← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6383–6422 · переход к 6388.

стр. 6383

قال ابنُ القاسم عن مالكٍ في الرُّكُوع: إذا أمكنَ يَدَيهِ من رُكبَتيهِ، وإن لم يُسبِّح، فهُو مُجزِئ عنهُ (١). وكان لا يُوقِّتُ تسبِيحًا. وقال الشّافِعيُّ (٢): أقلُّ ما يُجزِئُ من عَملِ الصَّلاةِ، أن يُحرِمَ، ويقرأَ بـ "أُمِّ القُرآنِ (٣) " إن أحسَنها، ويركعَ حتَّى يَطْمئنَّ راكِعًا، ويرفعَ حتَّى يعتدِلَ قائمًا، ويسجُدَ حتَّى يَطْمئنَّ ساجِدًا على الجَبْهةِ، ثُمَّ يرفعَ حتَّى يعتدِلَ جالِسًا، ثمَّ يسجُدَ الأُخرى كما وصفتُ، ثُمَّ يقُومَ حتَّى يفعلَ ذلك في كلِّ رَكْعةٍ، ويجلِسَ في الرّابعةِ، ويَتَشهَّدَ ويُصلِّيَ على النَّبيِّ ﷺ ، ويُسلِّمَ تَسْلِيمةً، يقولُ: السَّلامُ عليكُم. فإذا فعلَ ذلك، أجزأتهُ صلاتُهُ، وقد ضيَّعَ حظَّ نفسِهِ فيما تركَ. قال أبو عُمر: أمّا التَّشهُّدُ، والصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ ، والتَّسلِيمُ، فمختَلَفٌ (٤) في ذلك، وقد ذكرناهُ فيما سلفَ من كِتابِنا هذا، في مواضِع منهُ، والحمدُ لله. قال أبو عُمر: لا أعلمُ بين أهلِ العِلم خِلافًا في استِحبابِ التَّخفِيفِ لكلِّ من أمَّ قومًا، على ما شَرَطنا من الإتيانِ بأقلِّ ما يُجزِئُ، والفَرِيضةُ والنّافِلةُ عِندَ جميعِهِم سواءٌ في استِحبابِ التَّخفِيفِ، فيما إذا صُلِّيت جماعةً بإمام، إلّا ما جاءَ في صَلاةِ الكُسُوفِ على سُنَّتِها، على ما قد بيَّنّا من مَذاهِبِ العُلماءِ في ذلك، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، والحمدُ لله. روى مُطرِّفُ بن الشِّخِّيرِ، عن عُثمان بن أبي العاص، قال: أمَرَني رسُولُ الله ﷺ أن أؤُمَّ النّاسَ، وأن أُقدِّرَهُم بأضعفِهِم، فإنَّ فيهِمُ الكبِيرَ، والسَّقِيمَ، والضَّعِيفَ (٥)، وذا الحاجةِ.

стр. 6384

ذكرهُ الشّافِعيُّ (١) عن ابنِ عُيينةَ، عن محمدِ بن إسحاق، عن سعِيدِ بن أبي هِندٍ، عن مُطرِّفِ بن عبدِ الله بن الشِّخِّيرِ، عن عُثمان بن أبي العاص. وأحسنُ شيءٍ رُوِي عِندِي في تخفِيفِ الصَّلاةِ، والتَّجوُّزِ فيها من أجلِ الحاجةِ والحادِثِ يَعرِضُ: حديثُ أبي قَتادةَ، وحديثُ (٢) أنَسٍ، معَ حديثِ أبي الزِّنادِ المذكُورِ في هذا البابِ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمان بن السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يُوسُف، قال: حدَّثنا البُخارِيُّ، قال (٣): حدَّثنا ابنُ بشّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عدِيٍّ، عن سعِيدٍ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "إنِّي لأدخُلُ في (٤) الصَّلاةِ فأُرِيدُ إطالتَها، فأسمعُ بُكاءَ الصَّبِيِّ (٥) فأتجوَّزُ، لما (٦) أعلمُ من شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ من بُكائهِ".

стр. 6385

وحديثُ أبي قتادةَ؛ حدَّثناهُ (١) محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيبٍ، قال (٢): أخبرنا سُوِيدُ بن نصرٍ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن المُباركِ، عن الأوزاعِيِّ، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي كثِيرٍ، عن عبدِ الله بنِ أبي قتادةَ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنِّي لأقُومُ في الصلاةِ، فأسمعُ بُكاءَ الصَّبِيِّ، فأتجوَّزُ في صلاتِي، كراهِيةَ أن أشُقَّ على أُمِّهِ". فإذا جازَ التَّخفِيفُ والتَّجوُّزُ في الصَّلاةِ لمِثلِ ما في هذا الحديثِ، فكذلك يجُوزُ ويجِبُ من أجلِ الضَّعِيفِ، والكبِيرِ، وذي الحاجةِ، فكيفَ وقد وردَ فيه النَّصُّ الثّابِتُ؟ والحمدُ لله. حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابِيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدان بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن إسماعيل، عن قَيْسٍ، عن أبي مَسْعُودٍ، قال: جاءَ رجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: إنِّي لأتخلَّفُ عن صَلاةِ الصُّبح، ممّا يُطوِّلُ بنا فُلان، فقال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ مِنكُم مُنفِّرِينَ، فأيُّكُم أمَّ النّاسَ فليُخفِّفْ، فإنَّ فيهِمُ الكبِيرَ، والسَّقِيمَ، وذا الحاجَّةِ" (٣).

стр. 6386

وذكر البُخارِيُّ (١)، عن محمدِ بن يُوسُف الفِريابِيِّ، عن سُفيان، عن إسماعيلَ، عن قَيْسٍ، عن أبي مسعُودٍ مِثلهُ. ورَوَى شُعبةُ، عن مُحارِبِ بن دِثارٍ، قال: سمِعتُ جابرَ بن عبدِ الله قال: أقبلَ رجُلٌ من الأنصارِ ومَعهُ ناضِحانِ (٢) لهُ، وقد جَنحتِ الشَّمسُ، ومُعاذٌ يُصلِّي المغرِب، فدخلَ معهُ في الصَّلاةِ، فاستفتَحَ مُعاذٌ البَقرةَ، أوِ النِّساءَ، مُحاربٌ الذي يشُكُّ، فلمّا رأى ذلك الرَّجُلُ، صلَّى، ثُمَّ خرجَ. قال: فبَلَغهُ أنَّ مُعاذًا نالَ منهُ. قال: فذكرَ ذلك للنَّبيِّ ﷺ ، فقال: "أفتّانٌ يا مُعاذُ؟ أفتّانٌ يا مُعاذُ؟ فهلّا قرأت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، فإنَّ وراءَكَ الكبِير، وذا الحاجةِ، والضَّعِيفِ". ذكرهُ أحمدُ بن حنبل (٣)، وبُندارٌ، جميعًا عن غُندرٍ، عن شُعبةَ. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ حَبابةَ، قال: حدَّثنا البَغوِيُّ، قال (٤): حدَّثنا عليُّ بن الجعدِ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، فذكرهُ سواءً. وقد رُوِي عن عُمر بن الخطّابِ، أَنَّهُ قال: لا تُبغِّضُوا اللهَ إلى عِبادِهِ، يُطوِّلُ أحدُكُم في صلاتِهِ حتى يَشُقَّ على من خلفَهُ. في (٥) كلام هذا معناهُ.

стр. 6387

قرأتُ على أحمدَ بن فتح، أنَّ محمدَ بن (١) عبد الله بن زكرِيّا النَّيسابُورِيَّ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ بن يُونُس، قال: حدَّثنا يُوسُفُ بن سعِيدِ بن مُسلِم، قال: حدَّثنا حجّاج، عن ابنِ جُريج، قال: أخبَرني زِيادٌ، عن ابنِ عَجْلانَ، قال: حدَّثني بُكيرُ بن عبدِ الله بن الأشجِّ، قال: حدَّثني مَعمرُ بن أبي حبِيبةَ، عن عُبيدِ الله بن عدِيِّ بن الخِيارِ، عن عُمر بن الخطّابِ، أنَّهُ قال: أيُّها النّاسُ، لا تُبغِّضُوا اللهَ إلى عِبادِهِ. فقال قائلٌ منهُم: وكيفَ ذلك؟ قال: يكونُ الرَّجُلُ إمامًا للنّاسِ يُصلِّي بهم، فلا يزالُ يُطوِّلُ عليهم، حتَّى يُبغِّضَ إليهم ما هُم فيه، أو يجلِسُ قاصًّا، فلا يزالُ يُطوِّلُ عليهم، حتَّى يُبغِّض إليهم ما هُم فيهِ (٢).

стр. 6388

حديثٌ ثالثُ أربعينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "والذي نَفْسِي بيدِهِ، لا يُكْلَمُ أحدٌ في سبيلِ الله، واللهُ أعلمُ بمن يُكلَمُ في سبِيلِهِ، إلّا جاءَ يومَ القِيامةِ وجُرحُهُ يَثْعَبُ دمًا، اللَّونُ لونُ دم، والرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ". هذا من أحسنِ حديثٍ في فضلِ الغزوِ في سبِيلِ الله، والحضِّ على الثُّبُوتِ عِندَ لقاءِ العدُوِّ. وأمّا قولُهُ: "لا يُكْلَمُ". فمعناهُ: لا يُجرَحُ أحدٌ في سبِيلِ الله، والكلُومُ: الجِراحُ، مَعرُوفٌ ذلك في لِسانِ العربِ مَعرِفةً يُستغنى بها عن الاستِشهادِ عليها بشيءٍ (٢). وأمّا قولُهُ: "يَثْعَبُ دمًا". فمعناهُ: ينفجِرُ دمًا. وأمّا قولُهُ: "في سبِيلِ الله". فالمُرادُ به الجِهادُ والغزوُ، ومُلاقاةُ أهلِ الحربِ من الكُفّارِ، على هذا خرج الحديثُ. ويدخُلُ فيه بالمعنى كلُّ من خرجَ في سبِيلِ برٍّ وحقٍّ وخيرٍ، ممّا قد أباحَهُ الله، كقِتالِ أهلِ البَغْيِ الخوارِج (٣) واللُّصُوصِ والمُحارِبِين، أو أمرٍ بمَعرُوفٍ، أو نَهيٍ عن مُنكرٍ.

стр. 6389

ألا تَرَى إلى قولِ رسُولِ الله ﷺ : "من قُتِل دُونَ مالِهِ فهُو شهِيدٌ" (١)؟ وفي قولِهِ ﵇: "واللهُ أعلمُ بمن يُكلَمُ في سبِيلِهِ" دليلٌ على أنْ ليسَ كلُّ من خرجَ في الغزوِ، تكونُ هذه حالَهُ، حتَّى تصِحَّ نِيَّتُهُ، ويعلمَ اللهُ من قَلبِهِ أَنَّهُ خرجَ يُرِيدُ وَجهَهُ ومَرْضاتَهُ، لا رِياءً، ولا سمعةً، ولا مُباهاةً (٢)، ولا فخرًا. وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ الشَّهِيدَ يُبعثُ على حالِهِ التي قُبِضَ عليها. ويحتَمِلُ أن يكونَ ذلك في كلِّ ميِّتٍ، واللهُ أعلمُ، يُبعَثُ على حالِهِ التي ماتَ فيها. إلّا أنَّ فضلَ الشَّهِيدِ في سبِيلِ الله بين الصَّفَّينِ، أن يكونَ رِيحُ دمِهِ كرِيح المِسكِ، وليسَ كذلك دمُ غيرِهِ. ومن قال: إنَّ الموتَى جُملةً يُبعثُونَ على هيئاتِهِم، احتجَّ بحديثِ يحيى بن أيُّوب، عن ابنِ الهادِ، عن محمدِ بن إبراهيمَ، عن أبي سلَمةَ (٣)، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّهُ لمّا حَضَرتهُ الوَفاةُ، دعا بثِيابٍ جُدُدٍ فلَبِسها، ثُمَّ قال: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ الميِّتَ يُبعَثُ في ثِيابِهِ التي يمُوتُ فيها" (٤).

стр. 6390

وهذا قد يَحتمِلُ أن يكون أبو سعِيدٍ سمِعَ الحديث في الشَّهِيدِ، فتأوَّلهُ على العُمُوم، ويكون الميِّتُ المذكُورُ في حديثهِ هُو الشَّهِيدُ الذي أُمِرَ أن يُزمَّلَ بثِيابِه، ويدفَنَ فيها، ولا يُغسَلَ عنهُ دمُهُ، ولا يُغيَّر شيءٌ من حالِهِ، بِدليلِ حديثِ ابنِ عبّاسٍ وغيره، عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: "إنَّكُم مَحشُورُونَ يومَ القِيامةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا (١)، ثُمَّ قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥٤]. وأوَّلُ من يُكسى يومَ القِيامةِ إبراهيمُ (٢). فلهذا الحديثِ وشبهِهِ تأوَّلنا في حديثِ أبي سعِيدٍ ما ذكَرْنا، واللهُ أعلمُ. وقد كان بعضُهُم يتأوَّلُ في حديثِ أبي سعِيدٍ: أنَّهُ يُبعَثُ على العَملِ الذي يُختمُ لهُ به. وظاهِرُهُ على غيرِ ذلك، واللهُ أعلمُ. وقدِ استدلَّ جماعةٌ من أهلِ العِلم بهذا الحديثِ وما كان مِثلَهُ في سُقُوطِ غُسْلِ الشَّهِيدِ المقتُولِ في دارِ الحربِ بين الصَّفَّينِ. ولا حاجةَ بنا إلى الاستِدلالِ في تركِ غُسْلِ الشُّهداءِ الموصُوفِين بذلك، مع وُجُودِ النَّصِّ فيهِم. وسيأتي ما للعُلماءِ في غُسْلِ الشُّهداءِ والصَّلاةِ عليهم، في بلاغاتِ مالكٍ من هذا الكِتابِ إن شاءَ الله. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن حنبلٍ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ

стр. 6391

قال: سمِعتُ عبد ربِّهِ يُحدِّثُ عن الزُّهرِيِّ، عن ابنِ جابرٍ، عن جابرِ بن عبدِ الله، عن النَّبيِّ ﷺ قال في قَتْلَى أُحُدٍ: "لا تُغسِّلُوهُم، فإنَّ كلَّ جُرح أو دَم يفُوحُ مِسكًا يومَ القِيامةِ". ولم يُصلِّ عَليهِم. قال أبو داود: الذي تفرَّد به من هذا الحديثِ قولُهُ: "لا تُغسِّلُوهُم". واختُلِف عن الزُّهرِيِّ في الإسنادِ في هذا المعنى، وقد ذكَرْنا بعض ذلك في بلاغاتِ مالكٍ، والحمدُ لله. وزعمَتْ طائفةٌ بأنَّ في هذا الحديثِ دليلًا على أنَّ الماءَ إذا تغيَّرت رائحتُهُ بشيءٍ من النَّجاساتِ، ولونُهُ لم يتغيَّر، أنَّ الحُكم للرّائحةِ، دُون اللَّونِ. فزعَمُوا أنَّ الاعْتِبار باللَّونِ في ذلك لا معنى لهُ؛ لأنَّ دمَ الشَّهِيدِ يومَ القِيامةِ يجِيءُ ولونُهُ كلونِ الدِّماءِ، ولكِنَّ رائحتهُ فصَلَتْ بينهُ وبين سائرِ الدِّماءِ، وكان الحُكمُ لها. فاستدلُّوا في زَعْمِهِم بهذا الحديثِ على أنَّ الماءَ إذا تغيَّر لونُهُ، لم يضُرَّهُ. وهذا لا يُفهَمُ (١) منهُ معنًى تسكُنُ النَّفسُ إليه، ولا في الدَّم معنى الماءِ، فيُقاسَ عليه، ولا يَشْتغِلُ بمِثلِ هذا الفقهاء (٢)، وليسَ من شأنِ أهلِ العِلم اللَّغزُ (٣) به وإشكالُهُ، وإنَّما شأنُهُم إيضاحُهُ وبيانُهُ، وبذلك أُخِذَ المِيثاقُ عليهم: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (٤) [آل عمران: ١٨٧].

стр. 6392

والماءُ لا يخلُو تغيُّرُهُ من أن يكون بنجاسةٍ أو بغيرِ نجاسةٍ، فإن كان بنَجاسةٍ، فقد أجمع العُلماءُ على أنَّهُ غيرُ طاهِرٍ، ولا مُطهِّرٍ. وكذلك أجمعُوا أنَّهُ إذا تغيَّر بغيرِ نَجاسةٍ، أَنَّهُ طاهِرٌ على أصلِهِ. وقال الجُمهُورُ: إنَّهُ (١) غيرُ مُطهِّرٍ، إلّا أن يكون تغيُّرُهُ من تُربتِهِ (٢) وحَمْأتِهِ، وما أجمعُوا عليه فهُو الحقُّ الذي لا إشكالَ فيه، ولا التِباسَ معهُ. وقد ذكَرْنا حُكمَ الماءِ عِندَ العُلماءِ، واجْتَلبنا مَذاهِبَهُم في ذلك، والاعتِلالَ لأقوالِهِم في بابِ إسحاق بن أبي طَلْحةَ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.

стр. 6393

حديثٌ رابعُ أربعينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ ذكَرَ يومَ الجُمُعةِ فقال: "فيه ساعَةٌ لا يُوافِقُها عبدٌ مُسلِمٌ، وهُو قائمٌ يُصلِّي يَسْألُ اللهَ شيئًا، إلّا أعْطاهُ إيّاهُ". وأشارَ رسُولُ الله بيدِهِ يُقلِّلُها. هكَذا يقولُ عامَّةُ رُواةِ "المُوطَّأ" في هذا الحديثِ: "وهُو قائمٌ يُصلِّي". إلّا قُتيبةَ بن سعِيدٍ (٢)، وأبا المُصْعبٍ (٣)، فإنَّهُما لم يقولا في رِوايتِهِما لهذا الحديثِ عن مالكٍ: "وهُو قائمٌ". ولا قالهُ ابنُ أبي أُوَيسٍ (٤) في هذا الحديثِ عن مالكٍ، ولا قالهُ التِّنِّيسِيُّ (٥)، وإنَّما قالوا: "فيه ساعةٌ لا يُوافِقُها عبدٌ مُسلِمٌ يَسْألُ اللهَ فيها شيئًا، إلّا أعطاهُ". وبعضُهُم يقولُ: "أعْطاهُ إيّاهُ". والمعرُوفُ في حديثِ أبي الزِّنادِ هذا قولُهُ: "وهُو قائمٌ". من رِوايةِ مالكٍ وغير. وكذلك رواهُ ورقاءُ في نُسختِهِ عن أبي الزِّنادِ. وكذلك رواهُ ابنُ سِيرِينَ، عن أبي هريرةَ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُف، قال: أخبَرنا عُبيدُ الله بن محمدِ بن أبي غالِبٍ، قال: أخبرنا محمدُ بن محمدِ (٦) بن بدرٍ، قال: أخبرنا رِزقُ الله بن موسى (٧)،

стр. 6394

قال: حدَّثنا ورقاءُ بن عُمرَ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "في الجُمُعةِ ساعةٌ لا يُوافِقُها عبدٌ مُسلِمٌ، وهُو قائمٌ يُصلِّي، يَسْألُ اللهَ شيئًا، إلّا أعطاهُ إيّاهُ". قال: وأشارَ رسُولُ الله ﷺ بيدِهِ، وقبضَ أصابِعَهُ، كأنَّهُ يُقلِّلُها (١). وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٢): أخبَرنا عَمرُو بن زُرارةَ. وحدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جرِيرٍ، قال: حدَّثني يعقُوبُ بن إبراهيمَ، قالا: أخبَرنا إسماعيلُ، عن أيُّوب، عن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال أبو القاسم ﷺ : "إنَّ في الجُمُعةِ ساعَةً لا يُوافِقُها مُسلِمٌ قائمٌ يُصلِّي، يَسْألُ اللهَ شيئًا، إلّا أعطاهُ إيّاهُ". قُلنا: ما يُقلِّلُها؟ قال: يُزهِّدُها. وغيرُهُ يقولُ: يُصغِّرُها. كأنَّهُ يُشِيرُ إلى ضِيقِ وقتها.

стр. 6395

وقد رَوى ابنُ جُريج، عن عطاءٍ، أنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: في الجُمُعةِ ساعةٌ لا يَسْألُ اللهَ فيها المُسلِمُ شيئًا، وهُو يُصلِّي إلّا أعطاهُ. قال: ويقولُ أبو هريرةَ بيدِهِ يُقلِّلُها (١). هكذا موقُوفًا (٢). في هذا الحديثِ دليلٌ على فَضْلِ يوم الجُمُعةِ، ودليلٌ على أنَّ بعضَهُ أفضلُ من بعضٍ؛ لأنَّ تلك السّاعةَ أفضلُ من غيرِها، وإذا جاز أن يكون يومٌ أفضَلَ من يوم، جازَ أن تكون ساعَةٌ أفضَلَ من ساعةٍ، والفضائلُ لا تُدركُ بقِياسٍ، وإنَّما فيها التَّسلِيمُ والتَّعلُّمُ والشُّكرُ. وأمّا قولُهُ ﷺ فيهِ: "وهُو قائمٌ يُصلِّي"، فإنَّهُ يحتمِلُ القِيام المعرُوف، ويحتمِلُ أن يكون القِيامُ هاهُنا، المُواظبةَ (٣) على الشَّيءِ، لا الوُقُوف، من قولِهِ : ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] أي: مُواظِبًا بالاختِلافِ والاقتِضاءِ. وإلى هذا التَّأوِيلِ يذهبُ من قال: إنَّ السّاعةَ بعدَ العَصْرِ، لأنَّهُ ليس بوقتِ صلاةٍ، ولكِنَّهُ وقتُ مُواظبةٍ في انتِظارِها، ومن هذا قولُ الأعْشَى (٤): يقُومُ على الوَغْمِ (٥) في (٦) قومِهِ ... ويعفُو إذا شاءَ أو يَنْتقِمْ

стр. 6396

لم يُرِد بقولِهِ هاهُنا: يقومُ (١): الوُقُوفَ من غيرِ مَشْي (٢)، ولكِنَّهُ أرادَ: المُطالبةَ بالذَّحْلِ (٣)، حتَّى يُدرِكهُ بالمُواظبةِ عليه (٤). وأمّا السَّاعةُ المذكُورةُ في يوم الجُمُعةِ، فاختُلِفَ فيها، فقال قومٌ: قد رُفِعت. وهذا عِندَنا غيرُ صحِيح. حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أحمد، قال: أخبرنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جرِيرٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن محمدٍ الورّاقُ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبَرني داودُ بن أبي عاصِم، عن عبدِ الله بن أُنيسٍ، عن (٥) مولى مُعاويةَ قال: قُلتُ لأبي هريرةَ: زَعَمُوا أنَّ السّاعةَ التي في يوم الجُمُعةَ، التي لا يدعُو فيها مُسلِمٌ إلّا استُجِيبَ لهُ، قد رُفِعت. قال: كذَبَ من قال ذلك. قُلتُ: فهي في كلِّ جُمُعةٍ أسْتَقبِلُها؟ قال: نعم (٦). هكذا قال عبدُ الله بن أُنيسٍ (٧). وذكر سُنيدٌ، عن حجّاج، عن ابنِ جُريج، قال: أخبرني داودُ بن أبي عاصِم، عن عبدِ الله بن يُحَنَّسَ (٨) مولى مُعاويةَ، قال: قُلتُ لأبي هريرةَ: زَعمُوا أنَّ السّاعةَ ... فذكر مِثلَهُ سواءً.

стр. 6397

قال أبو عُمر: على هذا القولِ جماعةُ العُلماءِ، إلّا أنَّها اختلفت فيها الآثارُ، وعُلماءُ الأمصارِ. فذهَبَ عبدُ الله بن سلام إلى أنَّها بعد العصرِ، إلى غُرُوبِ الشَّمسِ. وتابعهُ على ذلك قومٌ. ومن حُجَّةِ من ذهب إلى ذلك: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني عَمرُو بن الحارِثِ، أنَّ الجُلاحَ مولى عبدِ العزيزِ بن مَرْوان حدَّثهُ، أنَّ أبا سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ حدَّثهُ، عن جابرِ بن عبدِ الله، عن رسُولِ الله ﷺ أنَّهُ قال: "يومُ الجُمُعةِ ثِنتا عَشَرة، يُرِيدُ: ثِنتا عشرَةَ ساعةً، فيها ساعَةٌ لا يُوجدُ مُسلِمٌ يَسْألُ (٢) اللهَ فيها شيئًا، إلّا أتاهُ، فالْتَمِسُوها آخِر ساعَةٍ بعدَ العصرِ". قال أبو عُمر: يُقالُ: إنَّ قولَهُ في هذا الحديثِ: "فالْتَمِسُوها آخِر ساعةٍ بعد العَصْرِ". من قولِ أبي سلمةَ، وأبو سلمةَ هُو الذي رَوى حديثَ أبي هريرةَ، وقِصَّتهُ مع كعبٍ وعبدِ الله بن سلام في السّاعَةِ التي في يوم الجُمُعةِ، وسيأتي حديثُهُ ذلك، في بابِ يزِيد بن الهادِ، من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله. وقال آخرُونَ: السّاعةُ المذكُورةُ في يوم الجُمُعةِ، هي ساعةُ الصَّلاةِ، وحِينُها من الإقامَةِ إلى السَّلام.

стр. 6398

واحتجُّوا بما حدَّثناهُ سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا خالدُ بن مخلدٍ. وحدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جرِيرٍ، قال: حدَّثنا زِيادُ بن أيُّوب، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ، قالا: حدَّثنا كثِيرُ بنُ عبدِ الله، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، قال: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ في الجُمُعةِ ساعَةً من النَّهارِ، لا يسألُ العبدُ فيها شيئًا، إلّا أُعطِي سُؤلَهُ". قيل: أيُّ ساعةٍ هي؟ قال: "حِينَ تُقامُ الصَّلاةُ، إلى الانصِرافِ مِنها". قال أبو عُمر: كثِيرُ بن عبدِ الله هذا، هُو كثِيرُ بن عبدِ الله بن عَمرِو بن عوفٍ المُزنِيُّ، ضعِيفٌ، منسُوبٌ إلى الكذِبِ (٢)، لا يُحتجُّ به، ولا بمِثلِهِ. وقال آخرُونَ: السّاعةُ المذكُورةُ في يوم الجُمُعةِ، من حِين يَفْتتِحُ الإمامُ الخُطبةَ، إلى فراغ الصَّلاةِ. أخبَرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ ويعِيشُ بن سعِيدٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن غالِبٍ التَّمتامُ، قال: حدَّثنا موسى بن مسعُودٍ النَّهدِيُّ

стр. 6399

أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا أبو ذرٍّ محمدُ بن عُثيم (١)، عن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن ابنِ عُمر، أنَّ (٢) النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ في الجُمُعةِ لساعَةً، لا يَسْألُ العبدُ فيها ربَّهُ شيئًا، إلّا أعطاهُ إيّاهُ". قيل: يا رسُولَ الله، أيُّ ساعةٍ هي؟ قال: "من حِين يقُومُ الإمامُ في خُطبتِهِ، إلى أن يفرُغَ من خُطبتِهِ" (٣). هكذا في الحديثِ: "إلى أن يفرُغَ من خُطبتِهِ" (٤). والمحفُوظُ: "إلى أن يفرُغَ من صلاتِهِ". أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا (٦) أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني مَخْرمةُ بن بُكيرٍ، عن أبيهِ، عن أبي بُرْدةَ بن أبي موسى الأشْعرِيِّ، قال: قال لي عبدُ الله بن عُمر: أسَمِعتَ (٧) أباكَ يُحدِّثُ عن رسُولِ الله ﷺ في شأنِ ساعَةِ الجُمُعةِ؟ قال: قُلتُ: نعم، سَمِعتُهُ يقولُ: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "هِي ما بين أن يجلِس الإمامُ، إلى أن تُقْضَى الصَّلاةُ". وحدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جرِيرٍ،

стр. 6400

قال: حدَّثنا عُبيدُ بن محمدٍ الورّاقُ، قال: حدَّثنا روحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا عوفٌ، عن مُعاويةَ بن قُرَّةَ، عن أبي بُرْدَةَ بن أبي موسى، أَنَّهُ قال لعبدِ الله بن عُمر: هي السّاعةُ التي يخرُجُ فيها الإمامُ، إلى أن تُقضى الصَّلاةُ. فقال ابنُ عُمر: أصابَ اللهُ بكَ (١). قال: وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا جرِيرٌ، عن مُغِيرةَ، عن واصِلِ بن حيّان (٢)، عن أبي بُرْدةَ، قال: قُلتُ لأبي: إنِّي لأعلمُ أيَّ ساعةٍ هي. فقال: وما يُدرِيكَ؟ فقُلتُ: هي السّاعةُ التي يخرُجُ فيها الإمامُ، وهي أفضَلُ السّاعاتِ، فقال: بارَكَ اللهُ عليكَ (٣). قال: وحدَّثني يعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا جرِيرٌ، عن إسماعيلَ بن سالم (٤)، عن الشَّعبِيِّ، أَنَّهُ كان يقولُ في السّاعةِ التي تُرجَى في يوم الجُمُعةِ: هي ما بين خُرُوج الإمام، إلى انقِضاءِ الصَّلاةِ. قال: وحدَّثنا يعقُوبُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عُليَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ عونٍ، عن محمدٍ، قال: هي السّاعةُ التي كان يُصلِّي فيها النَّبيُّ ﷺ . قال: وحدَّثنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن إدرِيس، قال: حدَّثنا حُصين، عن الشَّعبِيِّ، عن عوفِ بن حَصيرة (٥)، قال: السّاعةُ التي تُرجَى في الجُمُعةِ، من حِين تُقامُ الصَّلاةُ، إلى انصِرافِ الإمام (٦).

стр. 6401

قال: وحدَّثنا ابنُ بشّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أبي إسحاق، عن أبي بُردةَ، قال: السّاعةُ التي في (١) الجُمُعةِ عِندَ نُزُولِ الإمام على المِنبرِ (٢). قال أبو عُمر: يَشْهدُ لهذه الأقاوِيلِ ما جاءَ في الحديثِ الثّابِتِ، قولِهِ: "وأشارَ بيدِهِ يُقلِّلُها ويُصغِّرُها (٣) " (٤). ويحتجُّ أيضًا من ذهَبَ إلى ذلك، بحديثِ أبي الجلدِ، عن عليِّ بن أبي طالِبٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قال: "إذا زالتِ الشَّمسُ، وفاءَتِ الأفياءُ، وراحتِ الأرواحُ، فاطلُبُوا إلى الله حوائجَكُم، فإنَّها ساعةُ الأوّابِينَ، ثُمَّ تلا: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ (٥) [الإسراء: ٢٥]. وروى موسى بن مُعاويةَ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ المُقرِئ، عن حيوةَ بن شُريح، عن بكرِ بن عَمرٍو، عن الحارِثِ بن يزِيد الحضرمِيِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حُجيرةَ، عن أبي ذرٍّ الغِفارِيِّ: أنَّ امرأتهُ سألتهُ عن السّاعةِ التي يُسْتجابُ فيها يوم الجُمُعةِ للعَبدِ المُؤمِنِ، فقال: إنَّها بعدَ زيغِ الشَّمسِ بيسِيرٍ إلى ذِراع، فإن سألتِني بعدَها فأنتِ طالِقٌ (٦).

стр. 6402

وذكر سُنيدٌ، عن وكِيع، عن محمدِ بن قيسٍ، قال: تذاكرنا عِندَ الشَّعبِيِّ السّاعةَ التي تُرجى في الجُمُعةِ، قال: هي ما بين أن يحرُمَ البيعُ، إلى أن يحِلَّ (١). قال: وحدَّثنا مُعتمِرٌ، قال: قُلتُ لابنِ عونٍ: ما كان رأيُ ابنِ سِيرِين في السّاعةِ التي تُرجى في يوم الجُمُعةِ؟ قال: قُلتُ لابنِ سِيرِين: أيُّ ساعةٍ هي عِندكَ؟ قال: أكثرُ ظنِّي أنَّها السّاعةُ التي كان يُصلِّي فيها رسُولُ الله، ﷺ (٢). وقال آخرُونَ: هي من (٣) صلاةِ العصرِ، إلى غُرُوبِ الشَّمسِ. حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جرِيرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا هارونُ، عن عَنْبسةَ، عن سالم، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، عن ابنِ عبّاسٍ قال: السّاعةُ التي تُذكرُ يوم الجُمُعةِ، ما بين صلاةِ العصر، إلى غُرُوبِ الشَّمسِ. وكان سعِيدٌ إذا صلَّى العصر، لم (٤) يُكلِّم أحدًا (٥) إلى غُرُوبِ الشَّمسِ. قال أبو عُمر: أمّا من قال: إنَّها بعد العمرِ. ومن قال: إنَّها آخِرُ ساعةٍ من يوم الجُمُعةِ. فقد ذكرنا القائلِينَ بذلك، في باب يزِيد بن الهادِ، في قِصَّةِ عبدِ الله بن سلام مع أبي هريرةَ، وكعبٍ، واللهُ أعلمُ بالسّاعةِ أيُّ السّاعاتِ هي (٦)؛ لأنَّ أخبارَ الآحادِ لا يُقطَعُ على مُعَيّنها، والذي ينبغِي لكلِّ مُسلِمٌ الاجتِهادُ في

стр. 6403

الدُّعاءِ للدِّينِ والدُّنيا في الوَقْتينِ المذكُورينِ، رجاءَ الإجابَةِ، فإنَّهُ لا يخِيبُ إن شاءَ الله، ولقد أحسنَ عَبِيدُ بن الأبرصِ، حيثُ قال (١): من يسألِ النّاسَ يحرِمُوهُ ... وسائلُ الله لا يخِيبُ وقدِ احتجَّ بعضُ من خالفَ مذهبَ عبدِ الله بن سَلَام في هذا البابِ، بقولِهِ ﷺ في الأحادِيثِ المذكُور في هذا البابِ: "وهُو قائمٌ يُصلِّي" قالوا: فقولُهُ: "قائمٌ يُصلِّي (٢) " يدفعُ قولَ مَن قال: إنَّها آخِرُ ساعةٍ من النَّهارِ بعدَ العصِر؛ لأنَّها ليَسْت ساعةً يجُوزُ للعبدِ المُسلِم فيها أن يقُومَ فيُصلِّي. وقد ينفصِلُ من هذا الإدخالِ بوَجْهينِ: أحدُهُما: أنَّ أبا هريرةَ سلَّم لابنِ سَلام تأوِيلَهُ، ولم يَعْترِضْ عليه بقولِهِ: "قائمٌ"، فإن كان صحِيحًا، فمعناهُ على ما قال بعضُ أهلِ اللُّغةِ: إنَّ "قائمًا" قد يكونُ بمعنى "مُقِيم". قالوا: ومن ذلك قولُ الله : ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل: عمران: ٧٥] يعني: مُقِيمًا. والوجهُ الآخرُ: أنَّهُ لو كانَ عِندهُ صحِيحًا في اللَّفظِ والمعنى، لعارَض (٣) به ابنَ سلام، واللهُ أعلمُ. وستأتي قِصَّةُ ابنِ سلام معَ أبي هريرةَ، في بابِ يزِيدَ بن الهادِ، من هذا الكِتابِ إن شاءَ الله.

стр. 6404

حديثٌ خامسُ أربعينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "طعامُ الاثنينِ كافِي الثَّلاثةِ، وطعامُ الثَّلاثةِ كافِي الأربعةِ". قال أبو عُمر: هكذا جاءَ هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" وغيرِهِ من حديثِ أبي الزِّنادِ بهذا الإسنادِ، وقد روى أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ ما هُو أعمُّ من هذا. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا روحٌ، قال: حدَّثنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبَرنا أبو الزُّبيرِ، أنَّهُ سمِعَ جابرَ بنَ عبدِ الله يقولُ: سَمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ: "طعامُ الواحِدِ يَكْفِي الاثنينِ، وطعامُ الاثنينِ يَكْفِي الأربعةَ، وطعامُ الأرْبَعةِ يَكْفِي الثَّمانيةَ" (٢). فأمّا الكِفايةُ والاكتِفاءُ، فليسَ بالشِّبَع والاستِغناءِ، ألا تَرَى إلى قولِ أبي حازِم ﵀: إذا كان لا يُغنِيك ما (٣) يكفِيكَ، فليسَ في الدُّنيا شيءٌ يُغنِيكَ (٤). ومن هذا الحديثِ، واللهُ أعلمُ، أخذَ عُمرُ بن الخطّاب فِعلَهُ عامَ الرَّمادةِ، حِينَ كان يُدخِلُ على أهلِ كلِّ بيتٍ مِثلَهُم، ويقولُ: لن يهلِكَ امرُؤٌ عن نِصفِ قُوتِهِ (٥).

стр. 6405

حديثٌ سادسُ أربعينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يَزالُ أحدُكُم في صلاةٍ، ما كانتِ الصَّلاةُ تحبِسُهُ، لا يَمْنعُهُ أن ينقلِبَ إلى أهلِهِ إلّا الصَّلاةُ". هذا حديثٌ صحِيحٌ لا مطعَنَ لأحدٍ فيه من جِهةِ الإسنادِ، وقد رُوِي عن أبي هريرةَ من وُجُوهٍ. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ فضلَ مُنتظِرِ الصَّلاةِ، كفضلِ المُصلِّي؛ لأنَّهُ مَعلُومٌ أنَّ قولَهُ ﷺ : "لا يزالُ أحدُكُم في صلاةٍ، ما كانتِ الصلاةُ تحبِسُهُ" لم يُرِد به أن مُنتظِرَ (٢) الصَّلاة قائمٌ، ولا أنَّهُ راكِعٌ وساجِدٌ، وإنَّما أرادَ أنَّ فضلَ (٣) انتِظارِ الصلاةِ بالقَصْدِ إلى ذلك، وبالنِّيَّةِ فيه، كفضلِ الصَّلاةِ، وأنَّ مُنتظِرها كالمُصلِّي في الفَضْلِ، وللّه أن يتفضَّلَ بما شاءَ، على من يشاءُ، فيما شاءَ من الأعمالِ، لا مُعقِّبَ لحُكمِهِ، ولا رادَّ لفضلِهِ. ومن الوَجْهِ الذي عرفنا فضلَ الصلاةِ مِنهُ، عرفنا فضلَ انتِظارِها، وقد علِمَ النّاسُ أنَّ المُصلِّيَ في تِلاوتهِ وقِيامِهِ ورُكُوعِهِ، أتعبُ من المُنتظِرِ للصَّلاةِ، ذاكِرًا كان أو ساكِتًا، ولكِنَّ الفضائلَ لا تُدرَكُ بنَظَرٍ، ولا مدخلَ فيها لقِياسٍ، ولو أُخِذت قِياسًا، لكان من نوى السَّيِّئَةَ، كمن نوى الحسنةَ، ولكِنَّ اللهَ مُنعِمٌ كرِيم مُتفضِّلٌ رحِيمٌ، يكتُبُ الحسنةَ بالنِّيَّةِ وإن لم تُعمل، فإن عُمِلت ضُعِّفت عشرًا إلى سبع مِئةٍ، واللهُ يُضاعِفُ لمن يشاءُ، ولا يُؤاخِذُ عِبادهُ المُسلِمِينَ بما وَسْوَسَتْ به صُدُورُهُم، ونوَوْا من الشَّرِّ، ما لم يعملُوهُ.

стр. 6406

وهذا كلُّهُ لا مدخلَ فيه للقِياسِ، ألا ترَى إلى ما مَضَى ذِكرُهُ، في بابِ محمدِ بن المُنكدِرِ من هذا الكِتابِ، في الذي كان لهُ صلاةٌ من اللَّيلِ، فغَلَبتهُ عينُهُ، أنَّهُ يُكتَبُ لهُ أجرُ صلاتِهِ. وأنَّ من نَوَى الجِهادَ وأرادهُ، ثُمَّ حَبَسهُ عن ذلك عُذرٌ، أنَّهُ يُكتبُ لهُ أجرُ المُجاهِدِ في مَشْيِهِ وسعيِهِ ونَصَبِهِ؟ ومعلُوم أنَّ مشقَّةَ المُسافِرِ وما يَلْقاهُ من ألم السَّفرِ، لا يجِدُهُ المُتخلِّفُ المحبُوسُ بالعُذرِ. وكذلك المرِيضُ يُكتبُ لهُ في مَرضِهِ ما كان يُواظِبُ عليه من أعمالِ البِرِّ. وهذا كلُّهُ موجُودٌ في الآثارِ الصِّحاح عن النَّبيِّ ﷺ ، قد مضى أكثرُها في هذا الكِتابِ، فغيرُ نكِيرٍ أن يُعْطَى مُنتظِرُ الصَّلاةِ فضلَ المُصلِّي وثوابَ عملِهِ، لحبسِهِ نفسَهُ عن التَّصرُّفِ في حاجاتِهِ، انتِظارًا منهُ لصلاتِهِ، كما يحبِسُ المُعتكِفُ نفسَهُ عن تَصرُّفِهِ، ويَلْزمُ موضِعَ اعتِكافِهِ، حِينًا في صلاةٍ، وحِينًا في غيرِ صلاةٍ، وهُو في ذلك كلِّهِ مُعتكِفٌ، وكذلك المُرابِطُ المُنتظِرُ لصَيْحةِ العدُوِّ في مَوْضِع الخوفِ، لهُ فضلُ المُقاتِلِ في سبِيلِ الله، الشّاهِرِ سيفَهُ في ذلك لانتظارِ العدُوِّ، وإرصادِهِ لهُ، وارتقابِهِ إيّاهُ. وقد سمَّى رسُولُ الله ﷺ انتِظارَ الصَّلاةِ بعد الصَّلاةِ رِباطًا. وسيأتي ذلك في بابِ أبي العلاءِ (١)، إن شاءَ الله. وقد روينا عن أبي الدَّرداءِ، أنَّهُ قال: من قِلَّةِ فِقهِ الرَّجُلِ، أن يكون في المسجدِ مُنتظِرًا للصَّلاةِ، وهُو يحسبُ أنْ ليسَ في صلاةٍ. وذكر ابنُ وضّاح، عن محمدِ بن أبي السَّرِيِّ العسقلانِيِّ، قال: رأيتُهُ يأتي

стр. 6407

المسجدَ فيُحيِّيهِ بركعتينِ، ثُمَّ يجلِسُ ويقولُ: ما أُبالِي صلَّيتُ، أو قعدتُ مُنتظِرًا للصَّلاةِ. وهذا، واللهُ أعلمُ، إذا كان المُنتظِرُ للصَّلاةِ، لا يحبِسُهُ في المسجدِ إلّا انتِظارُها، ولا يخلِطُ بنِيَّتِهِ سِواها، ويحتاجُ مع ذلك أن لا يَلْغُوَ ولا يلهُوَ، فحِينئذٍ يُرجَى لهٌ بما ذكَرْنا. وقد نزعَ عبدُ الله بن سلام في مُعارَضتِهِ أبا هريرةَ، حِينَ قال لهُ في السّاعةِ التي في يوم الجُمُعةِ: هي آخِرُ ساعَةٍ من النَّهارِ. فقال أبو هريرةَ: كيفَ يكونُ ذلك وقد قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ ذلك ليسَ بوَقْتِ صلاةٍ". وقال في السّاعةِ التي في يوم الجُمُعةِ: "لا يُوافِقُها عبدٌ مُسلِمٌ وهُو يُصلِّي". فقال لهُ عبدُ الله بن سَلَام: أليسَ قد قال ﷺ : "إنَّ أحدكُم في صَلاةٍ، ما كان ينتظِرُ الصَّلاةَ"؟ قال: نعم. قال: فهُو ذاك (١). فسكتَ أبو هريرةَ وسلَّمَ لمّا أخذتهُ (٢) الحُجَّةُ، وهكذا أهلُ الإنصافِ، واللهُ المُستعانُ. وقد قيلَ: إنَّ مُنتظِرَ الصَّلاةِ في المسجدِ، وإن لَغا ولها، فإنَّهُ على أصلِ نِيَّتهِ وعَملِهِ. وسنذكُرُ بعدَ هذا البابِ، قولَهُ ﷺ : "الملائكةُ تُصلِّي على أحدِكُم، ما دامَ في مُصلّاهُ، ما لم يُحدِث". وما ذهب إليه مالكٌ وغيرُهُ في ذلك إن شاءَ الله. وقد قيلَ: إنَّ مُنتظِرَ الصَّلاةِ، وإن كُتِبَ لهُ أجرُ المُصلِّي، فالمُصلِّي أفضلُ منهُ، كما أنَّ بعضَ (٣) الشُّهداءِ أفضلُ من بعضٍ، وكلُّهُم يُسمَّى شهِيدًا، ومن

стр. 6408

حُجَّةِ من قال هذا القول، ما رُوِي عن النَّبيِّ ﷺ من قولِهِ: "صلاةُ القاعِدِ، على النِّصفِ من صلاةِ القائم" (١). يعني: في الأجرِ، واللّهُ أعلمُ. فإذا كان القائمُ أفضلَ من القاعِدِ في الصَّلاةِ، فكذلك هُو أفضلُ من المُنتظِرِ، واللّه يُؤتي فضلَهُ من يشاءُ (٢)، لا شرِيك لهُ. وتحصِيلُ هذا البابِ عِندِي، واللّهُ أعلمُ، ما تَنْعقِدُ عليه النِّيَّةُ، وما يجِدُهُ في نفسِهِ المُتخلِّفُ عن الغَزْوِ بالعُذرِ من ألم ما فقدَ من ذلك، والحَسْرةِ والتَّأسُّفِ والحُزنِ عليه، وشِدَّةِ الحِرْصِ في النُّهُوضِ إليه، وكذلك المرِيضُ والنّائمُ فيما فاتَهُ لمرضِهِ ونَوْمِهِ من صلاتِهِ، وسائرِ صالح عَملِهِ، واللّهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ.

стр. 6409

حديثٌ سابعُ أربعينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا قُلتَ لصاحِبِكَ: أنصِت، والإمامُ يخطُبُ، فقد لَغَوْتَ". هكذا روَى يحيى هذا الحديثَ عن مالكٍ بهذا الإسنادِ، وكذلك هُو في "المُوطَّأ" عِندَ جُمهُورِ الرُّواةِ. ورواهُ جماعةٌ من رُواةِ "المُوطَأ": "إذا قُلتَ لصاحِبِكَ: أنصِت، فقد لغوتَ". وبعضُهُم يقولُ فيهِ: يُرِيدُ بذلك والإمامُ يخطُبُ. وعِند مالكٍ في هذا الحديثِ إسنادانِ: أحدُهُما هذا، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ. والثّاني: عن ابنِ شِهابٍ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "إذا قُلتَ: أنصت، والإمامُ يخطُبُ، فقد لَغَوتَ" (٢). ولم يروِ يحيى في هذا الحديثِ عن مالكٍ غيرَ إسنادِ أبي الزِّنادِ، وجَمَعهُما القَعْنبِيُّ وغيرُهُ عن مالكٍ. ذكر القَعْنبِيُّ حديثَ أبي الزِّنادِ في كِتابِ الصَّلاةِ. وذكر حديثَ الزُّهرِيِّ في الزِّياداتِ (٣).

стр. 6410

وقد رواهُما ابنُ القاسم (١)، وابنُ وَهْبٍ (٢)، وغيرُهُما، عن مالكٍ جميعًا كما ذكرتُ لك. وروى اللَّيثُ، عن عُقيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ. وعن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُمرَ بن عبدِ العزيزِ، عن عبدِ الله بن إبراهيم بن قارِظٍ، سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: سمِعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: "إذا قُلتَ لصاحِبِك: أنصت، والإمامُ يخطُبُ يومَ الجُمُعةِ، فقد لغَوْتَ" (٣). وقال ابنُ عَجْلانَ في هذا الحديثِ: عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ: "إذا قُلتَ لصاحِبِكَ: أنصِتْ، والإمامُ يخطُبُ يومَ الجُمُعةِ، فقد لغَوْتَ، عليك بَنفسِكَ". حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بن أبي مسرَّةَ (٤)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يزِيد المُقرِئُ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن أبي أيُّوب، قال: حدَّثني محمدُ بن عَجْلانَ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "إذا قُلتَ لصاحِبِكَ: أنصِت يومَ الجُمُعةِ، فقد لغَوْتَ، عليكَ بنفسِكَ" (٥).

стр. 6411

وأخبرنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى القطّانُ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن سعِيدٍ، عن أبي هريرةَ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "من قال والإمامُ يخطُبُ: أنصِت، فقد لغا" (١). أخبَرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٢): أخبرنا قُتيبةُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن الزُّهرِيِّ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من قال لصاحِبِهِ يومَ الجُمُعةِ والإمامُ يخطُبُ: أنصِتْ، فقد لغا". أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ، قال (٣): أخبرنا عبدُ الملكِ بن شُعيبِ بن اللَّيثِ، قال: حدَّثني أبي، عن جدِّي، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُمر بن عبدِ العزيزِ، عن عبدِ الله بن إبراهيم بن قارِظٍ. وعن ابنِ المُسيِّبِ أنَّهُما حدَّثاهُ، أنَّ أبا هريرةَ قال: سمِعتُ رسُول الله ﷺ يقولُ: "إذا قُلتَ لصاحِبِكَ: أنصِت، والإمامُ يخطُبُ يوم الجُمُعةِ، فقد لغَوْتَ". ورواهُ ابنُ جُريج، عن ابنِ شهابٍ، كما رواهُ اللَّيثُ.

стр. 6412

ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (١)، عن ابنِ جُرَيج قال: حدَّثني ابنُ شهابٍ، عن ابنِ المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، قال: سمِعتُ رسُول الله ﷺ يقولُ: "إذا قُلتَ لصاحِبِكَ: أنصِت، والإمامُ يخطُبُ يوم الجُمُعةِ، فقد لغَوْتَ". قال ابنُ شِهابٍ: وحدَّثني عُمرُ بن عبدِ العزيزِ، عن إبراهيم بن عبدِ الله بن قارِظٍ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ. ورواهُ معمرٌ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُتبةَ، عن النَّبيِّ ﷺ مُرسلًا (٢). وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٣)، عن مَعْمرٍ، عن همّام بن مُنبِّهٍ، أنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا قُلتَ للنّاسِ: أنصِتُوا، يوم الجُمُعةِ وهُم ينطِقُونَ، والإمامُ يخطُبُ، فقد لغَوْتَ". قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ: "فقد لغَوْتَ". فإنَّهُ يُرِيدُ: فقد جِئتَ بالباطِلِ، وجِئتَ بغيرِ الحقِّ، واللَّغوُ: الباطِلُ. قال قَتادةُ في قولِ الله : ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] قال: الكذِب. ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] قال: لا يُساعِدُونَ أهلَ الباطِلِ على باطِلِهِم، ولا يُمالِئُونهُم (٤) عليه (٥). وقال أبو عُبيدةَ (٦): اللَّغوُ: كلُّ شيءٍ من الكلام ليسَ بحَسَنٍ، والفُحشُ أشدُّ من اللَّغوِ، واللَّغوُ والهُجرُ في القولِ سواءٌ، واللَّغوُ واللَّغا لُغتَّانَ، يُقالُ من اللَّغا: لغِيتَ تَلْغَى، مِثل لقِيتَ تَلْقَى، وهُو التَّكلُّمُ بما لا يَنْبغِي وبما لا نفعَ فيهِ.

стр. 6413

وقال الأخفشُ: اللَّغوُ: الكلامُ الذي لا أصلَ لهُ من الباطِلِ وشبهِهِ، قال العجّاجُ (١): عن اللَّغا ورفثِ التَّكلُّمِ (٢) قال أبو عُمرة لا خِلافَ علِمتُهُ بين فُقهاءِ الأمصارِ في وُجُوبِ الإنصاتِ للخُطبةِ، على من سمِعها في الجُمُعةِ، وأنَّهُ غيرُ جائزٍ أن يقولَ الرَّجُلُ لمن سمِعهُ من الجُهّالِ يَتَكلَّمُ والإمامُ يخطُبُ يوم الجُمُعةِ: أنصِت، أو: صَهٍ، أو نحوَ ذلك، أخذًا بهذا الحديثِ، واستِعمالًا لهُ، وتقبُّلًا لما فيهِ. وقد رُوِي عن الشَّعبِيِّ وسعِيدِ بن جُبيرٍ والنَّخَعِيِّ وأبي بُردةَ: أنَّهُم كانُوا يتكلَّمُونَ في الخُطبةِ، إلّا في حِين قِراءةِ الإمام القُرآن في الخُطبةِ خاصَّة (٣). كلُّهُم ذهَبُوا أنْ لا إنصاتَ إلّا للقُرآنِ، لقولِهِ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وفِعلُهُم ذلك مردُودٌ عِندَ أهلِ العِلم بالسُّنَّةِ الثّابِتةِ المذكُورةِ في هذا البابِ، وأحسنُ أحوالِهِم أن يُقال: إنَّهُم لم يبلُغْهُمُ الحديثُ في ذلك؛ لأنَّهُ حديثٌ انفردَ به أهلُ المدِينةِ، ولا عِلمَ لمُتقدِّمِي أهلِ العِراقِ به، والحُجَّةُ في السُّنَّةِ، لا فيما خالفها، وباللّه التَّوفِيقُ. واختلفَ العُلماءُ في وُجُوبِ الإنصاتِ على من شهِدَ الخُطبةَ إذا لم يَسْمعها، لبُعدِهِ عن الإمام.

стр. 6414

فذهَبَ مالكٌ والشّافِعيُّ وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ والثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ، إلى أنَّ الكلامَ لا يجُوزُ لكلِّ من شهِدَ الخُطبةَ، سمِعَ أو لم يسمع (١). وكان عُثمانُ بن عفّان يقولُ في خُطْبتِهِ: اسْتمِعُوا وأنصِتُوا، فإنَّ للمُسْتمِع الذي لا يَسْمعُ من الأجْرِ، مِثلُ ما للمُستمِع السّامِع (٢). وعن ابنِ عُمر وابنِ عبّاسٍ: أنَّهُما كانا يَكْرهانِ الكلام والصَّلاةَ بعدَ خُرُوج الإمام (٣). ولا مُخالِفَ لهؤُلاءِ من الصَّحابةِ، فسقطَ قولُ الشَّعبيِّ (٤) ومن قال بقولِهِ في هذا البابِ. وكان عُروةُ بن الزُّبيرِ لا يرى بأسًا بالكلام، إذا لم يسمع الخُطبةَ يومَ الجُمُعةِ (٥). وقال أحمدُ بن حنبلٍ: لا بأسَ أن يَقْرأَ، ويذكُرَ اللهَ، من لا يَسْمعُ الخُطبةَ. وذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ (٦) عن الثَّورِيِّ، عن حمّادٍ، عن إبراهيمَ قال: إنِّي لأقرأُ جُزْئي إذا لم أسْمَع الخُطبةَ يومَ الجُمُعةِ. قال أبو عُمر: هذا يدُلُّ على أَنَّهُ لو سمِعَ الخُطبةَ، لم يقرأ، وهذا أصحُّ عنهُ من الذي تقدَّم، وإذا لم يقرأ، فأحْرَى أن لا يتكلَّم.

стр. 6415

وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (١) عن ابنِ جُريج، عن عطاءٍ قال: يحرُمُ الكلامُ ما كان الإمامُ على المِنبرِ، وإن كان قد ذهَبَ في غيرِ ذِكرِ الله. قيل لعطاءٍ: أيذكُرُ الإنسانُ اللهَ والإمامُ يخطُبُ يومَ عرفةَ، أو يومَ الفِطرِ، وهُو يَعقِلُ قولَ الإمام؟ قال: لا، كلُّ ذلك لغوٌ، فلا يتكلَّمنَّ، إلّا أن يذهَبَ الإمامُ في غيرِ (٢) ذِكرِ الله. قال: قال عطاءٌ: إذا اسْتَسقَى (٣) الإمامُ فادعُ، هُو يأمُرُكَ حِينئذٍ بهِ (٤). عبدُ الرَّزّاقِ (٥)، عن ابنِ جُرَيج قال: قُلتُ لعطاءٍ: أُسبِّحُ وأُهلِّلُ يومَ الجُمُعةِ، وأنا أعقِلُ الخُطبةَ؟ قال: لا، إلّا الشَّيءَ اليَسِير، واجعلهُ بينكَ وبين نفسِكَ. قال: قُلتُ لعطاءٍ: فإذا كُنتُ لا أسمعُ الإمام، أُسبِّحُ وأُهلِّلُ وأدعُو اللهَ لنفسِي ولأهلي، وأُسمِّيهِم بأسمائهِم، واسمِي (٦)؟ قال: نعم. عبدُ الرَّزّاقِ (٧)، عن ابنِ جُريج، قال: قُلتُ لعَمرِو بن دِينارٍ: أواجِبٌ الإنصاتُ يومَ الجُمُعةِ، والإمامُ يخطُبُ؟ قال: كذلك زَعَمُوا. عبدُ الرَّزّاقِ (٨)، عن مَعْمرٍ قال: سُئلَ الزُّهرِيُّ عن التَّسبِيح والتَّكبِيرِ، والإمامُ يخطُبُ. قال: كان يُؤمرُ بالصَّمتِ. قال: قُلتُ: ذهَبَ الإمامُ في غيرِ ذِكرِ الله في الجُمُعةِ؟ قال: تكلَّمْ إن شِئتَ. قال معمر: وقال قتادةُ: إن أحْدَثُوا، فلا تُحدِث.

стр. 6416

عبدُ الرَّزّاقِ (١)، عن محمدِ بن مُسلِم، عن إبراهيم بن مَيْسرةَ، قال: سمِعتُ طاووُسًا يقولُ: إذا كان يومُ الجُمُعةِ، والإمامُ على المِنبرِ، فلا يَدْعُو أحدٌ بشيءٍ، ولا يذكُرُ إلّا أن يذكُر الإمامُ. وذكر الحَسَنُ بن عليٍّ الحُلوانِيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مَرْيم، قال: شهِدتُ اللَّيث بن سعدٍ، وموسى بن مُصعبٍ يخطُبُهُم يومَ الجُمُعةِ، فقال في خُطبتِهِ: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]، فسمِعتُ اللَّيثَ يقولُ: اللَّهُمَّ لا تَمْقُتنا. وذكرَ الزُّبيرُ بن أبي بكرٍ القاضِي، قال: أخبرنا مُصعبُ بن عُثمان، عن مشيختِهِ: أنَّ عبدَ الله بن عُروةَ بن الزُّبيرِ كان يَشْهدُ الجُمُعةَ، فيخرُجُ خالدُ بن عبدِ الملكِ بن الحارِثِ بن الحَكَم بن أبي العاص فيَخْطُبُ، فيستقبِلُهُ عبدُ الله بن عُروةَ، ويُنصِتُ لهُ، فإذا شتَمَ خالدٌ عليًّا، تكلَّم عبدُ الله بن عُروةَ، وأقبلَ على أدْنَى إنسانٍ إلى جنبِهِ، فيُقالُ لهُ: إنَّ الإمامَ يخطُبُ، فيقولُ: إنّا لم نُؤمَرْ أن نُنصِت لهذا (٢). قال أبو عُمر: الذي عليه (٣) جماعةُ الفُقهاءِ، أن لا يَدْعُوَ أحَدٌ، ولا يَذْكُر اللهَ غير الإمام في خُطبتِهِ. وأمّا المُستمِعُ فلا ينطِقُ بشيءٍ، وإنَّما عليه الإنصاتُ والاستِماعُ. وقد رُوِي عن عطاءٍ الخُراسانِيِّ وعِكرِمةَ، أنَّهُما قالا: من قال والإمامُ يخطُبُ: صَهٍ، فقد لغا، ومن لَغا فلا جُمُعةَ لهُ (٤).

стр. 6417

حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا أسودُ بن عامرٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمةَ، عن محمدِ بن عَمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ قال: خَطَبنا النَّبيُّ ﷺ يوم جُمُعةٍ، فذكر سُورةً، فقال أبو ذرٍّ لأُبيِّ بن كعبٍ: مَتَى نزلت هذه السُّورةُ؟ فأعرضَ عنهُ، فلمّا انصرَفَ قال لهُ: ما لكَ من صلاتِكَ إلّا ما لغوتَ، فسأل النَّبيَّ ﷺ فقال: "صدَقَ" (١). وقد رُوِي من مُرسلاتِ الحسنِ (٢): أنَّ هذه القِصَّةَ عرضَتْ لابنِ مسعُودٍ، أو لأبي مَسعُودٍ مع أُبيٍّ، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "صدَقَ أُبيٌّ". والصَّحِيحُ أنَّ هذه القِصَّةَ عَرَضَتْ لأبي ذرٍّ مع أُبيٍّ، على ما في هذا الحديثِ المُسندِ المُتَّصِلِ. وأمّا قولُهُ: ما لكَ من جُمُعتِك إلّا ما لغوتَ. وقولُ من قال: لا جُمُعةَ لهُ. فهذا مَحمَلُهُ عِندنا، على أنَّهُ ليسَ لهُ ثوابُ من صلَّى الجُمُعةَ وأنصت، لا أنَّهُ أفسدَ الكلامُ صلاتَهُ وأبطَلَها؛ لأنَّ قولهُ ﷺ : "تحرِيمُها التَّكبِيرُ" (٣) يدُلُّ على أنَّ ما قبلَ التَّكبِيرِ لا يُفسِدُها، واللّهُ أعلمُ (٤).

стр. 6418

أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن الأشعثِ، قال (١): حدَّثنا مُسدَّدٌ وأبو كامِل، قالا: حدَّثنا يزِيدُ، عن (٢) حبِيبٍ المُعلِّم (٣)، عن عَمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن عبدِ الله بن عَمرٍو، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "يحضُرُ الجُمُعةَ ثلاثةُ نفرٍ، فرجُلٌ حضَرَها يلغُو، وهُو حظُّهُ مِنها، ورجُلٌ حَضَرها يدعُو، فهُو رجُلٌ دَعا الله، فإن شاءَ أعطاهُ، وإن شاءَ مَنعهُ، ورجُلٌ حَضَرها بإنصاتٍ وسُكُوتٍ، ولم يَتَخطَّ رقبةَ مُسلِم، ولم يُؤذِ أحدًا، فهي كفّارةٌ إلى الجُمُعةِ التي تَلِيها، وثلاثةِ أيام". قال أبو عُمر: ففي هذا الحديثِ قولُهُ: "فَرجُلٌ حضَرَها يلغُو، فهُو حظُّهُ مِنها". ولم يأمُر بالإعادةِ. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا ابنُ نُمَيرٍ، قال: أخبرنا (٤) مُجالِدٌ، عن الشَّعبِيِّ، عن ابنِ عبّاسٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من تكلَّم يوم الجُمُعةِ والإمامُ يخطُبُ، فهُو كمثلِ الحِمارِ يحمِلُ أسفارًا" (٥).

стр. 6419

وهذا مِثلُهُ أيضًا، لم يأمُرْهُ بإعادةٍ. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (١) عن ابنِ جُريج، قال: قُلتُ لعطاءٍ: هل تعلمُ من شيءٍ يَقْطعُ جُمُعةَ الإنسانِ، حتَّى يجِب عليه أن يُصلِّي أربعًا، من كلام، أو تخطِّي رِقابِ النّاسِ، أو شيء غيرِ ذلك؟ قال: لا. وعن ابنِ جُريج، عن عطاءٍ، قال: يُقالُ: من تكلَّمَ، فكلامُهُ حظُّهُ من الجُمُعةِ، يقولُ: من أجرِ (٢) الجُمُعةِ، فأمّا أن يُوفِّي أربعًا، فلا (٣). قال أبو عُمر: على هذا جماعةُ الفُقهاءِ من أهلِ الرَّأيِ والأثرِ، وجماعةُ أهلِ النَّظرِ، لا يختلِفُونَ في ذلك، وحَسْبُك بهذا أصلًا وإجماعًا. واختَلَفُوا في ردِّ السَّلام، وتَشْمِيتِ العاطِسِ في الخُطبةِ. فقال مالكٌ (٤) وأصحابُهُ: لا يُشفَتُ العاطِس، ولا يرُدُّ السَّلامَ، إلّا إنْ ردَّهُ إشارةً، كما يرُدُّ في الصَّلاةِ. وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: لا يرُدُّ السَّلام، ولا يُشمِّتُ العاطِس (٥). وقال الثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ: لا بأسَ بردِّ السَّلام، وتشمِيتِ العاطِسِ، والإمامُ يخطُبُ. وهُو قولُ الحسنِ البصرِيِّ، والنَّخعِيِّ، والشَّعبِيِّ، والحكم، وحمّادٍ، والزُّهرِيِّ، وبه قال إسحاقُ. واختلفَ قولُ الشّافِعيِّ (٦) في ذلك، فقال في الكِتابِ القدِيم بالعِراقِ:

стр. 6420

يستقبِلُونَ الإمامَ بوُجُوهِهِم ويُنصِتُونَ، ولا يُشمِّتُوا عاطِسًا، ولا يرُدُّوا سلامًا إلّا بالإشارةِ. وقال في الجدِيدِ بمصرَ: ولو سلَّمَ رجُلٌ، كرِهتُهُ لهُ، ورأيتُ أن يرُدَّ عليه بعضُهُم؛ لأنَّ ردَّ السَّلام فرضٌ. قال: ولو عطسَ رجُلٌ، والإمامُ يخطُبُ في الجُمُعةِ، فشَمَّتهُ رجُلٌ، رَجَوتُ أن يسعهُ؛ لأنَّ التَّشمِيت سُنَّةٌ. واختارهُ المُزنِيُّ. وحكى البُويطِيُّ عنهُ: أَنَّهُ لا بأسَ بردِّ السَّلام، وتشمِيتِ العاطِسِ، والإمامُ يخطُبُ في الجُمُعةِ وغيرِها. وكذلك حكى إسحاقُ بن منصُورٍ، عن أحمد، وإسحاق. ورُوِي عن أحمدَ أيضًا: إذا لم يسمع الخُطبةَ، شمَّت وردَّ (١). ورُوِي مِثلُ ذلك عن عطاءٍ. وقال الأثرمُ: قُلتُ لأحمد بن حنبل: هل يَرُدُّ السَّلامَ يوم الجُمُعةِ والإمامُ يخطُبُ؟ قال: نعم. قيل لهُ: ويُشمِّتُ العاطِسَ؟ قال: نعم. وقال أبو جعفرٍ الطحاوِيُّ (٢): لمّا كان مأمُورًا بالإنصاتِ كالصَّلاةِ، لم يُشمِّت، كما لا يُشمِّتُ في الصَّلاةِ، فإن قيلَ: ردُّ السَّلام فرضٌ، والصَّمتُ سُنَّةٌ. قال أبو جعفرٍ: الصَّمتُ فرضٌ؛ لأنَّ الخُطبةَ فرضٌ، وإنَّما تصِحُّ بالخاطِبِ والمخطُوبِ عليهم، فكما يفعلُها الخاطِبُ فرضًا، كذلك المُستمِعُ فَرْضٌ عليه ذلك. قال أبو عُمر: في هذا نظرٌ، والصَّمتُ واجِبٌ بسُنَّةِ رسُولِ الله ﷺ ، وباللّه تعالى التَّوفِيقُ.

стр. 6421

حديثٌ ثامنُ أربعينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "الملائكةُ تُصلِّي على أحدِكُم ما دامَ في مُصلّاهُ الذي صلَّى فيه، ما لم يُحدِث، اللَّهُمَّ اغفِرْ لهُ، اللَّهُمَّ ارحَمْهُ". قال مالكٌ: لا أرَىَ قولَهُ: "ما لم يُحدِث" إلّا الإحداثَ الذي ينقُضُ الوُضُوءَ. قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ: "الملائكةُ تُصلِّي على أحدِكُم". فمعناهُ تترحَّمُ على أحدِكُم، وتدعُو لهُ بالرَّحمةِ والمغفِرةِ، وهذا بيِّنٌ في نفسِ هذا الحديثِ، قولَهُ: "اللَّهُمَّ اغفِر لهُ، اللَّهُمَّ ارحمهُ". وأمّا قولُهُ: "في مُصلّاهُ الذي صلَّى فيهِ". فإنَّهُ أرادَ الصَّلاةَ المعرُوفةَ، ومَوْضِعُها الذي تُفعَلُ فيه، هُو المُصلَّى (٢)، وهُو المسجدُ، مسجدُ الجماعةِ؛ لأنَّ فيه يحصُلُ في الأغْلَبِ انتِظارُ الصَّلاةِ، ولو قعدَتِ المرأةُ في بَطْنِ (٣) بيتِها، أو من لا يَقْدِرُ على شُهُودِها في المسجدِ، لكانَ كذلك إن شاءَ الله. ذكر الفِريابِيُّ، قال: حدَّثنا حكِيمُ بن رُزيقٍ (٤) الأيلِيُّ (٥)، قال: سمِعتُ أبي يَسْألُ سعِيد بن المُسيِّبِ، وأنا معهُ، قال: يا أبا محمدٍ، إنّا أهلُ قَرْيةٍ لا نكادُ أن نَقْبُر موتانا إلّا بالعَشِيِّ، فإذا خرجتِ الجِنازةُ، لم يتخلَّف عنها أحد، إلّا من لا يَسْتطِيعُ حُضُورها، فكيفَ ترى؟ اتِّباعُ الجِنازةِ أحبُّ إليكَ، أم القُعُودُ في المسجدِ؟ فقال

стр. 6422

سعِيدٌ: من صلَّى على جِنازةٍ فلهُ قِيراطٌ، ومن تَبعها حتَّى تُقبر فلهُ قِيراطانِ، والتَّخلُّفُ في المسجدِ أحبُّ إليَّ، أذكُرُ اللهَ وأُهلِّلُ وأُسبِّحُ وأستغفِرُ، فإنَّ الملائكةَ تقُولُ: اللَّهُمَّ اغفِر لهُ، اللَّهُمَّ ارحمهُ، فإذا فعَلتُ، تقُولُ الملائكةُ: اللَّهُمَّ اغفِر لسعِيدِ بن المُسيِّبِ (١). قال: وحدَّثنا سُفيانُ، عن عُثمان بن الأسودِ، عن مُجاهِدٍ قال: الصَّلاةُ على الجنائزِ، أفضلُ من صلاةِ التَّطوُّع (٢). قال أبو عُمر: هذا أصحُّ في النَّظرِ؛ لأنَّ الفُرُوضَ التي على الكِفالة، أفضلُ من النَّوافِلِ. وقد بان في حديثِ سعِيدٍ هذا، أنَّ الصَّلاةَ المذكُورةَ في هذا الحديثِ الدُّعاءُ. وللصَّلاةِ في كلام العربِ وُجُوهٌ. قال أبو بكر ابنُ الأنبارِيِّ: والصَّلاةُ تنقسِمُ في كلام العربِ على ثلاثةِ أقسام: تكونُ الصَّلاةَ المعرُوفةَ التي فيها الرُّكُوعُ والسُّجُودُ، كما قال : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]. قال أبو عُمر: وأنشد نِفطُويةُ في هذا المعنى قولَ الأعْشَى (٣)، وهُو جاهِلِيٌّ: نُراوِحُ من صَلَواتِ الملِيـ ... ـكِ طَوْرًا سُجُودًا وطَورًا حَوارَا الحَوارُ هاهُنا: الرُّجُوعُ إلى القِيام والقُعُودِ، ومن هذا قولُهُم: البَكَرةُ تدُورُ على المِحْورِ. ومن هذا قولُ النّابِغةِ الذُّبيانِيِّ (٤): أو دُرَّةٌ صدفِيَّةٌ غوّاصُها ... بهِجٌ متى يَرَها يُهِلُّ ويَسْجُدُ
следующие страницы →