← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6488–6527 · переход к 6493.

стр. 6488

رَوَى ابنُ وَهْب، عن مالكٍ، قال: الابنُ أولى بإنكاح أُمِّه من أبيها، وبالصَّلاةِ عليها إذا ماتَتْ، والأخُ أولى بإنكاح أُختهِ من الجدِّ، وبالصّلاةِ عليها إذا ماتَتْ (١). قال: وسمعتُ مالكًا، يقول: في الثِّيب يُنكحها وليٌّ دونه وليٌّ. قال: إن كان بأمرها نظرَ في ذلك الوليُّ، فإن رأى سدادًا أجازَ. قال ابنُ وَهْبٍ: وقال مالكٌ، في الرُّجل يُزوِّج (٢) المرأة من قومهِ، ولها وليٌّ غائبٌ: إنَّ ذلك النِّكاحَ لا يَجُوزُ، وإنَّه يفسَخُ، إلّا أن يَرَى السُّلطانُ أنَّ ذلك النِّكاحَ حسنٌ لا بأسَ به. فقيل لمالك: فالرَّجُل يُزوِّج أُختَه، وأبوه غائبٌ؟ فقال: لا يُنكحُها حتَّى يكتُبَ إلى أبيهِ. قال إسماعيلُ بن إسحاقَ: قال مالكٌ في هذا الباب أقاويلَ، يظنُّ من سَمِعها أنَّ بعضها يُخالفُ بعضًا، وجُملة هذا الباب: أنَّ اللهَ ﵎ أمرَ بالنِّكاح، وحضَّ عليه الرَّسولُ ﷺ ، وجعلَ اللهُ المؤمنينَ بعضَهم لبعضٍ أولياء، فقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] والمؤمنونَ في الجُملةِ هكذا يرثُ بعضُهم بعضًا، فلو أنَّ رَجُلًا ماتَ لا وارثَ له، لكانَ ميراثُه للمُسلمينَ، ولو جَنَى جنايةً، لعقَلَ عنه المسلمونَ، ثمَّ تكونُ ولايةٌ أقربَ من ولايةٍ، وقرابةٌ أقربَ من قراية، فإنَّما يَجُوزُ النِّكاح على جهتهِ، وبمن (٣) هو أولى بالمرأةِ، وبمن لو تَشاجَرُوا وتَرافعوا إلى الحاكم، لجعلَ أمرَ المرأة إلى ذلكَ الرَّجُل، فإذا كانت المرأة بمَوضع لا سُلطانَ فيه، ولا وليَّ لها، فإنَّها تُصيِّرُ أمرها إلى من يُوثَقُ به من جيرانها، فيُزوِّجها، ويكونُ هو وَليَّها في هذه الحال؛ لأنَّ النّاسَ لا بُدَّ لهم من التَّزويج، وإنَّما يعملونَ فيه بأحسنِ ما يُمكن.

стр. 6489

وعلى هذا قال مالكٌ في المرأةِ الضَّعيفةِ الحالِ: إنّه يُزوِّجها من تُسندُ أمرَها إليه، لأنَّها ممَّن تضعف عن السُّلطان، وأشبهَتْ من لا سُلطانَ بحَضْرتها، ورجعَتْ في الجُملة إلى أنَّ المسلمينَ أولياؤها، ولذلك قال مالكٌ في المرأةِ التي لها أولياء، إنّهُ يُزوِّجها ذو الرَّأي منهم، وإن كان أبعدَ إليها من غير، على ما قال عُمر بن الخطّاب: لا تُنكحُ المرأة إلا بإذنِ وليِّها، أو ذي الرَّأي من أهلها، أو السُّلطانِ (١). لأنَّ ذلك وجهٌ من وجُوهِ إنكاحها، بل هو أحسنُه، لأنَّه لو رُفِعَ إلى الحاكم أمرُها، لأسنَده إلى ذلك الرَّجل. قال إسماعيلُ: وإذا صيَّرت المرأةُ أمرَها إلى رجُل، وتركتِ الأولياءَ، فإنَّها أخذت الأمرَ من غيرِ وجههِ، وفعلَتْ ما يُنكره الحاكم عليها، ويُنكره المسلمونَ، فيفسَخُ ذلك النِّكاحُ من غيرِ أن يُعلمَ حقيقةُ أنَّه حرامٌ لما وصَفْنا من أنَّ المؤمنيَن بعضهُم أولياءُ بعض، ولما في ذلك من الاختلافِ، ولكن لتناولِها الأمرَ من غيرِ وجههِ، ولأنَّه أحوطُ في الفُروج وتَحْصينها، فإذا وقعَ الدُّخولُ، وتطاولَ الأمرُ لم يُفسَخْ، لأنَّ الأُمورَ إذا تفاوتت، لم يُرَدَّ منها إلّا الحرامُ الذي لا شكَّ فيه، ويُشبه ما فاتَ من ذلك بحُكم الحاكم إذا حكَمَ بحُكم لم يفسَخْ، إلّا أن يكون خطأً لا يُشَكُّ فيه، فأمّا ما يجتهدُ فيه الرَّأي، وفيه الاختلافُ، فإنَّه لا يفسَخُ، ولا يُرَدُّ من رأيٍ إلى رأيٍ. وقد كان يُشبه على مذهب مالك، أن يكون الدُّخول فوتًا، وإن لم يتطاول، ولكنِّي أحسبُه احتاطَ في ذلك، لئلّا يجترئ (٢) النّاسُ على التَّزويج بغيرِ وليٍّ، ويَسْتعجلوا (٣) الدُّخولَ ليجوزَ لهم.

стр. 6490

قال: وأمّا ما قال مالكٌ، أنَّ المرأة إذا زوَّجها غيرُ وليٍّ، ففسَخَهُ الحاكم، أنَّها تَطْليقة. فإنَّما قال ذلك، لما وصَفْنا أنَّه ليسَ يَعلَمُ حَقِيقةَ أنَّه حرامٌ، ولو كان يعلمُ حَقِيقةَ أنَّه حرام، لكانَ فسخًا بغيرِ طلاقٍ، ولم يكن عندَ ابن القاسم، عن مالكٍ، في المرأةِ إذا تزوَّجت بغيرِ إذنِ وليِّها ثمَّ ماتَ أحدهما، جوابٌ في توارثهما، وقال: كان مالكٌ يَسْتحب أن لا يُقام على ذلك النِّكاح، حتَّى يبتدئَ النِّكاحَ جديدًا، ولم يكن يحقِّقُ فساده. قال إسماعيلُ: والذي يُشبه عندي على مذهبِ مالك، أنَّ هذين يَتَوارثان إن ماتَ أحدُهُما؛ لأنَّ الفسخَ يقعُ عندهُ بطلاقٍ، والنِّكاح ثابت حتَّى يُفرَّق بينهُما. وقد ذكرَ أبو ثابتٍ، أنَّ ابن القاسم كان يَرَى أنَّ بينهُما الميراثَ، لو ماتَ أحدهما قبلَ أن يفسَح النِّكاح. فهذه جُملة مذهب مالك، ووجُوههِ في النِّكاح بغيرِ وليٍّ. ومذهبُ اللَّيث بن سعدٍ (١) في هذا الباب نحو مذهب مالك. وأمّا الشّافعيُّ وأصحابه، فالنِّكاح عندهُم بغيرِ وليٍّ مفسُوخ أبدًا قبلَ الدُّخولِ وبعدهُ، ولا يَتَوارثانِ إن ماتَ أحدهما، والوليُّ عندَهُم من فرائضِ النِّكاح، لقيام الدَّليلِ عندهُم من الكتابِ والسُّنَّة على أن لا نِكاحَ إلّا بوليٍّ. قال اللهُ : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، كما قال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]. وقال مُخاطبًا الأولياء: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. وقال ﷺ : "لا نِكاحَ إلّا بوليٍّ". وقال ﷺ : "أيُّما امرأةٍ نكحَتْ بغيرِ إذنِ وليٍّ، فنكاحُها باطلٌ" (٢).

стр. 6491

ولما قال ﷺ : "الأيِّمُ أحقُّ بنفْسِها من وليِّها" (١). دلَّ على أن غيرَ الأيِّم وليُّها أحقُّ بها منها، وكأنَّ الفرق بينَهُما في الإذنِ عندَهُ الأبُ، على ما ذكَرْنا من مذهبِ الشّافعيِّ في ذلك. فلهذا كلِّه قال الشّافعيُّ وأصحابه: إنَّ النِّكاحَ بغيرِ وليٍّ باطل، مفسوخٌ أبدًا، وفسخُه بغيرِ طلاقٍ. ولم يُفرِّقوا بين الدَّنيَّةِ الحالِ، وبين الشَّريفة، لإجماع العُلماء على أنْ لا فرقَ بينهُما في الدِّماء. وقال ﷺ : "المُسلمونَ تَتَكافأ دِماؤُهم" (٢). وهذا على ﴿الْحُرُّ بِالْحُر﴾ [البقرة: ١٧٨]. وسائرُ الأحكام كذلك ليس في شيءٍ منها فرقٌ بين الوَضيع والرَّفيع في كتابٍ ولا سُنَّةٍ. وقال الشَّافعيُّ (٣): لا ولايةَ لأحدٍ مع الأبِ، فإن ماتَ، فالجدُّ، ثمَّ أبو الجدِّ، ثمَّ أبو أبي الجد كذلك؛ لأنَّ كلهم أب، والثَّيبُ والبكرُ في ذلك سواء، لا تنكحُ واحدةٌ منهما بغيرِ وليٍّ. إلّا أنَّ الثَّيب لا يُنكحُها أبٌ ولا غيره إلّا بأمرها، ويُنكِحُ الأبُ البكرَ من بناتهِ بغيرِ أمرها، لأنَّه أحقُّ بها من الثَّيبِ على ما قدَّمنا، والولاية بعد الجدِّ، وإن علا، للإخوةِ، ثمَ الأقرب فالأقرب. قال المُزَنيُّ: قال في الجديدِ: من انفردَ بأُمٍّ، كان أولى بالإنكاح، كالميراثِ. وقال في القديم: هُما سواءٌ.

стр. 6492

وقال الثَّوريُّ، كقولِ الشّافعي: الأولياء العَصَبة. وقال أبو ثورٍ: كلُّ من وقعَ عليهِ اسمُ وليٍّ، فلهُ أن يُنكِحَ. وهو قولُ محمد بن الحسنِ. حدَّثنا أحمد بن محمدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن سلَمةَ، قال: حدَّثنا ابن الجارود، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن منصورٍ، قال: قلتُ لأحمدَ بن حنبلٍ: إذا تزوَّجها بغيرِ وليٍّ، ثمَّ طلَّقها؟ قال: أحتاطُ لهذا (١) وأُجيزُ طلاقَهُ. وقال إسحاقُ: كلَّما طلَّقها، وقد عُقِدَ النِّكاح بلا وليٍّ، لم يقَعْ عليها طلاق، ولا يقع بينهُما ميراثٌ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "فنكاحُها باطلٌ" ثلاثًا. والباطلُ مَفْسوخٌ، لا يحتاجُ إلى فسخ حاكم ولا غيرِهِ. وأمّا أبو حنيفةَ (٢) وأصحابُهُ، فليسَ الوليُّ عندهُم من أركانِ النِّكاح، ولا من فَرائضهِ، وإنَّما هو لئلّا يلحَقَه عارُها، فإذا تزوَّجت كُفئًا، جازَ النِّكاح، بكرًا كانت أو ثيِّبًا. وقال أصحابُ أبي حنيفةَ: قولُ رسُولِ الله ﷺ : "الأيِّمُ أحقُّ بنفسها" فيه دليلٌ على أنَّ لها أن تُزوِّج نفسها، لأنَّه لم يَقُل: إنَّها أحقُّ بنفسها في الإذنِ دُونَ العَقدِ. ومن ادَّعى أنَّه أرادَ الإذنَ دونَ العقدِ، فعليه الدَّليل. قالوا: والأيِّمُ كلُّ امرأةِ لا زوجَ لها، بكرًا كانت أو ثيِّبًا. قالوا: فالمرأةُ إذا كانت رشيدةً، جازَ لها أن تَلِي عقدَ نكاحها، لأنَّه عقدٌ أكسَبَها مالًا، فجازَ أن تتولّاه بنفسها، كالبيع والإجاراتِ. قالوا: وقد أضافَ اللهُ ، النِّكاحَ إليها بقوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وبقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾

стр. 6493

[البقرة: ٢٣٢]، وبقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤] (١). وأمّا مالك وأصحابه، فهذا الحديث، عندَهُم، إنَّما هو في اليَتيمةِ، بكرًا كانت أو ثيِّبًا، والوليُّ عندَهُم، من عدا الأبَ هاهنا، وقد مضى هذا القولُ ووجهه، فلا معنى لإعادتهِ. فما تأوَّله أصحابُ أبي حنيفةَ في هذا الحديثِ فغيرُ مُسَلَّم لهم (٢). وأمّا احتجاجُهم بقوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فإنَّما هذا على ما يجبُ من النِّكاح الذي أمرَ اللهُ ورَسُولهُ، ومنه الوليُّ، والصَّداقُ، وغيرُ ذلك. وفي هذه المسألةِ كلامٌ كثيرٌ، واعتراضٌ طويلٌ لكلِّ فريقٍ من هؤلاء على صاحبهِ يَطُولُ ذكره، ولو أتَيْنا به، لخرجنا عن شرطنا، وإنَّما غرضُنا التَّعريف لما (٣) في الحديث من المعاني التي جَعلَها الفُقهاء أُصولًا في أحكام الدِّيانة، ليُوقَف على الأُصولِ وتُضبط. وأمّا الاعتلالُ والفُروعُ والجِدالُ، فتَقْصر عن حَملِ ذلك الأسفارُ، والمُصنَّفات الطِّوالُ. وقال داود وأصحابه في قوله: "الأيِّمُ أحقُّ بنفسها من وليِّها": هي الثَّيِّب، ولها أن تُزوِّجَ نفسَها بغيرِ وليٍّ، والبكرُ يُزوِّجها وليُّها، ولا تتزوَّج بغيرِ وليٍّ، لقوله: "لا نِكاحَ إلّا بوليٍّ". وهذا على الأبكارِ خاصَّة، بدليلِ قوله: "الثَّيِّبُ أحقُّ بنفسها".

стр. 6494

واحتجَّ أيضًا، بقوله ﷺ : "ليسَ للوليِّ معَ الثَّيِّبِ أمرٌ" (١). وبحديثِ خَنْساء، وسنذكُره في بابِ عبد الرَّحمنِ بن القاسم، من كتابنا هذا، إن شاء الله. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٣): أخبَرنا مَعمرٌ، عن صالح بن كَيْسان، عن نافِع بن جُبيرِ بن مُطعِم، عن ابنِ عبّاسٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ ، قال: "ليسَ للولِيِّ مع الثَّيِّبِ أمرٌ، واليَتيمةُ تُستأمرُ، وصَمتُها إقرارُها (٤) ". قال أبو عُمر: الأَوْلى أن يُحملَ قولُه ﷺ "لا نِكاحَ إلَّا بوليٍّ" علي عُمومهِ، وكذلك قوله: "أيُّما امرأة نكحَتْ بغيرِ وليِّها فنكاحهُا باطلٌ" على عُمومهِ أيضًا. وأمّا حديث: "الأيِّمُ أحقُّ بنفسها من وليِّها" فإنَّما وردَ للفرقِ بين الثَّيِّب والبكرِ في الإذنِ، واللّهُ أعلم. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٥):

стр. 6495

حدَّثنا ابنُ إدرِيسَ، عن ابنِ جُريج، عن ابنِ أبي مُليكةَ، عن أبي عَمرٍو مولى عائشةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسُولُ الله ﷺ : "تُستأمرُ النِّساءُ في أبضاعِهِنَّ". قالت: قُلتُ: يا رسُولَ الله، إنَّهُنَّ يَسْتحيِينَ، قال: "الأيِّمُ أحقُّ بنفسِها، والبِكرُ تُسْتأمرُ، وسُكُوتُها إقْرارُها". قال أبو عُمر: أجمعَ العُلماء، على أنَّ للأبِ أن يُزوِّجَ ابنتهُ الصَّغيرةَ ولا يُشاورُها، لتَزْويج رسُول الله ﷺ عائشةَ وهي بنتُ ستِّ سنينَ. إلّا أنَّ العراقيينَ، قالوا: لها الخيارُ إذا بلغَتْ. وأبَى ذلك أهل الحجاز، ولا حُجَّة مع من جعلَ لها الخيارَ عندي، واللّهُ أعلم. قال (١) أبو قُرَّة: سألتُ مالكًا عن قولِ النَّبيِّ ﷺ : "والبكرُ تُستأذنُ في نفْسِها" أيصيبُ هذا القولُ الأبَ؟ قال: لا، لم يُعْنَ الأبُ بهذا، إنما عُنِيَ به غير الأبِ. قال: وإنكاحُ الأبِ جائزٌ على الصِّغارِ من ولدهِ، ذكرًا كان أو أُنثى؟ قال: ولا يُنكِحُ الجارية الصَّغيرة أحدٌ من الأولياءِ غيرُ الأبِ. واختلفُوا في الأبِ، هل يُجبر ابنتَهُ الكبيرة البكرَ على النِّكاح أم لا؟ فقال: مالكٌ (٢) والشّافعيُّ (٣) وابنُ أبي ليلى: إذا كانت المرأةُ بكرًا، كان لأبيها أن يُجبرها على النِّكاح، ما لم يكُن ضررًا بيِّنًا، وسواءٌ كانت صغيرةً أو كبيرةً. وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ، وجماعةٌ (٤)، وحُجَّتهم: أنَّه لمّا كان لهُ أن يُزوِّجها وهي صغيرةٌ، كان له أن يُزوِّجها كبيرةً، إذا كانت بكرًا؛ لأنَّ العلَّة البُكورة، ولأنَّ

стр. 6496

الأبَ ليسَ كسائرِ الأولياء، بدليلِ تَصرُّفه في مالها، ونظرهِ لها، وأنَّه غير مُتَّهم عليها، ولو لم يَجُزْ لهُ أن يُزوِّجها وهي بكرٌ بالغٌ إلّا بإذنها، ما جازَ له أن يُزوِّجها صغيرةً، كما أنَّ غير الأبِ لمّا لم يكُن لهُ أن يُزوِّجها بكرًا (١) بالغًا إلّا بإذنها، لم يكن له أن يُزوِّجها صغيرةً، فلو احتيجَ إلى إذنها في الأبِ، ما زوَّجها حتَّى تكون ممَّن لها الإذن بالبُلوغِ، فلمّا أجمعُوا على أنَّ للأبِ أن يُزوِّجها صغيرةً، وهي لا إذنَ لها، صحَّ بذلك أنَّ له أن يُزوِّجها بغيرِ إذنها، كائنةً ما كانت بكرًا؛ لأنَّ الفرقَ إنَّما وردَ بين الثَّيِّب والبكرِ، على ما قدَّمنا. ومن حُجَّتهم أيضًا قوله ﷺ : "لا تُنكح اليتيمةُ إلّا بإذنها" (٢)؛ لأنَّ فيه دليلًا على أنَّ غير اليتيمةِ تُنكَحُ بغيرِ إذنها، وهي البكرُ ذاتُ الأبِ. وكذلك قولُه: "الثَّيِّب أحقُّ بنفسها" فيه دليلٌ على أنَّ البكرَ وليُّها أحقُّ منها، وهو الأبُ. حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن زِيادٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ الزَّعفرانِيُّ، قال: حدَّثنا أسباطُ بن محمدٍ، عن محمدِ بن عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "تُسْتأمرُ اليتِيمةُ، فإن سكتَتْ فهُو رِضاها، وإن أبَتْ فلا جَوازَ عليها" (٣).

стр. 6497

قال: وحدَّثنا الزَّعفرانِيُّ، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمةَ، عن محمدِ بن عَمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "تُستأمرُ اليتِيمةُ في نفسِها، فإن سكتَتْ فهُو رِضاها" (١). وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمةَ. قال أبو داود: وحدَّثنا أبو كامِل، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن زُريع، قالا: حدَّثنا محمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا أبو سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "تُستأمرُ اليَتيمةُ في نَفسِها، فإن سكتَتْ فهُو إذنُها، وإن أبَتْ فلا جوازَ عليها". قال أبو عُمر: ليسَ يروي هذا الحديثَ عن أبي سلَمة بهذا اللَّفظ، غيرُ محمدِ بن عَمرو، واللّهُ أعلم. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن الحسنِ الحربِيُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن أبي إسحاقَ، قال: حدَّثني أبو بُردةَ، عن أبي موسى، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "تُستأمرُ اليَتيمةُ في نفسِها، فإن سكتَتْ فقد أذِنَتْ، وإن أنكرَتْ، لم تُكرَه" (٣).

стр. 6498

قالوا: ففي قوله: "تُستأمَرُ اليَتيمةُ" دليلٌ على أنَّ غيرَ اليَتِيمةِ لا تُستأمَرُ، وهي ذاتُ الأبِ، إذا كانت بكرًا، بدليل قوله ﷺ : "الثَّيِّبُ أحقُّ بنَفسِها". وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه والثَّوريُّ والأوزاعيُّ والحسن بن حيٍّ وأبو ثورٍ وأبو عُبيد: لا يجُوزُ للأبِ أن يزوِّج البالغَ من بناتهِ، بكرًا كانت أو ثيِّبًا، إلّا بإذنها (١). ومن حُجَّتهم قولُه ﷺ : "الأيِّم أحقُّ بنفسِها". قالوا: والأيِّم هي التي لا بعلَ لها، وقد تكون ثيِّبًا وبكرًا، فكلُّ أيِّم على هذا، إلّا ما خصَّته السُّنَّة، ولم تخُصَّ من ذلك إلّا الصَّغيرةَ، وَحْدهُ يُزوِّجها أبوها بغيرِ إذنها؛ لأنه لا إذنَ لمثلها. وقد ثبتَ أنَّ أبا بكر الصِّديق ﵁ زوَّجَ عائشة ابنتَهُ من رسُولِ الله ﷺ وهي صغيرةٌ لا أمرَ لها في نفْسِها (٢)، فخرجَ الصِّغار من النِّساء بهذا الدَّليل. وقالوا (٣): الوليُّ هاهنا كلُّ وليٍّ، أبٍ وغير أبٍ، وهو حقُّ الكلام أن يُحمل (٤) على ظاهرهِ وعُمومهِ، ما لم يرد ما يخُصُّه ويُخرجهُ عن ظاهرهِ. واحتَجُّوا أيضًا بقوله ﷺ : "لا تُنكح البكرُ حتَّى تُستأذنَ" (٥). قالوا: فهذا على عُمومهِ في كلِّ بكرٍ، إلّا الصَّغيرة ذات الأبِ، بدليلِ قِصَّة عائشة ﵂، وإجماعِهِم على أنَّ ذلك صحيحٌ عنه ﷺ . واحتَجُّوا أيضًا بحديثِ ابن عبّاسٍ: أنَّ رجلًا زوَّجَ ابنتَه، وهي بكرٌ، فأبَتْ وجاءت النَّبيَّ ﷺ : فرَدَّ نكاحَها.

стр. 6499

قال أبو عُمر: هذا حديث انفردَ به جرير بن حازم، لم يرور غيره، عن أيُّوبَ، عن عكرمَةَ، عن ابن عبّاسِ. وقد رُوي من حديثِ جابرٍ، وابنِ عُمرَ، مثلُ ذلك، وليسَ محفوظًا. حدثناه عبد الوارث بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حُسين بن محمد المَرُّوذِيُّ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا عُثمانُ بن

стр. 6500

أبي شَيْبةَ، قال: [حدَّثنا حُسينُ بن محمدٍ، قال] (١): حدَّثنا جرِيرُ بن حازِم، عن أيُّوبَ، عن عِكرِمةَ، عن ابنِ عبّاسٍ: أنَّ جارِيةً بكرًا أتَتِ النَّبيَّ ﷺ ، فذكرَتْ له أنَّ أباها زوَّجها وهي كارِهةٌ، فخيَّرها النَّبيُّ ﷺ . قال أبو عُمر: هذا عندَ أصحابنا يحتَمِلُ أن يكونَ وردَ في عينٍ (٢) زوَّجَها أبوها من غيرِ كُفءٍ، أو ممَّن يَضُّرُّ بها. وأما قوله: "الأيِّمُ أحقُّ بنفسِها من وليِّها". فقد مضى هذا الحديث وتكرَّرَ، ومضى القولُ في معانيهِ على اختلافِ ما للعُلماء فيها (٣). وأمّا قوله: "لا تُنكح البكرُ حتَّى تُستأذنَ"، فحدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا أبو سعِيدِ بن الأعرابِيِّ، قال: حدَّثنا الزَّعفرانِيُّ، قال: حدَّثنا وكِيع، قال: حدَّثنا عليُّ بن المُباركِ، عن يحيى بن أبي كثِيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا تُنكحُ الثَّيِّبُ حتَّى تُستأمر، ولا البِكرُ حتَّى تُستأذن". قالوا: يا رسُولَ الله، كيفَ إذنُها؟ قال: "أن تسكُتَ (٤) " (٥). وحدَّثنا (٦) محمدُ بن عبد الملكِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن زيادٍ، قال حدَّثنا الحسنُ بن محمدِ بن الصَّبّاح، قال حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، عن هشام بن أبي

стр. 6501

عبدِ الله، عن يحيى بن أبي كثِيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: لا تُنكحُ الأيِّمُ حتَّى تُستأمَرَ، ولا البِكرُ حتَّى تُستأذَنَ". قالوا: يا رسُولَ الله، كيفَ إذنُها؟ قال: "أن تسكُتَ" (١). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا مُسلِمُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبان، قال: حدَّثنا يحى، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ ، قال: "لا تُنكحُ الثَّيِّبُ حتَّى تُستأمَرَ، ولا البِكرُ حتَّى تُستأذَنَ". قالوا: يا رسُولَ الله، وكيف إذنُها؟ قال: "إذا سكتَتْ فهُو رِضاها". وحدَّثنا سعِيدُ بن نَصْرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الصّائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سابِقٍ، قال: حدَّثنا شَيْبانُ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن يحيى بن أبي كثِيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُنكحُ الأيِّمُ حتَّى تُستأمَرَ، ولا البِكرُ حتَّى تُستأذَنَ". قالوا: وكيفَ إذنُها؟ قال: "أن تسكُتَ" (٣). قال أبو عُمر: ليسَ يأتي هذا اللَّفظ في هذا الحديث، إلّا بهذا الإسناد. وهو ممّا انفردَ به يحيى بن أبي كثير، وهو ثقةٌ، وهو أثبتُ عندهُم من محمدِ بن عَمرو (٤).

стр. 6502

وظاهرُه يَقْتضي أنَّ البكرَ لا يُنكِحها وليُّها، أبًا كان أو غيره حتَّى يَسْتأذنَها وَيسْتأمرَها، ولا يُستأذَنُ ولا يُستأمَر إلّا البوالغُ. وهذه حُجَّة الكُوفيِّينَ، إلّا أنَّ البكر هاهنا يحتملُ أن تكونَ اليَتِيمة، بدليل حديث محمد بن عَمرو، وإذا حُمل على هذا، لم تتعارض الأحاديث (١). واختَلفُوا في غير الأبِ من الأولياءِ، أخًا كان أو غيره، هل لهُ أن يُزوِّج الصَّغيرة؟ فقال: مالكٌ (٢)، والشّافعيُّ (٣): لا يجوزُ لأحدٍ من الأولياءِ غيرِ الأبِ، أن يُزوَّجَ الصَّغيرة قبلَ البُلوغِ، أخًا كان أو غيره. وهو قولُ ابن أبي ليلى، والثَّوريِّ، وبه قال: أحمدُ بن حنبل، وأبو ثورٍ، وأبو عُبيدٍ (٤). وحُجَّةُ من قال بهذا، قوله ﷺ : "تُستأمَرُ اليَتيمةُ في نفْسِها، فإن سكتَتْ، فقد أذنَتْ". قالوا: والصَّغيرةُ ممَّن لا إذنَ لها، فلم يجُزِ العَقدُ عليها إلّا بعدَ بُلوغها، ولأنَّ الأخَ لا يتصّرَف في مالها، فكذلك بُضعُها. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ أن يُزوِّج الصَّغيرة وليُّها من كان، أبًا كان أو غيره، غير أنَّ لها الخيار إذا بلغَتْ (٥). وبه قال محمدُ بن الحسنِ.

стр. 6503

وقال أبو يوسُف (١): لا اختيارَ (٢) لها. ولا فرقَ بين الأبِ وغيره من الأولياءِ عندهُم. قالوا: من جازَ له أن يُزوِّجها كبيرةً، جازَ أن يُزوِّجها صغيرةً. ورُوي مثلُ قولِ أبي حنيفةَ هذا عن الحسنِ، وعُمرَ بن عبد العزيزِ، وطاووسٍ، وعطاء بن أبي رباح، وقتادة، وابن شُبرمةَ، والأوزاعيِّ (٣). واختلفُوا في النِّكاح يقعُ على غيرِ وليٍّ، ثمَّ يجيزهُ الوليُّ قبلَ الدُّخولِ. فقال: مالكٌ (٤) وأصحابهُ، إلّا عبد الملك: ذلك جائز، إذا كانت إجازةُ الوليِّ لذلك بالقُربِ، فإن كان ذلك قريبًا، جازَ، وللوليِّ في ذلك أن يُجيزَ أو يفسخَ ما كان بحِدْثانِ ذلك، وسواءٌ دخلَ أو لم يدخل للوليِّ إجازتهُ وفسخُهُ ما لم تَطُل إقامتها مَعهُ، هذا إذا عقدَ النِّكاحَ غير الوليِّ، ولم تعقدهُ المرأةُ لنفسِها، فإن زوَّجتِ المرأةُ نفسها، وعقدَتْ عُقدةَ النِّكاح من غيرِ وليٍّ قريبٍ ولا بعيدٍ من المُسلمينَ، فإن هذا النِّكاح لا يُقَرُّ أبدًا على حال، وإن تطاوَلَ، وإن ولدَتِ الأولادَ، ولكنَّه يلحَقُ بهِ (٥) الولدُ إن دخَلَ، ويسقُطُ الحدُّ، ولا بُدَّ من فسخ ذلك النِّكاح على كلِّ حالٍ. وقال ابن نافع، عن مالكٍ: الفسخُ فيه بغيرِ طلاقٍ. وقال عبد الملك بن الماجِشُونِ: لو أنَّ امرأةً مالكةً أمرَها تزوَّجت، على أن يُجيزَ وليُّها، فأجازَ ذلك، لم يجُزْ.

стр. 6504

قال: وكذلك إن كانت حظيَّةً (١) ذات حظاءٍ (٢)، فجعلَتْ أمرَها إلى رجُلٍ فزوَّجها، فأجازَ ذلك وليُّها لم يجُز. قال أحمد بن المُعذَّل: قال لي عبد الملك: انظُر أبدًا في هذا البابِ، فإن كان العقدُ من المرأةِ، أو ممَّن جعلَتْ ذلكَ إليه، وهو غيرُ وليٍّ، ثمَّ أجازَ ذلك الوليُّ، فإن ذلكَ مردودٌ أبدًا، وإن كانَ العقدُ من الولاةِ، ثمَّ أجازتهُ المرأةُ، فهي لهم تبعٌ، وهو ماضٍ. قال إسماعيلُ: أمّا تشبيهُ عبد الملكِ تزويجَ غير الوليِّ بأمرِ المرأةِ، بتزويج المرأةِ نفسَها، فلا يُشبهُه، لأنَّ المرأة لا تلي عقدَ نكاح نفسِها ولا غيرها، ولا أمَتِها (٣)، لأنَّ هذا بابٌ ممنوعٌ منه النِّساء. قال: وجعلَ عبد الملكِ تزويجَ غير وليِّ المرأةِ بأمرها، أضعفَ من تزويج الوليِّ المرأةَ بغيرِ أمرها. وجعلَ مالكٌ تزويجَ غير الوليِّ بأمرها، أقوى من تزولج الوليِّ المرأةَ بغيرِ أمرها. قال إسماعيلُ: والذي قال مالكٌ أشبَهُ وأبينُ، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الأيِّمُ أحقُّ بنفسِها من وليِّها". فإذا عقدَ نكاحها الوليُّ بغيرِ أمرها، ثمَّ أجازَتْ، لم يجُز، إلّا أن يكونَ بالقُربِ، فإنَّه استحسَنَ ذلك، لأنَّه كأنهُ كان في وقتٍ واحدٍ، وفورٍ واحدٍ، وإنمّا أبطَلهُ مالكٌ، لأنَّ عقد الوليِّ بغيرِ أمرِ المرأةِ، كلا عَقدٍ، لأنَّها لو أنكرتهُ، لم يكن فيه طلاقٌ. وإذا زوَّج المرأةَ غيرُ وليٍّ بأمرها، فهو نكاحٌ قد وقعَ فيه اختلافٌ، فإنَّما يُفسخُ باجتهادِ الرَّأي، والأوَّلُ يُفسخُ بالحقيقةِ.

стр. 6505

قال: فجعلَ عبد الملكِ الأقوى أضعفَ، والأضعفَ أقوى. قال: وقد حَكَى ابن القاسم عن مالكٍ، في المرأةِ يُزوِّجها غيرُ الوليِّ بإذنها أن فسَخهُ (١)، ما هو عندي بالبين، ولكنَّه أحبُّ إليَّ. قال: ابن القاسم، وبينهُما الميراثُ لو ماتَ أحدُهما قبلَ الفسخ. قال أبو عُمر: من مشهورِ قولِ مالكٍ وأصحابه، في المرأةِ التي لا حالَ لها ولا قدرَ ولا مالَ، أنَّ لها أن تجعلَ أمرَها إلى من يُزوِّجها، وأنَّه لا يحتاج في ذلك إلى إجازة وليِّها. قال: ابن القاسم، عن مالكٍ (٢)، في المُعتَقةِ والمُسالمةِ والمرأةِ المسكينةِ تكونُ في القريةِ التي لا سُلطانَ فيها، أو تكون في الموضع الذي فيه سُلطانٌ، ولا خطبَ لها؛ قال مالكٌ: لا أرى بأسا أن تستخلفَ على نَفسِها من يُزوِّجها، فيجوز ذلك. وقال عبد الملكِ بن الماجشونِ: قولُ أصحابنا في الدَّنيَّة الحالِ والموضع والأعجميَّةِ والوَغْدةِ، تُسندُ أمرها إلى رَجُلٍ لهُ حالٌ وليسَ من مواليها، ولا ممَّن يأخذُ لها بالقسم (٣): أنَّه لو زوَّجها، مَضَى ولم يُردَّ، وكان مُستحسنًا، يجري في ذلك مجرَى الوليِّ. قال: وأمّا المرأة ذات الحالِ والنَّعمةِ والنَّسَبِ والمالِ، فإنَّه لا يُزوِّجها في قولنا، لا أعلمُ فيه شكًّا عندَ أصحابنا، إلّا وليٌّ، أو من يَلِيَ الوليَّ، أو السُّلطانُ. قال أبو عُمر: ولم يختلف قولُ مالكٍ وأصحابهِ في العبدِ ينكحُ بغيرِ إذنِ سيِّدهِ: أنَّ السَّيد بالخيارِ، إن شاءَ أجازهُ، وإن شاء فسخهُ، ولم يَشْترطوا هاهنا قُربًا ولا بُعدًا.

стр. 6506

وقال يحيى بن سعيد: الأمرُ عندَنا بالمدينةِ على هذا، إن شاء أمضاهُ السَّيِّد، وإن شاء فسَخهُ، فإن أمضاهُ، فلا بأسَ به. قال إسماعيلُ: وهو قولُ سعيد بن المُسَيِّبِ، والحسنِ، وإبراهيمَ، والحَكَم (١). قال: وليسَ هذا مثلَ أن يتزوَّجها على الخيارِ، لأنَّه نكاحٌ لا خيارَ فيه انعقدَ عليه، وإنَّما صارَ الخيارُ للسَّيِّدِ في فَسخِهِ وإمضائهِ، لما يدخُلُ عليه في عبدهِ ممّا لم يرضَهْ، فإذا علِمَهُ ورضِيهُ جازَ، لأنَّ عيبَ النِّكاح من قِبَلهِ، وإن فرَّقَ بينهُما، كان طلاقًا بمَنْزلة من إليه طلاقُ زوجةِ رَجُل، فإن لم يُطلِّق، ثبتَ النِّكاحُ. وقال عبدُ الملكِ بن الماجِشونِ، في العبدِ يتزوَّج بغيرِ إذنِ سيِّدهِ، والمولَّى عليه يتزوَّج بغيرِ إذنِ وليِّه، ثمَّ يَعتَقُ العبدُ، وَيليَ اليتيمَ نفسَهُ من قبلِ أن يُفسَخَ نكاحهُما، أنَّ نكاحهُما يثبُتُ. قال: ولو أنَّ أمةً تزوَّجت بغيرِ إذنِ سيِّدها، ثمَّ أمضاهُ، لم يمضِ. وذكرَ ابن القاسم وغيرُه، عن مالك، في العبدِ والأمَةِ مثل ذلك، قال ابن القاسم: لأنَّ العبدَ يعقدُ نكاحَ نفسه، والأمَةَ لا تعقدُ نكاحَ نفسها، فعقدُها نكاحَها باطلٌ (٢). قال ابن القاسم: ولو باعَهُ السَّيِّد قبلَ أن يعلم بنكاحهِ، لم يَكُن للمُشتري أن يَرُدَّ نكاحه، ولهُ أن يردَّ البيعَ، إن شاء، إذا علِمَ بذلك، فإن ردَّه، كان للبائع إجازةُ النِّكاح وردُّه. وقال عبد الملكِ: لو أنَّ رَجُلًا زوَّج غُلامًا لغيرهِ جاريتَه، أو جاريةَ غيره، ثمَّ علِمَ السَّيِّدُ فأجازَ. قال: يمضي النِّكاحُ، وإنَّما ذلك كتزويج اليتيم والعبدِ، إذا أمضاهُ الوليُّ والسَّيِّد.

стр. 6507

قال أبو عُمر: هذا، ولم يختلف قولهم أنَّ نكاحَ الأمَةِ بغيرِ إذن سيِّدها ورضاهُ باطلٌ. وقال أبو حنفيةَ وأصحابه (١): ذلك النِّكاح موقوفٌ على من إليه إجازتهُ من الأولياءِ، وكذلك نكاحُ الأمَةِ والعبدِ، وهو موقوفٌ على إجازةِ السَّيِّد، قياسًا على البيع الموقُوفِ على إجازةِ السَّيِّد، استدلالًا بحديثِ الشّاتين، من حديث عُروة البارقي (٢)، وحكيم بن حزام (٣)، ولإجماع المسلمينَ على أنَّ الوصيَّة موقُوفةٌ على قَبولِ الموصىَ له. قال أبو عُمر: حديثُ الشّاتينِ حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن شبِيبِ بن غَرْقدةَ، قال: حدَّثني الحيُّ، عن عُروةَ البارِقِيِّ، قال: أعْطاهُ النَّبيُّ ﷺ دِينارًا ليَشْترِي به أُضحِيةً، أو قال شاةً (٤)، فاشْتَرَى به ثِنْتين، فباعَ إحداهُما بدِينارٍ، فأتاهُ بشاةٍ ودِينارٍ، فدَعا لهُ بالبركةِ في بيعِهِ، فكانَ لوِ اشْتَرَى تُرابًا، لربِح فيهِ (٥).

стр. 6508

قال أبو عُمر: ليس في هذا الحديثِ حُجَّةٌ لمن احتجَّ به في هذا البابِ، لا من جهَةِ الإسنادِ، ولا من جهَةِ المعنى. وقال الشّافعيُّ (١): إذا نكحَتِ المرأة بغيرِ إذن وليِّها، فلا يجُوزُ النِّكاحُ، وإن أجازَهُ الوليُّ حتَّى يُبتدَأ بما يجُوزُ. وكذلك البيعُ عندَهُ إذا وقعَ فاسدًا، كرَجُلٍ باعَ مال غيرهِ بغيرِ إذنهِ، لا يجُوزُ، وإن أجازهُ صاحبهُ، حتَّى يستأنفا بيعًا. وهو قول داود في الوَجهينِ جميعًا. ومن حُجَّتهم، قولُ رسُولِ الله ﷺ : "أيُّما امرأةٍ نكحَتْ بغيرِ إذنِ ولِيِّها، فنِكاحُها باطِلٌ" (٢). و: "أيُّما عبدٍ نكحَ بغيرِ إذنِ سيِّدِهِ، فنِكاحُهُ باطِلٌ، وهُو عاهِرٌ" (٣). ولم يَقُل: إلّا أن يُجِيزهُ السَّيِّدُ، فكذلك كلُّ ولِيٍّ كالسَّيِّدِ في ذلك. واحتجَّ الشّافِعيُّ بحديثِ خَنْساءَ، حِينَ ردَّ النَّبيُّ ﷺ نِكاحَها، إذْ زوَّجها أبوها بغيرِ إذنِها (٤). ولم يَقُل: إلّا أن تُجِيزِي. وقال الثَّوريُّ وأحمد وإسحاقُ في هذه المسألة: أُحبُّ أن يَسْتقبلوا نكاحًا جديدًا.

стр. 6509

وقال أحمدُ بن حنبل: لا أرى للقاضي، ولا للوليِّ أن يُزوِّج اليَتِيمة حتَّى تبلغَ تسعَ سنينَ. قال: فإن زُوِّجت صغيرةً دُونَ تسع سنينَ، فلا أرى أن يدخُلَ بها حتّى تبلغَ تسعَ سنينَ (١). قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا قاله غيره، وأظنُّه أخذهُ من قِصَّة عائشة في الدُّخولِ، وقد تَزوَّجها رسُولُ الله ﷺ وهي بنتُ ستِّ سِنينَ، أو سبع سنينَ، ودخَلَ بها وهي ابنةُ تسع، أو عشرِ سنينَ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٢): حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ. قال أحمدُ بن زُهَيرٍ: وحدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا جُريرٌ، قالا: أخبَرنا هشامُ بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: تَزوَّجني رسُولُ الله ﷺ وأنا ابنةُ سِتٍّ، أو سبع سِنين، وبَنَى بي، وأنا ابنةُ تِسع سِنين. وفي رِوايةِ الأسْوَدِ، عن عائشةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ تَزوَّجها وهي ابنةُ تِسع سِنينَ (٣).

стр. 6510

وقال عبدُ الله بن محمدِ بن عَقيل: تَزوَّجها رَسُولُ الله ﷺ وهي ابنةُ عشرِ سنينَ. قال أبو عُمر: هذا أكثرُ ما قيلَ في سنِّ عائشةَ في حينَ نِكاحها. ومحملُ هذا القولِ عندَنا على البِناء بها، ورواية هشام بن عُروةَ أصحُّ ما قيلَ في ذلك من جهَةِ النَّقلِ، والله أعلمُ. واختَلفُوا في سُكوتِ اليَتِيمة البكرِ، هل يكونُ رضًا قبلَ إذنها في ذلك وتَفْويضها؟ فعندَ مالكٍ (١) وأصحابه: أنَّ البكرَ اليتيمةَ إذا لم تأذَنْ في النِّكاح، فليسَ السُّكوتُ منها رضًا، فإن أذنَتْ وفوَّضت أمرَها وعقدَ نكاحها إلى وليِّها، ثمَّ أنكَحَها ممَّن شاء، ثمَّ جاء يَسْتأمرها، فإنَّ إذنَها حينَئذٍ الصَّمتُ عندَهم إذا كانت بكرًا، كما ذكَرْنا. وفي مذهبِ أبي حَنِيفة والشّافعيِّ وغيرهم: أنَّ سُكوتَ البكرِ اليتيمةِ إذا اسْتُؤمرت، وذُكِرَ لها الرَّجلُ ووُصِفَ، وأُخبرت بأنَّها تُنكحُ منه، وأنَّها إن سكتَتْ لَزِمها، فسكتَتْ بعدَ هذا، فقد لزَمِها (٢). قال أبو عُمر: فروعُ هذا البابِ كثيرةٌ، واعتلالُ القائلينَ لأقوالهم يَطُولُ ذكرهُ، وفيما ذكَرْنا منه كفايةٌ، وقد أتَينا بجميع أُصولهِ التي منها تقُومُ فُروعه، وبالله التَّوفيقُ.

стр. 6511

عبدُ الله بن يزِيد مولى الأسودِ بن سُفيان بن عبد الأسدِ بن هلال (١). هكذا قال مالكٌ: مولى الأسودِ بن سُفيانَ (٢). ورَوَى عنهُ أبو أُوَيسٍ، فقال عنه: عبدُ الله بن يزِيد مولى الأسودِ بن عبدِ الأسَدِ المخزُومِيِّ. وروى عنهُ عبدُ الرَّحمنِ بن إسحاقَ، فقال: عن عبدِ الله بن يزِيد مولى آلِ سُفيان بن عبدِ الأسدِ. فالصَّوابُ ما قالهُ مالكٌ، وهُو مولى الأسودِ بن سُفيان بن عبدِ الأسدِ بن هِلالِ بن عبدِ الله بن عُمر بن مخزُوم. وكان لعبدِ الأسَدِ ثلاثةُ بنِين: عبدُ الله، وهُو أبو سَلَمةَ، زوجُ امِّ سلمةَ ﵂، وقد ذكَرْناهُ في كِتابِنا في "الصَّحابة" (٣) بما فيه كِفايةٌ. والأسودُ بن عبدِ الأسدِ، قُتِلَ يوم بدرٍ كافِرًا، قتَلهُ حمزةُ. وسُفيانُ بن عبدِ الأسدِ، قال العدوِيُّ: وكان لهُ قَدْرٌ، ولسُفيان هذا ابنٌ يُسمَّى الأسودَ بن سُفيان. وكان لهم بنُونَ، لهم قدرٌ، وهُم موالي عبدِ الله بن يزِيد هذا، شيخُ مالكٍ، والذي قالهُ مالكٌ وعبدُ الرَّحمنِ بن إسحاق فيه هُو الصَّوابُ، عِندَ أهلِ العِلم بالنَّسبِ، والله أعلمُ، وما قالهُ أبو أُوَيسٍ فليسَ بمُنكرٍ؛ لأنَّهُ نسبَ الأسود إلى جدِّهِ.

стр. 6512

وعبدُ الله بن يزِيد هذا ثِقةٌ حُجَّةٌ فيما نقل. ذكر العُقيليُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبلٍ قال: سألتُ أبي عن عبدِ الله بن يزِيد مولى الأسودِ بن سُفيانَ، فقال: ثِقةٌ (١). وسألتُ عنهُ يحيى بن معين (٢) فقال: ثِقةٌ (٣)، حدَّث عنهُ مالكٌ، واللَّيثُ بن سعدٍ (٤). قال أبو عُمر: لمالكٍ عنهُ من مرفوعات (٥) "المُوطَّأ" خمسةُ أحادِيث، شَرِكهُ في أحَدِها أبو النَّضر (٦).

стр. 6513

حديثٌ أوَّلُ ل عبدِ الله بن يزِيدَ مالكٌ (١)، عن عبدِ الله بن يزِيد مولى الأسْوَدِ بن سُفيانَ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، وعن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن ثوبانَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا كانَ الحرُّ، فأبرِدُوا عن الصَّلاةِ، فإنَّ شِدَّةَ الحرِّ من فيح جهنَّمَ". وذكَرَ: "أنَّ النّارَ اشْتَكَتْ إلى ربِّها، فأذِنَ لها بنَفَسينِ: نَفَسٍ في الشِّتاءِ، ونَفَسٍ في الصَّيفِ". وقد مَضَى القولُ في معنَى هذا الحديثِ، في بابِ زيدِ بن أسلمَ من كِتابِنا هذا. والذي عليه الجماعةُ أهلُ السُّنَّةِ: أنَّ الجنَّةَ والنّار مخلُوقتانِ بَعدُ، إحداهُما رحمةُ الله لمنْ شاءَ من خلقِهِ، والأُخرى عذابُهُ ونِقمتُهُ لمن شاءَ أن يُعذِّبهُ من خَلقِهِ. أخبَرنا أحمدُ بن سعِيدِ بن بِشْرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: سألتُ يحيى بن معِينٍ عن الجنَّةِ والنّارِ، فقال: مخلُوقتانِ لا تبِيدانِ. قال أبو عُمر: الدَّلائلُ من الآثارِ كثِيرةٌ على أنَّ الجنَّةَ مخلُوقةٌ بعدُ، والنّارُ مخلُوقةٌ بعدُ، فمن ذلك قولُهُ ﷺ : "إذا ماتَ أحدُكُم عُرِضَ عليه مَقعدُهُ بالغَداةِ والعشِيِّ، إن كان من أهلِ الجنَّةِ، فمن أهلِ الجنَّةِ، وإن كان من أهلِ النّارِ، فمن أهلِ النّارِ، يُقالُ لهُ: هذا مَقعدُكَ حتَّى يبعثكَ الله إليه يوم القِيامةِ" (٢). وقال الله ، في آلِ فِرعونَ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآيةَ [غافر: ٤٦].

стр. 6514

وقال رسُولُ الله ﷺ : "اطَّلعتُ في النّارِ، فرأيتُ أكثر أهلِها النِّساءَ، واطَّلعتُ في الجنَّةِ، فرأيتُ أكثر أهلِها المساكِينَ" (١). وقال رسُولُ الله ﷺ : "إذا دخلَ رَمَضانُ فُتِّحَتْ أبوابُ الجنَّةِ، وغُلِّقت أبوابُ النّار (٢) ". وقولُهُ: "اشْتَكتِ النّارُ إلى ربِّها". هذا الحديثُ أبينُ شيءٍ في أنَّها قد خُلِقت، وأنَّها باقِيةٌ شِتاءً وصيفًا. أخبَرنا خلفُ بن القاسم، قال: أخبَرنا أبو قُتيبةَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن هاشم، قال: حدَّثنا أبو نصرٍ التَّمّارُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن محمدِ بن عَمرِو بن عَلْقمةَ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لمّا خلقَ الله الجنّةَ، قال: يا جِبرِيلُ اذهَبْ فانْظُر إليها، قال: فذهَبَ فنظرَ إليها، فقال: يا ربِّ وعِزَّتِكَ لا يسمعُ بهذه أحدٌ إلّا دخَلَها، ثُمَّ حَفَّها بالمكارِهِ، ثُمَّ قال لهُ: اذهَبْ فانظُر إليها فذهَبَ فنظَرَ إليها، فقال: يا ربِّ وعِزَّتِك لقد خَشِيتُ أن لا يدخُلها أحدٌ، فلمّا خلَقَ النّارَ، قال: يا جِبرِيلُ اذهب فانظُر إليها، فنظرَ إليها، فقال: يا ربِّ وعِزَّتِك لا يسمعُ بها أحدٌ فيدخُلُها، فحفَّها بالشَّهواتِ ثم قال: اذهب فانظُر إليها، فنظرَ إليها، فقال: يا ربِّ لقَدْ خشِيتُ ألّا يبقى أحدٌ إلّا دخَلَها" (٣).

стр. 6515

وقرأتُ على خلف بن القاسم، أنَّ الحُسين بن جعفرِ بن إبراهيمَ (١) حدَّثهُم، قال: حدَّثنا يُوسُفُ بن يزِيدَ (٢)، قال: حدَّثنا الحجّاجُ بن إبراهيمَ الأزرقُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن جعفرٍ، عن محمدِ بن عَمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُول الله ﷺ قال: "إنَّ الله دَعا جِبرِيل فأرسَلهُ إلى الجنَّةِ، فقال: انظُر إليها، وانْظُر إلى ما أعْدَدتُ لأهْلِها، فرجعَ فقال: وعِزَّتِكَ لا يسمعُ بها أحدٌ إلّا دخَلَها، فحُفَّت بالمكارِهِ، فقال: ارجِعْ فانْظُر إليها، فرجعَ وقال: وعِزَّتِكَ لقد خَشِيتُ ألّا يَدْخُلها أحدٌ، ثُمَّ أرسلَهُ إلى النّارِ، فقال: اذهَبْ إلى النّارِ، فانظُر ماذا (٣) أعْدَدتُ لأهلِها فيها، فرجعَ فقال: وعِزَّتِكَ لا يَدْخُلُها أحدٌ يَسْمعُ بها، فحُفَّت بالشَّهَواتِ، ثُمَّ قال: عُدْ إليها فانظُر، فرجعَ فقال: وعِزَّتِكَ لقد خشِيتُ ألّا يَبْقَى أحدٌ إلّا دخَلَها" (٤). وأخبَرنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو قُتيبةَ سَلْمُ (٥) بن الفَضْلِ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن ناجِيةَ، قال: حدَّثنا محمودُ بن غيلانَ، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن ثابتٍ البُنانِيِّ، عن أبي رافِع، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ لله ملائكةً فُضَلاءَ سيّارةً، يلتمِسُونَ

стр. 6516

مجالِسَ الذِّكرِ، فإذا مَرُّوا بقَوْم يَذْكُرُونَ الله، يَحُفُّونَ بهم بأجنِحَتِهِم، فإذا انصرَفُوا، عرَجَتِ الملائكةُ إلى السَّماءِ، فيقولُ لهم ربُّنا ﵎، وهُو أعلمُ: من أينَ جِئتُم؟ فيقولُونَ: من عِندِ عِبادِك، يُسبِّحُونكَ، ويحمدُونكَ، ويُهلِّلُونكَ، ويسألُونكَ، وَيسْتجِيرُونكَ. فيقولُ، وهُو أعلمُ: وما يسألُونَ؟ فيقولُون: يسألُونَكَ الجنّةَ، فيقولُ: وهل رأوها؟ فيقولُونَ: لا، فيقولُ: كيفَ لو رأوها؟ ويقولُ: وممَّ يَسْتجِيرُون، وهُو أعلمُ، فيقولُونَ: من النّارِ، فيقولُ: وهل رأوها؟ فيقولُونَ: لا، فيقولُ: كيفَ لو رأوها؟ ثُمَّ يقولُ: فإنِّي أُشهِدُكُم أنِّي قد أعْطَيتُهُم ما سألُوا، وأجَرْتهم ممّا اسْتَجارُوا، فيقولُونَ: أي ربِّ، فيهِمْ عَبْدُك الخطّاءُ، ليسَ منهُم، إنَّما مرَّ بهم، فجلَسَ إليهم، فيقولُ: وفُلانٌ قد غَفَرتُ لهُ، هُمُ القومُ لا يَشْقى بهم جَلِيسُهُم" (١). ورَوَى سُهيلُ بن أبي صالح، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ سواءً (٢). ورواهُ (٣) الأعمشُ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ. إلّا أنَّهُ قال في آخِرِهِ: "هُمُ الجُلَساءُ لا يَشْقَى جَلِيسُهُم" (٤). والآثارُ في خلقِ الجنَّةِ والنّارِ كثِيرةٌ جِدًّا، صِحاحٌ ثابتةٌ، يجِبُ الإيمانُ بها والتَّسلِيمُ لما جاءَ مِنها، وبالله التَّوفِيقُ.

стр. 6517

حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن زِيادٍ، قال: حدَّثنا الزَّعفرانِيُّ، قال: حدَّثنا شَبابةُ، قال: حدَّثنا وَرْقاءُ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "حُفَّتِ النّارُ بالشَّهواتِ، وحُفَّتِ الجنّةُ بالمكارِهِ" (١). وحدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُف، قال: حدَّثنا ابنُ أبي غالِبٍ عُبيدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن محمدٍ الباهِليُّ، قال: حدَّثنا رِزقُ الله بنُ موسى، قال: حدَّثنا ورقاءُ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ (٢). ورواهُ الأعمشُ عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : إنَّ الجنّةَ حُفَّت بالمكارِهِ، وإنَّ النّار حُفَّت بالشَّهواتِ" (٣). وأمّا قولُهُ: اشتكتِ النّارُ إلى ربِّها، فحملهُ قومٌ على المجازِ، كقولِ الشّاعِر (٤): شَكا إليَّ جملي طُولَ السُّرى وكقولِ عنترةَ (٥): وشَكا إليَّ بعَبْرَةٍ وتَحَمْحُمِ

стр. 6518

وكقولِ القائل (١): امتلأ الحوضُ وقال قَطْني ... مَهْلًا رُويدًا قد مَلأتَ بطنِي وكقولِ العربِ: قالتِ السَّماءُ فهطَلَتْ. وقال الحائطُ فمالَ (٢). وقالت رِجْلِي فخَدِرَتْ. ونحو هذا. وكقولِ عُروةَ بن حِزام حِينَ جعلَ القولَ لمن لا يُوجدُ منهُ قولٌ (٣): ألا يا غُرابيْ دِمنةِ الدّارِ بَيِّنا ... أبا لصَّرْم من عَفْراءَ تَنْتَحِبانِ فإن كان حقًّا ما تَقُولانِ فانْهَضا ... بلَحْمِي إلى وَكْريكُما فكلانِي وكقولِ ذي الرُّمَّةِ (٤): فقالت لي العينانِ سمعًا وطاعةً ... وحدَّرَتا مِثل الجُمانِ المُنظَّم ومِثلُ هذا قولُ القائلِ (٥): كم أُناسٍ في نعِيم عمَّرُوا ... في ذُرى مُلكٍ تعالى فبَسَقْ سكتَ الدَّهرُ زَمانًا عنهُمُ ... ثُمَّ أبكاهُم دمًا حِينَ نَطَقْ وهذا مِثلُهُ كثيرٌ في أشعارِ العربِ ولُغاتِها. وقد زِدْنا هذا المعنى بيانًا في بابِ زيدِ بن أسلم من كتابِنا هذا (٦).

стр. 6519

وقال جماعةٌ من أهلِ العِلم: إنَّ ذلك على الحقِيقةِ، وإنَّها تَنْطِقُ، وإنّما يُنطِقُها الله الذي يُنطِقُ الجُلُودَ، وكلَّ شيءٍ، ولها لِسانٌ كما شاءَ الله . واسْتَشْهَدُوا بقولِهِ : ﴿يَوْمَ نَقُولُ (١) لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٥]، وبقولِهِ: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]. وبِما جاءَ من نحوِ هذا في الآثارِ الثّابِتةِ، نحو قولِهِ: "فتقُولُ قَطْ قَطْ" (٢). وتقُولُ: "وُكِّلتُ بكلِّ جبّارٍ عنيدٍ" (٣). وهذا ونحى في القُرآنِ والأحادِيثِ كثِيرٌ جِدًّا، وحملُوا ما في القُرآنِ والآثارِ من مِثلِ هذا على الحَقِيقةِ. واحتجُّوا بقولِ الله : ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ [الأنعام: ٥٧]. وقولِهِ: ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص: ٨٤] ونحوِ هذا. ولكِلا القَوْلينِ وجهٌ يَطُولُ الاعتِلالُ لهُ، والله المُوفِّقُ للصَّوابِ.

стр. 6520

حديثٌ ثانٍ لعبدِ الله بن يزِيد مالكٌ (١)، عن عبدِ الله بن يزِيدَ مولى الأسودِ بن سُفيانَ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ: أنَّهُ قرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق] فسجدَ فيها، فلمّا انصرَفَ أخبرهُم أنَّ رسُولَ الله ﷺ سجدَ فيها. هذا حديثٌ صحِيحٌ، ولم يُختلف فيه عن مالكٍ (٢)، إلّا أنَّ رجُلًا من أهلِ الإسكندرِيَّةِ رواهُ عن ابنِ بُكيرٍ، عن مالكٍ، عن الزُّهرِيِّ وعبدِ الله بن يزِيد، جميعًا عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ. وذِكْرُ الزُّهرِيِّ فيه خطأٌ عن مالكٍ لا يصِحُّ. والحديثُ صَحِيحٌ، وقد رواهُ عن أبي هريرةَ جماعةٌ، منهُم: أبو سَلَمةَ (٣)، والأعرجُ، وعطاءُ بن مِيناءَ، وأبو رافِع، وأبو بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ، ومحمدُ بن سِيرِين. وفي رِوايةِ ابنِ سِيرِين، وعطاءِ بن مِيناءَ، والأعرج، عن أبي هريرةَ" زِيادةُ: و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. وفي هذا الحديثِ: السُّجُودُ في المُفصَّلِ. وهُو أمرٌ مُختَلفٌ فيهِ. فأمّا مالكٌ (٤) وأصحابُهُ، وطائفةٌ من أهلِ المدِينةِ، فإنَّهُم لا يرونَ السُّجُود في المُفصَّلِ.

стр. 6521

وهُو قولُ ابنِ عُمرَ (١)، وابنِ عبّاسٍ. ورُوِي ذلك عن أُبِيِّ بن كعبٍ. وهُو قولُ سعِيدِ بن المُسيِّبِ، والحسنِ البصرِيِّ، وسعِيدِ بن جُبيرٍ، وعِكرِمةَ، ومُجاهِدٍ، وطاوُوسٍ، وعَطاءٍ (٢). كلُّ هؤُلاءِ يقولونَ (٣): ليسَ في المُفصَّلِ سُجُودٌ. بالأسانِيدِ الصِّحاح عنهُم. وقال يحيى بن سعِيدٍ: أدركنا القُرّاءَ لا يسجُدُونَ في شيءٍ من المُفصَّلِ. وكان أيُّوبُ السَّختِيانِيُّ لا يسجُدُ في شيءٍ من المُفصَّلِ. وقال مالكٌ (٤): الأمرُ المُجتَمعُ عليه عِندَهُم: أنَّ عزائمَ سُجُودِ القُرآنِ إحْدَى عشْرةَ سجْدةً. ويعني بقولِهِ: المُجتَمعُ عليه. أي: لم يُجتَمع على غيرِها، كما اجتُمِعَ عليها عِندهُم. هكذا تأوَّل في قولِهِ هذا ابنُ الجَهم (٥) وغيرُهُ (٦). وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٧) عن ابنِ جُرَيج قال: أخبرني عِكْرِمةُ بن خالدٍ، أنَّ سعِيد بن جُبيرٍ أخبَرهُ، أنَّهُ سمِعَ ابن عبّاسٍ وابن عُمرَ يَعُدّانِ كم في القُرآنِ من

стр. 6522

سَجْدةٍ، فقالا: الأعرافُ، والرَّعدُ، والنَّحلُ (١)، وبني إسرائيل، ومريمُ، والحجُّ، أوَّلُها، والفرقانُ، و ﴿طس﴾ (٢)، و ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و ﴿ص﴾، و ﴿حم﴾ السَّجدةُ (٣)، إحْدَى عَشْرةَ سجدةً. قالا: وليسَ في المُفصَّلِ سُجُودٌ (٤). هذه رِوايةُ سعِيدِ بن جُبيرٍ، عن ابنِ عبّاسٍ. وروى عنهُ عطاءٌ: أنَّهُ لا يسجُدُ في ﴿ص﴾. وقال عبدُ الرَّزّاقِ (٥): أخبَرنا ابنُ جُريج، عن عطاءٍ، قال: عدَّ ابنُ عبّاسٍ سُجُودَ القُرآنِ عَشْرًا. فذكرَ مِثل ما تقدَّم، غير ﴿ص﴾ فإنَّهُ أسْقَطَها. وروى أبو جَمْرةَ الضُّبعِيُّ ومُجاهِدٌ، عن ابنِ عبّاسٍ (٦)، مِثل رِوايةِ سعِيدِ بن جُبيرٍ عنهُ. وعن ابنِ عُمر: إحْدَى عشْرةَ سَجْدةً، فيها سَجْدةُ (٧) ﴿ص﴾ ليسَ في المُفصَّلِ منها شيءٌ. وهذا كلُّهُ قولُ مالكٍ وأصحابِهِ. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٨)، عن ابنِ جُريج، قال: أخبَرني سُليمانُ الأحولُ، أنَّ مجُاهِدًا أخبَرهُ، أنَّهُ سألَ ابن عبّاسٍ: أفِي ﴿ص﴾ سَجْدةٌ؟ قال: نعم. ثمَّ تلا:

стр. 6523

﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾ حتَّى بلغ: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠]. قال: هُو منهُم. وقال ابنُ عبّاسٍ: رأيتُ عُمر (١) قرأ ﴿ص﴾ على المِنبَرِ، فنزلَ فسجَدَ فيها، ثُمَّ علا المِنبرَ. وعن مَعمرٍ، عن ابنِ طاوُوسٍ، عن أبيهِ، عن ابنِ عبّاسٍ مِثلهُ (٢). قال (٣): وحدَّثنا الفضلُ (٤) بن محمدٍ ومعمرٌ، عن أبي جَمْرةَ الضُّبعِيِّ، عن ابنِ عبّاسٍ مِثلهُ. وحُجَّةُ من لم يَرَ السُّجُود في المُفصَّل: ما حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا محمدُ بن رافِع، قال: حدَّثنا أزهرُ بن القاسم، رأيتُهُ بمكَّةَ، قال: حدَّثنا أبو قُدامةَ، عن مَطَرٍ الورّاقِ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبّاسٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يَسْجُد في شيءٍ من المُفصَّلِ مُنذُ تحوَّلَ إلى المدِينةِ. قال أبو عُمر: هذا عِندِي حديثٌ مُنكرٌ، يرُدُّهُ قولُ أبي هريرةَ: سَجَدتُ مع رسُولِ الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (٦)، ولم يصحبهُ أبو هريرةَ إلّا بالمدِينةِ.

стр. 6524

قال أبو داود: هذا حديثٌ لا يُحفظُ عن غيرِ (١) أبي قُدامةَ هذا بإسنادِهِ (٢). قال أبو داود (٣): وقد رُوِي من حديثِ أبي الدَّرداءِ، عن النَّبيِّ ﷺ إحْدَى عَشْرَةَ سَجْدةً. وإسنادُهُ واهٍ. قال (٤) أبو عُمر: رواهُ عُمرُ الدِّمشقِيُّ، مجهُولٌ، عن أُمِّ الدَّرداءِ، عن أبي الدَّرداءِ (٥). قال أبو عُمر: في حديثِ أبي الدَّرداءِ إحدى عشرةَ سجدةً، مِنها: النَّجمُ. واحتجُّوا أيضًا بحديثِ زيدِ بن ثابتٍ. رواهُ وكِيعٌ، عن ابنِ أبي ذِئبٍ، عن

стр. 6525

يزِيد بن قُسَيطٍ، عن عطاءِ بن يَسارٍ، عن زيدِ بن ثابتٍ (١)، قال: قَرأتُ على رسُولِ الله ﷺ النَّجم، فلم يَسْجُد فيها (٢). وليس فيه حُجَّةٌ، إلّا على من زعمَ أنَّ السُّجُودَ واجِبٌ. وقد قيلَ: إنَّ معناهُ، أنَّ زيد بن ثابتٍ كان القارِئَ، فلمّا لم يَسْجُد، لم يسجُدِ النَّبيُّ ﷺ ، لأنَّ المُستمِعَ تبعٌ للتّالِي. وهذا يدُلُّ على صِحَّةِ قولِ عُمر: إنَّ الله لم يَكْتُبها علينا (٣). فإنَّما حديثُ زيدِ بن ثابتٍ هذا حُجَّةٌ على من أوجبَ سُجُود التِّلاوةِ، لا غير (٤). وقال جماعةٌ من أهلِ العِلم: السُّجُودُ في المُفصَّلِ، في ﴿وَالنَّجْمِ﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. هذا قولُ الشّافِعيِّ، والثَّورِيِّ، وأبي حنِيفةَ. وبه قال أحمدُ بن حنبل، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ (٥). ورُوِي ذلك عن أبي بكر، وعُمر، وعليٍّ، وابنِ مسعُودٍ، وعمار (٦)، وأبي هريرةَ، وابنِ عُمر (٧)، على اختِلافٍ عنهُ. وعن عُمر بن عبدِ العزيزِ، وجماعةٍ من التّابِعِينَ (٨). وحُجَّةُ من رأى السُّجُود في المُفصَّلِ، حديثُ أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ سجَدَ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ،

стр. 6526

قال (١): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أيُّوبَ بن موسى، عن عَطاءِ بن مِيناءَ، عن أبي هريرةَ، قال: سجَدْنا معَ رسُولِ الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قالا: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا المُعتمِرُ، قال: سمِعتُ أبي، قال: حدَّثنا بكرٌ، عن أبي رافِع قال: صلَّيتُ مع أبي هريرةَ العتَمَةَ، فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجَدَ، قلتُ: ما هذه السَّجدةُ؟ قال: سجَدْتُ بها خلفَ أبي القاسم ﷺ ، فلا أزالُ أسْجُدُ بها حتَّى ألقاهُ. قال أبو عُمر: هذا حديثٌ ثابتٌ أيضًا صحِيحٌ، لا يُختلفُ في صِحَّةِ إسنادِهِ، وكذلك الذي قبلهُ صحِيحٌ أيضًا، وفيه السُّجُودُ في المُفصَّلِ، والسُّجُودُ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ مُعيَّنةٌ، والسُّجُودُ في الفَرِيضةِ. وهذه فُصُولٌ كلُّها مُختلفٌ فيها.

стр. 6527

وهذا الحديثُ حُجَّةٌ لمن قال به، وحُجَّةٌ على من خالَفَ ما فيهِ. وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (١): أخبَرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا المُعتمِرُ، عن قُرَّةَ، عن ابنِ سِيرِينَ، عن أبي هريرةَ، قال: سجَدَ أبو بكرٍ، وعُمرُ، ومن هُو خيرٌ منهُما في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. أخبرنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا الميمُونُ بن حمزةَ، قال: حدَّثنا الطَّحاوِيُّ، قال: حدَّثنا المُزنِيُّ، قال: حدَّثنا الشّافِعيُّ، قال (٢): حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ (٣)، عن يحيى بن سعِيدٍ، عن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، عن عُمرَ بن عبدِ العزيزِ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن هشام، عن أبي هريرةَ، قال: سجَدْتُ مع النَّبيِّ ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. قال أبو عُمر: يقولُونَ: إنَّ هذا الإسنادَ (٤) انفردَ به ابنُ عُيينةَ، عن يحيى بن سعِيدٍ، لم يرور عن يحيى بن سعِيدٍ غيرُهُ، ويخشونَ أن يكونَ خطأً، وإنَّما يُعرَفُ بهذا الإسنادِ حديثُ التَّفلِيسِ (٥). ويُروى هذا الحديثُ عن عُمرَ بن عبدِ العزيزِ، عن أبي سَلَمةَ (٦). وأمّا بهذا الإسنادِ، عن يحيى بن سعِيدٍ، فلم يروِهِ غيرُ ابنِ عُيينةَ، والله أعلمُ.
следующие страницы →