← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6348–6387 · переход к 6353.

стр. 6348

عن مَعْمر (١)، عن عبدِ الله بنِ مُسلِم أخِي الزُّهرِيِّ، عن حمزةَ بنِ عبدِ الله، عن أبيهِ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: "لا تَزالُ المسألةُ بأحَدِكُم، حتَّى يَلْقَى اللهَ وليس في وَجهِهِ مُزعَةُ لحم". وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (٢): حدَّثنا قُتَيبةُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن جَعفرِ بنِ رَبِيعةَ، عن بكرِ بنِ سَوادةَ، عن مُسلِم بنِ مخشِيٍّ، عنِ ابنِ الفِراسِيِّ، أنَّ الفِراسِيَّ قال لرسُولِ الله ﷺ : يا رسُولَ الله أأسألُ؟ قال: "لا، وإن كُنتَ سائلًا لا بُدَّ، فاسألِ الصّالحِينَ". أخبَرنا عبدُ الله بن محمدِ بنِ عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، [قال حدَّثنا الوَليدُ] (٤)، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عبدِ العزِيزِ، عن رَبِيعةَ بنِ يزِيدَ، عن أبي إدرِيسَ الخَوْلانيِّ،

стр. 6349

عن أبي مُسلِم الخَوْلانيِّ، قال: حدَّثني الحبِيبُ (١) الأمِينُ، أمّا هُو إليَّ فحبِيبٌ، وأمّا هُو عِندِي فأمِينٌ، عَوْفُ بن مالكٍ، قال: كُنّا عِندَ رسُولِ الله ﷺ سَبْعةً، أو ثمانِيةً، أو تِسعةً، فقال: "ألا تُبايِعُونَ رسُولَ الله ﷺ ؟ " وكُنّا حديث عَهْدٍ ببيَعتِهِ (٢)، قُلنا: قد بايعناكَ. قالها ثلاثًا، فبَسَطْنا أيَدِينا فبايَعناهُ، قال قائلٌ: يا رسُولَ الله إنّا قد بايعناكَ، فعلامَ نُبايِعُكَ؟ قال: "أن تَعبُدُوا اللهَ ولا تُشرِكُوا به شيئًا، وتُصلُّوا الصَّلواتِ الخَمْسَ، وتَسْمعُوا وتُطِيعُوا". وأسرَّ كَلِمةً خَفِيَّةً (٣)، قال: "لا تَسْألوا النّاس شيئًا". قال: فلقد كان بعضُ أُولئكَ النَّفرِ يَسْقُطُ سوطُهُ، فما يسألُ أحدًا يُناوِلُهُ إيّاهُ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا عُبيدُ الله بن مُعاذٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عاصِم، عن أبي العالِيةِ، عن ثَوْبانَ مولى رسُولِ الله ﷺ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من يَتَكفَّلُ (٥) لي ألّا يَسْألَ النّاسَ شيئًا، وأَتَكفَّلُ لهُ بالجنّةِ؟ " فقال ثوبانُ: أنا، فكان لا يَسْألُ أحدًا شيئًا. أخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن

стр. 6350

شُعَيب، قال (١): حدَّثنا محمدُ بن عُثمانَ بنِ أبي صفوانَ الثَّقفِيُّ، قال: حدَّثنا أُميَّةُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن بسْطام بنِ مُسلِم، عن عبدِ الله بنِ خلِيفةَ، عن عائذِ بنِ عَمرٍو: أنَّ رجُلًا أتى النَّبيَّ ﷺ ، فسألَهُ فأعطاهُ، فلمّا وضعَ رِجلهُ على أُسكُفَّةِ (٢) البابِ (٣)، قال رسُولُ الله ﷺ : "لو تعلمُونَ ما في السُّؤالِ، ما مَشَى أحدٌ إلى أحَدٍ يَسْألُهُ شيئًا". قال أبو عُمر: السُّؤالُ لا يجُوزُ لمن فيه مُنّة (٤) وقُوَّةٌ وأدْنَى حِيلةٍ في المَعِيشةِ، إلّا أن يسألَ ذا سُلطانٍ؛ لأنَّ لهُ عِندَهُ حقًّا في بَيتِ المالِ، وإن لم يتَعيَّن، أو يسألَ في أمرٍ لا بُدَّ لهُ منهُ، من حَمَالةٍ يتَحَمَّلُها، أو دينٍ ادّانهُ في واجِبٍ أو مُباح، يسألُ (٥) من يَعرِفُ أنَّ كسبهُ لا بأسَ به، وهُمُ الصّالِحُونَ الذين قُصِدَ إليهم في حديثِ الفِراسِيِّ المذكُورِ في هذا البابِ، واللّه أعلمُ. وفي حديثِ قَبِيصةَ بنِ المُخارِقِ (٦) ثلاثةُ وُجُوِهٍ، وفي حديثِ أنَسٍ (٧) أيضًا ثلاثةُ وُجُوهٍ تحِلُّ فيها المسألةُ، لا يَنْبغِي أن تُتعدَّى، إلّا إلى ما ذكَرْنا في حديثِ سمُرةَ، واللّهُ أعلمُ.

стр. 6351

حدَّثنا (١) عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن داودَ، قال: حدَّثنا سحنُونُ بن سَعِيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْبٍ، قال: أخبَرني اللَّيثُ بن سعدٍ، عن عُبيدِ الله بنِ أبي جعفرٍ، عن حَمْزةَ بنِ عبدِ الله بنِ عُمر، أَنَّهُ سمِعَ أباهُ يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "ما يزالُ الرَّجُلُ يَسْألُ النّاسَ، حتَّى يأتِي يومَ القِيامةِ ليس في وَجهِهِ مُزْعَةُ لحم" (٢). حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا حَفْصُ بن عُمر الحَوْضِيُّ وسُليمانُ بن حربٍ، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيرٍ، عن زيدِ بنِ عُقبةَ الفَزارِيِّ، قال: سمِعتُ سمُرةَ بن جُندُبٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "المسائلُ كُدُوحٌ يَكْدحُ بها الرَّجُلُ وَجْههُ، فمن شاءَ أبْقَى على وَجْهِهِ، ومن شاءَ تركَ، إلّا أن يسألَ ذا سُلطانٍ، أو يَنزِلَ به أمر لا يجِدُ منهُ بُدًّا" (٣). ورواهُ الثَّورِيُّ (٤) وأبو عوانةَ (٥)، عن عبدِ الملكِ بنِ عُميرٍ، بإسنادِهِ مِثلهُ سَواءً.

стр. 6352

وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زَيدٍ، عن هارُون بنِ رئاب (٢)، قال: حدَّثنا كِنانةُ بن نُعَيم العَدَوِيُّ، عن قَبِيصةَ بنِ مُخَارِقٍ الهِلاليِّ، قال: تحمَّلتُ حَمالةً، فأتيتُ النَّبيَّ ﷺ ، فقال: "أقِمْ يا قَبِيصةُ حتَّى تأتِينا الصَّدقةُ، وآمُر لكَ بها". ثُمَّ قال: "يا قَبِيصةُ، إنَّ المسألةَ لا تحِلُّ (٣) إلّا لإحدَى ثَلاثٍ: رجُلٌ تَحمَّل بحَمالةٍ، فحلَّتْ لهُ المسألةُ، فسألَ حتَّى يُصِيبها، ثُمَّ يُمسِكُ، ورجُلٌ أصابَتهُ جائحةٌ، فاجتاحَتْ مالهُ، فحلَّتْ لهُ المسألةُ، فسألَ حتَّى يُصِيبَ قِوامًا من عَيْشٍ، أو سِدادًا (٤) من عَيْشٍ، ورجُلٌ أصابَتهُ فاقةٌ، حتَّى يقول ثلاثةٌ من ذوِي الحِجا (٥) من قَومِهِ: قد أصابَتْ فلانًا الفاقةُ، فحلَّتْ لهُ المسألةُ، فسأل حتَّى يُصِيبَ قِوامًا من عَيْشٍ،

стр. 6353

أو سِدادًا من عَيْشٍ، ثُمَّ يُمسِكُ، وما سِواهُنَّ من المسائلِ يا قَبِيصةُ سُحْتٌ، يأكُلُها صاحِبُها سُحتًا". قال أبو عُمر: هذا واضِحٌ في وُجُوهِ المسألةِ، مُغنٍ عن قولِ كلِّ قائلٍ، وباللّه التَّوفيقُ. والسِّدادُ في هذا الحديثِ، وما كان مِثلَهُ، بكسرِ السِّينِ، ومعناهُ: البُلْغةُ والكِفايةُ. وكذلك ما سُدَّ به الشيءَ يُقالُ لهُ أيضًا: سِدادٌ، بالكسرِ. قال العَرْجِيُّ (١)، وهُو من ولَدِ عُثمان بنِ عفّان: أضاعُوني وأيَّ فتًى أضاعُوا ... ليوم كرِيهةٍ وسِدادِ ثغرِ وأمّا السَّدادُ بالفتح، فهُو القصدُ. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ، قال: حدَّثنا عِيسَى بن يُونُسَ، عنِ الأخْضَرِ بنِ عَجْلانَ، عن أبي بكرٍ الحنفِيِّ، عن أَنَسِ بنِ مالكٍ: أنَّ رَجُلًا من الأنصارِ أتى النَّبيَّ ﷺ يَسْألُهُ، فقال: "أما في بيتِكَ شيءٌ؟ " قال: بلى، حِلْسٌ (٣) نلبسُ بعضهُ،

стр. 6354

ونبسُطُ بعضهُ، وقَعْبٌ (١) نشربُ فيه الماءَ. فقال: "ائتِني بهما". فأتاهُ بهما (٢)، فأخَذَهُما رسُولُ الله ﷺ بيدِهِ، وقال: "من يَشْترِي هذينِ؟ "، فقال رجُل: أنا آخُذُهُما بدِرهم. قال: "من يزِيدُ على دِرْهم؟ ". مرَّتينِ أو ثلاثًا، قال رجُل: أنا آخُذُهُما بدِرْهمينِ. فأعطاهُما إيّاهُ، وأخذ الدِّرهمينِ فأعطاهُما الأنْصارِيَّ، وقال: اشْترِ بأحَدِهِما طعامًا، فانبِذهُ إلى أهلِكَ، واشْترِ بالآخرِ قَدُومًا، وائتِني، فأتاهُ به، فشَدَّ فيه رسُولُ الله ﷺ عُودًا بيدِهِ، ثُمَّ قال لهُ: "اذهَبْ فاحْتَطِب وبِعْ، ولا أراكَ خَمْسةَ عشَرَ يومًا". فذهَبَ الرَّجُلُ يَحْتطِبُ ويبِيعُ، فجاءَ وقد أصابَ عَشَرةَ دراهِمَ، فاشْتَرَى ببعضِها ثوبًا، وببعضِها طَعامًا، فقال رسُولُ الله ﷺ : "هذا خيرٌ لكَ من أن تجِيءَ المسألةُ نُكْتةً في وجهِكَ يومَ القِيامَةِ، إنَّ المسألةَ لا تصلُحُ إلّا لثلاثٍ: لذي فقْرٍ مُدقِع، أو لذي غُرم مُفْظِع، أو لذي دَم مُوجِع". قال أبو عُمر: الدَّمُ المُوجِعُ: الحَمالةُ في دم الخطأ. والفقرُ المُدقِعُ: الذي أفْضَى بصاحِبه إلى الدَّقعاءِ، وهي التُّرابُ، كأنَّهُ ألصقَ ظهرهُ بالأرضِ من الفَقرِ، وهُو مِثلُ قولِ الله : ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]. وقد فسَّرنا معنى المِسْكِينِ والفَقِيرِ، فيما تقدَّمَ من حديثِ أبي الزِّنادِ، في كِتابِنا هذا والحمدُ للّه. أخبَرنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا نصرُ بن المُهاجِر، قال: حدَّثنا الضَّحّاكُ بن مَخْلَدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ

стр. 6355

عَبدِ المُؤمِنِ، عن غالِبٍ القطّانِ، عن بكرِ بنِ عبدِ الله المُزنيِّ، عن عُمرَ، قال: مَكْسَبةٌ فيها بعضُ الرِّيبةِ (١)، خيرٌ من مَسْألةِ النّاسِ (٢). هكذا قال: الرِّيبة (٣)، وإنَّما حفِظناهُ: "الدَّناءَةِ" (٤). ذكرَ العُقِيليُّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن سَهْلٍ، قال: أخبَرنا أبو عاصِم، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا غالِبٌ القطّانُ، عن بكرِ بنِ عبدِ الله المُزنيِّ، قال: قال عُمرُ بن الخطّابِ: مَكْسبةٌ فيها بعضُ الدَّناءَةِ، خيرٌ من مَسْألةِ النّاسِ. قال العُقِيليُّ: عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ المُؤمِنِ هذا، هُو عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ المُؤمِنِ بنِ فيرُوزٍ المعولِيُّ (٥) الرّاميُّ (٦)، بصرِيٌّ ثِقةٌ. وقال أبو حاتِم الرّازِيُّ (٧): سمِعتُ الحسن بن الرَّبِيع يقولُ: قال لي ابنُ المُباركِ: ما حِرفتُكَ؟ قلتُ: أنا بُورانِيٌّ، قال: ما بُورانِيٌّ؟ قلتُ: لي غِلمانٌ يَصْنعُونَ البَوارِيَّ (٨)، قال: لو لم تَكُن لك صناعةٌ (٩)، ما صَحِبتَني. وقال أيُّوبُ السَّختِيانيُّ: قال لي أبو قِلابةَ: يا أيُّوبُ، الزَمْ سُوقكَ، فإنَّ الغِنَى من العافِيةِ (١٠).

стр. 6356

حديثٌ خامسُ ثلاثينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "والذي نَفْسِي بيدِهِ، لقد هَمَمتُ أن آمُرَ بحَطَبٍ فيُحطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بالصَّلاةِ فيُؤَذَّنَ لها، ثُمَّ آمُرَ رجُلًا فيؤُمَّ النّاسَ، ثُمَّ أُخالِفَ إلى رِجالٍ فأُحرِّقَ عليهِم بُيُوتَهُم. والذي نَفْسِي بيدِهِ، لو يَعْلمُ أحدُهُم أَنَّهُ يجِدُ عَظْمًا سمِينًا، أو مِرْماتينِ حَسَنتينِ، لشهِدَ العِشاءَ". رُوِيَ هذا الحديثُ عن أبي هريرةَ من وُجُوهٍ، رواهُ أبو صالح (٢)، ويزِيدُ بن الأصمِّ (٣)، والأعْرَجُ، وغيرُهُم. قولُهُ: "لقد همَمْتُ أن آمُرَ بحَطَبٍ فيُحطَبَ". أي: يُجمعَ. وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: مَعرِفةُ يمِينِ رسُولِ الله ﷺ ، وأنَّهُ كان يحلِفُ على ما يُرِيدُ باللّه، وفي ذلك ردٌّ لقولِ مَن قال: لا يُحلَفُ باللّه صادِقًا ولا كاذِبًا. وفي قولِهِ ﵇: "من كان حالِفًا فليَحْلِفْ باللّه" (٤) كِفاية. وكان ﷺ يحلِفُ

стр. 6357

كثِيرًا باللّه، ثُمَّ إنْ رأى ما هُو خيرٌ مِمّا حَلَفَ عليه حنَّثَ نفسَهُ وكفَّرَ، وفيه الأُسوةُ الحَسَنةُ. وسيأتي هذا المعنى مُبيَّنًا في بابِ سهَيلٍ، من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله. وفي هذا الحديثِ أيضًا: أنَّ الصلواتِ يُؤَذَّنُ لها. وفيه أيضًا: إجازَةُ إمامةِ المفضُولِ، بحَضْرةِ الفاضِلِ. وفيه: إباحَةُ عُقُوبةِ مَن تأخَّرَ عن شُهُودِ الجماعةِ لغيرِ عُذرٍ، ولم يَكُنْ يَتَخلَّفُ عن رسُولِ الله ﷺ في الصَّلاةِ إلّا مُنافِقٌ، أو مَن لهُ عُذرٌ بيِّنٌ. وقدِ اسْتَدلَّت به طائفةٌ، على أنَّ العُقُوبةَ قد تكونُ في المالِ، وجائزٌ أن يكونَ رسُولُ الله ﷺ يُعاقِبُ بما ذَكَرَ في هذا الحديثِ، وجائزٌ أن لا يفعلَ؛ لأنَّ ترْكَ إنفاذِ الوَعِيدِ عَفوٌ، وليس بخُلفٍ ولا كذِب، وإنَّما الكَذِبُ: ما أثِمَ فيه المرءُ، وعَصىَ ربَّهُ، فجائزٌ مِثلُ هذا القولِ، تأدِيبًا للنّاسِ، ثُمَّ الخِيارُ بعدُ في إنفاذِهِ. واستدلَّ به داودُ وأصحابُهُ، على أنَّ الصَّلاةَ في الجَماعةِ فرضٌ على كلِّ أحَدٍ في خاصَّتِهِ، كالجُمُعةِ، وأنَّها لا تُجزِئُ المُنفرِدَ، إلّا أن يُصلِّيَها في المسجِدِ معَ الجَماعةِ، أو يُصلِّيَها بَعْدَ أن يَفرُغَ الجماعةُ في المسجِدِ مِنها، كقولِنا في الجُمُعةِ سَواءً. واحتُجَّ بقولِهِ ﷺ : "لا صلاةَ لجارِ المسجِدِ إلّا في المَسْجِدِ" (١). وهذا عِندَنا محمُولٌ على الكمالِ في الفَضْلِ، كما قال: "لا دِينَ لمن لا أمانةَ لهُ" (٢). وقال: "لا يزني الزّاني حِينَ يَزْني وهُو مُؤمِنٌ" ((٣). أي: مُستكمِلٌ الإيمانَ.

стр. 6358

واحتجَّ أيضًا بحديثٍ عِتْبان بنِ مالكٍ وعَمرِو ابن أُمِّ مَكتُوم، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال لهما، أو لأحَدِهِما: "هل تَسْمعُ النِّداءَ؟ "، قال: نعَمْ، قال: "ما أجِدُ لكَ رُخْصةً" (١). وهذا محمُولٌ عِندَنا على الجُمُعةِ. واحتجَّ بحديثِ هذا البابِ قولِه: "لقد هَمَمتُ أن آمُرَ بحطَبٍ فيُحطَبَ ... " الحديثَ. قال: ومُحالٌ أن يُحرِقَ رسُولُ الله ﷺ بُيُوتَ قوم، إلّا على تَركِ الواجِبِ. وهذا عِندَنا على أنَّ شُهُودَ الجَماعةِ من السُّننِ المُؤَكَّدةِ، التي تجِبُ عُقُوبةُ مَن أدمنَ التَّخلُّفَ عنها من غَيرِ عُذْرٍ. وقد أوجَبَها جَماعةٌ من أهلِ العِلم، فرضًا على الكِفايةِ. وهُو قولٌ حسنٌ صحِيحٌ، لإجماعِهِم على أنَّهُ لا يجُوزُ أن يُجتمَعَ على تَعطِيلِ المساجِدِ كلِّها من الجماعاتِ، فإذا قامَتِ الجماعةُ في المسجِدِ، فصلاةُ المُنفرِدِ في بيتهِ جائزةٌ، لقولِهِ ﷺ : "صلاةُ الجماعةِ تَفضلُ صلاةَ الفذِّ بخَمسٍ وعِشرِينَ دَرجةً" (٢). ففي هذا الحديثِ جوازُ صلاةِ المُنفرِدِ، والخبرُ بأنَّ صلاةَ الجماعةِ أفْضَلُ، وقد قال ﷺ : "إذا وجدَ أحدُهُمُ الغائطَ، فليَبْدأْ به قبلَ الصَّلاةِ" (٣). وقال: "إذا حَضَرتِ الصَّلاةُ والعَشاءُ، فابدؤُوا بالعَشاءِ" (٤). وقال: "ألا صَلُّوا في الرِّحالِ" (٥)، في المطَرِ.

стр. 6359

وهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على أنَّ الجماعةَ ليست بفرِيضةٍ، وإنَّما هِي فضِيلةٌ، وقد ذكَرْنا هذه الآثارَ بأسانِيدِها في غيرِ موضِع من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله. وقد قِيل: إنَّ معنى حديثِ هذا البابِ، إنَّما هُو في الجُمُعةِ لا في غيرِها من الصَّلواتِ الخمسِ في الجماعةِ. واستدلَّ القائلونَ بذلك، بما رواهُ معمرٌ وغيرُهُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ الله بنِ مسعُودٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لقد هممتُ أن آمُرَ رجُلًا يُصلِّي بالنّاسِ، ثُمَّ أنطلِقَ فأُحرِّقَ على قَوم بُيُوتَهُم، لا يشهدُونَ الجُمُعةَ" (١). وقد جاءَ عنِ ابنِ مسعُودٍ في الصَّلواتِ الخمسِ غيرُ هذا، وترتِيبُ الآثارِ عنهُ في ذلك على فرْضِ الجُمُعةِ، وتأكِيدِ فضلِ الجَماعةِ، واللهُ أعلمُ. ويحتمِلُ أن يكونَ حديثُ ابنِ مسعُودٍ، مُفسِّرًا لحديثِ أبي هريرةَ، حديثِ هذا البابِ، فيكونَ قولُهُ في حديثِ هذا البابِ: "ثُمَّ آمُرَ بالصَّلاةِ فيُؤَذَّنَ لها". أي: صلاةِ الجُمُعةِ. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٢): حدَّثنا الفَضْلُ بن دُكَينٍ، عن زُهَيرٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ سمِعهُ منهُ، عن عبدِ الله، أنَّ النَّبيَّ ﷺ

стр. 6360

قال: لقوم (١) يتخلَّفُونَ عنِ الجُمُعةِ: "لقد هَممتُ أن امُرَ رجُلًا يُصلِّي بالنّاسِ، ثُمَّ أُحرِّق على قوم يَتخلَّفُونَ عنِ الجُمُعةِ بُيُوتهم". وهذا بيِّنٌ في الجُمُعةِ. وأمّا التَّأكِيدُ في النَّدبِ إلى الجماعاتِ في الصَّلواتِ الخَمسِ؛ فأخبَرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): أخبَرنا سُوَيدُ بن نصرٍ، قال: أخبَرنا عبدُ الله بن المُباركِ، عنِ المسعُودِيِّ، عن عليِّ بنِ الأقمرِ، عن أبي الأحْوَصِ، عن عبدِ الله، أنَّهُ كان يقولُ: من سرَّهُ أن يَلْقَى اللهَ غدًا مُسلِمًا، فليُحافِظْ على هؤلاءِ الصَّلواتِ الخَمْسِ حَيْثُ يُنادَى بهنَّ، فإنَّ اللهَ شرَعَ لنبيِّهِ ﷺ سُنَنَ الهُدى، وإنَّهُنَّ من سُنَنِ الهُدَى، وإنِّي لا أحسبُ مِنكُم أحدًا إَلّا لَهُ مَسْجِدٌ يُصلِّي فيه في بيتهِ، فلو صَلَّيتُم في بُيُوتِكُم، وتَرَكتُم مَساجِدكُم، تركتُم سُنّةَ نبِيِّكُم، ولو تَركتُم سُنّةَ نبِيَكم لضَلَلتُم. وذكر تمامَ الحديثِ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا هارُونُ بن عبّادٍ الأزْدِيُّ، قال: حدَّثنا وكِيعٌ، عنِ المسعُودِيِّ. فذَكَرهُ بإسنادِهِ مِثلهُ. وأخبَرنا سعِيدُ بن نَصْرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الله العَبْسِيُّ الكُوفيُّ، قال: حدَّثنا جَعفرُ بن عَوْنٍ، عن إبراهيمَ الهَجَرِيِّ، عن أبي الأحْوَصِ، عن عبدِ الله، قال: عليكُم بالصَّلواتِ

стр. 6361

الخَمْسِ حيثُ يُنادى بهنَّ، فإنَّها من سُنَّةِ نبِيِّكُم، ولو تركتُم سُنّةَ نبِيِّكُم لضللتُم، ولقد عَهِدتُنا وإنَّ الرَّجُل ليُهادَى بين الرَّجُلينِ، حتَّى يُقامَ في الصَّفِّ، ولقد رأيتُنا وما يَتَخلَّفُ عنها إلّا مُنافِقٌ مَعلُومٌ نِفاقُهُ (١). فقد صرَّحت هذه الآثارُ عنِ ابنِ مسعُودٍ، بأنَّ شُهُودَ الجماعةِ سُنَّةٌ، ومن تَدبَّرها علِمَ أنَّها واجِبةٌ على الكِفايةِ، واللهُ أعلمُ. وعبدُ الله بن مَسْعُودٍ أحدُ الذين روَوْا عنِ النَّبيِّ ﷺ : "فضلُ الجميع (٢) على صلاةِ الفذِّ خمسٌ وعِشرُونَ دَرَجةً" (٣). حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا أحمدُ بن يُوُنس، قال: حدَّثنا زائدةُ، قال: حدَّثنا السّائبُ بن حُبَيشٍ، عن مَعْدانَ بنِ أبي طَلْحةَ اليَعْمُرِيِّ، عن أبي الدَّرداءِ، قال: سمِعتُ رسُول الله ﷺ يقولُ: "ما من ثلاثةٍ في قَرْيةٍ ولا بدوٍ لا تُقامُ فيهمُ الصَّلاةُ، إلّا قدِ اسْتَحوذَ عليهمُ الشَّيطانُ، فعليكَ بالجَماعةِ، فإنَّما يأكُلُ الذِّئبُ القاصِيةَ". قال زائدةُ: قال السّائبُ: يعني (٥): الجماعةَ.

стр. 6362

ورَواهُ ابنُ المُباركِ (١)، عن زائدةَ بإسنادِهِ مِثلهُ سواءً. وقال: زائدةُ: قال السّائبُ: يعني بالجماعةِ، الصَّلاةَ في الجماعةِ. وأمّا قولُهُ: "والذي نفسِي بيد، لو يعلمُ أنَّهُ يجِدُ عظمًا سَمِينًا، أو مِرماتَينِ حَسَنتينِ، لشهِدَ العِشاءَ". فهذا تَوْبِيخٌ منهُ لمن تأخَّر عن شُهُودِ العِشاءِ مَعهُ، وتَقْرِيعٌ وذمٌّ صَرِيحٌ، وعيبٌ (٢) صحِيحٌ، إذ أضافَ إليهم أنَّ أحدَهُم لو علِمَ أَنَّهُ يجِدُ من الدُّنيا العَرَض القليل، والتّافِهَ الحقِير، والنَّزرَ اليَسِير في المسجِدِ، لقَصَدهُ من أجلِ ذلك، وهُو يَتَخلَّفُ عنِ الصَّلاةِ فيه (٣)، ولها من الأجرِ العَظِيم، والثَّوابِ الجَسِيم ما لا خَفاءَ به على مُؤمِنٍ، والحمدُ لله، وكَفَى بهذا توبِيخًا في أثرَةِ الطَّعام واللعب على شُهُودِ الصَّلاةِ في جماعةٍ (٤). وهذا منهُ ﷺ إنَّما كان قصدًا إلى المُنافِقِينَ، وإشارةً إليهم، ألا ترى إلى قولِ ابنِ مسعُودٍ: ولقد رأيتُنا في ذلك الوَقْتِ، وما يتأخَّرُ عنها إلّا مُنافِقٌ مَعلُومٌ نِفاقُهُ؟ وما أظُنُّ أحدًا من أصحابه، الذين هُم أصحابُهُ حقًّا، كان يتخلَّفُ عنهُ، إلّا لعُذرٍ بيِّنٍ، هذا ما لا يشُكُّ فيه مُسلِم إن شاءَ الله. وضرَبَ رسُولُ الله ﷺ بالعَظْم السَّمِينِ، يُرِيدُ بُضْعةَ اللَّحم السَّمِينِ على عَظْمةٍ، المثلَ في التَّفاهةِ، كما قال : ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ يُرِيدُ الشَّيءَ الكثِير، لم يُرِدِ القِنطارَ بعينِهِ. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾ يُرِيدُ الشَّيءَ الحقِيرَ القليل، ولم يُرِدِ الدِّينارَ بعينِهِ. ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥].

стр. 6363

وأمّا "المِرماتانِ" فقِيل: هُما السَّهمانِ. وقِيل: هُما حَدِيدتانِ من حَدائدَ، كانوا يلعبُونَ بها، وهي مُلسٌ كالأسِنَّةِ، كانوا يُثبِّتُونها في الأكوام والأغراضِ (١). ويُقالُ لها، فيما زعمَ بعضُهُم: المداحي (٢). وقال أبو عُبَيدٍ (٣): يُقالُ: إنَّ المِرماةَ، ما بينَ ظِلْفيِ الشّاةِ. قال: وهذا حرفٌ لا أدرِي ما وجهُهُ، إلّا أنَّ هذا تفسِيرُهُ. ويُروى: المِرماتينِ بكسرِ المِيم وبفتحِها، واحِدُها مِرماةٌ، مِثل مِدْحاةٍ. ذكر ذلك الأخفشُ وغيرُهُ.

стр. 6364

حديثٌ سادسُ ثلاثينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "والذي نَفْسِي بيد، لَوَدِدتُ أنِّي أُقاتِلُ في سبِيلِ الله فأُقتَلُ، ثُمَّ أحيا فأُقتَلُ، ثُمَّ أحيا فأُقتَلُ فكان أبو هريرةَ يقولُ ثلاثًا: أشهدُ لله". في هذا الحديثِ إباحةُ اليمِينِ بالله على كلِّ ما يعتقِدُهُ المرءُ (٢) مِمّا يُحتاجُ فيه إلى يمِينٍ، ومِمّا لا يُحتاجُ إليها، ليس بذلك بأسٌ على كلِّ حالٍ، بدليلِ هذا الحديثِ؛ لأنَّ في اليمِينِ بالله توحِيدًا وتَعْظِيمًا، وإنَّما يُكرهُ الحِنْثُ والاستِخفافُ. وفيه إباحةُ تمنِّي الخيرِ والفَضْلِ من رحمةِ الله بما يُمكِنُ، وما لا يُمكِنُ. وهذا الحديثُ إنَّما مَعناهُ الذي من أجلِهِ خرجَ فضلُ الجِهادِ، وفضلُ القَتْلِ في سبِيلِ الله، وفَضْلُ الشَّهادةِ، وقد عَلِمنا أنَّ ذلك لا يُحِيطُ به كِتابٌ، فكيفَ أن يُجمع في بابٍ، والله المُوفِّقُ للصَّوابِ.

стр. 6365

حديثٌ سابعُ ثلاثينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "تَكفَّلَ اللهُ لمن جاهدَ في سَبِيلِهِ، لا يُخرِجُهُ من بيتِهِ إلّا الجِهادُ في سَبِيلِهِ، وتَصدِيقُ كلِماتِهِ، أن يُدخِلهُ الجنّةَ، أو يرُدَّهُ إلى مَسْكنِهِ الذي خرجَ منهُ، مع ما نالَ من أجْرٍ أو غَنِيمةٍ". وفي هذا الحديثِ أيضًا أصلٌ عَظِيمٌ، وفضلٌ جسِيمٌ للمُجاهِدِ في سبِيلِ الله. وفيه: دليلٌ على أنَّ الأعمالَ لا يَزْكُو مِنها إلّا ما (٢) صَحِبتهُ النِّيَّةُ والإخلاصُ لله ، والإيمانُ به. وفي هذا الحديث: دليلٌ على أنَّ الغَنِيمةَ لا تُنقِصُ من أجرِ المُجاهِدِ شيئًا، وأنَّ المُجاهِد وافِرُ الأجْرِ، غنِمَ أو لم يَغْنم. ويَعضُدُ هذا ويَشْهدُ لهُ، ما اجتمَعَ على نقلِهِ أهلُ السِّيرِ والعِلم بالأثرِ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ ضرَبَ لعُثمانَ، وطَلْحةَ، وسَعِيدِ بنِ زيدٍ بأسْهُمِهِم يومَ بَدْرٍ، وهُم غيرُ حاضِرِي القِتالِ، فقال كلُّ واحِدٍ منهُم: وأجْرِي يا رسُولَ الله، قال: "وأجْرُكَ" (٣). وأجمعُوا أنَّ تحليلَ الغنائم لهذه الأُمَّةِ من فضائلِها. وقال رسُولُ الله ﷺ : "لم تحِلَّ الغَنائمُ لقوم سُودِ الرُّؤُوسِ قبلَكُم" (٤).

стр. 6366

وقال ﷺ : "فُضِّلتُ بخِصالٍ ... " وذكر مِنها: "وأُحِلَّت لي الغَنائمُ" (١). ولو كانت تُحبِطُ الأجرَ أو تُنقِصُهُ، ما كانت فضِيلةً لهُ. وقد ظنَّ قومٌ أنَّ الغَنِيمةَ تُنقِصُ من أجرِ الغانِمِينَ، لحديثٍ رَوَوهُ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "ما من سَرِيَّةٍ أسْرَتْ فأخْفَقَتْ، إلّا كُتِبَ لها أجْرُها مرَّتينِ" (٢). قالوا: وفي هذا الحديثِ ما يدُلُّ على أنَّ العسكرَ إذا لم يغنمْ كان أعظمَ لأجرِهِ، واللهُ أعلمُ. واحْتَجُّوا أيضًا بما حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامَةَ، قال: حدَّثنا أبو عَبدِ الرَّحمنِ المُقرِئُ، قال: حدَّثنا حَيْوةُ، عن أبي هانِئٍ حُميدِ بنِ هانِئٍ الخَوْلانيِّ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ الحُبُلِيِّ، عن عبدِ الله بنِ عَمرِو بنِ العاصِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "ما من غازِيةٍ تَغزُو في سبِيلِ الله، فتُصِيبُ غَنِيمةً، إلّا تَعجَّلوا ثُلُثَي أجْرِهِم من الآخِرةِ، وَيبْقَى لهمُ الثُّلُثُ، فإن لم يُصِيبُوا غَنِيمةً، تمَّ لهم أجرُهُم" (٣). وهذا إنَّما فيه تعجِيلُ بعضِ الأجرِ، مع التَّسوِيةِ فيه للغانِم وغيرِ الغانِم، إلّا أنَّ الغانِمَ عُجِّلَ لهُ ثُلُثا أجرِهِ، وهُما مُسْتوِيانِ في جُملتِهِ، وقد عوَّضَ اللهُ من لم يَغْنمَ في الآخِرةِ، بمِقدارِ ما فاتَهُ من الغَنِيمةِ، واللهُ يُضاعِفُ لمن يَشاءُ، وهُو أفضلُ من رُجِيَ وتُوُكِّل عليه، لا إله إلّا هُو.

стр. 6367

حديثٌ ثامنُ ثلاثينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "يَضْحكُ اللهُ إلى رَجُلينِ، يَقتُلُ أحدُهُما الآخرَ، كِلاهُما يَدخُلُ الجنّةَ، يُقاتِلُ هذا في سبِيلِ الله فيُقتلُ، ثُمَّ يتُوبُ اللهُ على القاتِلِ، فيُقاتِلُ فيُسْتَشهدُ". معنَى هذا الحديثِ عِندَ جماعةِ أهلِ العِلم، أنَّ القاتِلَ الأوَّل كان كافِرًا، وتَوْبتُهُ المذكُورةُ في هذا الحديثِ إسلامُهُ. قال اللهُ : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وفي هذا الحديثِ دَليلٌ على أنَّ كلَّ من قُتِلَ في سبِيلِ الله، فهُو في الجنّةِ لا محَالةَ إن شاءَ الله. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، عن أبي العَجْفاءِ، عن عمرَ بنِ الخطابِ، فذكر حديثًا سَمِعهُ يقولُ: قال: وأُخرى تقُولُونها، يعني في مَغازِيكُم هذه لمن قُتِلَ: قُتِلَ فُلانٌ شهِيدًا، وماتَ فُلانٌ شهِيدًا، ولعلَّهُ أن يكون قَد أوقَرَ دَفَّتي راحِلتِهِ ذهبًا، أو وَرِقًا (٢) يَبْتغِي الدُّنيا، أو قال: التِّجارةَ، فلا تقُولوا ذاكُم، ولكنْ قُولوا كما قال النَّبيُّ ﵇: "من (٣) قُتِلَ في سبِيلِ الله أو ماتَ، فهُو في الجنّةِ" (٤).

стр. 6368

وكذلك الآثارُ المُتَقدِّمةُ كلُّها تدُلُّ على ذلك، والله أعلمُ، وذلك على قَدرِ النِّيّاتِ. وكلُّ من قاتلَ لتكون كلِمةُ الله هي (١) العُليا، وكلِمةُ الذينَ كفرُوا السُّفْلَى، فهُو في الجنّةِ إن شاءَ الله. وأمّا قولُهُ: "يَضْحكُ اللهُ". فمَعناهُ يَرْحمُ اللهُ عَبدهُ عندَ ذاك، وَيتَلقّاهُ بالرَّوح والرّاحةِ والرَّحمةِ والرَّأفةِ، وهذا مجازٌ مفهُومٌ. وقد قال اللهُ في السّابِقِين الأوَّلِين، والتّابِعِين لهم بإحسانٍ: ﴿﵃﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقال في المُجرِمِين: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]. وأهلُ العِلم يكرهُونَ الخَوْضَ في مِثلِ هذا وشِبهِهِ من التَّشبِيهِ، كلِّهِ في الرِّضا والغَضَبِ، وما كان مِثلُهُ من صِفاتِ المخلُوقِينَ، وبالله العِصْمةُ والتَّوفيقُ.

стр. 6369

حديثٌ تاسعُ ثلاثينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "أترونَ قِبْلتِي هاهُنا؟ فوالله ما يَخفَى عليَّ خُشُوعُكُم، ولا رُكوعُكُم، إنِّي لأراكُم من وراءِ ظَهْرِي". هذا (٢) كما قال ﷺ ، ولا سبِيلَ إلى كيفيةِ ذلك، وهُو عَلَم من أعلام نُبُوَّتِهِ ﷺ . أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدِ بنِ عبدِ المُؤمِنِ، قال: أخبَرنا عبدُ الحمِيدِ بن أحمدَ بنِ عيسى الورّاقُ، قال: أخبَرنا الخَضِرُ بن داود، قال: أخبَرنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: قلتُ لأبي عبدِ الله، يعني أحمدَ بن حنبلٍ ﵀: قول النَّبيِّ ﷺ : "إنِّي لأراكُم (٣) من وَراءِ ظَهْرِي". فقال: كان يَرَى من خَلْفِهِ، كما يَرَى من بينِ يَديهِ، قلتُ لهُ: إنَّ إنسانًا قال لي: هُو في ذلك مِثلُ غيرِهِ، وإنَّما كان يَراهُم كما ينظُرُ الإمامُ من عن يَمِينِهِ وشِمالِهِ. فأنكرَ ذلك إنكارًا شدِيدًا (٤). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ (٥) بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن داود وحُميدٍ، وابنِ أبي نَجِيح، عن مُجاهِدٍ، في قولِهِ: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩]. قال: كان النَّبيُّ ﷺ يَرَى من خلفِهِ في الصَّلاةِ، كما يَرَى من بينِ يَديهِ (٦).

стр. 6370

قال: وحدَّثنا موسى وأبو بكرٍ، قالا: حدَّثنا وكِيعٌ، عن سُفيانَ، عن لَيْثٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: كان يَرَى من خَلْفِهِ، كما يَرَى من أمامِهِ (١). قال: وحدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا وكِيعٌ، عن سُفيان، عن أبيهِ، عن عِكْرِمةَ ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال: رُكُوعَهُ وسُجُودَهُ (٢). وقال مَعمرٌ، عن قتادةَ: ﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾: في المُصلِّينَ (٣). قال: وقال عِكرِمةُ: قائمًا، وراكِعًا، وساجِدًّا، وجالِسًا (٤). وذكرَ سُنيدٌ، قال: حدَّثنا حجّاجٌ، عنِ ابنِ أبي ذِئبٍ، عن عَجْلانَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "والذي نَفْسي بيد، إنِّي لأنْظُرُ إلى من وَرائي كما أنظر إلى من بينَ يَدَيَّ، فسوُّوا صُفُوفكُم، وأحسِنوا رُكُوعَكُم وسُجُودَكُم" (٥).

стр. 6371

حديثٌ مُوَفِّي أربعينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا قال أحدُكُم آمِينَ، قالتِ الملائكةُ في السَّماءِ آمِينَ، فوافقَتْ إحداهُما الأُخْرَى، غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ من ذَنْبه". قد مَضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ، في بابِ ابنِ شِهابٍ، فلا معنى لإعادَتِهِ هاهُنا، والحمدُ لله. وقد جاءَ عن عِكْرِمةَ ما هُو تَفسِيرٌ لحديثِ أبي الزِّنادِ هذا، وما كان مِثلُهُ. ذكرَ سُنيدٌ، عن حَجّاج، عنِ ابنِ جُرَيج، قال: أخبرني الحَكَمُ بنُ أبانَ، أنَّهُ سمِعَ عِكرِمةَ يقولُ: إذا أُقِيمتِ الصَّلاةُ، فصُفَّ أهلُ الأرضِ، صُفَّ أهلُ السَّماءِ، فإذا قال قارِئُ (٢) الأرضِ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قالتِ الملائكةُ: آمِينَ. فإذا وافقَتْ آمِينَ أهلِ الأرضِ، آمِينَ أهلِ السَّماءِ، غُفِرَ لأهلِ الأرضِ ما تقدَّمَ من ذُنُوبهم (٣) (٤).

стр. 6372

حديثٌ حادي أربعين لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يُمنَعُ فَضْلُ الماءِ، ليُمنع به الكَلأُ". قد مَضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ مبسُوطًا مُمهَّدًا، في بابِ أبي الرِّجالِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ من كِتابِنا هذا، عِندَ قولِ رسُولِ الله ﷺ : "لا يُمنَعُ نَقعُ بئرٍ" (٢). وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ النّاسَ شركاءُ في الكلأ. وهُو في معنى الحديثِ الآخرِ: "النّاسُ شُركاءُ في الماءِ، والنّارِ، والكلأ" (٣). إلّا أنَّ مالكًا ﵀، ذهَبَ إلى أنَّ ذلك في كلأ الفَلَواتِ والصَّحارِي، وما لا تمُلَكُ رَقبةُ الأرضِ فيه، وجعلَ الرَّجُلَ أحقَّ بكلأ أرضِهِ، إن أحبَّ المنعَ منهُ، فإنَّ ذلك لهُ (٤). وغيرُهُ يقولُ: الكلأُ حيثُ كان (٥)، غيرُ مملُوكٍ، ومن سبقَ إليه بالقَطْع، كان لهُ، في أرضٍ مملُوكةٍ أو غيرِ مملُوكةٍ.

стр. 6373

قال أبو عُمر: لمّا نُهِي الرَّجُلُ عن مَنع فَضْلِ ماءٍ قد حازَهُ بالاحتِفارِ، لئَلّا يمنَعَ ما ليسَ لهُ منعُهُ، دلَّ على أنَّ ذلك، واللهُ أعلمُ، كما قال مالكٌ: أَنَّهُ فيما لا يُملَكُ من الفَلَواتِ، وأنَّ ذلك الماءَ، ماءُ الآبارِ المُحتَفرةِ هُناكَ (١)، لسَقيِ المواشِي في أرْضٍ غيرِ مملُوكةٍ من المَواتِ، دُونَ الفَلَواتِ، فيكونُ لحافِرِ البِئرِ هُناكَ حقُّ التَّبدِئَةِ، ولا يَمنعُ فضلَ ذلك الماءِ؛ لأنَّ في مَنعِهِ ذلك، حِمَى ما ليسَ يملِكُهُ من الكلأ هُنالِك. وقد مَضَى ما للعُلماءِ في هذا المعنى، في بابِ أبي الرِّجالِ، والحمدُ لله (٢). وقد ذكرَ عبدُ الملكِ بن حبِيبٍ (٣)، عمَّن لَقِي من أصحابِ مالكٍ، أنَّ تأوِيلَ قولِهِ ﷺ : "لا يُمنَعُ نَقْعُ بئرٍ" (٤). وتأوِيلُ الحديثِ الآخَرِ: "لا يُمنَعُ رَهْوُ بئرٍ" (٥). وقولُهُ ﷺ : "لا يُمنَعُ فضلُ الماءِ، ليُمنَعَ به الكلأُ". معنى هذه الثَّلاثةِ الأحادِيثِ واحِدٌ. قال: فأمّا تأوِيلُ قولِهِ ﷺ : "لا يُمنَعُ نقعُ بئرٍ". فهُو أن يحتفِرَ الرَّجُلُ البِئرَ في الفلاةِ من الأرضِ، التي ليسَتْ مِلكًا لأحَدٍ، وإنَّما هي مرعَى للمَواشي، فيُرِيدُ أن يَمنَعَ ماشِيةَ غيرِهِ أن تُسْقَى بماءِ تلك البِئرِ. قال: وفيها قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يُمنَعُ فضلُ الماءِ، ليُمنَع به الكَلأُ". قال: يقولُ: إذا منعَ حافِرُ تلك البِئرِ، فضلَ مائها، بعدَ رِيِّ ماشِيتِهِ (٦)، فقد منَعَ الكَلأَ الذي حولَ البِئرِ، لأنَّ أحَدًا لا يرعَى حيثُ لا يكونُ لماشِيتِهِ ماءٌ تَشْربُهُ.

стр. 6374

قال: ويجِبُ على حافِرِ البِئرِ، ألّا يمنع من لهُ ماشِيةٌ ترعى في ذلك الكلأ والفَلاةِ أن يَسْقُوا ماشِيتهُم من فضلِ ماءِ تِلك البِئرِ، التي انفردَ بحفرِها دُونهُم. قال: ويُجبَرُ على ذلك، وإن لم يكونُوا أعانُوهُ على حَفرِ تلك البِئرِ، إلّا أنَّهُ المبدأُ بسَقْيِ ماشيتِهِ، لأنَّ رسُولَ الله ﷺ جَعلَهُ المبدأَ في ذلك الماءِ أن يَسْقِي ماشِيتهُ قبلَ غير، ولا يَمْنع فَضْلَهُ غيرَهُ. قال: وذُرِّيَّتُهُ، وذُرِّيَّةُ ذُرِّيَّتِهِ على مِثلِ حالِهِ، في تَقدِيمِهِم على غيرِهِم، ولا بيعَ لهم في ذلك ولا مِيراثَ، إلّا التَّبْدِيةُ بالانتِفاع في مائها. قال: وأمّا الرَّجُلُ يحتفِرُ في أرضِ نَفسِهِ ومِلكِهِ بئرًا، فلهُ أن يمنعَ ماءَها أوَّله وآخِرهُ، ولا حقَّ لأحَدٍ فيها مَعهُ، إلّا أن يَتطوَّعَ. كذلك فسَّر لي في جميع ذلك من لقِيتُ من أصحابِ مالكٍ. قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ: إنَّ معنَى حديثِ النَّبيِّ ﷺ : "لا يُمنَعُ نَقْعُ بئرٍ"، وحديثهِ الآخر: "لا يُمنَعُ فَضلُ الماءِ، ليُمنع به الكلأُ". تأوِيلُهُما ومَعناهُما واحِدٌ. فهُو نحو ما قال. ولكِنَّ قولَهُ ﷺ : "لا يُمنَعُ فَضْلُ الماءِ ليُمنَع به الكلأُ". لم يختَلِف قولُ مالكٍ أنَّها آبارُ الماشِيةِ في الفَلَواتِ ومَواضِع الكلأ. قال: لأنَّهُ إذا منعَ فضلَ ماءِ بئرِ الماشِيةِ، لم يَسْتطِع أحدٌ أن يَرْعَى في الكَلأ بغيرِ ماءٍ يَسْقِي به ماشِيتهُ، ولو منعَ من فضلِ ذلك الماءِ، مَنَع فضلَ الكلأِ الذي حَوْلهُ. قال مالكٌ: ولا أرَى أن يحِلَّ بيعُ ماءِ بئرِ الماشِيةِ (١). قال: وأمّا بئرُ الزَّرع، فلا بأسَ ببيع مائها. وقال في بئرِ الزَّرع وبِئرِ النَّخلِ: إنَّهُ لا يُكرَهُ ربُّها على أن يَسْقِيَ فضلَ مائه (٢) غيرَهُ، وإنَّهُ لحَسَنٌ أن يفعلَ، إلّا إن

стр. 6375

تغور (١) بئرُ جارِهِ، فهُو يُكرَهُ على أن يَسْقِيهُ فضل مائهِ، لئَلّا يهلك زَرْعُهُ ونخلهُ، حتَّى يُصلِحَ بئرهُ (٢). قال ابنُ وَهْب: وسمِعتُ مالكًا وسُئلَ عن تَفسِيرِ قولِ النَّبيِّ ﷺ : "لا يُمنَعُ نقعُ بئرٍ". فقال مالكٌ: بئرُ الرَّجُلِ تَنهارُ، فيَقِلُّ ماؤُها، فلا يَمْنعُهُ جارُهُ أن يَسْقِيَ أرضَهُ من بئرِهِ، حتَّى يُصلِحَ بئرهُ. وقال: هذا تَفسِيرُهُ في رأيِي. قال: وسُئلَ مالكٌ عن قولِ النَّبيِّ ﷺ : "لا يُمنَعُ فضلُ الماءِ، ليُمنع به الكلأُ". فقال مالكٌ: يكونُ الكلأُ بالموضِع، ويكونُ فيه الماءُ للرَّجُلِ، فيأتي آخرُ بغَنمِهِ ليرعَى في ذلك الكلأ، فيمنعُهُ ذلك أن يَسْقِيَ من مائهِ. قال: ولو قدرَ النّاسُ على هذا، لحَمَوْا بلادَهُم، ولم يَدَعُوا أحدًا يَدخُلُ عَليهِم في الكَلأ (٣). وقد تقدَّمَ القَولُ في معنَى ذلك كلِّهِ، بما لفُقهاءِ الأمْصارِ فيه من المذاهِبِ والأقوالِ، والاعتِلالِ والاعتِبارِ، في بابِ أبي الرِّجالِ، من كِتابِنا هذا، فمن تأمَّلهُ هناكَ، اكتفَى به إن شاءَ الله. قال ابنُ وَهْب: قال مالكٌ: لا تُباعُ مِياهُ الماشِيةِ، إنَّما تشربُ منها (٤) الماشِيةُ، وأبناءُ السَّبِيلِ، ولا يُمنَعُ من أحدٍ، وقد كان يُكتَبُ على منِ احتَفَرها: أنَّ أوَّل من يَشْربُ منها أبناءُ السَّبِيلِ. قال: وكذلك جِبابُ البادِيةِ التي تكونُ للماشِيةِ. فقيلَ لمالكٍ: أفرأيتَ الجِباب التي تُجعلُ لماءِ السَّماءِ؟ قال: فذلك أبعَدُ (٥).

стр. 6376

حديثٌ ثاني أربعينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا صلَّى أحدُكُم بالنّاسِ فلْيُخفِّف، فإنَّ فيهِمُ الضَّعِيفَ والسَّقِيم والكبِير، وإذا صلَّى أحدُكُم لنفسِهِ، فليُطوِّل ما شاءَ". أكثرُ الرُّواةِ عن مالكٍ في "المُوطَّأ" لا يقولُونَ في هذا الحديثِ: "والكبِيرُ". وقالهُ جماعَةٌ، منهُم: يحيى، وقتيبةُ (٢). وهكذا رِوايةُ أبي الزِّنادِ من حَدِيثِ مالكٍ وغيره، لم يذكُر في حَدِيثهِ هذا: "وذا الحاجةِ". وهُو محفُوظٌ من حديثِ أبي هريرةَ أيضًا، وأبي مسعُودٍ (٣)، وعُثمان بن أبي العاصِ. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن مُسهِرٍ، عن محمدِ بن عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا كان أحدُكُم إمامًا فليُخفِّف، فإنَّ وراءَهُ الكبِيرَ، والضَّعِيفَ، وذا الحاجةِ، فإذا صلَّى أحدُكُم لنَفسِهِ، فليُطوِّل ما شاءَ" (٤). وأكثرُ ما في هذا الحديثِ أمرُ الأئمَّةِ بالتَّخفِيفِ، وتركُ التَّطوِيلِ لعِلَلٍ قد بانَتْ في قولِهِ: "فإنَّ فيهِمُ الكبِير، والسَّقِيم، والضَّعِيف، وذا الحاجةِ". والتَّخفِيفُ لكلِّ إمام أمرٌ مُجتَمعٌ عليه، مندُوبٌ عِندَ العُلماءِ إليه، إلّا أنَّ ذلك إنَّما هُو أقلُّ الكمالِ.

стр. 6377

وأمّا الحَذْفُ والنُّقصانُ فلا، لأنَّ رسُولَ الله ﷺ قد نَهَى عن نَقْرِ الغُرابِ (١). ورأى رجُلًا يُصلِّي، ولم يُتمَّ رُكُوعهُ وسُجُودهُ فقال لهُ: "ارْجِع فصلِّ، فإنَّكَ لم تُصلِّ" (٢). وقال ﷺ : "لا ينظُرُ اللهُ إلى من لا يُقِيمُ صُلْبهُ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ" (٣). وقال أنسٌ: كان رسُولُ الله ﷺ أخفَّ النّاسِ صَلاةً في تمام. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤): أخبَرنا قُتَيبةُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان أخفَّ النّاسِ صلاةً في تمام. (٥) وروي هذا عن أنَسٍ من وُجُوهٍ، وقد رواهُ عبدُ الملكِ بن بُديل، عن مالكٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أنَسٍ (٦). فهُو غرِيبٌ من حديثِ مالكٍ غيرُ محفُوظٍ لهُ،

стр. 6378

وعبدُ الملكِ بن بُديلٍ شامِيٌّ ليسَ بالمشهُورِ بحَملِ العِلم، ولا ممَّن تُعرَفُ لهُ خُرْبة (١) يجِبُ بها ردُّ رِوايتِهِ، والله أعلمُ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثني يزِيدُ بن أبي حبِيبٍ، أنَّ جَعفرَ بن عبدِ الله بن الحكم (٢) حدَّثهُ، عن تمِيم بن محمودٍ اللَّيثِيِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن شِبْلٍ الأنصارِيِّ، أنَّهُ قال: إنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن نَقْرِ الغُرابِ، وافتِراشِ السَّبُع (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ وأحمدُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامَةَ، قال: حدَّثنا يَعْلَى، قال: حدَّثني عبدُ الحَكَم، عن أنَسٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "اعتدِلُوا في الرُّكُوع والسُّجُودِ، ولا يَفْترِشْ أحدُكُم ذِراعَيهِ افتِراشَ الكَلْبِ" (٤).

стр. 6379

وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ (١)، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حربٍ وعارِمٌ، قالا: حدَّثنا مهدِيُّ بن ميمُونٍ، قال: أخبَرنا واصِلُ الأحْدَبُ، عن أبي وائلٍ، قالَ: رأى حُذَيفةُ رَجُلًا يُصلِّي لا يُتِمُّ رُكُوعَهُ ولا سُجُودَهُ، فلمّا انصرَفَ دَعاهُ، فقال: مُذ كَمْ صلَّيتَ هذه الصَّلاةَ؟ قال: صلَّيتُها مُنذُ كذا وكذا. فقال حُذيفةُ: ما صلَّيتَ. أو قال: ما صلَّيتَ لله. وأحسبُهُ قال: وإن مُتَّ، مُتَّ على غيرِ سُنَّةِ (٢) محمدٍ ﷺ (٣). حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا حفصُ بن عُمر النَّمَرِيُّ (٥)، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن سُليمانَ، عن

стр. 6380

عُمارةَ بن عُمَيرٍ، عن أبي مَعْمرٍ، عن أبي مسعُودٍ البَدْرِيِّ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا تُجزِئُ صَلاةُ الرَّجُلِ حتَّى يُقِيمَ ظَهرَهُ في الرُّكُوع والسُّجُودِ". قال أبو عُمر: في حديثِ أبي هريرةَ، ورِفاعةَ بن رافِع، عن النَّبيِّ ﷺ في تَعليم الأعرابيِّ: "ثُمَّ ارْكَعَ فاعتدِلْ قائمًا، ثُمَّ اسجُدْ فاعتدِلْ ساجِدًا، ثُمَّ اجلِسْ فاطمئنَّ جالِسًا، ثُمَّ اسجُدْ فاعتدِلْ، فإذا صلَّيتَ صَلاتكَ على هذا، فقد أتممْتَ (١) صلاتَكَ" (٢)، وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ في غيرِ مَوْضِع من كِتابِنا، والحمدُ لله. واختلَفَ الفُقهاءُ فيمَنْ صارَ من الرُّكُوع إلى السُّجُودِ، ولم يرفع رأسهُ (٣): فرَوَى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ: أَنَّهُ لا يُجزِئُهُ. قال: ويُلغِي تلك الرَّكعةَ، ولا يَعْتدُّ بها من صَلاتِهِ، إن لم يرفع صُلْبهُ. ورَوَى ابنُ عبدِ الحكم عنهُ: إذا رفعَ رأسهُ من الرُّكُوع، ثُمَّ أهْوَى ساجِدًا قبلَ أن يعتدِلَ، أنَّهُ يُجزِئُهُ. وقال ابنُ القاسم: ومن رفعَ رأسهُ من الرُّكُوع، ولم يعتدِلْ قائمًا، حتَّى خرَّ ساجِدًا، فليَسْتغفِرِ الله ولا يَعُد، فإن خرَّ من الرُّكُوع إلى السُّجُودِ، ولم يرفع شيئًا، فلا يعتدُّ بتلك (٤) الرَّكعةِ، وهُو قولُ مالكٍ. قال ابنُ القاسم: ومن رفعَ رأسهُ من السُّجُودِ، فلم يعتدِلْ جالِسًا، حتَّى سجدَ أُخرى، فليَسْتغفِرِ الله، ولا يَعُد، ولا شيءَ عليه في صلاتِهِ. قال ابنُ القاسم: وأحبُّ إليَّ في الذي خرَّ من الرَّكعةِ ساجِدًا، قبلَ أن يرفع رأسهُ أن يتمادى مع الإمام، ثُمَّ يُعِيدَ الصَّلاةَ.

стр. 6381

وقال عِيسى بن دِينارٍ: إن فعلَ ذلك في الرَّكعةِ الأُولى، قطعَ صلاتهُ وابتدأها، وإن فعلَ ذلك في الرَّكعةِ الثّانيةِ، جعلها نافِلةً وسلَّم، وإن فعلَ ذلك في الرَّكعةِ الثّالثةِ، أتمَّ صَلاتهُ وجَعلَها نافِلةً، ثُمَّ أعادَها بتمام رُكُوعِها وسُجُودِها، وهذا فيمَنْ صلَّى وحدهُ، وأمّا من صلَّى مع الإمام وفعلَ مِثل ذلك، تمادى معهُ، ثُمَّ أعادَها. قال أبو عُمر: لا معنَى للفَرقِ بين الرَّكعةِ الأُولى وغيرِها في أثرٍ ولا نظرٍ، وكذلك لا معنى لقولِ من صيَّرها نافِلةً، والصَّوابُ إلغاءُ تلك الرَّكعةِ، على ما رَوَى ابنُ وَهْبٍ وغيرُهُ عن مالكٍ؛ لأنَّ الاعتِدالَ فرضٌ الرُّكُوع والسُّجُودِ، ألا ترَى إلى قولِ رسُولِ الله ﷺ : "ثم ارفَعْ (١) حتَّى تَطْمَئِنَّ (٢) قائمًا، ثُمَّ اسجُد حتَّى تَعْتَدِلَ ساجِدًا، ثُمَّ اجلِس حتَّى تعتدِلَ جالِسًا" (٣). وقد ذكرنا هذا الخبرَ فيما سَلَف من هذا الكِتابِ. وقال ﷺ : "لا تُجزِئُ رجُلًا صلاتُهُ، حتَّى يُقِيمَ فيها ظَهرهُ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ" (٤). وقال أبو حنِيفةَ فيمن صار من الرُّكُوع إلى السُّجُودِ، ولم يرفع رأسهُ: إنَّهُ يُجزِئُهُ (٥). وقال أبو يُوسُف: لا يُجزِئُهُ.

стр. 6382

وقال الثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ والشّافِعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وداودُ والطَّبريُّ: إذا لم يرفع رأسهُ من الرُّكُوع، لم يُعتدَّ بتِلك الرَّكعةِ، حتَّى يقُوم فيعتدِل صُلبُهُ قائمًا. قال أبو عُمر: أحادِيثُ هذا البابِ تدُلُّ على صِحَّةِ هذا القولِ، وما رَوى فيه ابنُ وَهْبٍ عن مالكٍ هُو الصَّوابُ، وعليه العُلماءُ، ورِوايةُ ابنِ عبدِ الحكم قد رَوَى مِثلها ابنُ القاسم، ولا أعلمُ أحدًا تَقدَّم إلى هذا القَولِ غيرَ أبي حنِيفةَ، والأحادِيثُ المرفُوعةُ في هذا البابِ ترُدُّهُ، وبالله التَّوفِيقُ. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبرنا إسماعيلُ بن مسعُودٍ (٢)، قال: حدَّثنا خالدٌ، وهُو ابنُ الحارِثِ، عن ابنِ أبي ذِئبٍ قال: أخبرني الحارِثُ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن سالم بن عبدِ الله، عن عبدِ الله بن عُمر، قال: كان رسُولُ الله ﷺ يأمُرُنا (٣) بالتَّخفِيفِ، ويؤُمُّنا بالصّافّاتِ. قال أبو عُمر: زادَ بعضُهُم في هذا الحديثِ: "في الصُّبح". وقد قيلَ: "في المغرِبِ". ولا حدَّ في إكمالِ الصَّلاةِ وتَخفِيفها أكثرُ من الاعتِدالِ في الرُّكُوع والسُّجُودِ والجُلُوسِ، وأَقَلَّ ما يُجزِئُ من القِراءةِ، فاتحةُ الكِتابِ، بقِراءةٍ تُفهَمُ حُرُوفُها.

стр. 6383

قال ابنُ القاسم عن مالكٍ في الرُّكُوع: إذا أمكنَ يَدَيهِ من رُكبَتيهِ، وإن لم يُسبِّح، فهُو مُجزِئ عنهُ (١). وكان لا يُوقِّتُ تسبِيحًا. وقال الشّافِعيُّ (٢): أقلُّ ما يُجزِئُ من عَملِ الصَّلاةِ، أن يُحرِمَ، ويقرأَ بـ "أُمِّ القُرآنِ (٣) " إن أحسَنها، ويركعَ حتَّى يَطْمئنَّ راكِعًا، ويرفعَ حتَّى يعتدِلَ قائمًا، ويسجُدَ حتَّى يَطْمئنَّ ساجِدًا على الجَبْهةِ، ثُمَّ يرفعَ حتَّى يعتدِلَ جالِسًا، ثمَّ يسجُدَ الأُخرى كما وصفتُ، ثُمَّ يقُومَ حتَّى يفعلَ ذلك في كلِّ رَكْعةٍ، ويجلِسَ في الرّابعةِ، ويَتَشهَّدَ ويُصلِّيَ على النَّبيِّ ﷺ ، ويُسلِّمَ تَسْلِيمةً، يقولُ: السَّلامُ عليكُم. فإذا فعلَ ذلك، أجزأتهُ صلاتُهُ، وقد ضيَّعَ حظَّ نفسِهِ فيما تركَ. قال أبو عُمر: أمّا التَّشهُّدُ، والصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ ، والتَّسلِيمُ، فمختَلَفٌ (٤) في ذلك، وقد ذكرناهُ فيما سلفَ من كِتابِنا هذا، في مواضِع منهُ، والحمدُ لله. قال أبو عُمر: لا أعلمُ بين أهلِ العِلم خِلافًا في استِحبابِ التَّخفِيفِ لكلِّ من أمَّ قومًا، على ما شَرَطنا من الإتيانِ بأقلِّ ما يُجزِئُ، والفَرِيضةُ والنّافِلةُ عِندَ جميعِهِم سواءٌ في استِحبابِ التَّخفِيفِ، فيما إذا صُلِّيت جماعةً بإمام، إلّا ما جاءَ في صَلاةِ الكُسُوفِ على سُنَّتِها، على ما قد بيَّنّا من مَذاهِبِ العُلماءِ في ذلك، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، والحمدُ لله. روى مُطرِّفُ بن الشِّخِّيرِ، عن عُثمان بن أبي العاص، قال: أمَرَني رسُولُ الله ﷺ أن أؤُمَّ النّاسَ، وأن أُقدِّرَهُم بأضعفِهِم، فإنَّ فيهِمُ الكبِيرَ، والسَّقِيمَ، والضَّعِيفَ (٥)، وذا الحاجةِ.

стр. 6384

ذكرهُ الشّافِعيُّ (١) عن ابنِ عُيينةَ، عن محمدِ بن إسحاق، عن سعِيدِ بن أبي هِندٍ، عن مُطرِّفِ بن عبدِ الله بن الشِّخِّيرِ، عن عُثمان بن أبي العاص. وأحسنُ شيءٍ رُوِي عِندِي في تخفِيفِ الصَّلاةِ، والتَّجوُّزِ فيها من أجلِ الحاجةِ والحادِثِ يَعرِضُ: حديثُ أبي قَتادةَ، وحديثُ (٢) أنَسٍ، معَ حديثِ أبي الزِّنادِ المذكُورِ في هذا البابِ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمان بن السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يُوسُف، قال: حدَّثنا البُخارِيُّ، قال (٣): حدَّثنا ابنُ بشّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عدِيٍّ، عن سعِيدٍ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "إنِّي لأدخُلُ في (٤) الصَّلاةِ فأُرِيدُ إطالتَها، فأسمعُ بُكاءَ الصَّبِيِّ (٥) فأتجوَّزُ، لما (٦) أعلمُ من شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ من بُكائهِ".

стр. 6385

وحديثُ أبي قتادةَ؛ حدَّثناهُ (١) محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيبٍ، قال (٢): أخبرنا سُوِيدُ بن نصرٍ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن المُباركِ، عن الأوزاعِيِّ، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي كثِيرٍ، عن عبدِ الله بنِ أبي قتادةَ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنِّي لأقُومُ في الصلاةِ، فأسمعُ بُكاءَ الصَّبِيِّ، فأتجوَّزُ في صلاتِي، كراهِيةَ أن أشُقَّ على أُمِّهِ". فإذا جازَ التَّخفِيفُ والتَّجوُّزُ في الصَّلاةِ لمِثلِ ما في هذا الحديثِ، فكذلك يجُوزُ ويجِبُ من أجلِ الضَّعِيفِ، والكبِيرِ، وذي الحاجةِ، فكيفَ وقد وردَ فيه النَّصُّ الثّابِتُ؟ والحمدُ لله. حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابِيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدان بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن إسماعيل، عن قَيْسٍ، عن أبي مَسْعُودٍ، قال: جاءَ رجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: إنِّي لأتخلَّفُ عن صَلاةِ الصُّبح، ممّا يُطوِّلُ بنا فُلان، فقال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ مِنكُم مُنفِّرِينَ، فأيُّكُم أمَّ النّاسَ فليُخفِّفْ، فإنَّ فيهِمُ الكبِيرَ، والسَّقِيمَ، وذا الحاجَّةِ" (٣).

стр. 6386

وذكر البُخارِيُّ (١)، عن محمدِ بن يُوسُف الفِريابِيِّ، عن سُفيان، عن إسماعيلَ، عن قَيْسٍ، عن أبي مسعُودٍ مِثلهُ. ورَوَى شُعبةُ، عن مُحارِبِ بن دِثارٍ، قال: سمِعتُ جابرَ بن عبدِ الله قال: أقبلَ رجُلٌ من الأنصارِ ومَعهُ ناضِحانِ (٢) لهُ، وقد جَنحتِ الشَّمسُ، ومُعاذٌ يُصلِّي المغرِب، فدخلَ معهُ في الصَّلاةِ، فاستفتَحَ مُعاذٌ البَقرةَ، أوِ النِّساءَ، مُحاربٌ الذي يشُكُّ، فلمّا رأى ذلك الرَّجُلُ، صلَّى، ثُمَّ خرجَ. قال: فبَلَغهُ أنَّ مُعاذًا نالَ منهُ. قال: فذكرَ ذلك للنَّبيِّ ﷺ ، فقال: "أفتّانٌ يا مُعاذُ؟ أفتّانٌ يا مُعاذُ؟ فهلّا قرأت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، فإنَّ وراءَكَ الكبِير، وذا الحاجةِ، والضَّعِيفِ". ذكرهُ أحمدُ بن حنبل (٣)، وبُندارٌ، جميعًا عن غُندرٍ، عن شُعبةَ. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ حَبابةَ، قال: حدَّثنا البَغوِيُّ، قال (٤): حدَّثنا عليُّ بن الجعدِ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، فذكرهُ سواءً. وقد رُوِي عن عُمر بن الخطّابِ، أَنَّهُ قال: لا تُبغِّضُوا اللهَ إلى عِبادِهِ، يُطوِّلُ أحدُكُم في صلاتِهِ حتى يَشُقَّ على من خلفَهُ. في (٥) كلام هذا معناهُ.

стр. 6387

قرأتُ على أحمدَ بن فتح، أنَّ محمدَ بن (١) عبد الله بن زكرِيّا النَّيسابُورِيَّ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ بن يُونُس، قال: حدَّثنا يُوسُفُ بن سعِيدِ بن مُسلِم، قال: حدَّثنا حجّاج، عن ابنِ جُريج، قال: أخبَرني زِيادٌ، عن ابنِ عَجْلانَ، قال: حدَّثني بُكيرُ بن عبدِ الله بن الأشجِّ، قال: حدَّثني مَعمرُ بن أبي حبِيبةَ، عن عُبيدِ الله بن عدِيِّ بن الخِيارِ، عن عُمر بن الخطّابِ، أنَّهُ قال: أيُّها النّاسُ، لا تُبغِّضُوا اللهَ إلى عِبادِهِ. فقال قائلٌ منهُم: وكيفَ ذلك؟ قال: يكونُ الرَّجُلُ إمامًا للنّاسِ يُصلِّي بهم، فلا يزالُ يُطوِّلُ عليهم، حتَّى يُبغِّضَ إليهم ما هُم فيه، أو يجلِسُ قاصًّا، فلا يزالُ يُطوِّلُ عليهم، حتَّى يُبغِّض إليهم ما هُم فيهِ (٢).
следующие страницы →