← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6418–6457 · переход к 6423.

стр. 6418

أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن الأشعثِ، قال (١): حدَّثنا مُسدَّدٌ وأبو كامِل، قالا: حدَّثنا يزِيدُ، عن (٢) حبِيبٍ المُعلِّم (٣)، عن عَمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن عبدِ الله بن عَمرٍو، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "يحضُرُ الجُمُعةَ ثلاثةُ نفرٍ، فرجُلٌ حضَرَها يلغُو، وهُو حظُّهُ مِنها، ورجُلٌ حَضَرها يدعُو، فهُو رجُلٌ دَعا الله، فإن شاءَ أعطاهُ، وإن شاءَ مَنعهُ، ورجُلٌ حَضَرها بإنصاتٍ وسُكُوتٍ، ولم يَتَخطَّ رقبةَ مُسلِم، ولم يُؤذِ أحدًا، فهي كفّارةٌ إلى الجُمُعةِ التي تَلِيها، وثلاثةِ أيام". قال أبو عُمر: ففي هذا الحديثِ قولُهُ: "فَرجُلٌ حضَرَها يلغُو، فهُو حظُّهُ مِنها". ولم يأمُر بالإعادةِ. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا ابنُ نُمَيرٍ، قال: أخبرنا (٤) مُجالِدٌ، عن الشَّعبِيِّ، عن ابنِ عبّاسٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من تكلَّم يوم الجُمُعةِ والإمامُ يخطُبُ، فهُو كمثلِ الحِمارِ يحمِلُ أسفارًا" (٥).

стр. 6419

وهذا مِثلُهُ أيضًا، لم يأمُرْهُ بإعادةٍ. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (١) عن ابنِ جُريج، قال: قُلتُ لعطاءٍ: هل تعلمُ من شيءٍ يَقْطعُ جُمُعةَ الإنسانِ، حتَّى يجِب عليه أن يُصلِّي أربعًا، من كلام، أو تخطِّي رِقابِ النّاسِ، أو شيء غيرِ ذلك؟ قال: لا. وعن ابنِ جُريج، عن عطاءٍ، قال: يُقالُ: من تكلَّمَ، فكلامُهُ حظُّهُ من الجُمُعةِ، يقولُ: من أجرِ (٢) الجُمُعةِ، فأمّا أن يُوفِّي أربعًا، فلا (٣). قال أبو عُمر: على هذا جماعةُ الفُقهاءِ من أهلِ الرَّأيِ والأثرِ، وجماعةُ أهلِ النَّظرِ، لا يختلِفُونَ في ذلك، وحَسْبُك بهذا أصلًا وإجماعًا. واختَلَفُوا في ردِّ السَّلام، وتَشْمِيتِ العاطِسِ في الخُطبةِ. فقال مالكٌ (٤) وأصحابُهُ: لا يُشفَتُ العاطِس، ولا يرُدُّ السَّلامَ، إلّا إنْ ردَّهُ إشارةً، كما يرُدُّ في الصَّلاةِ. وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: لا يرُدُّ السَّلام، ولا يُشمِّتُ العاطِس (٥). وقال الثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ: لا بأسَ بردِّ السَّلام، وتشمِيتِ العاطِسِ، والإمامُ يخطُبُ. وهُو قولُ الحسنِ البصرِيِّ، والنَّخعِيِّ، والشَّعبِيِّ، والحكم، وحمّادٍ، والزُّهرِيِّ، وبه قال إسحاقُ. واختلفَ قولُ الشّافِعيِّ (٦) في ذلك، فقال في الكِتابِ القدِيم بالعِراقِ:

стр. 6420

يستقبِلُونَ الإمامَ بوُجُوهِهِم ويُنصِتُونَ، ولا يُشمِّتُوا عاطِسًا، ولا يرُدُّوا سلامًا إلّا بالإشارةِ. وقال في الجدِيدِ بمصرَ: ولو سلَّمَ رجُلٌ، كرِهتُهُ لهُ، ورأيتُ أن يرُدَّ عليه بعضُهُم؛ لأنَّ ردَّ السَّلام فرضٌ. قال: ولو عطسَ رجُلٌ، والإمامُ يخطُبُ في الجُمُعةِ، فشَمَّتهُ رجُلٌ، رَجَوتُ أن يسعهُ؛ لأنَّ التَّشمِيت سُنَّةٌ. واختارهُ المُزنِيُّ. وحكى البُويطِيُّ عنهُ: أَنَّهُ لا بأسَ بردِّ السَّلام، وتشمِيتِ العاطِسِ، والإمامُ يخطُبُ في الجُمُعةِ وغيرِها. وكذلك حكى إسحاقُ بن منصُورٍ، عن أحمد، وإسحاق. ورُوِي عن أحمدَ أيضًا: إذا لم يسمع الخُطبةَ، شمَّت وردَّ (١). ورُوِي مِثلُ ذلك عن عطاءٍ. وقال الأثرمُ: قُلتُ لأحمد بن حنبل: هل يَرُدُّ السَّلامَ يوم الجُمُعةِ والإمامُ يخطُبُ؟ قال: نعم. قيل لهُ: ويُشمِّتُ العاطِسَ؟ قال: نعم. وقال أبو جعفرٍ الطحاوِيُّ (٢): لمّا كان مأمُورًا بالإنصاتِ كالصَّلاةِ، لم يُشمِّت، كما لا يُشمِّتُ في الصَّلاةِ، فإن قيلَ: ردُّ السَّلام فرضٌ، والصَّمتُ سُنَّةٌ. قال أبو جعفرٍ: الصَّمتُ فرضٌ؛ لأنَّ الخُطبةَ فرضٌ، وإنَّما تصِحُّ بالخاطِبِ والمخطُوبِ عليهم، فكما يفعلُها الخاطِبُ فرضًا، كذلك المُستمِعُ فَرْضٌ عليه ذلك. قال أبو عُمر: في هذا نظرٌ، والصَّمتُ واجِبٌ بسُنَّةِ رسُولِ الله ﷺ ، وباللّه تعالى التَّوفِيقُ.

стр. 6421

حديثٌ ثامنُ أربعينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "الملائكةُ تُصلِّي على أحدِكُم ما دامَ في مُصلّاهُ الذي صلَّى فيه، ما لم يُحدِث، اللَّهُمَّ اغفِرْ لهُ، اللَّهُمَّ ارحَمْهُ". قال مالكٌ: لا أرَىَ قولَهُ: "ما لم يُحدِث" إلّا الإحداثَ الذي ينقُضُ الوُضُوءَ. قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ: "الملائكةُ تُصلِّي على أحدِكُم". فمعناهُ تترحَّمُ على أحدِكُم، وتدعُو لهُ بالرَّحمةِ والمغفِرةِ، وهذا بيِّنٌ في نفسِ هذا الحديثِ، قولَهُ: "اللَّهُمَّ اغفِر لهُ، اللَّهُمَّ ارحمهُ". وأمّا قولُهُ: "في مُصلّاهُ الذي صلَّى فيهِ". فإنَّهُ أرادَ الصَّلاةَ المعرُوفةَ، ومَوْضِعُها الذي تُفعَلُ فيه، هُو المُصلَّى (٢)، وهُو المسجدُ، مسجدُ الجماعةِ؛ لأنَّ فيه يحصُلُ في الأغْلَبِ انتِظارُ الصَّلاةِ، ولو قعدَتِ المرأةُ في بَطْنِ (٣) بيتِها، أو من لا يَقْدِرُ على شُهُودِها في المسجدِ، لكانَ كذلك إن شاءَ الله. ذكر الفِريابِيُّ، قال: حدَّثنا حكِيمُ بن رُزيقٍ (٤) الأيلِيُّ (٥)، قال: سمِعتُ أبي يَسْألُ سعِيد بن المُسيِّبِ، وأنا معهُ، قال: يا أبا محمدٍ، إنّا أهلُ قَرْيةٍ لا نكادُ أن نَقْبُر موتانا إلّا بالعَشِيِّ، فإذا خرجتِ الجِنازةُ، لم يتخلَّف عنها أحد، إلّا من لا يَسْتطِيعُ حُضُورها، فكيفَ ترى؟ اتِّباعُ الجِنازةِ أحبُّ إليكَ، أم القُعُودُ في المسجدِ؟ فقال

стр. 6422

سعِيدٌ: من صلَّى على جِنازةٍ فلهُ قِيراطٌ، ومن تَبعها حتَّى تُقبر فلهُ قِيراطانِ، والتَّخلُّفُ في المسجدِ أحبُّ إليَّ، أذكُرُ اللهَ وأُهلِّلُ وأُسبِّحُ وأستغفِرُ، فإنَّ الملائكةَ تقُولُ: اللَّهُمَّ اغفِر لهُ، اللَّهُمَّ ارحمهُ، فإذا فعَلتُ، تقُولُ الملائكةُ: اللَّهُمَّ اغفِر لسعِيدِ بن المُسيِّبِ (١). قال: وحدَّثنا سُفيانُ، عن عُثمان بن الأسودِ، عن مُجاهِدٍ قال: الصَّلاةُ على الجنائزِ، أفضلُ من صلاةِ التَّطوُّع (٢). قال أبو عُمر: هذا أصحُّ في النَّظرِ؛ لأنَّ الفُرُوضَ التي على الكِفالة، أفضلُ من النَّوافِلِ. وقد بان في حديثِ سعِيدٍ هذا، أنَّ الصَّلاةَ المذكُورةَ في هذا الحديثِ الدُّعاءُ. وللصَّلاةِ في كلام العربِ وُجُوهٌ. قال أبو بكر ابنُ الأنبارِيِّ: والصَّلاةُ تنقسِمُ في كلام العربِ على ثلاثةِ أقسام: تكونُ الصَّلاةَ المعرُوفةَ التي فيها الرُّكُوعُ والسُّجُودُ، كما قال : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]. قال أبو عُمر: وأنشد نِفطُويةُ في هذا المعنى قولَ الأعْشَى (٣)، وهُو جاهِلِيٌّ: نُراوِحُ من صَلَواتِ الملِيـ ... ـكِ طَوْرًا سُجُودًا وطَورًا حَوارَا الحَوارُ هاهُنا: الرُّجُوعُ إلى القِيام والقُعُودِ، ومن هذا قولُهُم: البَكَرةُ تدُورُ على المِحْورِ. ومن هذا قولُ النّابِغةِ الذُّبيانِيِّ (٤): أو دُرَّةٌ صدفِيَّةٌ غوّاصُها ... بهِجٌ متى يَرَها يُهِلُّ ويَسْجُدُ

стр. 6423

قال ابنُ (١) الأنبارِيُّ: وتكونُ الصَّلاةُ: التَّرحُّم، من ذلك قولُ الله : ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]. ومن ذلك قولُ كعبِ بن مالكٍ (٢): صلَّى الإلهُ عليهمُ من فِتيةٍ ... وسَقَى عِظامَهُمُ الغَمامُ المُسبِلُ وقال آخرُ (٣): صلَّى على يحيى وأشياعِهِ ... ربٌّ كرِيمٌ وشفِيعٌ مُطاعُ ومنهُ الحديثُ الذي يُروى عن ابن أبي أوْفَى أَنَّهُ قال: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ بصدَقتِنا، فقال: "اللَّهُمَّ صلِّ على آلِ أبي أوْفَى" (٤). يُرِيدُ: اللَّهُمَّ تَرحَّم عَليهِم. وتكونُ الصَّلاةُ الدُّعاءَ، من ذلك الصلاةُ على الميِّتِ، معناها الدُّعاءُ؛ لأَنَّهُ لا رُكُوعَ فيها ولا سُجُود. ومن ذلك قولُ النَّبيِّ ﷺ : "إذا دُعِي أحدُكُم إلى طعام فليُجِب، فإن كان مُفطِرًا فليأكل، وإن كان صائمًا فليُصلِّ" (٥). معناهُ: فليَدعُ بالبَركةِ.

стр. 6424

ومنهُ قولُهُ أيضًا: "الصّائمُ إذا أُكِلَ عِندهُ، صلَّتْ عليه الملائكةُ" (١). معناهُ: دعَتْ لهُ. ومنهُ قولُ الأعشى (٢): لها حارِسٌ لا يبرحُ الدَّهرَ بَيْتَها ... وإن ذُبِحَتْ صلَّى عليها وزمزَما وللأعشى (٣): تقُولُ بنْتي وقد قرَّبتُ مُرتحلًا ... يا ربِّ جنِّب أبي الأوْصابَ والوَجَعا عليكِ مِثلُ الذي صَلَّيتِ فاغْتَمِضِي ... نومًا فإنَّ لجنبِ المرءِ مُضْطَجعًا يُرِيدُ: عليكِ مِثلُ الذي دَعَوتِ، ويُروى: فاغْتمِضِي عينًا. ومن هذا عِندَ جماعةٍ من (٤) العُلماءِ قولُ الله : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قالوا: أُنزِلت في الدُّعاءِ والمسألةِ. هذا قولُ مكحُول، وأبي عِياضٍ (٥). وذكرَ مالكٌ (٦)، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ قال: أُنزِلت هذه الآيةُ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ في الدُّعاءِ.

стр. 6425

هكذا رواهُ مالكٌ، عن هشام، عن أبيهِ (١) قولهُ. ورواهُ الثَّورِيُّ (٢)، وحمّادُ بن زيدٍ (٣)، ووكِيعٌ (٤)، وأبو مُعاويةَ (٥) عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ. ورواهُ مَعْمرٌ، عن هشام، عن أبيهِ (٦). كما رواهُ مالكٌ. وممَّن قال: إنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ في الدُّعاءِ: مُجاهِدٌ، وإبراهيمُ النَّخعِيُّ، وعَطاءٌ، وعبدُ الله بن شدّادٍ (٧). وفي الآيةِ قولٌ ثانٍ، قالهُ ابنُ عبّاسٍ، وابنُ مسعُودٍ، وسعِيدُ بن جُبيرٍ، وعِكرِمةُ: نزلَتْ في القِراءةِ؛ قالوا: كان النَّبيُّ ﷺ يجهرُ بالقِراءةِ في صلاتِهِ بمكَّةَ، فكان ذلك يُحجِبُ المُسلِمِينَ، وَيسُوءُ الكُفّار، فهمُّوا بأذاهُ، وسبُّوا القُرآنَ ومن أنزَلَهُ، وقالوا: يُؤذِينا. فأنزل اللهُ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ الآيةَ (٨) [الإسراء: ١١٠]. قال ابنُ مسعُودٍ: ما خافَتَ مَن أسمع نَفْسهُ (٩). ورُوِي عن قتادةَ وسعِيدِ بن جُبيرٍ القولانِ جميعًا (١٠).

стр. 6426

وقال الحسنُ: معنى الآيةِ: لا تُسِئْ (١) صلاتك في السِّرِّ وتُحسِنْها (٢) في العلانِيةِ، ولتكُن سرِيرتُك مُوافِقةً لعلانِيتِكَ (٣). وعن الحسنِ أيضًا قال: لا تُصلِّها (٤) رِياءً، ولا تدَعْها حياءً (٥). وروى سُفيانُ، عن زُبيدٍ قال: إذا كانت سَرِيرةُ العبدِ أفضَلَ من عَلانِتِهِ، فذلك أفَضلُ، وإن كانت سَرِيرتُهُ وعلانِيتُهُ سَواءً، فذلك النَّصفُ، وإن كانت عَلانِيتُه (٦) عِندَ الله أفضَلَ، فذلك الحَوْرُ (٧). وقال ابنُ سِيرِين: نزلَتْ هذه الآيةُ في أبي بكرٍ وعُمر، كان عُمرُ إذا قرأ رفعَ صوتهُ، وقال: أطرُدُ الشَّيطانَ، وأُوقُظُ الوَسْنانَ. وكان أبو بكرٍ يخفِضُ صوتَهُ، فأُمِر أبو بكرٍ أن يرفعَ صوتَهُ قليلًا، وأُمِر عُمرُ أن يخفِضَ صوتَهُ قليلًا، ونزلت: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (٨) [الإسراء: ١١٠]. رُوِي هذا عن ابنِ سِيرِينَ من وُجُوهٍ صِحاح. وأصحُّ شيءٍ في معنى هذه الآيةِ، قولُ من قال: إنَّها نزلت في الدُّعاءِ، واللّهُ أعلمُ. ذكر ابنُ أبي شَيْبةَ، قال (٩): أخبرنا ابنُ فُضَيل، عن أشْعَثَ، عن عِكرِمةَ، عن

стр. 6427

ابنِ عبّاسٍ - في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ - قال: كان الرَّجُلُ إذا دَعا في الصَّلاةِ، رفَعَ صوتهُ، فنزلَتْ هذه الآيةُ. وكلُّ من رُوِي عنهُ أنَّها نزلت في القِراءةِ، فقد رُوِي عنهُ أنَّها نزلَتْ في الدُّعاءِ. قال أبو عُمر: هذا الحديثُ من أفْضَلِ ما يُروى في فَضلِ المُنتظِرِ للصَّلاةِ؛ لأنَّ الملائكةَ تَسْتغفِرُ لهُ، وفي استِغفارِها لهُ، دليلٌ على أنَّهُ يُغفرُ لهُ إن شاءَ الله، ألا تَرَى أنَّ طلبَ العِلْم من أفْضَلِ الأعمالِ، وإنَّما صار كذلك، واللّهُ أعلمُ، لأنَّ الملائكةَ تَضَعُ أجنِحتها لهُ بالدُّعاءِ والاستِغفارِ. وأمّا قولُ مالكٍ وتفسِيرُهُ: "ما لم يُحدِث" بأنَّهُ الحَدَثُ الذي ينقُضُ الوُضُوءَ. فقد خالَفهُ فيه غيرُهُ، وقال: هُو الكلامُ القَبِيحُ، والخوضُ فيما لا يصلُحُ من اللَّهوِ. والذي قالهُ مالكٌ هُو الصَّوابُ إن شاءَ الله؛ لأنَّ كلَّ من أحدَثَ وقعَدَ في المسجدِ، فليسَ بمُنتظِرٍ للصَّلاةِ، لأنَّهُ إنَّما يَنْتظِرُها من كان على وُضُوءٍ، وغيرُ نَكِيرٍ أن تترحَّمَ الملائكةُ على كلِّ مُنتظِرٍ للصَّلاةِ، وتدعُو لهُ بالمغفِرةِ والرَّحمةِ والتَّوفِيقِ والهِدايةِ، لفضلِ انتِظارِهِ للصَّلاةِ، إذا لم يحبِسْهُ غيرُها، على ما ذكَرْنا، إذا كان مُنتظِرًا للصَّلاةِ، لا يَمْنعُهُ أن ينصرِفَ إلى أهلِهِ إلّا الصَّلاةُ، وهذا أوْلَى بأن تَدْعُو لهُ الملائكةُ بالمغفِرةِ والرَّحمةِ، فرَحْمتُهُ وسِعَتْ كلَّ مؤمنٍ به (١)، لا شرِيكَ لهُ. وقولُ مالكٍ يدُلُّ على أنَّ كلَّ من لم يُحدِث حَدَثًا ينقُضُ الوُضُوءَ، داخِلٌ في معنى هذا الحديثِ، وإن خاضَ في بعضِ ما يُخاضُ فيه من أخبارِ الدُّنيا، واللّهُ أعلمُ، إذا كان أصلُ عَقْدِهِ انتِظارَ الصَّلاةِ بعد الصَّلاةِ.

стр. 6428

حديثٌ تاسعُ أربعينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "يَعْقِدُ الشَّيطانُ على قافِيةِ رأسِ أحدِكُم إذا هُو نامَ ثلاث عُقَدٍ، يضرِبُ مكان كلِّ عُقْدةٍ: عليكَ ليلٌ طوِيلٌ فارقُد، فإنِ اسْتَيقظَ فذكر الله، انحلَّت عُقدةٌ، فإن تَوضَّأ انحلَّتْ عُقدةٌ، فإن صَلَّى انحلَّت عُقْدةٌ، فأصبَحَ نشِيطًا طيِّبَ النَّفسِ، وإلّا أصبَحَ خبِيثَ النَّفسِ كَسْلانَ". هذا كما قال ﷺ ، واللّه أعلمُ كيف يَعقِدُ الشَّيطانُ عُقَدَه على (٢) رأسِ ابنِ آدم. وقيل: إنَّها كَعُقدِ السِّحرِ، من قولِ الله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وهذا لا يَقِفُ على حَقِيقتِهِ أحَدٌ. والقافِيةُ: مُؤَخَّرُ الرَّأسِ، وهُو القَذالُ، وقافِيةُ كلِّ شيءٍ آخِرُهُ، ومنهُ قيل لنبِيِّنا ﷺ : المُقفَّى؛ لأنَّهُ آخِرُ الأنبِياءِ، ومن هذا أُخِذَتْ قوافِي الشِّعرِ، لأنَّها أواخِرُ الأبيّاتِ. والمعنى عِندِي، واللّهُ أعلمُ، في هذا الحديثِ: أنَّ الشَّيطان يُنوِّمُ المرءَ، وَيزِيدُهُ ثِقلًا وكَسَلًا بسعيِهِ وما أُعطِي من الوَسْوسةِ، والقُدرر على الإغْواءِ والتَّضليلِ، وتزيِينِ الباطِلِ والعونِ عليه، إلّا عِبادَ الله المُخلَصِين. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ ذِكرَ الله يُطرَدُ به الشَّيطانُ. وكذلك الوُضُوءُ والصَّلاةُ، ويحتَمِلُ أن يكون الذِّكرُ: الوُضُوءَ والصَّلاةَ، لما فيهِما معنى الذِّكرِ، تُخَصَّ بهذا الفَضْلِ في طَرْدِ الشَّيطانِ، ويَحتملُ أن يكون كذلك سائرُ أعمالِ البِرِّ، واللّهُ أعلمُ.

стр. 6429

فمن قامَ من اللَّيلِ يُصلِّي انحلَّت عُقدُهُ، فإن لم يفعل أصبَحَ على ما قالَ ﷺ ، إلّا أَنَّهُ تنحلُّ عُقدُهُ بالوُضُوءِ للفرِيضةِ وصلاتِها، واللّهُ أعلمُ. وأمّا طردُ الشَّيطانِ بالتِّلاوةِ والذِّكرِ والأذانِ، فمُجتَمعٌ عليه، مَشهُورٌ في الآثارِ. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (١): أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا شَبابةُ، قال: حدَّثنا المُغِيرةُ بن مُسلِم، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا دخَلَ الرَّجُلُ بيتَهُ، أو أوى إلى فِراشِهِ، ابتَدَرهُ مَلكٌ وشيطان، فيقولُ المَلَكُ: افتَحْ بخيرٍ، ويقولُ الشَّيطانُ: افتَحْ بشرٍّ، فإن ذكَرَ اللهَ طرَدَ المَلَكُ الشَّيطانَ وظَلَّ يَكْلَؤه وإن انتبَهَ من مَنامهِ قالا ذلك (٢)، هُو قال: الحمدُ للّه الذي ردَّ إليَّ نَفْسِي بعدَ مَوْتِها، ولم يُمِتها في مَنامِها، الحمدُ للّه الذي: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ إلى آخِرِ الآيةِ [الحج: ٦٥]، فإن هُو خرَّ من (٣) فِراشِهِ فماتَ، كان شهِيدًا، وإن قامَ فصَلَّى، صَلَّى في فضائلَ (٤) ". وروا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن حجّاج الصَّوّافِ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلَهُ، إلّا أنَّهُ قالَ في آخِرِهِ: "فإن وقَعَ من سرِيرِهِ فماتَ، دخلَ الجنَّةَ" (٥).

стр. 6430

حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود (١)، قالا: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيم دُحيمٌ، قال: حدَّثنا الولِيدُ، قال: حدَّثنا الأوزاعِيُّ، قال: حدَّثني عُمَيرُ بن هانئ، قال: حدَّثني جُنادةُ بن أبي أُميَّةَ، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من تَعارَّ من اللَّيلِ، فقالَ حِينَ يَسْتيقِظُ: لا إلَهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ لا شرِيكَ لهُ، لهُ المُلكُ ولهُ الحمدُ، وهُو على كلِّ شيءٍ قدِير، سُبحانَ الله، والحمدُ لله، واللّه أكبرُ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلّا باللّه، ثُمَّ دَعا: ربِّ اغفِر لي، غُفِر لهُ". قال الولِيدُ: أو قال: "دَعا، استُجِيبَ لهُ، فإن قامَ فصلَّى، قُبِلَتْ صَلاتُهُ". وثبَتَ عن النَّبيِّ ﷺ من وُجُوهٍ: أنَّهُ كان يقُومُ من اللَّيلِ، فيذكُرُ الله بأنواع من الذِّكرِ، ثُمَّ يَتَوضَّأُ ويُصلِّي. وفي هذا الحديثِ حضٌّ على قِيام اللَّيلِ؛ لأنَّ فيه أنَّهُ يُصبِحُ طيِّب النَّفسِ نَشِيطًا، بعدَ ذِكرِ الوُضُوءِ والصَّلاةِ. وقد زعمَ قومٌ، أنَّ في هذا الحديثِ ما يُعارِضُ قولَهُ ﷺ : "لا يقولنَّ أحدُكُم: خَبُثت نفسِي". لقولِهِ في هذا الحديثِ: "وإلّا أصبَحَ خبِيثَ النَّفسِ"، وليسَ ذلك عِندِي كذلك، لأنَّ النَّهيَ إنَّما وردَ عن إضافَةِ المرءِ ذلك إلى نفسِهِ،

стр. 6431

كراهِيةً لتِلك الكَلِمة، وتشاؤُمًا بها (١) إذا أضافها الإنسانُ إلى نفسِهِ، والحديثُ الثّاني إنَّما هُو خبرٌ عن حالِ من لم يذكُرِ اللهَ في ليله، ولا تَوضَّأ ولا صلَّى، أنَّه يُصبح (٢) خبِيثَ النَّفسِ، ذمًّا لفِعلِهِ، وعيبًا لهُ. ولِكلِّ واحِدٍ من الخَبَرينِ وجهٌ، فلا معنى أن يُجعلا مُتعارِضينِ؛ لأنَّ من شأنِ أهلِ العِلم، أن لا يجعلُوا شيئًا من القُرآنِ، ولا من السُّننِ، مُعارِضًا لشيءٍ مِنها، ما وجدُوا إلى اسْتِعمالِها وتخرِيج الوُجُوهِ لها سبِيلًا. والحديثُ حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو مُسلِم الكشِّيُّ، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن نُصَيرٍ (٣)، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ أبي عبدِ الله، عن هشام بن عُروةَ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يقولنَّ أحدُكُم: خَبُثَتْ نفسِي، ولكِنْ ليقُل: لَقِسَتْ نَفْسِي" (٤). وحدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٥): أخبرنا إسحاقُ بن إبراهيم. وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ،

стр. 6432

قالا: أخبرنا سُفيانُ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يقولنَّ أحدُكُم: خَبُثت نَفْسِي، ولكِن ليقُل: لَقِسَتْ نَفْسِي". وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبرنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: أخبرنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (١): أخبرنا محمدُ بن هشام، قال: أخبرنا عُمرُ بن عليٍّ، عن سُفيان بن حُسينٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يقولنَّ أحدُكُم: خَبُثت نفسِي، ولكِن ليقُل: لقِسَتْ نَفْسِي". هكذا رواهُ سُفيانُ بن حُسينٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ. ورواهُ يُونُسُ بن يزِيد وإسحاقُ بن راشِدٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن أبي أُمامَةَ بن سَهْلِ بن حُنيفٍ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ سَواءً (٢). ورواهُ ابنُ عُيينةَ، عن الزُّهرِيِّ، عن أبي أُمامةَ، عن النَّبيِّ ﷺ مُرسلًا (٣). قال الخليلُ: لقِسَتْ نفسُهُ: إذا نازَعَتهُ إلى الشَّيءِ، وتَلاقسُوا: سبَّ بعضُهُم بعضًا.

стр. 6433

حديثٌ مُوَفِّي خمسينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يَقُلْ أحدُكُم إذا دَعا: اللَّهُمَّ اغْفِر لي إن شِئتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمني إن شِئتَ، ليعزِم المسألةَ، فإنَّهُ لا مُكْرِهَ لهُ". هذا حديثٌ (٢) صحِيحٌ بيِّنٌ لا يَحتاجُ إلى تَفسِيرٍ، ولا إلى كلام وتأوِيل، لأَنَّهُ واضِحُ المعنى. ويَدخُلُ في معنَى قولِهِ: "اللَّهُمَّ اغْفِر لي إن شِئتَ (٣)، وارحمني إن شِئتَ" كلُّ دعوةٍ، فلا يجُوزُ لأحَدٍ أن يقول: اللَّهُمَّ أعطِني كذا إن شِئتَ، وارحمني إن شئتَ وتجاوَزْ عنِّي، وهَبْ لي من الخَيرِ إن شِئتَ، من أمرِ الدِّينِ والدُّنيا، لنهيِ رسُولِ الله ﷺ عن ذلك، ولأَنَّهُ كلامٌ مُستحِيلٌ لا وجهَ لهُ، لأَنَّهُ لا يفعلُ إلّا ما شاءَ، لا شرِيكَ لهُ.

стр. 6434

حديثٌ حادي خمسين لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "يَتَعاقبُونَ فيكُم مَلائكةٌ باللَّيلِ، وملائكةٌ بالنَّهارِ، ويجتمِعُونَ في صلاةِ العَصْرِ، وصلاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يعرُجُ الذين باتُوا فيكُم، فيسألُهُم، وهُو أعْلَمُ بهم: كيفَ تَرَكتُم عِبادِي؟ فيقولُونَ: تركناهُم يُصلُّونَ (٢)، وأتيناهُم وهُم يُصلّونَ". في هذا الحديثِ شُهُودُ الملائكةِ للصَّلواتِ، والأظهرُ أنَّ ذلك في الجماعاتِ، وقد يحتمِلُ الجماعاتِ وغيرَها. ومعنى: "يَتَعاقبُونَ": تأتي طائفةٌ بإثرِ طائفةٍ، وبعدَها طائفةٌ (٣)، وإنَّما يكونُ التَّعاقُبُ بينَ طائفتينِ، أو بينَ رجُلينِ، مرَّةً هذا، ومرَّةً هذا، ومنهُ قولُهُم: الأمِيرُ يُعْقِبُ البُعُوث، أي: يُرسِلُ هؤُلاءِ ندبًا (٤) شهرًا أو أشهُرًا، وهؤُلاءِ شهرًا أو أشهُرًا، ثُمَّ يرُدُّهُم، ويُعقِبُهُم بآخرِينَ، فهذا هُو التَّعاقُبُ. ومعنى هذا الحديثِ، أنَّ ملائكةَ النَّهارِ تنزِلُ في صلاةِ الصّبح، فيُحصُونَ على بني آدمَ، ويعرُجُ الذين باتُوا فيهِم ذلك الوقت، أي: يَصْعدُونَ، وكلُّ من صعِدَ في شيءٍ، فقد عرجَ، ولذلك قيلَ للدَّرج: المعارجُ، فإذا كانت صلاةُ العصرِ، نزلَتْ ملائكةُ اللَّيلِ مُعقبة (٥) فأحصَوْا علي بني آدمَ، وعرجَتْ ملائكةُ النَّهارِ، يَتَعاقبُونَ هكذا أبدًا، واللّه أعلمُ (٦).

стр. 6435

وفي هذا الحديثِ أنَّهُم يجتمِعُونَ في صَلاةِ العصرِ وصلاةِ الفجرِ، وهُو أكملُ معنًى من الحديثِ الذي رُوِي: أنَّهُم يجتمِعُونَ في صلاةِ (١) الفجرِ خاصَّةً، وأظُنُّ من مالَ إلى هذه الرِّوايةِ، احتجَّ بقولِ الله : ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. ومعنى ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾: القِراءةُ في صَلاةِ الفجرِ (٢)؛ لأنَّ أهل العِلم قالوا في تأوِيلِ هذه الآيةِ: تَشْهدُهُ ملائكةُ اللَّيلِ ومَلائكةُ النَّهارِ، وليسَ في هذا دفع لاجتِماعِهِم في صلاةِ العَصْرِ، لأنَّ المسكُوتَ عنهُ، قد يكونُ في معنى المذكُورِ سَواءً، ويكونُ بخِلافِهِ، وهذا بابٌ من الأُصُولِ قد بيَّنّاهُ في غيرِ هذا الموضِع (٣). ذكر بقِيُّ بن مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن وكِيع، قال: حدَّثنا جرِيرٌ، عن منصُورٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِهِ تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال: صلاةُ الفجرِ يجتمِعُ فيها ملائكةُ اللَّيلِ، وملائكةُ النَّهارِ (٤). وذكر ابنُ أبي شيبةَ، عن أبي أُسامةَ، عن زكرِيّا، عن أبي إسحاقَ، عن مسرُوقٍ مِثلهُ. وذكر ابنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا ابنُ فُضيل، عن ضِرارِ بن مُرَّةَ، عن عبدِ الله بن أبي الهُذيلِ، عن أبي عُبيدةَ - في قولِهِ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ - قال: يَشْهدُهُ حرسُ اللَّيلِ، وحرسُ النَّهارِ من الملائكةِ في صَلاةِ الفجرِ (٥).

стр. 6436

وذكر بَقِي بن مَخْلَد (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعفرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عَمرِو بن مُرَّةَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ الله، أَنَّهُ قال في هذه الآيةِ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال: تداركَ الحَرَسانِ، اقرءُوا إن شِئتُم ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال: تَنزِلُ ملائكةُ النَّهارِ، وتَصْعدُ ملائكةُ اللَّيلِ (٢). قال أبو عُمر: قد يحتملُ أن يكون ذِكرُ قُرآنِ الفجرِ، من أجلِ الجَهْرِ؛ لأنَّ العصرَ لا قِراءةَ فيها تَظْهرُ، واللّهُ أعلم، وقد قال ﷺ : "ويجتمِعُونَ في صَلاةِ العصرِ، وصلاةِ الفجرِ" (٣). وهذا حديثٌ مُسندٌ صَحِيحٌ ثابتٌ، وهُو أولى من آراءِ الرِّجالِ، وألزمُ في الحُجَّةِ لمن قال به، واللّه المُستعانُ.

стр. 6437

حديثٌ ثاني خمسين لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أن رسُولَ الله ﷺ قال: "الصِّيامُ جُنَّةٌ، فإذا كان أحدُكُم صائمًا، فلا يَرْفُثْ، ولا يَجْهل، فإنِ امرُؤٌ قاتَلَهُ أو شاتَمهُ، فليَقُل: إنِّي صائمٌ، إنِّي صائمٌ". أمّا الصِّيامُ في الشَّرِيعةِ، فمَعناهُ: الإمساكُ عن الأكلِ والشُّربِ ووطءِ النِّساءِ نهارًا، إذا كان تارِكُ ذلك يُرِيدُ به (٢) وجهَ الله ويَنْوِيهِ، هذا معنى الصِّيام في الشَّرِيعةِ عِندَ جميع عُلماءِ الأُمَّةِ. وأمّا أصلُهُ في اللُّغةِ، فالإمساكُ مُطلقًا، وكلُّ من أمسَكَ عن شيءٍ، فقد صامَ منه (٣)، ويُسمَّى صائمًا، ألا تَرَى إلى قولِ الله : ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]، فسمَّى الإمساكَ عن الكلام صومًا، وكلُّ مُمسِكٍ عن حَرَكةٍ، أو عمل، أو طعام، أو شرابٍ (٤)، فهُو صائمٌ في أصلِ اللِّسانِ، لكِنَّ الاسمَ الشَّرعِيَّ ما قدَّمتُ لك، وهُو يَقْضِي في المعنى على الاسم اللُّغوِيِّ. وقد ذكَرْنا شواهِدَ الشِّعرِ على الاسم اللُّغوِيِّ (٥) في الصِّيام، واسْتَوعبنا القولَ في معناهُ، في بابِ ثورِ بن زيدٍ، والحمدُ للّه. وأمّا قولُهُ: الصِّيامُ جُنَّةٌ، في هذا الحديثِ، فكذلك رواهُ القَعْنبِيُّ، ويحيى، وأبو المُصْعَبٍ (٦)، وجماعةٌ، ولم يذكُرِ ابنُ بُكيرٍ في هذا الحديثِ: "الصِّيامُ جنَّةٌ".

стр. 6438

وإنَّما قال: عن مالكٍ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا كان أحدُكُم صائمًا فلا يَرْفُث ... " الحديثَ. والجُنَّةُ: الوِقايةُ والسِّترُ عن النّارِ، وحَسْبُك بهذا (١) فَضْلًا للصّائم. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدِينيِّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عبدِ الوهّابِ الحَجَبِيُّ (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ بن عبدِ المجيدِ الثَّقفِيُّ، قال: حدَّثنا عَنْبسةُ الغَنَوِيُّ، عن الحسنِ، أنَّ عُثمانَ بن أبي العاص كان يُحدِّث، أنَّ نبِيَّ الله ﷺ يقولُ: "الصِّيامُ جُنَّةٌ يَسْتجِنُّ بها العبدُ من النّارِ" (٣). وأمّا قولُهُ: "فإذا كان أحدُكُم صائمًا فلا يَرْفُث". فإنَّ الرَّفث هاهُنا الكلامُ القبِيحُ والتَّشاتُمُ والخَنا والتَّلاعُنُ، ونحوُ ذلك من قبِيح الكلام، الذي هُو سِلاحُ اللِّئام (٤)، ومنهُ اللَّغوُ كلُّهُ والباطِلُ والزُّورُ. وقال العجّاجُ (٥): عن اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ قرأتُ على أبي عبدِ الله محمدِ بن عبدِ الملكِ، أنَّ أبا محمدٍ عبد الله بن مسرُور (٦)، حدَّثهُم، قال: حدَّثنا عِيسى بن مِسكِينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن سَنْجَرٍ الجُرجانِيُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا فِطرٌ، قال: حدَّثني زِيادُ بن الحُصَينِ،

стр. 6439

عن رُفَيع أبي العالِيةِ، قال: خرَجْنا مع ابنِ عبّاسٍ حُجّاجًا، فأحرَمَ، فأحرَمْنا، ثُمَّ نزلَ يسُوقُ الإبِل وهُو يَرْتجِزُ ويقولُ: وهُنَّ يَمْشِين بنا هَمِيسا إن تصدُقِ الطَّيرُ نُجامِع لمِيسا فقلتُ: يا أبا عبّاسٍ، ألستَ مُحرِمًا؟ قال: بلى. قُلتُ: فهذا الكلامُ الذي تَكلَّمُ به؟ قال: إنَّهُ لا يكونُ الرَّفثُ إلّا ما واجهتَ به النِّساءَ، وليسَ معَنا نِساءٌ (١). وفي غيرِ هذه الرِّوايةِ في هذا الحديثِ: وهُنَّ يمشِينَ بنا هَمِيسا إن تصدُقِ الطَّيرُ نَنِكْ لمِيسا (٢) قال أبو عُمر: الرَّفثُ في كلام العربِ على وَجْهينِ، أحدُهُما: الجِماعُ، والآخرُ: الكلامُ القبِيحُ، والفُحشُ من المقالِ. واختلف العُلماءُ في قولِ الله : ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. فأكثرُ العُلماءِ على أنَّ الرَّفَثَ هاهُنا: جِماعُ النِّساءِ وغِشْيانُهُنَّ. والفُسُوقُ: المعاصِي بإجماع. والجِدالُ: المِراءُ. وقيل: السِّبابُ والمُشاتمةُ. وقيل: ألّا تُغضِبَ صاحِبَكَ. وقيل: أنْ لا جِدالَ في الحجِّ اليومَ، لأنَّهُ قد استقامَ في ذي الحِجَّةِ. ولم يختلِفِ العُلماءُ في قولِ الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، أنَّ الرَّفَثَ هاهُنا الجِماعُ.

стр. 6440

وأمّا قولُهُ: "فإنِ امرُؤٌ قاتَلَهُ أو شاتمَهُ، فليَقُل: إنِّي صائمٌ". ففيه قولانِ: أحدُهُما: أنَّهُ يقولُ للذي يُرِيدُ مُشاتمَتهُ ومُقاتلتَهُ: إنِّي صائمٌ، وصَوْمِي يمنعُني من مُجاوبتِكَ، لأنِّي أصُونُ صَوْمِي عن الخَنا والزُّورِ من القَولِ، فبِهذا أُمِرتُ، ولولا ذلك لانتصرتُ لنفسِي بمِثلِ ما قُلتَ لي سواءً، ونحو ذلك (١). والمعنى حِينئذٍ على هذا التَّأوِيلِ في الحديثِ، أنَّ الصّائمَ نُهِيَ عن مُقاتَلةِ من قاتَلهُ بلسانِهِ (٢) ومُشاتمتِهِ، وصَوْنُهُ صومهُ عن ذلك، وبهذا وردَ الحديثُ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بن يُونُس، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ، عن المقبُرِيِّ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من لم يَدَع قولَ الزُّورِ والعملَ به، فليسَ لله حاجَةٌ في أن يدَعَ طَعامهُ وشَرابهُ". وقال أحمدُ بن يُونُس: فَهِمتُ الإسنادَ مِنِ ابنِ أبي ذِئبٍ، وأفْهَمني الحديثَ رجُلٌ إلى جَنْبِهِ، أُراهُ ابنَ أخِيهِ. ورواهُ ابنُ المُباركِ (٤)، عن ابنِ أبي ذِئبٍ، بإسنادِهِ مِثلهُ.

стр. 6441

والقولُ الثّاني: أنَّ الصّائمَ يقولُ في نفسِهِ لنَفسِهِ: إنِّي صائمٌ يا نَفْسي، فلا سبِيلَ إلى شِفاءِ غَيْظِكِ بالمُشاتمَةِ، ولا يُظهِرُ قولهُ: "إنِّي صائمٌ". لما فيه من الرِّياءِ، وإطلاع النّاسِ على عَمَلِهِ؛ لأنَّ الصَّومَ من العَملِ الذي لا يَظْهرُ، ولذلك يجزِي اللهُ الصّائمَ أجرَهُ بغيرِ حِسابٍ، على حَسَبِ ما نَذكُرُ في البابِ، بعدَ هذا إن شاءَ الله. وللصِّيام فرائضُ وسُننٌ، وقد ذكَرْنا فرائضَهُ في بابِ ثورِ بن زيدٍ. ومن سُننِهِ: أن لا يَرْفُث الصّائمُ، وأنْ لا يَغْتابَ أحدًا. وأن يجتنِبَ قولَ الزُّورِ والعمَلَ به، على ما جاءَ في آثارِ هذا البابِ وغيرِها. وأمّا قولُهُ ﷺ : "من لم يدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ به، فليسَ للّه حاجة في أن يدَعَ طعامهُ وشَرابهُ". فمعناهُ الكَراهِيةُ والتَّغلِيظُ، كما جاءَ في الحديثِ: "من شرِبَ الخمرَ، فليُشقِّصِ الخنازِيرَ" (١). أي: يَذْبحها، أو يَنْحرها، أو يقتُلها بالمِشْقَصِ (٢). وليسَ هذا على الأمرِ بشَقْصِ الخنازِيرِ، ولكِنَّهُ على تَعْظِيم إثم شارِبِ الخمرِ. فكذلك منِ اغتابَ، أو شهِدَ زُورًا أو مُنكرًا، لم يُؤمَرْ بأن يدَعَ صِيامهُ، ولكِنَّهُ يُؤمَرُ باجتِنابِ ذلك، ليتِمَّ لهُ أجرُ صَوْمِهِ، فاتَّقى عبدٌ ربَّهُ، وأمسَكَ عن الخَنا والغيبةِ والباطِلِ بلِسانِهِ، صائمًا كان أو غير صائم، فإنَّما يَكُبُّ النّاسَ في النّارِ على وُجُوهِهِم حَصائدُ ألسِنتِهِم، واللّهُ المُوفِّقُ للرَّشادِ.

стр. 6442

حديثٌ ثالثُ خمسينَ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "والذي نفسِي بيدِهِ، لَخُلُوفُ (٢) فم الصّائم أطيبُ عِندَ الله من رِيح المِسكِ، إنَّما يَذرُ شَهْوتهُ، وطعامهُ، وشرابهُ من أجْلِي، فالصِّيامُ لي وأنا أجزِي به، كلُّ حَسَنةٍ بعشرِ أمثالِها إلى سبع مئةِ ضِعفٍ، إلّا الصِّيامَ فإنَّهُ لي وأنا أجزِي به". هذا الحديثُ والذي قبلهُ رواهُما عن أبي هريرةَ جماعةٌ من أصحابِهِ، منهُم سعِيدُ بن المُسيِّبِ (٣)، والأعرجُ، وأبو صالح (٤)، ومحمدُ بن سِيرِينَ، وغيرُهُم. ورواهُ أبو سعِيدٍ وغيرُهُ، عن النَّبيِّ ﷺ ، كما رواهُ أبو هريرةَ. وخُلُوفُ فَم الصّائم: ما يَعْترِيهِ في آخِرِ النَّهارِ من التَّغيُّرِ، وأكثرُ ذلك في شِدَّةِ الحرِّ (٥). ومعنى قولِهِ: "لخُلُوفُ فم الصّائم أطيبُ عِندَ الله من رِيح المِسكِ". يُرِيدُ: أزْكَى عِندَ الله، وأقربُ إليه، وأرفَعُ عِندِهِ من رِيح المِسكِ. وهذا في فَضْلِ الصِّيام، وثوابِ الصّائم، ومن أجلِ هذا الحديثِ كرِهَ جماعةٌ

стр. 6443

من أهلِ العِلم السِّواكَ للصّائم في آخِرِ النَّهارِ، من أجلِ الخُلُوفِ؛ لأنَّهُ أكثرُ ما يَعْترِي الصّائمَ الخُلُوفُ في آخِرِ النَّهارِ، لتأخُّرِ الأكلِ والشُّربِ عنهُ. واختلَفَ الفُقهاءُ في السِّواكِ للصّائم. فرخَّصَ فيه مالكٌ (١)، وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُما، والثَّورِيُّ، والأوزاعِيُّ، وابنُ عُليَّةَ. وهُو قولُ إبراهيمَ النَّخعِيِّ، ومحمدِ بن سِيرِين، وعُروةَ بن الزُّبيرِ (٢). ورُوِيتِ الرُّخصةُ فيه عن عُمر، وابنِ عبّاسٍ (٣). وليس عن واحِدٍ منهُم فرقٌ بين أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ، ولا بين السِّواكِ الرَّطبِ واليابِسِ. وحُجَّةُ من ذهَبَ هذا المذهَبَ، قولُ رسُولِ الله ﷺ : "لولا أن أشُقَّ على أُمَّتِي، لأمرتُهُم بالسِّواكِ مع كلِّ صَلاةٍ" (٤). ولم يخُصَّ رمضانَ ولا غيرهُ. وقد رُوِي عنهُ ﷺ : أنَّهُ كان يَسْتاكُ وهُو صائمٌ (٥). وقال الشّافِعيّ (٦): أُحِبُّ السِّواكَ عِندَ كلِّ وُضُوءٍ، باللَّيلِ والنَّهارِ، وعِندَ تغيُّرِ الفم، إلّا أنِّي أكرَهُهُ للصّائم آخِر النَّهارِ، من أجلِ الحديثِ في خُلُوفِ فَم الصّائم.

стр. 6444

وبه قال أحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ بن راهوية، وأبو ثَوْرٍ، ورُوِي ذلك عن عَطاءٍ ومُجاهِدٍ (١). وأمّا السِّواكُ الرَّطبُ، فيَكْرهُهُ مالكٌ وأصْحابُهُ، وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ (٢). وهُو قولُ زِيادِ بن حُدَيرٍ، وأبي مَيْسرةَ، والشَّعبِيِّ، والحَكَم بن عُتَيبةَ، وقتادةَ (٣). ورخَّصَ فيه الثَّورِيُّ، والأوزاعِيُّ، والشَّافِعيُّ، وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ، وأبو ثورٍ. وهُو قولُ مُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بن جُبَيرٍ، وإبراهيم، وعَطاءٍ، وابنِ سِيرِينَ. ورُوِي ذلك عن ابنِ عُمر (٤). قال ابنُ عُليَّةَ: السِّواكُ سُنَّةٌ للصّائم والمُفطِرِ، والرَّطبُ فيه واليابِسُ سَواءٌ، لأنَّهُ ليسَ بمأكُولٍ ولا مَشْرُوبٍ. وقال الأثرمُ: سمِعتُ أبا عبدِ الله يُسألُ عن السِّواكِ للصّائم، فقال: ما بينهُ وبين الظُّهرِ، ويدعُهُ بالعشِيِّ، لأنَّهُ يُستحبُّ لهُ أن يُفطِرَ على خُلُوفِ فيهِ. وعن مُجاهِدٍ وعطاءٍ (٥)، أنَّهُما كرِها السِّواكَ بالعَشِيِّ للصّائم، لقولِ رسُولِ الله ﷺ : "لخُلُوفُ فم الصّائم أطيبُ عِند الله من رِيح المِسكِ". وأمّا قولُهُ: "الصِّيامُ لي وأنا أجزِي بهِ". فإنَّما هي حِكايةٌ حَكاها النَّبيُّ ﷺ عن ربِّهِ ، ولم يُصرّح بها مالكٌ في حديثهِ هذا، لأنَّهُ إنَّما أدَّى ما سمِعَ،

стр. 6445

وأظُنُّ ذلك إنَّما تَرَك حِكايتَهُ من ترَكها، لأنَّهُ شيءٌ مفهُومٌ لا يُشكِلُ على أحَدٍ إذا كان لهُ أدنى فهم إن شاءَ الله. وقد رُوِي من وُجُوهٍ هكذا كرِوايةِ مالكٍ، من حديثِ ابنِ سِيرِين وغيرِهِ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "الصَّومُ لي وأنا أجزِي به (١)، يَذَرُ طعامَهُ وشرابهُ من أجلي" (٢). وهذا حذفٌ من الحديثِ وإضمارٌ، إلّا أنَّ في لَفظِهِ وسِياقتِهِ ما يدُلُّ عليه. وقد رُوِي من وُجُوهٍ على ما ينبغِي (٣) بلا حذفٍ ولا إضمارٍ. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بن فُضَيل، عن أبي سِنانٍ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ وأبي سعِيدٍ قالا: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ اللهَ يقولُ: الصَّومُ لي وأنا أجْزِي به، إنَّ للصّائم فَرْحتينِ: إذا أفطَرَ فرِحَ، وإذا لَقِي اللهَ فرِحَ، والذي نَفْسُ محمدٍ بيدِهِ، لخُلُوفُ فَم الصّائم أطْيَبُ عِندَ الله من رِيح المِسْكِ". حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَمرٍو، عن

стр. 6446

أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "قال اللهُ ﵎: كلُّ عملِ ابنِ آدم لهُ، الحَسَنةُ بعشرِ أمثالِها إلى سبع مئةِ ضِعفٍ، إلّا الصِّيامَ فهُو لي، وأنا أجزِي به، يَترُكُ الطَّعام لشَهْوتِهِ من أجْلِي، هُو لي وأنا أجْزِي به، ويَتْرُكُ الشَّراب لشَهْوتهُ من أجلي، هُو لي وأنا أجزِي به" (١). وقرأتُ على عبدِ الوارِثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسم بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهم، قال: حدَّثنا روحٌ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن زِيادٍ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أَنَّهُ كان يُحدِّثُ عن ربِّهِ (٢) قال: "كلُّ ما يَعْمَلُهُ ابنُ آدمَ كفّارةٌ لهُ، إلّا الصَّومَ، يَدَعُ الصّائمُ الطَّعامَ والشَّرابَ من أجْلِي، فالصَّومُ لي وأنا أجْزِي به، وخُلُوفُ فَم الصّائم أطْيَبُ عِندَ الله من رِيح المِسْكِ" (٣). فإن قال قائلٌ: ما معنَى قولِهِ: "الصَّومُ لي، وأنا أجْزِي عليه"، وقد عُلِمَ أنَّ الأعمالَ التي يُرادُ بها وجهُ الله، كلَّها لهُ، وهُو يجزِي بها؟ فمعناهُ، واللّهُ أعلمُ، أنَّ الصَّومَ لا يظهرُ منَ ابنِ آدمَ في قولٍ ولا عَملٍ. وإنَّما هُو نِيَّةٌ يَنْطوِي (٤) عليها صاحِبُها، ولا يَعلمُها إلّا الله، وليسَتْ ممّا تَظهرُ فتكتمها الحَفَظةُ، كما تكتُبُ الذِّكرَ والصَّلاةَ والصَّدقةَ وسائر الأعمالِ؛ لأنَّ الصَّومَ في الشَّرِيعةِ، ليسَ بالإمساكِ عن الطَّعام والشَّرابِ، لأنَّ كلَّ مُمسِكٍ عن الطَّعام

стр. 6447

والشَّرابِ، إذا لم ينوِ بذلك وجهَ الله، ولم يُرِد أداءَ فَرْضِهِ، أوِ التَّطوُّعَ للّه به، فليسَ بصائم في الشَّرِيعةِ. فلهذا ما قُلنا: إنَّهُ لا تطَّلِعُ عليه الحفظةُ ولا تكتبهُ، ولكِنَّ اللهَ يعلمُهُ ويُجازِي به على ما شاءَ من التَّضعِيفِ. والصَّومُ في لِسانِ العربِ أيضًا: الصَّبرُ، و (١) ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. وقال أبو بكر بن الأنبارِيِّ: الصَّومُ يُسمَّى صَبْرًا، لأنَّهُ حبسٌ للنَّفسِ (٢) عن المطاعِم، والمشارِبِ، والمناكِح، والشَّهواتِ. قال أبو عُمر: من الدَّليلِ على أنَّ الصَّومِ يُسمَّى صبرًا: قولُ رسُولِ الله ﷺ : "من صامَ شهرَ الصَّبرِ، وثلاثةَ أيام من كل شهرٍ، فكأنَّهُ صامَ الدَّهرَ" (٣). يعني بشَهْرِ الصبرِ، شهرَ رمضانَ. وقد يُسمَّى الصّائمُ سائحًا، ومنهُ قولُ الله : ﴿السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]، يعني الصّائمِينَ المُصلِّين، ومنهُ أيضًا قولُهُ: ﴿قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ﴾ [التحريم: ٥]. فللصَّوم وجَهٌ في لِسانِ العربِ، قد ذكَرْنا جميعها في هذا البابِ، واللّهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ.

стр. 6448

حديثٌ رابعُ خمسين لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُول الله ﷺ قال: "لكلِّ نبِيٍّ دعوةٌ يدعُو بها، فأُرِيدُ أن أختبِئَ دَعْوتي شَفاعةً لأُمَّتي في الآخِرةِ" (٢). هكذا رَوى هذا الحديثَ جماعةُ رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ بهذا الإسنادِ، وكذلك رواهُ غيرُ واحِدٍ عن أبي الزِّنادَ. ورواهُ ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ. وهُو غرِيبٌ. حدَّثنا عليُّ بن (٣) إبراهيمَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن رَشِيقٍ، قال: حدَّثنا العبّاسُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْبٍ، قال: أخبَرني مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لِكلِّ نبِيٍّ دَعْوةٌ، فأُرِيدُ أن أختبِئَ دعوتي شفاعةً لأُمَّتي يومَ القِيامةِ" (٤).

стр. 6449

(١) وكذلك رواهُ أيُّوبُ بن سُويدٍ، عن مالكٍ. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا ابنُ عبادِل (٢)، قال: حدَّثنا الحسنُ بن أحمد بن أبي حيَّةَ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ بن سُويدٍ، عن مالكٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لكلِّ نبِيٍّ دَعْوةٌ يدعُو بها، فأُرِيدُ أن أختبِئَ دَعْوتي شَفاعةً لأُمَّتي يومَ القِيامةِ" (٣). وهُما إسنادانِ صحِيحانِ لمالكٍ. أحدُهُما في "المُوطَّأ"، وهُو حديثُ أبي الزِّنادِ، ورُوِي عن أبي هريرةَ وغيرِهِ من وُجُوهٍ كثِيرةٍ. وحديثُ أبي الزِّنادِ محفُوظٌ عن ثِقاتِ أصحابِ أبي الزِّنادِ، منهُم: ورقاءُ بن عُمر اليَشْكُرِيُّ، ومالكُ بن أنسٍ، وجماعةٌ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُف، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمدِ بن أبي غالِبٍ بمِصرَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن محمدِ بن بَدْرٍ، قال: حدَّثنا رِزقُ الله بن موسى، قال: حدَّثنا شَبابةُ بن سوّارٍ، قال: حدَّثنا وَرْقاءُ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لِكلِّ نبِيٍّ دعوةٌ يدعُو بها في الدُّنيا فيُسْتَجابُ لهُ، فأُرِيدُ إن شاءَ اللهُ أن أُخبِّئَ دَعْوتي شَفاعةً لأُمَّتي في الآخِرةِ" (٤). ورواهُ الأعمشُ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ (٥)، قال: قال رسُولُ الله ﷺ :

стр. 6450

"لكلِّ نبِيٍّ دعوةٌ، وإنِّي اختبأتُ دَعوتي شَفاعة لأُمَّتِي، وهي نائلةٌ مِنكُم، إن شاءَ الله، من ماتَ لا يُشرِكُ باللّه شيئًا" (١). وروى أبو أُسامةَ (٢)، ووكِيعٌ (٣)، عن داود بن يزِيد الأودِيِّ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ في قولِ الله : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، قال: "المقامُ المحمودُ الذي أشفعُ فيه لأُمَّتِي". وعبدُ الله بن إدرِيسَ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ (٤). قال أبو عُمر: على هذا أهلُ العِلم في تأوِيلِ قولِ الله : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ أَنَّهُ الشَّفاعةُ. وقد رُوِي عن مُجاهِدٍ: أنَّ المقامَ المحمودَ، أن يُقعِدهُ مَعهُ يوم القِيامةِ على العَرْشِ (٥). وهذا عِندهُم مُنكرٌ في تفسِيرِ هذه الآيةِ، والذي عليه جماعةُ العُلماءِ من

стр. 6451

الصَّحابةِ والتّابِعِين ومن بَعدهُم من الخالِفِينَ: أنَّ المقامَ المحمودَ، هُو المُقامُ الذي يَشْفعُ فيه لأُمَّتِهِ. وقد رُوِي عن مُجاهِدٍ مِثلُ ما عليه الجماعةُ من ذلك، فصارَ إجماعًا في تأوِيلِ الآيةِ من أهلِ العِلم بالكِتابِ والسَّنةِ. ذكرَ ابنُ أبي شَيْبةَ، عن شَبابةَ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجِيح، عن مُجاهِدٍ في قولِهِ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: شفاعةُ محمدٍ، ﷺ (١). وذكر بَقِيٌّ، قال: حدَّثنا يحيى بن عبدِ الحميدِ، قال: حدَّثنا قَيْسٌ، عن عاصِم، عن زِرٍّ، عن ابنِ مَسْعُودٍ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾: الشَّفاعةُ. قال: وحدَّثنا يحيى بن عبدِ الحميدِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، عن عاصِم، عن زِرٍّ، عن عبدِ الله بن مَسْعُودٍ، مِثلهُ. وذكرَ الفِريابِيُّ، عن الثَّورِيِّ، عن سَلَمةَ بن كُهَيل، عن أبي الزَّعراءِ، عن ابنِ مَسْعُودٍ مِثلهُ. وذكر ابنُ أبي شيبةَ، قال (٢): حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن عاصِم، عن أبي عُثمانَ، عن سَلْمانَ قال: المقامُ المحمودُ: الشَّفاعةُ. وروى سُفيانُ (٣)، وإسرائيلُ (٤)، عن أبي إسحاق، عن صِلةَ، عن حُذيفةَ، قال: يجتمِعُ النّاسُ في صعِيدٍ واحِدٍ يَنْفُذُهُمُ البصرُ، ويُسمِعُهُمُ الدّاعِي. زاد سُفيانُ في حديثهِ: حُفاةً عُراةً سُكُوتًا كما خُلِقُوا قِيامًا، لا تكلَّمُ نفسٌ إلّا بإذنِهِ. ثُمَّ اجتمعا:

стр. 6452

فيُنادِي مُنادٍ: يا محمدُ، على رُؤُوسِ الأوَّلين والآخِرِين، فيقولُ: "لبَّيكَ وسعديكَ والخيرُ في يديكَ". زاد سُفيانُ: "والشَّرُّ ليسَ إليكَ". ثُمَّ اجتمعا: "والمهدِيُّ من هديتَ، تباركتَ وتعاليتَ، ومِنكَ وإليكَ، لا ملجَأ ولا مَنْجَى منك (١) إلّا إليكَ". قال حُذيفةُ: فذلك المقامُ المحمودُ. قال: وحدَّثنا إسماعيلُ بن أبي كرِيمةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الرَّحِيم، قال: حدَّثني زيدُ بن أبي أُنيسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن صِلةَ، عن حُذيفةَ، فذكرَ مِثلهُ. ورَوى عبدُ الرَّزَّاقِ (٢)، عن مَعْمرٍ، عن أبي إسحاقَ، عن صِلةَ بن زُفَرٍ، عن حُذيفةَ بن اليمانِ، فذكرَ مِثلهُ. ورَوى يزِيدُ بن زُريع، عن سَعِيدٍ، عن قَتادةَ، في قولِهِ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قال: ذُكِرَ لنا أنَّ نبِيَّ الله ﷺ خُيِّرَ بينَ أن يكونَ عبدا نبِيًّا، أو مَلِكًا نبِيًّا، فأومأ إليه جِبرِيلُ أن تواضعَ، فاختارَ نبِيُّ الله ﷺ أن يكونَ عبدًا نبِيًّا، فأُعْطِيَ بها اثنتينِ: أوَّلُ من تَنْشقُّ عنهُ الأرضُ، وأوَّلُ شافِع. قال قتادةُ: وكان أهلُ العِلم يرونَ أنَّ المقامَ المحمود الذي قال اللهُ : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] شفاعتهُ (٣) يوم القِيامةِ (٤). وممَّن رُوِي عنهُ أيضًا أنَّ المقامَ المحمودَ الشَّفاعةُ: الحَسَنُ البصرِيُّ، وإبراهيمُ النَّخعِيُّ، وعليُّ بن الحُسينِ بن عليٍّ، وابنُ شِهابٍ، وسعِيدُ بن أبي هِلال، وغيرُهُم (٥). وفي الشَّفاعةِ أحادِيثُ مرفُوعةٌ صِحاحٌ مُسندةٌ، من أحسَنِها:

стр. 6453

ما حدَّثناهُ أحمدُ بن فتح بن عبدِ الله وعبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قالا: حدَّثنا حمزةُ بن محمدِ بن عليٍّ، قال: أخبرنا أحمدُ بن عليِّ بن المُثنَّى (١)، قال: حدَّثنا أبو الرَّبِيع الزَّهرانِيُّ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا مَعبدُ بن هِلالٍ العَنَزِيُّ (٢)، قال: اجتَمَعَ رَهْط من أهلِ البَصْرةِ وأنا فيهِم، فأتَيْنا أنس بن مالكٍ، واسْتَشفعنا عليه بثابتٍ البُنانِيِّ، فدخَلْنا عليه، فأجلَسَ ثابتًا مَعهُ على السَّرِيرِ، فقُلتُ: لا تَسْألُوهُ عن شيءٍ غيرَ هذا الحديثِ، فقال ثابتٌ: يا أبا حَمْزةَ، إخوانُكَ من أهلِ البَصْرةِ جاءُوا (٣) يسألُونَكَ عن حديثِ رسُولِ الله ﷺ في الشَّفاعةِ، فقال: حدَّثنا محمدٌ ﷺ قال: "إذا كان يومُ القِيامةِ ماجَ النّاسُ بعضُهُم في بعضٍ، فيُؤتَى آدمُ (٤) ﵇ فيقولُونَ: يا آدمُ، اشفَعْ لنا إلى ربِّكَ، فيقولُ: لستُ لها، ولكِن عليكُم بإبراهيمَ ﵇، فإنَّهُ خليلُ الله ، فيُؤتى إبراهيمُ فيقولُ: لستُ لها، ولكِن عليكُم بموسى، فإنَّهُ كلِيمُ الله، فيُؤتى موسى ﵇، فيقولُ: لستُ لها، ولكِن عليكُم بعِيسى ابنِ مريم، فإنَّهُ رُوحُ الله وكلِمتُهُ، فيُؤتى ﵇ فيقولُ: لستُ لها، ولكِن عليكُم بمحمدٍ، فأُوتَى فأقُولُ: أنا لها، فأنطلِقُ فأسْتَأذِنُ على ربِّي ، فيُؤذَنُ لي، فأقُومُ بين يَدَيهِ مقامًا، فيُلهِمُني فيه محامِدَ لا أقدِرُ عليها الآن، فأحمدُهُ بتلك المحامِدِ، ثُمَّ أخِرُّ لهُ ساجِدًا، فيقالُ لي (٥): يا محمدُ ارفَعْ رأسكَ، وقُل تُسمَعْ، وسَلْ تُعْطَ (٦)، واشفَعْ

стр. 6454

تُشفَّع، فأقُولُ: أيْ ربِّ، أُمَّتي أُمَّتِي، فيُقالُ لي: انطلِق، فمن كان في قلبِهِ مِثقالُ ذرَّةٍ، أو مِثقالُ شَعِيرةٍ من إيمانٍ (١) فأخرِجهُ، فأنطلِقُ فأفعلُ، ثُمَّ أرجِعُ (٢) فأحمدُهُ بتلك المحامِدِ، ثُمَّ أخِرُّ لهُ ساجِدًا، فيُقالُ: يا محمدُ ارفَعْ رأسكَ، وقُل يُسْمَع لكَ، وسَلْ تُعط، واشفَعْ تُشفَّعِ، فأقُولُ: أيْ ربِّ، أُمَّتي أُمَّتِي، فيُقالُ: انطلِق، فمن كان في قلبِهِ أدْنَى مِثقالِ حبَّةِ خرْدلٍ من إيمانٍ، فأخرِجهُ من النّارِ، فأنطلق فأفعل (٣) ". فلمّا رَجَعنا من عِندِ أنَسٍ، قُلتُ لأصحابِي: هل لكُم في الحَسَنِ، وهُو مُسْتَخفٍ في مَنزِلِ أبي خلِيفةَ في عبدِ القيسِ، فأتيناهُ فدخَلْنا عليه، فقُلنا: خرَجْنا من عِندِ أخِيكَ أنسِ بن مالكٍ، فلم نسمع مِثل ما حدَّثنا في الشَّفاعةِ. قال: كيف حدَّثكُم؟ فحدَّثناهُ الحديث، حتَّى إذا انتهينا، قُلنا: لم يزِدنا على هذا. قال: لقد حدَّثنا الحديثَ مُنذُ عِشرِينَ سنةً، ولقد تركَ منهُ شيئًا، فلا أدرِي أَنَسِي الشَّيخُ، أم كرِهَ أن يُحدِّثكُمُوهُ فتتَّكِلُوا، ثُمَّ قال في الرّابعةِ: "ثُمَّ أعُودُ فأخِرُّ لهُ ساجِدًا، ثُمَّ أحمدُهُ بتلك المحامِدِ، فيُقالُ لي: يا محمدُ ارفَعْ رأسكَ، وقُلْ يُسمَعْ لك، وسل تُعْطَ، واشفَع تُشفَّع، فأقُولُ: أي رَبِّ ائذَنْ لي فيمن قال: لا إلهَ إلّا اللهُ صادِقًا". قال: "فيقولُ ﵎: ليسَ لك، وعِزَّتي وجلالي وكِبرِيائي وعَظَمتِي، لأُخرِجنَّ منها من قال: لا إلهَ إلّا اللهُ". فأشهدُ على الحَسَنِ لَحدَّثنا بهذا الحديثِ، يوم حدَّثنا به أنسُ بن مالكٍ. وروى همَّامٌ (٤)، عن قتادةَ، عن أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ في الشَّفاعةِ من أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ بأتمِّ ألفاظٍ (٥).

стр. 6455

وروى سُهيلُ بن أبي صالح، عن زِيادٍ النُّميرِيِّ، عن أنسِ بن مالكٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ من أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ بمعناهُ في الشَّفاعةِ (١). وقد قيل: إنَّ الشَّفاعةَ منهُ ﷺ تكونُ مرَّتينِ: مرَّةً في الموقِفِ، يشفعُ في قوم، فيَنْجُونَ من النّارِ ولا يدخُلُونها، ومرَّةً بعد دُخُولِ قوم من أُمَّتِهِ النّار، فيَخْرُجُونَ منها بشفاعتِهِ، وقد رُوِيت آثار بنَحْوِ هذا (٢) الوجهِ، تَنْفي (٣) الوَجْهَ الأوَّلَ، فاللّهُ أعلمُ. (٤) حدَّثني أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ الرّافِقِيُّ، قال: حدَّثنا أبو أُميَّةَ محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا حفصُ بن عُمر بن ميمُونٍ القُرَشيُّ، قال: حدَّثنا ثورُ بن يزِيد، عن هشام بن عُروةَ، عن أسماءَ بنتِ عُميسٍ، أنَّها قالت: يا رسُولَ الله، ادع اللهَ أن يجعلَني ممَّن تَشْفعُ لهُ يوم القِيامةِ، فقال: لها رسُولُ الله ﷺ : "إذَنْ تخمِشُكِ (٥) النّارُ، فإنَّ شَفاعتي لكلِّ هالِكٍ من أُمَّتي تخمِشُهُ النّارُ" (٦). حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا مُضرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن مَعِينٍ، قال: حدَّثنا أبو اليمانِ، عن شُعَيبِ بن أبي حمزةَ، عن الزُّهرِيِّ، عن أَنَسِ بن مالكٍ، عن أمِّ حبِيبةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ذكَرَ ما تلْقَى أُمَّتُهُ بعدهُ من سَفْكِ دَم بَعضِها بعضًا، وسَبْقَ ذلك من الله كما سبَقَ في الأُمم قبلهُم: "فسَألتُهُ أن يُولِّيَني شَفاعةً فيهِم، ففعل" (٧).

стр. 6456

قال: وأخبرنا مُضرُ، قال: حدَّثنا شَيْبانُ بن فرُّوخ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن الأعمشِ، عن مُجاهِدٍ، عن عُبيدِ بن عُمَيرٍ، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "أُعطِيتُ خمسًا لم يُعطَهُنَّ أحدٌ قَبْلِي، بُعِثتُ إلى الأحمرِ والأسْوَدِ، وأُحِلَّت لي الغَنائمُ، ولم تحِلَّ لأحَدٍ قبلِي، ونُصِرتُ بالرُّعبِ شَهْرًا، فيُرْعَبُ العدُوُّ مِنِّي مَسِيرةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ ليَ الأرضُ طهُورًا ومَسْجدًا، وقيل لي: سَلْ تُعط، فاخْتَبأتُ دعوتي شفاعةً لأُمَّتي يوم القِيامةِ، وهيَ نائلةٌ مِنكُم، إن شاءَ الله، من لم يُشرِك باللّه شيئًا" (١). حدَّثنا أحمدُ بن فتح بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حامِدِ بن ثَرْثال، قال: حدَّثنا الحسنُ بن الطَّيِّبِ بن حمزةَ، قال: حدَّثنا شَيْبانُ بن فرُّوخ، قال: حدَّثنا حربُ بن سُرَيج (٢)، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّهُ قال: ما زِلْنا نُمْسِكُ عن الاسْتِغفارِ لأهْلِ الكبائرِ، حتَّى سَمِعنا من نبِيِّنا ﷺ يقولُ: "إنَّ اللهَ لا يَغفِرُ أن يُشركَ به، ويغفِرُ ما دُونَ ذلك لمن يَشاءُ". وقال: "إنِّي ادَّخرتُ شفاعتي لأهْلِ الكبائرِ من أُمَّتِي" (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن مهدِيٍّ، قال: حدَّثنا شَيْبانُ بن فرُّوخ، قال: حدَّثنا حربُ بن سُرَيج، قال: حدَّثنا أيُّوبُ

стр. 6457

السِّختِيانِيُّ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ شَفاعتي لأهلِ الكَبائرِ من أُمَّتِي" (١). حدَّثنا أحمدُ بن سعِيدِ بن بِشْرٍ، قال: حدَّثنا مَسْلمةُ بن قاسم بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدِ بن الحسنِ الأصبهانِيُّ بسِيرافٍ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن حبِيبٍ، قال: حدَّثنا أبو داود الطَّيالِسِيُّ سُليمانُ بن داودَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن ثابتٍ، عن جعفرِ بن محمدِ بن عليٍّ، عن أبيهِ، عن جابرِ بن عبدِ الله قال: قال النبيُّ ﷺ : "شفاعتي لأهلِ الكبائرِ من أُمَّتِي". قال: فقال لي (٢) جابرٌ: من لم يكُن من أهلِ الكبائرِ، فما لهُ وللشَّفاعةِ؟ (٣). والآثارُ (٤) في هذا كثِيرةٌ مُتواتِرةٌ، والجماعةُ أهلُ السُّنَّةِ على التَّصدِيقِ بها، ولا يُنكِرُها إلّا أهلُ البِدَع. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن عيسى، قال: حدَّثنا
следующие страницы →