← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6453–6492 · переход к 6458.

стр. 6453

ما حدَّثناهُ أحمدُ بن فتح بن عبدِ الله وعبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قالا: حدَّثنا حمزةُ بن محمدِ بن عليٍّ، قال: أخبرنا أحمدُ بن عليِّ بن المُثنَّى (١)، قال: حدَّثنا أبو الرَّبِيع الزَّهرانِيُّ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا مَعبدُ بن هِلالٍ العَنَزِيُّ (٢)، قال: اجتَمَعَ رَهْط من أهلِ البَصْرةِ وأنا فيهِم، فأتَيْنا أنس بن مالكٍ، واسْتَشفعنا عليه بثابتٍ البُنانِيِّ، فدخَلْنا عليه، فأجلَسَ ثابتًا مَعهُ على السَّرِيرِ، فقُلتُ: لا تَسْألُوهُ عن شيءٍ غيرَ هذا الحديثِ، فقال ثابتٌ: يا أبا حَمْزةَ، إخوانُكَ من أهلِ البَصْرةِ جاءُوا (٣) يسألُونَكَ عن حديثِ رسُولِ الله ﷺ في الشَّفاعةِ، فقال: حدَّثنا محمدٌ ﷺ قال: "إذا كان يومُ القِيامةِ ماجَ النّاسُ بعضُهُم في بعضٍ، فيُؤتَى آدمُ (٤) ﵇ فيقولُونَ: يا آدمُ، اشفَعْ لنا إلى ربِّكَ، فيقولُ: لستُ لها، ولكِن عليكُم بإبراهيمَ ﵇، فإنَّهُ خليلُ الله ، فيُؤتى إبراهيمُ فيقولُ: لستُ لها، ولكِن عليكُم بموسى، فإنَّهُ كلِيمُ الله، فيُؤتى موسى ﵇، فيقولُ: لستُ لها، ولكِن عليكُم بعِيسى ابنِ مريم، فإنَّهُ رُوحُ الله وكلِمتُهُ، فيُؤتى ﵇ فيقولُ: لستُ لها، ولكِن عليكُم بمحمدٍ، فأُوتَى فأقُولُ: أنا لها، فأنطلِقُ فأسْتَأذِنُ على ربِّي ، فيُؤذَنُ لي، فأقُومُ بين يَدَيهِ مقامًا، فيُلهِمُني فيه محامِدَ لا أقدِرُ عليها الآن، فأحمدُهُ بتلك المحامِدِ، ثُمَّ أخِرُّ لهُ ساجِدًا، فيقالُ لي (٥): يا محمدُ ارفَعْ رأسكَ، وقُل تُسمَعْ، وسَلْ تُعْطَ (٦)، واشفَعْ

стр. 6454

تُشفَّع، فأقُولُ: أيْ ربِّ، أُمَّتي أُمَّتِي، فيُقالُ لي: انطلِق، فمن كان في قلبِهِ مِثقالُ ذرَّةٍ، أو مِثقالُ شَعِيرةٍ من إيمانٍ (١) فأخرِجهُ، فأنطلِقُ فأفعلُ، ثُمَّ أرجِعُ (٢) فأحمدُهُ بتلك المحامِدِ، ثُمَّ أخِرُّ لهُ ساجِدًا، فيُقالُ: يا محمدُ ارفَعْ رأسكَ، وقُل يُسْمَع لكَ، وسَلْ تُعط، واشفَعْ تُشفَّعِ، فأقُولُ: أيْ ربِّ، أُمَّتي أُمَّتِي، فيُقالُ: انطلِق، فمن كان في قلبِهِ أدْنَى مِثقالِ حبَّةِ خرْدلٍ من إيمانٍ، فأخرِجهُ من النّارِ، فأنطلق فأفعل (٣) ". فلمّا رَجَعنا من عِندِ أنَسٍ، قُلتُ لأصحابِي: هل لكُم في الحَسَنِ، وهُو مُسْتَخفٍ في مَنزِلِ أبي خلِيفةَ في عبدِ القيسِ، فأتيناهُ فدخَلْنا عليه، فقُلنا: خرَجْنا من عِندِ أخِيكَ أنسِ بن مالكٍ، فلم نسمع مِثل ما حدَّثنا في الشَّفاعةِ. قال: كيف حدَّثكُم؟ فحدَّثناهُ الحديث، حتَّى إذا انتهينا، قُلنا: لم يزِدنا على هذا. قال: لقد حدَّثنا الحديثَ مُنذُ عِشرِينَ سنةً، ولقد تركَ منهُ شيئًا، فلا أدرِي أَنَسِي الشَّيخُ، أم كرِهَ أن يُحدِّثكُمُوهُ فتتَّكِلُوا، ثُمَّ قال في الرّابعةِ: "ثُمَّ أعُودُ فأخِرُّ لهُ ساجِدًا، ثُمَّ أحمدُهُ بتلك المحامِدِ، فيُقالُ لي: يا محمدُ ارفَعْ رأسكَ، وقُلْ يُسمَعْ لك، وسل تُعْطَ، واشفَع تُشفَّع، فأقُولُ: أي رَبِّ ائذَنْ لي فيمن قال: لا إلهَ إلّا اللهُ صادِقًا". قال: "فيقولُ ﵎: ليسَ لك، وعِزَّتي وجلالي وكِبرِيائي وعَظَمتِي، لأُخرِجنَّ منها من قال: لا إلهَ إلّا اللهُ". فأشهدُ على الحَسَنِ لَحدَّثنا بهذا الحديثِ، يوم حدَّثنا به أنسُ بن مالكٍ. وروى همَّامٌ (٤)، عن قتادةَ، عن أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ في الشَّفاعةِ من أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ بأتمِّ ألفاظٍ (٥).

стр. 6455

وروى سُهيلُ بن أبي صالح، عن زِيادٍ النُّميرِيِّ، عن أنسِ بن مالكٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ من أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ بمعناهُ في الشَّفاعةِ (١). وقد قيل: إنَّ الشَّفاعةَ منهُ ﷺ تكونُ مرَّتينِ: مرَّةً في الموقِفِ، يشفعُ في قوم، فيَنْجُونَ من النّارِ ولا يدخُلُونها، ومرَّةً بعد دُخُولِ قوم من أُمَّتِهِ النّار، فيَخْرُجُونَ منها بشفاعتِهِ، وقد رُوِيت آثار بنَحْوِ هذا (٢) الوجهِ، تَنْفي (٣) الوَجْهَ الأوَّلَ، فاللّهُ أعلمُ. (٤) حدَّثني أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ الرّافِقِيُّ، قال: حدَّثنا أبو أُميَّةَ محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا حفصُ بن عُمر بن ميمُونٍ القُرَشيُّ، قال: حدَّثنا ثورُ بن يزِيد، عن هشام بن عُروةَ، عن أسماءَ بنتِ عُميسٍ، أنَّها قالت: يا رسُولَ الله، ادع اللهَ أن يجعلَني ممَّن تَشْفعُ لهُ يوم القِيامةِ، فقال: لها رسُولُ الله ﷺ : "إذَنْ تخمِشُكِ (٥) النّارُ، فإنَّ شَفاعتي لكلِّ هالِكٍ من أُمَّتي تخمِشُهُ النّارُ" (٦). حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا مُضرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن مَعِينٍ، قال: حدَّثنا أبو اليمانِ، عن شُعَيبِ بن أبي حمزةَ، عن الزُّهرِيِّ، عن أَنَسِ بن مالكٍ، عن أمِّ حبِيبةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ذكَرَ ما تلْقَى أُمَّتُهُ بعدهُ من سَفْكِ دَم بَعضِها بعضًا، وسَبْقَ ذلك من الله كما سبَقَ في الأُمم قبلهُم: "فسَألتُهُ أن يُولِّيَني شَفاعةً فيهِم، ففعل" (٧).

стр. 6456

قال: وأخبرنا مُضرُ، قال: حدَّثنا شَيْبانُ بن فرُّوخ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن الأعمشِ، عن مُجاهِدٍ، عن عُبيدِ بن عُمَيرٍ، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "أُعطِيتُ خمسًا لم يُعطَهُنَّ أحدٌ قَبْلِي، بُعِثتُ إلى الأحمرِ والأسْوَدِ، وأُحِلَّت لي الغَنائمُ، ولم تحِلَّ لأحَدٍ قبلِي، ونُصِرتُ بالرُّعبِ شَهْرًا، فيُرْعَبُ العدُوُّ مِنِّي مَسِيرةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ ليَ الأرضُ طهُورًا ومَسْجدًا، وقيل لي: سَلْ تُعط، فاخْتَبأتُ دعوتي شفاعةً لأُمَّتي يوم القِيامةِ، وهيَ نائلةٌ مِنكُم، إن شاءَ الله، من لم يُشرِك باللّه شيئًا" (١). حدَّثنا أحمدُ بن فتح بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حامِدِ بن ثَرْثال، قال: حدَّثنا الحسنُ بن الطَّيِّبِ بن حمزةَ، قال: حدَّثنا شَيْبانُ بن فرُّوخ، قال: حدَّثنا حربُ بن سُرَيج (٢)، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّهُ قال: ما زِلْنا نُمْسِكُ عن الاسْتِغفارِ لأهْلِ الكبائرِ، حتَّى سَمِعنا من نبِيِّنا ﷺ يقولُ: "إنَّ اللهَ لا يَغفِرُ أن يُشركَ به، ويغفِرُ ما دُونَ ذلك لمن يَشاءُ". وقال: "إنِّي ادَّخرتُ شفاعتي لأهْلِ الكبائرِ من أُمَّتِي" (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن مهدِيٍّ، قال: حدَّثنا شَيْبانُ بن فرُّوخ، قال: حدَّثنا حربُ بن سُرَيج، قال: حدَّثنا أيُّوبُ

стр. 6457

السِّختِيانِيُّ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ شَفاعتي لأهلِ الكَبائرِ من أُمَّتِي" (١). حدَّثنا أحمدُ بن سعِيدِ بن بِشْرٍ، قال: حدَّثنا مَسْلمةُ بن قاسم بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدِ بن الحسنِ الأصبهانِيُّ بسِيرافٍ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن حبِيبٍ، قال: حدَّثنا أبو داود الطَّيالِسِيُّ سُليمانُ بن داودَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن ثابتٍ، عن جعفرِ بن محمدِ بن عليٍّ، عن أبيهِ، عن جابرِ بن عبدِ الله قال: قال النبيُّ ﷺ : "شفاعتي لأهلِ الكبائرِ من أُمَّتِي". قال: فقال لي (٢) جابرٌ: من لم يكُن من أهلِ الكبائرِ، فما لهُ وللشَّفاعةِ؟ (٣). والآثارُ (٤) في هذا كثِيرةٌ مُتواتِرةٌ، والجماعةُ أهلُ السُّنَّةِ على التَّصدِيقِ بها، ولا يُنكِرُها إلّا أهلُ البِدَع. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن عيسى، قال: حدَّثنا

стр. 6458

حمّادُ بن زيدٍ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن يُوسُف بن مِهران، عن ابنِ عبّاسٍ، قال: قال عُمرُ بن الخطّابِ: يا أيُّها النّاسُ، إنَّ الرَّجم حقٌّ، فلا تُخدعُنَّ عنهُ، وآيةُ ذلك، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قد رجمَ، وأبا (١) بكرٍ، ورجمنا بعدَهُما، وإنَّهُ سيكونُ أُناسٌ يُكذِّبُونَ بالرَّجم، ويُكذِّبُون بالدَّجالِ (٢)، ويُكذِّبُون بطُلُوع الشَّمسِ من مَغْرِبِها، ويُكذِّبُونَ بعذابِ القَبْرِ، ويُكذِّبُونَ بالشَّفاعةِ، ويُكذِّبُون بقوم يخرُجُون من النّارِ بعدَما امتُحِشُوا (٣). قال أبو عُمر: كلُّ هذا يُكذِّبُ به جميعُ طوائفِ أهلِ البِدَع: الخَوارِجُ (٤)، والمُعتزِلةُ، والجَهْمِيّةُ، وسائرُ الفِرَقِ المُبتدِعةِ (٥)، وأمّا أهلُ السُّنَّة، أئمَّةُ الفِقهِ والأثَرِ في جميع الأمْصارِ، فيُؤمِنُونَ بذلك كلِّهِ ويُصدِّقُونهُ، وهُم أهلُ الحقِّ، واللّه المُستعانُ. وأمّا قولُهُ في حديثِ أبي الزِّنادِ في هذا البابِ: "لِكلِّ نبِيٍّ دعوةٌ يدعُو بها". فمعناهُ أنَّ كلَّ نبِيٍّ أُعطِي أُمنِيةً وسُؤْلًا (٦) ودعوةً يدعُو بها فيما شاءَ، أُجِيبَ وأُعطِيهُ. ولا وجهَ لهذا الحديثِ غير ذلك؛ لأنَّ لكلِّ نبِيٍّ دَعَواتٍ مُستجاباتٍ، ولغيرِ الأنبِياءِ أيضًا دَعَواتٌ مُسْتَجاباتٌ، وما يكادُ أحدٌ من أهلِ الإيمانِ يخلُو من أن تُجابَ دعوتُهُ، ولو مرَّةً في عُمرِهِ، فإنَّ اللهَ يقولُ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وقال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ [الأنعام: ٤١]. وقال ﷺ : "ما من داع يدعُو، إلّا كانَ بين

стр. 6459

إحْدَى ثلاثٍ: إمّا أن يُستجابَ لهُ فيما دَعا به، وإمّا أن يُدَّخرَ لهُ مِثلُهُ، أو يُكفَّر عنهُ" (١). وقد ذكَرْنا هذا الخبر في بابِ زيدِ بن أسلمَ، من كِتابِنا هذا، وقال: "دَعْوةُ المظلُوم لا تُردُّ، ولو كانت من كافِرٍ" (٢). والدُّعاءُ عِندَ حَضْرةِ النِّداءِ، والصَّفِّ في سبِيلِ الله، وعندَ نُزُولِ الغَيْثِ، وفي ساعَةِ يوم الجُمُعةِ لا يُردُّ. فإذا كان هذا هكذا لجميع المُسلِمِينَ، فكيفَ يتوهَّمُ مُتوهِّمٌ أنْ ليسَ للنَّبيِّ ﷺ ، ولا لسائرِ الأنبِياءِ إلّا دعوةٌ واحِدةٌ يُجابُونَ فيها، هذا ما لا يتوَهَّمُهُ ذو لُبٍّ ولا إيمانٍ، ولا من لهُ أدْنَى فَهم، وبالله التَّوفِيقُ. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاق القاضِي، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن مِنهال، قال: حدَّثنا مُعتمِر، قال: سمِعتُ أبي يُحدِّثُ، عن آنسِ بن مالكٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إنَّ كلَّ نبيٍّ قد سألَ سُؤْلًا". أو قال: إنَّ رسُولَ الله ﷺ قال (٣): "إنَّ لكلِّ نبِيٍّ دَعْوةً قد دَعا بها، يُسْتَجابُ فيها، فاخْتَبأتُ دَعْوتي، شَفاعةً لأُمَّتي يومَ القِيامةِ". أو كما قال ﷺ (٤). آخِرُ حديثِ أبي الزِّنادِ، والحمدُ لله (٥).

стр. 6460

مالكٌ عن عبدِ الله بن الفضلِ حديثٌ واحِدٌ مُسندٌ صحِيحٌ قال ابنُ البرقيِّ: هُو عبدُ الله (١) بن الفضلِ بن عبّاسِ بن ربِيعةَ بن الحارِثِ بن عبدِ المُطَّلِبِ بن هاشم، يروِي عن نافِع بن جُبيرِ بن مُطعِم، والأعرج. وقال (٢) غيرُهُ: هُو عبدُ الله بن الفضلِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن ربِيعةَ بن الحارِثِ بن عبدِ المُطَّلِبِ بن هاشم. وهكذا ذكرهُ أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن داود الهاشمِيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي الزِّنادِ، عن موسى بن عُقبةَ، عن عبدِ الله بن الفَضْلِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن ربِيعةَ بن الحارِثِ بن عبدِ المُطَّلِبِ بن هاشم. قال أبو عُمر: عبدُ الله بن الفَضْلِ الهاشمِيُّ هذا مشهُورٌ بالرِّوايةِ ثِقةٌ، رَوَى عنهُ مالكٌ، وزِيادُ بن سعدٍ، وموسى بن عُقبةَ، ومحمدُ بن إسحاقَ، وأبو أُويسٍ (٤)، إلّا أنِّي لم أجِدهُ في كُتُبِ نُسّابِ قُريشٍ: مُصعبٍ الزُّبيرِيِّ، والعَدَوِيِّ. فمن رِوايةِ مالكٍ، وزِيادِ بن سعدٍ، عن عبدِ الله بن الفضلِ هذا، عن نافِع بن جُبيرٍ، عن ابنِ عبّاس، حديثُ: "الأيِّمُ أحقُّ بنفسِها من ولِيِّها" (٥). وروى عنهُ أبو أُوَيسٍ، عن نافِع بن جُبير أيضًا، عن ابنِ عبّاسٍ مرفُوعًا، حديث: "المقتُولُ يأتي يوم القِيامةِ مُلبِّبًا قاتِلهُ، تَشْخبُ أوداجُهُ ... " الحديث (٦).

стр. 6461

وروى عنهُ موسى بن عُقبةَ، عن الأعرج، عن عُبيدِ الله بن أبي رافِع، عن عليٍّ مرفُوعًا في رفع اليَدَينِ في الصَّلاةِ مع كلِّ خَفْضٍ ورفع. وروى عنهُ محمدُ بن إسحاقَ، عن سُليمان بن يسارٍ، عن جَعْفرِ بن عَمرِو بن أُميَّةَ خبرًا، ونَسَبهُ محمدُ بن إسحاقَ كما ذكر ابنُ البرقِيِّ. وجعلَ البُخارِيُّ (١) عبد الله بن الفضلِ الهاشمِيَّ، الذي روى عنهُ أبو أُويسٍ ومالكٌ وزِيادُ بن سعد، غير عبدِ الله بن الفَضْلِ الهاشمِيِّ، الذي روى عنهُ موسى بن عُقبةَ ومحمدُ بن إسحاق. وقال العُقيليُّ: هُما عِندِي واحِدٌ. قال أبو عُمر: هُو عِندِي كما قال العُقيليُّ، واللّه أعلمُ.

стр. 6462

وحديثُ مالكٍ عنهُ مالكٌ (١)، عن عبدِ الله بن الفَضْلِ، عن نافِع بن جُبيير بن مُطعِم، عن عبدِ الله بن عبّاسٍ، أنّ رسولَ الله ﷺ ، قال: "الأيِّمُ أحقُّ بنفسِها من وليِّها، والبِكرُ تُستأذنُ في نفسِها، وإذنُها صُماتُها". نافِعُ (٢) بن جُبيرِ بن مُطْعِم بن عدِيِّ بن نَوْفلِ بن عَبْدِ مَنافٍ، أحدُ الأشْرافِ التّابِعِينَ الثِّقاتِ، وكان ذا فَصاحَةٍ وبيانٍ، وكان فيه زهوٌ، فيما ذكرُوا، وتجبُّرٌ وإعجابٌ، تُوُفِّي في خِلافةِ سُليمان بن عبدِ الملكِ. قال أبو عُمر: هذا حديثٌ رفِيعٌ، أصلٌ من أُصُولِ الأحكام، رواهُ عن مالكٍ جماعةٌ من الجلَّةِ. منهُم: شُعبةُ (٣)، وسُفيانُ الثَّورِيُّ، وابنُ عُيينةَ (٤)، ويحيى بن سعِيدٍ القطّانُ. وقيل (٥): إنَّهُ قد رواهُ أبو حنِيفةَ، عن مالكٍ. وفي ذلك نظرٌ، ولا يصِحُّ. فأمّا حديثُ الثَّورِيِّ، عن مالكٍ في ذلك: فحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: أخبرنا أبو بكرٍ عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ الله بن عبدِ الله القاضِي بمِصرَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن الحسنِ (٦) بن أحمد بن أبي شعيبٍ الحرّانِيّ. وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا

стр. 6463

أبو الطّاهر محمدُ بن أحمد بن عبدِ الله القاضِي، قال: حدَّثنا يُوسُفُ بن يعقُوب القاضِي، قالا جميعًا: حدَّثنا محمدُ بن كثِيرٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ الثَّورِيُّ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن عبدِ الله بن الفَضْلِ، عن نافِع بن جُبيرِ بن مُطعِم، عن ابنِ عبّاسٍ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "الأيِّمُ أحقُّ بنَفْسِها من وليِّها، والبِكرُ تُسْتَأذنُ، وإذنُها صُماتُها (١). وأمّا حديثُ شُعبةَ: فحدَّثنا خلفُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا مُسلِمُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ الله بن الفَضْلِ، عن نافِع بن جُبَيرٍ، عن ابنِ عبّاسٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "الثَّيِّبُ أحقُّ بنَفْسِها من ولِيِّها، والبِكرُ تُسْتأذنُ، وإذنُها صُماتُها" (٢). حدَّثنا (٣) خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سُليمان الرَّمِليُّ، قال: حدَّثنا أبو مُسلِم إبراهيمُ بن عبدِ الله البصرِيُّ، قال: حدَّثنا مُسلِمُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا شُعبةُ بن الحجّاج، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن عبدِ الله بن الفَضْلِ، عن نافِع بن جُبيرٍ، عن ابنِ عبّاسٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "الثَّيِّبُ أحقُّ بنفسِها من ولِيِّها، والبِكرُ تُسْتأذنُ، وإذنُها صُماتُها". هكذا يقولُ شُعبةُ: "الثَّيِّبُ (٤) أحقُّ بنفسِها"، وكذلك رواه الليث بن سعد،

стр. 6464

عن يحيى بن أيوب، عن مالك: الثيب. قال الدارقطني (١): وتابعه شعبة، وعبد الله بن داود الخريبي، ومروان بن محمد السنجاري، كلهم قال عن مالك: الثيب. قال الدارقطني: وحدثنا أبو بكر النيسابوري، حدثنا الفضل بن موسى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك مثله، قال الليث (٢). وحدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحُسينِ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا الرَّبِيعُ بن سُليمانَ، قال: أخبَرنا الشّافِعيُّ، قال (٣): أخبَرنا مالكٌ، عن عبدِ الله بن الفضلِ، عن نافِع بن جُبيرِ بن مُطعِم، عن ابنِ عبّاسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الأيِّمُ أحقُّ بنفسِها من وليِّها، والبِكرُ رِضاها صُماتُها". حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ، عن مالكٍ. وأخبَرَنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أبو يحيى بن أبي مسرَّةَ، قال: حدَّثنا مُطرِّفُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ الله بن الفضلِ، عن نافِع بن جُبيرٍ، عن ابنِ عبّاسٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "الأيِّمُ أحقُّ بنفسِها من ولِيِّها، والبِكرُ تُستأمرُ في نفسِها، وإذنُها صُماتُها" (٤). كذا قال: "تُسْتأمرُ". لفظُ مُطرِّفٍ، وعامّةُ رُواةِ "المُوطَّأ" يقولُونَ: "تُستأذنُ" (٥).

стр. 6465

حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ (١). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بن حنبل (٣)، قالا جميعًا: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا زِيادُ بن سعدٍ، عن عبدِ الله ابنِ الفضلِ، عن نافِع بن جُبيرٍ، عن ابنِ عبّاسٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "الثَّيِّبُ أحقُّ بنَفْسِها من وليِّها، والبِكرُ تُسْتأمرُ في نَفْسِها، فصمتُها إقرارُها". هذا لفظُ حديثِ الحُميدِيِّ. وقال أحمدُ بن حنبلٍ: حدَّثنا سُفيانُ، عن زِيادِ بن سعدٍ، بإسنادٍ فقال: "الثَّيِّبُ أحقُّ بنَفْسِها من وليِّها، والبِكرُ يَسْتأمِرُها أبوها، وصَمتُها إقرارُها". قال أبو عُمر: وهكذا قال ابنُ عُيينةَ، عن زِيادٍ في هذا الحديثِ: "الثَّيِّبُ أحَقُّ بنفْسِها". ولو صحَّت هذه اللَّفظةُ، كان الولِيُّ المُرادُ بهذا الحديثِ الأبَ دُونَ غيرِهِ، على ما ذهبَتْ إليه طائفةٌ من أهلِ العِلم في ذلك، وسَتَرى ذلك وغيرهُ (٤) في هذا البابِ إن شاءَ الله. حدَّثنا إسماعيلُ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا أبو الحُسينِ محمدُ بن العبّاسِ الحَلَبِيُّ، قال: حدَّثنا أبو عَرُوبةَ الحُسينُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن زُنبُورٍ المكِّيُّ، قال: حدَّثنا فُضَيْلُ بن عِياضٍ، عن زِيادِ بن سعدٍ، عن عبدِ الله بن الفضلِ،

стр. 6466

عن نافِع بن جُبيرٍ، عن ابنِ عبّاسٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الأيِّم أحقُّ بنَفْسِها من وليِّها، والبِكرُ تُستأذنُ، وإذنُها صُماتُها". قال أبو عُمر: اختُلِف في لفظِ هذا الحديثِ كما تَرَى، فبعضُهُم يقولُ: "الأيِّمُ " وبعضُهُم يقولُ: "الثَّيِّبُ". والذي في "المُوطَّأ": "الأيِّمُ". وقد يُمكِنُ أن يكونَ من قال: "الثَّيِّبُ". جاءَ به على المعنى عِندَهُ. وهذا موضِع اختلَف فيه العُلماءُ، وأهلُ اللُّغةِ، فقال قائلُونَ: الأيِّمُ، هي التي آمَتْ من زَوْجِها بموتِهِ أو طلاقِهِ، وهي الثَّيِّبُ. واحتجُّوا بقولِ الشّاعِر: نُقاتِلُ حتَّى أنزلَ اللهُ نصرَهُ ... وسعدٌ ببابِ القادِسيَّةِ مُعصِمُ فأُبنا وقد آمَتْ نِساءٌ كثِيرةٌ ... ونِسْوةُ سعدٍ ليس مِنْهُنَّ أيِّمُ قالوا: يعني ليس منهُنَّ من قُتِلَ زوجُها، وهذا الشِّعرُ لرجُلٍ من بني أسَدٍ، قالهُ يوم القادِسِيَّةِ، حِينَ كان سعدُ بن أبي وقّاصٍ عَليلًا مُقِيمًا في القَصْرِ، لم يقدِر على النُّزُولِ، ولم يُشرِف على القِتالِ. وروي أن سعد بن أبي وقاص لما سمع بهذا الشعر من قول الشاعر، قال: اللهم اكفني يده ولسانه. فقطعت يده، وبكم لسانه، وكان سعد يعرف بالمستجاب (١). وقال (٢) يزِيدُ بن الحكم الثَّقفِيُّ (٣): كلُّ امرِئٍ ستَئيمُ مِنـ ... ـه العِرْسُ أو منها يئيمُ يُرِيدُ، سيمُوتُ عنها، أو تمُوتُ عنهُ، فتصِيرُ أيِّمًا.

стр. 6467

وذكرُوا ما حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بن محمدِ بن يَعقُوبَ، من وَلدِ عبّادِ بن تِميم بن أوْسٍ الدّارِيِّ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن هاشم بن صالح المخزُوميُّ، مَسْكنه الفيُّومُ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ عن ابنِ شِهابٍ، أنَّهُ سمِعَ سالم بن عبدِ الله يُحدِّثُ، عن أبيهِ، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ حِينَ تأيِّمت حفصةُ ابنتُهُ من خُنَيسِ بن حُذافةَ السَّهمِيِّ، فذكر الحديثَ (١). ورواهُ الدَّراوَرْدِيُّ، عن ابنِ أخِي الزُّهرِيِّ، عن عمِّهِ، عن سالم، عن أبيهِ، عن عمرَ (٢)، قال: آمَتْ حَفْصةُ من خُنيسِ بن حُذافةَ السَّهمِيِّ، وذكرهُ (٣). قالوا: فالأيِّمُ هي الثَّيِّبُ التي يمُوتُ عنها زوجُها أو يُطلِّقُها، فتخلُو منهُ، بعدَ أن كانت زوجةً. قالوا: وقد تقولُ العربُ لكلِّ من لا زوجَ لها من النِّساءِ: أيِّمٌ، على الاتِّساع. ولكِنَّ قولَهُ ﷺ : "الأيِّمُ أحق بنفسِها من ولِيِّها". إنَّما أرادَ الثَّيِّبَ، التي قد خلَتْ من زوجِها. بدليلِ رِوايةِ من رَوَى في هذا الحديثِ: "الثَّيِّبُ أحقُّ بنفسِها". فكانت رِوايةً مُفسَّرةً. ورِوايةُ من رَوى: "الأيِّمُ " مُجملةً، والمصِيرُ إلى المُفسَّرِ أبدًا أولى بأهلِ العِلم.

стр. 6468

وذكرُوا ما حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا حفصُ بن غِياث، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَوْهبٍ (١)، قال: حدَّثنا نافِعُ بن جُبر بن مُطعِم، عن ابنِ عبّاسٍ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "الثَّيِّبُ أولى بأمْرِها من وليِّها، والبِكرُ تُسْتأمرُ، وصَمْتُها إقرارُها" (٢). قالوا: ففي هذا الحديثِ ومِثلِهِ ما يدُلُّ على أنَّ الأيِّم المذكُورةَ في هذا الحديثِ، المُرادُ بها الثَّيِّبُ دُونَ غيرِها. قالوا: ودليلٌ آخرُ، وهُو ذِكرُ البِكْرِ بعدها بالواوِ الفاصِلةِ، فدلَّ على أنَّ الأيِّمَ غيرُ البِكرِ، وإذا كانت غير البِكرِ، فهي الثَّيِّبُ. قالوا: ولو كانتِ الأيِّمُ في هذا الحديثِ، كلَّ من لا زوجَ لها من النِّساءِ، لبطلَ قولُهُ ﷺ : "لا نِكاح إلّا بولِيٍّ" (٣). ولكانت كلُّ امرأةٍ أحَقَّ بنَفْسِها من وليِّها، وهذا ترُدُّهُ السُّتة الثّابِتةُ في أنْ لا نِكاحَ إلّا بولِيٍّ، ويرُدُّهُ القُرآنُ في قولِهِ مُخاطِبًا للأولِياءِ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. قالوا: ولمّا قال رسُولُ الله ﷺ : "الأيِّمُ أحقُّ بنَفسِها من وليِّها". دلَّ على أنَّ الأيِّم، وهي الثَّيِّبُ، أحَقُّ بنَفسِها، وأنَّ لولِيِّها مع ذلك حقًّا، لأنَّهُ لا يُقالُ:

стр. 6469

فُلانٌ أحقُّ من فُلانٍ بكذا، إلّا ولذاكَ فيه حَقٌّ، ليسَ كحقِّ الذي هُو أحقُّ به منهُ، ودلَّ أيضًا على أنَّ لولِيِّ البِكْرِ عليها حقًّا فوقَ ذلك الحقِّ، والفرقُ بينهُما، أنَّ ذلك الولِيَّ لا يُنكِحُ الثَّيِّبَ إلّا بأمرِها، ولهُ أن يُنكِحَ البِكرَ بغيرِ أمرِها، والولِيُّ عِندَهُم هاهُنا هُو الأبُ خاصَّةً. قالوا: ولمّا كان للأبِ أن يُنكِحَ البِكر من بَناتِهِ بغيرِ أمرِها، وليس لهُ ذلك في الثَّيِّبِ إلّا بأمْرِها، عَلِمنا أنَّ ذلك ليس من بابِ التُّهمةِ في شيءٍ، لأنَّ البِكرَ والثَّيِّب في ذلك سواءٌ، لأنَّهُما بنتاهُ، لا يُتَّهمُ على واحِدةٍ منهُما. وممَّن قال في هذا الحديثِ بمعنَى ما ذكرنا: الشّافِعيُّ (١) وأصحابُهُ، وأحمدُ بن حنبل، وإسحاقُ بن راهوية (٢)، واحتجُّوا بضُرُوبِ من الحُجج، معناها ما وَصَفْنا. وذكرَ المُزنِيُّ وغيرُ، عن الشّافِعيِّ، قال: وفي قولِ النَّبيِّ ﷺ : "الأيِّم أحقُّ بنَفْسِها من ولِيِّها، والبِكرُ تُستأمرُ في نفسِها، وإذنُها صُماتُها". دلالة على الفرقِ بين الثَّيِّبِ والبِكرِ في أمرينِ: أحدهما: أنَّ إذنَ البكر الصَّمتُ، والتي تُخالفُها الكلام. والآخر: أنَّ أمرَهما في ولايةِ أنفُسِهما مختلفٌ، فولايةُ الثَّيب: أنَّها أحقُّ من الولي. قال: والوليُّ هاهنا الأبُ، واللّهُ أعلمُ، دونَ سائر الأولياء، ألا (٣) تَرَى أنَّ سائرَ الأولياء غيرَ الأبِ ليس له أن يُزوِّج الصَّغيرة، ولا له أن يزوِّجَ الكبيرةَ البكرَ وغيرَها إلّا بإذنها، وذلك للأبِ في الأبكارِ من بناتهِ، بوالغَ وغيرَ بوالغَ.

стр. 6470

ولم تفترق البكرُ والثَّيِّب إلّا في الأبِ خاصَّة، لأنَّ الأبَ هو الوليُّ الكاملُ الذي لا ولايةَ لأحدٍ معهُ، وإنَّما يستحقُّ غيرُه من الأولياء الولايةَ بسببهِ (١) عندَ فقدهِ، وهم قد يشتركُونَ في الولاية، وهو ينفردُ بها، فلذلك وجبَ له اسمُ الوليِّ مُطلقًا. وذكر حديث خَنْساء حينَ أنكحَها أبوها، وهي ثيِّب بغيرِ رضاها، فرَدَّ رسُولُ الله ﷺ : نِكاحَها (٢). قال: والبكرُ مُخالفةٌ لها، لاختلافهما في لفظِ النَّبي ﷺ ، ولو كانتا سواءً، كان لفظُ النَّبي ﷺ أنَّهما أحق بأنفسهما. قال: وتزوَّجَ رسُولُ الله ﷺ عائشةَ وهي صغيرةٌ (٣)، زوَّجها أبوها وهي لا إذنَ لها، ولو كانت ممَّن يُحتاجُ إلى إذنها، ما زُوِّجت حتَّى تكون في حالِ من لهُ الإذن بعدَ البُلوغ، ولكن لمّا زوَّجها أبوها، وهي صَغِيرة، كان لهُ أن يُزوِّجها بعدَ البُلوغ كذلك بغيرِ أمرها، ما لم تَكُن ثيِّبًا. قال: وأمّا الاسْتئمار للبكرِ، فعلى اسْتِطابة النَّفس، قال اللهُ ، لنبيِّه ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، لا على أنَّ لأحَدٍ ردَّ ما رأى رسُولُ الله ﷺ ، ولكن لاستطابةِ أنفسهم، وليُقْتدَى بسُنَّته فيهم، قال: وقد أمرَ رسُولُ الله ﷺ : نُعيمًا أن يُؤامرَ أُمَّ ابنتهِ (٤). قال أبو عُمر: وذكرَ من ذهبَ هذا المذهبَ (٥) أيضًا ما رواهُ معمرٌ (٦)،

стр. 6471

والأوزاعِيُّ، وهشالم الدَّستُوائيُّ (١)، وغيرُهُم، عن يحيى بن أبي كثِيرٍ، عن المُهاجِرِ بن عِكْرِمةَ، قال: كان النَّبيُّ ﷺ : "يَسْتأمِرُ بَناتِهِ إذا أنْكَحهُنَّ". قال: كان يجلِسُ عِندَ خِدْرِ المَخْطُوبةِ، فيقولُ: "إنَّ فُلانًا يَذْكُرُ فُلانةً" فإن حرَّكتِ الخِدرَ لم يُزوِّجها، وإن سكَتَتْ زوَّجها. وذكرَ ابنُ أبي شيبةَ (٢) عن حَفْصِ بن غِياثٍ، عن ابنِ جُريج، عن عَطاءٍ مُرسلا، مِثلهُ سَواءً. ورَوَى الثَّورِيُّ (٣)، ومَعْمرٌ (٤)، عن عبدِ الكرِيم الجَزَرِيِّ، عن ابنِ المُسيِّبِ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "اسْتأمِرُوا الأبكارَ في أنفُسِهِنَّ، فإنَّهُن يَسْتحيِينَ، فإذا سكتَتْ، فهُو رِضاها". هذا لفظ الثَّوريِّ. قال الشّافعيُّ (٥): وهذا في الآباءِ على استطابةِ النَّفسِ، ممَّن لهُ أن يُنكحها، كما أمرَ نُعيمًا أن يُشاورَ أُمَّ ابنتهِ، ومَعلومٌ أنَّها لا أمرَ لها معهُ في ابنتهِ، ولما عَسَى أن يكونَ عندَها ممّا يَخْفَى عليه من ذلك. وقال آخرونَ: الأيِّمُ كلُّ امرَأةٍ لا زوجَ لها، بكْرًا كانت أم ثيِّبًا. واسْتَشهدُوا بقولِ الشّاعر: فإن تَنْكِحي أنكِحْ وإن تَتَأيِّمي ... وإن كنتُ أفْتَى منكمُ أتايِّمُ

стр. 6472

قال أبو عُمر: ومن هذا قول الشَّمّاخ (١): يَقَرُّ بعيني أن أُنبّأ أنَّها ... وإن لم أنلْها أيِّمٌ لم تَزوَّجِ وأبينُ من هذا قولُ أُميَّةَ بن أبي الصَّلتِ (٢): لله دَرُّ بني عليٍّ ... أيِّم منهم وناكِحْ إن لم يُغيروا غارةً ... شَعْواء تُجْحِرُ (٣) كلَّ نابِحْ قالوا: فالأيِّمُ: كلُّ من لا زوجَ لها من النِّساء. قالوا: وكذلك كلُّ رجُلٍ لا امرأةَ لهُ أيِّمٌ أيضًا، فالرّجُلُ أيِّمُ إذا كان لا زوجةَ له، والمراةُ أيِّمٌ إذا كانت لا زوجَ لها. واحتجُّوا أيضًا بما حدثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمةَ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، قال: آمَتْ حفصةُ ابنةُ عُمر من زوجِها، وآمَ عُثمانُ من رُقيَّةَ بنتِ رسُولِ الله ﷺ ، فمرَّ عُمرُ بعُثمان، فقال: هل لكَ في حَفْصةَ؟ فلم يُحِرْ إليه شيئًا، فائى عُمرُ النَّبيَّ ﷺ ، فقال: ألم تَرَ إلى عُثمانَ، عرضتُ عليه حَفْصةَ، فأعرضَ عنِّي، ولم يُحِرْ إليَّ شيئًا؟ فقال النَّبيُّ ﷺ : "فَخيرٌ من ذلك، أتزوَّجُ أنا حَفْصةَ، وأُزوِّجُ عُثمانَ أُمَّ كلثُوم". فتزوَّجَ النَّبيُّ ﷺ حَفْصةَ، وزوَّجَ عُثمان أُمَّ كلثُوم (٤). ألا تَرَى أنَّ في هذا الحديثِ: آمَتْ حفصةُ، وآمَ عُثمانُ؟

стр. 6473

قالوا: ففي ذلك دليلٌ على أنَّ من لا زوجَ لهُ، فهُو أيِّمٌ، ثيِّبًا كان أو بكرًا، رجُلًا كان أو امرأةً. قال أبو عُمر: ذهبَ إلى هذا القول طائفةٌ ممن قال: لا نكاحَ إلّا بوليٍّ. وكل من قال: النِّكاح جائزٌ بغيرِ وليٍّ. وسَنُبين اختلافَ العُلماء في النِّكاح بغيرِ وليٍّ بعدَ هذا إن شاء الله. ومعنى قوله ﷺ : "الأيِّمُ أحقُّ بنفسها من وليِّها" - عند هذه الطّائفةِ القائلةِ: لا نِكاحَ إلّا بوليٍّ - أنَّه من عَدا الأبِ من الأولياء، وأنَّ الأبَ لم يُرَدْ بذلك، وممَّن قال بهذا: مالكٌ وأصحابه، وجماعة. قال إسماعيلُ بن إسحاقَ: إنكاحُ غيرِ الأبِ، لا يجوزُ إلّا بأمرِ المرأةِ. قال: وأمّا الأبُ، فيَجُوز إنكاحُ ابنتِه البكرِ بغيرِ أمرها؛ لأنَّه غير مُتَّهم في ولدهِ، كما لا يُتَّهم في نفسهِ وماله، لأنَّ ولدَه هبة لهُ كسائرِ ماله، قال اللهُ : ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨]. قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾ [الأنبياء: ٧٢]، وليسَ غيرُ الأبِ من الأولياء كذلك، فلا يَجُوزُ لغيرِ الأبِ أن يُزوِّج وليَّتهُ إلّا بأمرها، قال ﷺ : "الأِّم أحق بنفسِها من وليِّها" (١). قال إسماعيلُ: والأيِّمُ: التي لا زوجَ لها، بالغًا كانت أو غيرَ بالغ، بكرًا كانت أم ثيِّبًا. قال: ولم يدخُل الأب في جُملةِ الأولياء؛ لأنَّ أمرهُ في وَلدهِ، أجَلُّ من أن يَدخُلَ مع الأولياءِ الذين لا يُشبهونهُ، وليسَتْ لهم أحكامُه، ولو دخلَ في جُملة الأولياء، لما جازَ لهُ (٢) أن يُنكِحَ ابنتهُ الصَّغيرة، ثمَّ لا يكونُ لها خيارٌ عندَ بُلوغ ولا غيرهِ. قال: وقد توهَّمَ قومٌ، أنَّ الأيِّمَ في هذا الحديث: الثَّيِّبُ.

стр. 6474

وهو غلطٌ شديدٌ، وإنَّما تَوهَّموا ذلك حينَ خُصَّت البكرُ بأن إذنَها صُماتها، فظَنُّوا أنَّ الأيِّمَ هي الثَّيِّبُ، ولو كان الأمرُ كما توهَّموا، لكانت الثَّيِّبُ أحقَّ بنفسها من وليِّها، وكانت البكرُ ليست بأحقَّ بنفسها، وكان الاستئمارُ لها إنَّما هو على التَّرغيب في ذلك، لا على الإيجاب، إذا كانت ليسَتْ بأحقَّ بنفسها من وليِّها، وهذا الحديث إنَّما جاء في الأَيامَى جملةً، وكأنَّه، واللّهُ أعلم، إعلامٌ للنّاس إذا أُمِروا بإنكاح الأَيامَى في القُرآنِ، مع ما أُمِروا به من إنكاح العبيدِ والإماء، أنَّهُنَّ لسن بمَنزلةِ العبيدِ والإماء (١)، وأنَّهنَّ إنَّما يُنكِحُهنّ الأولياء بأمرهنَّ، وأنَّهنَّ أحقُّ بأنفسهنَّ، ولولا ذلك، لكان للأولياء أن ينكحوهنَّ بغيرِ أمرهنَّ، كما يُنكِحُ السَّيِّد أمتهُ (٢) وعبده بغيرِ أمرهما، إذ كان ظاهر القُرآن في اللَّفظ قد أُجْرِينَ فيه مجرًى واحدًا، قال اللهُ ﵎: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فأُمرُوا بإنكاح من لا زوجَ لهُ وهُنَّ الأيامَى، ولم يُؤمرُوا بإنكاح الثَّيِّب دُونَ البكرِ. وذكرَ حديثَ سعيدِ بن المسيِّب، قال: آمَتْ حَفْصة من زوجها، وآمَ عُثمان من رقيَّة ... الحديثَ (٣). وذكرَ حديث ابن أخي الزُّهْري، عن عمِّه، عن سالم، عن أبيهِ، عن عُمر، قال: آمَتْ حفصة من خُنيس بن حُذافة السَّهمي ... الحديثَ (٤). ثمَّ قال: حدَّثنا الحَوْضي وسُليمان بن حرب، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن هانئ بن هانئ، قال: رأيتُ امرأةً جاءت إلى عليٍّ رضوان الله عليه،

стр. 6475

ذاتَ شارةٍ، فقالت: هل لكَ في امرأةٍ لا أيِّمٌ ولا ذاتُ بَعْل؟ وذكر الحديثَ (١). قال: وإنَّما يُقال: آمَتْ منه زوجته، أي: صارت غيرَ ذاتِ زوج، وليس أنَّها صارت ثيِّبًا بموتهِ أو بفراقهِ، وإنَّما تصير أيِّمًا بموتهِ أو بفراقهِ، إذا صارَت غيرَ ذاتِ زوج، قال: ويقال للرَّجُلِ أيضًا: أيِّمٌ. إذا لم تكُن له زوجةٌ، وأنشدَ قول الشّاعرِ: فإن تَنْكِحي أنكِحْ وإن تتأيَّمي ... وإن كنتُ أفْتَى منكُمُ أتأيَّمُ وأنشدَ أيضًا بيتي الأسديِّ يومَ القادسيَّة، وقد تقدَّم ذكْرُنا لهما (٢). ثمَّ قال: ويُقال في بعض الحديث، وأحسبَهُ مرفوعًا: "أعوذُ باللّه من بَوارِ الأيِّمُ" (٣). قال: وهذا في اللُّغة أشهَرُ من أن يُحتاجَ فيه إلى إكثارٍ. ثمَّ قال: وإنَّما كان في الحديث معنيانِ: أحدُهما: أنَّ الأَيامَى كلَّهنَّ أحقُّ بأنفسهنَّ من أوليائهنَّ، وهُم من عَدا الأبَ من الأولياء. والمعنى الآخرُ: تعليمُ النّاس كيفَ تُسْتأذنُ البكرُ، وأنَّ إذنَها صُماتُها؛ لأنَّها تستحيي أن تجيبَ بلسانِها. قال إسماعيلُ: فهذا معنى الحديث عندَ مالكٍ: أنَّ الأيِّمَ أحقُّ بنفسها من وليِّها، إنَّما هو لسائرِ الأولياءِ دُونَ الأبِ. وأنَّ الأبَ أقوى أمرًا من أن يدخُلَ في هذه الجُملة، ولو كان داخلًا فيها، لما جازَ له أن يُزوِّجَ ابنتهُ الصَّغيرةَ؛ لأنَّها داخلة في جُملة الأيامَى، ولو كانت أحقَّ

стр. 6476

بنَفسِها، لم يَجُز لهُ أن يُزوِّجها حتَّى تبلُغَ وتُستأمر، إذا كان التَّزويجُ أمرًا يلزمها في نفسها، لا حيلةَ لها فيه، كما أنَّ غير الأبِ من الأولياءِ لا يَجُوز لهُ أن يُزوِّج صغيرةً. والأبُ لهُ أن يُزوِّج الصَّغيرةَ بإجماع من المُسلمينَ، ثمَّ يلزمَها ذلك، ولا يكون لها في نفسِها خيار، إذا بلغَتْ. هذا كلُّه كلامُ إسماعيلَ بن إسحاقَ. قال (١) أبو عمر: فحصَلَ من هذا أنَّ الولي المذكُورَ في هذا الحديثِ، هو الأبُ عندَ الشّافعي، وعندَ مالكٍ في غير الأب من سائرِ الأولياء، وهو عندَ الكُوفيينَ: الأبُ وغير الأبِ من سائرِ الأولياءِ، كلِّهم في النِّكاح. وسيأتي مذهبُهم في ذلك مُلخَّصًا (٢) في هذا البابِ بعدُ، إن شاء الله. قال أبو عُمر: في قول رَسُولِ الله ﷺ : "الأيِّمُ أحقُّ بنفسِها من وليِّها". دليلٌ على أنَّ للوليِّ حقًّا في إنكاح وليَّته، على ما مَضَى في هذا البابِ من القولِ، على الفَرقِ بين الثَّيِّبِ والبكرِ، وعلى الجَمع بينهُما في المعنى المُراد بالوليِّ المذكُور في الحديث، على حسَبِ ما وصَفْنا. وقد اختَلف العُلماء في هذا المعنَى: فقال منهم قائلونَ: لا نِكاحَ إلّا بوليٍّ، ولا يَجُوزُ للمرأةِ أن تُباشرَ عقدَ نكاحها بنفسِها دُون وليِّها، ولا أن تعقدَ نِكاحَ غيرِها. وممَّن قال هذا: مالكٌ (٣)، والشّافعيُّ (٤)، وسُفيانُ الثَّوريُّ (٥)، وابن أبي ليلى،

стр. 6477

وابن شُبرمةَ، وابن المبارك، وعُبيد الله بن الحسنِ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبيدٍ، والطَّبريُّ (١). ورُوي ذلك عن عُمرَ، وعليٍّ، وابن مسعودٍ، وابن عباسٍ، وأبي هريرة. وهو قولُ سعيد بن المُسَيِّب، والحسن، وعُمر بن عبد العزيز، وجابرِ بن زيدٍ أبي الشَّعثاء (٢). وخالفَ هؤلاءِ أهلُ الرَّأي من الكُوفيِّين، وطائفةٌ من التّابعينَ. وسنذكُر قولَهم (٣) هاهنا، إن شاء الله، بعونهِ وفضلهِ، وكلُّهم يقول: لا يَنْبغي أن ينعقدَ نكاحٌ بغيرِ وليٍّ. قال أبو عُمر: حُجَّة من قال: لا نِكاحَ إلّا بوليٍّ، أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قد ثبتَ عنه أنَّه قال: "لا نِكاحَ إلّا بوليٍّ" (٤). وقال اللهُ : ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] وهذه الآية نزلَتْ في مَعقِلِ بن يَسارٍ، إذ عضَلَ أُختَهُ عن مُراجعةِ زوجِها، ولولا أنَّ له حقًّا في الإنكاح، ما نُهِيَ عن العَضْلِ. وأمّا افتتاحُ هذه الآية بذكرِ الأزواج، ثمَّ الميلُ إلى الأولياءِ، فذلكَ معروفٌ في لِسانِ العرب، كما قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. فخاطَبَ المتبايعَيْن، ثمَّ قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [االبقرة: ٢٨٢ [فخاطَبَ الحُكّامَ، وهذا كثيرٌ. والرِّواية الثّابتة في مَعقلِ بن يَسارٍ تُبيِّن ما قُلنا، وسنذكُرُها، إن شاء الله.

стр. 6478

وروينا عن أبي هريرةَ، أنَّه قال: البَغايا اللائي ينكحنَ أنفسهنَّ بغيرِ وليٍّ (١). وعن عائشةَ: أنَّها كانت إذا أنكحَتْ رَجُلًا من قَرابتِها (٢) امرأةً منهُم، ولم يبقَ إلّا العقدُ، قالت: اعقدُوا، فإنَّ النِّساءَ لا يَعْقدنَ، وأمرَتْ رَجُلًا فأنكَحَ (٣). حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ بن (٤) عبد الرزّاق، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن الأشْعَثِ، قال (٥): حدَّثنا محمدُ بن كثِيرٍ، قال: أخبرنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا ابنُ جُريج، عن سُليمان بن موسى، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رَسُول الله ﷺ : "أيُّما امرأةٍ نُكِحَتْ بغَيرِ إذنِ ولِيِّها، فنِكاحُها باطِلٌ". ثلاث مرّاتٍ "فإن دخلَ بها، فالمهرُ لها بما أصابَ مِنها، فإن تَشاجَرُوا، فالسُّلطانُ وليُّ من لا ولِيَّ لهُ". وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ، قال (٦): حدَّثنا

стр. 6479

سُفيانُ وعبدُ الله بن رجاءٍ المُزنِيُّ، قالا: حدَّثنا ابنُ جُرَيج، عن سُليمان بن موسى، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، فذكرهُ سواءً. قال أبو عُمر: رَوى هذا الحديثَ إسماعيلُ ابن عُليَّة، عن ابن جُريج، عن سُليمان بن موسى، عن الزُّهْري، عن عُروة، عن عائشةَ، كما رواه غيره، وزادَ عن ابن جُريج، قال: فسألتُ عنه الزُّهْريَّ، فلم يعرفه (١). ولم يَقُل هذا أحدٌ عن ابن جُريج غير ابن عُليَّة، وقد رواهُ عنه جماعة لم يذكروا ذلك، ولو ثبتَ هذا عن الزُّهْريِّ، لم يكن في ذلك حُجَّة؛ لأنَّه قد نقلهُ عنه ثقات، منهم: سُليمان بن موسى، وهو فقيهٌ ثقةٌ إمامٌ، وجعفرُ بن ربيعةَ (٢)، والحجّاج بن أرْطاةَ، فلو نَسِيهُ الزُّهْريُّ، لم يَضُرَّه ذلك شيئًا، لأنَّ النِّسيانَ لا يُعصَمُ منه الإنسان، قال رسُولُ الله ﷺ : "نَسِي آدمُ، فنسِيَتْ ذُرِّيَّته" (٣). وإذا (٤) كانَ رَسُولُ الله ﷺ يَنْسَى، فمن سِواه أحْرَى أن ينسَى، ومن حفِظَ، فهو حُجَّةٌ على من نَسي، فإذا رَوَى الخبرَ ثقةٌ عن ثقةٍ، فلا يضُرُّه نسيانُ من نسِيَه. هذا لو صحَّ ما حَكَى ابن عُليَّة، عن ابن جُريج، فكيفَ وقد أنكرَ أهلُ العلم ذلك من حكايتهِ، ولم يُعرِّجُوا عليه (٥).

стр. 6480

وقد ذكَرْنا هذا العنى، بأوضحَ من ذكرِنا لهُ هاهنا، في باب جعفرِ بن محمدٍ، من كتابنا هذا، في حديثِ اليمينِ مع الشّاهدِ (١). حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهيثم أبو الأحوصِ، قال: حدَّثنا عبدُ الغفّارِ بن داود، قال: حدَّثنا ابنُ لهِيعةَ، وسمِعهُ منهُ، عن جَعفرِ بن ربِيعةَ بن شُرَحبِيل بن حَسَنةَ، عن ابنِ شِهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: "أيُّما امرأةٍ نكحَتْ بغيرِ إذنِ ولِيِّها، فنِكاحُها باطِلٌ" ثلاثَ مرّاتٍ، "فإن وطِئَها، فلها المهرُ بما استحلَّ من فَرْجِها، فإنِ اشْتَجرُوا، فالسّلطانُ وليُّ من لا ولِيَّ لهُ" (٢). حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا القَعْنبيُّ، قال حدَّثنا ابنُ لهِيعةَ، عن جعفرِ بن ربِيعةَ، عن ابنِ شِهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، فذكرهُ. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا ابنُ لهِيعةَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن ربِيعةَ، عن الزّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : فذكرهُ سواءً، إلا في قولِهِ: "فإن وَطِئَها فلَها المهرُ". فإنَّهُ لم يذكُرهُ (٤). وحدَّثثا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن عيسى، قال:

стр. 6481

حدَّثنا هُشَيمٌ، عن الحجّاج، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رَسُولُ الله ﷺ : "لا نِكاحَ إلا بولِيٍّ، والسُّلطانُ وليُّ من لا ولِيَّ لهُ" (١). حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا محمدُ بن قُدامةَ بن أعين، قال: حدَّثنا أبو عُبيدةَ الحدّادُ، عن يُونُس وإسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي بُردةَ، عن أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "لا نِكاحَ إلا بولِيٍّ". قال أبو داود: يُونُسُ لقِي أبا بُردةَ. حدَثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَثنا قاسمٌ، قال: حدَثنا الحارِثُ، قال: حدَثنا إسحاقُ بن عِيسى. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى بن منصُورٍ، قالا جميعًا: أخبَرنا أبو عوانةَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي بُردةَ، عن أبيهِ أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نِكاحَ إلا بولِيٍّ" (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: حدَّثني إسرائيلُ،

стр. 6482

عن أبي إسحاقَ، عن أبي بُردةَ بن أبي موسى، عن أبيهِ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا نِكاحَ إلا بولِيٍّ" (١). وحدَّثنا (٢) سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُليم. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قالا: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا موسى بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا وكِيع، عن إسرائيلَ وسُفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي بُردةَ بن أبي (٣) موسى، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "لا نِكاح إلا بولِيٍّ" (٤). وليسَ في حديثِ سُفيان، عن أبيهِ. قال أبو عُمر: روى هذا الحديثَ شُعبةُ (٥)، والثَّوريُّ (٦)، عن أبي إسحاقَ، عن أبي بُرْدة، عن النَّبيِّ ﷺ مرسلًا. فمن يقبَلُ المراسِل، يلزَمُه قبُولُه، وقد مَضَى في صدرِ هذا الدِّيوانِ ذكرُ من يقبَلُها ويحتجُّ بها من العُلماء، ومن يأبَى من قَبُولها. وأمّا من لا يقبل المراسيلَ، فيلزَمُه أيضًا قبُولُ حديث أبي بُردة هذا؛ لأنَّ الذين وصلُوه من أهلِ الحفظِ والثِّقةِ، وإسرائيلُ ومن تابَعهُ حُفّاظٌ، والحافظُ تُقبلُ زيادتُه، وهذه زيادةٌ تعضُدُها أُصولٌ صِحاحٌ.

стр. 6483

وقد رُوي (١) من حديثِ يزيد بن زُرَيع، عن شُعبةُ (٢). ومن حديث بِشْر بن منصور، عن الثَّوريِّ (٣)، هذا الحديث مُسندًا، ولكن الصَّحيحَ عنهُما إرسالُه. وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ : "لا نِكاحَ إلّا بوليٍّ وشاهدَيْنِ عدلَيْنِ". من حديث ابن عبّاسٍ (٤)، وحديثِ أبي هريرةَ (٥)، وحديث ابن عُمرَ (٦)، إلّا أن في نقَلَةِ ذلك ضعفًا، فلذلك لم أذكُره. أخبَرَنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٧): حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ، قال: حدَّثنا عبّادُ بن راشِدٍ، عن الحسنِ، قال: حدَّثنا مَعقِلُ بن يَسارٍ، قال: كانت لي أُختٌ تُخطَبُ إليَّ، فأتاني ابنُ عم لي فأنْكَحتُها إيّاهُ، ثُمَّ طلَّقها طَلاقًا لهُ رَجْعةٌ، ثُمَّ تَرَكها حتَّى انقضَتْ عِدَّتُها، فلمّا خُطِبَت، أتاني يخطُبُها، فقُلتُ: واللّه لا أنكَحْتُكها أبدًا. قال: ففِيَّ

стр. 6484

نزلت: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] قال: فكفَّرتُ عن يَمِيني فأنكَحْتُها إيّاهُ. وذكر البُخارِيّ، قال (١): حدَّثنا عُبيدُ الله بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ العَقَدِيُّ، قال: حدَّثنا عبّادُ بن راشِدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ، قال: حدَّثني مَعقِلُ بن يَسارٍ، قال: كانت لي أُخت تُخطَبُ إليَّ، فذكر الحديث. قال البُخارِيُّ (٢): وأخبَرناهُ أبو مَعمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا يُونُسُ، عن الحسنِ: أنَّ أُخت مَعقِلِ بن يَسارٍ طلَّقها زوجُها، فتَرَكها حتَّى انقَضَتْ عِدَّتُها، ثُمَّ خَطَبها، فأبَى مَعقِل، فنزلت هذه الآيةُ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾. قال البُخارِيُّ (٣): وقال إبراهيمُ: عن يُونُس، عن الحسنِ، حدَّثني معقِلُ بن يسارٍ. قال أبو عُمر: هذا أصحُّ شيءٍ وأوضحَهُ، في أنَّ للوليِّ حقًّا في الإنكاح، ولا نِكاحَ إلّا بهِ؛ لأنَّه لولا ذلك، ما نُهِيَ عن العَضْلِ، ولاسْتُغني عنه. وقال مُجاهدٌ وعِكْرمةُ وابن جُرَيج: نزلت: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ في أُختِ مَعقل بن يَسارٍ (٤). قال ابن جُرَيج: أُخته جُمْلُ (٥) بنت يَسارٍ، كانت تحت أبي البَدّاح، فطَلَّقها

стр. 6485

وانقضَتْ عِدَّتها، فرَغِبَ فيها وخَطَبها، فعضَلَها مَعْقلُ بن يَسارٍ، فنزلَتْ هذه الآيةُ (١). قال أبو عُمر: فقد صرَّح الكتابُ والسُّنةُ بأنْ لا نِكاحَ إلّا بوليٍّ، فلا معنَى لما خالَفَهما، ألا ترَى أنَّ الولي لمّا نُهي عن العَضلِ، فقد أمِرَ بخلافِ العَضْلِ، وهو التَّزويج، كما أنَّ الذي نُهي عن أن يبخسَ النّاس، قد أُمِرَ بأن يُوفيَ الكيلَ والوزنَ؟ وهذا بَيِّنٌ كثيرٌ، وباللّه التَّوفيقُ. وقد كان الزُّهْريُّ والشَّعبيّ، يقولانِ: إذا تزوَّجتِ المرأة بغيرِ إذنِ وليِّها كُفئًا، فهو جائزٌ (٢). وكذلك كان أبو حنيفة (٣)، يقولُ: إذا زوَّجت المرأةُ نفسَها كُفئًا بشاهدَينِ، فذلك نكاحٌ جائزٌ صحيحٌ. وهو قولُ زُفَر. وإن زوَّجت نفسَها غيرَ كُفءٍ، فالنِّكاحُ جائزٌ، وللأولياءِ أن يُفرِّقوا بينهُما. وقال أبو يُوسُف: لا يجوزُ النِّكاحُ إلّا بوليٍّ، فإن سلَّمَ الوليُّ جازَ، وإن أبَى أن يُسلِّم، والزَّوجُ كُفءٌ، أجازهُ القاضي. وإنَّما يتمُّ النِّكاحُ في قولهِ، حينَ يُجيزه القاضي. وهو قول محمدِ بن الحسنِ، وقد كان محمدُ بن الحسنِ يقولُ: يأمُر القاضي الوليَّ بإجازتهِ، فإن لم يفعَلْ، استأنَفا عقدًا. قال أبو عُمر: في اتِّفاقهم على أنَّ للوليِّ فسخَ نكاح وليَّته إذا تزوَّجت غيرَ

стр. 6486

كُفءٍ بغير إذنهِ، دليلٌ على أنَّ له حقًّا في الإنكاح بالكُفءِ وغير الكُفءِ؛ لأنَّ الكُفءَ وغير الكُفءِ في ذلك سواءٌ، واللّه أعلم. ولا خلافَ بين (١) أبي حنيفةَ وأصحابِه، أنَّه إذا أذِنَ لها وليُّها، فعقدَت النِّكاح لنفسها، جازَ. وقال الأوزاعيُّ: إذا ولَّتْ أمْرَها رَجُلًا، فزوَّجها كُفئًا، فالنِّكاحُ جائزٌ، وليسَ للوليِّ أن يُفرِّقَ بينهُما، إلّا أن تكونَ عربيَّةً تزوَّجت مولًى. وحملَ القائلونَ بمذهبِ الزُّهْري، والشَّعبي، وأبي حنيفةَ، والأوزاعيِّ، قولَه ﷺ : "لا نِكاحَ إلّا بوليٍّ" على الكمالِ، لا على الوجُوبِ، كما قال: "لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلّا في المسجدِ" (٢). و: "لا حظَّ في الإسلام لمن تركَ الصَّلاةَ" (٣). ونحو هذا. وهذا ليسَ بشيءٍ؛ لأنَّ النَّهي حقُّه أن يُمتثَلَ الانتهاءُ عنه، ومعناهُ الزَّجرُ والإبعادُ، والوجوبُ لا يخرجُ عن ذلك إلّا بدليلٍ لا مُعارضَ له، ولولا ذلك لم تصحَّ عبادةٌ ولا فريضةٌ. وقد أوضَحنا هذا البابَ في غيرِ موضع من هذا الكتابِ، والحمدُ الله. وقال مالكٌ (٤)، فيما ذكر ابن القاسم وغيره عنه: إذا كانَت المرأةُ مُعتَقةً أو مسكينةً دنيَّةً لا خطبَ لها، أو المرأةُ تكونُ في قريةٍ لا سُلطانَ فيها، فلا بأسَ أن تستخلفَ رجُلًا يُزوِّجها، ويجوز. قال مالكٌ (٥): وكلُّ امرأةٍ ذات نسبٍ وغنًى وقدرٍ، فإنَّ ذلك لا ينبغي أن

стр. 6487

يُزوِّجها إلّا وليٌّ أو السُّلْطانُ، فإن فوَّضَتْ أمرها إلى رَجُلٍ فزوَّجها، فرَضِيَ الوَليُّ بعد ذلك: وقفَ فيه مالك لمّا سئلَ عنه، وإن أرادَ الوليُّ فسخَهُ بحِدْثانِ التَّزويج، فلهُ ذلكَ، وإن طالَ وولدت الأولادَ، وكان صوابًا، لم يَجُز الفسخُ. وقال مالكٌ، في قوم (١) من المَوالي يأخذونَ الصبيَّة من الأعرابِ: أنَّهُ يَجُوزُ نكاحُ الذي ربّاها عليها. قال: وأجازَ مالك للرَّجُلِ أن يُزوِّج المرأةَ، وهو من فَخِذِها، وإن كان ثمَّ من هو أقعدُ (٢) بها منه. قال ابن القاسم: وإن كانت بكرًا، فزَوَّجها ذو الرَّأي، وأصاب وجه الرَّأي، ولها أخٌ أو غيره من الأولياءِ، فهو عندي جائز. قال مالكٌ: تُولِّي العربيَّة أمرها المولَى من أهلِ الصَّلاح، دُونَ الأولياء. قال ابن القاسم: ولا يكونُ عندَ مالك الأقربُ من الأولياء أقعدَ، إلّا إذا (٣) تَشاحُّوا في إنكاحها وخُطِبَتْ ورضِيَتْ، فإذا كان ذلك كان الأقربُ فالأقربُ يُنكحها دُونهم. قال: وقال مالكٌ: في المرأةِ الثَّيب لها الأبُ والأخُ، فزَوَّجها الأخُ برضاها، وأنكرَ الأب، قال مالكٌ: ليسَ للأبِ هاهُنا قولٌ، إذا زوَّجها الأخ برضاها، لأنَّها قد ملكَتْ أمرها. فهذا كلُّهُ روايات ابن القاسم، عن مالكٍ.

стр. 6488

رَوَى ابنُ وَهْب، عن مالكٍ، قال: الابنُ أولى بإنكاح أُمِّه من أبيها، وبالصَّلاةِ عليها إذا ماتَتْ، والأخُ أولى بإنكاح أُختهِ من الجدِّ، وبالصّلاةِ عليها إذا ماتَتْ (١). قال: وسمعتُ مالكًا، يقول: في الثِّيب يُنكحها وليٌّ دونه وليٌّ. قال: إن كان بأمرها نظرَ في ذلك الوليُّ، فإن رأى سدادًا أجازَ. قال ابنُ وَهْبٍ: وقال مالكٌ، في الرُّجل يُزوِّج (٢) المرأة من قومهِ، ولها وليٌّ غائبٌ: إنَّ ذلك النِّكاحَ لا يَجُوزُ، وإنَّه يفسَخُ، إلّا أن يَرَى السُّلطانُ أنَّ ذلك النِّكاحَ حسنٌ لا بأسَ به. فقيل لمالك: فالرَّجُل يُزوِّج أُختَه، وأبوه غائبٌ؟ فقال: لا يُنكحُها حتَّى يكتُبَ إلى أبيهِ. قال إسماعيلُ بن إسحاقَ: قال مالكٌ في هذا الباب أقاويلَ، يظنُّ من سَمِعها أنَّ بعضها يُخالفُ بعضًا، وجُملة هذا الباب: أنَّ اللهَ ﵎ أمرَ بالنِّكاح، وحضَّ عليه الرَّسولُ ﷺ ، وجعلَ اللهُ المؤمنينَ بعضَهم لبعضٍ أولياء، فقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] والمؤمنونَ في الجُملةِ هكذا يرثُ بعضُهم بعضًا، فلو أنَّ رَجُلًا ماتَ لا وارثَ له، لكانَ ميراثُه للمُسلمينَ، ولو جَنَى جنايةً، لعقَلَ عنه المسلمونَ، ثمَّ تكونُ ولايةٌ أقربَ من ولايةٍ، وقرابةٌ أقربَ من قراية، فإنَّما يَجُوزُ النِّكاح على جهتهِ، وبمن (٣) هو أولى بالمرأةِ، وبمن لو تَشاجَرُوا وتَرافعوا إلى الحاكم، لجعلَ أمرَ المرأة إلى ذلكَ الرَّجُل، فإذا كانت المرأة بمَوضع لا سُلطانَ فيه، ولا وليَّ لها، فإنَّها تُصيِّرُ أمرها إلى من يُوثَقُ به من جيرانها، فيُزوِّجها، ويكونُ هو وَليَّها في هذه الحال؛ لأنَّ النّاسَ لا بُدَّ لهم من التَّزويج، وإنَّما يعملونَ فيه بأحسنِ ما يُمكن.

стр. 6489

وعلى هذا قال مالكٌ في المرأةِ الضَّعيفةِ الحالِ: إنّه يُزوِّجها من تُسندُ أمرَها إليه، لأنَّها ممَّن تضعف عن السُّلطان، وأشبهَتْ من لا سُلطانَ بحَضْرتها، ورجعَتْ في الجُملة إلى أنَّ المسلمينَ أولياؤها، ولذلك قال مالكٌ في المرأةِ التي لها أولياء، إنّهُ يُزوِّجها ذو الرَّأي منهم، وإن كان أبعدَ إليها من غير، على ما قال عُمر بن الخطّاب: لا تُنكحُ المرأة إلا بإذنِ وليِّها، أو ذي الرَّأي من أهلها، أو السُّلطانِ (١). لأنَّ ذلك وجهٌ من وجُوهِ إنكاحها، بل هو أحسنُه، لأنَّه لو رُفِعَ إلى الحاكم أمرُها، لأسنَده إلى ذلك الرَّجل. قال إسماعيلُ: وإذا صيَّرت المرأةُ أمرَها إلى رجُل، وتركتِ الأولياءَ، فإنَّها أخذت الأمرَ من غيرِ وجههِ، وفعلَتْ ما يُنكره الحاكم عليها، ويُنكره المسلمونَ، فيفسَخُ ذلك النِّكاحُ من غيرِ أن يُعلمَ حقيقةُ أنَّه حرامٌ لما وصَفْنا من أنَّ المؤمنيَن بعضهُم أولياءُ بعض، ولما في ذلك من الاختلافِ، ولكن لتناولِها الأمرَ من غيرِ وجههِ، ولأنَّه أحوطُ في الفُروج وتَحْصينها، فإذا وقعَ الدُّخولُ، وتطاولَ الأمرُ لم يُفسَخْ، لأنَّ الأُمورَ إذا تفاوتت، لم يُرَدَّ منها إلّا الحرامُ الذي لا شكَّ فيه، ويُشبه ما فاتَ من ذلك بحُكم الحاكم إذا حكَمَ بحُكم لم يفسَخْ، إلّا أن يكون خطأً لا يُشَكُّ فيه، فأمّا ما يجتهدُ فيه الرَّأي، وفيه الاختلافُ، فإنَّه لا يفسَخُ، ولا يُرَدُّ من رأيٍ إلى رأيٍ. وقد كان يُشبه على مذهب مالك، أن يكون الدُّخول فوتًا، وإن لم يتطاول، ولكنِّي أحسبُه احتاطَ في ذلك، لئلّا يجترئ (٢) النّاسُ على التَّزويج بغيرِ وليٍّ، ويَسْتعجلوا (٣) الدُّخولَ ليجوزَ لهم.

стр. 6490

قال: وأمّا ما قال مالكٌ، أنَّ المرأة إذا زوَّجها غيرُ وليٍّ، ففسَخَهُ الحاكم، أنَّها تَطْليقة. فإنَّما قال ذلك، لما وصَفْنا أنَّه ليسَ يَعلَمُ حَقِيقةَ أنَّه حرامٌ، ولو كان يعلمُ حَقِيقةَ أنَّه حرام، لكانَ فسخًا بغيرِ طلاقٍ، ولم يكن عندَ ابن القاسم، عن مالكٍ، في المرأةِ إذا تزوَّجت بغيرِ إذنِ وليِّها ثمَّ ماتَ أحدهما، جوابٌ في توارثهما، وقال: كان مالكٌ يَسْتحب أن لا يُقام على ذلك النِّكاح، حتَّى يبتدئَ النِّكاحَ جديدًا، ولم يكن يحقِّقُ فساده. قال إسماعيلُ: والذي يُشبه عندي على مذهبِ مالك، أنَّ هذين يَتَوارثان إن ماتَ أحدُهُما؛ لأنَّ الفسخَ يقعُ عندهُ بطلاقٍ، والنِّكاح ثابت حتَّى يُفرَّق بينهُما. وقد ذكرَ أبو ثابتٍ، أنَّ ابن القاسم كان يَرَى أنَّ بينهُما الميراثَ، لو ماتَ أحدهما قبلَ أن يفسَح النِّكاح. فهذه جُملة مذهب مالك، ووجُوههِ في النِّكاح بغيرِ وليٍّ. ومذهبُ اللَّيث بن سعدٍ (١) في هذا الباب نحو مذهب مالك. وأمّا الشّافعيُّ وأصحابه، فالنِّكاح عندهُم بغيرِ وليٍّ مفسُوخ أبدًا قبلَ الدُّخولِ وبعدهُ، ولا يَتَوارثانِ إن ماتَ أحدهما، والوليُّ عندَهُم من فرائضِ النِّكاح، لقيام الدَّليلِ عندهُم من الكتابِ والسُّنَّة على أن لا نِكاحَ إلّا بوليٍّ. قال اللهُ : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، كما قال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]. وقال مُخاطبًا الأولياء: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. وقال ﷺ : "لا نِكاحَ إلّا بوليٍّ". وقال ﷺ : "أيُّما امرأةٍ نكحَتْ بغيرِ إذنِ وليٍّ، فنكاحُها باطلٌ" (٢).

стр. 6491

ولما قال ﷺ : "الأيِّمُ أحقُّ بنفْسِها من وليِّها" (١). دلَّ على أن غيرَ الأيِّم وليُّها أحقُّ بها منها، وكأنَّ الفرق بينَهُما في الإذنِ عندَهُ الأبُ، على ما ذكَرْنا من مذهبِ الشّافعيِّ في ذلك. فلهذا كلِّه قال الشّافعيُّ وأصحابه: إنَّ النِّكاحَ بغيرِ وليٍّ باطل، مفسوخٌ أبدًا، وفسخُه بغيرِ طلاقٍ. ولم يُفرِّقوا بين الدَّنيَّةِ الحالِ، وبين الشَّريفة، لإجماع العُلماء على أنْ لا فرقَ بينهُما في الدِّماء. وقال ﷺ : "المُسلمونَ تَتَكافأ دِماؤُهم" (٢). وهذا على ﴿الْحُرُّ بِالْحُر﴾ [البقرة: ١٧٨]. وسائرُ الأحكام كذلك ليس في شيءٍ منها فرقٌ بين الوَضيع والرَّفيع في كتابٍ ولا سُنَّةٍ. وقال الشَّافعيُّ (٣): لا ولايةَ لأحدٍ مع الأبِ، فإن ماتَ، فالجدُّ، ثمَّ أبو الجدِّ، ثمَّ أبو أبي الجد كذلك؛ لأنَّ كلهم أب، والثَّيبُ والبكرُ في ذلك سواء، لا تنكحُ واحدةٌ منهما بغيرِ وليٍّ. إلّا أنَّ الثَّيب لا يُنكحُها أبٌ ولا غيره إلّا بأمرها، ويُنكِحُ الأبُ البكرَ من بناتهِ بغيرِ أمرها، لأنَّه أحقُّ بها من الثَّيبِ على ما قدَّمنا، والولاية بعد الجدِّ، وإن علا، للإخوةِ، ثمَ الأقرب فالأقرب. قال المُزَنيُّ: قال في الجديدِ: من انفردَ بأُمٍّ، كان أولى بالإنكاح، كالميراثِ. وقال في القديم: هُما سواءٌ.

стр. 6492

وقال الثَّوريُّ، كقولِ الشّافعي: الأولياء العَصَبة. وقال أبو ثورٍ: كلُّ من وقعَ عليهِ اسمُ وليٍّ، فلهُ أن يُنكِحَ. وهو قولُ محمد بن الحسنِ. حدَّثنا أحمد بن محمدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن سلَمةَ، قال: حدَّثنا ابن الجارود، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن منصورٍ، قال: قلتُ لأحمدَ بن حنبلٍ: إذا تزوَّجها بغيرِ وليٍّ، ثمَّ طلَّقها؟ قال: أحتاطُ لهذا (١) وأُجيزُ طلاقَهُ. وقال إسحاقُ: كلَّما طلَّقها، وقد عُقِدَ النِّكاح بلا وليٍّ، لم يقَعْ عليها طلاق، ولا يقع بينهُما ميراثٌ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "فنكاحُها باطلٌ" ثلاثًا. والباطلُ مَفْسوخٌ، لا يحتاجُ إلى فسخ حاكم ولا غيرِهِ. وأمّا أبو حنيفةَ (٢) وأصحابُهُ، فليسَ الوليُّ عندهُم من أركانِ النِّكاح، ولا من فَرائضهِ، وإنَّما هو لئلّا يلحَقَه عارُها، فإذا تزوَّجت كُفئًا، جازَ النِّكاح، بكرًا كانت أو ثيِّبًا. وقال أصحابُ أبي حنيفةَ: قولُ رسُولِ الله ﷺ : "الأيِّمُ أحقُّ بنفسها" فيه دليلٌ على أنَّ لها أن تُزوِّج نفسها، لأنَّه لم يَقُل: إنَّها أحقُّ بنفسها في الإذنِ دُونَ العَقدِ. ومن ادَّعى أنَّه أرادَ الإذنَ دونَ العقدِ، فعليه الدَّليل. قالوا: والأيِّمُ كلُّ امرأةِ لا زوجَ لها، بكرًا كانت أو ثيِّبًا. قالوا: فالمرأةُ إذا كانت رشيدةً، جازَ لها أن تَلِي عقدَ نكاحها، لأنَّه عقدٌ أكسَبَها مالًا، فجازَ أن تتولّاه بنفسها، كالبيع والإجاراتِ. قالوا: وقد أضافَ اللهُ ، النِّكاحَ إليها بقوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وبقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾
следующие страницы →