← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6243–6282 · переход к 6248.

стр. 6243

على الصّادِقِ المَصدُوقِ أبي القاسم ﷺ ، أنَّهُ قال: "بيعُ المُحفَّلاتِ خِلابةٌ (١)، ولا تحِلُّ خِلابةُ مُسلِم" (٢). حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزِيزِ بن محمدٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عُمرَ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أيُّما رجُلٍ اشْتَرى مُحفَّلةً، فلهُ أن يُمْسِكها ثلاثًا، فإن أحَبَّها أمْسَكها، وإن سَخِطها رَدَّها وصاعًا من تمرٍ" (٣). (٤) كذلك رواهُ ابن المُبارك، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ نَهَى عن بيع الشّاةِ وهي مُحفَّلةٌ، فإذا باعَها، فإنَّ صاحِبها بالخِيارِ ثلاثةَ أيام، فإن كرِهَها، ردَّها وصاعًا من تمَرٍ (٥). لم يقُل: لا تُصِرُّوا الإبِل والغنمَ، فمنِ ابتاعها. ولا قال: منِ ابتاعَ غَنمًا مُصرّاةً فاحْتَلبها. وجعل الحديث في شاةٍ واحِدةٍ. قال أبو عُمر: بهذا الحديثِ استدلَّ من ذهب إلى (٦) أنَّ الصّاع إنَّما يُردُّ عنِ

стр. 6244

الواحِدةِ، لا عن أكثر من واحِدةٍ. وبهذا احتجَّ بعض من ذهَبَ إلى ذلك من مُتأخِّرِي الفُقهاءِ، وقال: فإن كانت أكثر من واحِدةٍ، ردَّ صاعًا عن كلِّ واحِدةٍ، وسواءٌ في ذلك النّاقةُ والشّاةُ، تَعبُّدًا وتسلِيمًا، واللّه أعلمُ. وقدِ اختلفَ المُتأخِّرُونَ من أصحابِنا وغيرِهِم، فيمَنِ اشْتَرى مُحفَّلاتٍ في صَفْقَةٍ، فبعضُهُم قال بما ذكَرْنا، وبعضُهُم قال: لا يرُدُّ مَعهُنَّ إن سَخِطهُنَّ إلّا صاعًا واحِدًا من تمرٍ، أو صاعًا من عَيْشِ بَلدِهِ. وأظُنُّهُ ذهَبَ إلى ما رواهُ ابنُ جُريج، عن زِيادِ بنِ سعدٍ، عن ثابتٍ مولى عبدِ الرَّحمنِ بنِ زيدٍ، سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "منِ اشْتَرى غَنمًا مُصرّاةً فاحْتَلبها، فإن رَضِيها أمْسَكَها، وإن سَخِطها، ففي حَلْبتها صاعٌ من تمرٍ". ذكرهُ أبو داودَ (١)، عن عبدِ الله بنِ مخلدٍ، عن مكِّيِّ بنِ إبراهيم، عنِ ابنِ جُريج. وذكرُهُ البُخارِيُّ (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا مكِّيٌّ، قال: أخبَرنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبَرني زِيادٌ، أنَّ ثابتًا مولى عبدِ الرَّحمنِ بنِ زيدٍ أخبَرهُ، أنَّهُ سمِع أبا هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ . فذكرهُ سواءً (٣). قال البُخارِيُّ (٤): وحدَّثنا يحيى بن بُكيرٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن جَعفرِ بنِ ربِيعةَ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "لا تُصِرُّوا الإبِل والغنَمَ، فمنِ ابتاعها بعدُ، فإنَّهُ بخيرِ النَّظَرينِ بعدَ أن يحلِبها، إن رَضِيها أمْسَكَها، وإن سخِطَها رَدَّها وصاعًا من تمرٍ".

стр. 6245

وهذا مِثلُ حَدِيثِ مالكٍ سَواءً، وهُو مُحتمِلٌ للتَّأوِيلِ. ومنِ استعملَ ظواهِر آثارِ هذا البابِ على جُملتِها، لم يُفرِّق بين شاةٍ وغنَم، ولا بين ناقةٍ ونُوقٍ في الصّاع عمّا ابتاعَهُ، مِمّا ضمِنَ من ذلك ودلَّسَ عليه به، واللّه أعلمُ. والأكثرُ من أصحابِنا وغيرِهِم يقولُونَ: إنَّ الصّاع إنَّما هُو عنِ الشّاةِ الواحِدةِ المُصرّاةِ، أوِ النّاقةِ الواحِدةِ المُحَفَّلةِ. واحتجُّوا برِوايةِ عِكْرِمةَ (١)، وأبي صالح (٢)، وخِلاسِ بنِ عَمرٍو (٣)، وابنِ سِيرِين (٤)، كلُّهُم يقولُ: عن أبي هريرهَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : "منِ اشْتَرى شاةً مُصرّاةً، أو نَعْجةً مُصرّاةً". حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن أيُّوبَ، وهشامٌ وحبِيبٌ، عن محمدِ بنِ سِيرِين، عن أبي هريرةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "منِ اشْتَرى شاةً مُصرّاةً، فهُو بالخِيارِ ثلاثةَ أيام، إن شاءَ ردَّها وصاعًا من طعام، لا سَمْراءَ". وهكذا رواهُ جماعةٌ في حديثِ ابنِ سِيرِين وغيرِهِ، عن أبي هريرةَ: "شاةً مُصرّاةً". وبعضُهُم يقولُ في هذا الحديثِ: "لا سمراءَ". وبعضُهُم لا يذكُرُهُ، ويقولُ:

стр. 6246

"صاعًا من طعام". وفسَّر بعضُهُم قولهُ: "صاعًا من طعام، لا سمراءَ". قال: يقولُ: تمرًا، ليس ببُرٍّ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهَيْثم أبو الأحوصِ، قال: حدَّثنا الحُنَينيُّ (١)، عن داود بنِ قَيْسٍ، عن موسى بنِ يَسارٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا اشْتَرى أحدُكُمُ الشّاةَ المُصرّاةَ، فهُو بخيرِ النَّظَرينِ بعدَ أن يَحلبها، فإن رَضِيها أمسَكَها، وإن سَخِطها، رَدَّها وصاعًا من تمرٍ" (٢). وكذلك رواهُ القَعنبِيُّ (٣)، وابنُ وَهْب (٤)، عن داود بنِ قَيْسٍ، عن موسى بنِ يَسارٍ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، إلّا أنَّهُما قالا: "فليَنْقلِب بها فليحلِبها، فإن رضِيَ حِلابها أمْسَكَها، وإلّا ردَّها ومعَها صاعُ تمرٍ" (٥).

стр. 6247

وأمّا الحديثُ المذكُورُ فيه: "صاعًا من طعام"، فأخبَرناهُ عبدُ الرَّحمنِ بن مروانَ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بن يحيى، قال: حدَّثنا ابنُ الجارُودِ، قال (١): حدَّثنا عبدُ الله بن هاشِم، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، عن شُعبَةَ، عن سيّارٍ، عنِ الشَّعبِيِّ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "لا تَبايعُوا بإلقاءِ الحَصَى، ولا تناجشُوا، ولا تَبايعُوا بالمُلامسةِ، ومنِ اشْتَرى مِنكُم مُحفَّلةً فكَرِهها، فليرُدَّها، وليرُدَّ معها صاعًا من طَعام". وأمّا أقاوِيلُ الفُقهاءِ في هذا البابِ: فقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: المُحفَّلةُ عِندَنا وغيرُها سواءٌ. ومنِ اشْتَرى عِندَهُ وعِندَ أصحابه شاةً مُصرّاةً، فحلب لبَنَها، لم يرُدَّها بعَيْبٍ، ولكنَّهُ يرجِعُ بنُقصانِ العَيْبِ (٢). وقالوا: هذا الحديثُ في المُصرّاةِ مَنسُوخٌ، واختلفُوا فيما نَسَخهُ، فمنهُم من قال: نسخهُ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. وأنَّهُ لا يجِبُ فيمَنِ استهلكَ شيئًا لأحَدٍ غيرِهِ، إلّا مِثلهُ، أو قِيمتهُ. ومنهُم من قال: نَسَخهُ: "الخراجُ بالضَّمانِ" (٣). و: "الكالِئُ بالكالِئ" (٤)؛ لأنَّ لبنَ المُصرّاةِ دَيْنٌ في ذِمَّةِ المُشترِي، وإذا ألزَمناهُ في ذِمَّتِهِ صاعًا من تمرٍ، كان الطَّعامُ بالطَّعام نسِيئَةً، ودَينًا بدَينٍ، وهذا كلُّهُ مَنسُوخٌ بما ذكَرْنا.

стр. 6248

وأكثرُوا من التَّشغِيبِ في ذلك، بعدَ إجماعِهِم على أَنَّهُ منسُوخٌ، كما نُسِختِ العُقُوباتُ في الغراماتِ، بأكثرَ من المِثلِ في مانِع الزَّكاةِ: أنَّها تُؤخَذُ منهُ، مع شَطْرِ مالِهِ. وفي سارِقِ التَّمرِ من غيرِ الجرِينِ، غَرامةُ مِثْلَيهِ، وجلداتُ نكالٍ، ونحوُ ذلك. وقال ابنُ أبي ليلى ومالكٌ والشّافِعِيُّ (١) والثَّورِيُّ: هُو بخيرِ النَّظَرينِ، إذا احْتَلبها ووجدَ حِلابها بخِلافِ ما ظهرَ، فإن ردَّها، ردَّ مَعها صاعًا من تمرٍ، ولا يُردُّ اللَّبنُ الذي حُلِبَ، وإن كان قائمًا بعَيْنيهِ. قال مالكٌ (٢): وأرَى لأهلِ كلِّ بَلدٍ أن يُعطُوا الصّاع من عَيْشِهِم، حِنطةً أو غيرها. قالوا: وإنَّما تَسْتبِينُ المُصرّاةُ ويُعلمُ بأنَّها (٣) مُصرّاةٌ إذا حلَبَها المُشترِي مرَّتينِ أو ثلاثًا، فنقصَ اللَّبنُ في كلِّ مرَّةٍ عمّا كان عليه في الأُولى. وقال مالكٌ (٤): إنَّما يُختبرُ بالحِلابِ الثّاني، فإذا حلبَ ما يعلمُ أَنَّهُ قدِ اختَبرَها به، فهُو رِضًى. وقد (٥) رُوِي عن زُفر (٦) بنِ الهُذيلِ، في نوادِرَ تُنسبُ إليه، فيمَنِ اشْتَرى شاةً مُصرّاةً، قال: هُو بالخِيارِ ثلاثًا ليَحْلِبها، فإن شاءَ ردَّها، وردَّ معَها صاعًا من

стр. 6249

تمرٍ، أو نِصف صاع من بُرٍّ. قال: وإنِ اشْتَراها وليَسْت بمُحفَّلةٍ، فاحتَلَبها، فليس لهُ أن يرُدَّها، ولكنَّهُ يرجِعُ بنُقصانِ العَيْبِ؛ لأنَّا اتَّبعنا الأثرَ في المُحفَّلةِ، فإن حدَثَ في المُحفَّلةِ (١) عيبٌ، فإنَّهُ يرُدُّ النُّقصانَ، إلّا أن يرضَى البائعُ أن يأخُذها كما هي. قال أبو عُمر: تَلْخِيصُ اختِلافِ الفُقهاءِ في هذا البابِ أن نقُول (٢): قال مالكٌ: منِ اشْتَرى مُصرّاةً، فاحتَلَبها ثلاثًا، فإن رَضِيها أمْسَكها، وإن سَخِطها لاختِلافِ لَبنِها، ردَّها وردَّ معها صاعًا من قُوتِ ذلك البلدِ، تمرًا كان أو بُرًّا، أو غير ذلك. وبه قال الطَّبرِيُّ. وقال عيسى بن دِينارٍ في مذهبِ مالكٍ: لو علِمَ مُشترِي المُصرّاةِ، أنَّها مُصرّاةٌ بإقرارِ البائع، فردَّها قبلَ أن يَحلِبها، لم يكُن عليه غُرمٌ، لأنَّهُ لم يحلِبِ اللَّبنَ، الذي من أجلِهِ يُلزَمُ غُرْمَ الصّاع. قال أبو عُمر: هذا ما لا خِلافَ فيه. قال عيسى: ولو حَلَبها مرَّةً، ثُمَّ حَلَبها ثانِيةً، فنقصَ لبنُها، ردَّها ورَدَّ معَها صاعًا من تمرٍ، للحلبةِ الأولى، ولو جاءَ باللَّبنِ بعينِهِ الذي حَلَبهُ، لم يُقبَل منهُ، ولزِمهُ غُرمُ الصّاع، ولو لم يرُدَّها للحَلْبةِ الثّانِيةِ، وظنَّ أنَّ نقصَ لَبنِها كان من استِنكارِ المَوضِع، فحلبها ثالِثةً، فتبيَّن لهُ صرُّها، فأرادَ ردَّها، فإنَّهُ يحلِفُ باللّه ما كان ذلك منه رِضًى، ويرُدُّ معَها الصّاع الذي أمرَ به رسُولُ الله ﷺ (٣). واختلفَ المُتأخِّرُونَ من أصحابِ مالكٍ على القولينِ اللَّذينِ قدَّمنا ذِكرَهُما في مُشْترِي عَددٍ من الغَنم فوجَدَها كلَّها مُصرّاةً.

стр. 6250

فبعضُهُم قال: يرُدُّ عن كلِّ واحِدةٍ صاعًا من تمرٍ. وقال بعضُهُم: بل يرُدُّ عن جَميعِها صاعًا واحِدًا من تمرٍ تَعبُّدًا؛ لأنَّهُ ليس بثَمنِ اللَّبنِ، ولا قِيمَتِهِ. وقال الشّافِعِيُّ في المُصرّاةِ: يرُدُّها ويرُدُّ معها صاعًا من تمرٍ، لا يرُدُّ غير التَّمرِ (١). وكذلك قال ابنُ أبي ليلى، واللَّيثُ بن سعدٍ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو عُبيدٍ، وأبو ثورٍ. ويجِيءُ على أُصُولِهِم: أنَّ التَّمرَ إذا عُدِمَ، وجبَ ردُّ قِيمتِهِ. وقد رُوِي عنِ ابنِ أبي ليلى وأبي يُوسُف، أنَّهُما قالا: يُعطِي مَعهُما قِيمَةَ اللَّبن. وقال زُفرُ: يرُدُّها ويرُدُّ مَعها صاعًا من تمرٍ، أو نِصفَ صاع من بُرٍّ. وقال أبو حَنِيفةَ: إذا حَلَبها لم يرُدَّها، وإنَّما يرجِعُ بنُقصانِ العَيْبِ. قال أبو عُمر: سواءٌ كان اللَّبنُ المحلُوبُ من المُصرّاةِ حاضِرًا أو غائبًا، لا يُرَدُّ اللَّبنُ، وإنَّما يُردُّ البَدَلُ المذكُورُ في هذا الحديثِ؛ لأنَّهُ قد أُمِرَ بردِّ الصّاع، لا اللَّبنِ، فلو ردَّ اللَّبنَ، كان قد فعلَ غير ما أُمِر به، وهُو نصٌّ لا يجُوزُ خِلافُهُ إلى القِياسِ. ومَعلُومٌ أَنَّهُ لا يَسْتبِين أنَّها مصرَّاةٌ إلّا بالحلبةِ الثّانِيةِ، وإذا كان ذلك كذلك، عُلِمَ أنَّ لبنَ الحلبةِ الأُولى قد فاتَ، أو تغيَّر، فلو ألزمُوا المُبتاع مِثلهُ، خالفُوا ظاهِر الخبرِ إلى القِياسِ، وذلك غيرُ جائزٍ. وأمّا أصحابُنا، فيزعُمُونَ أَنَّهُ لو ردَّ اللَّبنَ، دخلهُ بيعُ الطَّعام قبلَ أن يُسْتَوفى؛ لأنَّهُ كأنَّهُ قد وجبَ لهُ الصّاعُ، فأخذَ فيه اللَّبن وباعَهُ قبلَ أن يَسْتوفيهُ، ويدخُل

стр. 6251

عليهم مِثلُ ذلك في قولِهِم: يُعطِي بدل التَّمرِ صاعًا من قُوتِهِ وعَيْشِهِ، وباللّه التَّوفيقُ. قال أبو عُمر: جعَلَ العِراقِيُّون والشّافِعِيُّ حديث المُصرّاةِ من رِوايةِ ابنِ سِيرِينَ ومحمدِ بنِ زِيادٍ، ومن تابَعهُما، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (١)، أصلًا في الخِيارِ: أنَّهُ لا يكونُ أكثر من ثلاثةِ أيام. وذهبَ مالكٌ، إلى أنَّ الخِيارَ لا حدَّ فيه، وإنَّما هُو على ما شَرَطهُ المُتبايِعانِ، مِمّا يلِيقُ ويُعرَفُ من مُدَّةِ اختبارِ (٢) مِثلِ تِلك السِّلعةِ، وحُجَّتُهُ في ذلك عُمُومُ قولِهِ ﷺ : "إلّا بيع الخِيارِ" (٣). وقد مَضى القولُ في الخِيارِ مُمهَّدًا، في بابِ نافِع، والحمدُ للّه ربِّ العالمين.

стр. 6252

حديثٌ ثاني عشرينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا تَوضَّأ أحدُكُم، فلْيجعلْ في أنْفِهِ، ثُمَّ ليَنْثِرْ (٢)، ومنِ اسْتَجمرَ فلْيُؤتِرْ". هكذا رواهُ يحيى: "فلْيجعلْ في أنفِهِ، ثُمَّ ليَنْثِر (٣) ". ولم يَقُل: ماءً. وهُو مفهُومٌ من الخِطابِ. وهكذا وجدَناهُ عِندَ جماعةِ شُيُوخِنا، إلّا فيما حَدَّثناهُ أحمدُ بن محمدٍ، عن أحمد بنِ مُطرِّفٍ، عن عُبيدِ الله بنِ يحيى، عن أبيهِ، فإنَّهُ قال فيه: "فليَجْعل في أنفِهِ ماءً". وأمّا القَعْنبِيُّ فلم يقُل: ماءً؛ في رِوايةِ عليِّ بنِ عبدِ العزِيزِ، عنِ القعنبِيِّ. ورواهُ أبو داودَ (٤)، عنِ القعنبِيِّ، فقال فيه: "فليَجْعل في أنفِهِ ماءً". وكذلك رِوايةُ ابنِ بُكيرٍ، ومَعنٍ (٥)، وجَماعةٍ، عن مالكٍ (٦): "فليَجْعل في أنفِهِ ماءً". وعِندَ أكثرِ الرُّواةِ هُو هكذا: "فليَجْعَلْ في أنفِهِ ماءً".

стр. 6253

وقال أبو خلِيفةَ (١) الفَضْلُ بن الحُباب القاضِي البصرِيُّ، عنِ القَعْنبِيِّ، في هذا الحديثِ: "فليَجعَلْ في أنفِهِ الماء" (٢). وهذا كلُّهُ معنًى واحِدٌ، والمُرادُ مفهُومٌ. ورِوايةُ وَرْقاءَ لهذا الحديثِ، عن أبي الزِّنادِ، كما روى يحيى، عن مالكٍ لم يَقُل: ماءً. قرأتُ على عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ يُوسُفَ، أنَّ عُبيد الله بن محمدِ بنِ أبي غالِبٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن محمدِ بنِ بَدْرٍ الباهِليُّ، قال: حدَّثنا رِزقُ الله بن موسى، قال: حدَّثنا شَبابةُ، قال: حدَّثنا وَرْقاءُ بن عُمرَ (٣) اليَشْكُرِيُّ، عن أبي الزِّناد، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا أحدُكُم تَوضَّأ فليَجْعل فيَ أنفِهِ، ثُمَّ يَسْتنثِرْ". قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ: الأمرُ بالاسْتِنثارِ بالماءِ عِندَ الوُضُوءِ، وذلك: دفعُ الماءِ برِيح الأنفِ بعدَ الاسْتِنشاقِ، والاسْتِنشاقُ: أخذُ الماءِ برِيح الأنفِ من الكفِّ، والاستِنثارُ: دفعُهُ، ومُحالٌ أن يدفَعهُ من لم يأخُذهُ، ففي الأمرِ بالاسْتِنثارِ، أمرٌ بالاسْتِنشاقِ، فافهم. وعلى ما وصفتُ لك في الاسْتِنشاقِ والاستِنثارِ جُمهُورُ العُلماءِ. وأصلُ هذه اللَّفظةِ في اللُّغةِ: القذفُ، يُقالُ: نثرَ واسْتَنثرَ، بمعنًى واحِدٍ،

стр. 6254

وذلك إذا قذفَ من أنفِهِ ما اسْتَنشقَ، مِثل الامتِخاطِ، ويُقالُ: "الجَرادُ نَثْرةُ حُوتٍ"، أي: قذفَ به من أنفِهِ. وقد روى ابنُ القاسم وابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ، قال: الاستِنثارُ: أن يجعلَ يدهُ على أنفِهِ، ويَسْتنثِر. قِيل لمالكٍ: أيَسْتنثِرُ من غيرِ أن يضعَ يدهُ على أنفِهِ؟ فأنكرَ ذلك، وقال: إنَّما يفعلُ ذلك الحِمارُ. وسُئلَ مالكٌ عنِ المَضْمضةِ والاسْتِنثارِ مرَّةً، أم مرَّتينِ، أم ثلاثًا؟ فقال: ما أُبالِي أيَّ ذلك فعلتُ. وكلُّ ذلك واسعٌ وجائزٌ (١) عِندَ مالكٍ وجميع أصحابه، أن يتمضمضَ ويَسْتنثِر من غُرفةٍ واحِدةٍ. قال أبو عُمر: أمّا لفظُ الاسْتِنشاقِ، فلا يكادُ يُوجَدُ الأمرُ به، إلّا في رِوايةِ همّام، عن أبي هريرةَ (٢). وفي حديثِ أبي رَزِينٍ العُقيليِّ، واسمُهُ لَقِيطُ بن صبِرةَ (٣). ويُوجَدُ أنَّ رسُولَ الله ﷺ تمضمضَ واسْتَنشقَ، من حديثِ عُثمانَ (٤)، وعليٍّ (٥)، وعائشةَ (٦)، وغيرِهِم من وُجُوهٍ. وأمّا لفظُ الاستِنثارِ، فمحفُوظٌ الأمرُ به من حديثِ ابنِ عبّاسٍ (٧).

стр. 6255

ومن طرِيقِ أبي هريرةَ، من رِوايةِ أبي إدرِيسَ الخولانيِّ (١)، والأعرج (٢)، وعيسى بنِ طَلْحةَ (٣)، وغيرِهِم، عن أبي هريرةَ. وقد ذكَرْنا خبرَ أبي إدرِيس الخَوْلانيِّ في بابِ ابنِ شِهابٍ، من كِتابِنا هذا، وذكَرْنا هُناك الحُكمَ في الاسْتِجمارِ، وما للعُلماءِ في ذلك من الوُجُوهِ (٤) والاختِيارِ، وذكَرْنا أقوالهم في الاسْتِنثارِ في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ، عن عَطاءِ بنِ يَسارٍ، عنِ الصُّنابِحِيِّ، من كِتابِنا هذا، ونزِيدُ القول هاهُنا بيانًا في ذلك إن شاءَ الله. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٥): أخبرنا قُتَيبةُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن سُلَيم، عن إسماعيل بنِ كثِيرٍ، عن عاصِم بنِ لَقِيطٍ، عن أبيهِ، قال: قلتُ يا رسُولَ الله أخبِرني عنِ الوُضُوءِ، قال: "أسبِغِ الوُضُوءَ، وبالِغ في الاسْتِنشاقِ، إلّا أن تكونَ صائمًا".

стр. 6256

ورواهُ الثَّورِيُّ، عن أبي هاشِم، عن عاصِم بإسنادِهِ مِثلهُ (١). ورواهُ ابنُ جُرَيج، عن إسماعيلَ بنِ كثِيرٍ، بإسنادِهِ مِثلهُ (٢). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ التِّرمِذِيُّ، قال: حدَّثنا نُعيمُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، قال: أخبرنا ابنُ أبي ذِئبٍ، عن قارِظِ بنِ شَيْبةَ، عن أبي غَطَفان، قال: دخلتُ على ابنِ عبّاسٍ، فوجدتُهُ يتوضَّأُ، فمضمضَ واسْتنثرَ، ثُمَّ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "استنثِرُوا اثْنَتينِ بالِغتينِ أو ثلاثًا" (٣). وذكرهُ أبو داودَ (٤)، عن إبراهيمَ بنِ موسى، عن وكِيع، عنِ ابنِ أبي ذِئبٍ، عن قارِظٍ، عن أبي غطفانَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "استنثِرُوا مرَّتينِ بالِغتينِ".

стр. 6257

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٢): حدَّثنا الفَضلُ بن دُكينٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ الثَّورِيُّ، عن منصُورٍ، عن هِلالِ بنِ يِسَافٍ، عن سَلَمةَ بنِ قَيْسٍ، قال: قال لي رسُولُ الله ﷺ : "إذا اسْتَنشقتَ فانثُر، وإذا اسْتَجمرتَ فأوتِر". وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ، قال: حدَّثنا نُعيمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن همّام بنِ مُنبِّهٍ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا توضَّأ أحدُكُم فلْيستنشِقْ بمَنْخَرِهِ من الماءِ، ثُمَّ لينثُرهُ" (٣). قال أبو عُمر: هذا أبينُ حديثٍ في الاستِنشاقِ والاسْتِنثارِ، وأصحُّها إسنادًا. وأجمعَ المُسلِمُون طُرًّا، أنَّ الاسْتِنشاقَ والاسْتِنثار من الوُضُوءِ، وكذلك المضمضةُ، ومَسحُ الأُذُنينِ.

стр. 6258

واختلفُوا فيمَنْ تركَ ذلك ناسِيًا أو عامِدًا. فكان أحمدُ بن حَنْبلٍ يذهَبُ إلى أنَّ من تركَ الاسْتِنثار في الوُضُوءِ ناسِيًا أو عامِدًا، أعادَ الوُضُوءَ والصَّلاةَ (١). وبه قال أبو ثورٍ، وأبو عُبيدٍ في الاستِنثارِ خاصَّةً. وهُو قولُ داود في الاسْتِنثارِ خاصَّةً أيضًا. وكان أبو حنِيفةَ والثَّورِيُّ وأصحابُهُما، يذهبُونَ إلى إيجابِ المضمضةِ والاستِنشاقِ في الجَنابةِ دُونَ الوُضُوءِ. وكانت طائفةٌ تُوجِبُهُما في الوُضُوءِ والجَنابةِ، وقد تقدَّم ذِكرُهُم في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ. وأمّا مالكٌ (٢) والشّافِعِيُّ (٣) والأوزاعِيُّ وأكثرُ أهلِ العِلم، فإنَّهُم ذَهَبُوا إلى أنْ لا فرضٌ في الوُضُوءِ واجِبٌ، إلّا ما ذكَرَهُ الله في القُرآنِ، وذلك غَسْلُ الوَجهِ، واليَدينِ إلى المِرفقينِ، ومَسحُ الرَّأسِ، وغسلُ الرِّجلينِ. وقد مَضَى القولُ في أحكام المضمضةِ والاسْتِنشاقِ ومسح الأُذُنينِ مُستوعبًا مُمهَّدًا بعِللِهِ، وأوضحنا وُجُوه الأقاوِيل فيه، عِند ذِكرِ حديثِ الصُّنابِحِيِّ، في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ، وذكَرْنا أحكام الاستِجمارِ والاستِنجاءِ بالأحجارِ، في بابِ ابنِ شِهابٍ، عن أبي إدرِيسَ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.

стр. 6259

والذي يتحصَّلُ من مذهب مالكٍ: أنَّ الوِترَ في الاسْتِجمارِ، ليس بواجِب، ولكنَّهُ مندُوب إليه سُنَّةٌ. وقد تابعَ مالكًا على هذا جماعةٌ قد ذكرناهُم في بابِ ابنِ شِهابٍ، عن أبي إدرِيسَ، وذكرنا الحُجَّةَ من جِهةِ الأثرِ والنَّظرِ لهم ولمن خالفهُم هُناك، والحمدُ لله. وقد كان ابنُ عُمر يَسْتحِبُّ الوِترَ في تجمِيرِ ثِيابه (١). وكان يَسْتعمِلُ العُمُومَ في قولِهِ ﷺ : "ومنِ اسْتَجمرَ فليُوتِر" (٢). فكان يَسْتجمِرُ بالأحجارِ وِترًا، وكان يُجمِّرُ ثِيابهُ وِترًا، تأسِّيًا بالنَّبيِّ ﷺ ، ومُستعمِلًا عُمُوم الخِطابِ، والله المُوفِّقُ للصَّوابِ. وقد جاءَ في الأثرِ المرفُوع: "إنَّ الله وِترٌ يُحِبُّ الوِترَ" (٣).

стр. 6260

حديثٌ ثالثُ عشرينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا اسْتَيقظَ أحدُكُم من نَومِهِ، فليغسِلْ يَدهُ قبلَ أن يُدخِلها في وَضُوئهِ، فإنَّ أحدَكم لا يَدْرِي أين باتَتْ يَدُهُ". لم تختلِفِ الرِّوايةُ عن مالكٍ في حديثِ أبي الزِّنادِ هذا، في قولِهِ: "فليغسِلْ يدهُ قبلَ أن يُدخِلها". بغيرِ توقِيتٍ ولا تحدِيدٍ في الغَسَلاتِ. وكذلك رِوايةُ الأعرج، فيما علِمتُ، عن أبي هريرةَ في هذا الحديثِ بغيرِ توقِيتٍ، كما قال مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ سَواءٌ. ورَوَى اللَّيثُ بن سعدٍ، عن جَعفرِ بنِ ربِيعةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ هُرمُز الأعرج، عن أبي هريرةَ رفعهُ، قال: "إذا اسْتَيقظَ أحدُكُم من مَنامِهِ، فلا يُدخِل يَدهُ في الإناءِ، حتَّى يَغْسِل يدهُ (٢)، أو يُفرغ فيها، فإنَّهُ لا يدرِي أين باتَتْ يدُهُ". وكذلك رواهُ عمّارُ بن أبي عمّارٍ، عن أبي هريرةَ؛ ذكرَهُ حمّادُ بن سلَمةَ، عن عمّارِ بنِ أبي عمّارٍ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: "إذا اسْتَيقظَ أحدُكُم من نومِهِ، فلا يضَعْ يَدهُ في الإناءِ، حتَّى يَغسِلها، فإنَّهُ لا يدرِي على ما باتَتْ يدُهُ". فقال لهُ قَينٌ (٣): أرأيتَ إذا أتيْنا مِهراسَكُم (٤) هذا باللَّيلِ، فكيفَ نصنعُ؟ فقال: أعُوذُ بالله من شرِّكَ يا قينُ، هكذا سمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ (٥).

стр. 6261

وكذلك رِوايةُ همّام بنِ مُنبِّهٍ، عن أبي هريرةَ أيضًا سواءٌ، بغيرِ توقِيتٍ؛ ذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ، عن مَعمرٍ، قال: حدَّثنا همّامُ بن مُنبِّهٍ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا اسْتَيقظ أحدُكُم من نومِهِ، فلا يَغْمِس يَدهُ في وَضُوئهِ، حتَّى يَغسِلها، فإنَّهُ لا يَدرِي أينَ باتَتْ يَدُهُ" (١). وكذلك رواهُ ثابتٌ مولى عبدِ الرَّحمنِ بنِ زيدٍ، عن أبي هريرةَ، بغيرِ تحدِيدٍ؛ ذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ، عنِ ابنِ جُرَيج، عن زِيادِ بنِ سعدٍ، عن ثابتٍ مولى عبدِ الرَّحمنِ بنِ زيدٍ، أنَّهُ أخبَرهُ أنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا كان أحدُكُم نائمًا، ثُمَّ استيقظَ، فأرادَ الوُضُوءَ، فلا يضَعْ يَدهُ في الإناءِ، حتَّى يصُبَّ على يَدِهِ، فإنَّهُ لا يَدرِي أينَ باتَتْ يَدُهُ" (٢). واختُلِفَ في هذا اللَّفظِ عنِ ابنِ سِيرِينَ. فرُوِيَ عنهُ هذا الحديثُ عن أبي هريرةَ (٣) بغيرِ تَوقِيتٍ. كرِوايةِ الأعرج ومَن تابَعهُ. ورُوِي عنهُ فيه: غَسْلُ اليدِ ثلاثًا (٤).

стр. 6262

وكذلك روى هذا الحديث: سعِيدُ بن المُسيِّب (١)، وأبو سلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، وأبو صالح، وأبو رَزِينٍ، عن أبي هريرةَ، فقالوا فيه: "حتَّى يَغْسِلها ثلاثًا". وبعضُهُم قال فيه: "مرَّتينِ، أو ثلاثًا". حدَّثنا أحمدُ بن سعِيدِ بنِ بِشْرٍ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ الفَرَضِيُّ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن محمدِ بنِ بُكر النّاقِدُ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سلَمةَ وسعِيدٍ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا استْيَقظَ أحدُكُم من نومِهِ، فلا يَغْمِس يَدهُ في وَضُوئهِ، حتَّى يَغْسِلها ثلاثًا، فإنَّهُ لا يَدْرِي حيثُ باتَتْ يدُهُ" (٢). ورواهُ ابنُ أبي عُمرَ، عنِ ابنِ عُيَينةَ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سلَمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا اسْتَيقظَ أحدُكُم من نَومِهِ، فلا يَغْمِس يَدهُ في وَضُوئهِ، حتَّى يَغْسِلها ثلاثًا، فإنَّهُ لا يَدْرِي أينَ باتَتْ يدُهُ". قيلَ لسُفيانَ: يَعني مسَّ الذَّكرِ؟ قال: نعم، ولم يأتِ فيه شيءٌ أشدُّ منهُ (٣). ورواهُ الأوزاعِيُّ، عنِ الزُّهرِيِّ بإسنادِهِ مِثلهُ، إلّا أنَّهُ قال فيه: "مرَّتينِ أو ثلاثًا" (٤).

стр. 6263

ورَوَى هذا الحديث ابنُ لهِيعةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، عن أبي هريرةَ، أنَّهُ أخبَرهُ عن رسُولِ الله ﷺ قال: "إذا اسْتَيقظَ أحدُكُم من مَنامِهِ، فلْيُفرغ على يدَيْهِ (١) ثلاث مرّاتٍ قبلَ أن يُدْخِلها الإناءَ" (٢). ورواهُ محمدُ بن عَمرٍو، عن أبي سلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا قامَ أحدُكُم من النَّوم، فليُفرغ على يَديهِ (٣) من إنائهِ ثلاثَ مرّاتٍ، فإنَّهُ لا يَدْرِي أينَ باتَتْ يدُهُ". قال قينٌ الأشْجَعِيُّ: فإذا جِئتُ مِهراسَكُم هذا كيف أصنعُ؟ فقال أبو هريرةَ: أعاذَنا الله من شرِّكَ يا قَيْنُ (٤). وكذلك رواهُ أبو مريم، عن أبي هريرةَ؛ حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بنِ السَّرح ومحمدُ بن سلَمةَ المُرادِيُّ، قالا: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، عن مُعاوِيةَ بنِ صالح،

стр. 6264

عن أبي مَرْيمَ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "إذا اسْتَيقظَ أحدُكُم من نومِهِ، فلا يُدخِل يَدهُ في الإناءِ، حتَّى يغسِلها ثلاثَ مرّاتٍ، فإنَّ أحدَكُم لا يَدْرِي أين باتَتْ يدُهُ، وأين كانت تطُوفُ يدُهُ". ورواهُ عبدُ الرَّحمنِ بن مهدِيٍّ، قال: حدَّثنا مُعاوِيةُ بن صالح، عن أبي مريمَ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﵇، مِثلهُ سواءً، قال: "حتَّى يَغسِلها ثلاث مرّاتٍ، فإنَّهُ لا يدرِي أين باتَتْ يدُهُ". ولم يزِدْ. وأمّا رِوايةُ أبي صالح وأبي رَزِينٍ لهذا الحديثِ؛ فحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الله العَبْسِيُّ، قال: حدَّثنا وكِيعٌ، عنِ الأعْمَشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ - يَرْفعُهُ -، قال: "إذا اسْتَيقظَ أحدُكُم من مَنامِهِ، فلا يَغمِس يَدهُ في الإناءِ، حتَّى يَغْسِلها ثلاثًا، فإنَّهُ لا يَدْرِي أين باتَتْ يَدُهُ" (١). هكذا قال عن وكِيع، لم يذكُر أبا رَزِينٍ مع أبي صالح. وكذلك رواهُ عيسى بن يُونُس، عنِ الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ لم يذكُر أبا رزِينٍ، وقال: "مرَّتينِ، أو ثلاثًا". ذكرهُ أبو داود (٢)، عن مُسدَّدٍ، عن عيسى بنِ يُونُس. وقد حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا موسى بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا وَكِيع، عنِ الأعْمَشِ، عن أبي صالح

стр. 6265

وأبي رَزِينٍ، عن أبي هريرةَ، يرفعُهُ (١). فذكر الحديث كما تقدَّم لوكِيع سواءً، وذكر أبا رزِينٍ مع أبي صالح، وهُو صحِيحٌ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا مُسدَّدٌ (٣)، قال: حدَّثنا أبو مُعاوِيةَ، عنِ الأعمشِ، عن أبي رَزِينٍ وأبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا قامَ أحدُكُم من اللَّيلِ، فلا يَغمِس يَدهُ في الإناءِ، حتَّى يَغْسِلها ثلاث مرّاتٍ، فإنَّهُ لا يَدْرِي أين باتَتْ يَدُهُ". ورَوَى هذا الحديثَ سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، فقال فيه: "حتَّى يَغْسِلها ثلاثًا" (٤). وهُو عِندِي وَهَمٌ في حديثِ أبي الزِّنادِ، وأظُنُّهُ حملهُ على حديثِ الزُّهرِيِّ، والله أعلمُ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا اسْتَيقظَ أحدُكُم من نَوْمِهِ، فلا يَغْمِس يَدهُ في وَضُوئهِ، حتَّى يغسِلها ثلاثًا، فإنَّهُ لا يَدرِي أين باتَتْ يَدُهُ" (٥).

стр. 6266

هكذا قال حامِدٌ: عن سُفيان، عنِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سلَمةَ، عن أبي هريرةَ. لم يذكُر سعِيدًا. وكذلك رَواهُ قُتَيبةُ بن سعِيدٍ، عنِ ابنِ عُيَينةَ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سلَمةَ، عن أبي هريرةَ (١). ولم يذكُر سعِيدًا. ورَواهُ الأوزاعِيُّ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سلَمةَ وسعِيدِ (٢) بنِ المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . كما تقدَّم ذكرُنا لهُ. وقد حدَّث به مَعمرٌ، عنِ الزُّهرِيًّ مرَّةً: عن سعِيدٍ، عن أبي هريرةَ (٣). ومرَّةً: عن أبي سلَمةَ، عن أبي هريرةَ (٤). فدلَّ على أنَّ الحديثَ صحِيحٌ لهما عن أبي هريرةَ، وكذلك هُو صحِيح لكلِّ (٥) من ذكَرْنا من رُواتِهِ في هذا الكِتابِ، عن أبي هريرةَ، وهُو حديث مُجتمع على صِحَّتِهِ عِندَ أهلِ النَّقلِ (٦).

стр. 6267

قال أبو عُمر: احتجَّ بعضُ أصحابِ الشّافِعِيِّ لمذهبهم في الفرقِ بين وُرُودِ الماءِ على النَّجاسةِ، وبين وُرُودِها عليه بهذا الحديثِ. وقالوا: ألا تَرَى أنَّ رسُولَ الله ﷺ لمّا خافَ على النّائم المُستيقِظِ من نَوْمِهِ القائم منهُ إلى وَضُوئهِ، أن تكونَ في يَدِهِ نَجاسةٌ، أمرهُ بطرح الماءِ من الإناءِ على يَدِهِ ليَغْسِلها، ولم يأمُرهُ بإدخالِ يَدِهِ في الإناءِ ليَغْسِلها فيه، بل نهاهُ عن ذلك (١)؟ قال: فدلَّنا (٢) ذلك على أنَّ النَّجاسةَ إذا وردَتْ على الماءِ القليلِ، أفسْدَتهُ ومنعَتْ من الطَّهارةِ به، وإن لم تُغيِّرهُ. قال: ودلَّنا ذلك أيضًا على أنَّ وُرُودَ الماءِ على النَّجاسةِ لا تضُرُّهُ، وأنَّهُ بوُرُودِهِ عليها مُطهِّر لها، وهي غيرُ مُفسِدةٍ لهُ؛ لأنَّها لو أفسدَتهُ مع وُرُودِهِ عليها، لم تَصحَّ طهارةٌ أبدًا في شيءٍ من الأشياءِ. واحتَجُّوا أيضًا بنَهيِهِ ﷺ عنِ البَولِ في الماءِ الدّائم (٣)، وبحديثِ وُلُوغ الكلبِ في الإناءِ (٤). وبنحوِ ذلك من الآثارِ، مع أمرِهِ بالصَّبِّ على بَوْلِ الأعرابيِّ (٥).

стр. 6268

قال أبو عُمر: أمّا لو لم يأتِ عنِ النَّبيِّ ﷺ في الماءِ غيرُ هذا الحديثِ، لساغَ في الماءِ بعضُ هذا التَّأوِيلِ، ولكن قد جاءَ عنِ النَّبيِّ ﷺ في الماءِ: أنَّهُ لا يُنجِّسُهُ شَيءٌ (١). يُريدُ إلّا ما غلَبَ عليه، بدليل الإجماع على ذلك، وهذا الحديثُ مُوافِقٌ لما وصفَ اللهُ به الماءَ في قَولِهِ: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. يعني: لا يُنجِّسُهُ شيءٌ إلّا أن (٢) يغلِب عليه. وقد أجمعُوا معنا على أنَّ وُرُودَ الماءِ على النَّجاسةِ لا يضُرُّهُ، وأنَّهُ مُطهِّرٌ لها، وطاهِرٌ في ذاتِهِ إن لم يَتغيَّر بها طَعمُهُ أو لونُهُ أو رِيحُهُ، فبانَ (٣) بذلك صِحَّةُ قولِنا، وعَلمنا - بكِتابِ الله وسُنَّةِ رسُولِهِ - أنَّ أمرهُ ﷺ القائمَ من نَوْمِهِ ألا يَغْمِس يَدهُ في وَضُوئهِ، إنَّما ذلك نَدبٌ وأدبٌ، وسُنَّةٌ قائمةٌ لمن كانت يدُهُ طاهِرةً وغير طاهِرةٍ؛ لأنَّهُ لو أرادَ بذلك النَّجاسةَ، لأمِرَ بغسلِ المخرجينِ أوَّلًا، ولقال: إذا قامَ أحدُكُم من نومِهِ، فلينظُر يدهُ، فإن لم يكُن فيها نَجاسةٌ، أدخلها في وَضُوئهِ، وإن كانت في يَدِهِ نجاسةٌ غسَلَها قبل أن يُدخِلها. هذا على مَذهبِ من جعلَ قولهُ ﷺ : "فإنَّهُ لا يَدْرِي أين باتَتْ يدُهُ" عِلَّةَ احتِياطٍ خوفَ إصابتِهِ بها نجاسةً، وذلك أنَّهُم كانوا يَسْتنجُون بالأحجارِ من

стр. 6269

غيرِ ماءٍ، فالأحجارُ لا بُدَّ أن يبقَى فيها أثرٌ، فرُبَّما حَكَّهُ، أو مسَّهُ بيدِهِ، فأُمِرُوا بالاحتِياطِ في ذلك. ومن جعلَ ذلك ندبًا وسُنَّةً مَسنُونةً، قال: اليدُ على طَهارتِها، وليس الشَّكُّ بعامِلٍ فيها، والماءُ لا يُنجِّسُهُ شيءٌ، واللهُ أعلمُ. وقد أجمعَ جُمهُورُ العُلماءِ على أنَّ الذي يبِيتُ في سَراوِيلِهِ، وينامُ فيها، ثُمَّ يقومُ من نومِهِ ذلك، أنَّهُ مَندُوبٌ إلى غَسْلِ يدِهِ قبلَ أن يُدخِلها في إناءِ وَضُوئهِ. ومنهُم من أوجبَ عليه مع حالِهِ هذه غسلَ يَدِهِ فرضًا، على ما نذكُرُهُ في هذا البابِ إن شاءَ الله. ومعلُومٌ أنَّ من باتَ في سَراوِيلِهِ، لا يُخافُ عليه أن يَمسَّ بيدهِ (١) نَجاسةً في الأغلَبِ من أمرِهِ، فعلِمنا بهذا كلِّهِ، أنَّ المُراد بهذا الحديثِ ليس كما ظنَّهُ أصحابُ الشّافِعِيِّ، واللهُ أعلمُ. وقد نَقضُوا قولهم في وُرُودِ الماءِ على النَّجاسةِ؛ لأنَّهُم يقولُون: إذا وردَ الماءُ على نَجاسةٍ في إناءٍ، أو موضِع، وكان الماءُ دُونَ القُلَّتينِ، أنَّ النَّجاسَةَ تُفسِدُهُ، وأنَّهُ غيرُ مُطهِّرٍ لها (٢). فلم يُفرِّقُوا هاهُنا بين وُرُودِ الماءِ على النَّجاسةِ، وبينَ وُرُودِها عليه، وشَرْطُهُم أن يكونَ وُرُودُ الماءِ صبًّا مُهراقًا، تحكُّم لا دليلَ عليه، والله أعلمُ. وقد أوَضْحنا مَذْهبنا في الماءِ، في بابِ إسحاقَ من هذا الكِتابِ، والحمدُ لله. وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: إيجابُ الوُضُوءِ من النَّوم. وهُو أمرٌ مُجتَمع عليه في النّائم المُضطجِع الذي قدِ استثقلَ نومًا، وقال زيدُ بن أسلم وغيرُهُ في

стр. 6270

تأوِيلِ قولِ الله : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]. قال: إذا قُمتُم من المضاجِع، يعني النَّوم (١). وكذلك قال السُّدِّيُّ (٢). ورُوِي عن عُمرَ وعليٍّ، ما يدُلُّ على أنَّ الآيةَ عُني بها تجدِيدُ الوُضُوءِ في وَقْتِ كلِّ صَلاةٍ، إذا قامَ المرءُ إليها؛ رواهُ أنسٌ عن عُمرَ (٣)، وعِكرِمةُ عن عليٍّ (٤). وعنِ ابنِ سِيرِينَ (٥) مِثلُ ذلك. وهذا معناهُ أن يكونَ الوُضُوءُ على المُحدِثِ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ واجِبًا، وعلى غيرِ المُحدِثِ نَدْبًا وفَضْلًا. ورُوِي عنِ ابنِ عبّاسٍ، وسعدِ بنِ أبي وقّاصٍ، وأبي موسى الأشعرِيِّ، وجابرِ بنِ عبدِ الله، وعَبِيدةَ السَّلمانيِّ، وأبي العالِيةِ، وسعِيدِ بنِ المُسيِّب، والحسنِ، وعنِ السُّدِّيِّ أيضًا، والأسودِ بنِ يزِيد، وإبراهيم النَّخعِيِّ: أنَّ الآيةَ عُني بها حالُ القِيام إلى الصَّلاةِ على غيرِ طُهرٍ (٦). وهذا أمرٌ مُجتمعٌ عليه. وقال ابنُ عُمر: هو أمرٌ من الله لنبِيِّهِ والمُؤمِنِينَ، ثُمَّ نُسِخَ بالتَّخفِيفِ (٧). وهذا يُشبِهُ مذهبَ من ذهَبَ إلى أنَّ السُّنَّةَ تنسخُ القُرآن. قال أبو عُمر: قد ثبتَ عنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ صلَّى الصَّلواتِ كلَّها بوُضُوءٍ واحِدٍ. وأجمعَتِ الأُمَّةُ على أنَّ ذلك جائزٌ؛ وفي ذلك كِفايةٌ عن كلِّ قولٍ.

стр. 6271

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعِيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن كثِيرٍ، قال: أخبرنا سُفيانُ بن سعِيدٍ، عن عَمرِو بنِ عامِرٍ (١)، عن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: كان رسُولُ الله ﷺ يتَوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ، قلتُ: فأنتُم؟ قال: إنّا لنَجْتزِئُ بوُضُوءٍ واحِدٍ، ما لم نُحدِثْ (٢). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بن عيسى، قال: أخبَرنا شرِيكٌ، عن عَمرِو بنِ عامِرٍ البَجَليِّ - قال محمد: هُو أبو أسَدِ بن (٤) عَمرٍو - قال: سألتُ أنسَ بن مالكٍ عنِ الوُضُوءِ، فقال: كان رسُولُ الله ﷺ يَتَوضَّاُ لكلِّ صَلاةٍ، وكُنّا نُصلِّي الصَّلَواتِ بوُضُوءٍ واحِدٍ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥): حدَّثنا مُسدَّد. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ،

стр. 6272

قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قالا: حدَّثنا يحيى، عن سُفيانَ، قال: حدَّثني عَلْقمةُ بن مَرْثدٍ، عن سُليمانَ بنِ بريدةَ، عن أبيهِ، قال: صلَّى رسُولُ الله ﷺ يومَ الفتح خمسَ صَلَواتٍ بوُضُوءٍ واحِدٍ، ومَسَحَ على خُفَّيهِ، فقال لهُ عُمرُ: إنِّي رأيتُكَ صنعتَ شيئًا لم تَكُن صَنعتهُ؟ قال: "عَمْدًا صَنعتُهُ". وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، عن سُفيان، عن علقمةَ بنِ مرثدٍ، عن سُليمانَ بنِ بُرَيدةَ، عن أبيهِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يَتَوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ، فلمّا كان يومُ الفتح، توضَّأ ومسحَ على خُفَّيهِ، وصلَّى الصَّلواتِ بوُضُوءٍ واحِدٍ، فقال لهُ عُمرُ: يا رسُولَ الله إنَّكَ فعلتَ شيئًا لم تَكُن تَفْعلُهُ؟ قال: "إنِّي عمدًا فعلتُهُ يا عُمرُ" (١). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عِيسَى بن يُونُس، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن زِيادٍ، عن أبي غُطَيفٍ (٢)، قال: كُنّا عِندَ ابنِ عُمرَ في مجلِسٍ في دارِهِ، فلمّا نُودِي بالظُّهرِ دَعا بماءٍ فتَوضَّأ، ثُمَّ خرج إلى الصَّلاةِ، فلمّا صلَّى رجعَ إلى مجلِسِهِ، فلمّا نُودِي بالعَصْرِ، دعا بوَضُوءٍ فتَوضَّأ، ثُمَّ خرج إلى الصلاةِ، فلمّا صلَّى رجعَ إلى مجلِسِهِ، فلمّا نُودِي بالمغرِبِ، دعا بوَضُوءٍ فتوضَّأ، فقلتُ لهُ: أسُنَّةً ما نراكَ تَصْنعُ (٣)؟ فقال: وقد فطِنتَ لذلك مِنِّي؟ قلتُ: نعم. قال: لا، وإن كان وُضُوئي

стр. 6273

للصُّبح لكافٍ للصَّلواتِ كلِّها، ما لم أُحدِثَ، ولكنِّي سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "من توضَّأ على طُهْرٍ، كُتِب لهُ عشرُ حَسَناتٍ". فإنَّما رَغِبتُ في ذلك يا ابن أخِي (١). قال أبو عُمر: فقد تبيَّنَ بهذه الأحادِيثِ، أنَّ الوُضُوءَ للصَّلاةِ ليس بواجِبِ على القائم إليها إذا كان على وُضُوءٍ، وأنَّ دُخُولَ الوَقْتِ، وحُضُور الصَّلَاةِ لا يُوجِبانِ على من لم يُحدِث وُضُوءًا، وعُلماءُ المُسلِمِين مُتَّفِقُونَ على ذلك، فبانَ بهذا تأوِيلُ قولِ الله ومُرادُهُ من كلامِهِ حيثُ يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ الآيةَ [المائدة: ٦]، وصحَّ أنَّ المُرادَ بذلك: من لم يكُن على وُضُوءٍ ومن كان على وُضُوءٍ، فإنَّما هُو مَندُوبٌ إلى ذلك، لهُ فيه فضْلٌ كامِلٌ، تأسِّيًا برسُولِ الله ﷺ . وثبتَ عنِ النَّبيِّ ﷺ في قولِهِ: "إذا استَيقظَ أحدُكُم من نَومِهِ، فلا يُدخِل يَدهُ، أو يَغمِس يدهُ، في وَضُوئهِ ... " الحديث (٢). ما يَدُلُّ على أنَّ على القائم من النَّوم الوُضُوءَ. واختلَفَ العُلماءُ في النَّوم، هل هُو حَدَثٌ كسائرِ الأحداثِ، أم لهُ حُكم مُنفرِدٌ في ذلك؟ فجُملةُ مذهبِ مالكٍ: إن كانَ نائم اسْتَثقل نومًا، وطال نومُهُ، على أيِّ حالٍ كان، فقد وجبَ عليه الوُضُوءُ.

стр. 6274

وقال مالكٌ: من نامَ مُضطجِعًا أو ساجِدًا فليتوضَّأ، ومن نامَ جالِسًا فلا وُضُوءَ عليه، إلّا أن يطُول (١). وهُو قولُ الزُّهرِيِّ، ورَبيعةَ، والأوزاعِيِّ، في رِوايةِ الولِيدِ بنِ مُسلِم، قالوا (٢): من نام قليلًا لم يَنتقِض وُضُوؤهُ، فإن تطاولَ ذلك توضَّأ. وبه قال أحمدُ بن حنبلٍ (٣). ورَوَى الولِيدُ بن مُسلِم، عنِ الأوزاعِيِّ، أنَّهُ سألَ ابن شِهابٍ الزُّهرِيَّ، عنِ الرَّجُلِ يَنامُ جالِسًا حتَّى يَسْتثقِلَ، قال: إذا اسْتَثقلَ نومًا، فإنّا نرى أن يتوضَّأ، وأمّا من كان نومُهُ غِرارًا، ينامُ ويستيقِظُ، ولا يغلِبُهُ النَّومُ، فإنَّ المُسلِمِينَ قد كان ينالهم ذلك، ثُمَّ لا يقطعُونَ صلاتهُم، ولا يتوضَّئُونَ منهُ. قال الوليدُ: وسمِعتُ أبا عَمرٍو، يعني الأوزاعِيَّ، يقولُ: إذا اسْتَثقلَ نومًا، توضَّأ. وروى محمُودُ بن خالدٍ، عنِ الأوزاعِيِّ، قال: لا وُضُوءَ من النَّوم، وإن توضَّأ ففضلٌ أخذَ به، وإن تركَ فلا حرجَ. ولم يَذْكُر عنهُ الفصلَ (٤) بينَ أحوالِ النائم. وسُئلَ الشَّعبِيُّ عنِ النَّوم، فقال: إن كان غِرارًا، لم يَنقُضِ الطَّهارةَ (٥). قال أبو عُمر: الغِرارُ، هُو القليلُ من النَّوم، قال جرِيرٌ (٦): ما بالُ نومِكَ بالفِراشِ غِرارا ... لو كان قلبُكَ يستطِيعُ لطارا

стр. 6275

وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: لا وُضُوءَ إلّا على من نامَ مُضطجِعًا أو مُتورِّكًا (١). وقال أبو يُوسُف: إن تعمَّدَ النَّوم في السُّجُودِ، فعليه الوُضُوءُ. وقال الثَّورِيُّ، والحَسنُ بن حيٍّ: لا وُضُوءَ إلّا على منِ اضْطَجعَ. وهُو قولُ حمّادٍ، والحكم وإبراهيمَ (٢). وجاءَ عن عُمرَ بنِ الخطّابِ: إذا نامَ أحدُكُم مُضطجِعًا فليتَوضَّأ (٣). ورَوَى أبو خالدٍ يزِيدُ (٤) الدّالانيُّ، عن قَتادةَ، عن أبي العالِيةِ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إنَّما الوُضُوءُ على من نامَ مُضطجِعًا" (٥). وهُو عِندَهُم حديثٌ مُنكرٌ، لم يروهِ أحدٌ من أصْحابِ قَتادةَ الثِّقاتِ، وإنَّما انفردَ به أبو خالدٍ الدّالانيُّ، وأنكَروهُ (٦) عليه، وليس بحُجَّةٍ فيما نقل. وقال اللَّيثُ بن سعدٍ: إذا تصنَّعَ للنَّوم جالِسًا، فعليه الوُضُوءُ، ولا وُضُوءَ على القائم والجالِسُ، وإذا (٧) غلَبهُ النَّومُ تَوضَّأ (٨).

стр. 6276

وقال الشّافِعِيُّ (١): على كلِّ نائم الوُضُوءُ، إلّا الجالِس وحدَهُ، فكلُّ من زالَ عن حدِّ الاسْتِواءِ ونامَ، فعليه الوُضُوءُ، وسواءٌ نامَ قاعِدًا أو ساجِدًا أو قائمًا أو راكِعًا أو مُضطجِعًا. وهُو قولُ الطَّبرِيِّ، وداود بنِ عليٍّ. ورُوِي عن عليٍّ وابنِ مسعُودٍ وابنِ عُمرَ، أنَّهُم قالوا: من نامَ جالِسًا، فلا وُضُوءَ عليه (٢). ورُوِي عنِ ابنِ عبّاسٍ، أنَّهُ قال: وجبَ الوُضُوءُ على كلِّ نائم، إلّا من خفقَ برأسِهِ خَفْقةً أو خَفْقتينِ. رواهُ هُشيمٌ، عن يزِيد بنِ أبي زِيادٍ، عن مِقْسم، عنِ ابنِ عبّاسٍ (٣). ورواهُ الثَّورِيُّ، عن يزِيد، عن مِقْسم، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: وجَبَ الوُضُوءُ على كلِّ نائم، إلّا من خفقَ خَفْقةً برأسِهِ (٤). وقال الحسنُ وسعِيدُ بن المُسيِّبِ: إذا خالَطَ النَّومُ قلبَ أحدِكُم واستحقَّ (٥) نومًا، فليتَوضَّأ (٦). ورُوِي ذلك عن أبي هريرةَ، وابنِ عبّاسٍ، وأنَسِ بنِ مالكٍ (٧).

стр. 6277

وبه قال إسحاقُ، وأبو عُبيدٍ، وهُو معنى قولِ مالكٍ. وكان عبدُ الله بن المُباركِ يقولُ: إن نامَ ساجِدًا في صلاتِهِ، فلا وُضُوءَ عليه، وإن نامَ ساجِدًا في غيرِ صلاتِهِ، فعليه الوُضُوءُ، وكذلك إن تعمَّدَ النَّوم جالِسًا وهُو في صلاةٍ، فعليه الوُضُوءُ. ورُوِي عن أبي موسى الأشعرِيِّ ما يدُلُّ على أنَّ النَّومَ عِندهُ ليس بحدَثٍ على أيِّ حالٍ كان، حتَّى يُحدِث النّائمُ حَدَثًا غير النَّوم؛ لأنَّهُ كان ينامُ ويُوكِّلُ من يحرُسُهُ (١). ورُوِي عن عَبِيدةَ نحوُ ذلك (٢). ورُوِي عن سعِيدِ بنِ المُسيِّبِ: أنَّهُ كان ينامُ مِرارًا مُضطجِعًا ينتظِرُ الصَّلاةَ، ثُمَّ يُصلِّي ولا يُعِيدُ الوُضُوءَ للصَّلاةِ (٣). وقال المُزنيُّ (٤) صاحِبُ الشّافِعِيِّ: النَّومُ حدثٌ، وقليلُهُ وكثِيرُهُ يُوجِبُ الوُضُوءَ كسائرِ الأحداثِ. قال أبو عُمر: حُجَّةُ من ذهبَ مذهب المُزنيِّ في النَّوم، حديثُ صفوان بنِ عسّالٍ، مع القِياسِ، على ما أجمعُوا عليه في أنَّ غلبةَ النَّوم وتمَكُّنهُ، يُوجِبُ الوُضُوءَ، إلّا شيءٌ رُوِي عن أبي موسى وعَبِيدةَ مُحتمِل للتَّأوِيلِ. ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٥)، عن مَعمرٍ، عن أيُّوب، عنِ ابنِ سيرِينَ، قال: سألتُ عَبِيدةَ: أيتوضَّأُ الرَّجُلُ إذا نامَ؟ قال: هُو أعلمُ بنفسِهِ.

стр. 6278

وأمّا حديثُ صفوان بنِ عسّالٍ، فحدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبَرنا محمدُ بن عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا خالدٌ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عاصِم، أنَّهُ سمِعَ زِرَّ بن حُبَيشٍ يُحدِّثُ، قال: أتيْنا رجُلًا يُدْعَى صفوانَ بن عسّالٍ، فقَعدتُ على بابه، فخرجَ فقال: ما شأنُكَ؟ قلتُ: أطلُبُ العِلم، قال: إنَّ الملائكةَ تَضَعُ أجنِحتَها لطالِبِ العِلم، رِضًى بما يطلُبُ (٢). قال: عن أيِّ شيءٍ تسألُ؟ قلتُ: عنِ الخُفَّينِ، قال: كُنّا إذا كُنّا معَ رسُولِ الله ﷺ في سَفَرٍ، أمَرَنا أن لا ننزِعَ خِفافنا ثلاثًا، إلّا من جنابةٍ، ولكن من غائطٍ وبَوْلٍ ونَوْم. قالوا: ففي هذا الحديثِ التَّسوِيةُ بين الغائطِ، والبَولِ، والنَّوم. قالوا: والقِياسُ أنَّهُ لمّا كان كثِيرُهُ وما غلبَ على العَقلِ منهُ حَدَثًا، وجبَ أن يكون قليلُهُ حَدَثًا. قال أبو عُمر: هذا قولٌ شاذٌّ غيرُ مُستحسنٍ، والجُمهُورُ من العُلماءِ على خِلافِهِ، والآثارُ كلُّها عنِ الصَّحابةِ تدفعُهُ (٣)، وقد يحتمِلُ قولُهُ؛ لكن من غائطٍ وبولٍ ونوم ثقِيلٍ غالِبٍ على النَّفسِ، والله أعلمُ. وكذلك ما رُوِي عن أبي موسى - أنَّهُ كان يُوكِّلُ من يحرُسُهُ إذا نامَ، فإن لم يخرُج منهُ حَدَث، قامَ من نَومِهِ وصلَّى - قولٌ شاذٌّ أيضًا، والنّاسُ على خِلافِهِ.

стр. 6279

وقد يُمكِنُ أن يحتجَّ من ذهَبَ هذا المذهبَ (١) بحديثِ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، وحديثِ مُعاوِيةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا حَيْوةُ بن شُرَيح، في آخرِينَ، قالوا: حدَّثنا بقِيَّةُ بن الولِيدِ، قال: حدَّثنا الوَضِينُ بن عَطاءٍ، عن محفُوظِ بنِ عَلْقمةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عائذٍ الأزدِيِّ، عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "وِكاءُ السَّهِ العَيْنانِ، فمن نامَ فليَتَوضَّأ". وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُصفَّى، قال: حدَّثنا بَقِيَّةُ، فذكر بإسنادِهِ مِثلهُ (٣). وبهذا الإسنادِ عن بَقِيَّةَ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي مريمَ، عن عطِيَّةَ بنِ قَيْسٍ، عن مُعاوِيةَ بنِ أبي سُفيانَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "العينُ وِكاءُ السَّهِ، فإذا نامتِ العينُ، استطلَقَ الوِكاءُ" (٤).

стр. 6280

قال أبو عُمر: هذانِ الحديثانِ ليسا بالقوِيَّينِ، وأصحُّ ما في هذا البابِ - من جِهةِ الإسنادِ والعَمل -: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بن حنبلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا ابنُ جُريج، قال: أخبرني نافِعٌ، عن عبدِ الله بنِ عُمر، أنَّ رسُولَ الله ﷺ شُغِلَ عنها ليلةً، يَعني العِشاءَ، فأخَّرَها حتَّى رقَدْنا في المسجِدِ، ثُمَّ اسْتَيقظنا، ثُمَّ رقَدْنا، ثُمَّ اسْتَيقظنا، ثُمَّ خرجَ علينا، فقال: "ليس أحدٌ يَنْتظِرُ الصَّلاةَ غيرُكُم". وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا شاذُّ بن فيّاضٍ، قال: أخبَرنا هشام الدَّستُوائيُّ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، قال: كان أصحابُ النَّبيِّ ﷺ يَنْتظِرُون العِشاءَ الآخِرةَ، حتَّى تخفِقَ رُؤُوسُهُم، ثُمَّ يُصلُّونَ ولا يتوضَّئُونَ. قال أبو داود (٣): ورواهُ شُعبةُ، عن قَتادةَ، وزاد فيه: كُنّا على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ . ورواهُ ابنُ أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ بلفظٍ آخر، وشُعبةُ بلفظٍ آخرَ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ،

стр. 6281

قال (١): حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ وداودُ بن شبِيبٍ، قالا: حدَّثنا حمّادٌ، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: أُقِيمَتْ صلاةُ العِشاءِ، فقامَ رجُلٌ فقال: يا رسُولَ الله إنَّ لي حاجةً، فجعلَ يُناجِيهِ حتَّى نعسَ القومُ أو بعضُ القَوْم، ثُمَّ صلَّى بهم، ولم يَذكُر وُضُوءًا. فهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على أنَّ النَّومَ إذا عرضَ للإنسانِ وهُو جالِسٌ، لا يُنقضُ وُضُوءُهُ، ويحتمِلُ مع هذا أن يكونَ ذلك النَّومُ كان خفِيفًا، والنَّومُ الذي رُوِي عن رسُولِ الله ﷺ - أنَّهُ كان ينامُ في صلاتِهِ حتَّى ينفُخَ، ثُمَّ يُصلِّي ولا يتوضَّأُ - رُوِي عنهُ أنَّهُ كان في سُجُود، وكان ابنُ عبّاسٍ يُنكِرُ أن يكونَ كان ذلك منهُ وهُو ساجِدٌ، وقال: كان النَّومُ منهُ ﷺ وهُو جالِسٌ. كذلك حكى يحيى بن عبّادٍ، عن سعِيدِ بنِ جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ (٢). قال أبو عُمر: ليس بنا حاجةٌ إلى هذا في النَّبيِّ ﷺ ؛ لأنَّهُ محفُوظٌ مخصُوصٌ بأن تنامَ عيناهُ، ولا ينامَ قلبُهُ ﷺ (٣). وإنَّما النَّومُ المُوجِبُ للوُضُوءِ ما غلبَ على القلبِ، أو خالطهُ. وقد رُوِي عن أبي هريرةَ، قال: منِ استحقَّ النَّومَ، فعليه الوُضُوءُ (٤). وأبو

стр. 6282

هريرةَ هُو الرّاوِي للخبرِ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "إذا استيقظَ أحدُكُم من نَوْمِهِ، فلا يَغْمِس يَدهُ في وضُوئهِ" (١). وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٢)، عنِ ابنِ جُرَيج، قال: قال عطاءٌ: إذا ملككَ النَّومُ فتوضَّأ، قاعِدًا أو مُضطجِعًا. وعن مَعمرٍ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، قال: لقد رأيتُ أصحابَ النَّبيِّ ﷺ يُوقَظُونَ للصَّلاةِ، وإنِّي لأسمَعُ لبعضِهِم غَطِيطًا، يعني وهُو جالِسٌ، وما يتوضَّأُ. قال معمرٌ: فحدَّثتُ به الزُّهرِيَّ، فقال رجُلٌ عِندَهُ: أو خطِيطًا. فقال الزُّهرِيُّ: لا، قد أصابَ، غَطِيطًا (٣). وذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ (٤)، عن عَبدِ الله بنِ عُمرَ، عن نافِع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّهُ كان ينامُ وهُو جالِسٌ فلا يتوضَّأُ، وإذا نامَ مُضطجِعًا أعادَ الوُضُوءَ. وعن مَعمرٍ، عن أيُّوبَ، عن نافِع، عنِ ابنِ عُمرَ مِثلُهُ (٥). فهذا عبدُ الله بن عُمر قد فرَّقَ بين النَّوم جالِسًا، ومُضطجِعًا. وعبدُ الرَّزّاقِ (٦)، عنِ الثَّورِيِّ، عنِ الأعْمَشِ، عن ثابتِ بنِ عُبَيدٍ (٧)، قال: انتهيتُ إلى ابنِ عُمر وهُو جالِسٌ ينتظِرُ الصَّلاةَ، فسلَّمتُ فاستيقَظَ، فقال: أثابتٌ؟ قلتُ: نعم، قال: أسلَّمتَ؟ قلتُ: نعَمْ، قال: إذا سلَّمتَ فأسمِع، وإذا ردُّوا عليكَ فليُسمِعُوكَ. قال: ثُمَّ قامَ فصلَّى، وكان محُتبِيًا قد نامَ.
следующие страницы →