← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6208–6247 · переход к 6213.

стр. 6208

فيقولُونَ: "دِينارًا". وهُو الصَّوابُ، لأنَّ الواحِدَ في هذا المَوضِع أعم عِندَ أهلِ اللُّغةِ (١)؛ لأنَّهُ يَقْتضِي الجِنسَ، والقليلَ، والكثِير. وممَّن قال: "دِينارًا" من أصحابِ مالكٍ: ابنُ القاسم، وابنُ وَهْبٍ (٢)، وابنُ نافِع، وابنُ بُكَيرٍ، والقَعْنبِيُّ (٣)، وأبو مُصعبٍ (٤)، ومُطرِّفٌ. وهُو المحفُوظُ في هذا الحديثِ. وكذلك قال وَرْقاءُ بن عُمرَ، عن أبي الزِّنادِ بإسنادِهِ. وقال ابنُ عُيينةَ، عن أبي الزِّنادِ بهذا الإسنادِ: "لا يَقْتَسِمُ وَرَثتِي بَعدِي مِيراثِي، ما تَركتُ بعدَ نَفقةِ نِسائي ومَؤُونةِ (٥) عامِلِي، فهُو صَدَقةٌ". قال ابنُ عُيينةَ: يقولُ: لا أُورَثُ (٦). وأمّا قولُهُ: "مؤُونةِ عامِلِي" فإنَّهُم يقولُونَ: أرادَ بعامِلِهِ، خادِمَهُ في حَوائطِهِ، وقيِّمهُ (٧)، ووكِيلهُ، وأجِيرهُ، ونحوَ هذا. وقد مَضَى القولُ في معاني هذا الحديثِ، مُستوعبًا مبسُوطًا، مُمهَّدًا واضِحًا، في بابِ ابنِ شِهابٍ، من كِتابِنا هذا فلا معنَى لإعادةِ ذلك هاهُنا، وباللّه التَّوفيقُ.

стр. 6209

حديثٌ سابعَ عَشَر لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "كلُّ ابنِ آدمَ تأكلُهُ الأرضُ، إلّا عَجْبَ الذَّنبِ، منهُ خُلِق، وفيه يُرَكَّبُ". تابع يحيى قومٌ على قولِهِ: "تأكُلُهُ الأرضُ" في هذا الحديثِ، وقال جماعةٌ: "يأكُلُهُ التُّرابُ"، والمعنى واحِدٌ. وعَجْبُ الذَّنَبِ معرُوفٌ، وهُو العظمُ في الأسفلِ بين الأليتينِ، الهابِطُ من الصُّلبِ، يُقالُ لطرَفِهِ: العُصْعُصُ. وظاهِرُ هذا الحديثِ وعُمُومُهُ، يُوجِبُ أن يكونَ بنُو آدمَ كلُّهُم في ذلك سَواءً، إلّا أنَّهُ قد رُوِي في أجسادِ الأنبِياءِ وفي الشُّهداءِ: أنَّ الأرضَ لا تأكُلُهُم. وحَسْبُك ما جاءَ في شُهداءِ أُحُدٍ وغيرِهِم. وقد ذكَرْنا ذلك فيما مَضَى من كِتابِنا. وهذا يدُلُّ على أنَّ هذا لفظُ عُمُوم، ويدخُلُهُ الخُصُوصُ، من الوُجُوهِ التي ذكَرْنا، فكأنَّهُ قال: كلُّ من تأكُلُهُ الأرضُ، فإنَّهُ تأكُلُ منهُ عَجْبَ الذَّنَب. وإذا جازَ أن لا تأكُلَ الأرضُ عَجْبَ الذَّنبِ، جازَ أن لا تأكُل الشُّهداءَ، وذلك كلُّهُ حُكمُ الله، وحِكْمتُهُ، وليس في حُكمِهِ إلّا ما شاءَ، لا شرِيكَ لهُ، وإنَّما نَعرِفُ من هذا، ما عرفنا به، ونُسلِّمُ لهُ إذ جَهِلنا عِلَّتهُ؛ لأنَّهُ ليس برأيٍ، ولكنَّهُ قولُ من يجِبُ التَّسلِيمُ لهُ ﷺ . حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى البَلْخِيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن أبي الزُّبَيرِ، سمِعَ جابرًا يقولُ: لمّا أرادَ مُعاوِيةُ أن يُجرِي العينَ التي

стр. 6210

في أسْفَلِ أُحُدٍ عِندَ قُبُورِ الشُّهداءِ الذينَ بالمدِينةِ، أمرَ مُنادِيًا فنادَى: من كان لهُ ميِّتٌ، فليأتِهِ فليُخرِجهُ فليَحْمِلهُ. قال جابرٌ: فذهبنا إلى أبي (١)، فأخْرَجناهُم رِطابًا يتنثنَّوْنَ. قال أبو سعِيدٍ: لا نُنكِرُ بعد هذا مُنكرًا. قال جابرٌ: فأصابَتِ المِسحاةُ إصبَعَ رجُلٍ منهُم، فتقَطَّر الدَّمُ (٢). وأمّا قولُهُ: "منهُ خُلِقَ، وفيه يُركَّبُ". فيدُلُّ على أنَّهُ ابتَدَأ خلقُهُ وتركِيبُهُ من عَجْبِ ذَنَبه، واللّه أعلمُ. وهذا لا يُدرَكُ إلّا بخبرٍ، ولا خبرَ فيه عِندَنا مُفَسَّرٌ، وإنَّما هِي جُملةُ ما جاءَ في هذا الخبرِ. وأمّا خلقُ آدمَ صَلَواتُ الله عليه، وعلى سائرِ أنبِياءِ الله، فرُوِي في خلقِهِ آثارٌ كثِيرةٌ، في ظاهِرِ بعضِها اختِلافٌ. رَوَى شُعبةُ، عنِ الحكم، عن إبراهيمَ، عن سَلْمانَ (٣)، قال: أوَّلُ ما خلقَ الله من آدمَ رأسَهُ، فجعلَ ينظُرُ وهُو يُخلقُ (٤). ورَوَى حمّادُ بن سَلَمةَ، عن سُليمانَ التَّيمِيِّ، عن أبي عُثمانَ النَّهدِيِّ، عن سَلْمانَ الفارِسِيِّ، قال: خمَّرَ اللهُ طِينةَ آدم أربعِينَ ليلةً، ثُمَّ خَلَقها بيدِهِ، فخرَجَ طيِّبُها في يَمِينِهِ، وخرَجَ خَبِيثُها في الأُخرى، ثُمَّ مسَحَ يَدَيهِ إحداهُما بالأُخرى، فخَلَطَ بَعضهُ ببعضٍ، فمِنْ ثمَّ يخرُجُ الخبِيثُ من الطِّيبِ، والطِّيبُ من الخَبِيثِ (٥).

стр. 6211

ورَوَى عوفٌ، عن قَسامةَ بنِ زُهَيرٍ، سمِعَ أبا موسى الأشْعَرِيَّ يقولُ: إنَّ اللهَ خلقَ آدم من قَبْضةٍ قَبَضها من جميع الأرضِ، فجاءَ بنُو آدمَ على قَدْرِ الأرضِ، جاءَ منهُمُ الأحمرُ، والأبيضُ، والأسودُ، وبينَ ذلك، والحَزْنُ، والسَّهلُ، والخَبِيثُ، والطَّيِّبُ (١). وقال ابنُ جُرَيج: يقولُونَ: إنَّ الرُّوح أوَّلُ ما نُفِخ في يافُوخ (٢) آدمَ. وفي قولِهِ ﷺ : "وفيه يُركَّبُ". إيمانٌ بالبَعثِ، والنَّشأةِ الأُخرى.

стр. 6212

حديثٌ ثامنَ عَشَر لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان (٢) وعن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عنِ المُلامَسةِ والمُنابذةِ. قد مَضَى القولُ في هذا الحديثِ، وفي معنى المُلامَسةِ والمُنابذةِ، وما لأهلِ العِلم في ذلك من التَّفسِيرِ والتَّوجِيهِ والمعاني مُستوعبةً، في بابِ محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهُنا.

стр. 6213

حديثٌ تاسعَ عَشَر لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يَمْشِينَّ أحدُكُم في نَعْلٍ واحِدةٍ، ليُنعلهما جميعًا، أو ليُحفِهِما جميعًا". قال أبو عُمر: قولُهُ: "لِيُنعلهما جميعًا، أو ليُحفِهِما جميعًا". أرادَ القَدَمينِ، وهُما لم يتقدَّم لهما ذِكرٌ، وإنَّما تقدَّمَ ذِكرُ النَّعلِ، ولو أرادَ النَّعلينِ، لقال: ليَنْتعِلهما جميعًا، أو ليَحتَفِ منهُما جميعًا. وهذا مشهُور من لُغةِ العربِ، ومُتكرِّر في القُرآنِ كثِيرٌ، أن يأتي بضمِيرِ ما لم يتقدَّم ذِكرُهُ، لما يدُلُّ عليه فحوَى الخِطابِ. ونهيُهُ ﷺ عنِ المشيِ في نَعْلٍ واحِدةٍ، نهيُ أدَبٍ، لا نَهْي تحرِيم. والأصلُ في هذا البابِ، أنَّ كلَّ ما كان في مِلكِكَ، فنُهِيتَ عن شيءٍ من تصرُّفِهِ والعَملِ به، فإنَّما هُو نَهْيُ أدبٍ، لأنَّهُ مِلكُكَ، تتصرَّفُ فيه كيفَ شِئتَ، ولكنَّ التَّصرُّف على سُنَّتِهِ لا يتعدَّى، وهذا بابٌ مُطَّرِدٌ، ما لم يكُن مِلكُك حيوانًا، فتُنْهى عن أذاهُ، فإنَّ أذَى المُسلِم في غيرِ حقِّهِ حرامٌ. وأمّا النَّهيُ عمّا ليس في مِلكِك إذا نُهِيتَ عن تملُّكِهِ، أوِ استِباحتِهِ، إلّا على صِفَةٍ ما، في نِكاح، أو بَيْع، أوصيدٍ، أو نحو ذلك، فالنَّهيُ عنهُ نهيُ تحرِيم، فافهم هذا الأصل. وقد مَضَى منهُ ما فيه دلالةٌ وكِفايةٌ، في بابِ إسماعيل بنِ أبي حَكِيم، عِندَ نَهْيِ رسُولِ الله ﷺ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع (٢). فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا.

стр. 6214

ورَوَى جابرٌ في هذا البابِ حديثًا حَسَنًا، يجِبُ أن يُوقَف عليه، مع حديثِ أبي هريرةَ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا أبو الولِيدِ الطَّيالِسِيُّ، قال: حدَّثنا زُهَيرٌ، قال: حدَّثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا انقطعَ شِسعُ أحَدِكُم، فلا يَمْشِ في نَعلٍ واحِدةٍ حتَّى يُصلِح شِسْعهُ، ولا يَمْشِ في خُفٍّ واحِدةٍ، ولا يأكُل بشمالِهِ". قال أبو عُمر: حديثُ أبي هريرةَ هذا، وحديثُ جابرٍ الذي ذكَرْنا، حديثانِ بَيِّنانِ واضِحانِ، مُسْتَغنِيانِ عنِ التَّفسِيرِ، مُسْتَعملانِ عِندَ أهلِ العِلم، لا أعلمُ بينهُم في استِعمالِهِما خِلافًا. وقد رُوِي عن عائشةَ مُعارَضةٌ لأبي هريرةَ في حديثِهِ، لم يَلْتفِت أهلُ العِلم إلى ذلك، لضعفِ إسنادِ حديثها، ولأنَّ السُّنَن لا تُعارَضُ بالرَّأيِ. وقد رُوِي عنها أنَّها لم تُعارِض أبا هريرةَ برأيِها، وقالت: رأيتُ رسُولَ الله ﷺ يَمْشِي في نَعْلٍ واحِدةٍ. وهذا الحديثُ عِندَ أهلِ العِلم غيرُ صحِيح، لأنَّ في إسنادِهِ ضعفًا. حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن إبراهيم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بنِ يُونُس، قال: حدَّثنا مِندلٌ (٢)،

стр. 6215

عن لَيْثٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: رُبَّما انقطَعَ شِسعُ رسُولِ الله ﷺ ، فمَشَى في النَّعلِ الواحِدةِ، حتَّى يُصلِحَ الأُخرَى (١). وحدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ القَعْنبِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله العُمَرِيُّ، عن أبيهِ: أنَّهُ رأى سالم بن عبدِ الله يَمْشِي في نَعْلٍ واحِدةٍ، وهُو يُصلِحُ الأُخرى (٢). قال: وأخبَرنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ القَعْنبِيُّ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن بلالٍ، عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ مولى أصحابِ المقصُورةِ، عن محمدِ بنِ عُمرَ (٣) بنِ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، عن أبيهِ: أنَّ عليًّا كان يَمشِي في النَّعلِ الواحِدةِ. وهذا مَعناهُ لو صحَّ، أنَّهُ كان عن ضرُورةٍ، أو كان يَسِيرًا، نحو أن يُصلِحَ الأُخرى، لا أنَّهُ أطالَ ذلك، واللّه أعلمُ. ولا حُجَّةَ في مِثلِ هذا الإسنادِ. (٤) ذكرَ الحسنُ الحُلوانيُّ، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا سُلَيمٌ، عنِ ابنِ عونٍ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، أنَّهُ قال: ولا خُطوةً واحِدةً. يَعني يَمِشِي في نَعلٍ واحِدةٍ.

стр. 6216

وأخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سُحنُونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني أشْهَلُ بن حاتِم، عن عبدِ الله بنِ عَوْنٍ (١)، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، قال: كانوا يكرهُونَ أن يَمشِي الرَّجُلُ في النَّعلِ الواحِدةِ، ويقولُون: ولا خُطوةً. وقد ذكرَ عِيسَى بن دِينارٍ، عنِ ابنِ القاسم، عن مالكٍ، أنَّهُ سُئلَ عنِ الذي ينقطِعُ شِسعُ نَعلِهِ، وهُو في أرضٍ حارَّةٍ، هل يمْشِي في الأُخرى (٢) حتَّى يُصلِحها؟ قال: لا، ولكن ليَخْلعهُما جميعًا، أو ليَقِفْ (٣). قال أبو عُمر: هذا هُو الصَّحِيحُ من الفتوى، وهُو الصَّحِيحُ في الأثرِ، وعليه العُلماءُ.

стр. 6217

حديثٌ مُوَفِّي عشرينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا انتعلَ أحدُكُم فليَبْدأ باليَمِينِ، وإذا نزعَ فليَبْدأ بالشِّمالِ، ولتكُنِ اليُمنى أوَّلهما تُنعلُ، وآخِرهُما تُنزَعُ". وهذا حديثٌ صحِيحٌ بيِّنٌ في معناهُ، كامِلٌ، حسنٌ (٢)، مُسْتَغنٍ عنِ القولِ. (٣) والمعنى فيه، واللّه أعلمُ، تفضِيلُ اليُمنى على اليُسرى بالإكرام، ألا تَرَى أنَّها للأكلِ دُون الاستِنجاءِ، فكذلك تُكرمُ أيضًا ببقاءِ زِينتِها أوَّلًا وآخِرًا. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا النُّفيلِيُّ، قال: حدَّثنا زُهَيرٌ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا لَبِستُم، وإذا توضَّأتُم، فابدؤُوا بميامِنِكُم". حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهَيْثم أبو الأحوصِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن كثِيرٍ الصَّنعانيُّ، عن مَعْمرٍ، وحمّادِ بنِ سَلَمةَ، وابنِ شَوْذبٍ، عن محمدِ بنِ زِيادٍ، عن أبي هريرةَ، قال:

стр. 6218

قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا انْتَعلَ أحدُكُم فليَبْدأ باليُمنى، وإذا خلعَ فليبدأ باليُسرى، ليُحفِهِما جميعًا، أو يُنعِلهما جميعًا" (١). (٢) هذا يُبيِّنُ لكَ أنَّ اليُمنَى مُكرَّمةٌ، فلِذلك يبدأُ بها إذا انتعلَ، ويؤَخِّرُها إذا خلعَ، لتكونَ الزِّينةُ باقِيةً عليها أكثر مِمّا على الشِّمالِ، ولكن مع هذا لا يُبقِي عليها بَقاءً دائمًا لقولِهِ: "لِيُحفِهِما جميعًا". قال أبو عُمر: من مَشَى في نَعْلٍ أو خُفٍّ واحِدةٍ، أو بَدَأ في انتِعالِهِ (٣) بشِمالِهِ، فقد أساءَ وخالَفَ السُّنَّةَ، وبئسَما صَنَعَ، إذا كان بالنَّهيِ عالِمًا، ولا يحرُمُ عليه مع ذلك لباسُ نَعلِهِ ولا خُفِّهِ، ولكنَّهُ لا يَنْبغِي لهُ أن يعُودَ، فالبَرَكةُ والخيرُ كلُّهُ في اتِّباع أدبِ رسُولِ الله ﷺ ، وامتِثالِ أمرِهِ. قال أبو عُمر: رَوَى جابرٌ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "اسْتكثِرُوا من النِّعالِ، فإنَّ الرَّجُل المُنْتعِلَ بمَنْزِلةِ الرّاكِبِ، أو لا (٤) يزالُ راكِبًا ما انْتَعَلَ" (٥).

стр. 6219

ورُوِي عنِ ابنِ عبّاسٍ، أَنَّهُ قال: من السُّنَّةِ إذا نزعَ الرَّجُلُ نَعْلَيهِ، أن يضعَهُما بجَنْبه. ورُوِي عنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ كان يُصلِّي في نَعْليهِ (١). ورُوِيَ عن قَتادةَ، عن أنَسٍ: أنَّ نعلَ النَّبيِّ ﷺ كان لهما (٢) قِبالانِ (٣) (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهَيْثم، قال: حدَّثنا ابنُ أبي السَّرِيِّ، قال: حدَّثنا مخلدُ بن حُسَينٍ، قال: حدَّثنا هشامُ بن حسّانٍ، عن عبدِ الحمِيدِ، عن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: كان نَعلا رسُولِ الله ﷺ وأبي بكرٍ وعُمر بقِبالينِ، وأوَّلُ من شَسَّعَ: عُثمانُ بن عفّان.

стр. 6220

حديثٌ حادي عشرينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا تَلقَّوُا الرُّكبانَ للبيع، ولا يبِعْ بعضُكُم على بَيع بعضٍ، ولا تَناجشُوا، ولا يبِعَ حاضِرٌ لبادٍ، ولا تُصِرُّوا الإبِلَ والغنَمَ، فمنِ ابْتاعَها بعد ذلك، فهُو بخَيرِ النَّظَرَيْنِ بعدَ أن يَحْلِبها، إن رَضِيها أمْسَكها، وإن سَخِطها رَدَّها وصاعًا من تَمرٍ". أمّا قولُهُ: "لا تَلقَّوُا الرُّكبانَ" فهُو النَّهيُ عن تَلقِّي السِّلع. وقد رُوِي هذا المعنى بألفاظٍ مُخْتلِفةٍ، فرَوَى الأعرجُ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : "لا تَلقَّوُا الرُّكبانَ" كما ترى. ورَوَى ابنُ سِيرِينَ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : "لا تَلقَّوُا الجَلَبَ" (٢). ورَوَى أبو صالح وغيرُهُ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ نَهَى أن تُتلقَّى السِّلعُ، حتَّى تدخُلَ الأسْواقَ (٣). ورَوَى ابنُ عبّاسٍ: لا تَسْتقبِلوا السُّوقَ، ولا يَتَلَقَّ (٤) بعضُكُم لبعضٍ (٥).

стр. 6221

والمعنى في ذلك كلِّهِ واحِدٌ. وقد مَضَى القولُ في ذلك، وفي معنى قولِهِ: "لا يبِعْ بعضُكُم على بيع بعضٍ". في بابِ نافِع، عنِ ابنِ عُمرَ؛ لأنَّ القَعْنبِيَّ ذكرَ ذلك عن مالكٍ، في حديثِ نافِع. وذكرَ يحيى وغيرُهُ من ذلك ما وصفنا هُنالِك، وسَنزِيدُ المعنيينِ هاهُنا بيانًا، من قولِ أصحابِنا وغيرِهِم إن شاءَ الله. فجُملةُ قولِ مالكٍ في ذلك: أنَّهُ لا يجُوزُ أن يَشْترِيَ أحدٌ (١) من الجَلَبِ والسِّلع الهابِطةِ إلى الأسواقِ، وسَواءٌ هبطت من أطرافِ المصرِ، أو من البَوادِي، حتَّى يُبلَغَ بالسِّلعةِ سُوقُها، هذا إذا كان التَّلقِّي في أطرافِ المصرِ ومن البَوادي حتى يُبْلَغَ بالسِّلعة سُوقُها، هذا إذا كان التَّلَقي في أطراف المِصْر، أو قرِيبًا منهُ (٢). وقِيل لمالكٍ: أرأيتَ إن كان ذلك على رأسِ سِتَّةِ أميالٍ؟ فقال: لا بأسَ بذلك. والحيوانُ وغيرُ الحيوانِ في ذلك كلِّهِ سَواءٌ. وروى عيسى وأصبغُ وسحنُونٌ، عنِ ابنِ القاسم: أنَّ السِّلعةَ إذا تلقّاها مُتلقٍّ واشتَراها قبلَ أن يُهبَطَ بها إلى السُّوقِ، قال ابنُ القاسم: تُعرَضُ السِّلعةُ على أهلِ السِّلع في السُّوقِ، فيَشْترِكُونَ فيها (٣) بذلك الثَّمنِ لا زِيادةَ، فإن لم يكُن لها سُوقٌ، عُرِضت على النّاسِ في المصرِ، فيْشترِكُون فيها إن أحبُّوا، فإن نقصَتْ عن ذلك الثَّمنِ، لزِمتِ المُشترِي. قال سحنُونٌ: وقال لي غيرُ ابنِ القاسم: يُفسَخُ البيعُ. وقال عيسى، عنِ ابنِ القاسم: يُؤَدَّبُ مُتَلَقِّي (٤) السِّلع، إذا كان مُعتادًا بذلك. وروى سحنُون عنهُ أيضًا: أنَّهُ يُؤَدَّبُ، إلّا أن يُعذَر بالجَهالةِ.

стр. 6222

وقال عيسى، عنِ ابنِ القاسم: إن فاتتِ السِّلعةُ، فلا شيءَ عليه. ورَوَى أشهبُ، عن مالكٍ: أنَّهُ كرِهَ أن يخرُجَ الرَّجُلُ من الحاضِرةِ إلى أهلِ الحَوائِطِ، فيَشْترِي منهُمُ الثَّمرةَ مَكانَها. ورآهُ من التَّلقِّي، ومن بَيع الحاضِرِ للبادِي (١). وقال أشهبُ: لا بأسَ بذلك، وليس هذا بمُتلقٍّ، ولكنَّهُ اشْتَرى الشَّيءَ في مَوْضِعِهِ (٢). ورَوَى أبو قُرَّةَ، قال: قال لي مالكٌ: إنِّي لأكرَهُ تلقِّيَ السِّلع، وأن يبلُغُوا بالتَّلقِّي أربَعةَ بُرُدٍ. قال أبو عُمر: لا أعلمُ خِلافًا في جَوازِ خُرُوج النّاسِ إلى البُلدانِ في الأمتِعةِ والسِّلع، ولا فرقَ بين القرِيبِ والبعِيدِ من ذلك في النَّظرِ، وإنَّما التَّلقِّي، تَلقِّي من خرجَ بسِلْعةٍ يُرِيدُ بها السُّوق، وأمّا من قصَدْتَهُ إلى مَوْضِعِهِ، فلم تَتَلق. وقال اللَّيثُ بن سعدٍ: أكرَهُ تلقِّي السِّلع، وشِراءَها في الطَّرِيقِ، أو على بابِكَ، حتَّى تقِفَ السِّلعةُ في سُوقِها التي تُباعُ فيها، فإن تَلقَّى أحدٌ سِلعةً فاشْتَراها، ثُمَّ عُلِمَ به، فإن كان بائِعُها لم يذهَبْ، رُدَّت إليه، حتَّى تُباع في السُّوقِ، وإن كان قد ذهَبَ، ارتُجِعت منهُ وبيعَتْ في السُّوقِ، ودُفِع إليه ثمنُها. قال: وإن كان على بابه، أو في طرِيقِهِ، فمرَّت به سِلعةٌ، يُرِيدُ صاحِبُها سُوقَ تِلك السِّلعةِ، فلا بأسَ أن يَشْترِيها، إذا لم يَقْصِد لتلقِّي السِّلع، وليس هذا بالتَّلقِّي، إنَّما التَّلقِّي أن يَعمِدَ لذلك. قال أبو عُمر: أمّا مَذهبُ مالكٍ واللَّيثِ، ومن قال بمِثلِ (٣) قولِهِما، في النَّهيِ عن تلقِّي السِّلع، فمعناهُ عِندَهُم الرِّفقُ بأهلِ الأسواقِ، لئلّا يُقْطعَ بهم

стр. 6223

عمّا لهُ جَلَسُوا، يبتغُونَ من فضلِ الله، فنَهَى النّاس أن يَتَلقَّوُا السِّلع التي يُهبَطُ بها إليهم؛ لأنَّ في ذلك فسادًا عليهم. وأمّا الشّافِعِيُّ، فمذهبُهُ في ذلك، أنَّ النَّهيَ إنَّما وردَ رِفقًا بصاحِبِ السِّلعةِ (١)، لئلّا يُبخَسَ في ثَمنِ سِلعتِهِ. قال الشّافِعِيُّ (٢): لا تُتلقَّى السِّلعةُ، فمن تلقّاها فصاحِبُها بالخِيارِ إذا بلغَ السُّوق. وقد رُوِي بمِثلِ ما قالهُ الشّافِعِيّ خبرٌ صحِيحٌ، يلزمُ العملُ به: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا أبو توبةَ الرَّبِيعُ بن نافِع، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عمرٍو الرَّقِّيّ، عن أيُّوبَ، عنِ ابنِ سِيرِينَ، عن أبي هريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن تلقِّي الجَلَبِ، فإن تَلقّاهُ مُتلقٍّ فاشْتَراهُ، فصاحِبُ السِّلعةِ بالخِيارِ إذا وردَتِ السُّوقَ. قال أبو عُمر: هذه الرِّوايةُ عنِ ابنِ سِرين، تُبيِّنُ ما رواهُ عنهُ هشامُ بن حسّانٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا تَلقَّوُا الجَلَبَ، فمن تَلقّاهُ فاشْتَرى منهُ شيئًا، فهُو بالخِيارِ إذا أتى السُّوقَ" (٤). قال أبو عُمر: فقولُهُ في خَبرِ هشام: "فهُو بالخِيارِ". يُرِيدُ البائِع، لئلّا يتناقضَ الحديثانِ (٥).

стр. 6224

وهُو جائِزٌ في اللُّغةِ أن يَقصِدهُ، وإن لم يَذكُرهُ إلّا بالمعنى. وقد روينا من حديثِ هشام نصًّا كما قال أيُّوبُ، وهُو الصَّوابُ، وما خالفهُ فليس بشيءٍ. وقال أصحابُ الشّافِعِيِّ: تَفسِيرُ النَّهيِ عنِ التَّلقِّي: أن يخرُجَ أهلُ الأسواقِ فيَخْدعُون أهل القافِلةِ، ويشترُونَ منهُم شراءً رَخِيصًا، فلهمُ الخِيارُ، لأنَّهُم قد غرُّوهُم وخَدَعُوهُم (١). وأمّا أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ (٢)، فالنَّهيُ عن تَلقِّي السِّلع عِندَهُم، إنَّما هُو من أجْلِ الضَّررِ، فإن لم يضُرَّ بالنّاسِ تَلقِّي ذلك، لضِيقِ المعِيشةِ، وحاجتِهِم إلى تلك السِّلع، فلا بأسَ بذلك. وقال أبو جَعفرٍ الطَّحاوِيُّ (٣): لمّا جعلَ رسُولُ الله ﷺ الخِيار في السِّلعةِ المُتلقّاةِ إذا هُبِطَ بها إلى السُّوقِ، دلَّ على جَوازِ البَيْع؛ لأنَّهُ ثبَّتهُ، وجعلَ فيه الخِيار. قال: وهذا يدُلُّ على أنَّ التَّلقِّي المكرُوه إذا كان فيه ضَررٌ، فلِذلك جُعِل فيه الخِيارُ، فإن لم يكُن فيه ضَرَرٌ، فهُو غيرُ مكرُورهٍ. وقال ابنُ خُوَيْزمَنْداد: البَيْعُ في تلقِّي السِّلع صحِيحٌ، على قولِ الجَمِيع، وإنَّما الخِلافُ هُو أنَّ المُشترِي لا يَفُوزُ بالسِّلعةِ ويشركُهُ فيها أهلُ الأسواقِ، ولا خِيار للبائِع، أو أنَّ البائِع بالخِيارِ. قال أبو عُمر: ما حَكاهُ ابنُ خُوَيْزمَنْداد عنِ الجميع في جَوازِ البيع في ذلك، مع ما دلَّ عليه الحديثُ، هُو الصَّحِيحُ، لا ما حكاهُ سحنُونٌ عن غيرِ ابنِ القاسم، أنَّهُ يُفسَخُ البيعُ، وباللّه التَّوفيقُ.

стр. 6225

وكان ابنُ حبِيبٍ يَذْهبُ إلى فسخ البَيع في ذلك، فإن لم يُوجَدِ البائِعُ، عُرِضتِ السِّلعةُ على أهلِ الأسواقِ، واشْتَركُوا فيها إن أحبُّوها، وإن أبوا مِنها رُدَّت على مُبتاعِها. إلى كلام كثِيرٍ ذكرهُ، وفرَّقَ بين الطَّعام في ذلك وغيرِهِ، وقال: الطَّعامُ يُوقَفُ للنّاسِ كلِّهِم يَشْترُونهُ بالثَّمنِ، وإن كان لهُ أهلٌ راتِبُون في السُّوقِ لم يُفسخ فيه البيعُ. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا أبو أُسامَةَ، عن هشام، عن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "لا تلقَّوُا الأجْلابَ، فمن تلقَّى منهُ شيئًا فاشْتَراهُ، فصاحِبُهُ بالخِيارِ إذا أتى السُّوقَ" (١). وأمّا قولُهُ في الحديثِ: "ولا يَبِعْ بعضُكُم على بيع بعضٍ" (٢). فهُو كقولِهِ: "لا يبِع الرَّجُلُ على بَيع أخِيهِ، ولا يَسْتامُ على سَومِهِ" (٣). ذكرَ الحسنُ بن عليٍّ الحُلوانيُّ، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ، قال: قال محمدُ بن سِيرِين: أَتَدْرِي مَتَى لا يَسْتامُ الرَّجُلُ على سَوْم أخِيهِ؟ قلتُ: لا أدرِي، قال: وأنا لا أدْرِي. وقال سُفيانُ: هُو أن يقولَ: عِندِي خيرٌ منهُ.

стр. 6226

وقال مالكٌ: معنَى ذلك الرُّكُونُ. قال مالكٌ (١): تفسِيرُ قولِ رسُولِ الله ﷺ : "لا يبِعْ بعضُكُم على بيع بعضٍ" فيما نَرَى - واللّه أعلمُ -: أَنَّهُ إنَّما نَهَى أن يسُومَ الرَّجُلُ على سَوْم أخِيهِ، إذا ركَنَ البائِعُ إلى السّائِم، وجعلَ يَشْترِطُ وزنَ الذَّهَبِ، ويتبرَّأُ من العُيُوبِ، وما أشْبَهَ هذا، مِمّا يُعرَفُ به أنَّ البائِع قد أرادَ مُبايعةَ السّائِم، فذلك الذي نُهِي عنهُ، واللّه أعلمُ. قال مالكٌ (٢): ولا بأسَ بالسَّوم بالسِّلعةِ تُوقَفُ للبيع، فيسُومُ بها غيرُ واحِدٍ. قال: ولو تركَ النّاسُ السَّوم عِندَ أوَّلِ من يسُومُ بالسِّلعةِ، أُخِذت بشِبهِ الباطِلِ من الثَّمنِ، ودخلَ على الباعَةِ في سِلَعِهِمُ المكرُوهُ والضَّررُ. قال: ولم يزلِ الأمرُ عِندَنا على هذا. قال أبو عُمر: أقوالُ الفُقهاءِ كلِّهم في هذا البابِ مُتقارِبةُ المعنى (٣)، وكلُّهُم قد أجمعُوا على جَوازِ البيع فيمَنْ يزِيدُ، وهُو يُفسِّرُ لك ذلك. ومذهبُ مالكٍ: أنَّ البيعَ في ذلك يُفسَخُ، ما لم يفُت. ومذهبُ الشّافِعِيِّ وأبي حنِيفةَ: أنَّ البيع لازِمٌ، والفِعل مكرُوهٌ. وذكر ابنُ خُويزمَنْداد، قال: قال مالكٌ: لا يَبِع الرَّجُلُ على بَيع أخِيهِ، ولا يخطِبُ على خِطْبتِهِ (٤)، ومتَى فعلَ ذلك، فُسِخ البيعُ ما لم يَفُت، وفُسِخ النِّكاحُ قبلَ الدُّخُولِ. وقال الشّافِعِيُّ (٥) وأبو حنِيفةَ، فيمَن باعَ على بيع أخِيهِ: العَقدُ صحِيحٌ، ويُكرَهُ لهُ ما فعلَ.

стр. 6227

وأجمعَ الفُقهاءُ أيضًا، على أَنَّهُ لا يجُوزُ دُخُولُ المُسلِم على الذِّمِّيِّ في سَوْمِهِ. إلّا الأوزاعِيَّ وحدَهُ، فإنَّهُ قال: لا بأسَ بدُخُولِ المُسلِم على الذِّمِّيِّ في سَومِهِ، لقولِهِ ﷺ : "لا يبِعْ بعضُكُم على بيع بعضٍ، ولا يَسُمْ (١) على سَوْم أخِيهِ" (٢). وحُجَّةُ سائِرِ الفُقهاءِ: أنَّ الذِّمِّيَّ لمّا دخلَ في نهيِهِ ﷺ عن بَيع الغررِ، وبَيع ما لم يُقبَض والنَّجشِ ورِبح ما لم يُضمَّن ونحوِ ذلك، كان كذلك في السَّوم على سَوْمِهِ، وإذا أُطلِقَ الكلامُ على المُسلِمِينَ، دخلَ فيه أهلُ الذِّمَّةِ. والدَّليلُ على ذلك، اتِّفاقُهُم على كَراهِيةِ سَوْم الذِّمِّيِّ على الذِّمِّيِّ، فدلَّ على أنَّهُم مُرادُون. وكان ابنُ حبِيبٍ يقولُ: إنَّما نُهِي أن يَشْترِي الرَّجُلُ على شِراءِ الرَّجُلِ. وأمّا أن يبِيعَ على بيعِهِ فلا. قال: لأنَّهُ لا يبِيعُ أحدٌ على بيع أحدٍ. قال: وإنَّما هُو أن يَشْترِي مُشترٍ على شِراءِ مُشترٍ. قال: والعربُ تقُولُ: بعتُ الشَّيءَ، في معنى (٣) اشْتَريتُهُ. وأنشدَ أبياتًا في ذلك، وجعلَ البيعَ فيه صحِيحًا، وفاعِلهُ عاصِيًا، أمرهُ بالتَّوبةِ والاستِغفارِ، وأن يعرِضَ السِّلعةَ على أخِيهِ الذي دخلَ فيها عليه، فإن أحبَّها أخذَها. قال أبو عُمر: لا أدرِي وجهًا لإنكارِهِ أن يُراد بذلك البائعُ (٤)، والعَرَبُ وإن كان يُعرَفُ من لُغتِها أن تقُول: بعتُ، بمعنى اشتريتُ. فالذي هُو أعرَفُ وأشهرُ عنها، أن تقول: بعتُ، بمعنى بعتُ. وأيُّ ضرُورةٍ بنا إلى هذا، والمعنى فيه واضِحٌ على ما قال مالكٌ وغيرُهُ، وباللّه العَونُ والتَّوفيقُ.

стр. 6228

وأمّا قولُهُ: "لا تناجشُوا". فقد مَضَى القولُ في معناهُ، عِند ذِكرِ حديثِ مالكٍ، عن نافِع، عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ نَهَى عنِ النَّجْشِ (١). ولا تختلِفُ الفُقهاءُ، أنَّ المُناجشةَ معناها: أن يَدُسَّ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ ليُعطِي بسِلعتِهِ عَطاءً، وهُو لا يُرِيدُ شِراءَها، ليَغْتَرَّ (٢) به من أرادَ شِراءَها من النّاسِ، أو يفعل ذلك هُو بنفسِهِ في سِلْعتِهِ، إذا لم يعلم أنَّها لهُ. واختَلفُوا في هذا البيع، فقال مالكٌ: منِ اشْتَرى سِلْعةً منجُوشةً، فهُو بالخِيارِ إذا علِمَ، وهُو عَيْبٌ من العُيُوبِ (٣). وهذا تحصِيلُ مذهبِ مالكٍ عِند المِصرِيِّينَ (٤) والعِراقِيِّينَ من أصحابه، ذكر ذلك ابنُ خُوَيْزمَنْداد وغيرُهُ عن مالكٍ. وقال الشّافِعِيُّ وأبو حنِيفةَ: ذلك مكرُوهٌ، والبيعُ لازِمٌ. وقال ابنُ حبِيبٍ: من فعلَ ذلك جاهِلًا أو مُجترِئًا، فُسِخَ البيعُ إن أُدرِكَ قبلَ أن يفُوتَ، إلّا أن يُحِبَّ المُشترِي أن يتمسَّكَ بالسِّلعةِ بذلك الثَّمنِ الذي أخذَها (٥) به. قال: فإن فاتَتْ في يَدِهِ، كانت عليه بالقِيمةِ، وذلك إذا كان البائِعُ هُو الذي دسَّهُ، أو كان المُعطِي من سببِ البائِع، وإن لم يكُن شيئًا من ذلك، وكان أجنبِيًّا لا يعرِفُ البائِع، ولا يعرِفُ قِصَّتهُ، فلا شيءَ على البائِع، والبيعُ تامٌّ صحِيحٌ، والفاعِلُ آثِمٌ (٦). هذا كلُّهُ قولُ ابنِ حبِيب.

стр. 6229

وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "ولا يبِعْ حاضِرٌ لبادٍ". فإنَّ العُلماءَ اختَلفُوا في ذلك، فكان مالكٌ يقولُ: تفسِيرُ ذلك أهلُ البادِيةِ، وأهلُ القُرَى، فأمّا أهلُ المدائِنِ من أهلِ الرِّيفِ، فإنَّهُ ليس بالبيع لهم بأسٌ، ممَّن يُرَى أَنَّهُ يعرِفُ السَّومَ، إلّا من كان منهُم يُشبِهُ أهل البادِيةِ، فإنِّي لا أُحِبُّ أن يبِيعَ لهم حاضِرٌ. وقال في البدوِيِّ، يقدمُ فيسألُ الحاضِر عنِ السِّعرِ: أكرَهُ لهُ أن يُخبِرهُ، ولا بأسَ أن يَشْترِي لهُ، إنَّما يُكرَهُ أن يبِيعَ لهُ، فأمّا أن يَشْترِيَ (١) لهُ، فلا بأسَ (٢). هذه رِوايةُ ابنِ القاسم عنهُ، قال ابنُ القاسم: ثُمَّ قال بعدَ ذلك: ولا يبِيعُ مِصرِيٌّ لمدنِيٌّ، ولا مدنِيٌّ لمِصرِيٍّ، ولكن يُشِيرُ عليه. وقال ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ: لا أرَى أن يبِيعَ الحاضِرُ للبادِي، ولا لأهلِ القُرَى. وقد حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا المُفضَّلُ (٣) بن محمدٍ الجَنَدِيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن زِيادٍ، قال: حدَّثنا أبو قُرَّةَ، قال: قلتُ لمالكٍ: قولُ النَّبيِّ ﷺ : "لا يبِعْ حاضِرٌ لبادٍ". ما تفسِيرُهُ؟ قال: لا يبِعْ أهلُ القُرى لأهلِ البادِيةِ سِلعَهُم. قلتُ: فإن بعثَ بالسِّلعةِ إلى أخ لهُ من أهلِ القُرَى، ولم يقدم معَ سِلْعتِهِ؟ قال: لا يَنْبغِي لهُ. قلتُ لهُ: ومَنْ أهلُ البادِية؟ قال: أهلُ العمُودِ (٤). قلتُ لهُ: القُرَى المسكُونةُ التي لا يُفارِقُها

стр. 6230

أهلُها، يُقِيمُونَ فيها، تكونُ قُرًى صِغارًا في نَواحِي المدِينةِ العَظِيمةِ، فيقدمُ بعضُ أهلِ تلك القُرى الصِّغارِ إلى أهلِ الدِينةِ بالسِّلع، فيَبِيعُها لهم أهلُ المدِينةِ؟ قال: نعم، إنَّما معنى الحديثِ أهلُ العمُودِ (١). ورَوَى أصبغُ، عنِ ابنِ القاسم، فيمَن فعلَ ذلك، من بيع الحاضِرِ للبادِي: أنَّهُ يُفسَخُ بيعُهُ. وكذلك روى عيسى، عنِ ابنِ القاسم، قال: وإن فاتَ، فلا شيءَ عليه. ورَوَى سحنُونٌ، عنِ ابنِ القاسم: أنَّهُ يُمضَى البيعُ. قال سحنُونٌ: وقال لي غيرُ ابنِ القاسم: أنَّهُ يُرَدُّ البيعُ. وروى سحنُونٌ وعِيسَى، عنِ ابنِ القاسم: أنَّهُ يُؤَدَّبُ الحاضِرُ إذا باعَ للبادِي. قال في رِوايةِ عيسى: إن كان مُعتادًا لذلك. ورَوى عبدُ الملكِ بن الحسنِ زُونانُ (٢)، عنِ ابنِ وَهْبٍ: أنَّهُ لا يُؤَدَّبُ، عالِمًا كان بالنَّهيِ عن ذلك أو جاهِلًا (٣). قال أبو عُمر: لم يختلِف قولُ مالكٍ، واللّه أعلمُ، في كَراهِيةِ بيع الحاضِرِ للبادِي، واختلَفَ قولُهُ في شِراءِ الحاضِرِ للبادِي. فمرَّةً قال: لا بأسَ أن يشترِي لهُ. ومرَّةً قال: لا يَشْترِي لهُ، ولا يُشِيرُ عليه. ذكرَ ذلك في كِتابِ السُّلطانِ، من "المُسْتخرجةِ". وبه قال ابنُ حبِيبٍ، قال: والبادِي الذي لا يبِيعُ لهُ الحاضِرُ، هُم أهلُ

стр. 6231

العمُودِ، أهلُ (١) البَوادِي والبَرارِيِّ، مِثلُ الأعرابِ. قال: وجاءَ النَّهيُ في ذلك، إرادةَ أن يُصِيبَ النّاسَ غِرَّتهم. ثُمَّ ذكر عنِ الحِزَاميِّ (٢)، عن سُفيانَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يبِعْ حاضِرٌ لبادٍ، دعُوا النّاسَ يرزُقُ اللهُ بعضَهُم من بَعْضٍ" (٣). قال: فأمّا (٤) أهلُ القُرَى، الذينَ يعرِفُونَ أثمانَ سِلَعِهِم وأسواقَها، فلم يُعنَوْا بهذا الحديثِ. قال: فإذا باعَ الحاضِرُ للبادِي، فُسِخ البيعُ، لأنَّ عَقدهُ وقعَ منهِيًّا عنهُ، فالفسخُ أولى به. قال: وكذلك أخبَرني أصبغُ، عنِ ابنِ القاسم، قال: قال عبدُ الملكِ بن حبِيبٍ: والشِّراءُ للبادِي مِثل البيع، ألا تَرَى إلى قولِهِ ﷺ : "لا يبِعْ بعضُكُم على بيع بعضٍ"، إنَّما هُو: لا يَشْترِي بعضُكُم على شِراءِ بعضٍ. قال: فلا يجُوزُ للحَضرِيِّ أن يَشْترِيَ للبَدَوِيِّ ولا (٥) يبِيع لهُ، ولا أن يبعثَ البَدَوِيُّ إلى الحضرِيِّ بمتاع فيبِيعَهُ لهُ الحضرِيُّ، ولا يُشِيرُ عليه في البَيْع إن قدِمَ عليه. قال أبو عُمر: قال اللَّيثُ بن سعدٍ: لا يُشِيرُ الحاضِرُ على البادِي؛ لأنَّهُ إذا أشارَ عليه، فقد باعَ لهُ، لأنَّ مِن شأن أهلِ البادِيةِ أن يُرخِّصُوا على أهلِ الحَضَرِ (٦)، لقِلَّةِ مَعرِفتِهِم بالسُّوقِ، فنَهَى رسُولُ الله ﷺ عنِ البيع لهُ (٧).

стр. 6232

قال: ولا بأسَ أن يبتاعَ الحاضِرُ للبادِي، وأمّا أهلُ القُرَى، فلا بأسَ أن يبِيع لهمُ الحاضِرُ. وقال الأوزاعِيُّ: لا يبِع حاضِرٌ لبادٍ، ولكن لا بأس أن يُخبِرهُ بالسِّعرِ. وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: لا بأسَ أن يبِيع الحاضِرُ للبادِي. ومن حُجَّتِهِم أنَّ هذا الحديث قد عارَضهُ قولُهُ ﷺ : "الدِّينُ النَّصِيحةُ لكلِّ مُسلِم" (١). وقال الشّافِعِيُّ: لا يبِعْ حاضِرٌ لبادٍ، فإن باعَ حاضِرٌ لبادٍ، فهُو عاصٍ، إذا كان عالِمًا بالنَّهيِ، ويجُوزُ البيعُ، لقولِهِ ﷺ : "دعُوا النّاس يَرْزُق اللهُ بعضَهُم من بعضٍ" (٢). قال أبو عُمر: هذا اللَّفظُ يقضي على أنَّ النَّهي عن بيع الحاضِرِ للبادِي، إنَّما هُو لئلّا يُمنعَ المُشْترِي فضلَ ما يَشْترِيهِ. وهذا مُوافِقٌ للنَّهيِ عن تلقِّي السِّلع، على تأوِيلِ مالكٍ وأصحابه، ومُخالِفٌ لذلك على تأوِيلِ الشّافِعِيِّ في النَّهيِ عن تلقِّي السّلع. وهذا لفظٌ صحِيحٌ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُمر (٣)، قال: حدَّثنا عليُّ بن حربٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "لا يبِعْ حاضِرٌ لبادٍ، ودعُوا النّاس يرزُق اللهُ بعضَهُم من بعضٍ" (٤).

стр. 6233

وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ النُّفيليُّ، قال: حدَّثنا زُهَيرٌ، قال: حدَّثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يبِعْ حاضِرٌ لبادٍ، ذرُوا النّاس يَرزُق الله بعضهُم من بعضٍ". ورَوَى ابنُ عبّاسٍ، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ أن يبِيعَ حاضِر لبادٍ. ذكَرهُ مَعْمرٌ، عنِ ابنِ طاوُوسٍ، عن أبيهِ، عنِ ابنِ عبّاسٍ. وقال: قلتُ لهُ: ما يبِيعُ حاضِرٌ لبادٍ؟ قال: لا يكونُ لهُ سِمسارًا (٢). ورَوَى أنسُ بن مالكٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "لا يبِعْ حاضِرٌ لبادٍ، وإن كان أباهُ، أو أخاهُ (٣). وفي حديثِ طَلْحةَ بنِ عُبيدِ الله، أنَّهُ قال للأعرابِيِّ حِينَ قدِمَ عليه بحَلُوبةٍ لهُ يَبِيعُها: إنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى أن يبِيعَ حاضِرٌ لبادٍ، ولكنِ اذْهَب إلى السُّوقِ، فانظُر من يُبايِعُك، وشاوِرني حتَّى آمُركَ، أو أنهاكَ.

стр. 6234

ذكرهُ حمّادُ بن سلَمةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن سالم المكِّيِّ، أنَّ أعرابِيًّا حدَّثهُ: أنَّهُ قدِمَ بحلُوبةٍ لهُ على طَلْحةَ بنِ عُبيدِ الله. فذكرهُ (١). حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُمر، قال: حدَّثنا عليُّ بن حربٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عنِ ابنِ أبي نَجِيح، عن مُجاهِدٍ، قال: إنَّما نَهَى رسُولُ الله ﷺ أن يبِيعَ حاضِر لبادٍ في زَمانِهِ، أرادَ أن يُصِيبَ النّاسُ بعضُهُم من بعضٍ، فأمّا اليومَ فليس به بأسٌ. قال ابنُ أبي نجيح: وقال عطاءٌ: لا يصلُحُ ذلك؛ لأنَّ رسُولَ الله ﷺ نهى عنهُ (٢). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن حربٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن مُسلِم الخيّاطِ، سمِعَ ابن عُمرَ يَنْهى أن يبِيعَ حاضِر لبادٍ. قال: وقال أبو هريرةَ: لا يبِيعنَّ حاضِر لبادٍ (٣). قال أبو عُمر: من فسخَ البيع من أهلِ العِلم في المُناجَشةِ، وبيع الحاضِرِ للبادي (٤)، وبيع المرءِ على بَيع أخِيهِ، ونحوِ ذلك من الآثارِ، فحُجَّتُهُم أَنَّهُ بيعٌ طابقَ النَّهي ففسدَ. وكذلك البيعُ عِندَهُم بعد النِّداءِ للجُمُعةِ، أو مع الأذانِ لها. وكان أبو حَنِيفةَ والثَّورِيُّ والشّافِعِيُّ وداودُ وجَماعةٌ من أصحابهم وغيرُهُم يَذْهبُونَ إلى أنَّ البيعَ عِندَ الأذانِ للجُمُعةِ جائِزٌ ماضٍ، وفاعِلُهُ عاصٍ (٥).

стр. 6235

وكذلك البُيُوعُ المذكُورةُ المنهِيُّ عنها في الحديثِ المذكُورِ في هذا البابِ. واستدلَّ من ذهَبَ هذا المذهب، بأنَّ النَّهي عن ذلك، لم يُرَدْ به نفسُ البيع، إنَّما أُرِيدَ به معنًى غيرُ البيع، وهُو تركُ الاشتِغالِ عنِ الجُمُعةِ بما يَحبِسُ عنها، وسواءٌ كان بيعًا، أو غير بيع، وجَرَى في ذلك ذِكرُ البيع، لأنَّهُم كانوا يتبايَعونَ (١) ذلك الوَقتَ، فنُهُوا عن كلِّ شاغِلٍ يَشْغلُ عنِ الجُمُعةِ، وعن كلِّ ما يَحُولُ بينَ من وجبَتْ عليه، وبين السَّعيِ إليها، والبيعُ وغيرُهُ في ذلك سَواءٌ. قالوا: ولا معنى لفسخ البيع؛ لأنَّهُ معنًى غير شُهُودِ (٢) الجُمُعةِ، لأنَّهُ قد يَبِيعُ ذلك الوقتَ، ويُدرِكُ الجُمُعةَ. قالوا: ألا تَرَى أنَّ رجُلًا لو (٣) ذكرَ صلاةً، لم يبقَ من وقتِها إلّا ما يُصلِّيها فيه، كان عاصِيًا بالتَّشاغُلِ عنها بالبيع، وجازَ بيعُهُ. قالوا: فكذلك من باعَ بعدَ أذانِ الجُمُعةِ سَواءٌ. قالوا: وكذلك لو كان في صلاةٍ، فقال لهُ رجُلٌ: قد بعتُكَ عَبدِي هذا بألفٍ. فقال: قد قبِلتُ. صحَّ البيعُ، وإن كان مَنهِيًّا عن قَطع صَلاتِهِ بالقَولِ (٤). وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "ولا تُصِرُّوا الإبِلَ والغَنَم، فمنِ ابْتاعها بعدَ ذلك، فهُو بخيرِ النَّظَرينِ بعدَ أن يَحلِبها، إن رَضِيها أمْسَكَها، وإن سَخِطها، رَدَّها وصاعًا من تمرٍ" (٥) (٦). فقدِ اختلفَ العُلماءُ في القَولِ بهذا الحديثِ، فمنهُم من قال به، ومنهُم من ردَّهُ ولم يَسْتعمِلهُ.

стр. 6236

وممَّن قال به: مالكُ بن أنسٍ، والشّافِعِيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وجُمهُورُ أهلِ الحديثِ. ذكر أسدٌ وسُحنُونٌ، عنِ ابنِ القاسم، أَنَّهُ قال لهُ: أيأخُذُ مالكٌ بهذا الحديثِ؟ فقال: قلتُ لمالكٍ: تأخُذُ بهذا الحديثِ؟ قال: نعم. وقال مالكٌ: أوَلأحَدٍ في هذا الحديثِ رأيٌ؟ قال ابنُ القاسم: وأنا آخُذُ به، إلّا أنَّ مالكًا قال لي: أرَىَ لأهلِ البُلدانِ إذا نزلَ بهم هذا، أن يُعطُوا الصّاع من عَيْشِهِم. قال: وأهلُ مِصرَ عَيْشُهُمُ الحِنْطةُ (١). قال أبو عُمر: رَدَّهُ أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ، وزعمَ بعضُهُم: أنَّهُ منسُوخٌ، وأَنَّهُ كان قبلَ تحرِيم الرِّبا. وبأشياءَ لا يصلُحُ لها معنًى إلّا مُجرَّد الدَّعوَى. وقد رَوَى أشْهَبُ، عن مالكٍ نحو ذلك. ذكرَ العُتبِيُّ من سماع أشْهَب، عن مالكٍ: أنَّهُ سُئِلَ عن قولِ رسُولِ الله ﷺ : "منِ ابتاعَ مُصرّاةً، فهُو بخيرِ النَّظَرَينِ بعدَ أن يحلِبها، إن شاءَ أمسَكَها، وإن شاءَ رَدَّها وصاعًا من تمرٍ". فقال: قد سمِعتُ ذلك، وليس بالثّابِتِ، ولا "المُوطَّأ" عليه، ولئِن لم يكُن ذلك أنَّ لهُ اللَّبن بما أعلَفَ (٢) وضمِنَ. قِيل لهُ: نراكَ تُضعِّفُ الحديثَ؟ فقال: كلُّ شيءٍ يُوضَعُ مَوْضِعهُ، وليس بـ "المُوطَّأ" ولا الثّابِتِ، وقد سمِعتُهُ. قال أبو عُمر: هذه رِوايةٌ مُنكرةٌ، والصَّحِيحُ عن مالكٍ، ما رواهُ ابنُ القاسم، والحديثُ عِندَ أهلِ العِلم بالحديثِ صحِيحٌ من جِهَةِ النَّقلِ، رواهُ جماعةٌ عن أبي

стр. 6237

هريرةَ، منهُم: موسى بن يَسارٍ (١)، وأبو صالح السَّمّانُ (٢)، وهمّامُ بن مُنبِّهٍ (٣)، ومحمدُ بن سِيرِين (٤)، ومحمدُ بن زِيادٍ، بأسانِيد صِحاح ثابتةٍ، فرِوايةُ الأعرج قد ذكَرْناها من حديثِ مالكٍ. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم بنِ عِيسَى، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمدِ بنِ حَبابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ البَغوِيُّ، قال (٥): حدَّثنا جدِّي، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن هارُونَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن محمدِ بنِ زِيادٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "منِ اشْتَرى مُصرّاةً، فهُو بالخِيارِ ثلاثًا، وإن رَدَّها، رَدَّ معَها صاعًا من تَمْرٍ". وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم بنِ عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن حَبابةَ، قال: حدَّثنا البَغوِيُّ، قال (٦): حدَّثنا عليُّ بن الجَعدِ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الرّازِيُّ،

стр. 6238

عن هشام، عنِ ابنِ سِيرِينَ، عن أبي هريرةَ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "منِ اشْتَرى مُصرّاةً، فهُو بالخِيارِ ثلاثةَ أيام، فإن رَدَّها، ردَّ معَها صاعًا من تمرٍ، لا سمراءَ". وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عنِ ابنِ سِيرِين، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ ، فذكرهُ حرفًا بحرفٍ، وزاد: "لا سمراءَ". يعني الحِنْطةَ (١). قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ في حديثِ أبي الزِّنادِ: "ولا تُصِرُّوا الإبِل والغنمَ، فمَنِ ابتاعَها". يُرِيدُ منِ ابتاعَ المُصرّاةَ من الإبِلِ أو الغَنم. والمُصرّاةُ، هِي المُحفَّلةُ، سُمِّيت مُصرّاةً (٢)؛ لأنَّ اللَّبنَ صُرِّي في ضَرْعِها أيامًا، حتَّى اجتمعَ وكثُر. ومعنى صُرِّيَ: حُبِسَ، فلم تُحلب حتَّى عظُمَ ضَرْعُها به، ليَغترَّ المُشترِي بذلك، ويظُنَّ أنَّ تلك حالهُا. وأصلُ التَّصرِيةِ، حبسُ الماءِ وجمعُهُ، تقُولُ العربُ منهُ: صرَّيتُ الماءَ، إذا حبستَهُ، وليس هذا اللَّفظُ من الصِّرارِ والتَّصرِيرِ، ولو كان منهُ، لكانت مصرُورةً، لا مُصرّاةَ. وإنَّما قيلَ للمُصرّاةِ: المُحفَّلةُ؛ لأنَّ اللَّبن اجتمعَ في ضَرْعِها، فصارت حافِلًا، والحافِلُ: الكثِيرةُ اللَّبنِ، العظِيمةُ الضَّرع، ومنهُ قيلَ: مجلِسٌ حافِلٌ، ومُحتفِلٌ، إذا كَثُر فيه القومُ. وهذا الحديثُ أصلٌ في النَّهيِ عنِ الغِشِّ، وأصلٌ فيمَنْ دُلِّسَ عليه بعَيْب (٣)، أو وجدَ عيبًا بما ابتاعَهُ، أنَّهُ بالخِيارِ في الاسْتِمساكِ (٤) أوِ الرَّدِّ.

стр. 6239

وهذا مُجتمع عليه في الرَّدِّ بالعُيُوبِ، كلُّهُم يجعلُ حديث المُصرّاةِ أصلًا في ذلك. وأمّا استِعمالُ الحديثِ في المُصرّاةِ على وَجهِهِ، فمُختلفٌ فيه، قال به أكثرُ أهلِ الحِجازِ، واستعملوا كثِيرًا من مَعانِيهِ. ومن أهلِ العِلم بالعِراقِ والحِجازِ، من يأبى استِعمالَ حديثِ المُصرّاةِ. واختلفَ الذين أبوا ذلك، فقال منهُم قائِلُونَ: ذلك خُصُوصٌ في المُصرّاةِ، غيرُ مُستَعملٍ في غيرِها، لأنَّ اللَّبنَ المحلُوب مِنها، فيه للمُشترِي حظٌّ، لأنَّ بعضهُ حدثَ في مِلكِهِ، فهُو غلَّةٌ (١) لهُ، وذكرُوا قولهُ ﷺ : "الخراجُ بالضَّمانِ" (٢)، و"الغلَّةُ بالضَّمانِ". قالوا: والغلَّةُ والكَسْبُ لمّا (٣) كان عِندَ الجميع بالضَّمانِ، كان ردُّ الصّاع خُصُوصًا في المُصرّاةِ. أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن مَرْوانَ، قال: أخبرنا الحسنُ بن يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عليِّ بنِ الجارُودِ، قال (٤): حدَّثنا بَحرُ بن نصرٍ، عنِ الشّافِعِيِّ، قال: حدَّثنا مُسلِمُ بن خالدٍ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائِشةَ، أنَّ رجُلًا اشْتَرى

стр. 6240

عبدًا فاسْتَغلَّهُ، ثُمَّ ظهرَ منهُ على عيبٍ، فخاصَمَ فيه إلى رسُول الله ﷺ ، فقَضَى لهُ بردِّهِ، فقال (١) البائِعُ: يا رسُولَ الله، إنَّهُ قد أخذَ خراجهُ. فقال رسُولُ الله ﷺ : "الخراجُ بالضَّمانِ". وأخبرناهُ أحمدُ بن عبدِ الله بنِ محمدٍ، قِراءَةً مِنِّي عليه، أنَّ الميمُون بن حمزةَ الحُسينيَّ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا الطَّحاوِيُّ، قال: حدَّثنا المُزنيُّ، قال: حدَّثنا الشّافِعِيُّ، قال: أخبَرنا مُسلِمُ بن خالدٍ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائِشةَ. فذكرهُ سواءً. وأخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن مروانَ، قال: أخبَرني الحسنُ بن يحيى القُلْزُمِيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ الجارُودِ، قال (٢): حدَّثنا عبدُ الله بن هاشم (٣)، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ، عنِ ابنِ أبي ذِئبٍ، قال: حدَّثني مخلدُ بن خُفافٍ، عن عُرْوةَ، عن عائِشةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "الخراجُ بالضَّمانِ". وقرأتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سُفيانَ، أنَّ قاسم بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ وأبو يحيى (٤) بن أبي مسرَّةَ، قالا: حدَّثنا مُطرِّفُ بن عبدِ الله. قال

стр. 6241

قاسمٌ: وحدَّثنا أحمدُ بن حمّادٍ ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى بن حمّادٍ النَّرسِيُّ، قالا: حدَّثنا مُسلِمُ بن خالدٍ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائِشةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "الخراجُ بالضَّمانِ" (١). وفي حديثِ أحمد بنِ حمّادٍ: أنَّ رجُلًا اشْتَرى غُلامًا، فردَّهُ بعَيْبٍ به، فقال الرَّجُلُ: إنَّهُ قدِ اسْتَغلَّهُ يا رسولَ الله. فقال رسُولُ الله ﷺ : "الغلَّةُ بالضَّمانِ". وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرٌ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عنِ ابنِ أبي ذِئبٍ، عن مخلدِ بنِ خُفافِ بنِ إيماء، عن عُروةَ، عن عائِشةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "الخراجُ بالضَّمانِ" (٢). وقال منهُم آخرُونَ: حديثُ المُصرّاةِ منسُوخٌ، كما نُسِختِ العُقُوباتُ بالغَراماتِ. واعْتلُّوا في جَوازِ دعْوَى النَّسخ في ذلك، بأن قالوا: العُلماءُ لم يجعلوا حديثَ المُصرّاةِ أصلًا يَقِيسُونَ عليه ولَدَ الجارِيةِ، إذا وَلَدَتْ عِندَ المُشترِي، ثُمَّ اطَّلعَ على عيبٍ؛ لأنَّهُمُ اختلفُوا في ذلك، فقال مالكٌ: يرُدُّها ووَلَدَها على البائِع. وقال الشّافِعِيُّ (٣): يَحبِسُ الولدَ لنَفسِهِ، لأنَّهُ حدث في مِلْكِهِ. قالوا: ومَعلُومٌ أنَّ في لبنِ المُصرّاةِ جُزءًا حادِثًا في مِلْكِ المُشْترِي في الحَلْبةِ الأولى؛ لأنَّ اللَّبن يَحدُثُ بالسّاعاتِ، فقد أُمِرَ في هذا الحديثِ بردِّ ما حدَثَ (٤) من ذلك في مِلْكِ المُبتاع، وهذا يُعارِضُهُ قولُهُ ﷺ : "الغلَّةُ بالضَّمانِ". فلِهذا لم يجعلوا هذا الحديث أصلًا يَقِيسُونَ عليه. هذه جُملةُ ما اعتلَّ به من ردَّ حديث المُصرّاةِ، فيما ذكَرْنا.

стр. 6242

وممَّن ردَّهُ أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ، وهُو حديثٌ مُجتمعٌ على صِحَّتِهِ وثُبُوتِهِ من جِهَةِ النَّقلِ، وهذا مِمّا يُعَدُّ ويُنقَمُ على أبي حنِيفةَ من السُّننِ التي رَدَّها برأيهِ، وهذا مِمّا عِيبَ عليه. (١) ولا معنَى لإنكارِهِم ما أنكرُوهُ من ذلك؛ لأنَّ هذا الحديث أصلٌ في نَفسِهِ، والمعنى فيه، واللّه أعلمُ، على ما قال أهلُ العِلم: أنَّ لبنَ المُصرّاةِ لمّا كان مُغيّبًا، لا يُوقَفُ على صِحَّةِ مِقْدارِهِ، وأمكنَ التَّداعِي في قِيمَتِهِ، وقِلَّةِ ما طَرَأ منهُ في مِلْكِ المُشترِي وكَثْرتِهِ، قطعَ النَّبيُّ ﷺ الخُصُومةَ في ذلك بما حدَّهُ فيه. كما فعلَ ﵇ في دِيَةِ الجَنِينِ، قطعَ فيه مِثل ذلك؛ لأنَّ الجنِينَ لمّا أمكنَ أن يكون حيًّا، فتكونُ فيه الدِّيةُ، وأمكنَ أن يكون ميِّتًا، فلا يكونُ فيه شيءٌ، قطعَ رسولُ الله ﷺ حُكمهُ بما حدَّ فيه، واتَّفقَ العُلماءُ على القَولِ به، مع قولِهِم: إنَّ في الطِّفلِ الحيِّ الدِّيةَ كامِلةً، والميِّتُ لا شيءَ فيه. فكذلكَ حُكمُ المُصرّاةِ، لا يُلتفتُ فيها إلى ما خالَفها من الأُصُولِ؛ لأنَّ حُكمها أصلٌ في نفسِهِ، لثُبُوتِ الخَبرِ بها عنِ النَّبيِّ ﷺ ، كالعرايا، وما أشبهها، واللّه أعلمُ. وأمّا الرَّدُّ بما دلَّسَ فيه بائِعُهُ من العَيْبِ (٢) في سِلعتِهِ، فهذا الحديثُ عِندَهُم أصلٌ في ذلك (٣). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بن أبي مَسرَّةَ، قال: حدَّثنا المُقرِئُ، قال: حدَّثنا المسعُودِيُّ، عن جابرٍ، عن (٤) أبي الضُّحَى، عن مَسرُوقٍ، قال: قال عبدُ الله بن مَسعُودٍ: أشْهَدُ

стр. 6243

على الصّادِقِ المَصدُوقِ أبي القاسم ﷺ ، أنَّهُ قال: "بيعُ المُحفَّلاتِ خِلابةٌ (١)، ولا تحِلُّ خِلابةُ مُسلِم" (٢). حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزِيزِ بن محمدٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عُمرَ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أيُّما رجُلٍ اشْتَرى مُحفَّلةً، فلهُ أن يُمْسِكها ثلاثًا، فإن أحَبَّها أمْسَكها، وإن سَخِطها رَدَّها وصاعًا من تمرٍ" (٣). (٤) كذلك رواهُ ابن المُبارك، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ نَهَى عن بيع الشّاةِ وهي مُحفَّلةٌ، فإذا باعَها، فإنَّ صاحِبها بالخِيارِ ثلاثةَ أيام، فإن كرِهَها، ردَّها وصاعًا من تمَرٍ (٥). لم يقُل: لا تُصِرُّوا الإبِل والغنمَ، فمنِ ابتاعها. ولا قال: منِ ابتاعَ غَنمًا مُصرّاةً فاحْتَلبها. وجعل الحديث في شاةٍ واحِدةٍ. قال أبو عُمر: بهذا الحديثِ استدلَّ من ذهب إلى (٦) أنَّ الصّاع إنَّما يُردُّ عنِ

стр. 6244

الواحِدةِ، لا عن أكثر من واحِدةٍ. وبهذا احتجَّ بعض من ذهَبَ إلى ذلك من مُتأخِّرِي الفُقهاءِ، وقال: فإن كانت أكثر من واحِدةٍ، ردَّ صاعًا عن كلِّ واحِدةٍ، وسواءٌ في ذلك النّاقةُ والشّاةُ، تَعبُّدًا وتسلِيمًا، واللّه أعلمُ. وقدِ اختلفَ المُتأخِّرُونَ من أصحابِنا وغيرِهِم، فيمَنِ اشْتَرى مُحفَّلاتٍ في صَفْقَةٍ، فبعضُهُم قال بما ذكَرْنا، وبعضُهُم قال: لا يرُدُّ مَعهُنَّ إن سَخِطهُنَّ إلّا صاعًا واحِدًا من تمرٍ، أو صاعًا من عَيْشِ بَلدِهِ. وأظُنُّهُ ذهَبَ إلى ما رواهُ ابنُ جُريج، عن زِيادِ بنِ سعدٍ، عن ثابتٍ مولى عبدِ الرَّحمنِ بنِ زيدٍ، سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "منِ اشْتَرى غَنمًا مُصرّاةً فاحْتَلبها، فإن رَضِيها أمْسَكَها، وإن سَخِطها، ففي حَلْبتها صاعٌ من تمرٍ". ذكرهُ أبو داودَ (١)، عن عبدِ الله بنِ مخلدٍ، عن مكِّيِّ بنِ إبراهيم، عنِ ابنِ جُريج. وذكرُهُ البُخارِيُّ (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا مكِّيٌّ، قال: أخبَرنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبَرني زِيادٌ، أنَّ ثابتًا مولى عبدِ الرَّحمنِ بنِ زيدٍ أخبَرهُ، أنَّهُ سمِع أبا هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ . فذكرهُ سواءً (٣). قال البُخارِيُّ (٤): وحدَّثنا يحيى بن بُكيرٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن جَعفرِ بنِ ربِيعةَ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "لا تُصِرُّوا الإبِل والغنَمَ، فمنِ ابتاعها بعدُ، فإنَّهُ بخيرِ النَّظَرينِ بعدَ أن يحلِبها، إن رَضِيها أمْسَكَها، وإن سخِطَها رَدَّها وصاعًا من تمرٍ".

стр. 6245

وهذا مِثلُ حَدِيثِ مالكٍ سَواءً، وهُو مُحتمِلٌ للتَّأوِيلِ. ومنِ استعملَ ظواهِر آثارِ هذا البابِ على جُملتِها، لم يُفرِّق بين شاةٍ وغنَم، ولا بين ناقةٍ ونُوقٍ في الصّاع عمّا ابتاعَهُ، مِمّا ضمِنَ من ذلك ودلَّسَ عليه به، واللّه أعلمُ. والأكثرُ من أصحابِنا وغيرِهِم يقولُونَ: إنَّ الصّاع إنَّما هُو عنِ الشّاةِ الواحِدةِ المُصرّاةِ، أوِ النّاقةِ الواحِدةِ المُحَفَّلةِ. واحتجُّوا برِوايةِ عِكْرِمةَ (١)، وأبي صالح (٢)، وخِلاسِ بنِ عَمرٍو (٣)، وابنِ سِيرِين (٤)، كلُّهُم يقولُ: عن أبي هريرهَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : "منِ اشْتَرى شاةً مُصرّاةً، أو نَعْجةً مُصرّاةً". حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن أيُّوبَ، وهشامٌ وحبِيبٌ، عن محمدِ بنِ سِيرِين، عن أبي هريرةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "منِ اشْتَرى شاةً مُصرّاةً، فهُو بالخِيارِ ثلاثةَ أيام، إن شاءَ ردَّها وصاعًا من طعام، لا سَمْراءَ". وهكذا رواهُ جماعةٌ في حديثِ ابنِ سِيرِين وغيرِهِ، عن أبي هريرةَ: "شاةً مُصرّاةً". وبعضُهُم يقولُ في هذا الحديثِ: "لا سمراءَ". وبعضُهُم لا يذكُرُهُ، ويقولُ:

стр. 6246

"صاعًا من طعام". وفسَّر بعضُهُم قولهُ: "صاعًا من طعام، لا سمراءَ". قال: يقولُ: تمرًا، ليس ببُرٍّ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهَيْثم أبو الأحوصِ، قال: حدَّثنا الحُنَينيُّ (١)، عن داود بنِ قَيْسٍ، عن موسى بنِ يَسارٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا اشْتَرى أحدُكُمُ الشّاةَ المُصرّاةَ، فهُو بخيرِ النَّظَرينِ بعدَ أن يَحلبها، فإن رَضِيها أمسَكَها، وإن سَخِطها، رَدَّها وصاعًا من تمرٍ" (٢). وكذلك رواهُ القَعنبِيُّ (٣)، وابنُ وَهْب (٤)، عن داود بنِ قَيْسٍ، عن موسى بنِ يَسارٍ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، إلّا أنَّهُما قالا: "فليَنْقلِب بها فليحلِبها، فإن رضِيَ حِلابها أمْسَكَها، وإلّا ردَّها ومعَها صاعُ تمرٍ" (٥).

стр. 6247

وأمّا الحديثُ المذكُورُ فيه: "صاعًا من طعام"، فأخبَرناهُ عبدُ الرَّحمنِ بن مروانَ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بن يحيى، قال: حدَّثنا ابنُ الجارُودِ، قال (١): حدَّثنا عبدُ الله بن هاشِم، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، عن شُعبَةَ، عن سيّارٍ، عنِ الشَّعبِيِّ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "لا تَبايعُوا بإلقاءِ الحَصَى، ولا تناجشُوا، ولا تَبايعُوا بالمُلامسةِ، ومنِ اشْتَرى مِنكُم مُحفَّلةً فكَرِهها، فليرُدَّها، وليرُدَّ معها صاعًا من طَعام". وأمّا أقاوِيلُ الفُقهاءِ في هذا البابِ: فقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: المُحفَّلةُ عِندَنا وغيرُها سواءٌ. ومنِ اشْتَرى عِندَهُ وعِندَ أصحابه شاةً مُصرّاةً، فحلب لبَنَها، لم يرُدَّها بعَيْبٍ، ولكنَّهُ يرجِعُ بنُقصانِ العَيْبِ (٢). وقالوا: هذا الحديثُ في المُصرّاةِ مَنسُوخٌ، واختلفُوا فيما نَسَخهُ، فمنهُم من قال: نسخهُ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. وأنَّهُ لا يجِبُ فيمَنِ استهلكَ شيئًا لأحَدٍ غيرِهِ، إلّا مِثلهُ، أو قِيمتهُ. ومنهُم من قال: نَسَخهُ: "الخراجُ بالضَّمانِ" (٣). و: "الكالِئُ بالكالِئ" (٤)؛ لأنَّ لبنَ المُصرّاةِ دَيْنٌ في ذِمَّةِ المُشترِي، وإذا ألزَمناهُ في ذِمَّتِهِ صاعًا من تمرٍ، كان الطَّعامُ بالطَّعام نسِيئَةً، ودَينًا بدَينٍ، وهذا كلُّهُ مَنسُوخٌ بما ذكَرْنا.
следующие страницы →