← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6173–6212 · переход к 6178.

стр. 6173

بابُ ذِكْرِ ما للعُلماءِ من الأقْوالِ والمذاهِبِ في أحْكام الأطفالِ في دارِ الدُّنيا قال أبو عُمر: ذكَرَ المروزِيُّ وغيرُهُ: أنَّ أهل العِلم بأجمعِهِم قدِ اتَّفقُوا على أنَّ حُكمَ الأطفالِ في الدُّنيا، حُكمُ آبائهِم، ما لم يبلُغُوا، فإذا بَلغُوا، فحُكمُهُم حُكمُ أنفُسِهِم. قال أبو عُمر: أمّا أطفالُ المُسلِمِينَ، فحُكمُهُم حُكمُ آبائهِم أبدًا، ما لم يبلُغُوا؛ لأنَّهم (١) لا يلحقُهُم سِباءٌ (٢) من قِبَلِ مُسلِم، فيُغيَّرُ حُكْمُهُم عِندَ المُسلِمِين، فهُم كآبائهِم أبدًا في المَوارِيثِ، والنِّكاح، والصَّلاةِ عليهم، ودَفْنِهِم في مقابِرِهِم، وسائرِ أحكامِهِم. وكذلك أطفالُ أهلِ الذِّمَّةِ، كآبائهِم أيضًا في جميع أحكامِهِم، حتَّى يبلُغُوا، لا خِلافَ بينَ العُلماءِ في ذلك أيضًا. وكذلك أطفالُ أهل الحَرْبِ كآبائهِم في أحكامِهِم، إلّا ما خصَّتِ السُّنّة منهُم ومن نِسائهِم: ألّا يُقتلوا في دارِ الحربِ، إلّا أن يُقاتِلوا؛ لأنَّهُم لا يُقاتِلُونَ في الأغْلَب من أحوالِهِم، والله يقولُ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥]. فما دامَ أطفالُ أهلِ الحربِ لم يُسْبَوْا، فحُكمُهُم حُكمُ آبائهِم أبدًا، على حسَبِ ما ذكَرْنا، لا يختلِفُ العُلماءُ في ذلك. واختلفَ أهلُ العِلْم قَدِيمًا وحديثًا في الطِّفلِ الحَرْبِيِّ يُسْبَى ومَعهُ أبواهُ، أو أحدُهُما، أو يُسبى وحدهُ: ما حُكمُهُ حيًّا وميِّتًا، في الصَّلاةِ عليه، ودَفْنِهِ، وسائرِ أحكامِهِ في حياتِهِ؟

стр. 6174

فذهَبَ مالكُ بن أنسٍ، في المشهُورِ من مَذهبه: أنَّ الطِّفل من أولادِ الحربِيِّين وسائرِ الكُفّارِ، لا يُصلَّى عليه، سَواءٌ كان مَعهُ أبواهُ، أو لم يكونوا، حتَّى يعقِلَ الإسلامَ فيُسلِم. وهُو عِندَهُ على دِينِ أبوَيهِ أبدًا، حتَّى يبلُغَ، ويُعبِّرَ عنهُ لسانُهُ، فإنِ اختلَفَ دِينُ أبويهِ، فهُو عِندَهُ على دِينِ أبيهِ، دُون أُمِّهِ (١). ومن الحُجَّةِ لمذهبه هذا، إجماعُ العُلماءِ: أنَّهُ ما دامَ مع أبوَيهِ، ولم يلحقهُ سباءٌ، فحُكمُهُ حُكمُ أبوَيهِ أبدًا حتَّى يبلُغ، فكذلك إذا سُبِي وحدَهُ، لا يُغيِّرُ السِّباءُ حُكمهُ، ويكونُ على حُكم أبوَيهِ، حتَّى يبلُغَ فيُعبِّر عن نَفسِهِ، ولا يُزِيلُ حُكْمَهُ عن حُكم أبوَيهِ، المُجتَمَع عليه، إلّا حُجَّةٌ من كِتابٍ، أو سنَّةٍ، أو إجماع. وقولُ الشَّعبِيِّ وابنِ عَونٍ في هذا، كقولِ مالكٍ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا عُبَيدُ بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا محَبُوبُ بن موسى. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن حَبِيبٍ المِصِّيصِيُّ، قالا: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزارِيُّ، عن سُفيانَ، عن سَلَمةَ بنِ تمّام، قال: قلتُ للشَّعبِيِّ: إنِّي بخُراسانَ، فأبتاعُ السَّبي، فيَمُوتُ بَعضُهُم، أفيُصَلَّى عليهم؟ قال: إذا صلَّى، فصَلِّ عليه (٢) (٣). قال أبو إسحاقَ: وسألتُ هشامًا وابن عَوْنٍ، عنِ السَّبيِ يمُوتُونَ وهُم صِغارٌ في مِلْكِ المُسلِمِين. فقال هشامٌ: يُصلَّى عليهم. وقال ابنُ عونٍ: حتَّى يُصلُّوا.

стр. 6175

قال أبو عُمر: وذكرَ عبدُ الملكِ بن الماجِشُونِ، عن أصحابه من أهلِ المدِينةِ: أبيهِ، ومالكٍ، والمخزُومِيِّ، وابنِ دِينارٍ، وغيرِهِم: أنَّهُم كانوا يَذْهَبونَ إلى (١) أنَّ الصِّبيانَ إذا كان مَعهُم أبوهُم، فهُم على دِينِ أبيهِم، إن أسلَمَ أبوهُم، صارُوا مُسلِمِينَ بإسْلامِهِ، وإن ثبتَ على الكُفرِ، فهُم على دِينِهِ، ولا يُعتَدّ فيهم بدِينِ الأُمِّ على حالٍ؛ لأنَّهُم لا يُنسبُونَ إلَيها، وإنَّما يُنسبُونَ إلى أبيهِم، وبه يُعرفُونَ. قال عبدُ الملكِ: هذا ما (٢) لم يُفرِّق بينهُمُ السِّباءُ، فيقعُونَ في قَسْم مُسلِم ومِلْكِهِ، بالبيع أوِ بالقَسْم، فإذا فرقَ بينهُم وبينَ آبائهِم بالبَيْع أو القَسْم (٣)، فأحكامُهُم حِينَئذٍ أحْكامُ المُسلِمِينَ في القِصاصِ، والقَوَدِ (٤)، والصَّلاةِ عليهِم، والدَّفنِ في مَقابِرِ المُسلِمِينَ، والمُوارَثةِ (٥)، وغيرِها. قال أبو عُمر: قولُ عبدِ الملكِ ورِوايتُهُ هذه عن أصحابه، أميلُ إلى مذهبِ الأوزاعِيِّ مِنها إلى مذهبِ مالكٍ، وليست لواحدٍ منهُما مُجرَّدًا؛ لأنَّها مُخَالِفةٌ لهما في فُصُولٍ تراها إن تدبَّرتَ وتأمَّلتَ بعونِ الله. قال الأوزاعِيُّ، وهُو قولُ فُقهاءِ الشّام: إذا صارَ الصَّبيُ (٦) في مِلكِ المُسلِمِينَ، فحُكمُهُ حُكمُ أهلِ (٧) الإسلام؛ لأنَّ المِلكَ أولى به من النَّسَبِ (٨).

стр. 6176

ذكَرَ المروزِيُّ قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا ابنُ الطَّبّاع، قال: حدَّثني مُبشِّرٌ الحَلَبِيُّ، عن تمّام بنِ نَجِيح، قال: كنتُ مع سُليمانَ بنِ موسى بأرضِ الرُّوم، وهُو على السَّبيِ، فكانوا يَمُوتُونَ صِغارًا، فلا يُصلَّى عليهم، فقلتُ لهُ: أليس كان يُقالُ: ما أحرزَ المُسلِمُونَ يُصلَّى عليهم؟ فقال: ذلكَ إذا اشْتَراهُم رجُلٌ، فصارُوا في خاصَّةِ نَفسِهِ. قال: وحدَّثنا محمدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا أبو المُغِيرةَ، قال: حدَّثنا صَفْوانُ، قال: سمِعتُ أصحابَنا ومَشْيختنا يقولُونَ: ما ملكَ المُسلِمُونَ من صِبيانِ العدُوِّ فماتُوا، فليُصلَّ عليهم، وإن لم يُصلُّوا، فإنَّهُم مُسلِمُونَ ساعةَ يَملِكُهم (١) المُسلِمُون. قال: وحدَّثنا محمدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن كثِيرٍ، قال: سألتُ الأوزاعِيَّ عنِ الصَّبِيِّ من السَّبي يمُوتُ بأرضِ الرُّوم، أيُصلَّى عليه (٢)؟ قال: لا يُصلَّى عليه حتَّى يصِيرَ (٣) في مِلكِ مُسلِم، فإذا صار (٤) في مِلكِ مُسلِم، صُلِّي عليه وقد دخل (٥) في شرِيعةِ الإسلام. قال: وحدَّثنا محمدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا ابنُ الطَّبّاع، قال: سألتُ الأوزاعِيَّ عنِ الصِّبيانِ يمُوتُونَ من السَّبيِ، فقال: إنِ اشتُروا صُلِّي عليهم، وإن كانوا لم يُباعُوا لم يُصلَّ عليهم. قال ابنُ الطَّبّاع: على هذا فُتيا أهلِ الثَّغرِ، على قول سُليمان بنِ موسى، ورِوايةِ الحارِثِ عنِ الأوزاعِيِّ.

стр. 6177

قال: وقد حدَّثنا مخلدُ بن حُسينٍ، عنِ الأوزاعِيِّ بشيءٍ أخْشَى أن يكونَ وهمًا، قال: سألتُ الأوزاعِيَّ عنِ الطِّفلِ يُسْبَى (١)، فقال: إن كان معهُ أبواه خُلِّيَ (٢) بينَهُ وبينهُما، وإن لم يكونا مَعهُ، فيُصلَّى (٣) عليه. قال أبو عُمر: رِوايةُ مخلدِ بنِ حُسَينٍ هذه عنِ الأوزاعِيِّ، هِي قولُ أبي حييفةَ والشّافِعِيِّ وأصحابهم، وقولُ حمّادِ بنِ أبي سُليمانَ، قالوا: حُكمُ الطِّفلِ، حُكمُ أبوَيهِ إذا كانا مَعهُ، أو كان معهُ أحدُهُما، وسواءٌ الأبُ أوِ الأُمُّ في ذلك، فإن لم يكونا مَعهُ ولم يكُن مَعهُ أحدُهُما، وصارَ في مِلكِ مُسلِم، فحُكمُهُ حُكمُ المُسلِمِين، لأنَّهُ صارَ في مِلكِ المُسلِمِينَ، وليس معهُ أبواهُ، ولا واحِدٌ منهُما، فيكونُ دِينُهُ دِينهُما، يُهوِّدانِهِ، أو يُنصِّرانِهِ، وإذا لم يكونا معهُ، صارَ حُكمُهُ حُكم مالكِهِ (٤). فهذا مذهبُ الكُوفيِّين، والشّافِعِيِّ، وأصحابهم. واختُلِفَ في هذا البابِ عنِ الثَّورِيِّ، فرُوِي عنهُ مِثلُ قولِ أبي حنِيفةَ والشّافِعِيِّ. ورَوَى عنهُ ابنُ المُباركِ، أنَّهُ قال: يُصلَّى على الصَّبِيِّ، وإن كان مع أبوَيهِ مُشرِكينِ، لأنَّ المِلكَ أغلبُ عليه، وأملكُ به. وهذا شَبِيهٌ بمذهبِ الأوزاعِيِّ. حدَّثنا عبد الوارثِ بن سُفيان قِراءَةً مِنِّي عليه، أنَّ قاسم بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن حَبِيبٍ المِصِّيصِيُّ.

стр. 6178

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا محبُوبُ بن موسى، قا لا: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزارِيُّ، قال: قال سُفيانُ: إذا دخلوا قُبّةَ (١) المُسلِمِينَ، صُلِّي عليهم، وإذا صارُوا في مِلكِ المُسلِمِينَ، صُلِّي عليهم. قال الفَزارِيُّ: سألتُ الأوْزاعِيَّ قلتُ: السَّبيُ يُصابُونَ وهُم صِغارٌ، معهُم أُمَّهاتهم وآباؤُهُم؟ قال: إذا ماتَ صغيرًا، وهُو في جَماعةِ الفَيْءِ، أوِ في (٢) الخُمُسِ، أو في نَفْلِ (٣) قوم، وهُم في بلادِ العدُوِّ، لم يُصلَّ عليهم، ما لم يُقسم، فإذا قُسِمُوا، وصارُوا في ملك (٤) مُسلِم، أوِ اشتراهُم قَوْمٌ بينهُم، فاشْتَركُوا فيهم، أو في واحِدٍ منهُم، ثُمَّ ماتَ، صُلِّي عليه، وإن كان في بلادِ العدُوِّ، وكان مَعهُ أبواهُ؛ لأنَّ المُسلِمَ أولى به من أبوَيهِ، ولأنَّ أحدهُم لو أعتقَ نصِيبهُ منهُ، كلِّف خلاصَهُ من شُركائهِ. وقال أبو عُبَيدٍ: حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ، قال: سألتُ الأوزاعيَّ عن ولدِ المُشركِ يَشْتريهِ الرَّجلُ فيُعتقهُ، هل يُجزئُ رقبةً؟ قال: نعم، إذ اشتراهُ فقد دخلَ في الإسلام (٥). قال أبو عُبيد: وقال أهلُ العِراقِ: إن كان مَعهُ أبواهُ، أو أحدُهُما سُبِيَ، فهُو على دِينِهِ، ولا يُجزِئُ في الرَّقَبةِ المُؤمِنةِ، وإن لم يَكُن مَعهُ واحِدٌ منهُما، فهُو مُسلِمٌ ويُجزِئُ. قال: وأمّا قولُ مالكٍ، فإنَّهُم يختلِفُونَ عنهُ فيه.

стр. 6179

قال أبو عُبيدٍ: والذي نَختارُ (١) من هذا، قولُ الأوزاعِيِّ؛ لأنَّ دِينَ سيِّدهِ، أحقُّ به من أبوَيهِ، والإسلامُ يَعلُو ولا يُعلى، ولمّا لم يكُن على دِينِ أبوَيهِ إذا كانا ميِّتينِ، أو غائبينِ، فكذلك إذا كانا حيَّينِ مُقِيمينِ (٢). وقال الميمُونيُّ (٣) عبدُ الملكِ بنُ عبدِ الحمِيدِ، من ولدِ ميمُونِ بنِ مهرانَ: سألتُ أحمد بن حَنْبل عنِ الصَّغِيرِ يخرُجُ من أرضِ الرُّوم، ليس معهُ أبواهُ؟ قال: إذا ماتَ، صلَّى عليه المُسلِمُونَ. قلتُ: يُكرَهُ على الإسلام؟ قال: من يَلِيهِ إلّا هُم؟ حُكمُهُ حُكمُهُم. فإن (٤) كان مَعهُ أبواهُ، أو أحدُهُما، لم يُكرَه، وهُو على دِينِهِما. واحتجَّ بحديثِ النَّبيِّ ﷺ : "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ، وأبواهُ يُهوِّدانِهِ ويُنصِّرانِهِ" (٥). قلتُ: وإن كان مع أحَدِهما؟ قال: وإن كان مع أحَدِهِما؟ قلتُ: فيُفدَى بالصَّغِيرُ (٦) إذا لم يكُن مَعهُ أبواهُ؟ قال: لا، ولا يَنْبغِي إلّا أن يكونَ مَعهُ أبواهُ. فذكَرتُ لهُ حديثٌ عُمر بنِ عبدِ العزيزِ: أَنَّهُ فادَى بصغِيرٍ، وقال: نرُدُّهُ إليهم صغِيرًا، ويرُدُّهُ اللهُ إلينا كبِيرًا، فنضرِبُ عُنُقهُ. فقال أحمدُ: هذا لا شكَّ كان معهُ أبواهُ أو أحدُهُما (٧). وتعجَّبَ أبو عبدِ الله من أهلِ الثُّغُورِ، قال: إذا أخذُوا الصَّغِير ومَعهُ أبواهُ، كان حُكمُهُ عِندَهُم حُكمَ الإسلام، ولم يَلْتفِتُوا إلى أبوَيهِ. قلتُ: فأيُّ شيءٍ تَقُولُ

стр. 6180

أنتَ؟ فقال: أيَّ شيءٍ أقولُ فيها! ثُمَّ احتجَّ بظاهِرِ قولِ النَّبيِّ ﷺ : "فأبواهُ يُهوِّدانِهِ ويُنصِّرانِهِ". قال: فظاهِرُ هذا، أنَّ حُكم الصَّغِيرِ، حُكمُ أبوَيهِ. قلتُ لأحمد: الغُلامُ النَّصرانيُّ إذا أسلمَ أحدُ أبوَيهِ؟ قال: هُو مع المُسلِم منهُما، سواءٌ كان أُمًّا أو أبًا، حُكمُهُ حُكمُ المُسلِم منهُما. وكان أبو ثورٍ يقولُ: إذا سُبِيَ مع أبوَيهِ، أو أحدِهِما، أو وحدهُ، ثُمَّ مات قبل أن يختارَ الإسلامَ، لم يُصلَّ عليه (١). قال أبو عُمر: هذا نفسُ مذهبِ مالكٍ، والحُجَّةُ في ذلك لهُ ولمن ذهبَ مذهبهُ، أنَّ الطِّفل على أصلِ ما كان عليه مع أبوَيهِ، حتَّى يُعبِّر عنهُ لسانُهُ، كما رَوى عبدُ الله بن محمدِ بنِ عَقِيلٍ، عن سعِيدِ بنِ أبي سعيدٍ (٢)، عن أبي هريرةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ، حتَّى يُعرِبَ عنهُ لسانُهُ، وأبواهُ يُهوِّدانِهِ، أو يُنصِّرانِهِ (٣) ".

стр. 6181

حديثٌ حاديَ عَشَر لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "رأسُ الكُفرِ نحو المشرِقِ، والفَخرُ والخُيلاءُ في أهلِ الخيلِ والإبِلِ والفَدّادِين أهلِ الوبرِ، والسَّكِينةُ في أهلِ الغَنم". أمّا قولُهُ: "رأسُ الكُفرِ نحو الشرِقِ" فهُو أنَّ أكثر الكُفرِ وأكبرهُ كان هُناك؛ لأنَّهُم كانوا قومًا لا كِتابَ لهم، وهُم فارِسُ ومن وَراءَهُم، ومن لا كِتابَ لهُ، فهُو أشدُّ كُفرًا من أهلِ الكِتابِ؛ لأنَّهُم لا يعبُدُونَ شيئًا، ولا يتَّبِعُونَ رسُولًا، فهذا - واللهُ أعلمُ - معنى قولِهِ: "رأسُ الكُفرِ نحو المشرِقِ". وقد مَضَى بعضُ هذا المعنى في كِتابِنا هذا، عِند قولِهِ ﷺ : "من حَيْثُ يطلُعُ قرنُ الشَّيطانِ" (٢). فلا وجه لإعادةِ ذلك هاهُنا. وأمّا "أهلُ الخيلِ والإبِلِ". فهُمُ الأعراب أهلُ الصَّحراءِ، وفيهمُ التكبّرُ، والتَّجبُّرُ، والخُيَلاءُ، وهي الإعجابُ، والفَخرُ، والتَّبختُرُ. وأمّا "أهلُ الغَنم" فهُم أهلُ سَكِينةٍ، وقِلَّةِ أذًى، وقِلَّةِ فخْرٍ وخُيَلاءَ، على ما قال النَّبيُّ ﷺ ، فهُو الصّادِقُ في خَبرِهِ ﷺ . وأمّا قولُهُ: "الفدّادِين". فكان مالكٌ يقولُ: الفدّادُونَ، هُم أهلُ الجَفاءِ، وهُم أهلُ الخَيْلِ والوبرِ. يُرِيدُ بالوَبرِ الإبِلَ، وهُو كما قال مالكٌ. قال أبو عُبيدٍ (٣): هُمُ الفدّادُونَ بالتَّشدِيدِ، وهُمُ الرِّجالُ، والواحِدُ فدّادٌ.

стр. 6182

وقال الأصمعِيُّ: هُمُ الذين تعلُو أصواتهم في حُرُوثهِم ومَواشِيهِم، وما يُعالِجُوا مِنها. قال أبو عُبيدٍ: وكذلك قال الأحمر (١). قال: ويُقالُ منهُ: فدَّ الرَّجُلُ لفدُّ فدِيدًا، إذا اشتدَّ صوتُهُ، وأنشدَ: أنبئتُ أخوالِي بني يزِيدُ ... ظُلمًا علينا لهم فدِيدُ قال أبو عُبيدٍ: وكان أبو عُبَيدةَ يقولُ غير ذلك كلِّهِ، قال: الفدّادُونَ، المُكثِرُونَ من الإبِل، الذي يملِكُ أحدُهُمُ المِئينَ (٢): مِنها إلى الألفِ، يُقالُ للرجلِ (٣): فدّادٌ، إذا بلغَ ذلك، وهُم مع هذا جُفاةٌ، أهلُ خُيَلاءَ. (٤) قال الأخفشُ في الفدّادِين قولانِ، أحدُهُما: أنَّهُمُ الأعرابُ، سُمُّوا بذلك لارتفاع أصواتِهِم عِندَ سَقْيِ إبِلِهِم وحركاتِهِم مع رُغاءِ إبِلِهِم، والفَدِيدُ: الأصواتُ والجَلَبةُ. وقِيل: إنَّما سُمُّوُا الفدّادِين، من أجلِ الفَدافِدِ، وهي الصَّحارِي والبَوادِي الخالِيةُ، واحِدُها فدْفدٌ. والأوَّلُ أجودُ. قال أبو عُمر: ورُوِي من حديثِ قَيْسِ بنِ عاصِم، أنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "أهلُ الإبِلِ، أهلُ الجَفاءِ" (٥). وقد صحَّ عنهُ ﷺ أنَّه قال: "من لزِمَ البادِيةَ جَفا".

стр. 6183

ورَوَى الثَّورِيُّ وابنُ عُيَينةَ، عن أبي موسى التَّمّارِ، عن وَهْبِ بنِ مُنبِّهٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من سكَنَ البادِيةَ جَفا، ومنِ اتَّبعَ الصَّيد غفَلَ، ومن لزِمَ السُّلطانَ افتَتَنَ" (١). قال أبو عُبَيدٍ: ومن هذا الحديثِ الذي يُروى، أنَّ الأرضَ إذا دُفِنَ فيها الإنسانُ، قالت لهُ: رُبَّما مشيتَ عليَّ فدّادًا. والمعنى ذا مالٍ كثِيرٍ، وذا خُيلاءَ. قال أبو عُمر: الحديثُ حدَّثناهُ قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ (٢) بن سعدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا بكرُ بن سَهْلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا مُعاوِيةُ بن صالح، عن يحيى بنِ جابرٍ الطّائيِّ، عنِ ابنِ (٣) عائذٍ الأزدِيِّ، عن غُضَيفِ بنِ الحارِثِ، قال: أتيتُ بيتَ القدِسِ أنا وعبدُ الله بن عُبيدِ بنِ عُمَيرٍ، قال: فجَلَسنا إلى عبدِ الله بنِ عَمرِو بنِ العاص، فسَمِعتُهُ يقولُ: إنَّ القبرَ يُكلِّمُ العبدَ إذا وُضِع فيه، فيقولُ: يا ابنَ آدمَ ما غرَّك بي؟ ألم تعلَمْ أنِّي

стр. 6184

بيتُ الوَحدةِ؟ ألم تعلم أنِّي بيتُ الظلمةِ؟ ألم تعلم أنِّي بيتُ الحقِّ؟ يا ابنَ آدمَ ما غرَّكَ بي؟ لقد كُنتَ تمشِي حَوْلِي فدّادًا. قال ابنُ عائذٍ قلتُ لغُضيفٍ (١): ما الفدّادُ يا أبا أسماءَ؟ قال: كبعضِ مَشْيِكَ يا ابن أخِي أحيانًا. قال غُضيفٌ: فقال صاحِبِي، وكان أكبر مِنِّي، لعبدِ الله بنِ عَمرٍو: فإن كان مُؤمِنًا، فماذا لهُ؟ قال: يُوسَّعُ لهُ قَبرُهُ، ويُجعَلُ مَنزِلُهُ أخضر، ويُعرجُ بنَفسِهِ إلى الله تعالى (٢).

стр. 6185

حديثٌ ثانيَ عَشَر لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا تقُومُ السّاعةُ حتَّى يمُرَّ الرَّجُلُ بقبرِ الرَّجُلِ، فيقول: يا لَيْتني مَكانَهُ". قال أبو عُمر: قد ظنَّ بعضُ النّاسِ، أنَّ هذا الحديث مُعارِضٌ لنَهيِهِ ﷺ عن تمنِّي الموتِ، بقولِهِ ﷺ : "لا يَتَمنَّينَّ أحدُكُمُ الموتَ لضُرٍّ نزلَ به" (٢). قال: وفي هذا الحديثِ (٣) إباحَةُ تمنِّي الموتِ. وليس كما ظنَّ، وإنَّما هذا خَبرٌ أنَّ ذلك سيكونُ، لشِدَّةِ ما ينزِلُ بالنّاسِ من فسادِ الحالِ في الدِّينِ، وضعفِهِ، وخَوفِ ذهابِهِ (٤)، لا لضُرٍّ يَنْزِلُ بالمُؤمِنِ في جِسمِهِ. وأمّا قولُهُ ﷺ : "لا تقُومُ السّاعةُ حتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بقبرِ الرَّجُلِ، فيقول: يا لَيْتني مكانَه (٥) ". فإنَّما هُو خَبرٌ عن تَغيُّرِ الزَّمان، وما يحدُثُ فيه من المِحَنِ، بالبَلاءِ (٦) والفِتَنِ. وقد أدركنا ذلك الزَّمانَ، كما شاءَ الواحِدُ الرحمن (٧) لا شرِيكَ لهُ، عصَمَنا الله، ووفَّقنا، وغفرَ لنا، آمِينَ.

стр. 6186

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (١): حدَّثنا ابنُ الأصبهانيِّ، قال: أخبرنا شرِيكُ بن عبدِ الله، عن عُثمان بنِ عُمَيرٍ أبِي اليَقْظانِ (٢)، عن زاذانَ أبي عُمر، عن عُلَيم، قال: كنتُ مع عَبْسٍ الغِفارِيِّ على سطح لهُ، فرأى قومًا يتَحمَّلُونَ (٣) من الطّاعُونِ، فقال: يا طاعُونُ خُذني إليكَ. ثلاثًا يقولُها، فقال لهُ عُليمٌ: لمَ تقُولُ هذا؟ ألم يَقُل رسُولُ الله ﷺ : "لا يتَمَنَّى أحدُكُمُ الموتَ، فإنَّهُ عِندَ انقِطاع عَملِهِ، ولا يُرَدُّ (٤) فيَسْتَعْتِبُ (٥) ". فقال عَبْسٌ: إنِّي سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "بادِرُوا بالموتِ سِتًّا: إمرَةَ السُّفهاءِ، وكَثْرةَ الشُّرَطِ (٦)، وبَيع الحُكْم، واستخفافًا بالدَّم، وقَطِيعةَ الرَّحِم، ونَشْأً (٧) يتَّخِذُونَ القُرآن مَزامِيرَ، يُقدِّمُونَ الرَّجُل ليُغنِّيهُم بالقُرآنِ، وإن كان أقلَّهُم فِقهًا".

стр. 6187

وهذا حديثٌ مشهُورٌ رُوِي عن عَبْسٍ الغِفارِيِّ من طُرُقٍ، قد ذكَرْناها في كِتابِ "البيانِ عن تِلاوةِ القُرآنِ". والحمدُ لله. وفي قولِ رسُولِ الله ﷺ : "اللَّهُمَّ إذا أردتَ بالنّاسِ فِتْنةً، فاقبضني إليكَ غيرَ مفتُون" (١). ما يُوضِّحُ لكَ معنى هذا الحديثِ (٢). ومِثلُ هذا، قولُ عُمر: اللَّهُمَّ قد ضَعُفَتْ قُوَّتِي، وكَبِرَتْ سِنِّي، وانتشَرَتْ رعِيَّتِي، فاقْبِضني إليكَ غيرَ مُضيِّع ولا مُفرِّطٍ (٣). فما جاوزَ ذلك الشَّهرَ حتَّى قُبِضَ رحمةُ الله عليه (٤). وقد ذكَرْنا هذينِ الحديثينِ في بابِ يحيى بنِ سعِيدٍ. وقد رَوَى شُعبَةُ، عن سَلَمةَ بنِ كُهَيل، قال: سمِعتُ أبا الزَّعراءِ يُحدِّثُ، عن عَبدِ الله، قال: ليأتينَّ عَليكُم زمانٌ، يأتي الرَّجُلُ القبَر، فيقولُ: يا لَيْتني مكان هذا. ليس به حُبُّ الله، ولكن من شِدَّةِ ما يَرَى من البَلاءِ (٥). حدَّثنا خلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن صالح بنِ عُمر المُقرِئُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جَعفرِ بنِ محمدِ بنِ عُبيدِ الله المُنادِي، قال: حدَّثنا العبّاسُ بن محمدٍ الدُّورِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يُونُس أبو يُونُس الحَفَريُّ (٦)، قال: حدَّثنا عُمرُ بن أبان (٧) أخُو عبدِ العزيزِ بنِ أبانَ، عن سُفيانَ، عن رَجُلٍ، عن

стр. 6188

عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنَّهُ مرَّ على أهلِ مجَلِسٍ، فقال: ادعُوا اللهَ لي بالموتِ. قال: فدَعَوْا لهُ، فما مكثَ إلّا أيامًا حتَّى ماتَ. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جَعْفرِ بنِ عُبيدِ الله، قال: حدَّثنا العبّاسُ بن محمدِ الدُّورِيُّ إملاءً، قال: حدَّثنا أبو عُبَيدٍ القاسمُ بن سلّام، قال: حدَّثنا محمدُ (١) بن كَثِيرٍ الطَّرسُوسِيُّ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلَمةَ، قال: كان سُفيانُ الثَّورِيُّ عِندَنا بالبَصرةِ، فكان كثِيرًا ما يقولُ: لَيْتني قد مِتُّ، لَيْتني قدِ اسْتَرحتُ، لَيْتني في قَبْرِي. فقال لهُ حمّادُ (٢) بن سلمةَ: يا أبا عبدِ الله، ما كَثْرةُ تمنِّيكَ هذا الموتَ؟ والله لقد آتاكَ اللهُ القُرآنَ والعِلمَ. فقال لهُ سُفيانُ: يا أبا سَلَمةَ، وما تَدْرِي، لعَلِّي أدخُلُ في بدْعةٍ، لعلِّي أدخُلُ فيما لا يحِلُّ لي، لعلِّي أدخُلُ في فِتْنةٍ، أكُونُ قد مِتُّ، وسبَقتُ هذا (٣). وقال يحيى بن يمانٍ: سمِعتُ سُفيانَ يقولُ: قد كنتُ أشْتَهِي أن أمرَضَ وأمُوتَ، فأمّا اليومَ فلَيْتني مِتُّ فُجاءةً؛ لأنني أخافُ أن أتحوَّلَ عمّا أنا عليه، من يأمَنُ البلاءَ بعدَ خليلِ الرَّحمنِ وهُو يقولُ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ (٤) [إبراهيم: ٣٥]. وقال يحيى بن يمانٍ، عن سُفيان: لمّا جاءَ البَشِيرُ يعقُوب قال لهُ: على أيِّ دِينٍ تركتَ يُوسُفَ؟ قال: على الإسْلام، قال: الآنَ تمَّتِ النِّعمةُ (٥).

стр. 6189

(١) وفي هذا الحديثِ أيضًا من العِلم: إباحَةُ الخَبرِ بما يأتي بَعدُ، وبما يكونُ. وهذا غيرُ جائزٍ على القطع، إلّا لمن أظهَرهُ اللهُ على غَيْبه، ممَّنِ ارْتَضى من رُسُلِهِ، وبالله العِصْمةُ والتَّوفيقُ. أنشدنا غيرُ واحِدٍ لمنصُورٍ الفقِيهِ ﵀: قد غلَبَ الغيُّ على الغيِّ ... وأصبَحَ النّاسُ كلا شيِّ وأصبحَ الميِّتُ في قَبرِهِ ... أحسَنَ أحوالًا من الحيِّ

стр. 6190

حديثٌ ثالثَ عشَرَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يقولنَّ أحدُكُم: يا خَيْبةَ الدَّهرِ، فإنَّ الدَّهرَ هُو الله". (٢) هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" بهذا الإسنادِ عِندَ جماعةِ الرُّواةِ فيما علِمتُ. ورواهُ إبراهيمُ بن خالدِ بنِ عثمةَ، عن مالكٍ، عن سُميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ. والصَّوابُ فيه إسنادُ "المُوطَّأ". حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ غُندَرٌ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن أبي عبّادٍ الصَّفّارُ، قال: حدَّثنا عبدُ السَّلام بن محمدٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن خالدِ بنِ عَثمةَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن سُميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا تَسُبُّوا الدَّهر، فإنَّ اللهَ هُو الدَّهرُ". وفي "المُوطَّأ" عِندَ جماعةِ رُواتِهِ في هذا الحديثِ: "لا يقولنَّ أحدُكُم: يا خَيْبةَ الدَّهرِ". وقال فيه سعِيدُ بن هاشِم، بإسنادِ "المُوطَّأ": "لا تسُبُّوا الدَّهرَ". حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ أحمدُ بن جعفرِ بنِ محمدٍ التَّمِيمِيُّ، قال: حدَّثنا يُوسُفُ بن يزِيدَ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن هاشِم الفيُّومِيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا تسُبُّوا الدَّهرَ، فإنَّ اللهَ هُو الدَّهرُ" (٣). وقال فيه يحيى: "فإنَّ الدَّهرَ هُو الله". وغيره كُلُّهم (٤) يقول: "فإنَّ اللهَ هُو الدَّهرُ".

стр. 6191

وهذا الحديثُ قدِ اختُلِفَ في ألفاظِهِ عن أبي هريرةَ من رِوايةِ الأعْرَج وغير، فمنهُم من يقولُ فيه: "لا تَسُبُّوا الدَّهرَ، فإنَّ اللهَ هُو الدَّهرُ". هكذا رواهُ ابنُ أبي الزِّنادِ، عن أبيهِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، وكذلك رواهُ ابنُ لِهيعةَ، عنِ الأعْرَج بإسنادِهِ سَواءً، وكذلك رواهُ ابنُ سِيرِينَ وغيرُهُ، عن أبي هريرةَ. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِث بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا هَوْذةُ بن خَلِيفةَ، قال: حدَّثنا عَوْفٌ، عن محمدٍ وخِلاسٍ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "لا تسُبُّوا الدَّهرَ، فإنَّ اللهَ هُو الدَّهرُ" (١). وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ التِّرمذِيُّ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن أبي مَرْيمَ، قال: أخبَرنا محمدُ بن جَعْفرٍ، قال: أخبَرني العَلاءُ بن عبدِ الرَّحمنِ بنِ يَعقُوبَ مَوْلَى الحُرَقةِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "قال اللهُ : اسْتَقرضتُ عَبدِي فلم يُقْرِضني، وشَتَمني، ولم يَنْبغِ لهُ أن يَشْتُمني، يقولُ: وادهراهُ، وادهراهُ (٢)، وأنا الدَّهرُ، وأنا الدَّهرُ" (٣). قال أبو عُمر: هذه ألفاظٌ إن صحَّتْ، فمَخْرجُها على مَعانٍ سنُبيِّنُها، والصَّحِيحُ في لفظِ هذا الحديثِ ما رواهُ ابنُ شِهابٍ وغيرُهُ من الفُقهاءِ ذوِي الألبابِ.

стр. 6192

أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا محمدُ بن الصَّبّاح بنِ سُفيانَ وأحمدُ بن السَّرح، قالا: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن سعِيدِ بنِ المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : " [يقولُ اللهُ ] (٢): يُؤذِيني ابنُ آدمَ، يَسُبُّ الدَّهرَ، وأنا الدَّهرُ، بيدِي الأمرُ، أُقلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ". هكذا قال ابنُ عُيينةَ عنِ الزُّهرِيِّ، عن سعِيدٍ. وقال يُونُسُ بن يزِيد: عنِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سلمةَ. وهُما جميعًا صحِيحانِ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو الطّاهِرِ وزيدُ بن البِشرِ، قالا: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، عن يُونُس بنِ يزِيد، عنِ الزُّهرِيِّ، قال: أخبَرني أبو سلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: قال أبو هريرةَ: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "قال اللهُ ﵎: يسُبُّ ابنُ آدمَ الدَّهرَ، وأنا الدَّهرُ، بيدِي اللَّيلُ والنَّهارُ" (٣).

стр. 6193

فمن أهلِ العِلم من يروِي هذا الخبر بنَصبِ الدَّهرِ على الظَّرفِ، يقولُ: أنا الدَّهرَ كلَّهُ بيدِي الأمرُ، أُقلِّبُ اللَّيل والنَّهار. ومنهُم من يروِيهِ بالرَّفع على معنى حديثِ مالكٍ ومن تابعهُ. والمعنى فيه: أنَّ أهلَ الجاهِلِيَّةِ كانوا يذُمُّونَ (١) الدَّهر في أشعارِهِم وأخبارِهِم، ويُضِيفُونَ (٢) إليه كلَّ ما يَصْنعُهُ اللهُ بهم، وقد حَكَى اللهُ عنهُم قولَهُم: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤]. فنَهَى اللهُ عن قولِهِم ذلك، ونَهَى رسُولُ الله ﷺ عنهُ أيضًا بقولِهِ: "لا تَسُبُّوا الدَّهرَ". يعني: لأنَّكُم إذا سَبَبتُمُوهُ وذَممتُمُوهُ لما يُصِيبُكُم فيه من المِحنِ والآفاتِ والمصائبِ، وقعَ السَّبُّ والذَّمُّ على الله، لأنَّهُ الفاعِلُ ذلك وحدَهُ لا شرِيك لهُ، وهذا ما لا يَسَعُ أحدًا جهلُهُ، والوُقُوفُ على معناهُ، لما يتعَلَّقُ به الدَّهرِيَّةُ أهلُ التَّعطِيلِ والإلحادِ. وقد نطقَ القُرآنُ، وصحَّتِ السُّنَّةُ بما ذكَرنا، وذلك أنَّ العربَ كان من شأنِها ذمُّ الدَّهرِ، عِندَما ينزِلُ بها من المكارهِ، فيقولُون: أصابَتْنا قوارِعُ الدَّهرِ، وبناتُ الدَّهرِ (٣)، وأبادَنا الدَّهرُ، وأتى علينا الدَّهرُ، ألا ترى إلى قولِ شاعِرِهِم (٤): رَمَتني بناتُ الدَّهرِ من حيثُ لا أرَى ... فكيفَ بمن يُرمَى وليس برامِ فلو أنَّها نبلٌ إذَنْ لاتَّقيتُها ... ولكنَّني أُرمَى بغيرِ سِهامِ

стр. 6194

فأفْنَى وما أفنَيْتُ (١) للدَّهرِ ليلةً ... ولم يُغنِ ما أفنيتُ سِلكَ نِظامِ (٢) وقال أبو العَتاهِيةِ، فذكرَ الزَّمان والدَّهر، وهُما سواءٌ، ومُرادُهُ في ذلك كلِّهِ ما يُحدِثُ اللهُ من العِبَرِ (٣) فيها لمنِ اعتبَرَ (٤): إنَّ الزَّمان إذا رمَى لمُصِيبُ ... والعُودُ منهُ إذا عَجمتَ (٥) صلِيبُ إنَّ الزَّمانَ لأهلِهِ لمُؤَدِّبٌ ... لو كان ينفعُ فيهمُ التَّأدِيبُ كيفَ اغْتَررتَ بصرفِ دهرِكَ يا أخِي ... كيفَ اغتررتَ به وأنتَ لبِيبُ ولقد رأيتُكَ للزَّمانِ مُجرِّبًا ... لو كان يُحكِمُ رأيكَ التَّجرِيبُ وهذا المعنى في شِعرِهِ كثِيرٌ جِدًّا. وقال غيرُهُ، وهُو المُساوِرُ بن هِندٍ (٦): بَلِيتُ وعِلمِي في البِلادِ مكانهُ ... وأفْنَى شبابِي الدَّهرُ وهُو جدِيدُ وقال غيرُهُ (٧): حَنَتني حانِياتُ الدَّهرِ حتّى ... كأنِّي خاتِلٌ (٨) أدنُو لصيدِ قرِيبُ الخَطْوِ يَحسَبُ من يَراني ... ولستُ مُقيَّدًا إنِّي بقيدِ

стр. 6195

وقال امرُئُ القَيْسِ (١): ألا إنّما ذا (٢) الدَّهرُ يومٌ وليلةٌ ... وليس على شيءٍ قَوِيم بمُسْتَمِرِّ وقال أيضًا (٣): أُرجِّي من صُرُوفِ الدَّهرِ لينًا ... ولم تغفُلْ عنِ الصمِّ الهِضابُ وقال أبو ذُؤَيبٍ الهُذلِيُّ (٤): أمِنَ المنُونِ وريبها تتفجَّعُ ... والدَّهرُ ليس بمُعتِبٍ من يجزَعُ وقال أرطاةُ بن سُهيَّةَ (٥): عنِ الدَّهرِ فاصْفَح إنَّهُ غيرُ مُعتبِ ... وفي غيرِ من قدوارتِ الأرضُ فاطمَعِ وقال الراجِزُ (٦): ألقى عليَّ الدَّهرُ رِجْلًا ويَدا ... والدَّهرُ ما أصلحَ يومًا أفسَدا يُصلِحُهُ اليومَ ويُفنِيهِ غَدا ... ويَسعدُ الموتُ إذا الموتُ عَدا وأشعارُهُم في هذا أكثرُ من أن تُحصى، خرجَتْ كلُّها على المجازِ والاستِعارةِ، والمعرُوفِ من مذاهِبِ العَربِ في كلامِها (٧)؛ لأنَّهُم يُسمُّونَ الشَّيءَ، ويعبِّرُونَ عنهُ

стр. 6196

عنهُ بما يَقرُبُ (١) منهُ وبما هُو فيه، فكأنَّهُم أرادُوا ما يَنزِلُ بهم (٢) في اللَّيلِ والنَّهارِ من مَصائبِ الأيام، فجاءَ النَّهيُ عن ذلك تَنْزِيهًا لله، لأنَّهُ الفاعِلُ ذلك بهم في الحَقِيقةِ، وجَرَى ذلك على الألسِنةِ في الإسلام، وهُم لا يُرِيدُونَ ذلك، ألا تَرَى أنَّ المُسلِمِينَ الخِيارَ الفُضلاءَ اسْتَعملوا ذلك في أشعارِهِم، على دِينِهِم وإيمانِهِم، جَرْيًا في ذلك على عادتهِم، وعِلمًا بالمُرادِ، وأنَّ ذلك مفهُومٌ معلُومٌ لا يُشكِلُ على ذي لُبٍّ، هذا سابِقٌ البَرْبرِيُّ، على فضْلِهِ، يقولُ (٣): المرءُ يجمعُ والزَّمانُ يُفرِّقُ ... وَيظلُّ يَرْقَعُ (٤) والخُطُوبُ تُمزِّقُ (٥) وهذا سُليمانُ العَدوِيُّ، وكان خيِّرًا مُتديِّنًا يقولُ: أيا دهر أعمَلتَ (٦) فينا أذاكا ... ووَلَّيتنا بعدَ وجهٍ قَفاكا جعلتَ الشِّرارَ علينا رُؤُوسًا ... وأجلَسْتَ سِفلتَنا مُستَواكا فيا دهرُ إن كُنتَ عادَيْتَنا ... فها قد صنَعتَ بنا ما كَفاكا وقالت صفِيَّةُ الباهِلِيَّةُ (٧): أخْنَى (٨) عَلَى واحِدِي ريبُ المَنُونِ (٩) وما ... يُبقِي الزَّمانُ على شيءٍ ولا يَذَرُ (١٠)

стр. 6197

وروينا أنَّ مالك بن أنَسٍ ﵀ كان يُنشِدُ لبعضِ صالحِي أهلِ المدِينةِ: أخِي لا تعتقِد دُنيا ... قليلًا ما تُواتِيكا فكم قد أهلَكَتْ خِلًّا ... ألِيفًا لو تُنَبِّيكا ولا تَغرُركَ زَهْرتُها ... فتُلقِي السُّمَّ في فيكا في أبياتٍ كثِيرةٍ، فمرَّةً يُضِيفُونَ ذلك إلى الدَّهرِ، ومرَّة إلى الزَّمانِ، ومرَّةً إلى الأيام (١)، ومرَّة إلى الدُّنيا، وذلك كلُّهُ مفهُومُ المعنى على ما ذكَرْنا وفسَّرنا، والحمدُ لله. (٢) وقال أبو العَتاهِيةِ (٣): أيا عَجَبًا للدَّهرِ لا بل لرَيْبه ... تَخرَّمُ (٤) ريبُ الدَّهرِ كلَّ إخاءِ (٥) ومزَّقَ ريبُ الدَّهرِ كلَّ جَماعةٍ ... وكدَّرَ ريبُ الدَّهرِ كلَّ صفاءِ وقال آخرُ (٦): يا دَهرُ ويحكَ ما أبقيتَ لي أحدا ... وأنتَ والِدُ سُوءٍ تأكُلُ الوَلَدا أستغفِرُ اللهَ بل ذا كلُّهُ قَدَرٌ ... رَضِيتُ بالله ربًّا واحِدًا صمدا لا شيءَ يبقَى سِوَى خيرٍ تُقدِّمُهُ ... ما دامَ مُلكٌ لإنسانٍ ولا خَلَدا

стр. 6198

ومِمّا يُنشدُ للمأمُونِ ويُروى لهُ من قولِهِ: أنا في عِلمِيَ بالدَّهـ ... ـرِ أبو الدَّهرِ وأُمُّهْ ليس يأتي الدَّهرُ يومًا ... بسُرُورٍ فيُتِمُّهْ فكما سرَّ أخاهُ ... فكذا سوف يغُمُّهْ ليس للدَّهرِ صدِيقٌ ... حامِدُ الدَّهرِ يذُمُّهْ (١) والأشْعارُ في هذا لا يُحاطُ بها كثرةً، وفيما لوَّحنا به مِنها كِفايةٌ، والحمد لله (٢).

стр. 6199

حديثٌ رابع عَشَر لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "نارُ بني آدم التي يُوقِدُونَ جُزءٌ من سبعِينَ جُزءًا من نارِ جهنَّم". فقالوا: يا رسُولَ الله: إن كانت لكافِيةً. قال: "إنَّها فُضِّلَتْ عليها بتِسعةٍ وسِتِّين جُزْءًا". ليس في هذا الحديثِ ما يحتاجُ إلى القَولِ. وفيه إباحةُ الخَبرِ عنِ القِيامةِ، والآخِرةِ، وحالِ النّارِ، أجارَنا اللهُ مِنها، وزَحْزحنا عنها. وفيما نطقَ به القُرآنُ من الخَبرِ عنِ الآخِرةِ، والجنّةِ والنّارِ، ما فيه مُعتبر لأُولِي الأبصارِ. حدَّثنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بنِ عُثمانَ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن صالح (٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ يُونُس، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، عنِ الأعمشِ، عن زيدِ بنِ وَهْبٍ، عن عبدِ الله، قال: إنَّ نارَكُم هذه ليست مِئلَ نارِ جهنَّم، إنَّ نار جهنَّمَ (٣) لا تَنْفعُ أحدًا، وإنَّها لمّا نزَلَتْ (٤) ضُرِبَ البحرُ بها مرَّتينِ، ولولا ذلك لم تنفَعْ أحَدًا (٥). (٦) ورَوَى الفَضْل (٧) بن دُكَينٍ، عن إسرائيلَ (٨)، عن أبي إسحاقَ، عن عَوْنِ بنِ

стр. 6200

عبدِ الله، عن عبدِ الله، قال: إنَّ النّارَ التي خُلِقَ (١) مِنها الجانُّ، جُزءٌ من سبعِينَ جُزءًا من نارِ جهنَّم (٢). وروى عُبيدُ الله بن موسى، عن إسرائيل، عن عمّارٍ الدُّهنيِّ، عن مُسلِم البَطِينِ، عن سعِيدِ بنِ جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: إنَّ نارَكُم هذه جُزءٌ من سبعِينَ جُزءًا من النّارِ، وهذه النّارُ قد ضُرِبَ بها البحرُ حِينَ أُنزِلت سبعَ مرّاتٍ، ولولا ذلك ما انتُفِعَ بها. ورَوَى عبدُ الله بن نُميرٍ (٣)، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن نُفَيع (٤) بنِ الحارِثِ، عن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: إنَّ نارَكُم هذه جُزءٌ من سبعِينَ جُزءًا من نارِ جَهنَّم، ولولا أنَّها أُطفِئَت بالماءِ مرَّتينِ، ما انتفعتُم بها، وإنَّها لتَدْعُو اللهَ أن لا يُعِيدَها في تلك النّارِ أبدًا (٥). ورَوَى زيدُ بن الحُبابِ، عن محمدِ بنِ مُسلِم، عن مَيْسرةَ، عن سعِيدِ بنِ المُسيِّبِ، أنَّ عليَّ بن أبي طالِبٍ سألَ رجُلًا من اليَهُودِ، لم يُرَ في اليهُودِ مِثلُهُ، عنِ النّارِ الكُبرَى، فقال الحَبْرُ: يبعثُ اللهُ الرِّيحَ الدَّبُورَ على البُحور، فتعودُ نارًا، فهي النّارُ الكُبرى.

стр. 6201

حديثٌ خامسَ عشَرَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا تَسْألِ المرأةُ طلاقَ أُختِها لتَسْتفرِغ صَحْفتَها، ولتَنكِح، فإنَّما لها ما قُدِّرَ لها". في هذا الخبَرِ من الفِقهِ: أنَّهُ لا يَنْبغِي أن تسأل المرأةُ زَوْجها أن يُطلِّق ضَرَّتها لتنفرِدَ به، فإنَّما لها ما سبقَ به القَدَرُ (٢) عليها، لا يَنقُصُها طلاقُ ضُرَّتِها شيئًا مِمّا جَرَى به القَدرُ لها، ولا يَزِيدُها. (٣) وقال الأخفشُ: كأنَّهُ يُرِيدُ أن تُفرِغَ صَحْفةَ تلك من خيرِ الزَّوج، وتأخُذ هِي وحدَها. قال أبو عُمر: وهذا الحديثُ من أحسنِ أحادِيثِ القَدَرِ عِندَ أهلِ العِلم والسُّنَّةِ (٤)، وفيه أنَّ المرءَ لا ينالُهُ إلّا ما قُدِّر لهُ، قال اللهُ : ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]. والأمرُ في هذا واضِحٌ لمن هداهُ الله (٥)، والحمدُ لله. وفِقهُ هذا الحديثِ: أنَّهُ لا يجُوزُ لامرأةٍ، ولا لولِيِّها، أن يَشْترِطَ في عَقدِ نِكاحِها، طلاقَ غيرِها. وبهذا (٦) الحديثِ وشِبهِهِ، استدلَّ جَماعةٌ من العُلماءِ، بأنَّ شرطَ المرأةِ على

стр. 6202

الرَّجُلِ (١) عِندَ عَقدِ نِكاحِها (٢): أنَّها إنَّما تَنكحُهُ، على أنَّ كلَّ من يَتزوَّجُها عليها من النِّساءِ، فهي طالِقٌ: شرطٌ باطِلٌ، وعقدُ نِكاحِهما على ذلك فاسِدٌ، يُفسَخُ (٣) قبلَ الدُّخُولِ؛ لأنَّهُ شَرْط فاسِدٌ، دخلَ في الصَّداقِ المُسْتَحَلِّ به الفرجُ ففسدَ، لأنَّهُ طابَقَ (٤) النَّهي. ومن أهلِ العِلم من يَرَى الشَّرط باطِلًا في ذلك كلِّهِ، والنِّكاحُ ثابتٌ صحِيح، وهذا هُو الوجهُ المُختارُ، وعليه أكثرُ عُلماءِ الحِجازِ، وهُم مع ذلك يَكرَهُونها (٥)، ويَكرَهُونَ عقدَ النِّكاح عليها. وحُجَّتُهُم حديثُ هذا البابِ، وما كان مِثلهُ. وحديثُ عائشةَ في قِصَّةِ برِيرةَ (٦) يَقْتضِي في مِثلِ هذا، جَوازَ العُقُودِ، وبُطلانَ الشُّرُوطِ، وهُو أولى ما اعتُمِدَ عليه في هذا البابِ. ومن أرادَ أن يصِحَّ لهُ هذا الشَّرطُ المكرُوهُ عِندَ أصحابِنا، عَقدهُ بيمِينٍ، فيلزمُهُ الحِنثُ في تِلك اليمِينِ بالطَّلاقِ، أو بما حلفَ به، وليس من أفعالِ الأبرارِ، ولا من مَناكِح (٧) السَّلفِ الأخيارِ، استِباحةُ النِّكاح بالأيمانِ المكرُوهةِ، ومُخالفةُ السُّنَّةِ. حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابِيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدانُ بن

стр. 6203

نَصْرٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عنِ ابنِ أبي ليلى، عنِ المِنهالِ بنِ عَمرٍو، عن عبّادِ بنِ عبدِ الله الأسدِيِّ، عن عليٍّ ﵁، قال: شَرْطُ الله قبلَ شَرْطِها (١). قال أبو عُمر: يقولُ: إنَّ اللهَ قد أباحَ ما ترُومُونَ المنع منهُ. ومنهُم من يرى أنَّ الشَّرطَ صحِيح، لحديثِ عُقبةَ بنِ عامِرٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : "أحقُّ الشُّرُوطِ أن يُوفَّى به، ما استَحللتُم به الفُرُوج". حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبَرنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا عيسىُ بن حمّادٍ المِصرِيُّ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن يزِيد بنِ أبي حبِيبٍ، عن أبي الخيرِ، عن عُقبةَ بنِ عامِرٍ، عن رسُولِ الله ﷺ قال: "إنَّ أحقَّ الشُّرُوطِ أن تُوفُوا به ما اسْتَحللتُم به الفُرُوجَ". وهذا حديثٌ وإن (٣) كان صحِيحًا، فإنَّ معناهُ، والله أعلمُ: أحقُّ الشُّرُوطِ أن يُوفَّى به من الشُّرُوطِ الجائزةِ، ما اسْتُحللَتْ (٤) به الفُرُوج، فهُو أحقُّ ما وفَّى به المرءُ، وأولى ما وقفَ عِندهُ، والله أعلمُ. وقد رَوَى الشّامِيُّون في هذا عن عُمر: ما حدَّثناهُ محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابِيِّ، قال: حدَّثنا سعدانُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ،

стр. 6204

عن يزِيد بنِ يزيد بن جابرٍ (١)، عن إسماعيلَ بنِ عُبيدِ الله بنِ أبي المُهاجِرِ (٢)، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ غَنْم (٣)، قال: شهِدتُ عُمر يُسألُ عنهُ، فقال: لها دارُها، فإنَّ مقاطِع الحُقُوقِ عِندَ الشُّرُوطِ (٤). قال سعدانُ: وحدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرٍو، عن أبي الشَّعثاءِ، قال: هُو بما استحلَّ من فرْجِها (٥). قال أبو عُمر: معنى حديثِ عُمر، وقولِ أبي الشَّعثاءِ: هُو فيمَنْ نكحَ امرأةً، وشرطَ لها أن لا يُخرِجها من دارِها. ونحوُ هذا مذهبُ سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ أيضًا. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بنِ يُوسُف، قال: حدَّثنا الحسن بن أحمد بنِ يزيدَ (٦)، قال: حدَّثنا أبو سعِيدِ بن الأعرابِيِّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي الدُّنيا، قال: حدَّثنا العبّاسُ بن طالِبٍ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الطّالقانيُّ، عنِ ابنِ المُباركِ،

стр. 6205

عن داود بنِ قَيْسٍ، قال: حدَّثتني أُمِّي، وكانت مَوْلاةَ نافِع بنِ عُتْبةَ بنِ أبي وقّاصٍ، قالت: رأيتُ سَعْدًا زوَّج ابنتَهُ رَجُلًا من أهلِ الشّام، وشرطَ لها أن لا يُخرِجها، فأرادَتْ أن تخرُجَ مَعهُ، فنهاها سعدٌ، وكرِهَ خُرُوجها، فأبتْ إلّا أن تخرُجَ، فقال سعدٌ: اللَّهُمَّ لا تُبلِّغها ما تُرِيدُ، فأدركَها الموتُ في الطَّرِيقِ، فقالت: تذكَّرتُ من يَبْكِي عليَّ فلم أجِد ... من النّاسِ إلّا أعبُدِي ووَلائدِي وإلى هذا المعنى ذهَبَ اللَّيثُ بن سعدٍ وطائفةٌ، إلى أنَّ الشَّرطَ لازِمٌ. والوَجْهُ المُختارُ عِندَنا ما ذكَرنا. وقد رُوِي عن عُمرَ بنِ الخطّابِ، من رِوايةِ المدنِيِّين، خِلاف ما تقدَّمَ عنهُ من رِوايةِ الشّامِيِّين. حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا الفضلُ بن الحُبابِ أبو خلِيفةَ، قال: حدَّثنا أبو الولِيدِ الطَّيالِسِيُّ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا كثِيرُ بن فرقدٍ، عن عُبيدِ بنِ السَّبّاقِ: أنَّ رجُلًا شُرِطَ عليه في امرأتِهِ عِندَ عُقدةِ النِّكاح: ألّا يُخرِجها من دارِها. ولم يذكُر عِتْقًا، ولا طلاقًا، فأرادَ بها بلدًا آخرَ، فخاصَمتهُ إلى عُمر بنِ الخطّابِ، فقَضَى عُمرُ أن تتبعَ زوجها، وأنَهُ لا شرطَ لها (١). قال: وحدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثنا توبةُ بن النَّمِرِ الحَضْرمِيُّ: أنَّ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ كتبَ في ذلك، بمِثلِ ذلك. قال أبو عُمر: قد قال رسُولُ الله ﷺ : "المُسلِمُونَ عِندَ شُرُوطِهِم، إلّا

стр. 6206

شرطًا (١) أحلَّ حرامًا، أو حرَّمَ حلالًا" (٢). وقال: "كلُّ شَرْطٍ ليس في كِتابِ الله، فهُو باطِلٌ" (٣). يعني في حُكم الله، كما قال: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. يعني حُكمهُ وقضاءَهُ، فكلُّ شرطٍ ليس في حُكم الله وحُكم رسُولِهِ جوازُهُ، فهُو باطِلٌ. وهذا أصحُّ ما في هذا البابِ، واللهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ. وللكلام (٤) في شُرُوطِ النِّكاح، وما يَلْزمُ مِنها وما لا يَلْزمُ عِندَ العُلماءِ، موضِعٌ غيرُ هذا. وأمّا قولُهُ: "لِتَسْتفرِغَ صَحْفتها". فكلامٌ عربيٌّ مجازه (٥) ومعناهُ: لتَنْفرِدَ (٦) بزوجِها، فاعلمهُ لا وجهَ لهُ غيرُهُ (٧).

стр. 6207

حديثٌ سادسَ عَشَر لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يَقْتَسِمُ (٢) وَرَثتِي دنانِير، ما ترَكتُ بعد نَفَقةِ نِسائي، ومَؤُونةِ عامِلي، فهُو صَدَقةٌ". (٣) الرِّوايةُ في هذا الحديثِ: "يَقْتسِمُ". برفع المِيم، على الخَبرِ، أي: ليس يَقْتسِمُ وَرَثتِي دِينارًا، لأنِّي لا أتخلَّفُ دِينارًا، ولا دِرهمًا، ولا شاةً، ولا بعِيرًا. وهذا معنى حديثِ مَسرُوقٍ، عن عائشةَ (٤). وأنَّ ما تخلَّف (٥) عقارًا يَجْرِي غلَّتُهُ على نِسائهِ بعدَ مؤُونةِ عامِلِهِ. وقد بيَّنّا هذا في حديثِ ابنِ شِهابٍ، والحمدُ لله (٦). وهكذا قال يحيى: "دنانِيرَ". وتابَعهُ ابنُ كِنانةَ، وأمّا سائرُ رُواةِ "المُوطَّأ"

стр. 6208

فيقولُونَ: "دِينارًا". وهُو الصَّوابُ، لأنَّ الواحِدَ في هذا المَوضِع أعم عِندَ أهلِ اللُّغةِ (١)؛ لأنَّهُ يَقْتضِي الجِنسَ، والقليلَ، والكثِير. وممَّن قال: "دِينارًا" من أصحابِ مالكٍ: ابنُ القاسم، وابنُ وَهْبٍ (٢)، وابنُ نافِع، وابنُ بُكَيرٍ، والقَعْنبِيُّ (٣)، وأبو مُصعبٍ (٤)، ومُطرِّفٌ. وهُو المحفُوظُ في هذا الحديثِ. وكذلك قال وَرْقاءُ بن عُمرَ، عن أبي الزِّنادِ بإسنادِهِ. وقال ابنُ عُيينةَ، عن أبي الزِّنادِ بهذا الإسنادِ: "لا يَقْتَسِمُ وَرَثتِي بَعدِي مِيراثِي، ما تَركتُ بعدَ نَفقةِ نِسائي ومَؤُونةِ (٥) عامِلِي، فهُو صَدَقةٌ". قال ابنُ عُيينةَ: يقولُ: لا أُورَثُ (٦). وأمّا قولُهُ: "مؤُونةِ عامِلِي" فإنَّهُم يقولُونَ: أرادَ بعامِلِهِ، خادِمَهُ في حَوائطِهِ، وقيِّمهُ (٧)، ووكِيلهُ، وأجِيرهُ، ونحوَ هذا. وقد مَضَى القولُ في معاني هذا الحديثِ، مُستوعبًا مبسُوطًا، مُمهَّدًا واضِحًا، في بابِ ابنِ شِهابٍ، من كِتابِنا هذا فلا معنَى لإعادةِ ذلك هاهُنا، وباللّه التَّوفيقُ.

стр. 6209

حديثٌ سابعَ عَشَر لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "كلُّ ابنِ آدمَ تأكلُهُ الأرضُ، إلّا عَجْبَ الذَّنبِ، منهُ خُلِق، وفيه يُرَكَّبُ". تابع يحيى قومٌ على قولِهِ: "تأكُلُهُ الأرضُ" في هذا الحديثِ، وقال جماعةٌ: "يأكُلُهُ التُّرابُ"، والمعنى واحِدٌ. وعَجْبُ الذَّنَبِ معرُوفٌ، وهُو العظمُ في الأسفلِ بين الأليتينِ، الهابِطُ من الصُّلبِ، يُقالُ لطرَفِهِ: العُصْعُصُ. وظاهِرُ هذا الحديثِ وعُمُومُهُ، يُوجِبُ أن يكونَ بنُو آدمَ كلُّهُم في ذلك سَواءً، إلّا أنَّهُ قد رُوِي في أجسادِ الأنبِياءِ وفي الشُّهداءِ: أنَّ الأرضَ لا تأكُلُهُم. وحَسْبُك ما جاءَ في شُهداءِ أُحُدٍ وغيرِهِم. وقد ذكَرْنا ذلك فيما مَضَى من كِتابِنا. وهذا يدُلُّ على أنَّ هذا لفظُ عُمُوم، ويدخُلُهُ الخُصُوصُ، من الوُجُوهِ التي ذكَرْنا، فكأنَّهُ قال: كلُّ من تأكُلُهُ الأرضُ، فإنَّهُ تأكُلُ منهُ عَجْبَ الذَّنَب. وإذا جازَ أن لا تأكُلَ الأرضُ عَجْبَ الذَّنبِ، جازَ أن لا تأكُل الشُّهداءَ، وذلك كلُّهُ حُكمُ الله، وحِكْمتُهُ، وليس في حُكمِهِ إلّا ما شاءَ، لا شرِيكَ لهُ، وإنَّما نَعرِفُ من هذا، ما عرفنا به، ونُسلِّمُ لهُ إذ جَهِلنا عِلَّتهُ؛ لأنَّهُ ليس برأيٍ، ولكنَّهُ قولُ من يجِبُ التَّسلِيمُ لهُ ﷺ . حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى البَلْخِيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن أبي الزُّبَيرِ، سمِعَ جابرًا يقولُ: لمّا أرادَ مُعاوِيةُ أن يُجرِي العينَ التي

стр. 6210

في أسْفَلِ أُحُدٍ عِندَ قُبُورِ الشُّهداءِ الذينَ بالمدِينةِ، أمرَ مُنادِيًا فنادَى: من كان لهُ ميِّتٌ، فليأتِهِ فليُخرِجهُ فليَحْمِلهُ. قال جابرٌ: فذهبنا إلى أبي (١)، فأخْرَجناهُم رِطابًا يتنثنَّوْنَ. قال أبو سعِيدٍ: لا نُنكِرُ بعد هذا مُنكرًا. قال جابرٌ: فأصابَتِ المِسحاةُ إصبَعَ رجُلٍ منهُم، فتقَطَّر الدَّمُ (٢). وأمّا قولُهُ: "منهُ خُلِقَ، وفيه يُركَّبُ". فيدُلُّ على أنَّهُ ابتَدَأ خلقُهُ وتركِيبُهُ من عَجْبِ ذَنَبه، واللّه أعلمُ. وهذا لا يُدرَكُ إلّا بخبرٍ، ولا خبرَ فيه عِندَنا مُفَسَّرٌ، وإنَّما هِي جُملةُ ما جاءَ في هذا الخبرِ. وأمّا خلقُ آدمَ صَلَواتُ الله عليه، وعلى سائرِ أنبِياءِ الله، فرُوِي في خلقِهِ آثارٌ كثِيرةٌ، في ظاهِرِ بعضِها اختِلافٌ. رَوَى شُعبةُ، عنِ الحكم، عن إبراهيمَ، عن سَلْمانَ (٣)، قال: أوَّلُ ما خلقَ الله من آدمَ رأسَهُ، فجعلَ ينظُرُ وهُو يُخلقُ (٤). ورَوَى حمّادُ بن سَلَمةَ، عن سُليمانَ التَّيمِيِّ، عن أبي عُثمانَ النَّهدِيِّ، عن سَلْمانَ الفارِسِيِّ، قال: خمَّرَ اللهُ طِينةَ آدم أربعِينَ ليلةً، ثُمَّ خَلَقها بيدِهِ، فخرَجَ طيِّبُها في يَمِينِهِ، وخرَجَ خَبِيثُها في الأُخرى، ثُمَّ مسَحَ يَدَيهِ إحداهُما بالأُخرى، فخَلَطَ بَعضهُ ببعضٍ، فمِنْ ثمَّ يخرُجُ الخبِيثُ من الطِّيبِ، والطِّيبُ من الخَبِيثِ (٥).

стр. 6211

ورَوَى عوفٌ، عن قَسامةَ بنِ زُهَيرٍ، سمِعَ أبا موسى الأشْعَرِيَّ يقولُ: إنَّ اللهَ خلقَ آدم من قَبْضةٍ قَبَضها من جميع الأرضِ، فجاءَ بنُو آدمَ على قَدْرِ الأرضِ، جاءَ منهُمُ الأحمرُ، والأبيضُ، والأسودُ، وبينَ ذلك، والحَزْنُ، والسَّهلُ، والخَبِيثُ، والطَّيِّبُ (١). وقال ابنُ جُرَيج: يقولُونَ: إنَّ الرُّوح أوَّلُ ما نُفِخ في يافُوخ (٢) آدمَ. وفي قولِهِ ﷺ : "وفيه يُركَّبُ". إيمانٌ بالبَعثِ، والنَّشأةِ الأُخرى.

стр. 6212

حديثٌ ثامنَ عَشَر لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان (٢) وعن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عنِ المُلامَسةِ والمُنابذةِ. قد مَضَى القولُ في هذا الحديثِ، وفي معنى المُلامَسةِ والمُنابذةِ، وما لأهلِ العِلم في ذلك من التَّفسِيرِ والتَّوجِيهِ والمعاني مُستوعبةً، في بابِ محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهُنا.
следующие страницы →