنِ أُميَّةَ، عن سعِيدٍ المقبُرِيِّ، عن يزِيدَ بنِ هُرمُز، عنِ ابنِ عبّاسٍ، مِثلهُ (٢). وفي هذا الخَبرِ مع صِحَّتِهِ عنِ ابنِ عبّاسٍ ردُّ قولِ من قال: الغُلامُ الذي قتَلهُ الخضِرُ كان رَجُلًا، وكان قاطِعَ طرِيقٍ. وهذا قولٌ يُروَى عن عِكْرِمةَ، حكاهُ قَتادةُ وغيرُهُ عنهُ، وقال قَتادةُ: لعَمرِي ما قتَلهُ إلّا على كُفرٍ (٣). قال قَتادةُ: وقال بعضُهُم: كان يَقْطعُ الطَّرِيقَ. قال قَتادةُ: كان يُقرأُ في الحرفِ الأوَّلِ: "وأمّا الغُلامُ فكان كافِرًا وكان أبواهُ مُؤمِنين" (٤). وقال غيرُهُ: لم يَقتُلهُ الخضِرُ إلّا وهُو كافِرٌ، كان قد كفرَ بعدَ إدراكِهِ وبُلُوغِهِ، أو عمِلَ (٥) عملًا اسْتَوجَبَ عليه القتلَ، فقتلهُ.

стр. 6150

واحتجَّ بعضُ من ذهَبَ هذا المذهب بحديثِ الزُّهرِيِّ، عن محمدِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ نَوْفلٍ، عن عبدِ المُطَّلِبِ بنِ رَبيعةَ، قال: اجْتَمعتُ أنا والفَضْلُ بن عبّاسٍ ونَحنُ غُلامانِ شابّانِ قد بَلَغنا، في حديثٍ ذكَرهُ، في كَراهِيةِ الصَّدقةِ لبني هاشِم (١). قال أبو عُمرة أمّا قولُهُ في حديثِ الزُّهرِيِّ: ونحنُ غُلامانِ شابّانِ قد بلَغْنا. فهُو كلامٌ خرجَ على القُربِ والمجازِ، وقد بان ذلك في قولِهِ: قد بلَغْنا. وأمّا قولُ من قال: إنَّ الغُلامَ كان رَجُلًا قد كفرَ، أو عمِلَ عَمَلًا اسْتَوجَبَ عليه القتلَ، فتَخرُّصٌ وظنٌّ لم يصِحَّ في أثرٍ، ولا جاءَ به خَبرٌ، ولا يعرِفُهُ أهلُ العِلم، ولا أهلُ اللُّغةِ، وقد سَمَّى اللَّهُ الإنسانَ الذي قتَلَهُ الخضِرُ غُلامًا، والغُلامُ عِندَ أهلِ اللُّغةِ: هُو الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ، يَقعُ عليه عِندَ بعضِهِمُ اسمُ غُلام من حِينِ يُفطَمُ، إلى سَبعْ سِنينَ، وعِندَ بَعضِهِم يُسمَّى غُلامًا وهُو رَضِيعٌ إلى سبع سِنينَ، ثُمَّ يَصِيرُ يافِعًا وَيَفاعًا إلى عشرِ سِنينَ، ثُمَّ يصِيرُ حَزَوّرًا إلى خمسَ عشْرةَ سنةً. واختُلِفَ في تَسْمِيةِ مَنازِلِ سنِّهِ بعد ذلك، إلى أن يصِير هِمًّا فانِيًا كبِيرًا، بما لا حاجةَ بنا هاهُنا إلى ذَكِرِهِ. قال أبو عُمر: وعلى هذا جُمهُورُ أهلِ اللُّغةِ في الغُلام، أنَّهُ ما دامَ رَضِيعًا، فهُو طِفلٌ، وغُلامٌ، إلى سبع سِنينَ. وأمّا اختِلافُهُم في الكَهلِ والشَّيخ، فقال بعضُهُم: الكَهلُ ابنُ (٢) ثلاثٍ وثلاثِين سنةً. وقال بعضُهُم: الكَهلُ مِن (٣) أربعِين إلى خمسِين، والشَّيخُ مِن (٤) خمسِينَ إلى ثمانينَ، ثُمَّ يصِيرُ هِمًّا فانِيًا.

стр. 6151

وقال جماعةٌ من العُلماءِ في قولِهِ : ﴿نَفْسًا زاكيةً﴾ (١) [الكهف: ٧٤]. قالوا: لم يُذنِب قطُّ. حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ اللَّه بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُبَيدٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا شُعَيبٌ، عن أبي العاليةِ، في قِصَّةِ موسى والخَضِرِ ﵉، قال: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف: ٧٤]. قال: غُلامٌ يلعبُ مع الغِلمانِ، ففتلَ عُنُقهُ (٢) فقتلهُ، ولم يَرهُ إلّا موسى، ولو رآهُ القومُ لحالوا بينهُ وبينهُ. قال: أقَتَلْتَ نفسًا زاكِيةً، أو زَكِيّةً. قال: لم تبلُغِ الخَطايا. وقال ابنُ جُرَيج: أخبَرني يَعلى بن مُسلِم، أنَّهُ سمِعَ سعِيدَ بن جُبَيرٍ يقولُ: وجدَ الخَضِرُ غِلمانًا يلعبُونَ، فأخذَ غُلامًا فأضْجَعهُ وذَبَحهُ بالسِّكِّينِ (٣). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا سحنُونٌ وأبو الطّاهرِ (٤) وحرملةُ بن يحيى. قالوا: حدَّثنا ابنُ وَهْب (٥)، قال: حدَّثني يُونُسُ بن يَزِيد، عنِ ابنِ شِهابٍ، أنَّ عبد الرحمنِ بن هُنَيدةَ

стр. 6152

حدَّثهُ، أنَّ عبد اللَّه بن عُمرَ (١)، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إذا أرادَ اللَّهُ أن يخلُقَ النَّسمةَ، قال مَلكُ الأرحام مُعرِضًا: يا ربِّ، ذَكَرٌ أم (٢) أُنثى؟ فيَقْضِي اللَّهُ أمرَهُ، ثُمَّ يقولُ: يا رَبِّ، شَقِيٌّ أو سَعِيدٌ؟ فيَقْضِي اللَّهُ أمرَهُ، ثُمَّ يُكتَبُ بينَ عَيْنيهِ ما هُو لاقٍ (٣)، حتّى النَّكبةُ يُنْكَبُها". قال أبو عُمر: بهذه الآثارِ وما كان مِثلها، احتجَّ من ذهَبَ إلى الوُقُوفِ عنِ الشَّهادةِ لأطفالِ المُسلِمِينَ أوِ المُشرِكِينَ بجنّةٍ أو نارٍ. وإليها ذهَبَ جماعةٌ كثِيرةٌ من أهلِ الفِقهِ والحديثِ، منهُم: حمّادُ بن زَيْدٍ، وحمّادُ بن سَلَمةَ، وابنُ المُباركِ، وإسحاقُ ابنُ راهوية، وغيرُهُم. وهُو يُشبِهُ ما رَسَمهُ مالكٌ في أبوابِ القَدَرِ، في "مُوطَّئهِ" وما أوردَ في ذلك من الأحادِيثِ، وعلى ذلك أكثرُ أصحابه، وليس عن مالكٍ فيه شيءٌ منصُوصٌ، إلّا أنَّ المُتأخِّرِينَ من أصحابه ذَهَبُوا إلى أنَّ أطفال المُسلِمِينَ في الجنّةِ، وأطفال الكُفّارِ خاصَّةً في المشِيئةِ، لآثارٍ وردَتْ في ذلك، نحنُ نذكُرُها في البابِ بعد هذا إن شاءَ اللَّه.

стр. 6153

ذِكرُ الأخبارِ التي احتجَّ بها من شهِدَ لأطفالِ المُسلِمينَ بالجنّةِ أخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: أخبَرنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: أخبَرنا عوفٌ، عن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "ما مِنَ المُسلِمِين من يمُوتُ لهُ ثَلاثةٌ من الوَلَدِ لم يبلُغُوا الحِنثَ، إلّا أدخلهمُ اللَّهُ د ايّاهُ الجنّةَ بفَضْلِ رحمتِهِ، يُجاءُ بهم يوم القِيامةِ، يُقالُ لهم: ادْخُلوا الجنّةَ. فيقولُونَ: لا، حتّى يَدخُل آباؤُنا، فيُقالُ لهم: ادخُلوا أنتُم وآباؤُكُم بفَضْلِ رَحْمتِي" (١).

стр. 6154

حدَّثنا أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم بنِ عِيسَى المُقرِئُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن محمدِ بنِ حَبابةَ، قالا: حدَّثنا البَغوِيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن الجَعْدِ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن مُعاوِيةَ بنِ قُرَّةَ، عن أبيهِ، أنَّ رجُلًا جاءَ بابنِهِ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: "أتُّحِبُّهُ؟ " فقال: أحبَّكَ اللَّهُ يا رسُولَ اللَّه كما أُحِبُّهُ. فتُوُفِّي الصَّبِيُّ، ففقَدَهُ النَّبيُّ ﷺ ، فقال: "أين فُلان ابنُ فُلانٍ؟ " قالوا: يا رسُولَ اللَّه تُوُفِّي ابنه. فقال لهُ رسُولُ اللَّه ﷺ : "أما تَرْضَى أن لا تأتِيَ بابًا من أبوابِ الجنّةِ، إلّا جاءَ يَسْعَى يفتحُهُ لكَ؟ "، فقالوا: يا رسُولَ اللَّه، أنَّهُ وحدَهُ، أم لنا كلِّنا؟ قال: "بل لكُم كلِّكُم" (١). ورَواهُ (٢) يحيى بن سعِيدٍ القطَّانُ (٣) وعبدُ الرَّحمنِ بن مهدِيٍّ ومحمدُ بن جعفرٍ غُندَرٌ (٤) وغيرُهُم، عن شُعبةَ، بإسنادِهِ مِثلهُ سواءً.

стр. 6155

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال حدَّثنا: محمدُ بن عبد السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعفرٍ (١)، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عدِيِّ بنِ ثابتٍ، قال: سمِعتُ البَراءَ بن عازِبِ، يُحدِّثُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه (٢) قال في ابنِهِ إبراهيمَ: "إنَّ لهُ مُرْضِعًا (٣) في الجنّةِ" (٤). ورَوَى سعِيدُ بن إياسٍ الجُرَيرِيُّ (٥)، عن خالدِ بنِ علاق (٦)، قال: ماتَ ابنٌ لي، فوَجَدتُ عليه وَجْدًا شدِيدًا، فقلتُ: يا أبا هريرةَ أسمِعتَ من رسُولِ اللَّه ﷺ شيئًا يُسَخِّي أنفُسَنا عن موتانا؟ فقال: سمِعتُهُ يقوُل: "صِغارُكُم دَعامِيصُ (٧) الجنةِ" (٨).

стр. 6156

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذِيُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عبدِ الرَّحمن بنِ الأصبهانيِّ، عن أبي حازِم، عن أبي هريرةَ، قال: أولادُ المُسلِمِين في جَبَلٍ تَكْفُلُهُم سارةُ وإبراهيمُ، فإذا كان يومُ القِيامةِ، دَفعُوهُم إلى آبائهِم (١). حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وأحمدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا وَهْبُ بن مَسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن قُدامةَ، قال: حدَّثنا جَرِيرٌ، عنِ الأعْمَشِ، عن عُثمانَ، عن زاذانَ، عن عليٍّ، في قولِ اللَّه : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٣٩]، قال: هُم أطفالُ المُسلِمِينَ (٢). وحدَّثنا خلفُ بن أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعِيدٍ وأحمدُ بن مُطرِّفٍ، قالا: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إسماعيلَ الأيلِيُّ، قال: حدَّثنا المُؤَمَّلُ بن إسماعيلَ، عن سُفيانَ، عنِ الأعمشِ، عن عُثمانَ بنِ مَوْهبٍ، عن زاذانَ، عن عليٍّ في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: أصحابُ اليَمِينِ أطفالُ المُسلِمِينَ (٣). قال أبو عُمر: اختصرتُ هذا الباب، لأنِّي قد تَقصَّيتُهُ في كِتابِ "الأجوِبةِ عنِ المسائلِ المُسْتَغربةِ" وتكلَّمتُ عليه في بابِ سَعِيدِ بنِ المُسيِّبِ، من هذا الكِتابِ.

стр. 6157

بابُ ذِكِرِ الأخبارِ التي احتجَّ بها من شهِدَ لأطفالِ المُشرِكِين بدُخُولِ الجنّة ومن قال: إنَّهُم خدَمُ أهلِ الجنّة حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا عَوْفٌ، عن خَنْساءَ (١) امرأةٍ من بني صُرَيم، عن عمِّها، قال: سمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "النَّبيُّ في الجنّةِ، والشَّهِيدُ في الجنّةِ، والمولُودُ في الجنّةِ، والوَئيدُ في الجَنَّةِ" (٢). وحدَّثنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سَعْدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجر، قال: حدَّثنا هَوْذةُ، قال: حدَّثنا عَوْفٌ، عن خَنْساءَ بنتِ مُعاوِيةَ، قالت: حدَّثني عَمِّي، قال: قلتُ: يا رسُولَ اللَّه، مَن في الجنّةِ؟ قال: "النَّبيُّ في الجنّةِ، والشَّهِيدُ في الجنّةِ، والمولُودُ في الجنّةِ، والوَئيدُ في الجنّةِ" (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي العوّام، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ القُرَشِيُّ، قال: حدَّثنا أبو مُعاذٍ، قال: حدَّثنا الزُّهرِيُّ، عن عُروةَ بن الزُّبير، عن عائشَةَ، قالت: سألَتْ خَدِيجةُ النَّبيَّ ﷺ

стр. 6158

عن أولادِ المُشرِكِينَ، فقال: "هُمْ مع آبائهِم". ثُمَّ سألتهُ بعد ذلك، فقال: "اللهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ". ثُمَّ سألتهُ بعدَما اسْتَحكَم الإسلامُ، فنَزَلت: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فقال: "هُم على الفِطْرةِ"، أو قال: "في الجنّةِ" (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بن شُعَيب، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنا ابنُ أبي سَلَمةَ، عن محمدِ بنِ المُنكدِرِ، عن يزِيد الرَّقاشِيِّ، عن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "سألتُ ربِّي عنِ اللّاهِينَ من ذُرِّيَّةِ البَشَرِ ألّا يُعذِّبهُم، فأعْطانِيهِم" (٢). قال أبو عُمر: إنَّما قيلَ للأطفالِ اللّاهِين، لأنَّ أعمالهم كاللَّهوِ واللَّعِبِ، من غيرِ عَقدٍ ولا عَزم، من قولِهِم: لَهيتُ عنِ الشَّيءِ، أي: لم أعتمِدهُ. كقولِهِ: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٣]. ورَوَى الحجّاجُ بن نُصَيرٍ، عن مُباركِ بنِ فَضالةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن أنَسٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "أولادُ المُشرِكِينَ خَدَمُ أهلِ الجنّةِ" (٣). ورَوَى شُعبةُ وسعيدُ بن أبي عَرُوبةَ وأبو عَوانةَ، عن قَتادةَ، عن أبي مُرايةَ العِجْليِّ، عن سَلْمانَ، قالَ: أطفالُ المُشركينَ خَدَمُ أهلِ الجنّةِ (٤) (٥).

стр. 6159

وأخبَرنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا أبو سعِيدِ بن الأعرابِيِّ. وأخبرنا سعِيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قالا: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الله العَبْسيُّ (١)، قال: حدَّثنا وكِيع، عنِ الأعْمَشِ، عن يزِيدَ الرِّقاشِيِّ، عن أنَسٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "الوِلدانُ، أو قال: الأطفالُ، خَدمُ أهلِ الجنّةِ" (٢). وذكَرَ البُخارِيُّ (٣) حديثَ أبي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ، عن سمُرةَ بنِ جُندُبٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، الحديثَ الطَّوِيلَ حديثَ الرُّؤيا، وفيه قولُهُ ﷺ : "وأمّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الذي في الرَّوضةِ، فإنَّهُ إبراهيمُ ﵇، وأمّا الوِلدانُ حولهُ، فكلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ"، قال: فقيلَ: يا رسُولَ الله، وأولادُ المُشرِكِينَ؟ فقال رسُولُ الله ﷺ : "وأولادُ المُشرِكِينَ" (٤). وخرَّج البُخارِيُّ (٥) أيضًا في رِوايةٍ أُخرى، عن أبي رَجاءٍ في هذا الحَدِيثِ: "والشَّيخُ في أصْلِ الشَّجَرةِ إبراهيمُ، والصِّبيانُ حَوْلهُ أولادُ النّاسِ". وهذا يَقْتضِي ظاهِرُهُ وعُمُومُهُ جميعَ النّاسِ، واللهُ المُوفِّقُ للصواب.

стр. 6160

بابُ ذِكرِ الأخبارِ التي احتجَّ بها من شهِدَ لأطفالِ المُشرِكينَ بالنّار حدَّثنا يعِيشُ بن سعيدٍ (١)، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن الحَسنِ الحربِيُّ، قال: حدَّثنا أبو عُمرَ الحَوْضِيُّ، قال: حدَّثنا مُرَجَّى بن رَجاءٍ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا المُعتمِرُ، قالا: حدَّثنا داودُ، عن عامِرٍ الشَّعبِيِّ، عن عَلْقمةَ بنِ قَيْس، قال: حدَّثنا سلَمةُ بن يزِيد الجُعْفِيُّ، قال: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ أنا وأخِي، فقُلنا: يا رسُولَ الله، إنَّ أُمَّنا ماتَتْ في الجاهِلِيَّةِ، وكانت تُقرِي الضَّيفَ، وتَصِلُ الزَحِمَ، وتفعَلُ، وتفعَلُ، فهل يَنْفعُها من عَمَلِها ذلك شيءٌ؟ قال: "لا". قال: قُلنا: إنَّ أُمَّنا وَأدَتْ أُختًا لنا في الجاهِلِيَّةِ لم تبلُغِ الحِنْثَ، فهل ذلك نافِعٌ أُخْتَنا؟ فقال رسُولُ الله ﷺ : "أرأيتُمُ الوائدةَ والمؤودةَ، فإنَّهُما في النّارِ، إلّا أن تُدرِكَ الوائدةُ الإسلامَ، فيَغفِرَ اللهُ لها" (٢). قال أبو عُمر: ليس لهذا الحديثِ إسنادٌ أقوى وأحسنُ من هذا الإسنادِ، ورواهُ جماعةٌ عنِ الشَّعبِيِّ، كما رواهُ داودُ، وقد رواهُ أبو إسحاقَ، عن عَلْقمةَ، كما رواهُ الشَّعبِيُّ.

стр. 6161

وهُو حديثٌ صحِيحٌ من جِهَةِ الإسنادِ (١)، إلّا أنَّهُ يَحتَملُ (٢) أن يكونَ خرجَ (٣) علي جوابِ السّائل في عين مَقصُودة، فكانت الاشارةُ اليها، والله أعلمُ. وهذا أولى ما حُمِلَ عَليه هذا الحديثُ، لمُعارضةِ الآثارِ لهُ، وعلى هذا يَصِحُّ مَعناهُ، والله المُستعانُ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بنِ عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا أحمدُ بن عمرِو بنِ السَّرح، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن عُبيدِ الله، عنِ ابنِ عبّاسٍ، عنِ الصَّعبِ بنِ جثّامةَ، أَنَّهُ سألَ النَّبيَّ ﷺ عن أهلِ (٥) الدّارِ من المُشرِكِين يُبَيَّتُونَ (٦)، فيُصابُ من ذَرارِيهِم ويسائهِم، فقال رسولُ الله ﷺ : "هُم منهُم". وكان عَمرُو بن دِينارٍ يقولُ: "هُم من آبائهِم". قال الزُّهرِيُّ ثُمَّ نَهَى رسُولُ الله ﷺ بعدَ ذلك عن قَتْلِ النِّساءِ والولدانِ. قال أبو عُمر: معنى هذا الحديثِ عِندَ أهلِ العِلم في أحْكام الدُّنيا في ذلك هُمْ من آبائهِم، وعلى ذلك مخرجُ الحديثِ، فليس على من قتَلهم قَوَدٌ ولا دِيةٌ؛ لأنَّهُم أولادُ من لا دِيةَ في قتلِهِ ولا قوَدَ، لمُحاربتِهِ وكُفرِهِ.

стр. 6162

وليس هذا الحديثُ في أحكام الآخِرةِ، وإنَّما هُو في أحكام الدُّنيا، فلا حُجَّةَ فيه، ولا في الذي قبلهُ في هذا البابِ. ورَوَى بقِيَّةُ بن الوَليدِ، عن محمدِ بنِ زِيادٍ الألهانيِّ، قال: سمِعتُ عبد الله بن أبي قَيْسٍ يقولُ: سمجتُ عائشةَ تقُولُ: سألتُ النَّبيَّ ﷺ عن ذَرارِي المُؤمِنينَ، فقال: "هُم مِع آبائهِم". قلتُ: بلا عَملٍ؟ قال: "اللهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ (١) ". وسألْتُه عن ذراري المُشركينَ، فقال: "هُمْ (٢) معَ أبائهم". قلتُ: بلا عَمَلٍ؟ قال: "اللهُ أعلَمُ بما كانوا عامِلينَ" (٣). قال أبو عُمر: عبدُ الله بن أبي قَيْسٍ شامِيٌّ تابِعِيٌّ ثِقةٌ، رَوَى عنهُ محمدُ بن زِيادٍ الألهانيُّ ومُعاوِيةُ بن صالح وراشِدُ بن سَعْدٍ. وأمّا بقِيَّةُ بن الوليدِ فضعِيفٌ، وأكثرُ حديثهِ مَناكِيرُ. ولكنَّ هذا الحديثَ قد رُوِي عن عائشةَ مرفُوعًا أيضًا من غيرِ هذا الوَجْهِ. ويَحتمِلُ من التَّاوِيلِ أن يكونَ كحديثِ الصَّعبِ بنِ جثّامةَ سواء في أحكام الدُّنيا. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الحُسينُ (٤) بن جعفرٍ الزَّيّاتُ، قال: حدَّثنا يُوسُفُ بن يزِيدَ، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو عَقِيلٍ يحيى بن المُتوكِّلِ، عن بُهَيَّةَ، عن (٥) عائشَةَ، قالت: سألتُ رسُولَ الله ﷺ عن وِلدانِ المُسلِمِينَ: أينَ هُمْ؟ قال: "في الجنّةِ يا عائشةُ". قالت: وسألتُهُ عن وِلدانِ المُشرِكِينَ، أينَ هُم يومَ القِيامةِ؟ قال: "في النّارِ" (٦). فقلتُ مُجيبةً لهُ: يا رسُولَ

стр. 6163

الله، لم يُدرِكُوا الأعمالَ، ولم تَجرِ عليهمُ الأقلامُ. قال: "ربُّكِ أعلَمُ بما كانوا يَعملون، والذي نَفْسي بيد لئن شِئْتِ أسْمَعتُكِ تَضاغِيهُم (١) في النّارِ" (٢). قال أبو عُمر: أبو عَقِيلٍ هذا صاحِبُ بُهَيَّةَ، لا يُحتجُّ بمِثلِهِ عِندَ أهلِ العِلم بالنَّقلِ. وهذا الحديثُ لو صحَّ، احتملَ أيضًا من الخُصُوصِ ما احتملَ غيرُهُ في هذا البابِ، ومِمّا يدُلُّ على أنَّهُ خُصُوصٌ لقوم من المُشرِكِين، قولُهُ: "لو شِئتِ أسْمَعتُكِ تضاغِيَهُم في النّارِ". وهذا لا يكونُ إلّا فيمَنْ قد ماتَ وصارَ في النّارِ. وقد عارضَ هذا الحديثَ ما هُو أقْوَى منهُ من الآثارِ، والحمدُ لله. وممّا احتجَّ به من ذهَبَ إلى القولِ بظاهِرِ آثارِ هذا البابِ، قولُ الله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣) [الطور: ٢١]، وقولُهُ لنُوح نبِيِّهِ ﵇: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، فلمّا قيلَ لنُوح ذلك، وعلِمَ أنَّهُم لا يُؤمِنُونَ، وأنَّهُم على كُفرِهِم يمُوتُونَ، دعا عليهم بهلاكِ جميعِهِم، فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧]. فأخبَرَ أنَّهُم - لكُفْرِهِم - لا يَلِدُونَ إلّا كافرًا (٤)، وقال ﷺ : "هُمْ من آبائهِم" (٥).

стр. 6164

ذِكرُ الأخبارِ التي احتجَّ بها مَن أوجَبَ الوُقُوفَ عنِ الشَّهادةِ لأطفالِ المُشرِكِين بجنّةٍ أو نارٍ حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعفرٍ، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي بشْرٍ، عن سَعِيدِ بنِ جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ سُئلَ عن أولادِ المُشرِكِينَ، فقال: "اللهُ أعلمُ إذ خَلَقهُم بما كانوا عامِلِينَ" (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بِشْرٍ، عن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئلَ عن أولادِ المُشرِكِينَ، فقال: "اللهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ" (٢). وعن أبي عَوانةَ، عن هِلالِ بنِ خبّابٍ (٣)، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ (٤).

стр. 6165

ورواهُ أبو هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، كما رواهُ ابنُ عبّاسٍ (١). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو الزِّنْباع رَوْحُ بن الفَرج، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عُفَيرٍ، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن خالدِ بنِ مُسافِبر، عنِ ابنِ شِهابٍ، عن عَطاءِ بنِ يزِيد اللَّيثيِّ، أَنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: سُئلَ رسُولُ الله ﷺ عن ذَرارِي المُشرِكِينَ، فقال: "اللهُ أعلَمُ بما كانوا عامِلِينَ". ورواهُ سُفيانُ بن عُيينةَ (٢) وابنُ أبي ذِئبٍ (٣) ومَعمرٌ (٤)، عنِ الزُّهرِيِّ، بإسنادِهِ هذا مثلهُ. وروى سُفيانُ بن عُيَينةَ أيضًا، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أَنَّهُ سُئلَ عن أولادِ المُشرِكِينَ، فقال: "اللهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ" (٥).

стр. 6166

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قالا جميعًا: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ، عن محمدِ بنِ عَمرٍو، عن أبي (١) سلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أَنَّهُ سُئلَ عن أولادِ المُشرِكِينَ، فقال: "اللهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ" (٢). وقال مُسدَّدٌ في حديثِهِ، بإسنادِهِ هذا عن أبي هريرةَ، قال: سُئلَ رسُولُ الله ﷺ عنِ الأطْفالِ، فقال: "اللهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ". ورَوَى إسماعيلُ ابن عُلَيَّةَ، عن خالدٍ الحذّاءِ، عن عمّارٍ مولى بني هاشِم، قال: قال ابنُ عبّاسٍ: كنتُ أقولُ في أطفالِ المُشرِكِينَ: هُم مع آبائهِم. حتَّى حدَّثني رجُلٌ، عن رجُل من أصْحابِ النَّبيِّ ﷺ فلَقِيتُه فسألتُه، فحدَّثَ عن النَّبيِّ ﷺ (٣) أنَّهُ قال: "ربُّهُم أعلَمُ بهم، هُو خلَقهُم وهُو أعلَمُ بهم، وبما كانوا عامِلِينَ" (٤). قال أبو عُمر: أحادِيثُ هذا البابِ من جِهةِ الإسنادِ صِحاحٌ ثابتةٌ عِندَ جميع أهلِ العِلم بالنَّقلِ، واللهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ.

стр. 6167

ذِكرُ الأخبارِ التي احتجَّ بها من أوجبَ امتِحانَهُم واخْتِبارَهُم في الآخِرةِ (١) أخبَرنا محمدُ بن عبدِ الملكِ وعُبيدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسرُورٍ، قال: حدَّثنا عيسىُ بن مِسْكين، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجَر، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن سُليمانَ، عن فُضَيلِ بنِ مرزُوقٍ، عن عَطِيَّةَ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ في الهالِكِ في الفَتْرةِ والمعتُوهِ والمولُودِ قال: "يقولُ الهالِكُ في الفترةِ: لم يأتِني كِتابٌ ولا رسُولٌ". ثُمَّ تلا: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ [طه: ١٣٤] إلى آخِرِ الآيةِ. "ويقولُ المعتُوهُ: رَبِّ لم تَجْعَلْ لي عقلًا أعقِلُ به خيرًا ولا شرًّا". قال: "ويقولُ المولُودُ: ربِّ لم أُدرِكِ العقلَ (٢) ". قال: "فتُرفَعُ لهم نارٌ، فيُقالُ: رِدُوها، و (٣) ادخُلُوها". قال: "فيرِدُها، أو يَدْخُلُها من كان في عِلم الله سعِيدًا لو (٤) أدرَكَ العمَلَ، ويُمسِكُ عنها من كان في عِلْم الله شقِيًّا لو أدركَ العملَ" (٥). قال: "فيقولُ اللهُ : إيّاي عصَيْتُم، فكيفَ رُسُلي لو أتَتْكُم؟ " (٦).

стр. 6168

قال أبو عُمر: من النّاسِ من يُوقِفُ هذا الحديثَ على أبي سعِيدٍ ولا يرفعُهُ، منهُم: أبو نُعيم المُلَائيُّ (١). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعِيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن يزيدَ (٢)، قال: حدَّثنا موسى بن مُعاوِيةَ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قالا: حدَّثنا جرِيرٌ، عن ليثٍ، عن عبدِ الوارثِ، عن أنسٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "يُؤتى يوم القِيامةِ بأربعةٍ: بالمولُودِ، والمعتُوهِ، وبمن مات في الفَتْرةِ، وبالشَّيخ الهِمِّ الفاني، كلُّهُم يَتَكلَّمُ بحُجَّتِهِ، فيقولُ الرَّبُّ ﵎ لعَينٍ من جَهنَّمَ: ابْرُزِي. ويقولُ لهم: إنِّي كنتُ أبْعَثُ إلى عِبادِي رُسُلًا من أنْفُسِهِم، وإنِّي رسُولُ نَفْسي إليكُم". قال: "فيقولُ لهم: ادخُلوا هذه، فيقولُ من كُتِب عليه الشَّقاءُ: يا ربِّ أنَّى تُدخِلُناها ومنها كُنّا نفِرُّ؟ ". قال: "وأمّا من كُتِبَ لهُ السَّعادَةُ فيَمْضِي فتقْتَحِمُ فيها، فيقولُ الرَّبُّ ﵎: قد عايَنتُمُوني، فعَصَيتُمُوني، فأنتُم لرُسُلي (٣) أشدُّ تَكْذِيبًا ومَعْصِيةً. فيَدخُلُ هؤلاءِ الجنّةَ، وهؤلاءِ النّارَ" (٤). واللَّفظُ لحديثِ موسى بنِ مُعاوِيةَ الصُّمادحيِّ (٥). وذكرَ أبو عبدِ الله محمدُ بن نصِرِ الروزِيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن زَنْجُوية، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُباركِ الصُّورِيُّ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن واقِدٍ، عن

стр. 6169

يُونُس بنِ (١) حلبسٍ، عن أبي إدرِيسَ، عن مُعاذِ بنِ جبلٍ، عن نَبِيِّ الله ﷺ قال: "يُؤتَى يومَ القِيامَةِ بالممسُوخ عقلًا، وبالهالِكِ في الفَتْرةِ، وبالهالِكِ صَغِيرًا، فيقولُ الممسُوح عقلًا: يا ربِّ لو آتيْتَني عَقلًا، ما كان من آليْتَهُ عقلًا أسعدَ بعَقلِهِ مِنِّي. ويقولُ الهالِكُ في الفَترةِ: يا ربِّ لو أتاني منكَ عَهْدٌ، ما كان من أتاهُ منكَ عَهْدٌ (٢) بأسعدَ بعهدِكَ مِنِّي. ويقولُ الهالِكُ صغِيرًا: يا ربِّ لو آتيْتَني عُمرًا، ما كان من آتيْتهُ عُمُرًا بأسعدَ بعُمُرِهِ (٣) مِنِّي. فيقولُ الرَّبُّ سُبحانهُ: إنِّي آمُرُكُم بأمرٍ فَتُطِيعُوني (٤)؟ فيقولُونَ: نعَمْ وعِزَّتِكَ يا ربِّ. فيقولُ: اذهَبُوا فادخُلوا النّارَ". قال: "ولو دَخَلُوها ما ضَرَّتهُم، فتخرُجُ عليهم قَوانِصُ (٥) يظُنُّونَ أنَّها قد أهْلَكت ما خلقَ اللهُ من شيءٍ، فيرجِعُونَ سِراعًا، فيقولُونَ: يا ربِّ خرَجْنا وعزَّتِكَ نُرِيدُ دُخُولها، فخَرَجت علينا قَوانِصُ (٦) ظننّا أنَّها قد أهْلَكت ما خلَقَ اللهُ من شيءٍ (٧)، ثُمَّ يأمُرُهُمُ الثّانيةَ، فيرجِعُونَ كذلك، ويقولُونَ مِثلَ قولِهِم، فيقولُ الرَّبُّ سُبحانهُ: قبلَ أن أخلُقَكُم عَلِمتُ ما أنتُم عامِلُونَ، وعلى عِلمِي خَلَقتكُم، وإلى عِلْمِي تصِيرُونَ. فتأخُذُهُمُ النّارُ" (٨).

стр. 6170

قال أبو عُمر: رُوِي هذا المعنى عنِ النَّبيِّ ﷺ من حَدِيثِ الأسْوَدِ بنِ سَرِيع (١)، وأبي هريرةَ (٢)، وثَوْبانَ (٣) بأسانيدَ صالحةٍ (٤) من أسانيدِ الشُّيُوخ، إلّا ما ذكَرهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٥)، عن مَعْمرٍ، عنِ ابنِ طاوُوسٍ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ موقُوفًا لم يرفعهُ، بمِثلِ معنى ما ذكَرْنا سَواءً. وليس في شيءٍ مِنها ذِكرُ المولُودِ، وإنَّما فيها ذِكرُ أربعةٍ، كلُّهُم يومَ القِيامةِ يُدلِي بحُجَّتِهِ: رجُلٌ أصمُّ أبكمُ، ورجُلٌ أحمقُ، ورجُلٌ ماتَ في الفَتْرةِ، ورجُلٌ هَرِمٌ، فلمّا لم يكُن فيها ذِكرُ المولُودِ، لم أذكُرها في هذا البابِ. وجُملةُ القولِ في أحادِيثِ هذا البابِ كلِّها، ما ذكرتُ مِنْها وما لم أذكُر: أنَّها من أحادِيثِ الشُّيُوخ، وفيها عِلل، وليَسْت من أحادِيثِ الأئمَّةِ الفُقهاءِ، وهُو أصل عَظِيمٌ، والقطعُ فيه بمِثلِ هذه الأحادِيثِ ضعيفٌ (٦) في العِلم والنَّظرِ، مع أنَّهُ قد عارَضَها ما هُو أقْوَى مَجيبًا منها، والله المُوفِّقُ للصَّوابِ.

стр. 6171

بابٌ حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن طَيْفُور. وحدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن سَلَمةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عليِّ بنِ الجارُودِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن منصُورٍ؛ قالا جميعًا: حدَّثنا إسحاقُ بن راهوية، قال: حدَّثنا يحيى بن آدمَ، قال: أخبرنا جَرِيرُ بن حازِم، عن أبي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ، قال: سمِعتُ ابن عبّاسٍ يقولُ: لا يَزالُ أمرُ هذه الأُمَّةِ مُواتِيًا أو مُتقارِبًا، أو كلِمةً تُشبِهُ هاتَينِ، حتَّى يَتكلَّمُوا، أو يَنْظُرُوا في الأطفالِ والقَدَرِ. قال يحيى بن آدمَ: فذكَرْتُهُ لابنِ المُباركِ، فقال: أفيَسكُتُ الإنسانُ على الجَهْلِ؟ قلتُ: فتأمُرُ بالكلام؟ فسكَتَ (١). وذَكَرَ أبو عبدِ الله المروزِيُّ، قال: حدَّثنا شَيْبانُ بن أبي (٢) شَيْبةَ الأُبُلِيُّ (٣)، قال: حدَّثنا جرِيرُ بن حازِم، قال: حدَّثنا أبو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، قال: سمِعتُ ابن عبّاسٍ وهُو يخطُبُ النّاس، وهُو يقولُ: إنَّ هذه الأُمَّةَ لا يزالُ أمرُها مُقارِبا أو مُواتِيًا، أو كلِمةً تُشبِهُها، ما لم يَتكلَّمُوا في الوِلدانِ والقَدَرِ (٤). قال أبو عُمر: أمّا الشَّكُّ في هذه اللَّفظةِ: مُواتِيًا، أو مُقارِبًا. فغيرُ جائزٍ أن يكونَ مِنِ ابنِ عبّاس، وإنَّما الشَّكُّ فيها من المُحدِّثِ عنهُ، أوِ النّاقِلِ عنِ المُحدِّثِ عنهُ، وهذا (٥) حُكمُ كلِّ ما تجِدُهُ من مِثلِ هذا منَ (٦) الشَّكِّ في الأحادِيثِ المرفُوعةِ

стр. 6172

وغيرِها، إنَّما هُو من النّاقِلِينَ، فاعرِفْ ذلك وقِفْ عليه، وهذا قلَّما يكونُ إلّا من وَرع المُحدِّثِ وتثبُّتِهِ إن شاءَ الله. وذكرَ المروزِيُّ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن زُرارةَ، قال: أخبرنا إسماعيلُ، عنِ ابنِ عَوْنٍ، قال: كنتُ عِندَ القاسم بنِ محمدٍ، إذ جاءَهُ رجُلٌ، فقال: ماذا كان بين قَتادةَ وبين حَفْصِ بنِ عُمرَ (١) في أولادِ المُشرِكِينَ؟ قال: وتكلَّم (٢) رَبِيعةُ الرَّأي (٣) في ذلك؟ فقال القاسمُ: إذا اللهُ انْتَهى عِندَ شيءٍ، فانتهُوا وقفُوا عِندَهُ. قال: فكأنَّما كانت نارًا فأُطفِئَت. قال أبو عُمر: وقد ذكَرْنا والحمدُ لله ما بَلَغنا عنِ العُلماءِ في معنَى الفِطرةِ التي يُولَدُ المولُودُ عليها، واختَرْنا من ذلك أصحَّهُ عِندَنا (٤) من جِهَةِ الأثَرِ والنَّظرِ بمَبْلغ اجْتِهادِنا، ولَعلَّ غيرَنا أن يُدرِكَ من ذلك ما لم يبلُغهُ عِلْمُنا، فإنَّ اللهَ يَفْتحُ لمن يَشاءُ من العُلماءِ فيما يشاءُ، ويحجُبُهُ عمَّن يشاءُ، ليَبِينَ العَجْزُ في البِريَّةِ، ويصِحَّ الكمالُ للخالِق ذي الجلالِ والإكرام. وقد (٥) ذكَرْنا في الأطفالِ والحمدُ لله كثِيرًا مِمّا قالهُ العُلماءُ، ونَقلُوهُ، ودانوا به، واعتَقدُوهُ، من حُكمِهِم فيما يَصِيرُونَ إليه في آخِرتِهم، وبَقِي القولُ فيهم في أحكام الدُّنيا، فإنَّ من ذلك ما اجتَمَعَ عليه العُلماءُ، وما اختلفُوا فيه (٦)، ونَحنُ نَذكُرُهُ هاهُنا مُمهَّدًا بعَوْنِ الله وفَضْلِهِ إن شاء الله (٧).

стр. 6173

بابُ ذِكْرِ ما للعُلماءِ من الأقْوالِ والمذاهِبِ في أحْكام الأطفالِ في دارِ الدُّنيا قال أبو عُمر: ذكَرَ المروزِيُّ وغيرُهُ: أنَّ أهل العِلم بأجمعِهِم قدِ اتَّفقُوا على أنَّ حُكمَ الأطفالِ في الدُّنيا، حُكمُ آبائهِم، ما لم يبلُغُوا، فإذا بَلغُوا، فحُكمُهُم حُكمُ أنفُسِهِم. قال أبو عُمر: أمّا أطفالُ المُسلِمِينَ، فحُكمُهُم حُكمُ آبائهِم أبدًا، ما لم يبلُغُوا؛ لأنَّهم (١) لا يلحقُهُم سِباءٌ (٢) من قِبَلِ مُسلِم، فيُغيَّرُ حُكْمُهُم عِندَ المُسلِمِين، فهُم كآبائهِم أبدًا في المَوارِيثِ، والنِّكاح، والصَّلاةِ عليهم، ودَفْنِهِم في مقابِرِهِم، وسائرِ أحكامِهِم. وكذلك أطفالُ أهلِ الذِّمَّةِ، كآبائهِم أيضًا في جميع أحكامِهِم، حتَّى يبلُغُوا، لا خِلافَ بينَ العُلماءِ في ذلك أيضًا. وكذلك أطفالُ أهل الحَرْبِ كآبائهِم في أحكامِهِم، إلّا ما خصَّتِ السُّنّة منهُم ومن نِسائهِم: ألّا يُقتلوا في دارِ الحربِ، إلّا أن يُقاتِلوا؛ لأنَّهُم لا يُقاتِلُونَ في الأغْلَب من أحوالِهِم، والله يقولُ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥]. فما دامَ أطفالُ أهلِ الحربِ لم يُسْبَوْا، فحُكمُهُم حُكمُ آبائهِم أبدًا، على حسَبِ ما ذكَرْنا، لا يختلِفُ العُلماءُ في ذلك. واختلفَ أهلُ العِلْم قَدِيمًا وحديثًا في الطِّفلِ الحَرْبِيِّ يُسْبَى ومَعهُ أبواهُ، أو أحدُهُما، أو يُسبى وحدهُ: ما حُكمُهُ حيًّا وميِّتًا، في الصَّلاةِ عليه، ودَفْنِهِ، وسائرِ أحكامِهِ في حياتِهِ؟

стр. 6174

فذهَبَ مالكُ بن أنسٍ، في المشهُورِ من مَذهبه: أنَّ الطِّفل من أولادِ الحربِيِّين وسائرِ الكُفّارِ، لا يُصلَّى عليه، سَواءٌ كان مَعهُ أبواهُ، أو لم يكونوا، حتَّى يعقِلَ الإسلامَ فيُسلِم. وهُو عِندَهُ على دِينِ أبوَيهِ أبدًا، حتَّى يبلُغَ، ويُعبِّرَ عنهُ لسانُهُ، فإنِ اختلَفَ دِينُ أبويهِ، فهُو عِندَهُ على دِينِ أبيهِ، دُون أُمِّهِ (١). ومن الحُجَّةِ لمذهبه هذا، إجماعُ العُلماءِ: أنَّهُ ما دامَ مع أبوَيهِ، ولم يلحقهُ سباءٌ، فحُكمُهُ حُكمُ أبوَيهِ أبدًا حتَّى يبلُغ، فكذلك إذا سُبِي وحدَهُ، لا يُغيِّرُ السِّباءُ حُكمهُ، ويكونُ على حُكم أبوَيهِ، حتَّى يبلُغَ فيُعبِّر عن نَفسِهِ، ولا يُزِيلُ حُكْمَهُ عن حُكم أبوَيهِ، المُجتَمَع عليه، إلّا حُجَّةٌ من كِتابٍ، أو سنَّةٍ، أو إجماع. وقولُ الشَّعبِيِّ وابنِ عَونٍ في هذا، كقولِ مالكٍ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا عُبَيدُ بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا محَبُوبُ بن موسى. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن حَبِيبٍ المِصِّيصِيُّ، قالا: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزارِيُّ، عن سُفيانَ، عن سَلَمةَ بنِ تمّام، قال: قلتُ للشَّعبِيِّ: إنِّي بخُراسانَ، فأبتاعُ السَّبي، فيَمُوتُ بَعضُهُم، أفيُصَلَّى عليهم؟ قال: إذا صلَّى، فصَلِّ عليه (٢) (٣). قال أبو إسحاقَ: وسألتُ هشامًا وابن عَوْنٍ، عنِ السَّبيِ يمُوتُونَ وهُم صِغارٌ في مِلْكِ المُسلِمِين. فقال هشامٌ: يُصلَّى عليهم. وقال ابنُ عونٍ: حتَّى يُصلُّوا.

стр. 6175

قال أبو عُمر: وذكرَ عبدُ الملكِ بن الماجِشُونِ، عن أصحابه من أهلِ المدِينةِ: أبيهِ، ومالكٍ، والمخزُومِيِّ، وابنِ دِينارٍ، وغيرِهِم: أنَّهُم كانوا يَذْهَبونَ إلى (١) أنَّ الصِّبيانَ إذا كان مَعهُم أبوهُم، فهُم على دِينِ أبيهِم، إن أسلَمَ أبوهُم، صارُوا مُسلِمِينَ بإسْلامِهِ، وإن ثبتَ على الكُفرِ، فهُم على دِينِهِ، ولا يُعتَدّ فيهم بدِينِ الأُمِّ على حالٍ؛ لأنَّهُم لا يُنسبُونَ إلَيها، وإنَّما يُنسبُونَ إلى أبيهِم، وبه يُعرفُونَ. قال عبدُ الملكِ: هذا ما (٢) لم يُفرِّق بينهُمُ السِّباءُ، فيقعُونَ في قَسْم مُسلِم ومِلْكِهِ، بالبيع أوِ بالقَسْم، فإذا فرقَ بينهُم وبينَ آبائهِم بالبَيْع أو القَسْم (٣)، فأحكامُهُم حِينَئذٍ أحْكامُ المُسلِمِينَ في القِصاصِ، والقَوَدِ (٤)، والصَّلاةِ عليهِم، والدَّفنِ في مَقابِرِ المُسلِمِينَ، والمُوارَثةِ (٥)، وغيرِها. قال أبو عُمر: قولُ عبدِ الملكِ ورِوايتُهُ هذه عن أصحابه، أميلُ إلى مذهبِ الأوزاعِيِّ مِنها إلى مذهبِ مالكٍ، وليست لواحدٍ منهُما مُجرَّدًا؛ لأنَّها مُخَالِفةٌ لهما في فُصُولٍ تراها إن تدبَّرتَ وتأمَّلتَ بعونِ الله. قال الأوزاعِيُّ، وهُو قولُ فُقهاءِ الشّام: إذا صارَ الصَّبيُ (٦) في مِلكِ المُسلِمِينَ، فحُكمُهُ حُكمُ أهلِ (٧) الإسلام؛ لأنَّ المِلكَ أولى به من النَّسَبِ (٨).

стр. 6176

ذكَرَ المروزِيُّ قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا ابنُ الطَّبّاع، قال: حدَّثني مُبشِّرٌ الحَلَبِيُّ، عن تمّام بنِ نَجِيح، قال: كنتُ مع سُليمانَ بنِ موسى بأرضِ الرُّوم، وهُو على السَّبيِ، فكانوا يَمُوتُونَ صِغارًا، فلا يُصلَّى عليهم، فقلتُ لهُ: أليس كان يُقالُ: ما أحرزَ المُسلِمُونَ يُصلَّى عليهم؟ فقال: ذلكَ إذا اشْتَراهُم رجُلٌ، فصارُوا في خاصَّةِ نَفسِهِ. قال: وحدَّثنا محمدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا أبو المُغِيرةَ، قال: حدَّثنا صَفْوانُ، قال: سمِعتُ أصحابَنا ومَشْيختنا يقولُونَ: ما ملكَ المُسلِمُونَ من صِبيانِ العدُوِّ فماتُوا، فليُصلَّ عليهم، وإن لم يُصلُّوا، فإنَّهُم مُسلِمُونَ ساعةَ يَملِكُهم (١) المُسلِمُون. قال: وحدَّثنا محمدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن كثِيرٍ، قال: سألتُ الأوزاعِيَّ عنِ الصَّبِيِّ من السَّبي يمُوتُ بأرضِ الرُّوم، أيُصلَّى عليه (٢)؟ قال: لا يُصلَّى عليه حتَّى يصِيرَ (٣) في مِلكِ مُسلِم، فإذا صار (٤) في مِلكِ مُسلِم، صُلِّي عليه وقد دخل (٥) في شرِيعةِ الإسلام. قال: وحدَّثنا محمدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا ابنُ الطَّبّاع، قال: سألتُ الأوزاعِيَّ عنِ الصِّبيانِ يمُوتُونَ من السَّبيِ، فقال: إنِ اشتُروا صُلِّي عليهم، وإن كانوا لم يُباعُوا لم يُصلَّ عليهم. قال ابنُ الطَّبّاع: على هذا فُتيا أهلِ الثَّغرِ، على قول سُليمان بنِ موسى، ورِوايةِ الحارِثِ عنِ الأوزاعِيِّ.

стр. 6177

قال: وقد حدَّثنا مخلدُ بن حُسينٍ، عنِ الأوزاعِيِّ بشيءٍ أخْشَى أن يكونَ وهمًا، قال: سألتُ الأوزاعِيَّ عنِ الطِّفلِ يُسْبَى (١)، فقال: إن كان معهُ أبواه خُلِّيَ (٢) بينَهُ وبينهُما، وإن لم يكونا مَعهُ، فيُصلَّى (٣) عليه. قال أبو عُمر: رِوايةُ مخلدِ بنِ حُسَينٍ هذه عنِ الأوزاعِيِّ، هِي قولُ أبي حييفةَ والشّافِعِيِّ وأصحابهم، وقولُ حمّادِ بنِ أبي سُليمانَ، قالوا: حُكمُ الطِّفلِ، حُكمُ أبوَيهِ إذا كانا مَعهُ، أو كان معهُ أحدُهُما، وسواءٌ الأبُ أوِ الأُمُّ في ذلك، فإن لم يكونا مَعهُ ولم يكُن مَعهُ أحدُهُما، وصارَ في مِلكِ مُسلِم، فحُكمُهُ حُكمُ المُسلِمِين، لأنَّهُ صارَ في مِلكِ المُسلِمِينَ، وليس معهُ أبواهُ، ولا واحِدٌ منهُما، فيكونُ دِينُهُ دِينهُما، يُهوِّدانِهِ، أو يُنصِّرانِهِ، وإذا لم يكونا معهُ، صارَ حُكمُهُ حُكم مالكِهِ (٤). فهذا مذهبُ الكُوفيِّين، والشّافِعِيِّ، وأصحابهم. واختُلِفَ في هذا البابِ عنِ الثَّورِيِّ، فرُوِي عنهُ مِثلُ قولِ أبي حنِيفةَ والشّافِعِيِّ. ورَوَى عنهُ ابنُ المُباركِ، أنَّهُ قال: يُصلَّى على الصَّبِيِّ، وإن كان مع أبوَيهِ مُشرِكينِ، لأنَّ المِلكَ أغلبُ عليه، وأملكُ به. وهذا شَبِيهٌ بمذهبِ الأوزاعِيِّ. حدَّثنا عبد الوارثِ بن سُفيان قِراءَةً مِنِّي عليه، أنَّ قاسم بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن حَبِيبٍ المِصِّيصِيُّ.
следующие страницы →