← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6313–6352 · переход к 6318.

стр. 6313

والذي عليه الفُقهاءُ: أنَّهُ لا بأسَ بذلك، وأنَّ المُراعَى في هذا المعنى النَّسبُ، دُونَ غيرِهِ من المُصاهرةِ. فإنَّهُ لا بأسَ أن يُجمعَ بين امرأةِ الرَّجُلِ وابنتِهِ من غَيرِها. وقد فرَّقَ قومٌ من جِهَةِ النَّظرِ، بين امرأةِ الرَّجُلِ وابنتِهِ، وبينَ المرأةِ وعمَّتِها، بأن قالوا في هاتينِ وما كان مثلهما: أيُّتُهُما جُعِلَتْ ذكرًا، لم يحِلَّ لهُ الأُخرى، وأمّا امرأةُ الرَّجُلِ وابنتُهُ من غيرِها، فإنَّهُ لو كان مَوْضِع البنتِ ابنٌ، لم يحِلَّ لهُ امرأةُ أبيهِ (١). وبَقِيَ فيها وجهٌ آخرُ، وذلك أن يجعلوا موضِع المرأةِ ذكرًا، فتحِلُّ لهُ الأُنثى؛ لأنَّهُ رجُلٌ أجنبِيٌ تزوَّجَ ابنةَ رجُل أجنبِيٍّ، وليس الأُختانِ، ولا العمَّةُ مع ابنةِ أخِيها، والخالةُ مع ابنةِ أُختِها كذلك؛ لأنَّ هؤلاءِ اسلتهما جُعلَتْ ذكرًا، لم تحِلَّ لهُ الأُخرى. فقِفْ على هذا الأصلِ، فعليه جماعةُ أئمَّةِ الفتوى، والحمدُ للّه. والرَّضاعةُ في هذا البابِ كالنَّسبِ. ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٢)، عنِ الثَّورِيِّ، عن جابرٍ، عن عِكرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ: أنَّهُ كرِهَ العمَّةَ والخالةَ من الرَّضاعةِ. وعنِ ابنِ جُرَيج، عن عَطاءٍ، قال: قلتُ لهُ: أيجمعُ الرَّجُلُ بينَ المرأةِ وعمَّتِها من الرَّضاعةِ؟ قال: لا، ذلك مِثلُ الوِلادةِ (٣). وعن (٤) مَعمرٍ، عن قَتادةَ، أنَّ ابن مَسعُودٍ قال: وأكرَهُ عمَّتَكَ من الرَّضاعةِ، وخالتَك من الرَّضاعةِ (٥).

стр. 6314

حديثٌ سابعُ عشرينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "مَطْلُ الغنيِّ ظُلمٌ، وإذا أُتبِعَ أحدُكم على مليءٍ فليَتْبعَ". هذا يدُلُّ على أنَّ المطْلَ على الغنيِّ حرامٌ، لا يحِلُّ إذا مطلَ بما عليه من الدُّيُونِ، وكان قادِرًا على توصِيلِ الدَّينِ إلى صاحِبه، وكان صاحِبُهُ طالِبًا لهُ؛ لأنَّ الظُّلمَ حرامٌ قليلُهُ وكثِيرُهُ، وتختلِفُ آثامُهُ على قَدْرِ اختِلافِهِ؛ لأنَّ للظُّلم وُجُوهًا كثِيرةً، فأعظمُها الشِّركُ، وأقلُّها لا يكادُ يُعرَفُ من خَفائهِ، وجُملتُها لا تُحصى كثرةً. وأصلُ الظُّلم في اللُّغةِ، أخذُكَ ما ليس لكَ، ووضعُكَ الشَّيءَ غيرَ موضِعِهِ (٢)، ومنهُ قالوا (٣): ومن يُشْبِه أباهُ فما ظَلَمْ أي: لم يضَع الشَّبهَ غيرَ مَوضِعِهِ (٤)، ثُمَّ يضرَّفُ على كلِّ شيءٍ أُخِذَ من غيرِ وَجهِهِ. قال اللهُ : ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. وقال: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ١٩]. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]. وقال رسُولُ الله ﷺ ، حاكِيًا عن ربِّهِ: "يا عِبادِي، حرَّمتُ عليكُمُ

стр. 6315

الظُّلم فلا تَظالمُوا" (١). وقال: "الظُّلمُ ظُلُماتٌ يومَ القِيامَةِ" (٢). أخبَرنا أبو محمدٍ قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سَعدٍ، قال: حدَّثني محمدُ بن عُمرَ بنِ لُبابةَ، قال: حدَّثني عُثمانُ بن أيُّوبَ، قال: سمِعتُ سُحنُونَ بن سعِيدٍ يقولُ: إذا مَطَلَ الغنيُّ بدَينٍ عليه، لم تَجُز شهادتُهُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد سمّاهُ ظالِمًا، والدَّليلُ على أنَّ مطلَ الغنيِّ ظُلمٌ، لا يحِلُّ ما أُبِيحَ منهُ لغرِيمِهِ، من أخذِ عِرْضهِ (٣)، والقولِ فيه بما هُو عليه من الظُّلم وسُوءِ الأفعالِ، ولولا مَطْلُهُ لهُ، كان ذلك فيه غيبةً، وقد قال ﷺ : "إنَّ دِماءَكُم وأموالكُم وأعراضَكُم، عليكُم حَرامٌ" (٤). يُرِيدُ من بعضِكُم على بعضٍ. ثُمَّ أباحَ لمن مُطِلَ بدينِهِ، أن يقولَ فيمَن مَطَلهُ، قال ﷺ : "ليُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضهُ وعُقُوبتهُ". واللَّيُّ: المطلُ والتَّسوِيفُ. والواجِدُ: الغنيُّ. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن

стр. 6316

أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا وكِيعٌ، قال: حدَّثنا وَبْرُ بن أبي دُليلةَ (٢)، شيخٌ من أهلِ الطّائفِ، قال: حدَّثني محمدُ بن ميمُونِ بنِ مُسيكةَ، وأثنى عليه خيرًا، عن عَمرِو بنِ الشَّرِيدِ، عن أبيهِ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "ليُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضهُ وعُقُوبتهُ". قال أبو عُمر: هذا عِندِي نحو معنى قولِ الله : ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]. وهذه الآيةُ نزلَتْ في رجُلٍ تضيَّفَ قومًا، فلم يُضيِّفُوهُ، فأُبِيحَ لهُ أن يقولَ فيهم: إنَّهُم لئامٌ لا خيرَ فيهم، ولولا منعُهُم لهُ من حقِّ الضِّيافةِ، ما جازَ لهُ أن يقولَ فيهم ما فيهم؛ لأنَّها غيبةٌ مُحَرَّمةٌ، قال ﷺ : "إذا قُلتَ في أخِيكَ ما فيه، فقدِ اغْتَبتهُ، وإذا قُلتَ فيه ما ليس فيه، فذلك البُهتانُ" (٣). وهكذا لمّا كان مَطلُ الغنيّ ظُلمًا، أُبِيح لغرِيمِهِ عِرْضُهُ. ومعنى قولِهِ في هذا الحديثِ: "وعُقُوبتهُ" - واللّه أعلمُ -: المُعاقبةُ لهُ بأخذِ ما له عِندهُ من مالِهِ إذا أمكَنهُ أخذُ حقِّهِ منهُ بغيرِ إذنِهِ، وكيفَ أمكنهُ من مالِهِ، قال اللهُ : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. وقد شكت هِندٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، أنَّ زَوْجها أبا سُفيانَ لا يُعطِيها ما يَكْفيها

стр. 6317

وولدَها بالمعرُوفِ، فقال لها: "خُذي من مالِهِ ما يَكْفِيكِ وولَدَكِ بالمعرُوفِ" (١). فأمَرَها أن تُعاقِبهُ بأخذِ ما لَها من حقٍّ عِندهُ. فهذا معنى قولِهِ ﷺ عندي واللّه أعلمُ: "ليُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرضهُ وعُقُوبتهُ". حدَّثنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجَر، قال: حدَّثنا أبو عاصِم، عن وَبْرِ بنِ أبي دُليلةَ (٢)، عن محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ ميمُونٍ، قال: حدَّثني عَمرُو بن الشَّرِيدِ، عن أبيهِ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "ليُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضهُ وعُقُوبتهُ" (٣). وقدِ استدلَّ جَماعةٌ من أهلِ العِلم والنَّظرِ - على جَوازِ حَبْسِ من وجبَ عليه أداءُ الدَّينِ، حتَّى يُؤَدِّيهُ إلى صاحِبه، أو تثبُت عُسْرتُهُ - بقولِهِ ﷺ : "مَطْلُ الغنيِّ ظُلمٌ"، وبقولِه: "ليُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرضهُ وعُقُوبتهُ". قالوا: ومن عُقُوبتِهِ الحَبْسُ. هذا إذا كان دينُهُ بعِوَضٍ حاصِلٍ بيدِهِ، إلّا أنَّ أكثر أصحابنا لا يُفرِّقُونَ بين وُجُوب الدَّينِ عليه من أجلِ عِوَضٍ، أو غيرِ عِوَضٍ؛ لأنَّ الأَصلَ عِندهُمُ اليَسارُ، حتَّى يَثبُت العَدمُ، وعِندَ غيرِهِمُ الأصلُ في النّاسِ العَدمُ؛ لأنَّ الله لم يُخرِج خَلْقهُ إلى الوُجُودِ إلّا فقُراءَ، ثُمَّ تطرأُ الأملاكُ عليهم بأسبابٍ مُختلِفةٍ، فمَنِ

стр. 6318

ادَّعى ذلك، فعليه البيِّنةُ، وأمّا من أقرَّ بالعِوَضِ، فقد أقرَّ باليسارِ، فإنِ ادَّعَى الفقر، لم يُقبَل منهُ بغيرِ بيِّنةٍ، ومطلُهُ ومُدافعتُهُ ظُلمٌ، وأمّا إذا صحَّ يَسارُهُ، وامتنعَ من أداءِ ما وجبَ عليه، فحَبسُهُ واجِبٌ، لأنَّهُ ظالِمٌ بإجماع، قال اللهُ : ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢]. وهذا حديثٌ غرِيبٌ لا يجِيءُ إلّا بهذا الإسنادِ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن شُعبةَ، عن سلَمةَ بنِ كُهَيلٍ، عن أبي سلَمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رجُلًا أتى النَّبيَّ ﷺ يَتَقاضاهُ، فأغلَظَ لهُ، فهمَّ به أصحابُهُ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "دَعُوهُ، فإنَّ لصاحِبِ الحقِّ مَقالًا" (١). وأمّا قولُهُ: "وإذا أُتبِعَ أحدُكُم على مليءٍ، فليَتْبعَ". فمعناهُ الحَوَالةُ، يقولُ: وإذا أُحِيلَ أحدُكُم على مليءٍ فليتبعهُ. وهذا يُبيِّنُهُ (٢) ويرفعُ الإشكالَ فيه: حديثُ يُونُس بنِ عُبيدٍ، عن نافِع، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "مَطْلُ الغنيِّ ظُلمٌ، وإذا أُحِلتَ على مليءٍ فاتْبَعْهُ" (٣). وهذا عِندَ أكثرِ الفُقهاءِ ندبٌ وإرشادٌ لا إيجابٌ، وهُو عِندَ أهلِ الظّاهِرِ واجِبٌ، فقال ابنُ وَهْبٍ: سألتُ مالكًا عن تَفسِيرِ حديثِ رسُولِ الله ﷺ : "من

стр. 6319

أُتبِعَ على مليءٍ فليَتْبع". قال مالكٌ: هذا أمرُ تَرْغِيبٍ، وليس بالذي يُلزِمُهُ السُّلطانُ النّاس، ويَنْبغِي لهُ أن يُطِيع رسُول الله ﷺ . قال: وسألتُ مالكًا عنِ الحولِ بالدَّينِ، فقال: انظُر ما أقولُ لك: احتل بما قد حلَّ من دينِكَ، فيما حلَّ وفيما لم يحِل، ولا تُحِلْ ما لم يحلُلْ في شيءٍ، لا فيما حلَّ، ولا فيما (١) لم يحِل. واختلفَ الفُقهاءُ في معنى الحوالةِ. فجُملةُ مَذهبِ مالكٍ وأصحابه فيها، أنَّ منِ احتالَ بدينٍ لهُ على رَجُلٍ على آخرَ، فقد برِئَ المُحِيلُ، ولا يرجِعُ إليه أبدًا، أفلسَ أو ماتَ، إلّا أن يغُرَّهُ من فلَسٍ، فإن غرَّهُ، انصرفَ عليه. وهذا إذا كان لهُ عليه دينٌ، فإن لم يكُن لهُ عليه دينٌ، فهي حَمَالة، ويرجِعُ إليه أبدًا، فإن كان لهُ عليه دَيْنٌ، فهي الحوالةُ، ولا يكونُ للمُحتالِ أن يرجِعَ على المُحِيلِ بوَجهٍ من الوُجُوهِ تَوِيَ المالُ (٢) أو لم يَتْوَ، إلّا أن يغُرَّهُ من فلَسٍ قد علِمهُ. وهذا كلُّهُ مذهبُ الشّافِعِيِّ (٣) وأصحابه أيضًا. قال ابنُ وَهْبٍ عن مالكٍ: إذا أُحِيل بدينٍ عليه فقد برِئَ المُحِيلُ، ولا يرجِعُ عليه بموتٍ ولا إفلاسٍ. وقال ابنُ القاسم عنهُ: إن أحالهُ ولم يغُرَّهُ من فلَسٍ علِمهُ من غرِيمِهِ، فلا يرجِعُ عليه، إذا كان عليه دينٌ لهُ، فإن غرَّهُ، أو لم يكُن لهُ عليه شيءٌ، فإنَّهُ يرجِعُ عليه إذا أحالهُ. وقال الشّافِعِيُّ (٤): يبرأُ المُحِيلُ بالحوالةِ، ولا يرجِعُ عليه بمَوتٍ ولا إفلاسٍ.

стр. 6320

وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: يبرأُ المُحِيلُ بالحوالةِ، ولا يرجِعُ عليه إلّا بعدَ التَّوَى. والتَّوى - عِندَ أبي حنِيفةَ -: أن يمُوتَ المُحالُ عليه مُفلِسًا، أو يحلِفَ ما لهُ عليه من شيءٍ، ولم يكُن للمُحِيلِ بيِّنةٌ (١). وقال أبو يُوسُف ومحمدٌ: هذا تَوًى (٢)، وإفلاسُ المُحالِ عليه أيضًا تَوًى. وقال عُثمانُ البتِّيُّ: الحَوالةُ لا تُبرِّئُ المُحِيل، إلّا أن يشترِطَ البراءَةَ، فإنِ اشترطَ البَراءَةَ، برِئَ المُحِيلُ، إذا أحالهُ على مليءٍ، وإن أحالَهُ على مُفلِسٍ، ولم يُعلِمهُ أنَّهُ مُفلِسٌ، فإنَّهُ يرجِعُ عليه، وإن أبرأهُ، وإن أعلَمهُ أنَّهُ مُفلِسٌ وأبْرَأهُ، لم يَرْجِع على المُحِيلِ. وقال ابنُ المُباركِ، عنِ الثَّورِيِّ: إذا أحالَهُ على رجُلٍ فأفلَسَ، فليس لهُ أن يرجِعَ على الآخرِ إلّا بمَحضرِهِما، وإن ماتَ ولهُ وَرَثةٌ، ولم يترُك شيئًا رجعَ، حضرُوا أو لم يحضُرُوا. وقال اللَّيثُ في الحَوالةِ: لا يرجِعُ إذا أفلسَ المُحتالُ عليه. وقال ابنُ أبي ليلى: يَبْرأُ صاحِبُ الأصلِ بالحَوالةِ. وقال زُفَرُ والقاسمُ بن مَعنٍ (٣) في الحَوالةِ: لهُ أن يأخُذ كلَّ واحِدٍ منهُما بمَنزِلةِ الكفالةِ. قال أبو عُمر: لمّا قال ﷺ : "وإذا أُحِيلَ أحدُكُم، أو أُتبِع أحدُكُم، على مليءٍ فليَتْبَعْ".

стр. 6321

دلَّ على أنَّ من غرَّ غَرِيمهُ من غيرِ مِليءٍ، لم يكُن لهُ أن يتبَعهُ، وكان لهُ أن يرجِعَ عليه بحقِّهِ؛ لأَنَّهُ لم يُحِلهُ على مليءٍ، وإذا أحالَهُ على مليءٍ، ثُمَّ لحِقَتهُ (١) بعد ذلك آفةُ الفَلَسِ، لم يكُن لهُ أن يرجِعَ، لأنَّهُ قد فعلَ ما كان لهُ فِعلُهُ، ثُمَّ أتى من أمرِ الله غيرَ ذلك، وقد كان صحَّ انتِقالُ ذِمَّةِ المُحِيلِ، إلى ذِمَّةِ المُحْتال عليه، فلا يُفسَخُ ذلك أبدًا، وما اعتَراهُ بَعدُ من الفَلَسِ، فمُصِيبتُهُ من المُحتالِ، لأَنَّهُ لا ذِمَّةَ لهُ غير ذِمَّةِ غرِيمِهِ الذي احتالَ عليه، وهذا بيِّن إن شاءَ الله. ومن حُجَّةِ أبي حنِيفةَ وأصحابه: أنَّ المِلْءَ لمّا شرِطَ في الحَوالةِ، دلَّ على أنَّ زوالَ ذلك يُوجِبُ عودَ المالِ عليه (٢). وشبَّهَهُ ببيع الذِّمَّةِ بالذِّمَّةِ في الحوالةِ، كابتِياع عبدٍ بعبدٍ، فإذا ماتَ العبدُ قبلَ القَبضِ، بطلَ البيعُ. قالوا: فكذلك موتُ المُحْتال عليه مُفلِسًا، قالوا: وإفلاسُ المُحْتال عليه، مِثلُ إباقِ العَبدِ، من يَدِ البائع، فيكونُ للمُشترِي الخِيارُ في فسخ البيع، فإن كان قد يُرجَى رُجُوعُهُ وتسلِيمُهُ، كذلك إفلاسُ المُحتالِ عليه (٣). فهذا ما للعُلماءِ في الحَوالةِ من المعاني، والأصلُ فيها حديثُ هذا البابِ. والحَوالةُ أصلٌ في نَفسِها خارِجةٌ عنِ بيع الدَّينِ بالدَّينِ، وعن بيع ذهَبِ بذهبٍ، أو وَرِقٍ بوَرِقٍ، وليس يدًا بيدٍ (٤)، كما أنَّ العَرايا أصلٌ في نفسِها، خارِجٌ عنِ المُزابنةِ، وكما أنَّ القِراضَ والمُساقاةَ أصلانِ في أنفُسِهِما، خارِجانِ عن معنَى الإجاراتِ، فقِفْ على هذه الأُصُولِ تفْقَهْ إن شاءَ الله، وليس هذا مَوْضِع ذِكرِ الكَفالةِ، واللّهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ.

стр. 6322

حديثٌ ثامنُ عشرينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا اشْتَدَّ الحرُّ، فأبرِدُوا (٢) عنِ الصَّلاةِ، فإنَّ شِدَّةَ الحرِّ من فيْح جهنَّمَ". لم يُختَلف عن مالك في إسنادِ هذا الحديثِ، ولفظُهُ كلُّهُم يقولُ فيه: "إذا اشْتَدَّ الحرُّ، فأبرِدُوا عنِ الصَّلاةِ"، هكذا (٣). وقد حدَّثنا خلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ عليُّ بن العبّاسِ بنِ عبدِ الغفّارِ البزّارُ، قال: حدَّثنا مِقدامُ بن داودَ وبكرُ بن سهلِ الدِّمياطِيُّ، قالا: حدَّثنا محمدُ بن مَخْلَدٍ الرُّعينيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "أبرِدُوا بصلاةِ الظُّهر في اليَوْم الحارِّ، فإنَّ شِدَّةَ الحرِّ من فيْح جهنَّم" (٤). قد مَضَى القولُ في معنَى هذا الحديثِ، وما للعُلماءِ فيه، في بابِ زَيْدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا.

стр. 6323

حديثٌ تاسعُ عشرينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إيّاكم والوِصال، إيّاكم والوِصال". قالوا: فإنَّكَ تُواصِلُ يا رسُولَ الله، قال: "إنِّي لَسْتُ كهيئَتِكُم، إنِّي أبيتُ يُطعِمُني ربِّي ويَسْقِينِي". وقد تقدَّمَ القولُ في معنى هذا الحديثِ، في بابِ نافِع، عنِ ابنِ عُمرَ، والحمدُ للّه. ولا يصِحُّ عن مالكٍ في النَّهيِ عنِ الوِصالِ غيرُ حديثهِ عن أبي الزِّنادِ، وعن نافِع. وقد رُوِي عن شجَرة (٢) بنِ عبدِ الله قاضِي القيروانِ، عن مالكٍ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن أنَسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عنِ الوِصالِ في الصِّيام (٣). وهُو باطِلٌ عنِ الزّهرِيِّ عن أنسٍ، لمالكٍ وغيرِهِ.

стр. 6324

حديثٌ مُوَفِّي ثلاثينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ رأى رجُلًا يسُوقُ بدنةً، فقال: "ارْكبْها". فقال: يا رسُولَ الله، إنَّها بَدَنةٌ. فقال: "ارْكبْها". فقال: يا رسُولَ الله، إنَّها بَدَنةٌ. فقال: "ارْكبْها، وَيْلكَ (٢) ". في الثّانيةِ أوِ الثّالثةِ. هكذا يروِيهِ أكثرُ الرُّواةِ عن مالكٍ في "المُوطَّأ": في الثّانِيةِ، أو في الثّالِثةِ. وممَّن قال ذلك: عَتِيقُ بن يعقُوب الزُّبيرِيُّ، وقُتيبةُ (٣). وقال فيه ابنُ عبدِ الحكم: في الثّالثةِ، أو في الرّابعةِ؛ حدَّثناهُ خلَفٌ، قال: حدَّثنا ابنُ الوَرْدِ، قال: حدَّثنا يُوسُفُ بن يزِيدَ، قال: حدَّثنا ابنُ عبدِ الحَكَم، قال: أخبَرنا مالكٌ، فذكَرهُ بإسنادِهِ. هكذا قال مالكٌ في هذا الحديثِ: عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ. وخالفهُ ابنُ عُيينةَ، فقال فيه: عن أبي الزِّنادِ، عن موسى بنِ أبي عُثمان، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم بنِ سعِيدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمان الأعناقِيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إسماعيلَ العُثمانيُّ الأيلِيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن أبي الزِّنادِ، عن موسى بنِ أبي عُثمان، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، قال: مرَّ النَّبيُّ ﷺ برجُلٍ يَسُوقُ بَدَنةً، فقال: "ارْكَبْها". فقال: إنَّها بَدَنة يا رسُولَ الله، فقال: "وَيْلكَ ارْكَبْها" (٤).

стр. 6325

اختلَف العُلماءُ في رُكُوبِ الهديِ الواجِبِ والتَّطوُّع: فذهَبَ أهلُ الظّاهِرِ إلى أنَّ رُكُوبهُ جائزٌ من ضَرُورةٍ، وغيرِ ضَرُورةٍ (١)، وبعضُهُم أوجبَ ذلك (٢). وذهبَتْ طائفةٌ من أهلِ الحديثِ، إلى أنَّهُ لا بأسَ برُكُوبِ الهديِ على كلِّ حالٍ أيضًا، على ظاهِرِ هذا الحديثِ (٣). والذي ذهبَ إليه مالكٌ وأبو حَنِيفةَ والشّافِعِيُّ (٤) وأكثرُ الفُقهاءِ: كَراهِيةُ رُكُوبه من غَيرِ ضرُورةٍ، فكرِهَ مالكٌ رُكُوبَ الهديِ من غيرِ ضرُورةٍ. وكذلك كرِه شُرب لَبنِ البَدَنةِ، وإن كان بعدَ ريِّ فصِيلِها، فإن فعلَ شيئًا من ذلك كلِّهِ، فلا شيءَ عليه. وقال أبو حنِيفةَ والشّافِعِيُّ: إن نَقَصها الرُّكُوبُ، أو شَرِبَ لَبنَها، فعليه قِيمةُ ما شرِبَ من لَبنِها، وقِيمةُ ما نَقَصها الرُّكُوبُ. وحُجَّةُ من ذهَبَ هذا المذهب: أنَّهُ ما خرجَ للّه، فغيرُ جائزٍ الرُّجُوعُ في شيءٍ منهُ، ولا الانتِفاعُ به، فإنِ اضطُرَّ إلى ذلك، جازَ لهُ. لحديثِ جابرٍ في ذلك.

стр. 6326

حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبلٍ، قال (٢): حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ، عنِ ابنِ جُريج، قال: أخبَرنا أبو الزُّبيرِ، قال: سألتُ جابر بن عبدِ الله عن رُكُوبِ الهديِ، فقال: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "ارْكَبها بالمعرُوفِ إذا أُلجئتَ (٣) إليها، حتَّى تجِدَ ظَهْرًا". وأمّا قولُهُ: "ويلكَ". فمَخرجُهُ الدُّعاءُ عليه، إذ أبى من رُكُوبها في أوَّلِ مرَّةٍ، وقال لهُ: إنَّها بدنةٌ. وقد كان رسُولُ الله ﷺ يعلمُ أنَّها بدنةٌ، فكأنَّهُ قال لهُ: الوَيلُ لكَ في مُراجعتِكَ إيّاي، فيما لا تَعرِفُ وأعرف (٤)، واللّهُ أعلمُ. وكان الأصمعِيُّ يقولُ: ويلٌ: كَلِمةُ عذابٍ، وويحٌ: كلِمةُ رَحمةٍ.

стр. 6327

حديثٌ حادي ثلاثينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أن رسُولَ الله ﷺ قال: "لولا أن أشُقَّ على أُمَّتِي، لأمرتُهُم بالسِّواكِ". هكذا قال يحيى في هذا الحديثِ: "لولا أن أشُقَّ على أُمَّتِي". لم يزِدْ. وتابَعهُ جماعةٌ من رُواةِ "المُوطَّأ" على ذلك. وقال بعضُهُم فيه عن مالكٍ: "لَوْلا أن أشُقَّ على أُمَّتِي، أو على النّاسِ". وقال فيه آخرُونَ عن مالكٍ: "لولا أن أشُقَّ على المُؤمِنِينَ، أو على النّاسِ، لأمرتهم بالسِّواكِ". هكذا قال القَعْنبِيُّ، وعبدُ الله بن يُوسُف (٢)، وأيُّوبُ بن صالح، ومَعْنٌ، وزادَ فيه مَعْنٌ: "عندَ كلِّ صَلاةٍ". وكذلك (٣) قال فيه قُتيبةُ (٤): "عِندَ كلِّ صلاةٍ". ولم يَقُلْ: "أو على النّاسِ". كلُّ هذا قد رُوِي عن مالكٍ في حديثِ أبي الزِّنادِ هذا. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ المُطَّلِبِ بن العبّاسِ العُمَرِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سفيانَ (٥) بنِ المُنذِرِ، قال: حدَّثنا أَيُّوبُ بنُ صالح، قال:

стр. 6328

حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لولا أن أشُقَّ على النّاسِ (١)، أو على المُؤمِنِينَ، لأمرتُهُم بالسِّواكِ". وقال ابنُ عُيَينةَ في هذا الحديثِ: عن أبي الزِّناد، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : "لولا أن أشُقَّ على أُمَّتِي، لأمرتُهُم بتأخِيرِ العِشاءِ، والسِّواكِ عِندَ كلِّ صلاةٍ" (٢). وقال فيه سعِيدُ بن أبي سعِيدٍ المقبُرِيُّ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﵇: "لولا أن أشُقَّ على أُمَّتِي لأمرتُهُم بالسِّواكِ مع الوُضُوءِ" (٣). ورُوِي هذا الحديثُ عن أبي هريرةَ من طُرُقٍ شَتَّى. ورَواهُ عنِ النَّبيِّ ﵇ جماعةٌ من أصحابه، منهُم: جابرٌ (٤)، وزيدُ بن خالدٍ (٥)،

стр. 6329

وعائشةُ (١)، وأُمُّ حبِيبةَ (٢)، وأنسٌ (٣). وقد مَضَى القولُ في السِّواكِ، في بابِ ابنِ شِهابِ عن حُميدٍ، وعنِ ابنِ السَّبّاقِ، من كِتابِنا هذا، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهُنا. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي أُويسٍ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بن إسماعيل، عن داود بنِ الحُصينِ، عنِ القاسم بنِ محمدٍ، عن عائشةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "السِّواكُ مَطْهرةٌ للفم، مَرْضاةٌ للرَّبِّ" (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ، قال (٥): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عنِ ابنِ (٦) أبي عَتِيقٍ، عن عائشةَ، قالت: قال رسُولُ الله ﷺ : "السِّواكُ مَطْهرةٌ للفَم، مَرْضاةٌ للرَّبِّ". وهذانِ الإسنادانِ حَسَنانِ (٧)، وإن لم يكونا بالقوِيَّينِ، فهي فضِيلةٌ لا حُكمٌ.

стр. 6330

حديثٌ ثاني ثلاثينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "مَثلُ المُجاهِدِ في سبِيلِ الله، كَمثلِ الصّائم القائم الدّائم، الذي لا يفتُرُ من صلاةٍ ولا صِيام، حتَّى يرجِعَ". هذا من أفْضَلِ حديثٍ وأجلِّهِ في فضْلِ الجِهادِ؛ لأنَّهُ مثَّلهُ بالصَّلاةِ والصِّيام، وهُما أفضَلُ الأعمالِ. وجعَلَ المُجاهِدَ بمَنزِلةِ من لا يفتُرُ عن ذلك ساعةً، فأيُّ شيءٍ أفضلُ من الجِهادِ، يكونُ صاحِبُهُ راكِبًا، وماشِيًا، وراقِدًا، ومُتلذِّذًا بكثِيرٍ من حَدِيثِ رفِيقِهِ، وأكلِهِ، وشُربه، وغيرِ ذلك مِمّا أُبِيحَ لهُ، وهُو في ذلك كلِّهِ كالمُصلِّي، التّالِي للقُرآنِ في صلاتِهِ، الصّائم مع ذلك المُجتهِدِ؟ إنَّ هذا لغاية في الفَضْلِ، وفَّقنا اللهُ برحمتِهِ. ولهذا ومِثلِهِ قُلنا: إنَّ الفضائلَ لا تُدركُ بقِياسٍ ونَظرٍ، واللّه المُستعانُ، وحَسبُكَ من فضلِ الجِهادِ، بقولِ الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١٠، ١١]. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على إجازةِ القِياسِ بالتَّشبِيهِ والتَّمثِيلِ في الأحكام، وهذا بابٌ جسِيمٌ قد أفردنا لهُ أبوابًا في كِتابِ "العِلْم" (٢)، والحمدُ للّه. وقد ذكَرْنا في كِتابِ "العِلْم" (٣) أيضًا أنَّ فرضَ الجِهادِ على الكِفالة، كطلَبِ العِلم، على حسَبِ ما قد أوْضَحناهُ هنالك (٤).

стр. 6331

قال مالكٌ ﵀: الجِهادُ فرضٌ بالأموالِ والأنفُسِ، فإن مَنعهُمُ الضَّررُ، أو عاهَةٌ بأنفُسِهِم، لم يسقُط عنهُمُ الفرضُ بأموالِهِم. وقال أبو حنِيفةَ: الجِهادُ واجِبٌ، إلّا أنَّ المُسلِمِينَ في عُذرٍ حتَّى يُحتاجَ إليهم. وقال ابنُ شُبرُمةَ: الجِهادُ ليس بواجِبٍ، والقائمُونَ به من المُسلِمِين أنصارُ الله (١). وقال الشّافِعِيُّ (٢): الغزوُ غَزْوانِ: نافِلةٌ، وفَرِيضةٌ، فأمّا الفَرِيضةُ فالنَّفِيرُ إذا أظلَّ العدُوُّ بلدَ الإسلام، والنّافِلةُ الرِّباطُ والخُرُوجُ إلى الثُّغُورِ، إذا كان فيها من فيه كِفايةٌ. قال أبو عُمر: قال اللهُ : ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الآيةَ [التوبة: ٤١]. يعني شبابًا وشُيُوخًا. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ الآيةَ إلى قولِهِ ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩]، فثبتَ فرضُهُ، إلّا أنَّهُ على الكِفايةِ، لقولِ الله : ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]. وعلى هذا جُمهُورُ العُلماءِ، ودليلُ ذلك قولُهُ ﷺ : "بُني الإسلامُ على خَمسٍ" (٣). ليس فيها ذِكرُ الجِهادِ؛ لأنَّها كلَّها مُتَعيِّنةٌ على المرءِ في خاصَّتِهِ (٤)، وباللّه التَّوفيقُ.

стр. 6332

حديثٌ ثالثُ ثلاثينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا نُودِيَ للصَّلاةِ، أدبرَ الشَّيطانُ لهُ ضُراطٌ حتَّى لا يسمع النِّداءَ، فإذا قُضِيَ النِّداءُ أقبلَ، حتَّى إذا ثُوِّب بالصَّلاةِ أدبرَ، حتَّى إذا قُضِي التَّثوِيبُ أقبلَ، حتَّى يخطُر بينَ المرءِ ونَفسِهِ، يقولُ: اذكُر كذا، واذكُر كذا، لما لم يكُن يذكُرُ، حتَّى يظلَّ الرَّجُلُ أنْ يَدْرِي كم صلَّى". في هذا الحديثِ من الفِقهِ: أنَّ الصَّلاةَ من شأنِها أن يُؤَذَّنَ لها، قال اللهُ : ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨]. وقال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]. وقد ذكَرْنا ما للعُلماءِ من الأقوالِ والمذاهِبِ في الأذانِ في السَّفرِ والحَضَرِ عِندَهُم، وما اختَرنا من ذلك بما صحَّ عِندَنا، في بابِ نافِع من كِتابِنا هذا، وأفرَدْنا القولَ في الأذانِ للصُّبح، في بابِ ابنِ شِهابٍ، عن سالم، من كِتابِنا هذا، فلا معنَى لإعادةِ شيءٍ من ذلك كلِّهِ هاهُنا. ورُوِيَ عن الأوزاعِيّ، عن يحيى بنِ أبي كثِيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا نادى المُنادِي للصَّلاةِ، أدبرَ الشَّيطانُ ولهُ ضُراطٌ". فذكَرَ معنى حديثِ أبي الزِّنادِ سواءً، وزاد: "حتَّى لا يَدْرِي كم صلَّى، أثلاثًا أم أربعًا، فإذا لم يَدْرِ أثلاثًا صلَّى أم أربعًا، فليَسْجُد سَجْدتينِ وهُو جالِسٌ" (٢).

стр. 6333

وقد ذكَرنا معنى هذا الحديثِ فيما سلَفَ، من حديثِ ابنِ شِهابٍ. وجُملةُ مذهبِ مالكٍ عِندَ أصحابه، وتحصِيلُهُ عِندَهُم: أنَّ الأذان سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ، واجِبةٌ على الكِفايةِ، وليس بفرضٍ (١). وهُو قولُ (٢) أبي حنِيفةَ (٣). واختلَفَ أصحابُ الشّافِعِيِّ، فمنهُم من قال: هُو فرضٌ على الكِفايةِ. ومنهُم من قال: هُو سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ على الكِفايةِ. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "أدبرَ الشَّيطانُ ... " إلى آخِرِ الحديثِ. فإنَّ هذا الحديث عِندِي يخرجُ في التَّفسِيرِ المُسندِ، في قولِ الله : ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٤، ٥]. لم يختلِف أهلُ التَّفسِيرِ وأهلُ اللُّغةِ، أنَّ الوَسْواسَ، الشَّيطانُ يُوسوِسُ في صُدُورِ النّاسِ وقُلُوبهم: أي يُلقِي في قُلُوبهمُ الرَّيْب، ويُحرِّكُ خَواطِر الشُّكُوكِ، ويُذكِّرُ من أمرِ الدُّنيا بما يَشْغلُ عن ذِكرِ الله، وأصلُ الوَسْواسِ في اللّغةِ، صوتُ حَرَكةِ الحُليِّ، وقولُهُ: ﴿الْخَنَّاسِ﴾ لأنَّهُ يخنِسُ عِندَ ذِكرِ العبدِ للّه، ومعنى يخنِسُ: أي يرجِعُ ناكِصًا. ذكَرَ مَعمرٌ، عن قَتادةَ، قال: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ قال: هُو الشَّيطانُ إذا ذكَرَ اللهَ العبدُ خنَسَ (٤). وذكرَ حجّاجٌ، عنِ ابنِ جُرَيج، عن عُثمان بنِ عَطاءٍ، عن عِكْرِمةَ، قال: الوَسْواسُ محلُّهُ الفُؤادُ، فُؤادُ الإنسانِ، وفي عَيْنيهِ، وذَكَرهِ، ومحلُّهِ من المرأةِ في عَيْنيها إذا أقبلت، وفي فرْجِها ودُبُرِها إذا أدبرت، فهذه مجالِسُهُ منهُما (٥).

стр. 6334

وذكرَ وكِيعٌ، عن سُفيانَ، عن حكِيم بنِ جُبيرٍ، عن سعِيدِ بنِ جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: ما من مولُودٍ يُولَدُ، إلّا وعلى قَلبه وسواسٌ، فإذا عقلَ فذكَرَ اللهَ خنسَ، فإذا غفلَ وسوسَ (١). وقال ابنُ قُتَيبةَ (٢): خنسَ، أي: كفَّ وأقصرَ. وقال اليزِيدِيُّ: يُوسوِسُ، ثُمَّ يخنِسُ، أي: يَتَوارَى. قال أبو عُمر: فقولُ رسُولِ الله ﷺ في هذا الحديثِ: "إذا نُودِي للصَّلاةِ". يُرِيدُ إذا أُذِّنَ لها، فرَّ الشَّيطانُ من ذِكْرِ الله في الأذانِ، وأدبرَ ولهُ ضُراطٌ، من شِدَّةِ ما لحِقهُ من الخِزيِ والذُّعرِ عِندَ ذِكرِ الله. وذِكرُ الله في الأذانِ تَفزعُ منهُ القُلُوبُ، ما لا تَفْزعُ من شيءٍ من الذِّكرِ، لما فيه من الجَهْرِ بالذِّكرِ، وتَعظِيم الله فيه، وإقامَةِ دِينِهِ، فيُدبِرُ الشَّيطانُ لشِدَّةِ ذلك على قَلبه، حتَّى لا يَسْمع النِّداءَ، فإذا قُضِي النِّداءُ، أقبلَ على طَبعِهِ وجِبِلَّتِهِ يُوسوِسُ أيضًا، ويَفعلُ ما يقدِرُ مِمّا قد سُلِّط عليه. "حتَّى إذا ثُوِّب بالصَّلاةِ"، والتَّثوِيبُ هاهُنا: الإقامةُ. "أدبرَ" أيضًا. "حتَّى إذا قُضِي التَّثوِيبُ" وهُو الإقامةُ كما ذكرتُ لكَ. "أقبَلَ حتَّى يخطِرَ (٣) بينَ المرءِ ونَفسِهِ، يقولُ: اذكُر كذا وكذا، لما لم يكُن يذكُرُ، حتَّى يَظلَّ الرَّجُلُ إنْ يَدْرِي كم صلَّى". ليُنسِيهُ ويخلِط عليه (٤)، أجارَنا اللهُ منهُ. وفي هذا الحديثِ فضلٌ للأذانِ عظِيمٌ، ألا تَرَى أنَّ الشَّيطان يُدبِرُ منهُ، ولا يُدبِرُ من تِلاوةِ القُرآنِ في الصَّلاةِ؟ وحسبُكَ بهذا فضْلًا لمن تَدبَّر.

стр. 6335

رَوَى ابنُ القاسم عن مالكٍ، قال: استُعمِلَ زيدُ بن أسلم على مَعدِنِ بني سُليم، وكان مَعدِنًا لا يزالُ يُصابُ فيه النّاسُ من قِبَلِ الجِنِّ، فلمّا وَلِيهُم، شَكَوْا ذلك إليه، فأمَرَهُم بالأذانِ، وأن يَرْفعُوا أصواتهُم به، ففعلوا، فارتفعَ ذلك عنهُم، فهُم عليه حتَّى اليومَ. قال مالكٌ: وأعجبني ذلك من رأيِ زيدِ بنِ أسلمَ. هكذا رَوَى سُحنُون، في سماع ابنِ القاسم. وذكَرهُ الحارِثُ بن مِسكِينٍ، قال: أخبَرني عبدُ الرَّحمنِ بن القاسم وعبدُ الله بن وَهْبٍ، قالا: قال مالكٌ: استُعمِلَ زيدُ بن أسلمَ على مَعدِنِ بني سُليم. فذكَرهُ سواءً إلى آخِرِهِ (١). وذكَرَ يَعقُوبُ بن شَيْبةَ، قال: حدَّثنا أبو سَلَمةَ التَّبُوذكِيُّ، قال: حدَّثنا جرِيرُ بن حازِم، قال: سمِعتُ سُليمانَ الشَّيبانيَّ يُحدِّثُ، عن يُسَيرِ (٢) بنِ عَمرٍو، قال: سمِعتُ عُمرَ يقولُ: إنَّ شيئًا من الخَلْقِ لا يستطِيعُ أن يتحوَّلَ في غيرِ خلقِهِ، ولكن للجِنِّ سَحَرةٌ كسحرةِ الآدمِيِّينَ (٣)، فإذا خَشِيتُم شيئًا من ذلك، فأذِّنوا (٤). حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا دُحيمٌ (٥)، قال: حدَّثنا الفِريابِيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عنِ الشَّيبانيِّ، عن يُسَيرِ بنِ عَمرٍو، قال: ذُكِرَ الغِيلانُ عِندَ عُمر، فقال: إنَّهُ ليس شيءٌ يتحوَّلُ

стр. 6336

عن خلقِهِ الذي خُلِقَ عليه، ولكن لهم سَحَرةٌ كسحرتِكُم، فإذا أحْسَستُم من ذلك شيئًا، فأذِّنوا بالصَّلاةِ. وذكرَ الأصْمَعِيُّ، عن أبي عَمرِو بنِ العلاءِ، قال: الغِيلانُ: سَحَرةُ الجِنِّ. وأمّا قولُهُ: "حتَّى إذا ثُوِّب بالصَّلاةِ أدبر، حتَّى إذا قُضِي التَّثوِيبُ أقبلَ". فإنَّهُ عَنَى بقولِهِ: "التَّثوِيبُ" هاهُنا الإقامةَ، ولا يَحتمِلُ غيرَ هذا التَّأوِيلِ عِندِي، واللّهُ أعلمُ. وإنَّما سُمِّيتِ الإقامةُ في هذا الموضِع تثوِيبًا؛ لأنَّ التَّثوِيبَ في اللُّغةِ، معناهُ العَوْدةُ، ويُقالُ منهُ: ثابَ إليَّ مالِي (١) بعدَ ذهابه، أي: عاد، وثابَ إلى المرِيضِ جِسمُهُ (٢)، إذا عاد إليه، ومنهُ قولُ الله : ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥]. أي: معادًا لهم يثُوبُونَ إليه، لا يقضُونَ منهُ وطرًا، وإنَّما قيلَ للإقامةِ تَثْوِيبٌ، لأنَّها عَوْدةٌ إلى معنى الأذانِ، تقُولُ العربُ: ثوَّبَ الدّاعِي، إذا كرَّر دُعاءَهُ إلى الحربِ وغيرِها، قال حسّانُ بن ثابتٍ (٣): في فِتيةٍ كسُيُوفِ الهِندِ أوجُهُهُم ... لا ينكِلُون إذا ما ثوَّب الدّاعِي وقال آخرُ (٤): لخيرٌ نحنُ عِندَ النّاسِ مِنكُم ... إذا الدّاعِي المُثوِّبُ قال يالا (٥) وقال عبدُ المُطَّلِبِ بن هاشِم، وهُو عِندَ أخوالِهِ بني النَّجّارِ بالمدِينةِ: فحنَّت ناقتِي وعلِمتُ أنِّي ... غرِيبٌ حِينَ ثابَ إليَّ عَقلِي

стр. 6337

وقال آخرُ (١): لو رأينا التَّوكِيدَ خُطَّةَ عَجْزٍ ... ما شَفَعنا الأذانَ بالتَّثوِيبِ ولا خِلافَ عَلِمتُهُ، أنَّ التَّثوِيبَ عِندَ عامَّةِ العُلماءِ وخاصَّتِهِم، قولُ المُؤَذِّنِ: الصَّلاةُ خير من النَّوم. ولهِذا قال أكثرُ الفُقهاءِ: لا تثوِيبَ إلّا في الفَجرِ. وقال الحسنُ بن حيٍّ: يُثوَّبُ في الفجرِ والعِشاءِ. وقال حمّادٌ، عن إبراهيمَ: التَّثوِيبُ في صلاةِ العِشاءِ والصُّبح، لا في غيرِهِما. وقال ابنُ الأنبارِيِّ: إنَّما سُمِّي التَّثوِيبُ تثوِيبًا، وهُو قولُهُ (٢): الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم، الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم. لأنَّهُ دُعاءٌ ثانٍ إلى الصَّلاةَ، وذلك أنَّهُ لمَّا قال: حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفلاح. وكان هذا دُعاءً إلى الصَّلاةِ، ثُمَّ عاد فقال: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم، فدعا إليها مرَّةً أُخرَى، عاد إلى ذلك، والتَّثوِيبُ عِندَ العربِ: العَوْدةُ. وذَكَر نحوَ ما تقدَّمَ. وقد يحتمِلُ أن تكونَ الإقامةُ سُمِّيت تثوِيبًا، لتَثنيتِها في مَذهبِ من رأى تَثْينِتها، أو تثنيةَ (٣) قولِهِ: قد قامَتِ الصَّلاةُ (٤)، عِندَ من قال ذلك من العُلماءِ، وهُمُ الأكثرُ (٥). وأمّا اختِلافُ العُلماءِ في الإقامةِ. فقال مالكٌ (٦): تُفرَدُ الإقامةُ، ويُثنَّى الأذانُ.

стр. 6338

ومعنى قولِهِ: تُفردُ الإقامةُ. يُرِيدُ غير التَّكبِيرِ في أوَّلها (١) وآخِرِها، فإنَّهُ يُثنَّى بإجماع من العُلماءِ. وقال الشّافِعِيُّ (٢): تُفردُ الإقامةُ. كقولِ مالكٍ سواءً، إلّا قولهُ: قد قامتِ الصَّلاةُ، فإنَّهُ يقولُها مرَّتينِ. فخالفَ مالكًا في هذا الموضِع وحدَهُ من الإقامةِ. ويُروَى أنَّ أبا محذُورةَ، وولدَهُ، ومُؤَذِّني مكَّةَ، كلَّهُم يقولُونَ: قد قامتِ الصَّلاةُ، مرَّتينِ (٣). وهُو قولُ الزُّهرِيِّ، والحَسَنِ البصرِيِّ، ومَكحُولٍ، والأوزاعِيِّ (٤). وبه قال أبو ثَوْرٍ، وأحمدُ، وإسحاقُ. وقال مالكٌ (٥): يقولُ: قد قامَتِ الصَّلاةُ مرَّةً واحِدةً. ورُوِيَ عن ولَدِ سَعْدٍ القَرَظِ بالمدِينةِ، أنَّهُم يقولُونَ: قد قامَتِ الصَّلاةُ، مرَةً واحِدةً (٦). وقال الكُوفيُّونَ: أبو (٧) حنِيفةَ وأصحابُهُ، والثَّورِيُّ، والحسنُ بن حيٍّ: الأذانُ والإقامةُ مثنى مثنى سواءٌ، إلّا أنَّ التَّكبِيرَ عِندهُم في أوَّلِ الأذانِ، وأوَّلِ الإقامةِ أربعُ مرّاتٍ. ولا خِلافَ عِندَهُم بين الأذانِ والإقامةِ في شيءٍ (٨)، ذَهبُوا

стр. 6339

في ذلك إلى حديثِ عبدِ الله بنِ زيدٍ، وهُو حديثٌ مُختَلفٌ في ألفاظِهِ وإسنادِهِ، وسَنذكُرُهُ في بابِ يحيى بنِ سعِيدٍ إن شاءَ الله. وذهبَ مالكٌ والشّافِعِيُّ في الأذانِ والإقامَةِ إلى حديثِ أبي محذُورةَ، ولا خِلافَ بين مالكٍ والشّافِعِيِّ في الأذانِ، إلّا في قولِهِ: اللهُ أكبرُ في أوَّلِهِ، فإنَّ الشّافِعِيَّ ذهَبَ إلى أنَّ ذلك يُقالُ أربعَ مرّاتٍ، وذهَبَ مالكٌ إلى أنَّ ذلك يُقالُ مرَّتينِ، وأكثرُ الآثارِ عن أبي محذُورةَ وغيرِهِ على ما قال الشّافِعِيُّ، وهُو أذانُ أهلِ مكَّةَ، والأذانُ بالمدِينةِ على ما قال مالكٌ، وهُو شيءٌ يُؤخَذُ عَملًا؛ لأنَّهُ لا يَنْفكّ منهُ، ومِثلُ هذا يَصِحُّ فيه ادِّعاءُ العَملِ بالمدِينةِ. واتَّفقَ مالكٌ والشّافِعِيُّ على التَّرجِيع بالشَّهادةِ في الأذانِ خاصَّةً دُونَ الإقامةِ، على ما في حديثِ أبي محذُورةَ. وذهبَ الكُوفيُّون إلى أنْ لا ترجِيعَ في أذانٍ (١) ولا إقامةٍ، وإنَّما ذلك عِندهُم مثنى مثنى، إلّا التَّكبِير في أوَّلِهِ، على حسَبِ ما ذكَرتُهُ لك (٢). وقال أحمدُ وإسحاقُ: إن رجَّعَ، فلا بأسَ. قال إسحاقُ: هُما مُسْتعملانِ، والذي أختارُ أذانُ بلالٍ. وقالت طائفة منهُمُ الطَّبرِيُّ: إن شاءَ رجَّعَ، وإن شاءَ لم يُرجِّع، وإن شاءَ أذَّنَ كأذانِ أبي محذُورةَ، وإن شاءَ كأذانِ بلالٍ، وفي الإقامةِ أيضًا إن شاءَ ثنَّى، وإن شاءَ أفردَ، وإن شاءَ قال: قد قامتِ الصَّلاةُ مرَّةً، وإن شاءَ مرَّتينِ، كلُّ ذلك مُباحٌ. قال أبو عُمر: قولُ داودَ وأصحابه في الأذانِ والإقامةِ كَقولِ الشّافِعِيِّ سواءٌ، ومن حُجَّةِ مالكٌ والشّافِعِيِّ في إفرادِ الإقامَةِ: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا

стр. 6340

أبو سلَمةَ (١)، قال: حدَّثنا حمادُ بن سلمةَ، قال: أخبرنا خالدٌ، عن أبي قِلابةَ، عن أنَسٍ، قال: أُمِرَ بلالٌ أن يشفعَ الأذانَ، وأن يُوتِرَ الإقامةَ (٢). وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٣): أخبرنا قُتَيبةُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أنَسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَ بلالًا أن يشفعَ الأذانَ، وأن يُوتِرَ الإقامةَ. قال أبو عُمر: ذكر عبّاسٌ (٤) عن يحيى بنِ مَعِينٍ، قال: لم يَرْفع هذا الحديثَ غيرُ عبدِ الوهّابِ. قال: وقد رواهُ إسماعيلُ، ووُهَيْبٌ، ولم يرفعاهُ (٥).

стр. 6341

قال أبو عُمر: يعني أنَّهُ لم يقُل أحدٌ في حديثِ أنَسٍ هذا - إنَّ رسُولَ الله ﷺ أمرَ بلالًا - غيرُ عبدِ الوهّابِ، من أصحابِ أيُّوبَ، وغيرُهُم يقولُونَ: أُمِرَ بلالٌ، ولا يذكُرُونَ النَّبيَّ ﷺ . وحُجَّةُ من قال: قد قامتِ الصَّلاةُ مرَّتينِ. ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعِيدُ بنُ نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ. وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (١)، قالا جميعًا: حدَّثنا سليمانُ بن حربٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن سِماكِ بنِ عطِيَّةَ، عن أيُّوب، عن أبي قِلابةَ، عن أنَسٍ، قال: أُمِرَ بلالٌ أن يشفعَ الأذانَ، وأن يُوتِرَ الإقامةَ. زاد أبو داود في إسنادِ هذا الحديثِ، فقال: حدَّثنا سليمانُ بن حربٍ، وعبدُ الرَّحمنِ بن المُباركِ، قالا: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ. ثُمَّ ذكرهُ. قال أبو داودَ (٢): وحدَّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا وُهَيبٌ، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أَنَسِ بنِ مالكٍ، قال: أُمِرَ بلالٌ أن يشفعَ الأذانَ، ويُوتِرَ الإقامةَ. قال أبو داودَ (٣): وحدَّثنا حُمَيدُ (٤) بن مَسْعَدةَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، عن خالدٍ

стр. 6342

الحذّاءِ، عن أبي قِلابةَ، عن أَنَسِ بنِ مالكٍ، مِثلَ حديثِ وُهَيبٍ. قال إسماعيلُ: فحدَّثتُ به أيُّوبَ، فقال: إلّا الإقامةَ. قال أبو عُمر: يُرِيدُ بقولِهِ: إلّا الإقامةَ. قولهُ: قد قامتِ الصَّلاةُ. فإنَّها لا تُفرَدُ وتُثنَّى، يقولُ: أُمِر بلالٌ أن يشفعَ الأذانَ، ويُوتِرَ الإقامةَ، إلّا قولهُ: قد قامتِ الصَّلاةُ، فإنَّهُ مَثْنَى. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قاله (١): أخبرنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: حدَّثني أبو جَعْفرٍ، عن أبي المُثنَّى، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: كان الأذانُ على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ مثنَى مثنَى، والإقامةُ مغ، إلّا أَنَّكَ تقُولُ: قد قامَتِ الصَّلاةُ، قد قامَتِ الصَّلاةُ. وحدَّثنا سعِيدُ بن ثَصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا أسودُ بن عامِرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي جَعفرٍ المُؤَذِّنِ، عن أبي المُثنَّى، مُؤَذِّنِ المسجِدِ الأكبرِ، أنَّهُ سمِعَ ابن عُمرَ يقولُ: كان الأذانُ على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ مَثنَى مَثنَى، والإقامةُ واحِدةً، إلّا أنَّهُ إذا قال: قد قامَتِ الصَّلاةُ، قالها مرَّتينِ، فكُنّا إذا سَمِعنا الأذانَ، توضَّأنا، ثُمَّ خرَجْنا إلى الصَّلاةِ (٢). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣):

стр. 6343

حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعفرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: سمِعتُ أبا جَعْفرٍ، يُحدِّثُ عن مُسلِم أبي (١) المُثنَّى، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: إنَّما كان الأذانُ على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ مرَّتينِ مرَّتينِ، والإقامَةُ مرَّةً مرَّةً، غير أنَّهُ يقولُ: قد قامَتِ الصلاةُ، قد قامَتِ الصلاةُ، فإذا سَمِعنا الإقامَةَ، تَوضَّأنا، ثُمَّ خرَجْنا إلى الصَّلاةِ. فقال شُعبةُ: لم أسمع من أبي جعفرٍ غيرَ هذا الحديثِ. قال أبو عُمر: تحصِيلُ مذهبِ مالكٍ في الإقامَةِ، على ما ذكر ابنُ خُوَيْزمَنْداد وغيرُهُ: أنَّها سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ. وهي عِندَهُم أوكدُ من الأذانِ، ومن تركها، فهُو مُسِيءٌ، وصلاتُهُ مُجزِئَةٌ (٢). وهُو قولُ الشّافِعِيِّ (٣)، وسائرِ الفُقهاءِ، فيمن تركَ الإقامةَ: أَنَّهُ مُسيءٌ بتَرْكِها، ولا إعادَةَ عليه. وقال أهلُ الظّاهِرِ والأوزاعِيُّ وعطاءٌ ومُجاهِدٌ: هِي واجِبةٌ (٤). ويرونَ الإعادةَ على من تَرَكها، أو نَسِيها. ذكرَ أبو بكر بن أبي شيْبةَ، قال (٥): حدَّثنا أبو أُسامَةَ، عنِ الفَزارِيِّ، عنِ الأوزاعِيِّ، قال: الإقامةُ أوَّلُ الصَّلاةِ.

стр. 6344

قال أبو عُمر: في قولِهِ ﷺ : "تَحرِيمُها التَّكبِيرُ" (١) دليلٌ على أنَّهُ لم يدخُل في الصَّلاةِ من لم يُحرِمَ، فما كان قبلَ الإحرام، فحُكمُهُ ألّا تُعادَ منهُ الصلاةُ، إلّا أن يُجمِعُوا على شيءٍ، فيُسلَّمَ للإجماع كالطَّهارةِ، والقِبْلةِ، والوَقْتِ، ونحوِ ذلك. وأمّا قولُهُ: "حتَّى يظلَّ الرَّجُلُ إن يَدْرِي كم صلَّى". فإنَّهُ يُرِيدُ، حتَّى يظلَّ الرَّجُلُ لا يَدْرِي كم صلَّى. وكذا رواهُ بهذا اللَّفظِ جماعةٌ. ومعنى "يظلَّ" يصِيرَ، يقولُ: حتَّى يصِيرَ المرءُ لا يَدْرِي كم صلَّى. وقِيل: "يَظلَّ " هاهُنا بمعنَى يَبْقَى لا يدرِي كم صلَّى، وأنشدُوا (٢): ظَللْتُ رِدائي فوقَ رأسِي قاعِدًا ... أعُدُّ الحَصَى ما تَنْقضِي عَبَراتِي ومن (٣) رواهُ بكسرِ الهمزِ: "إن يدرِي ما (٤) صلَّى". فـ "إنْ" بمعنى ما، كثِيرٌ، ولكنَّ الرِّوايةَ عِندَنا بفتح الهَمزةِ (٥)، واللّهُ أعلمُ (٦).

стр. 6345

حديثٌ رابعُ ثلاثينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "والذي نفسِي بيدِهِ، لَيَأخُذُ أحدُكُم حَبلهُ فيَحْتطِبُ على ظَهرِهِ، خيرٌ لهُ من أن يأتي رجُلًا أعْطاهُ اللهُ من فضلِهِ، فيَسْألُهُ أعطاهُ أو مَنعهُ". هكذا في جُلِّ (٢) المُوطَّآتِ: "لَيَأخُذُ". ورأيتهُ (٣) لابنِ نافِع، عن مالكٍ: "لأن يأخُذَ (٤) ". وكذلك رواهُ مَعنُ بن عيسى، عن مالكٍ. وهُو المُرادُ والمَقصِدُ، والمعنى مفهُومٌ، والحمدُ للّه. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ. وحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بن الخضِرِ الأُسيُوطِيُّ (٥)، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٦): أخبَرنا عليُّ بن شُعَيب، قال: حدَّثنا مَعْنٌ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "والذي نَفْسِي بيدِهِ، لأن يأخُذ أحدُكُم حَبلهُ فيَحْتطِبَ (٧) على ظَهرِهِ، خيرٌ لهُ من أن يأتي رجُلًا أعْطاهُ اللهُ من فضلِهِ فيسألُهُ، أعطاهُ أو مَنعهُ". في هذا الحديثِ كراهِيةُ السُّؤالِ لكلِّ من فيه طاقةٌ على السَّعيِ والاكتِسابِ. وفيه ذمُّ المسألةِ، وحمدُ المُعالجةِ والسَّعيِ، والتَّحرُّفِ في المعِيشةِ.

стр. 6346

وقد وردَتْ أحادِيثُ عنِ النَّبيِّ ﷺ في ذمِّ المسألةِ كثِيرةٌ صِحاحٌ، فيها شِفاءٌ لمن تدبَّرها ووقفَ على مَعانِيها، وهي تُفسِّرُ معنى هذا البابِ، وتُوضِّحُ المُرادَ من حديثهِ، واللّهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ. فمِمّا يُخرَّجُ في هذا البابِ، قولُهُ ﷺ : "اليدُ العُليا خيرٌ من اليدِ السُّفلى، واليدُ العُليا المُنفِقةُ". وقِيل: "المُتعفِّفةُ". على حسَبِ ما ذكَرْنا من ذلك في بابِ نافِع، من كِتابِنا هذا. "واليدُ السُّفلى السّائلةُ" (١). وقد ذكَرْنا طُرُق هذا الحديثِ في بابِ نافِع، فلا وجه لإعادَةِ ذلك هاهُنا. أخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): أخبَرنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا يَعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبي، عن صالح، عنِ ابنِ شِهابٍ، أنَّ أبا عُبَيدٍ مولى عبدِ الرَّحمنِ بنِ أزهرَ أخبَرهُ، أنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "لأن يحتزِمَ أحدُكُم بحُزْمَةِ (٣) حَطَبٍ، فيَحمِلَها على ظَهرِهِ فيبِيعَها، خيرٌ لهُ من أن يسألَ رجُلًا، فيُعطِيهِ أو يَمنَعهُ". حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤):

стр. 6347

حدَّثنا حفصُ بن عُمَر النَّمرِيُّ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيرٍ، عن زيدِ بنِ عُقبةَ الفَزارِيِّ، عن سَمُرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "المسائلُ كُدُوحٌ (١) يَكْدحُ بها الرَّجُلُ وَجههُ، فمن شاءَ أبقى (٢) على وَجهِهِ، ومن شاءَ تركَ (٣)، إلّا أن يسألَ الرَّجُل ذا سُلطانٍ، أو في أمرٍ لا يجِدُ منهُ بُدًّا". أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤): أخبَرنا محمدُ بن عبدِ الله بنِ عبدِ الحكم، عن شُعَيبِ بنِ اللَّيثِ، عنِ اللَّيثِ بنِ سعدٍ، عن عُبيدِ الله بنِ أبي جَعفرٍ، قال: سَمِعتُ حمزةَ بن عبدِ الله، يقولُ: سَمِعتُ عبد الله بن عُمرَ، يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "ما يزالُ الرَّجُلُ يَسْألُ، حتَّى يأتي يومَ القِيامةِ ليس في وَجهِهِ مُزعةُ لحم". أخبَرنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٥): حدَّثنا عبدُ الأعلى بن عبدِ الأعلى،

стр. 6348

عن مَعْمر (١)، عن عبدِ الله بنِ مُسلِم أخِي الزُّهرِيِّ، عن حمزةَ بنِ عبدِ الله، عن أبيهِ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: "لا تَزالُ المسألةُ بأحَدِكُم، حتَّى يَلْقَى اللهَ وليس في وَجهِهِ مُزعَةُ لحم". وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (٢): حدَّثنا قُتَيبةُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن جَعفرِ بنِ رَبِيعةَ، عن بكرِ بنِ سَوادةَ، عن مُسلِم بنِ مخشِيٍّ، عنِ ابنِ الفِراسِيِّ، أنَّ الفِراسِيَّ قال لرسُولِ الله ﷺ : يا رسُولَ الله أأسألُ؟ قال: "لا، وإن كُنتَ سائلًا لا بُدَّ، فاسألِ الصّالحِينَ". أخبَرنا عبدُ الله بن محمدِ بنِ عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، [قال حدَّثنا الوَليدُ] (٤)، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عبدِ العزِيزِ، عن رَبِيعةَ بنِ يزِيدَ، عن أبي إدرِيسَ الخَوْلانيِّ،

стр. 6349

عن أبي مُسلِم الخَوْلانيِّ، قال: حدَّثني الحبِيبُ (١) الأمِينُ، أمّا هُو إليَّ فحبِيبٌ، وأمّا هُو عِندِي فأمِينٌ، عَوْفُ بن مالكٍ، قال: كُنّا عِندَ رسُولِ الله ﷺ سَبْعةً، أو ثمانِيةً، أو تِسعةً، فقال: "ألا تُبايِعُونَ رسُولَ الله ﷺ ؟ " وكُنّا حديث عَهْدٍ ببيَعتِهِ (٢)، قُلنا: قد بايعناكَ. قالها ثلاثًا، فبَسَطْنا أيَدِينا فبايَعناهُ، قال قائلٌ: يا رسُولَ الله إنّا قد بايعناكَ، فعلامَ نُبايِعُكَ؟ قال: "أن تَعبُدُوا اللهَ ولا تُشرِكُوا به شيئًا، وتُصلُّوا الصَّلواتِ الخَمْسَ، وتَسْمعُوا وتُطِيعُوا". وأسرَّ كَلِمةً خَفِيَّةً (٣)، قال: "لا تَسْألوا النّاس شيئًا". قال: فلقد كان بعضُ أُولئكَ النَّفرِ يَسْقُطُ سوطُهُ، فما يسألُ أحدًا يُناوِلُهُ إيّاهُ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا عُبيدُ الله بن مُعاذٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عاصِم، عن أبي العالِيةِ، عن ثَوْبانَ مولى رسُولِ الله ﷺ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من يَتَكفَّلُ (٥) لي ألّا يَسْألَ النّاسَ شيئًا، وأَتَكفَّلُ لهُ بالجنّةِ؟ " فقال ثوبانُ: أنا، فكان لا يَسْألُ أحدًا شيئًا. أخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن

стр. 6350

شُعَيب، قال (١): حدَّثنا محمدُ بن عُثمانَ بنِ أبي صفوانَ الثَّقفِيُّ، قال: حدَّثنا أُميَّةُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن بسْطام بنِ مُسلِم، عن عبدِ الله بنِ خلِيفةَ، عن عائذِ بنِ عَمرٍو: أنَّ رجُلًا أتى النَّبيَّ ﷺ ، فسألَهُ فأعطاهُ، فلمّا وضعَ رِجلهُ على أُسكُفَّةِ (٢) البابِ (٣)، قال رسُولُ الله ﷺ : "لو تعلمُونَ ما في السُّؤالِ، ما مَشَى أحدٌ إلى أحَدٍ يَسْألُهُ شيئًا". قال أبو عُمر: السُّؤالُ لا يجُوزُ لمن فيه مُنّة (٤) وقُوَّةٌ وأدْنَى حِيلةٍ في المَعِيشةِ، إلّا أن يسألَ ذا سُلطانٍ؛ لأنَّ لهُ عِندَهُ حقًّا في بَيتِ المالِ، وإن لم يتَعيَّن، أو يسألَ في أمرٍ لا بُدَّ لهُ منهُ، من حَمَالةٍ يتَحَمَّلُها، أو دينٍ ادّانهُ في واجِبٍ أو مُباح، يسألُ (٥) من يَعرِفُ أنَّ كسبهُ لا بأسَ به، وهُمُ الصّالِحُونَ الذين قُصِدَ إليهم في حديثِ الفِراسِيِّ المذكُورِ في هذا البابِ، واللّه أعلمُ. وفي حديثِ قَبِيصةَ بنِ المُخارِقِ (٦) ثلاثةُ وُجُوِهٍ، وفي حديثِ أنَسٍ (٧) أيضًا ثلاثةُ وُجُوهٍ تحِلُّ فيها المسألةُ، لا يَنْبغِي أن تُتعدَّى، إلّا إلى ما ذكَرْنا في حديثِ سمُرةَ، واللّهُ أعلمُ.

стр. 6351

حدَّثنا (١) عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن داودَ، قال: حدَّثنا سحنُونُ بن سَعِيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْبٍ، قال: أخبَرني اللَّيثُ بن سعدٍ، عن عُبيدِ الله بنِ أبي جعفرٍ، عن حَمْزةَ بنِ عبدِ الله بنِ عُمر، أَنَّهُ سمِعَ أباهُ يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "ما يزالُ الرَّجُلُ يَسْألُ النّاسَ، حتَّى يأتِي يومَ القِيامةِ ليس في وَجهِهِ مُزْعَةُ لحم" (٢). حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا حَفْصُ بن عُمر الحَوْضِيُّ وسُليمانُ بن حربٍ، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيرٍ، عن زيدِ بنِ عُقبةَ الفَزارِيِّ، قال: سمِعتُ سمُرةَ بن جُندُبٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "المسائلُ كُدُوحٌ يَكْدحُ بها الرَّجُلُ وَجْههُ، فمن شاءَ أبْقَى على وَجْهِهِ، ومن شاءَ تركَ، إلّا أن يسألَ ذا سُلطانٍ، أو يَنزِلَ به أمر لا يجِدُ منهُ بُدًّا" (٣). ورواهُ الثَّورِيُّ (٤) وأبو عوانةَ (٥)، عن عبدِ الملكِ بنِ عُميرٍ، بإسنادِهِ مِثلهُ سَواءً.

стр. 6352

وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زَيدٍ، عن هارُون بنِ رئاب (٢)، قال: حدَّثنا كِنانةُ بن نُعَيم العَدَوِيُّ، عن قَبِيصةَ بنِ مُخَارِقٍ الهِلاليِّ، قال: تحمَّلتُ حَمالةً، فأتيتُ النَّبيَّ ﷺ ، فقال: "أقِمْ يا قَبِيصةُ حتَّى تأتِينا الصَّدقةُ، وآمُر لكَ بها". ثُمَّ قال: "يا قَبِيصةُ، إنَّ المسألةَ لا تحِلُّ (٣) إلّا لإحدَى ثَلاثٍ: رجُلٌ تَحمَّل بحَمالةٍ، فحلَّتْ لهُ المسألةُ، فسألَ حتَّى يُصِيبها، ثُمَّ يُمسِكُ، ورجُلٌ أصابَتهُ جائحةٌ، فاجتاحَتْ مالهُ، فحلَّتْ لهُ المسألةُ، فسألَ حتَّى يُصِيبَ قِوامًا من عَيْشٍ، أو سِدادًا (٤) من عَيْشٍ، ورجُلٌ أصابَتهُ فاقةٌ، حتَّى يقول ثلاثةٌ من ذوِي الحِجا (٥) من قَومِهِ: قد أصابَتْ فلانًا الفاقةُ، فحلَّتْ لهُ المسألةُ، فسأل حتَّى يُصِيبَ قِوامًا من عَيْشٍ،
следующие страницы →