← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6278–6317 · переход к 6283.

стр. 6278

وأمّا حديثُ صفوان بنِ عسّالٍ، فحدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبَرنا محمدُ بن عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا خالدٌ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عاصِم، أنَّهُ سمِعَ زِرَّ بن حُبَيشٍ يُحدِّثُ، قال: أتيْنا رجُلًا يُدْعَى صفوانَ بن عسّالٍ، فقَعدتُ على بابه، فخرجَ فقال: ما شأنُكَ؟ قلتُ: أطلُبُ العِلم، قال: إنَّ الملائكةَ تَضَعُ أجنِحتَها لطالِبِ العِلم، رِضًى بما يطلُبُ (٢). قال: عن أيِّ شيءٍ تسألُ؟ قلتُ: عنِ الخُفَّينِ، قال: كُنّا إذا كُنّا معَ رسُولِ الله ﷺ في سَفَرٍ، أمَرَنا أن لا ننزِعَ خِفافنا ثلاثًا، إلّا من جنابةٍ، ولكن من غائطٍ وبَوْلٍ ونَوْم. قالوا: ففي هذا الحديثِ التَّسوِيةُ بين الغائطِ، والبَولِ، والنَّوم. قالوا: والقِياسُ أنَّهُ لمّا كان كثِيرُهُ وما غلبَ على العَقلِ منهُ حَدَثًا، وجبَ أن يكون قليلُهُ حَدَثًا. قال أبو عُمر: هذا قولٌ شاذٌّ غيرُ مُستحسنٍ، والجُمهُورُ من العُلماءِ على خِلافِهِ، والآثارُ كلُّها عنِ الصَّحابةِ تدفعُهُ (٣)، وقد يحتمِلُ قولُهُ؛ لكن من غائطٍ وبولٍ ونوم ثقِيلٍ غالِبٍ على النَّفسِ، والله أعلمُ. وكذلك ما رُوِي عن أبي موسى - أنَّهُ كان يُوكِّلُ من يحرُسُهُ إذا نامَ، فإن لم يخرُج منهُ حَدَث، قامَ من نَومِهِ وصلَّى - قولٌ شاذٌّ أيضًا، والنّاسُ على خِلافِهِ.

стр. 6279

وقد يُمكِنُ أن يحتجَّ من ذهَبَ هذا المذهبَ (١) بحديثِ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، وحديثِ مُعاوِيةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا حَيْوةُ بن شُرَيح، في آخرِينَ، قالوا: حدَّثنا بقِيَّةُ بن الولِيدِ، قال: حدَّثنا الوَضِينُ بن عَطاءٍ، عن محفُوظِ بنِ عَلْقمةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عائذٍ الأزدِيِّ، عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "وِكاءُ السَّهِ العَيْنانِ، فمن نامَ فليَتَوضَّأ". وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُصفَّى، قال: حدَّثنا بَقِيَّةُ، فذكر بإسنادِهِ مِثلهُ (٣). وبهذا الإسنادِ عن بَقِيَّةَ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي مريمَ، عن عطِيَّةَ بنِ قَيْسٍ، عن مُعاوِيةَ بنِ أبي سُفيانَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "العينُ وِكاءُ السَّهِ، فإذا نامتِ العينُ، استطلَقَ الوِكاءُ" (٤).

стр. 6280

قال أبو عُمر: هذانِ الحديثانِ ليسا بالقوِيَّينِ، وأصحُّ ما في هذا البابِ - من جِهةِ الإسنادِ والعَمل -: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بن حنبلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا ابنُ جُريج، قال: أخبرني نافِعٌ، عن عبدِ الله بنِ عُمر، أنَّ رسُولَ الله ﷺ شُغِلَ عنها ليلةً، يَعني العِشاءَ، فأخَّرَها حتَّى رقَدْنا في المسجِدِ، ثُمَّ اسْتَيقظنا، ثُمَّ رقَدْنا، ثُمَّ اسْتَيقظنا، ثُمَّ خرجَ علينا، فقال: "ليس أحدٌ يَنْتظِرُ الصَّلاةَ غيرُكُم". وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا شاذُّ بن فيّاضٍ، قال: أخبَرنا هشام الدَّستُوائيُّ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، قال: كان أصحابُ النَّبيِّ ﷺ يَنْتظِرُون العِشاءَ الآخِرةَ، حتَّى تخفِقَ رُؤُوسُهُم، ثُمَّ يُصلُّونَ ولا يتوضَّئُونَ. قال أبو داود (٣): ورواهُ شُعبةُ، عن قَتادةَ، وزاد فيه: كُنّا على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ . ورواهُ ابنُ أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ بلفظٍ آخر، وشُعبةُ بلفظٍ آخرَ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ،

стр. 6281

قال (١): حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ وداودُ بن شبِيبٍ، قالا: حدَّثنا حمّادٌ، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: أُقِيمَتْ صلاةُ العِشاءِ، فقامَ رجُلٌ فقال: يا رسُولَ الله إنَّ لي حاجةً، فجعلَ يُناجِيهِ حتَّى نعسَ القومُ أو بعضُ القَوْم، ثُمَّ صلَّى بهم، ولم يَذكُر وُضُوءًا. فهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على أنَّ النَّومَ إذا عرضَ للإنسانِ وهُو جالِسٌ، لا يُنقضُ وُضُوءُهُ، ويحتمِلُ مع هذا أن يكونَ ذلك النَّومُ كان خفِيفًا، والنَّومُ الذي رُوِي عن رسُولِ الله ﷺ - أنَّهُ كان ينامُ في صلاتِهِ حتَّى ينفُخَ، ثُمَّ يُصلِّي ولا يتوضَّأُ - رُوِي عنهُ أنَّهُ كان في سُجُود، وكان ابنُ عبّاسٍ يُنكِرُ أن يكونَ كان ذلك منهُ وهُو ساجِدٌ، وقال: كان النَّومُ منهُ ﷺ وهُو جالِسٌ. كذلك حكى يحيى بن عبّادٍ، عن سعِيدِ بنِ جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ (٢). قال أبو عُمر: ليس بنا حاجةٌ إلى هذا في النَّبيِّ ﷺ ؛ لأنَّهُ محفُوظٌ مخصُوصٌ بأن تنامَ عيناهُ، ولا ينامَ قلبُهُ ﷺ (٣). وإنَّما النَّومُ المُوجِبُ للوُضُوءِ ما غلبَ على القلبِ، أو خالطهُ. وقد رُوِي عن أبي هريرةَ، قال: منِ استحقَّ النَّومَ، فعليه الوُضُوءُ (٤). وأبو

стр. 6282

هريرةَ هُو الرّاوِي للخبرِ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "إذا استيقظَ أحدُكُم من نَوْمِهِ، فلا يَغْمِس يَدهُ في وضُوئهِ" (١). وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٢)، عنِ ابنِ جُرَيج، قال: قال عطاءٌ: إذا ملككَ النَّومُ فتوضَّأ، قاعِدًا أو مُضطجِعًا. وعن مَعمرٍ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، قال: لقد رأيتُ أصحابَ النَّبيِّ ﷺ يُوقَظُونَ للصَّلاةِ، وإنِّي لأسمَعُ لبعضِهِم غَطِيطًا، يعني وهُو جالِسٌ، وما يتوضَّأُ. قال معمرٌ: فحدَّثتُ به الزُّهرِيَّ، فقال رجُلٌ عِندَهُ: أو خطِيطًا. فقال الزُّهرِيُّ: لا، قد أصابَ، غَطِيطًا (٣). وذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ (٤)، عن عَبدِ الله بنِ عُمرَ، عن نافِع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّهُ كان ينامُ وهُو جالِسٌ فلا يتوضَّأُ، وإذا نامَ مُضطجِعًا أعادَ الوُضُوءَ. وعن مَعمرٍ، عن أيُّوبَ، عن نافِع، عنِ ابنِ عُمرَ مِثلُهُ (٥). فهذا عبدُ الله بن عُمر قد فرَّقَ بين النَّوم جالِسًا، ومُضطجِعًا. وعبدُ الرَّزّاقِ (٦)، عنِ الثَّورِيِّ، عنِ الأعْمَشِ، عن ثابتِ بنِ عُبَيدٍ (٧)، قال: انتهيتُ إلى ابنِ عُمر وهُو جالِسٌ ينتظِرُ الصَّلاةَ، فسلَّمتُ فاستيقَظَ، فقال: أثابتٌ؟ قلتُ: نعم، قال: أسلَّمتَ؟ قلتُ: نعَمْ، قال: إذا سلَّمتَ فأسمِع، وإذا ردُّوا عليكَ فليُسمِعُوكَ. قال: ثُمَّ قامَ فصلَّى، وكان محُتبِيًا قد نامَ.

стр. 6283

وعبدُ الرَّزّاقِ (١)، عنِ ابنِ جُريج، عن إبراهيم بنِ ميسرةَ، أنَّ طاوُوسًا رقدَ يومَ الجُمُعةِ، والضَّحّاكُ يخطُبُ النّاسَ، قال: فلمّا صلَّينا وخرَجْنا، قال: ما قالَ حِينَ رَقدتُ؟ فهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على أنَّ من نامَ جالِسًا، لا شيءَ عليه. وقد تأوَّلَ بعضُهُم قولهُ ﷺ في حديث هذا البابِ: "فإن أحدَكُم لا يَدْرِي أينَ باتَتْ يدُهُ"، أنَّ ذلك على نَوم اللَّيلِ، والمعرُوفُ منهُ في الأغلبِ الاضْطِجاعُ والاسْتِثقالُ، فعلى (٢) هذا خرجَ الحديثُ، واللهُ أعلمُ. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "فلا يَغْمِس يَدهُ في وَضُوئهِ". فإنَّ أكثرَ أهلِ العِلم ذهَبُوا إلى أن ذلك منهُ نَدْبٌ لا إيجابٌ، وسُنّةٌ لا فرضٌ. وكان مالكٌ ﵀ يَسْتحِبُّ لكلِّ من أرادَ الوُضُوءَ، أن يغسِلَ يَدهُ قبلَ أن يُدخِلها الإناءَ، وسواءٌ كان على وُضُوءٍ، أو على غيرِ وُضُوء. ولقد رَوَى عنهُ أشهبُ في ذلك تأكِيدًا واستِحبابًا. ورَوَى ابنُ وَهْبٍ، وابنُ نافِع، عن مالكٍ في المُتوضِّئ يخرُجُ منهُ رِيحٌ بحدَثانِ وُضُوئهِ وَيدُهُ طاهِرةٌ، قال: يغسِلُ يدَهُ قبلَ أن يُدخِلها الإناءَ، أحبُّ إليَّ (٣). قال ابنُ وَهْبٍ: وقد كان قال لي قبل ذلك: إن كانت يدُهُ طاهِرةً، فلا بأسَ أن يُدخِلها في الوَضُوءِ قبل أن يَغسِلها. ثُمَّ قال لي: أحبُّ إليَّ أن يغسِلَ يَدهُ إذا أحدثَ، قبلَ أن يُدخِلها في وَضُوئهِ، وإن كانت يدُهُ طاهِرةً.

стр. 6284

وذكر ابنُ عبدِ الحكم، عن مالكٍ، قال: منِ استيقظَ من نومِهِ، أو مسَّ فرجهُ، أو كان جُنُبًا، أوِ امرأةً حائضًا، فأدخلَ أحدُهُم يَدهُ في وَضُوئهِ، فليس ذلك يضُرُّهُ، إلّا أن تكونَ في يَدِهِ نَجاسةٌ، كان ذلك الماءُ قليلًا أو كثِيرًا، ولا يُدخِلُ أحدٌ منهُم يدَهُ في وَضُوئهِ حتَّى يَغْسِلها. قال أبو عُمر: الفُقهاءُ على هذا، كلُّهُم يستحِبُّونَ ذلك، ويأمُرُونَ به، فإن أدخلَ يَدهُ أحدٌ بعدَ قِيامِهِ من نومِهِ في وَضُوئهِ قبلَ أن يَغسِلها، ويدُهُ نظِيفةٌ لا نَجاسةَ فيها، فليس عليه شيءٌ، ولا يضُرُّ ذلك وَضُوءَهُ، وعلى ذلك أكثرُ أهلِ العِلم، فإن كانت في يَدِهِ نجاسةٌ، نُظِر إلى الماءِ، ورجعَ كلُّ واحِدٍ من الفُقهاءِ حِينئذٍ إلى أصلِهِ في الماءِ، على ما قدَّمنا عنهُم، في بابِ إسحاقَ من كِتابِنا هذا. وكان الحسنُ البَصرِيُّ، فيما رَوَى عنهُ أشعثُ يقولُ: إذا استيقظَ أحدُكُم من النَّوم، فغمسَ يدَهُ في الإناءِ قبلَ أن يَغسِلها، أهراقَ الماءَ (١). وإلى هذا ذهبَ أهلُ الظّاهِرِ، فلم يُجِيزُوا الوُضُوءَ به، لأنَّهُ عِندهُم ماءٌ مَنهِيٌّ عنِ استِعمالِهِ. هذا معنى النَّهيِ عن غَمْسِ اليدِ فيه عِندَهُم، كأنَّهُ قال: إذا استيقظَ أحدُكُم من نَومِهِ، فلا يُدخِل يَدهُ في إناءِ وَضُوئهِ، فإن فعلَ، فلا يتوضَّأُ بذلك الماءِ. وإلى هذا المعنى ذهبَ بعضُ أصحابِ داود، وتحصِيلُ مذهبِ داود، وأكثرِ أصحابه أنَّ فاعِل ذلك (٢) عاصٍ، إذا كان بالنَّهيِ عالِمًا، والماءُ طاهِر، والوُضُوءُ به جائزٌ، ما لم تظهر فيه نجاسةٌ (٣).

стр. 6285

وقد روَى هشامٌ، عنِ الحَسنِ، قال: منِ استَيقظَ فغمسَ يَدهُ في وَضُوئهِ، فلا يُهرِيقهُ (١). وعلى هذا جماعةُ الفُقهاءِ، إلّا أنَّ من أدخلَ يدهُ في الإناءِ إذا استيقظَ من نَومِهِ قبلَ أن يَغسِلها، فقد أساءَ عِندَهُم، إذا كان عالِمًا بالخبَرِ في ذلك، ووُضُوؤهُ بذلك الماءِ جائزٌ، وليس عليه أن يُهرِيقَهُ إذا كانت يَدُهُ طاهِرةً. واختُلِف عنِ الحسنِ البصرِيِّ أيضًا في الفرقِ بين نوم اللَّيلِ والنَّهارِ، فذكر المروزِيُّ، عن إسحاق بنِ راهوية، عن سَهْلِ بنِ يُوسُف، عن بعضِ أصحابه، عنِ الحسنِ: أنَّهُ كان يُساوِي بين نوم اللَّيلِ والنَّهارِ في غَسْلِ اليَدِ. قال المروزِيُّ: وقد روينا عنِ الحَسَنِ خِلافَ هذا، بأثبتَ من هذا الإسنادِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا النَّضرُ بن شُمَيلٍ، قال: حدَّثنا أشعثُ، عنِ الحَسَنِ: أنَّهُ كان لا يجعلُ نومَ النَّهارِ، مِثل نوم اللَّيلِ، يقولُ: لا بأسَ إذا استيقظَ من نوم النَّهارِ أن يغمِسَ يدهُ في وَضُوئهِ (٢). وإلى هذا ذهبَ أحمدُ بن حنبلٍ. ذكر أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: سمِعتُ أبا عبدِ الله، يعني أحمدَ بن حنبلٍ، يُسألُ عنِ الرَّجُلِ يَسْتيقِظُ من نومِهِ، فيَغمِسُ يَدهُ في الإناءِ قبلَ أن يَغْسِلها، فقال: أمّا بالنَّهارِ فليس به عِندِي بأسٌ، وأمّا إذا قامَ من النَّوم باللَّيلِ، فلا يُدخِل يَدهُ في الإناءِ حتَّى يَغسِلها، لأنَّهُ قال: "لا يَدْرِي أين باتَتْ يدُهُ". قال: فالمبِيتُ إنَّما يكونُ باللَّيلِ. قِيل لأبي عبدِ الله: فما يصنعُ بذلك الماءِ؟ قال: إن صَبَّ الماءَ وأبدَلهُ، فهُو أحسنُ وأسهلُ (٣).

стр. 6286

قال أبو عُمر: أمّا المبِيتُ، فيُشبِهُ أن يكونَ ما قالهُ أحمدُ بن حنبلٍ صحِيحًا فيه؛ لأنَّ الخليلَ قال في كِتابِ "العين" (١): البيتُوتةُ دُخُولُك في اللَّيلِ، وكونُكَ فيه بنَوم وبغيرِ نَومٍ. قال: ومن قال: بتُّ بمعنى نِمتُ، وفسَّرهُ على النَّوم فقد أخطأ. قال: ألا ترى أنَّك تقُولُ: بتُّ أُراعِي النَّجم، معناهُ بتُّ أنظُرُ إلى النَّجم؟ قال: فلو كان نومًا كيف كان ينامُ وينظُرُ؟ إنَّما هُو ظلَلتُ أُراعِي النَّجمَ. قال: وتقُولُ: أباتهُمُ اللهُ إباتةً حسنةً، وباتُوا بيتُوتةً صالحةً، وأباتهُمُ الأمرُ بياتًا، كلُّ ذلك دُخُولُ اللَّيلِ، وليس من النَّوم في شيءٍ. وقال إسحاقُ بن راهوية: لا يَنْبغِي لأحدٍ استيقظَ ليلًا أو نهارًا، إلّا أن يغسِلَ يدهُ قبلَ أن يُدخِلها الوَضُوءَ. قال: والقِياسُ في نوم النَّهارِ، أنَّهُ مِثلُ نوم اللَّيلِ. قال: فإذا كان النّائمُ ليلًا يجِبُ عليه أن يغسِلَ يدهُ قبلَ أن يُدخِلها الإناءَ، لما وردَ من ذلك في الحديثِ، فنومُ النَّهارِ مِثلُ نوم اللَّيلِ في القِياسِ. قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا قال بقولِ الحسنِ وأحمدَ بنِ حنبلٍ في هذه المسألةِ غيرهُما، والنّاسُ على ما ذكَرنا عن إسحاقَ في التَّسوِيةِ بين نوم اللَّيلِ والنَّهارِ، فإن أدخلَ يدهُ في الإناءِ وهي طاهِرةٌ لا نَجاسةَ فيها، لم يضُرَّهُ عِندَهُم ذلك، وعلى هذا جُمهُورُ عُلماءِ المُسلِمِينَ من الصَّحابةِ والتّابِعِين. ذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ (٢)، عنِ الثَّورِيِّ، عن جابرٍ، عنِ الشَّعبِيِّ، قال: كان أصحابُ رسُولِ الله ﷺ يُدخِلُونَ أيدِيهُم في الماءِ وهُم جُنُبٌ، والنِّساءُ حُيَّضٌ، فلا يُفسِّدُ ذلك بعضُهُم على بعضٍ. وعبدُ الرَّزّاقِ (٣)، عن عُمر بنِ ذرٍّ، قال: رأيتُ إبراهيمَ النَّخعِيَّ قُرِّبَ لهُ

стр. 6287

وَضُوؤهُ، فأدخلَ يَدهُ في وَضُوئهِ قبلَ أن يَغْسِلها، فقال لهُ أبي (١): أمِثلُكَ يفعلُ هذا يا أبا عِمرانَ؟ فقال إبراهيمُ: ليس حيثُ تذهبُ يا أبا عُمر، أرأيتَ المِهراسَ الذي كان أصحابُ رسُولِ الله ﷺ يتَوضَّؤُونَ فيه، كيفَ كانوا يصنعُونَ به؟ قال أبو عُمر: هذا عِندَنا على أنَّ وَضُوءَهُ ذلك كان في مِطْهرةٍ وشِبْهِها، مِمّا لم يُمكِنهُ أن يصُبَّ منهُ على يَدهِ، فلِذلك أدخلَ يدَهُ فيه، والله أعلمُ. وقد ذكر عبدُ الرَّزّاقِ، عنِ الثورِيِّ وابنِ عُيينةَ، عنِ الصَّلتِ بنِ بهرام، قال: رأيتُ إبراهيم النَّخعِيَّ يبُولُ، ثُمَّ يُدخِلُ يدَهُ في المطهرةِ (٢). ومَعمرٌ، عن قَتادةَ، عنِ ابنِ سِيرِينَ: أنَّهُ كان يُدخِلُ يدَهُ في وَضُوئهِ وقد خرجَ من الكَنِيفِ قبلَ أن يَغْسِلها. وابنُ المُباركِ، عن هشام، عنِ ابنِ سِيرِينَ، مِثلُهُ (٣). وأيُّوبُ، عنِ ابنِ سِيرِين، عن عَبيدةَ، مِثلُهُ. ورَوَى عبدُ الله بن محمدِ بنِ أسماءَ، قال: حدَّثنا مهدِيُّ بن ميمُونٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إبراهيم، قال: رأيتُ سالم بن عبدِ الله بالَ، فأُتي برَكوةٍ فيها ماءٌ، فغمسَ يدهُ في جَوفِ الرَّكوةِ يَغْسِلُها. وعبدُ الرَّزّاقِ، عنِ ابنِ جُرَيج، عن عَطاءٍ، قال: إذا غسلتُ كفَّيَّ قبلَ أن أُدخِلَهما (٤) الإناءَ لم أغسِلْهما مع الذِّراعينِ. قال: وإن غمستَ كفَّيكَ في الوَضُوءِ

стр. 6288

قبلَ أن تَغسِلَهما (١) فتوضَّأتَ، ثُمَّ ذكرتَ، فلا تَعُد لوُضُوئك، وحَسْبُك (٢)، لَعَمْرِي، إنّا لننسى ذلك كثِيرًا، ثُمَّ لا نزِيدُ على ذلك الماءِ. وعنِ ابنِ جُرَيج، عن عَطاءٍ، قال: إن أمِنتَ أن يكونَ بكفَّيكَ أذًى، أو قَشْبٌ (٣)، فلا يضُرُّكَ أن تُدخِلهما في وَضُوئكَ قبلَ أن تغسِلهما. قال أبو عُمر: من جعلَ ترتِيب الوُضُوءِ واجِبًا عُضوًا بعد عُضوٍ، فلا يتحصَّلُ على أصلِهِ إلّا أن يكونَ غسلُ اليَدينِ قبلَ إدخالِهِما في الوَضُوءِ بدءًا (٤)، وأمّا من أجازَ تقدِيم غَسلِ اليدينِ على الوَجهِ، فيجِيءُ على أصلِهِ ما قال عطاءٌ، أنَّهُ لا يُعِيدُ غسلَ كفَّيهِ مع ذِراعيهِ. قال أبو عُمر: وروينا عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، وعبدِ الله بنِ مسعُودٍ، والبَراءِ بنِ عازِبٍ، وجرِيرِ بنِ عبدِ الله: أنَّهُم كانوا يتوضَّؤُونَ من المطاهِرِ التي يتَوضَّأُ مِنها العوامُّ، ويُدخِلُونَ أيدِيَهُم فيها ولا يَغْسِلُونها (٥). وذكرَ وكِيعٌ، عن سُفيانَ، ومسعرٌ، عن مُزاحِم بنِ زُفَر، قال: قلتُ للشَّعبِيِّ: أكُوز مُخمَّرٌ أحبُّ إليكَ أن أتوضَّأ (٦) به، أو (٧) من المطهرةِ التي يُدخِلُ فيها الجزّارُ يدهُ؟ قال: لا، بلِ المطهرةُ التي يُدخِلُ فيها الجزّارُ يدهُ (٨).

стр. 6289

وذكرَ أبو عُبيدٍ القاسمُ بن سلّام بعضَ هذه الأحادِيثِ في الوُضُوءِ من المطاهِرِ، ثُمَّ قال: هذا كلُّهُ قولُ أهلِ الحِجازِ والعِراقِ، أنَّ هذه المطاهِر لا يُنجِّسُها وُضُوءُ النّاسِ مِنها. وقال أبو عبدِ الله المروزِيُّ: وكذلك القولُ عِندَنا. قال: ومعنى المطاهِرِ هذه: السِّقاياتُ التي تكونُ فيها الحِياضُ (١)، فيتوضَّأُ مِنها الصّادِرُ والوارِدُ، وإنَّما أرادتِ العُلماءُ من هذا أنَّهُم رأوا أنَّ إدخالهم أيدِيهُم في الماءِ لا يُفسِدُهُ. قال: وعلى هذا أمرُ المُسلِمِينَ، أنَّ رجُلًا لو أدخلَ يَدهُ في الإناءِ قبلَ غسلِها، لم يُنجِّس ذلك ماءه، إلّا أنَّهُ مُسِيءٌ في تَرْكِ غَسْلِها، لأنَّ السُّنّة أن يبدأ بغَسْلِها قبلَ أن يُدخِلها الإناءَ. وذكر المروزِيُّ، عن إسحاقَ، عن عبدِ الله بنِ نُمَيرٍ، عنِ الأشعثِ، عنِ الشَّعبِيِّ، قال: النّائمُ والمُستيقِظُ سَواءٌ، إذا وجبَ عليه الوُضُوءُ، لم يُدخِل يَدهُ في الإناءِ حتَّى يَغْسِلها (٢). قال: وحدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا المُعتمِرُ، عن سلْم (٣)، عنِ الحسنِ، قال: لا تغمِسُوا أيدِيكُم في الإناءِ حتَّى تغسِلُوها (٤). وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، عن مَعمرٍ وابنِ جُريج، عنِ ابنِ طاوُوسٍ، عن أبيهِ: أنَّهُ كان يغسِلُ يَديهِ قبلَ أن يُدخِلهما الماءَ.

стр. 6290

عبدُ الرَّزّاقِ، عنِ ابنِ جُريج، قال: حدَّثنا نافِعٌ، عنِ ابنِ عُمر: أنَّهُ كان يغسِلُ يَدَيهِ قبلَ أن يُدخِلهما الوَضُوءَ. ورواهُ عيسى بن يُونُس، عنِ ابنِ جُرَيج، عن نافِع، عنِ ابنِ (١) عُمر: أنَّهُ كان لا يُدخِلُ يدهُ الإناءَ حتَّى يغسِلها. وذكرَ الحارِثُ بنُ مِسكِينٍ، عنِ ابنِ وَهْبٍ، قال: سمِعتُ مالكًا - وسُئلَ عنِ الرَّجُلِ يخرُجُ منهُ الحدَثُ وهُو طاهِرٌ، أيَغسِلُ يَدهُ إذا أرادَ الوُضُوءَ؟ - فقال: نعم. وقد كان قال لي قبلَ ذلك: إن كانت يَدُهُ طاهِرةً، فلا بأسَ أن يُدخِلها الوَضُوءَ قبلَ أن يَغْسِلها. قال: وسُئلَ عنِ المِهراسِ الذي كان النّاسُ يتوضَّؤُونَ فيه، فقال: لم يَكُن يَومئذٍ مِهراسٌ. قال: وقال مالكٌ في الذي قال لأبي هريرةَ: كيفَ بالمِهراسِ؟ فقال مالكٌ: أكرهُ أن يُعارض مِثل هذا من قولِ رسُولِ الله ﷺ . وقال الحارِثُ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسم، عن مالكٍ أنَّهُ قِيل لهُ: يا أبا عبدِ الله، فالمِهراسُ؟ قال: أيُّ مِهْراسٍ؟ قِيل: إنَّ قومًا يَتحدَّثُون أنَّهُم أدركُوهُ، ويذكُرُونَ أنَّهُ كان مِهراسٌ يتوضَّأُ فيه الرِّجالُ والنِّساءُ. فأنكرَ أن يكونَ ثمَّ مِهراسٌ، ورأيتُهُ يَسْتحِبُّ أن يُفرِغُوا على أيدِيهِم قبلَ أن يُدخِلوا أيدِيهم في الماءِ. وقال: ما أرى النّاس إلّا وقد كان لهمُ القَدَحُ، وغيرُ ذلك. وذكر المروزِيُّ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ، قال: حدَّثنا الفضلُ بن دُكَينٍ، قال: رأيتُ سُفيانَ يتوضَّأُ من مطهرةِ المسجِدِ ونَحنُ في جِنازةٍ.

стр. 6291

حديثٌ رابعُ عشرينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "من شرِّ النّاسِ ذو الوَجْهينِ، الذي يأتي هؤلاءِ بوَجهٍ، وهؤلاءِ بوَجهٍ". هذا حديثٌ ظاهِرُهُ كباطِنِهِ، وباطِنُهُ كظاهِرِهِ في البَيانِ عن ذمِّ من هذه حالهُ (٢) وفِعلُهُ وخُلُقُهُ، عصمَنا اللهُ برحمتِهِ. وقد تأوَّلَ قومٌ في هذا الحديثِ: أنَّهُ الذي يُرائي بعَملِهِ، ويرِي النّاس خُشُوعًا واستِكانةً، ويُوهِمهم (٣) أنَّهُ يخشَى الله، حتَّى يُكرِمُوهُ (٤). وليس الحديثُ على ذلك، والله أعلمُ. وقولُهُ: "يأتي هؤلاءِ بوَجهٍ، وهؤلاءِ بوَجْهٍ". يرُدُّ هذا التَّأوِيل. وما يحتاجُ ذمُّ الرِّياءِ إلى اسْتِنباطِ معنًى من هذا الحديثِ وشِبْهِهِ؛ لأنَّ الآثارَ فيه عنِ النَّبيِّ ﷺ وعنِ السَّلفِ، أكثرُ من أن تُحصى (٥). حدَّثنا خلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بن المُباركِ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن مخلدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن عبدِ الحمِيدِ الحِمّانيُّ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن بلالٍ، عن عُبيدِ الله بنِ سَلْمانَ (٦)، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "لا يَنْبغِي لذي الوَجْهينِ أن يكونَ أمِينًا" (٧).

стр. 6292

ومن هذا الحديثِ والله أعلمُ، أخذَ القائلُ قولهُ (١): إنَّ شرَّ النّاسِ من يكشِرُ لي ... حِين يلقاني وإن غِبتُ شَتَمْ حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن مِهران، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عيسى العطّارُ، قال: حدَّثنا عليُّ بن هاشِم، عن إسماعيل بنِ مُسلِم، عنِ الحَسَنِ وقَتادةَ، عن أنَسٍ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من كان ذا لسانينِ في الدُّنيا، جعلَ اللهُ لهُ لسانينِ من نارٍ يومَ القِيامةِ" (٢). وذكر البزّارُ (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بن مِسكِينِ بنِ نُميلةَ (٤)، قال: حدَّثنا يحيى بن حسّانٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن بلالٍ، عن كثِيرِ بنِ زيدٍ، عنِ الولِيدِ بنِ رباح، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يَنْبغِي لذي الوَجْهينِ أن يكونَ أمِينًا عِندَ الله" (٥).

стр. 6293

حديثٌ خامسُ عشرينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا شرِبَ الكلبُ في إناءِ أحدِكُم، فليَغْسِلهُ سبعَ مرّاتٍ". هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" بهذا الإسنادِ عِندَ جميع رُواتِهِ، فيما عَلِمتُ (٢). ورواهُ يَعقُوبُ بن الولِيدِ، عن مالكٍ، عن سُهَيلٍ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، وليس بمحفُوظٍ لمالكٍ بهذا الإسنادِ. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بنِ هارُونَ الأنماطِيُّ بمكَّةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بنِ عبدِ العزِيزِ، قال: حدَّثنا جدِّي، قال: حدَّثنا يَعقُوبُ بن الوليدِ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن سُهَيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا ولغَ الكلبُ في الإناءِ، غُسِلَ سبعَ مرّاتٍ" (٣). هذا عِندِي خطأٌ في الإسنادِ لا شكَّ فيه، والله أعلمُ.

стр. 6294

حدَّثني خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بنِ الحُسينِ العَسْكرِيُّ، قال: حدَّثنا الرَّبِيعُ بن سُليمان والمُزنيُّ، قالا: حدَّثنا محمدُ بن إدرِيسَ الشّافِعِيُّ، قال (١): أخبَرنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرَج، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا شرِبَ الكلبُ في إناءِ أحدِكُم، فليَغْسِلهُ سبعَ مرّاتٍ". وهكذا يقولُ مالكٌ في هذا الحديثِ: "إذا شرِب الكلبُ" (٢). وغيرُهُ من رُواةِ حديثِ أبي هريرةَ هذا، بهذا الإسنادِ وبغيرِهِ، على تواتُرِ طرقِهِ وكثرتِها عن أبي هريرةَ وغيرِهِ، كلُّهُم يقولُ: "إذا ولغَ الكلبُ"، ولا يقولُون: "شرِبَ الكلبُ"، وهُو الذي يَعرِفُهُ أهلُ اللُّغةِ. وأمّا قولُهُ في الحديثِ: "فليَغْسِلهُ سبع مرّاتٍ". ولم يَزِد، ولا ذكَرَ التُّرابَ في أُخراهُنَّ، ولا أُولاهُنَّ، فكذلك رواهُ: الأعرجُ، وأبو صالح، وأبو رَزِينٍ (٣)، وثابتٌ الأحنفُ (٤)،

стр. 6295

وهمّامُ بن مُنبِّهٍ (١)، وعبدُ الرَّحمنِ أبو السُّدّيِّ (٢)، وعُبيدُ بن حُنَينٍ (٣)، وثابتُ بن عِياضٍ مولى عبدِ الرَّحمنِ بنِ زيدٍ (٤)، وأبو سلَمةَ (٥)، كلُّهُم رووهُ عن أبي هريرةَ، ولم يذكُرُوا التُّرابَ. واختُلِفَ عنِ ابنِ سِيرِينَ في ذلك: فرَوَى هشامٌ، عنِ ابنِ سِيرِينَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "طَهُورُ إناءِ أحَدِكُم إذا ولغَ فيه الكَلْبُ أن يَغْسِلهُ سبعَ مِرارٍ، أُولاهُنَّ بالتُّرابِ" (٦). وكذلك رواهُ حبِيبُ بن الشَّهِيدِ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، عن أبي هريرةَ (٧).

стр. 6296

وكذلك رواهُ أيُّوبُ في غيرِ رِوايةِ حمّادِ بنِ زيدٍ عنهُ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ. إلّا أنَّ أيُّوبَ وقفهُ على أبي هريرةَ، وقال: كان محمدٌ ينحُو بأحادِيثِ أبي هريرةَ نحو الرَّفع (١). ورواهُ حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، فلم يذكُر فيه التُّراب (٢). ورواهُ قتادةُ، عنِ ابنِ سِيرِينَ، أنَّهُ حدَّثهُ عن أبي هريرةَ، أنَّ نبِيَّ الله ﷺ قال: "إذا ولغَ الكلبُ في الإناءِ، فاغسِلُوهُ سبعَ مرّاتٍ، السّابعةُ بالتُّرابِ" (٣). ورواهُ خِلاسٌ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، فقال: "أُخراهُنَّ بالتُّرابِ". وبعضُهُم يقولُ في حديثِ خِلاسٍ: "إحداهُنَّ بالتُّرابِ" (٤).

стр. 6297

وسائرُ رُواةِ أبي هريرةَ لم يذكُرُوا التُّرابَ، لا في الأُولى، ولا في الآخِرةِ، ولا في شيءٍ من الغَسَلاتِ. فهذا ما في حديثِ أبي هريرةَ. وأمّا حديثُ عبدِ الله بنِ مُغفَّلٍ المُزنيِّ، فإنَّهُ جعَلَها ثمانِ غَسَلاتٍ، منها (١) سبعُ غَسَلاتٍ بالماءِ، وجعلَ الغسلةَ الثّامِنةَ بالتُّرابِ. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا شَبابةُ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي التَّيّاح، قال: سمِعتُ مُطرِّفًا يُحدِّثُ عنِ ابنِ المُغفَّلِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمرَ بقَتلِ الكِلابِ، ثُمَّ قال: "ما لهم وللكِلابِ؟ " ثُمَّ رخَّصَ لهم في كلبِ الصَّيدِ، وقال: "إذا ولغَ الكَلْبُ في الإناءِ، فاغسِلُوهُ سبعَ مرّاتٍ، وعَفِّرُوهُ الثّامِنةَ بالتّرابِ". وبهذا الحديثِ كان يُفتِي الحسنُ؛ أن يُغسَلَ الإناءُ سبعَ مرّاتٍ، والثّامِنةَ بالتُّرابِ (٣). ولا أعلمُ أحدًا كان يُفتِي بذلك غيرهُ. وفي هذا الحديثِ دليلٌ، على أنَّ الكلبَ الذي أُبِيحَ اتِّخاذُهُ، هُو المأمُورُ فيه بغَسلِ الإناءِ من وُلُوغِهِ سبعًا.

стр. 6298

وهذا يشهدُ لهُ النَّظرُ والمعقُولُ؛ لأنَّ ما لم يُبَحِ اتِّخاذُهُ، وأُمِرَ بقتلِهِ، مُحالٌ أن يُتعبَّد فيه بشيءٍ، لأنَّ ما أُمِر بقَتلِهِ، فهُو مَعدُومٌ لا موجُودٌ، وما أُبِيحَ لنا اتِّخاذُهُ للصَّيدِ والماشِيةِ، أُمِرنا بغَسلِ الإناءِ من وُلُوغِهِ. حدَّثنا سعِيدُ بن نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا أبو مُعاوِيةَ، عن الأعْمَشِ (٢) عن أبي رَزِينٍ، أنَّهُ رأى أبا هريرةَ يضرِبُ جَبهتهُ بيدِهِ، ثُمَّ يقولُ: يا أهل العِراقِ، أتزعُمُونَ أنِّي أكذِبُ على رسُولِ الله ﷺ ؟ ليكونَ لكُمُ المهنأُ، وعليَّ الإثمُ؟ أشْهَدُ، لَسمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "إذا ولغَ الكلبُ في إناءِ أحدِكُم فلْيغسِلهُ سبعَ مرّاتٍ". وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، قال: أخبرنا شُعبةُ، عنِ الأعمشِ، عن ذكوانَ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا ولغَ الكلبُ في الإناءٍ، فاغسِلُو سبعَ مرّاتٍ" (٣).

стр. 6299

وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (١)، عن مَعمرٍ، عن همّام بنِ مُنبِّهٍ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "طهُورُ إناءِ أحدِكُم إذا ولَغَ فيه الكلبُ، أن يَغسِلهُ سبعَ مرّاتٍ". قال أبو عُمر: اختلف العُلماءُ في العَملِ بظاهِرِ هذا الحديثِ، واختلفُوا في معَناهُ أيضًا، على ما نذكُرُهُ بعونِ الله. فأمّا أكثرُ أهلِ العِلم من الصَّحابةِ والتّابِعِينَ، ومن بعدهُم من فُقهاءِ المُسلِمِينَ، فإنَّهُم يقولُونَ: إنَّ الإناءَ يُغسَلُ من وُلُوغ الكلبِ سبعَ مرّاتٍ بالماءِ. وممَّن رُوِي ذلك عنهُ بالطُّرُقِ الصِّحاح: أبو هريرةَ، وابنُ عبّاسٍ، وعُروةُ بن الزُّبيرِ، ومحمدُ بن سِيرِينَ، وطاوُوسٌ، وعَمرُو بن دِينارٍ (٢). وبه قال مالكٌ، والأوزاعِيُّ، والشّافِعِيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وأبو عُبَيدٍ، وداودُ (٣)، والطَّبرِيُّ (٤). ذكرَ المروزِيُّ، قال: أخبَرنا أبو كامِلٍ، قال: حدَّثنا أبو عَوانة (٥)، عن أبي حمزةَ، قال: سمِعتُ ابن عبّاسٍ يقولُ: إذا ولغ الكلبُ في الإناءِ فاغسِلهُ سبع مِرارٍ فإنَّهُ رِجسٌ، ثُمَّ اشرب منهُ وتوضَّأ (٦).

стр. 6300

قال: وحدَّثنا هُدبةُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلَمةَ، عن هشام بنِ عُروةَ، عنْ أبيهِ، أنَّهُ قال: إذا ولغَ الكلبُ في الإناءِ، يُغسَلُ سبع مِرارٍ. وعبدُ الرَّزّاقِ (١)، عن مَعمرٍ وابنِ جُريج، عنِ ابنِ طاوُوسٍ، عن أبيهِ، قال: إذا ولغَ الكلبُ في الإناءِ، فاغسِلهُ سبعَ مرّاتٍ. وقال ابنُ جُريج، عنِ ابنِ طاوُوسٍ: وكان أبي لا يجعلُ فيه شيئًا، حتَّى يغسِلهُ سبعَ مرّاتٍ. قال أبو عُمر: وفي هذه المسألةِ قولٌ ثانٍ، رُوِي عنِ الزُّهرِيِّ، وعطاءٍ. ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٢)، عن مَعمرٍ، قال: سألتُ الزُّهرِيَّ، عنِ الكَلبِ يَلَغُ في الإناءِ، قال: يُغسَلُ ثلاث مرّاتٍ. قال: ولم أسمع في الهِرِّ شيئًا. وذَكَرَ (٣) عنِ ابنِ جُرَيج، قال: قلتُ لعطاءٍ: كم يُغسَلُ الإناءُ الذي يَلَغُ فيه الكَلْبُ؟ قال: كلُّ ذلك قد سمِعتُ، سبعًا، وخمسًا، وثلاثَ مرّاتٍ. وفي المسألةِ قولٌ ثالِثٌ، قال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ والثَّورِيُّ واللَّيثُ بن سعدٍ: يُغسلُ بلا حدٍّ (٤). قال أبو عُمر: قد ثبتَ عنِ النَّبيِّ ﷺ في هذا ما يَرُدُّ قول هؤلاءِ، فلا وجهَ للاشْتِغالِ به. ولقد رُوِي عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ: أنَّهُ كان لهُ قَدَحٌ يبُولُ فيه، فولغَ فيه الكلبُ، فأُمرَ عُروةُ بغَسلِهِ سبعًا. اتِّباعًا للحديثِ في ذلك. واختلفَ الفُقهاءُ أيضًا في سُؤرِ الكلبِ، وما ولغَ فيه من الماءِ والطَّعام.

стр. 6301

فجُملةُ ما ذهبَ إليه مالكٌ، واستقرَّ عليه مَذهبُهُ عِندَ أصحابه (١): أنَّ سُؤرَ الكلبِ طاهِرٌ، ويُغسَلُ الإناءُ من وُلُوغِهِ سبعًا تعبُّدًا، استِحبابًا (٢) أيضًا لا إيجابًا، وكذلك يُستَحبُّ لمن وجدَ ماءً لم يَلَغْ فيه كلبٌ (٣)، مع ماءٍ قد ولغَ فيه كلبٌ، أن يترُكَ الذي ولغَ فيه الكلبُ، وغيرُهُ أحبُّ إليه منهُ. وجاءَت عنهُ رِواياتٌ في ظاهِرِها اضطِرابٌ، والذي تحصَّل عليه مذهبُهُ ما أخبرتُكَ، ولا بأسَ عِندهُ بأكلِ ما ولغَ فيه الكلبُ، من اللَّبنِ، والسَّمنِ، وغيرِ ذلك. ويُستحبُّ هَرقُ ما ولغَ فيه من الماءِ. وفي الجُملةِ هُو عِندهُ طاهِرٌ، وقال في هذا الحديث: ما أدْرِي ما حقِيقتُهُ؟ وضعَّفهُ مِرارًا، فيما ذكرَ ابنُ القاسم عنهُ. وذكرَ عنهُ ابنُ وَهْبٍ في هذا الإسنادِ، في حديثِ المُصرّاةِ (٤)، أنَّهُ قال: وهل في هذا الإسنادِ لأحدٍ مقالٌ؟ وذلك حِين بلَغهُ أنَّ أبا حنِيفةَ وغيرهُ من أهلِ العِراقِ يرُدُّونهُ. ورَوَى ابنُ القاسم عنهُ: أنَّهُ لا يُغسَلُ الإناءُ من وُلُوغ الكَلْبِ، إلّا في الماءِ وحدَهُ (٥). ورَوَى ابنُ وَهْبٍ عنهُ: أنَّهُ يُغسَلُ من الماءِ وغيرِهِ، وكلُّ إناءٍ ولغ فيه، طعامًا كان أو غيرهُ، يُؤكلُ الطَّعامُ، ويُغسلُ الإناءُ بَعدُ تعبُّدًا، ولا يُراقُ شيءٌ من الطَّعام، وإنَّما يُراقُ الماءُ عِندَ وُجُودِهِ، ليسارةِ مؤُونتِهِ.

стр. 6302

قال أبو بكرٍ الأبهرِيُّ: ورُوِي عن مالكٍ: أنَّهُ يغسِلُ الإناءَ من وُلُوغ الخِنزِيرِ سبعًا. ولا يصِحُّ ذلك عنهُ. ورَوَى مَعنٌ عن مالكٍ: غسلَ الإناءِ من وُلُوغ الخِنزِيرِ بأكثرَ (١). ورَوَى مُطرِّفٌ، عن مالكٍ مِثل ذلك (٢). وقال أبو حَنيفةَ وأصحابُهُ والثَّورِيّ واللَّيثُ بن سَعدٍ: سُؤرُ الكَلْبِ نجِسٌ (٣). ولم يحُدُّوا الغسْل منهُ. قالوا: إنَّما عليه أن يغسِلهُ حتَّى يغلِب على ظنِّهِ أنَّ النَّجاسةَ قد زالَتْ، وسواءٌ واحِدٌ، أو أكثرُ. وقال الأوزاعِيُّ: سُؤرُ الكلبِ في الإناءِ نَجِسٌ، وفي المُستنقع ليس بنجِسٍ. قال: ويُغسَلُ الثَّوبُ من لُعابه، ويُغسَلُ ما أصابَ لحمَ الصَّيدِ من لُعابه. وقال الشّافِعِيُّ وأحمدُ بن حنبلٍ وإسحاقُ بن راهوية وأبو عُبَيدٍ وأبو ثورٍ والطَّبرِيّ: سُؤرُ الكلبِ نَجِسٌ، ويُغسَلُ الإناءُ منهُ سبعًا، أُولاهُنَّ بالتّرابِ (٤). وهُو قولُ أكثرِ أهلِ الظّاهِرِ. وقال داودُ: سُؤرُ الكلبِ طاهِرٌ، وغسلُ الإناءِ منهُ سبعًا فرْضٌ إذا ولغَ في الإناءِ، وسَواءٌ كان في الإناءِ ماءٌ، أو غيرُ ماءٍ، هُو طاهِرٌ، ويُغسَلُ منهُ الإناءُ سبعًا، ويتوضَّأُ بالماءِ الذي ولغَ فيه، ويُؤكلُ غيرُ ذلك من الطَّعام والشَّرابِ الذي ولغَ فيه.

стр. 6303

قال أبو عُمر: من ذهَبَ إلى أنَّ الكلبَ ليس بنَجِسٍ، فسُؤرُهُ عِندَهُ طاهِرٌ، وغَسلُ الإناءِ من وُلُوغِهِ سبعَ مرّاتٍ هُو عِندَهُ تعبُّد في غَسلِ الطّاهِرِ خُصُوصًا لا يُتَعَدَّى. ومن ذهبَ إلى أنَّ الكلبَ نجِسٌ، وسُؤرُهُ نَجِسٌ، ممَّن قال أيضًا: إنَّ الإناءَ من وُلُوغِهِ يُغسَلُ سبعًا، قال: التَّعبُّدُ إنَّما وقعَ في عَددِ الغَسَلاتِ من بينِ سائرِ النَّجاساتِ. قال الشّافِعِيُّ (١) وأصحابُهُ: الكلبُ والخِنزِيرُ نَجِسانِ، حيَّينِ وميِّتين، وليس في حيٍّ نَجاسةٌ سِواهُما. قال: وجميعُ أعضاءِ الكَلْبِ، مقِيسةٌ على لسانِهِ، وكذلك الخِنزِيرُ، فمَتَى أدخل الكلبُ يَدهُ، أو ذَنبهُ، أو رِجلهُ، أو عُضوًا من أعضائهِ في الإناءِ، غُسِل سبعًا، بعدَ هَرْقِ ما فيها، وقد أفسدَ ما في الإناءِ بوُلُوغِهِ ونَجَسِهِ. قال الشّافِعِيُّ: وفي قولِ رسُولِ الله ﷺ في الهِرِّ: "إنَّهُ ليس بنَجِسٍ" (٢) دليلٌ على أنَّ في الحيوانِ من البهائم ما هُو نجِسٌ وهُو حيٌّ، وما يُنجِّسُ وُلُوغُهُ. قال: ولا أعلمُهُ إلّا الكلب المنصُوص عليه دُونَ غيرِهِ. قال: والخِنزِيرُ شرٌّ منهُ؛ لأنَّهُ لا يجُوزُ اقتِناؤُهُ، ولا بيعُهُ ولا شِراؤُهُ عِندَ أحدٍ، مع تحرِيم عينِهِ. ومِمَّا احتجَّ به أصحابُ الشّافِعِيِّ أيضًا: قولُهُ ﷺ : "طهُورُ إناءِ أحدِكُم إذا ولغَ فيه الكلبُ، أن يُغسَلَ سبع مرّاتٍ". قالوا: فأمرَ بتطهِيرِ الإناءِ، فدلَّ على نَجاستِهِ. واحتجُّوا بما رواهُ عليُّ بن مُسهِرٍ وغيرُهُ عنِ الأعْمَشِ، عن أبي صالح وأبي رَزِينٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا ولغَ الكلبُ في إناءِ أحدِكُم، فليُهرِقهُ (٣) وليَغسِلهُ سبعَ مرّاتٍ" (٤).

стр. 6304

قالوا: فأمرَ بإراقةِ ما ولغَ فيه الكلبُ، كما أمرَ بإراقةِ السَّمنِ المائع إذا وُجِدَتْ فيه ميتةٌ، وبطرح السَّمنِ الجامِدِ الذي حول الفأرةِ، إذا ماتَتْ فيه. قال أبو عُمر: أمّا هذا اللَّفظُ في حَدِيثِ الأعمشِ: "فليُهرِقهُ" (١). فلم يَذْكُرهُ أصحابُ الأعمشِ الثِّقاتُ الحُفّاظُ، مِثل شُعبةَ وغيرِهِ. وأمّا قولُهُ ﷺ : "طُهُورُ إناءِ أحدِكُم". فصحِيح، إلّا أنَّهُ قد يَقعُ التَّطهِيرُ على النَّجِسِ، وعلى غيرِ النَّجِسِ، ألا ترى أنَّ الجُنُب ليس بنَجِسٍ فيما مسَّ ولاصقَ، وقد قال اللهُ : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] فأمرَ الجُنُب بالتَّطهِيرِ؟ وقال المُخالِفُ: الانْفِصالُ من هذا، أنَّ الجُنُبَ غُسلُهُ عِبادةٌ، وليس الإناءُ مِمّا يَلْحَقُهُ عِبادةٌ، ويدخُلُ عليه أنَّ الإناءَ يجُوزُ أن يكونَ مُتعبَّدًا فيه، كما أنَّ عددَ الغَسَلاتِ عِبادةٌ عِندَهُ. وينفصِلُ من هذا أيضًا، أنَّ الأصلَ في الشَّرائع العِللُ، وما كان لغيرِ عِلَّةٍ (٢) وردَ به التَّوقِيفُ. وفي هذه المسألةِ كلامٌ كثِيرٌ بينَ الشّافِعِيِّينَ والمالكِيِّينَ يَطُولُ الكِتابُ بذِكرِهِ. وهي مسألةٌ قدِ اختلفَ فيها السَّلفُ والخَلَفُ، كما اختَلَفُوا في مِقدارِ الماءِ الذي تَلْحقُهُ النَّجاسةُ. وفيما مَضَى في سائرِ الكِتابِ في ذلك كِفايةٌ. ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٣)، عنِ الثَّورِيِّ، عن عُبَيدِ الله بنِ عُمرَ، عن نافِع، عنِ ابنِ عُمرَ.

стр. 6305

وعن عبد الله (١) بنِ عُمرَ، عن نافِع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّهُ كان يَكْرهُ سُؤرَ الكَلْبِ (٢). وذكرَ (٣) عنِ ابنِ جُرَيج، قال: قلتُ لعطاءٍ: ولغَ الكلبُ في جَفنةٍ فيها لبنٌ، فأدركُوهُ عِندَ ذلك، فغَرَفُوا حولَ ما ولَغَ فيه، قال: لا يشربُوهُ. وذكرَ الولِيدُ بن مُسلِم، عنِ الأوزاعِيِّ وعبدِ الرَّحمنِ بنِ نَمِرٍ، أنَّهُما سَمِعا الزُّهرِيَّ يقولُ، في إناءِ قوم ولغَ فيه كلبٌ، فلم يجِدُوا ماءً غيرهُ، قال: يُتوضَّأُ به (٤). قال: فقلتُ للأوزاعِيِّ: ما تقُولُ في ذلك؟ فقال: أرَى أن يُتوضَّأ به ويُتيمَّم. قال الولِيدُ: فذكَرتُهُ لسُفيانَ الثَّورِيِّ، فقال: هذا والله الفِقهُ فيه (٥)، لقولِ الله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣]. وهذا ماءٌ، وفي النَّفسِ منهُ شيءٌ، فأرَى أن يُتوضَّأ به ويُتَيمَّم (٦). قال الوليدُ: وقلتُ لمالكِ بنِ أنسٍ والأوزاعِيِّ، في كلبٍ ولغَ في إناءِ تَوْرٍ أو غيرر، فقالا: لا يُتوضَّأُ به. قلتُ لهما: فلم أجِد غَيرهُ، فقالا: توضَّأ به. قلتُ لهما: أيُغسَلُ الإناءُ من وُلُوغ الكلبِ المُعلَّم سَبْعًا، كما يُغسَلُ من غيرِ المُعلَّم؟ قالا: نعم (٧). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيم دُحيمٌ، قال: حدَّثنا الولِيدُ، فذكرهُ.

стр. 6306

حديث سادسُ عشرينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يُجمَعُ بين المرأةِ وعمَّتِها، ولا بينَ المرأةِ وخالَتِها". قال أبو عُمر: هذا حديثٌ صحِيحٌ ثابتٌ مُجتمعٌ على صِحَّتِهِ، رواهُ عن أبي هريرةَ جماعةٌ من أصحابه، منهُم: سعِيدُ بن المُسيِّبِ، وأبو سَلَمةُ، وأبو صالح، وغيرُهُم. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ، قال: حدَّثنا أبو عاصِم، قال: حدَّثنا همّامٌ، عن قَتادةَ، عن سعِيدِ بنِ المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٢). قال: وحدَّثنا همّامٌ عن يحيى بنِ أبي كَثِيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى أن تُنكَحَ المرأةُ على عَمَّتِها، وعلى خالَتِها (٣). وأخبرنا أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ (٤) بنِ إسحاقَ الرّازِيُّ،

стр. 6307

قال: حدَّثنا أبو الزِّنباع رَوْحُ بن الفَرَج بنِ عبدِ الرَّحمنِ القَطّانُ، قال: حدَّثنا يحيى بن عبدِ الله بنِ بُكيرٍ، قال: حدَّثني اللَّيثُ بن سعدٍ، عن أيُّوبَ بنِ موسى، عن بُكيرِ بنِ عبدِ الله بنِ الأشجِّ، عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ، عن عبدِ الملكِ بنِ يَسارٍ، عن أبي هريرةَ، عن رسُولِ الله ﷺ قال: "لا تُنكحُ المرأةُ على عَمَّتِها، ولا على خالَتِها" (١). قال أبو عُمر: ورَوَى (٢) ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني يُونُسُ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبَرني قَبيصةُ بن ذُؤيبٍ الكَعْبيُّ، أنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: نَهَى رسولُ الله ﷺ أن يُجمعَ بينَ المرأةِ وعمَّتها، وبينَ المرأةِ وخالَتِها. قال ابنُ شهابٍ: فنُرَى خالةَ أبيها، أو عمَّةَ أبيها بتلكَ المَنْزلةِ (٣). أجمعَ العُلماءُ على القولِ بهذا الحديثِ، فلا يجُوزُ عِندَ جميعِهِم نِكاحُ الرأةِ على عَمَّتِها وإن علَتْ، ولا على ابْنةِ أخيها (٤) وإن سَفُلَتْ، ولا على خالَتِها وإن علَتْ، ولا على ابنةِ أُختها (٥) وإن سَفُلت.

стр. 6308

والرَّضاعةُ في ذلك كالنَّسبِ. وقد كان بعضُ أهلِ الحديثِ يزعُمُ، أنَّ هذا (١) الحديثَ لم يَروِهِ أحدٌ غيرُ أبي هريرةَ، وقد رواهُ: عليُّ بن أبي طالِبٍ (٢)، وابنُ عبّاسٍ (٣)، وابنُ عُمر (٤)، وعبدُ الله بن عَمرِو بنِ العاصِ (٥)، وجابرٌ (٦)، كما رواهُ أبو هريرةَ. حدَّثنا يحيى بن عبدِ الرَّحمنِ وسعِيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا ابنُ أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا يحيى بن مَعِينٍ، قال: حدَّثنا مُعتمِرُ بن سُليمانَ، قال: قرأتُ على فُضَيلِ بنِ مَيْسرةَ، عن أبي حَرِيز (٧) قاضِي سِجِستانَ، أنَّ عِكْرِمةَ حدَّثهُم، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ أن يُجمَعَ بينَ المرأةِ وعمَّتِها، وبينَ المرأةِ وخالَتِها، وقال: "إنَّكُنَّ إذا فعلتُنَّ ذلك، قَطعتُنَّ أرحامكُنَّ" (٨).

стр. 6309

وذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ (١) وغيرُهُ (٢)، عنِ الثَّورِيِّ، عن عاصِم، عنِ الشَّعبِيِّ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ أن تُنكحَ المرأةُ على عمَّتِها، أو على خالتِها. وروى مَعمر، عن داود بنِ أبي هِندٍ، عنِ الشَّعبِيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا تُنكحُ المرأةُ على ابنةِ أخِيها، ولا تُنكحُ المرأةُ على عَمَّتِها، ولا تُنكحُ المرأةُ على خالَتِها، ولا تُنكحُ المرأةُ على ابنةِ أُختِها" (٣). وأظُنُّ قائل ذلك القولِ لم يُصحِّح حديث الشَّعبِيِّ عن جابرٍ، وصحَّحَ حديث الشَّعبِيِّ عن أبي هريرةَ. والحديثانِ جميعًا صحِيحانِ. وقد رُوِي هذا المعنى من حديثِ عَمرِو بنِ شُعَيب، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٤). وروى مالكٌ (٥)، عن يحيى بنِ سعِيدٍ، عن سعِيدِ بنِ المُسيِّبِ، أنَّهُ كان يقولُ: كان يَنْهَى أن تُنكحَ المرأةُ على عَمَّتِها وعلى خالَتِها، وأن يطأ الرَّجُلُ وَلِيدةً وفي بَطْنِها جَنِينٌ لغيرِهِ. قال أبو عُمر: أمّا النَّهيُ عن وَطْءِ المرأةِ وفي بَطنِها جنِينٌ لغيرِهِ، فمُجتَمعٌ أيضًا على تحرِيمِهِ. وقد رُوِي بذلك من أخبارِ الآحادِ العُدُولِ عنِ النَّبيِّ ﷺ حديثانِ، أحدُهُما

стр. 6310

من حديثِ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ (١)، والآخرُ من حديثِ أنسٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا تُوطأُ حامِلٌ حتَّى تضَعَ، ولا حائلٌ (٢) حتَّى تحِيض". وكِلاهُما طرِيقُهُ صالحٌ حسنٌ يُحتجُّ بمِثلِهِ. وقال النَّبيُّ ﷺ : "لا يحِلُّ لأحدٍ يُؤمِنُ باللّه واليوم الآخِرِ، أن يَسْقِيَ ماءَهُ ولدَ غيرِهِ". وقد ذكَرْنا هذا الحديث في بابِ ربِيعةَ، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان. وأمّا قولُهُ ﷺ : "لا تُنكحُ على عَمَّتِها، ولا على خالَتِها" فإجماعُ العُلَماءِ على القولِ بظاهِرِ هذا الحديثِ، يُغني عن قولِ كلِّ قائلٍ. إلّا أنَّهُمُ اختَلَفُوا في المعنى المُرادِ به، فقالت فِرقةٌ: معناهُ كراهِيةُ القَطِيعةِ، فلا يجُوزُ أن يُجمعَ بين امرأةٍ وقَرِيبتِها، وسَواءٌ كانت عمَّةً، أو بنت عمٍّ، أو خالةً أو بنت خالٍ. رُوِي ذلك عن إسحاقَ (٣) بنِ طَلْحةَ، وعِكْرِمةَ، وقَتادةَ، وعَطاءٍ في رِوايةِ ابنِ أبي نَجِيح عنهُ (٤). ورُوِيَ عنِ ابنِ جُرَيج عنهُ: أنَّهُ لا بأسَ بذلك. وهُو الصَّحِيحُ. ذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ (٥)، عنِ ابنِ عُيَينةَ، عنِ ابنِ أبي نَجِيح، عن عَطاءٍ: أنَّهُ كرِهَ أن يُجمعَ بينَ ابْنتَي (٦) العمِّ.

стр. 6311

وذكر عبدُ الرَّزّاق (١)، عنِ ابنِ جُرَيج، قال: قلتُ لعَطاءٍ: أيُجمَعُ بينها وبينَ ابنةِ عمِّها؟ قال: لا بأسَ بذلك. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٢) عنِ ابنِ عُيَينةَ وابنِ جُرَيج، عن عَمرِو بنِ دِينارٍ، أنَّ حَسنَ بنَ محمدِ بنِ عليٍّ أخبَرهُ: أنَّ حَسنَ بنَ حسنِ بنِ عليٍّ نكحَ في ليلةٍ واحِدةٍ ابنةَ محمدِ بنِ عليٍّ وابنةَ عُمرَ بنِ عليٍّ، فجمعَ بين ابنتي عمٍّ. زاد ابنُ عُيينةَ في حدييهِ: فأصبحَ نِساؤُهُم لا يدرِينَ إلى أيَّتِهِما يذهبنَ. وذكرَ (٣) عن مَعمرٍ، عن قَتادةَ، في ابنتيِ العمِّ يُجمعُ بينهُما، قال: ما هُو بحرام إن فعلتهُ، ولكنَّهُ يُكرَهُ، من أجلِ القَطِيعةِ. وفي سَماع ابنِ القاسم: سُئلَ مالكٌ عنِ ابْنَتيِ العمِّ، أتُجمعانِ؟ قال: ما أعلَمُهُ حرامًا. قيلَ لهُ: أفتَكرهُهُ؟ قال: إنَّ ناسًا ليتَّقُونهُ. وقال لنا قبلَ ذلك: غيرُهُ أحسنُ منهُ. قال ابنُ القاسم: وهُو حلالٌ لا بأسَ به. قال أبو عُمر: على هذا القَولِ جماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ من أهلِ الرَّأيِ والحديثِ، لا يختلِفُونَ في أَنَّهُ جائز الجمعُ بين ابنتيِ العمِّ من النَّسبِ والرَّضاعةِ، لأنَّ ابنَتيِ العمِّ لو كانت إحداهُما ذكرًا، حلَّ لهُ نِكاحُ الأُخرى (٤)، وليس كذلك المرأةُ مع عمَّتِها. ومعنى هذا الحديثِ عِندَهُم، كراهِيةُ الجمع وتحرِيمُهُ بينَ كلِّ امرأتينِ، لو كانت إحداهُما رجُلًا، لم يحِلَّ لهُ نِكاحُ الأُخرى من النَّسبِ خاصَّةً دُونَ المُصاهرهِ، فافهم هذا الأصل، فإنَّهُ مأخُوذٌ مِن (٥) تحرِيم الجَمع بينَ الأُختَينِ؛ لأنَّهُ لا يحِلُّ

стр. 6312

لإحداهُما (١) لو كانت رَجُلًا نِكاحُ أُختِها، فكذلك كلُّ من كان بمَنزِلتِهِما من ذواتِ المحارِم، وإن بعُدنَ، إذا كانت إحدى المرأتينِ لو كان مكانها رَجُلٌ، لم يجُز أن يَتزوَّج الأُخرى، لم يحِلَّ الجَمعُ بينهُما لأحدٍ. ورَوى مُعتمِرُ بن سُليمانَ، عن فُضيلِ بنِ مَيْسرةَ، عن أبي حرِيز (٢)، عنِ الشَّعبِيِّ، قال: كلُّ امرأتينِ إذا جَعلتَ موضِعَ إحداهُما ذكرًا، لم يجُز لهُ أن يتزوَّجَ بالأُخرى، فالجمعُ بينهُما باطِلٌ. فقلتُ لهُ: عمَّن هذا؟ فقال: عن أصحابِ رسولِ الله ﷺ (٣). وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٤)، عنِ الثَّورِيِّ، عنِ ابنِ أبي ليلى، عنِ الشَّعبِيِّ، قال: لا يَنْبغِي لرجُلٍ أن يجمعَ بينَ المرأتينِ، لو كانت إحداهُما رجُلًا، لم يحِلَّ لهُ نِكاحُهُما. قال سُفيانُ: تفسِيرُهُ عِندَنا أن يكونَ من النَّسبِ، ولا يكونُ بمَنزِلةِ امرأةٍ وابنةِ زَوْجِها، يجمعُ بينهُما إن شاءَ. قال أبو عُمر: وعلى هذا مذهبُ مالكٍ، والشّافِعِيِّ، وأبي حنيفةَ، والأوزاعِيِّ، وسائرِ فُقهاءِ الأمصارِ (٥) من أهلِ الحديثِ وغيرِهِم، فيما علِمتُ، لا يختلِفُونَ في هذا الأصلِ. وقد كرِهَ قومٌ من السَّلفِ، أن يجمعَ الرَّجُلُ بين ابنةِ رجُلٍ وامرأتِهِ، من أجلِ أنَّ إحداهُما لو كانت رجُلًا، لم يحِلَّ لهُ نِكاحُ الأُخرى.

стр. 6313

والذي عليه الفُقهاءُ: أنَّهُ لا بأسَ بذلك، وأنَّ المُراعَى في هذا المعنى النَّسبُ، دُونَ غيرِهِ من المُصاهرةِ. فإنَّهُ لا بأسَ أن يُجمعَ بين امرأةِ الرَّجُلِ وابنتِهِ من غَيرِها. وقد فرَّقَ قومٌ من جِهَةِ النَّظرِ، بين امرأةِ الرَّجُلِ وابنتِهِ، وبينَ المرأةِ وعمَّتِها، بأن قالوا في هاتينِ وما كان مثلهما: أيُّتُهُما جُعِلَتْ ذكرًا، لم يحِلَّ لهُ الأُخرى، وأمّا امرأةُ الرَّجُلِ وابنتُهُ من غيرِها، فإنَّهُ لو كان مَوْضِع البنتِ ابنٌ، لم يحِلَّ لهُ امرأةُ أبيهِ (١). وبَقِيَ فيها وجهٌ آخرُ، وذلك أن يجعلوا موضِع المرأةِ ذكرًا، فتحِلُّ لهُ الأُنثى؛ لأنَّهُ رجُلٌ أجنبِيٌ تزوَّجَ ابنةَ رجُل أجنبِيٍّ، وليس الأُختانِ، ولا العمَّةُ مع ابنةِ أخِيها، والخالةُ مع ابنةِ أُختِها كذلك؛ لأنَّ هؤلاءِ اسلتهما جُعلَتْ ذكرًا، لم تحِلَّ لهُ الأُخرى. فقِفْ على هذا الأصلِ، فعليه جماعةُ أئمَّةِ الفتوى، والحمدُ للّه. والرَّضاعةُ في هذا البابِ كالنَّسبِ. ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٢)، عنِ الثَّورِيِّ، عن جابرٍ، عن عِكرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ: أنَّهُ كرِهَ العمَّةَ والخالةَ من الرَّضاعةِ. وعنِ ابنِ جُرَيج، عن عَطاءٍ، قال: قلتُ لهُ: أيجمعُ الرَّجُلُ بينَ المرأةِ وعمَّتِها من الرَّضاعةِ؟ قال: لا، ذلك مِثلُ الوِلادةِ (٣). وعن (٤) مَعمرٍ، عن قَتادةَ، أنَّ ابن مَسعُودٍ قال: وأكرَهُ عمَّتَكَ من الرَّضاعةِ، وخالتَك من الرَّضاعةِ (٥).

стр. 6314

حديثٌ سابعُ عشرينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "مَطْلُ الغنيِّ ظُلمٌ، وإذا أُتبِعَ أحدُكم على مليءٍ فليَتْبعَ". هذا يدُلُّ على أنَّ المطْلَ على الغنيِّ حرامٌ، لا يحِلُّ إذا مطلَ بما عليه من الدُّيُونِ، وكان قادِرًا على توصِيلِ الدَّينِ إلى صاحِبه، وكان صاحِبُهُ طالِبًا لهُ؛ لأنَّ الظُّلمَ حرامٌ قليلُهُ وكثِيرُهُ، وتختلِفُ آثامُهُ على قَدْرِ اختِلافِهِ؛ لأنَّ للظُّلم وُجُوهًا كثِيرةً، فأعظمُها الشِّركُ، وأقلُّها لا يكادُ يُعرَفُ من خَفائهِ، وجُملتُها لا تُحصى كثرةً. وأصلُ الظُّلم في اللُّغةِ، أخذُكَ ما ليس لكَ، ووضعُكَ الشَّيءَ غيرَ موضِعِهِ (٢)، ومنهُ قالوا (٣): ومن يُشْبِه أباهُ فما ظَلَمْ أي: لم يضَع الشَّبهَ غيرَ مَوضِعِهِ (٤)، ثُمَّ يضرَّفُ على كلِّ شيءٍ أُخِذَ من غيرِ وَجهِهِ. قال اللهُ : ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. وقال: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ١٩]. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]. وقال رسُولُ الله ﷺ ، حاكِيًا عن ربِّهِ: "يا عِبادِي، حرَّمتُ عليكُمُ

стр. 6315

الظُّلم فلا تَظالمُوا" (١). وقال: "الظُّلمُ ظُلُماتٌ يومَ القِيامَةِ" (٢). أخبَرنا أبو محمدٍ قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سَعدٍ، قال: حدَّثني محمدُ بن عُمرَ بنِ لُبابةَ، قال: حدَّثني عُثمانُ بن أيُّوبَ، قال: سمِعتُ سُحنُونَ بن سعِيدٍ يقولُ: إذا مَطَلَ الغنيُّ بدَينٍ عليه، لم تَجُز شهادتُهُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد سمّاهُ ظالِمًا، والدَّليلُ على أنَّ مطلَ الغنيِّ ظُلمٌ، لا يحِلُّ ما أُبِيحَ منهُ لغرِيمِهِ، من أخذِ عِرْضهِ (٣)، والقولِ فيه بما هُو عليه من الظُّلم وسُوءِ الأفعالِ، ولولا مَطْلُهُ لهُ، كان ذلك فيه غيبةً، وقد قال ﷺ : "إنَّ دِماءَكُم وأموالكُم وأعراضَكُم، عليكُم حَرامٌ" (٤). يُرِيدُ من بعضِكُم على بعضٍ. ثُمَّ أباحَ لمن مُطِلَ بدينِهِ، أن يقولَ فيمَن مَطَلهُ، قال ﷺ : "ليُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضهُ وعُقُوبتهُ". واللَّيُّ: المطلُ والتَّسوِيفُ. والواجِدُ: الغنيُّ. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن

стр. 6316

أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا وكِيعٌ، قال: حدَّثنا وَبْرُ بن أبي دُليلةَ (٢)، شيخٌ من أهلِ الطّائفِ، قال: حدَّثني محمدُ بن ميمُونِ بنِ مُسيكةَ، وأثنى عليه خيرًا، عن عَمرِو بنِ الشَّرِيدِ، عن أبيهِ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "ليُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضهُ وعُقُوبتهُ". قال أبو عُمر: هذا عِندِي نحو معنى قولِ الله : ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]. وهذه الآيةُ نزلَتْ في رجُلٍ تضيَّفَ قومًا، فلم يُضيِّفُوهُ، فأُبِيحَ لهُ أن يقولَ فيهم: إنَّهُم لئامٌ لا خيرَ فيهم، ولولا منعُهُم لهُ من حقِّ الضِّيافةِ، ما جازَ لهُ أن يقولَ فيهم ما فيهم؛ لأنَّها غيبةٌ مُحَرَّمةٌ، قال ﷺ : "إذا قُلتَ في أخِيكَ ما فيه، فقدِ اغْتَبتهُ، وإذا قُلتَ فيه ما ليس فيه، فذلك البُهتانُ" (٣). وهكذا لمّا كان مَطلُ الغنيّ ظُلمًا، أُبِيح لغرِيمِهِ عِرْضُهُ. ومعنى قولِهِ في هذا الحديثِ: "وعُقُوبتهُ" - واللّه أعلمُ -: المُعاقبةُ لهُ بأخذِ ما له عِندهُ من مالِهِ إذا أمكَنهُ أخذُ حقِّهِ منهُ بغيرِ إذنِهِ، وكيفَ أمكنهُ من مالِهِ، قال اللهُ : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. وقد شكت هِندٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، أنَّ زَوْجها أبا سُفيانَ لا يُعطِيها ما يَكْفيها

стр. 6317

وولدَها بالمعرُوفِ، فقال لها: "خُذي من مالِهِ ما يَكْفِيكِ وولَدَكِ بالمعرُوفِ" (١). فأمَرَها أن تُعاقِبهُ بأخذِ ما لَها من حقٍّ عِندهُ. فهذا معنى قولِهِ ﷺ عندي واللّه أعلمُ: "ليُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرضهُ وعُقُوبتهُ". حدَّثنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجَر، قال: حدَّثنا أبو عاصِم، عن وَبْرِ بنِ أبي دُليلةَ (٢)، عن محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ ميمُونٍ، قال: حدَّثني عَمرُو بن الشَّرِيدِ، عن أبيهِ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "ليُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضهُ وعُقُوبتهُ" (٣). وقدِ استدلَّ جَماعةٌ من أهلِ العِلم والنَّظرِ - على جَوازِ حَبْسِ من وجبَ عليه أداءُ الدَّينِ، حتَّى يُؤَدِّيهُ إلى صاحِبه، أو تثبُت عُسْرتُهُ - بقولِهِ ﷺ : "مَطْلُ الغنيِّ ظُلمٌ"، وبقولِه: "ليُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرضهُ وعُقُوبتهُ". قالوا: ومن عُقُوبتِهِ الحَبْسُ. هذا إذا كان دينُهُ بعِوَضٍ حاصِلٍ بيدِهِ، إلّا أنَّ أكثر أصحابنا لا يُفرِّقُونَ بين وُجُوب الدَّينِ عليه من أجلِ عِوَضٍ، أو غيرِ عِوَضٍ؛ لأنَّ الأَصلَ عِندهُمُ اليَسارُ، حتَّى يَثبُت العَدمُ، وعِندَ غيرِهِمُ الأصلُ في النّاسِ العَدمُ؛ لأنَّ الله لم يُخرِج خَلْقهُ إلى الوُجُودِ إلّا فقُراءَ، ثُمَّ تطرأُ الأملاكُ عليهم بأسبابٍ مُختلِفةٍ، فمَنِ
следующие страницы →