← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6523–6562 · переход к 6528.

стр. 6523

﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾ حتَّى بلغ: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠]. قال: هُو منهُم. وقال ابنُ عبّاسٍ: رأيتُ عُمر (١) قرأ ﴿ص﴾ على المِنبَرِ، فنزلَ فسجَدَ فيها، ثُمَّ علا المِنبرَ. وعن مَعمرٍ، عن ابنِ طاوُوسٍ، عن أبيهِ، عن ابنِ عبّاسٍ مِثلهُ (٢). قال (٣): وحدَّثنا الفضلُ (٤) بن محمدٍ ومعمرٌ، عن أبي جَمْرةَ الضُّبعِيِّ، عن ابنِ عبّاسٍ مِثلهُ. وحُجَّةُ من لم يَرَ السُّجُود في المُفصَّل: ما حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا محمدُ بن رافِع، قال: حدَّثنا أزهرُ بن القاسم، رأيتُهُ بمكَّةَ، قال: حدَّثنا أبو قُدامةَ، عن مَطَرٍ الورّاقِ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبّاسٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يَسْجُد في شيءٍ من المُفصَّلِ مُنذُ تحوَّلَ إلى المدِينةِ. قال أبو عُمر: هذا عِندِي حديثٌ مُنكرٌ، يرُدُّهُ قولُ أبي هريرةَ: سَجَدتُ مع رسُولِ الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (٦)، ولم يصحبهُ أبو هريرةَ إلّا بالمدِينةِ.

стр. 6524

قال أبو داود: هذا حديثٌ لا يُحفظُ عن غيرِ (١) أبي قُدامةَ هذا بإسنادِهِ (٢). قال أبو داود (٣): وقد رُوِي من حديثِ أبي الدَّرداءِ، عن النَّبيِّ ﷺ إحْدَى عَشْرَةَ سَجْدةً. وإسنادُهُ واهٍ. قال (٤) أبو عُمر: رواهُ عُمرُ الدِّمشقِيُّ، مجهُولٌ، عن أُمِّ الدَّرداءِ، عن أبي الدَّرداءِ (٥). قال أبو عُمر: في حديثِ أبي الدَّرداءِ إحدى عشرةَ سجدةً، مِنها: النَّجمُ. واحتجُّوا أيضًا بحديثِ زيدِ بن ثابتٍ. رواهُ وكِيعٌ، عن ابنِ أبي ذِئبٍ، عن

стр. 6525

يزِيد بن قُسَيطٍ، عن عطاءِ بن يَسارٍ، عن زيدِ بن ثابتٍ (١)، قال: قَرأتُ على رسُولِ الله ﷺ النَّجم، فلم يَسْجُد فيها (٢). وليس فيه حُجَّةٌ، إلّا على من زعمَ أنَّ السُّجُودَ واجِبٌ. وقد قيلَ: إنَّ معناهُ، أنَّ زيد بن ثابتٍ كان القارِئَ، فلمّا لم يَسْجُد، لم يسجُدِ النَّبيُّ ﷺ ، لأنَّ المُستمِعَ تبعٌ للتّالِي. وهذا يدُلُّ على صِحَّةِ قولِ عُمر: إنَّ الله لم يَكْتُبها علينا (٣). فإنَّما حديثُ زيدِ بن ثابتٍ هذا حُجَّةٌ على من أوجبَ سُجُود التِّلاوةِ، لا غير (٤). وقال جماعةٌ من أهلِ العِلم: السُّجُودُ في المُفصَّلِ، في ﴿وَالنَّجْمِ﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. هذا قولُ الشّافِعيِّ، والثَّورِيِّ، وأبي حنِيفةَ. وبه قال أحمدُ بن حنبل، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ (٥). ورُوِي ذلك عن أبي بكر، وعُمر، وعليٍّ، وابنِ مسعُودٍ، وعمار (٦)، وأبي هريرةَ، وابنِ عُمر (٧)، على اختِلافٍ عنهُ. وعن عُمر بن عبدِ العزيزِ، وجماعةٍ من التّابِعِينَ (٨). وحُجَّةُ من رأى السُّجُود في المُفصَّلِ، حديثُ أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ سجَدَ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ،

стр. 6526

قال (١): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أيُّوبَ بن موسى، عن عَطاءِ بن مِيناءَ، عن أبي هريرةَ، قال: سجَدْنا معَ رسُولِ الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قالا: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا المُعتمِرُ، قال: سمِعتُ أبي، قال: حدَّثنا بكرٌ، عن أبي رافِع قال: صلَّيتُ مع أبي هريرةَ العتَمَةَ، فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجَدَ، قلتُ: ما هذه السَّجدةُ؟ قال: سجَدْتُ بها خلفَ أبي القاسم ﷺ ، فلا أزالُ أسْجُدُ بها حتَّى ألقاهُ. قال أبو عُمر: هذا حديثٌ ثابتٌ أيضًا صحِيحٌ، لا يُختلفُ في صِحَّةِ إسنادِهِ، وكذلك الذي قبلهُ صحِيحٌ أيضًا، وفيه السُّجُودُ في المُفصَّلِ، والسُّجُودُ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ مُعيَّنةٌ، والسُّجُودُ في الفَرِيضةِ. وهذه فُصُولٌ كلُّها مُختلفٌ فيها.

стр. 6527

وهذا الحديثُ حُجَّةٌ لمن قال به، وحُجَّةٌ على من خالَفَ ما فيهِ. وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (١): أخبَرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا المُعتمِرُ، عن قُرَّةَ، عن ابنِ سِيرِينَ، عن أبي هريرةَ، قال: سجَدَ أبو بكرٍ، وعُمرُ، ومن هُو خيرٌ منهُما في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. أخبرنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا الميمُونُ بن حمزةَ، قال: حدَّثنا الطَّحاوِيُّ، قال: حدَّثنا المُزنِيُّ، قال: حدَّثنا الشّافِعيُّ، قال (٢): حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ (٣)، عن يحيى بن سعِيدٍ، عن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، عن عُمرَ بن عبدِ العزيزِ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن هشام، عن أبي هريرةَ، قال: سجَدْتُ مع النَّبيِّ ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. قال أبو عُمر: يقولُونَ: إنَّ هذا الإسنادَ (٤) انفردَ به ابنُ عُيينةَ، عن يحيى بن سعِيدٍ، لم يرور عن يحيى بن سعِيدٍ غيرُهُ، ويخشونَ أن يكونَ خطأً، وإنَّما يُعرَفُ بهذا الإسنادِ حديثُ التَّفلِيسِ (٥). ويُروى هذا الحديثُ عن عُمرَ بن عبدِ العزيزِ، عن أبي سَلَمةَ (٦). وأمّا بهذا الإسنادِ، عن يحيى بن سعِيدٍ، فلم يروِهِ غيرُ ابنِ عُيينةَ، والله أعلمُ.

стр. 6528

وقد زاد بعضُهُم فيه عن ابنِ عُيينةَ بإسنادِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. حدَّثنا أحمدُ بن فتح، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي عُمر العدنِيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن يحيى بن سعِيدٍ، عن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، عن عُمرَ بن عبدِ العزيزِ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ، عن أبي هريرةَ، قال: سجَدْنا مع رسُولِ الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (١). وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٢): أخبَرنا محمدُ بن منصُورٍ وقُتَيبةُ بن سعِيدٍ، قالا: أخبَرنا سُفيانُ، عن يحيى بن سَعِيدٍ، عن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، عن عُمر بن عبدِ العزيزِ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن هشام، عن أبي هريرةَ، قال: سجَدْنا مع رسُولِ الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قالا: أخبَرنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٣): أخبَرنا

стр. 6529

محمدُ بن رافِع، قال: حدَّثنا ابنُ أبي فُدَيكٍ، قال: أخبَرنا ابنُ أبي ذِئبٍ (١)، عن عبدِ العزيزِ بن عيّاشٍ، عن ابنِ قيسٍ، عن عُمر بن عبدِ العزيزِ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: سجَدَ رسُولُ الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. قال أبو عُمر: ابنُ قيسٍ هذا هُو محمدُ بن قَيْسٍ القاصُّ، وهُو ثِقةٌ، ورِوايتُهُ لهذا الحديثِ عن عُمرَ بن عبدِ العزيزِ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ أصحُّ من حديثِ ابنِ عُيَينة عِندَهُم، والله أعلمُ. وقد ذكرهُ (٢) عبدُ الله بن يُوسُف التِّنِّيسِيُّ في "المُوطَّأ" عن مالكٍ. وروتهُ طائفةٌ كذلك في "المُوطَّأ" عن مالكٍ، أنَّهُ بَلَغهُ، أنَّ (٣) عُمر بن عبدِ العزيزِ قال لمحمدِ بن قَيْسٍ القاصِّ: اخرُجْ إلى النّاسِ فمُرهُم أن يسجُدُوا في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ وأحمدُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا ليثٌ، عن يَزِيد بن أبي حَبِيبٍ، عن صفوانَ بن سُليم، عن الأعْرَج، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ سجَدَ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بن شُعَيبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، قال:

стр. 6530

حدَّثنا ابنُ الهادِ (١)، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ: أنَّهُ رأى أبا هريرةَ وهُو يُصلِّي، فسجدَ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. قال أبو سلمةَ حِينَ انصرَفَ: لقد سجَدتَ في سُورةٍ، ما رأيتُ النّاسَ يسجُدُونَ فيها؟ قال: إنِّي لو لم أرَ رسُولَ الله ﷺ يَسْجُدُ فيها، لم أسجُدَ (٢). وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا (٣): حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامَةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن بكرٍ السَّهمِيُّ، قال: حدَّثنا هشامُ بن أبي عبدِ الله، عن يحيى، يعني ابن أبي كثِيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، قال: رأيتُ أبا هريرةَ قَرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجدَ فيها، قال: فقُلتُ: يا أبا هريرةَ، ألم أرَكَ سجَدتَ؟ قال: لو لم أرَ النَّبيَّ ﷺ سجدَ، ما سجدتُ (٤). قال أبو عُمر: احتجَّ من أنكرَ السُّجُود في المُفصَّلِ بقولِ أبي سَلَمةَ لأبي هريرةَ: لقَدْ سجدت في سُورةٍ ما رأيتُ النّاس يسجُدُونَ فيها. قالوا: فهذا دليلٌ على أنَّ السُّجُودَ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ كان قد تَرَكهُ النّاسُ (٥)، وجَرَى العملُ بتركِهِ في المدِينةِ، فلهذا ما كان اعتِراضُ أبي سَلَمةَ لأبي هريرةَ في ذلك.

стр. 6531

واحتجَّ من رأى السُّجُود في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي سائرِ المُفصَّلِ، بأنَّ أبا هريرةَ رأى الحُجَّةَ في السُّنَّةِ، لا فيما خالفها، ورأى أنَّ من خالَفَها محجُوجٌ بها. وكذلك أبو سَلَمةَ لمّا أخبَرهُ أبو هريرةَ بما أخبَرهُ به عن رسُولِ الله ﷺ سكتَ، لما لزِمهُ من الحُجَّةِ، ولم يقُل لهُ: الحُجَّةُ في عَملِ النّاسِ، لا فيما تحكِي أنتَ عن رسُولِ الله، ﷺ . بل علِمَ أنَّ الحُجَّةَ فيما نزَعَ به أبو هريرةَ، فسلَّم وسكتَ. وقد ثبتَ عن أبي بكرٍ، وعُمرَ، والخُلفاءِ بعدهُما السُّجُودُ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، فأيُّ عملٍ يُدَّعى في خِلافِ رسُولِ الله ﷺ ، والخُلفاءِ الرّاشِدِين بعدهُ؟ حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبَرنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (١): أخبَرنا عمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا قُرَّةُ، وهُو ابنُ خالدٍ، عن محمدِ بن سِيرِينَ، عن أبي هريرةَ، قال: سجدَ أبو بكرٍ وعُمرُ ﵄ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، ومن هُو خيرٌ منهُما. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٢)، عن مَعمرٍ والثَّورِيِّ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارِثِ، عن عليٍّ. وذكرهُ الثَّورِيُّ أيضًا، عن عاصِم، عن زِرِّ بن حُبَيشٍ، عن عليٍّ قال: العَزائمُ أربعٌ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾. و ﴿حم﴾ السَّجدةُ (٣)، والنَّجمُ، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. وهذا الحديثُ رواهُ شُعبةُ، عن عاصِم قال: سمِعتُ زِرَّ بن حُبيشٍ قال: قال عبدُ الله بن مسعُودٍ: عزائمُ السُّجُودِ أربعٌ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجدةُ، و ﴿حمَ﴾ السَّجدةُ، والنَّجمُ، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (٤).

стр. 6532

وهذا عِندِي خطأٌ وغلطٌ من شُعبةَ في هذا الحديثِ، واللهُ أعلمُ. وكان عليُّ بن المدِينيِّ (١) يقولُ: هذا جاءَ من عاصِم. قال أبو عُمر: الدَّليلُ على أنَّ ذلك جاءَ من شُعبةَ: أنَّ يعقُوبَ بن شَيْبةَ رَوَى عن أبي بكر بن أبي الأسودِ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عامرٍ، قال: سمِعتُ شُعبةَ مرَّةً يُحدِّثُ عن عاصِم، عن زِرٍّ، عن عليٍّ (٢)، في عَزائم السُّجُودِ. ومرَّةً عن عبدِ الله. فهذا يدُلُّك على أنِ الثَّورِيَّ حَفِظَه عن عاصِم وضَبطهُ، وشُعبةُ أدْرَكهُ فيه الوهمُ، والله أعلمُ. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٣)، عن مَعْمرٍ ومالكٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ: أنَّ عُمرَ سجدَ في النَّجم، ثُمَّ قامَ فوصلَ إليها سُورةً. قال أبو عُمر: هذا الخبرُ في "المُوطَّأ" (٤) عن ابنِ شِهابٍ، عن الأعرج، أنَّ عُمر. هكذا مقطُوعًا، ليس فيه ذِكرُ أبي هريرةَ. فهذا جُملةُ ما احتجَّ به من رأى السُّجُودَ في المُفصَّلِ من جِهةِ الأثرِ، إذ لا مدخَلَ في هذه المسألةِ للنَّظرِ. وقدِ احتجَّ من لم ير السُّجُود في المُفصَّلِ: بِما أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا هنّادُ بن السَّرِيِّ.

стр. 6533

وأخبرنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ (١)، قالا: حدَّثنا وكِيعٌ، عن ابنِ أبي ذِئبٍ، عن يزِيد بن عبدِ الله بن قُسَيطٍ، عن عطاءِ بن يَسارٍ، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: قَرَأتُ على رسُولِ الله ﷺ النَّجم، فلم يسجُد فيها. قال أبو داودَ (٢): وحدَّثنا ابنُ السَّرح (٣)، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرنا أبو صَخْرٍ، عن ابنِ قُسَيطٍ، عن خارِجةَ بن زيدِ بن ثابتٍ، عن أبيهِ، مَعْناهُ. قال أبو عُمر: اختلَفَ ابنُ أبي ذِئبٍ وأبو صَخْرٍ في إسنادِ هذا الحديثِ، والقولُ فيه عِندِي قولُ ابنِ أبي ذِئبٍ؛ لأنَّهُ قد تابَعهُ يزِيدُ بن خُصَيفةَ (٤) على ذلك. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٥): أخبَرنا عليُّ بن حُجرٍ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بن جَعْفرٍ، عن يزِيد، وهُو ابنُ خُصَيفةَ، عن يزِيد بن عبدِ الله بن قُسَيطٍ، عن عطاءِ بن يَسارٍ، أنَّهُ أخبرهُ، أنَّهُ سألَ زيد بن ثابتٍ عن القِراءةِ مع الإمام، فقال: لا قِراءةَ مع الإمام في شيءٍ. وزعمَ أنَّهُ قرأ على رسُولِ الله ﷺ : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فلم يَسْجُد. فاحتجَّ بهذا الخبرِ من لم يرَ السُّجُود في المُفصَّلِ.

стр. 6534

وقال من رأى السُّجُود في المُفصَّلِ، ممَّن لم يَرَ السُّجُود واجِبًا: لا حُجَّةَ في هذا؛ لأنَّ رسُولَ الله ﷺ قد سجدَ في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ وتركَ. وكذلك سُجُودُ القُرآنِ، من شاءَ سجدَ، ومن شاءَ تركَ، ولم يَفْرِضها الله، ولا كَتَبها على عِبادِهِ. وذكرُوا ما أخَبرنا به عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا حفصُ بن عُمر، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن الأسودِ، عن عبدِ الله: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَرَأ سُورةَ النَّجم، فسجدَ فيها. وذكرَ تمام الحديثِ. وروى المُطَّلِبُ بن أبي وداعةَ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ (٢). ورَوَى مالكٌ (٣)، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، أنَّ عُمر بن الخطّابِ قَرَأ سَجْدةً وهُو على المِنبرِ يوم الجُمُعةِ، فنزلَ فسجدَ، وسجَدَ النّاسُ معهُ، ثُمَّ قَرأها يومَ الجُمُعةِ الأُخرَى (٤)، فتهيَّأ النّاسُ للسُّجُودِ، فقال: على رِسلِكُم، إنَّ الله لم يكتُبها علينا، إلّا أن نشاءَ. فلم يسجُد، ومنعهُم أن يسجُدُوا.

стр. 6535

قالوا: فعلى هذا، معنى ما رُوِي عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ لم يسجُد في ﴿وَالنَّجْمِ﴾، وأنَّهُ سجَدَ فيها، والله أعلمُ. فهذا ما في سُجُودِ المُفصَّلِ من الآثارِ الصِّحاح، واختِلافِ العُلماءِ من الصَّحابةِ ومَن بعدَهُم رِضوانُ الله عليهِم. واختَلَفُوا أيضًا في السُّجُودِ في سُورةِ ﴿ص﴾: فذهَبَ مالكٌ والثَّورِيُّ وأبو حنِيفةَ إلى السُّجُودِ فيها (١). ورُوِي ذلك عن عُمر، وعُثمان، وابنِ عُمر (٢)، وجماعةٍ من التّابِعين. وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ (٣). واختُلِف في ذلك عن ابنِ عبّاسٍ. وذهَبَ الشّافِعيُّ إلى أنْ لا سُجُودَ في ﴿ص﴾. وهُو قولُ ابنِ مسعُودٍ، وعلقمةَ. ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٤)، عن الثَّورِيِّ، عن الأعْمَشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسرُوقٍ، قال: وقال عبدُ الله بن مسعُودٍ: إنَّما هي توبةُ نبِيٍّ ذُكِرت. وكان لا يَسْجُدُ فيها، يعني ﴿ص﴾. وروى ابنُ وَهْبٍ، عن عَمرِو بن الحارِثِ، عن سعِيدِ بن أبي هِلال، عن عِياضِ بن عبدِ الله بن سَعدٍ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: قَرأ رسُولُ الله ﷺ وهُو على المِنبرِ ﴿ص﴾ فلمّا بلغ السَّجدةَ، نزلَ فسجَدَ، وسجدَ النّاسُ معهُ،

стр. 6536

فلمّا كان يومٌ آخرُ، قرأها، فلمّا بلغَ السَّجدةَ، خهيَّا النّاسُ للسُّجُودِ، فقال: "إنَّما هي توبةٌ، ولكِنِّي رأيتُكُم (١) "، ثُمَّ نزلَ فسجَدَ (٢). فاحتجَّ بهذا الحديثِ من رأى السُّجُود في ﴿ص﴾. ومن حُجَّةِ من رأى السُّجُودَ في ﴿ص﴾ أيضًا: ما أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ،

стр. 6537

قال: حدَّثنا وُهيبٌ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبّاسٍ، قال: ليسَ ﴿ص﴾ من عَزائم السُّجُودِ، وقد رأيتُ رسُولَ الله ﷺ يسجُدُ فيها. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا التِّرمذِيُّ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، قال: سمِعتُ عِكرِمةَ يقولُ: سمِعتُ ابن عبّاسٍ يقولُ: رأيتُ رسُولَ الله ﷺ سجَدَ في ﴿ص﴾ وليسَتْ من عزائم السُّجُودِ. واختَلفُوا في السَّجدةِ الثّانيةِ من الحجِّ، بعدَ إجماعِهِم على أنَّ السَّجدةَ الأُولى منها ثابتةٌ، يسجُدُ التّالِي فيها، في صلاةٍ وفي غيرِ صلاةٍ إذا شاءَ. فقال مالكٌ وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُما: ليسَ في الحجِّ إلّا سَجْدةٌ واحِدةٌ، وهي الأُولى (٢). ورُوِي ذلك عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، والحسنِ البصرِيِّ، وإبراهيمَ النَّخعِيِّ، وجابرِ بن زيدٍ. واختُلِف فيها عن ابنِ عبّاسٍ (٣). وقال الشّافِعيُّ (٤) وأصحابُهُ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثَوْرٍ وداودُ والطَّبريُّ: في الحجِّ سجدتانِ. وهُو قولُ عُمر بن الخطّابِ، وعليِّ بن أبيِ طالِبٍ، وعبدِ الله بن عُمر (٥)، وأبي الدَّرداءِ، وأبي موسى الأشعرِيِّ، وعبدِ الله بن عبّاسٍ على اختِلافٍ عنهُ، ومسلمةَ بن

стр. 6538

مخلدٍ، وأبي عبدِ الرَّحمنِ السُّلمِيِّ، وأبي العالِيةِ الرِّياحِيِّ، وزِرِّ بن حُبيشٍ (١). وقال أبو إسحاق السَّبِيعِيُّ: أدركتُ النّاس مُنذُ سبعِينَ سنةً يَسْجُدُون في الحجِّ سَجْدتينِ (٢). مالكٌ (٣)، عن نافِع، أنَّ رجُلًا من أهلِ مِصرَ أخبرهُ، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ قرأ سُورةَ الحجِّ، فسجَدَ فيها سجدتينِ، ثُمَّ قال: إنَّ هذه السُّورةَ فُضِّلت بسجدتَينِ. ومالكٌ (٤)، عن عبدِ الله بن دِينارٍ، قال: رأيتُ ابن عُمرَ يسجُدُ في سُورةِ الحجِّ سجدَتينِ. وعبدُ الرَّزّاقِ (٥)، عن مَعمرٍ، عن أيُّوبَ، عن نافِع: أنَّ عُمرَ وابن عُمرَ كانا يسجُدانِ في الحجِّ سَجْدتينِ. قال: وقال ابنُ عُمر: لو سجدتُ فيها واحِدةً، كانتِ السَّجدةُ الآخِرةُ أحبَّ إليَّ. قال: وقال: إنَّ هذه السُّورةَ فُضِّلت بسجدَتينِ. وعن الثَّورِيِّ، عن عاصِم، عن أبي العالِيةِ، عن ابنِ عبّاسٍ قال: فُضِّلت سُورةُ الحجِّ بسجدتينِ (٦). وعن الثَّورِيِّ، عن عبدِ الأعلى، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، عن ابنِ عبّاسٍ، قال: الأُولى من سُورةِ الحجِّ عَزِيمةٌ، والأُخرى تعليمٌ، وكان لا يسجُدُ فيها (٧).

стр. 6539

وقال الأثرمُ: سمِعتُ أحمد بن حَنْبلٍ يُسألُ: كم في الحجِّ؟ فقال: سَجْدتانِ. قيل لهُ: حديثُ عُقبةَ بن عامرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "في الحجِّ سجدتانِ"؟ قال: نعم، رواهُ ابنُ لهِيعةَ عن مِشْرَح، عن عُقبةَ بن عامرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "في الحجِّ سجدتانِ، فمن لم يسجُدْهُما فلا يَقْرأهُما" (١). قال: وهذا توكِيدٌ لقولِ عُمرَ، وابنِ عُمر، وابنِ عبّاسٍ؛ لأنَّهُم قالوا: فُضِّلت سُورةُ الحجِّ بسجدَتينِ. واختلفُوا في جُملةِ عَددِ سُجُودِ القُرآنِ: فذهَبَ مالكٌ (٢) وأصحابُهُ إلى أنَّها إحْدَى عَشْرةَ سجدةً، ليسَ في المُفصَّلِ منها شيءٌ. هذا تحصِيلُ مَذهبِ مالكٍ عِندَ أصحابِهِ. وقد روى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ: أنَّ سُجُودَ القُرآنِ خمسَ عشْرةَ سجدةً في المُفصَّلِ وغيرِ المُفصَّلِ. وكان ابنُ وَهْبٍ ﵀ يذهبُ إلى هذا. ورُوِي عن ابنِ عُمرَ، وابنِ عبّاسٍ (٣)، على اختِلافٍ عنهُما. وعن أنسٍ (٤)، والحَسَنِ، وسعِيدِ بن المُسيِّبِ، وكلُّ من تَقدَّم ذكرنا عنهُ: أنَّهُ لا يسجُدُ في المُفصَّلِ.

стр. 6540

وقال أبو حنِيفةَ والثَّورِيُّ: أربع عشرةَ سجدةً، فيها الأُولى من الحجِّ (١). وقال الشّافِعيُّ: أربع عشرةَ سجدةً، سِوى سجدةِ ﴿ص﴾ فإنَّها سجدةُ شُكرٍ. وفي الحجِّ عِندهُ سجدتانِ. وقال أبو ثورٍ: أربع عشرةَ سجدةً، فيها الثّانِيةُ من الحجِّ، وسجدةُ ﴿ص﴾. وأسقط سجدةَ النَّجم. وقال أحمدُ بن حنبل وإسحاقُ: خمسَ عشرةَ سجدةً، في الحجِّ سجدتانِ، وسجدةُ ﴿ص﴾. وقال الطَّبريُّ: خمسَ عشرةَ سجدةً، ويدخُلُ في السَّجدةِ بتكبِيرٍ، ويخرُجُ منها بتسلِيم. وقال اللَّيثُ بن سعدٍ: أسْتحِبُّ أن يسجُدَ في القُرآنِ كلِّهِ، في المُفصَّلِ وغيرِهِ. واختَلَفُوا في وُجُوبِ سُجُودِ التِّلاوةِ: فقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: هُو واجِبٌ (٢). وقال مالكٌ والشّافِعيُّ والأوزاعِيُّ واللَّيْث: هُو مسنُونٌ، وليس بواجِبٍ. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٣): أخبَرنا ابنُ جُريج، قال: أخبرني أبو بكر بن أبي مُليكةَ، عن عُثمان بن عبدِ الرَّحمنِ، عن ربِيعةَ بن عبدِ الله بن الهُدَيرِ، أنَّهُ حضرَ عُمر بن الخطّابِ يوم جُمُعةٍ، فقرأ على المِنبرِ سُورةَ النَّحلِ، حتَّى إذا جاءَ السَّجدةَ، نزلَ فسجَدَ، وسجدَ النّاسُ معهُ، حتَّى إذا كانَ الجُمُعةُ القابِلةُ، قرأها، حتَّى إذا

стр. 6541

جاءَ السَّجدةَ، قال: يا أيُّها النّاسُ، إنَّما (١) نمُرُّ بالسُّجودِ، فمن سجدَ فقد أصابَ وأحسنَ، ومن لم يسجُد فلا إثمَ عليه. قال: ولم يَسْجُد عُمرُ. قال ابنُ جُريج: وأخبَرنا نافِعٌ، عن ابنِ عُمر، قال: لم يُفرَض علينا السُّجُودُ، إلّا أن نشاءَ (٢). قال أبو عُمر: أيُّ شيءٍ أبينُ (٣) من هذا عن عُمر وابنِ عُمرَ، ولا مُخالِفَ لهما من الصَّحابةِ فيما عَلِمتُ؟ وليسَ قولُ من أوجَبَها بشيءٍ، والفرائضُ لا تجِبُ إلّا بحُجَّةٍ لا مُعارِض لها، وبالله التَّوفيقُ. وقال الأثرمُ: سَمِعتُ أحمد بن حنبلٍ يُسألُ عن الرَّجُلِ يقرأُ السَّجدةَ في الصَّلاةِ فلا يسجُدُ (٤). فقال: جائزٌ أن لا يسجُد، وإن كُنّا نستحِبُّ أن يسجُدَ، فإن شاءَ سجدَ. واحتجَّ بحديثِ عُمر: ليسَتْ علينا، إلّا أن نشاءَ. قيل لهُ: فإنَّ هؤُلاءِ يُشدِّدُونَ. يعني أصحابَ أبي حنِيفةَ، فنفضَ يدهُ، وأنكرَ ذلك. وأمّا اختِلافُهُم في التَّكبِيرِ لسُجُودِ التِّلاوةِ، والتَّسلِيم مِنها. فقال الشّافِعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثورٍ وأبو حنِيفةَ: يُكبِّرُ التّالِي إذا سجدَ، ويُكبِّرُ إذا رفعَ رأسهُ في الصَّلاةِ، وفي غيرِ الصَّلاةِ. ورُوِي ذلك عن جماعةٍ من التّابِعِين، وكذلك قال مالكٌ (٥)، إذا كان في صلاةٍ، واختُلِف عنهُ إذا كان في غير صلاةٍ.

стр. 6542

وكان الشّافِعيُّ وأحمدُ يقولانِ: يرفعُ يديهِ إذا أرادَ أن يسجُدَ (١). قال الأثرمُ: وأُخبِرتُ عن أحمدَ، أنَّهُ كان يرفعُ يَدَيهِ في سُجُودِ القُرآنِ خلفَ الإمام في التَّراوِيح في رمضانَ. قال: وكان ابنُ سِيرِينَ ومُسلِمُ بن يَسارٍ يَرْفعانِ أيدِيَهُما في سُجُودِ التِّلاوةِ إذا كَبَّر (٢). وقال أحمدُ: يدخُلُ هذا في حديثِ وائلِ بن حُجرٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَرْفعُ يَديهِ مع التَّكبِيرِ (٣). ثُمَّ قال: من شاءَ رفعَ، ومن شاءَ لم يَرْفع يديهِ هاهُنا. وقال أبو الأحْوَصِ وأبو قِلابةَ وابنُ سيرِينَ وأبو عبدِ الرَّحمنِ السُّلمِيُّ: يُسلِّمُ إذا رفعَ رأسهُ من السُّجُودِ (٤). وبه قال إسحاقُ. قال: يُسلِّمُ عن يَمِينِهِ فقط: السَّلامُ عليكُم. وقال إبراهيمُ النَّخعِيُّ والحسنُ البصرِيُّ وسعِيدُ بن جُبيرٍ ويحيى بن وثّابٍ: ليسَ في سجُودِ القُرآنِ تسلِيمٌ (٥). وهُو قولُ مالكٍ، والشّافِعيِّ، وأبي حنِيفةَ وأصحابِهِم. وقال أحمدُ بن حنبلٍ: أمّا التَّسلِيمُ، فلا أدرِي ما هُو. فهذه أُصولُ مسائلِ السُّجُودُ، وبقِيت فُروعٌ تضبِطُها هذه الأُصُولُ (٦)، كرِهنا ذِكْرَها خشيةَ الإطالةِ على شَرْطِنا في الاعتِمادِ على الأُصُولِ والأُمَّهاتِ، وما في الأحادِيثِ المذكُورةِ من المعاني المُضمَّناتِ، والله المُعِينُ لا شرِيك لهُ.

стр. 6543

حديثٌ ثالثٌ لعبدِ الله بن يزِيد مالكٌ (١)، عن عبدِ الله بن يزِيد مولى الأسودِ بن سُفيانَ، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن فاطِمةَ ابنة قيسٍ: أنَّ أبا عَمرِو بن حفصٍ طلَّقها البتَّةَ وهُو غائبٌ بالشّام (٢)، فأرسلَ إليها وكِيلهُ بشعِيرٍ، فسَخِطتهُ، فقال: والله ما لكِ علينا من شيءٍ. فجاءَت رسُولَ الله ﷺ فذكرَتْ ذلك لهُ، فقال: "ليسَ لكِ عليه نَفَقةٌ". وأمرَها أن تعتدَّ في بيتِ أُمِّ شرِيكٍ، ثُمَّ قال لها: "تلك امرأةٌ يَغْشاها أصحابِي، اعتدِّي عِندَ ابنِ أُمِّ مكتُوم، فإنَّهُ رجُلٌ أعْمَى، تضعِينَ ثِيابكِ، فإذا حَلَلتِ فآذِنِينِي". قالت: فلمّا حَلَلتُ ذكرتُ لهُ أنَّ مُعاويةَ بن أبي سُفيانَ وأبا جَهْم بن هشام خَطَباني، فقال رسُولُ الله ﷺ : "أمّا أبو جَهْم فلا يَضَعُ عَصاهُ عن عاتِقِهِ، وأمّا مُعاويةُ فصُعلُوكٌ لا مالَ لهُ، انْكِحِي أُسامةَ بن زيدٍ". قالت: فكرِهتُهُ ثُمَّ قال: "انكِحِي أُسامةَ بن زيدٍ". قالت: فنَكَحتُهُ، فجعلَ الله فيه خيرًا، واغْتَبَطتُ به. قال أبو عُمر: أمّا قولُ يحيى في هذا الحديثِ: إنَّ مُعاويةَ بن أبي سُفيانَ وأبا جَهْم بن هشام خَطَباني. فمن الغَلطِ البيِّنِ، ولم يقُل أحدٌ من رُواةِ "المُوطَّأ": أبا جَهْم بن هشام. غير يحيى، وإنَّما في "المُوطَّأ" عِندَ جماعةِ الرُّواةِ غيرِ يحيى: أنَّ مُعاويةَ بن أبي سُفيان، وأبا جَهْم خطباني. هكذا: أبو جهم، غيرَ مَنسُوبٍ في "المُوطَّأ"، وهُو أبو جَهْم بن حُذَيفةَ بن غانِم العَدوِيُّ القُرشِيُّ (٣)، اسمُهُ عُمير (٤)،

стр. 6544

ويُقالُ: عُبيدُ بن حُذيفةَ (١). قد ذكَرْناهُ في كِتابِنا في "الصَّحابة" (٢) بما يُغني عن ذِكرِهِ هاهُنا، وليسَ في الصَّحابةِ أحدٌ يُقالُ لهُ: أبو جهم بن هشام. وأمّا قولُ مالكٍ في هذا الحديثِ: عن فاطِمةَ ابنةِ قيسٍ، أنَّ أبا عَمرِو بن حَفْصٍ طلَّقها البتَّةَ. فلا خِلافَ عن مالكٍ في نقلِ ذلك. وكذلك روى اللَّيثُ، عن جَعفرِ بن ربِيعةَ، عن الأعرج، عن أبي سَلَمةَ، أنَّ فاطِمةَ ابنةَ قَيْسٍ كانت تُحدِّثُ عن رسُولِ الله ﷺ حِينَ طُلِّقت البتَّةَ، وذكر الحديثَ (٣). وكذلك رَوَى محمدُ بن عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن فاطِمةَ بنتِ قَيْسٍ، قالت: كُنتُ عِندَ رجُلٍ من بُني مَخزُوم، فطلَّقني البتَّةَ. ثُمَّ ساقَ الحديثَ، نحو حديثِ مالكٍ (٤). وكذلك رَوَى اللَّيثُ، عن أبي الزُّبيرِ، عن عبدِ الحميدِ بن عبدِ الله بن أبي عَمرِو بن حفصٍ، أنَّ جدَّهُ طلَّق فاطِمةَ البتّةَ (٥).

стр. 6545

وكذلك روى مُجالِدٌ، عن الشَّعبِيِّ، عن فاطِمةَ، قالت: كُنتُ عِندَ أبي عَمرِو بن حفصِ بن المُغِيرةِ، فطلَّقني فبتَّ طلاقِي، وخَرجَ إلى اليَمنِ. وذكرَ الحديث (١). ففي هذا جَوازُ طلاقِ البتَّة، وطلاقِ الثَّلاثِ؛ لأنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يَنقُل عنهُ أحدٌ أنَّهُ أنكرَ ذلك. ولكِن قد اختُلِف عن فاطِمةَ في طَلاقِها هذا، فقيل: إنَّهُ طلَّقها ثلاثًا مُجتمِعاتٍ، وقيل: إنَّها كانت آخِر ثلاثِ تَطْليقاتٍ، والله أعلمُ. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبانُ بن يزِيدَ العطّارُ، قال: حدَّثني يحيى بن أبي كثِيرٍ، قال: حدَّثنا أبو سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ فاطِمةَ بنت قَيْسٍ حدَّثتهُ: أنَّ أبا حَفْصِ بن المُغِيرةِ طلَّقها ثلاثًا. وساقَ الحديثَ، وفيهِ: أنَّ خالدَ بن الولِيدِ، ونَفرًا من بَني مخزُوم أتوُا النَّبيَّ ﷺ فقالوا: إنَّ أبا حَفْصِ بن المُغِيرةِ طلَّقَ امرأتهُ ثلاثًا. وذكرَ تمام الحديثِ. كذا قال: إنَّ أبا حفصِ بن المُغِيرةِ. وهُو خطأٌ، والصَّوابُ ما قالهُ مالكٌ: أنَّ أبا عَمرِو بن حفصٍ. وهُو أبو عَمرِو بن حَفْصِ بن المُغِيرةِ بن عبدِ الله بن عُمر (٣) بن مخزُوم. قيل: اسمُهُ عبدُ الحميدِ (٤)، وقيل: اسمه أحمد، وقيل: اسمه كنيته. وقد ذكرناهُ في كِتابِ "الصحابةِ" (٥) بما يَنْبغِي من ذِكرِهِ.

стр. 6546

وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (١)، قال: حدَّثنا محمودُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا الوَلِيدُ، قال: حدَّثنا أبو عَمرٍو، يعني الأوزاعِيَّ، عن يحيى، قال: حدَّثني أبو سَلَمةَ، قال: حدَّثتني فاطِمةُ بنتُ قيسٍ، أنَّ أبا عَمرِو بن حَفْصٍ المخزُومِيَّ طلَّقها ثلاثًا. وساقَ الحديثَ. قال أبو داودَ (٢)، وكذلك رواهُ الشَّعبِيُّ والزُّهريُّ (٣) وعَطاءٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عاصِم، وأبو بكر بن أبي (٤) الجَهم، عن فاطِمةَ: أنَّ زوجَها طلَّقها ثلاثًا. قال أبو عُمر: يعني أبو داودَ، أنَّ الشَّعبِيَّ روى عن فاطِمةَ: أنَّ زوجَها طلَّقها ثلاثًا (٥). وأنَّ الزُّهرِيَّ رَوَى عن أبي سلمةَ، عن فاطِمةَ: أنَّ زوجَها طلَّقها ثلاثًا. كذا رواهُ يُونُسُ وعُقيلٌ، عن ابنِ شِهابٍ. وعِند (٦) ابنِ شِهابٍ في ذلك إسنادٌ آخرُ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله، سنذكُرُهُ إن شاءَ الله. وأنَّ أبا بكر بن أبي (٧) الجَهم روى عن فاطِمةَ: أنَّ زوجها طلَّقها ثلاثًا (٨).

стр. 6547

وأنَّ عطاءً رَوَى عن عبدِ الرَّحمنِ بن عاصِم، عن فاطِمةَ: أنَّ زوجَها طلَّقها ثلاثًا (١). وهُو عبدُ الرَّحمنِ بن عاصِم بن ثابتِ بن أبي الأقلح (٢) الأنصارِيُّ، رواهُ ابنُ جُرَيج، عن عطاءٍ. ورواهُ حجّاجُ بن أرطاةَ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبّاسٍ، عن فاطِمةَ (٣). وهُو خطأٌ. ذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ (٤)، قال: أخبَرنا ابنُ جُريج، قال: أخبَرني عطاءٌ، قال: أخبَرني عبدُ الرَّحمنِ بن عاصِم بن ثابتٍ، أنَّ فاطِمةَ ابنةَ قَيْسٍ أُخت الضَّحّاكِ بن قَيْسٍ الفِهرِيَّةَ، وكانت عِندَ رجُلٍ من بني مخزُوم، فأخبَرتهُ أنَّ زوجَها طلَّقها ثلاثًا، وخرجَ إلى بَعضِ المغازِي، وأمَرَ وكِيلًا لهُ أن يُعطِيها بعضَ النَّفقةِ. وذكر الحديثَ. قرأتُ على عبدِ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٥)، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي بكر بن أبي (٦) الجهم، قال: دخلتُ على فاطِمةَ بنتِ قَيْسٍ

стр. 6548

أنا وأبو سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، وهي في بيتِ آلِ (١) الزُّبيرِ، فسألناها عن حَدِيثِها، فقالت: طلَّقني زَوْجِي ثلاثًا، فلم يَدَعْ لي سُكْنَى ولا نفقةً، فأتيتُ النَّبيَّ ﷺ ، فقُلتُ لهُ: لم يَدَعْ لي سُكنى ولا نَفَقةً، فقالوا: صَدَقْتِ. فقال النَّبيُّ ﷺ : "اسْكُني في بيتِ أُمِّ شرِيكٍ". ثُمَّ قال: "إنَّ بيتَ أُمِّ شَرِيكٍ مَغْشِيٌّ، ولكِنِ اقْعُدِي في بيتِ ابنِ أُمِّ مكتُوم، فإنَّهُ رجلٌ أعْمَى، فإنَّكِ إن تَنزِعِي ثِيابكِ لم يَرَ شيئًا". قالت (٢): ففعلت. قالت: فلمّا انقضَتْ عِدَّتِي، خَطَبني مُعاويةُ، وأبو جَهْم، فأتيتُ رسُولَ الله ﷺ فذكرتُ ذلك له (٣)، فقال: "أمّا مُعاويةُ، فرجُلٌ لا مالَ لهُ، وأمّا أبو جَهْم، فرجُلٌ شدِيدٌ على النِّساءِ". فخَطَبني أُسامةُ بن زيدٍ، فتزوَّجتُهُ، فبارَكَ الله لي. ورَوَى معمرٌ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله: أنَّ أبا عَمرِو بن حَفْصٍ أرسلَ إلى فاطِمةَ بنت قيسٍ امرأتِهِ بتَطْلِيقةٍ كانت بَقِيَتْ لهُ من طَلاقِهِ (٤). وروى اللَّيثُ، عن عُقيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن فاطِمةَ بنتِ قيسٍ، أنَّها أخبَرتهُ: أنَّها كانت عِندَ أبي حَفْصِ بن المُغِيرةِ، وأنَّ أبا حَفْصِ بن المُغِيرةِ طلَّقها آخِرَ ثلاثِ تَطْلِيقاتٍ. هذه رِوايةُ يزِيد بن خالدٍ الرَّمِليِّ، عن اللَّيثِ، ذكَرَها أبو داودَ (٥)، عن يزِيد هذا.

стр. 6549

ورَوَى عبدُ الله بن صالح، عن اللَّيثِ، عن عُقيل، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبَرني أبو سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، أنَّ فاطِمةَ ابنةَ قَيْسٍ، وهي أُختُ الضَّحّاكِ بن قَيْسٍ أخبَرتهُ، أنَّها كانت تحت أبي عَمرِو بن حَفْصِ بن المُغِيرةِ، فطلَّقها ثلاثًا. حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ (١)، قال: حدَّثنا مُطَّلِبٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح (٢). وهذه الرِّوايةُ عِندِي أصحُّ من التي ذكرَ أبو داود، عن يزِيد بن خالدٍ، عن اللَّيثِ؛ لأنِّي أخْشَى أن يكونَ صحَّفَ، كما صنعَ في اسم زَوْج فاطِمةَ، إذ قال: كانت عِندَ أبي حَفْصِ بن المُغِيرةِ. وإنَّ أبا حَفْصِ بن المُغِيرةِ. وقد مَضَى القولُ على من قال ذلك قبلَ هذا، والحمدُ لله وحدَه (٣). وروى يُونُسُ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُبيدِ الله (٤) مِثل حديثِ مَعْمرٍ. فجمَعَ يُونُسُ الحديثينِ عن الزُّهرِيِّ: حديث عُبيدِ الله، وحديث أبي سلمةَ، وكذلك الزُّبيدِيُّ جمع الحديثينِ جميعًا عن الزُّهرِيِّ (٥). وفي حديثِ عُبيدِ الله: أنَّها طلَّقها زوجُها تَطْلِيقةً كانَتْ بقِيتْ لها، بعَثَ إليها بطلاقِها ذلك. كذلك قال مَعْمرٌ وغيرُهُ فيهِ.

стр. 6550

وهذا يُصحِّحُ ما قالهُ مالكٌ: أنَّهُ طلَّقها وهُو غائبٌ. وقال في هذا الحديثِ جماعةٌ عن الشَّعبِيِّ، وعن أبي سَلَمةَ: إنّهُ طلَّقها، ثُمَّ خرجَ إلى اليمنِ، أو إلى بَعضِ المغازِي. فالله أعلمُ. وروى صالحُ بن كَيْسانَ (١)، وابنُ جُريج (٢)، وشُعيبُ بن أبي حمزةَ (٣)، عن الزُّهرِيِّ، عن أبي سلمةَ، عن فاطِمةَ: أنَّ زوجَها طلَّقها آخِرَ ثلاثِ تطلِيقاتٍ. ورَوَى ابنُ إسحاق، عن عِمرانَ بن أبي أنسٍ، عن أبي سلمةَ، عن فاطِمةَ، قالت: كنتُ عِندَ أبي عَمرو (٤)، فبعثَ إليَّ بتطلِيقتي الثّالِثةِ (٥). فهذا ما بَلَغني ممّا في حديثِ فاطِمةَ من الاختِلافِ في صِفةِ طلاقِها، فلا حُجَّةَ فيه لمن قال: إنَّ طلاقَ الثَّلاثِ مُجتمِعاتٍ سُنّةٌ، ولا لمن أنكرَ ذلك، للاختِلافِ فيهِ. وقد أوضحنا القولَ في هذه المسألةِ، وبسطناهُ ومهَّدناهُ في بابِ نافِع، والحمدُ لله. وأمّا قولُهُ: فأرسلَ إليها وكِيلهُ بشعِيرٍ. ففيه إباحَةُ الوَكالةِ وثُبُوتُها، وهذا أصلٌ فيها. وأمّا قولُهُ: والله ما لكِ عَلَينا من شيءٍ، فجاءَت رسُولَ الله ﷺ ، فذكرَتْ ذلك لهُ، فقال: "ليسَ لكِ عليه نَفقةٌ".

стр. 6551

ففي هذا دليلٌ، بل نصٌّ، أنْ لا نفقةَ للمَبتُوتةِ، إلّا أن تكونَ حامِلًا، فتكونَ لها النَّفقةُ بإجماع، لقولِ الله : ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. وفي هذا دليلٌ بيِّنٌ أنَّهُنَّ إن لم يَكُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ، لم يُنفق عليهنَّ، وفاطِمةُ بنتُ قَيْسٍ لم تكُن حامِلًا، فلهذا ما قال (١) رسُولُ الله ﷺ : "لا نفقةَ لكِ". واختلفَ أهلُ العِلم في النَّفقةِ للمَبتُوتةِ (٢)، فأباها قومٌ، وهُم (٣) أهلُ الحِجازِ، منهُم: مالكٌ، والشّافِعيُّ. وتابَعهُم على ذلك أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ. وحُجَّتُهُم ظاهِرةٌ قوِيَّةٌ بهذا الحديثِ. وقال آخرُونَ: لها النَّفقةُ. وممَّن قال ذلك، أكثرُ فُقهاءِ العِراقِيِّين، منهُمُ: ابنُ شُبرُمةَ، وابنُ أبي ليلى، والثَّورِيُّ (٤)، والحسنُ بن صالح، وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُ، وعُثمانُ البتِّيُّ، وعُبيدُ الله بن الحسنِ (٥). وحُجَّتُهُم ما رُوِي عن عُمر وابنِ مسعُودٍ، أنَّهُما قالا: المُطلَّقةُ ثلاثًا لها السُّكْنَى والنَّفقةُ (٦).

стр. 6552

أخبَرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى، قال: حدَّثنا حَفْصُ بن غِياثٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن الأسْوَدِ، عن عُمرَ، قال: المُطلَّقةُ ثلاثًا لها السُّكنى والنَّفقةُ، ما دامت في العِدَّةِ (١). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى، قال: حدَّثنا يعقُوبُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عُمر بن الخطّابِ، أنَّهُ قال: لا يجُوزُ في دِينِ المُسلِمِينَ قولُ امرأةٍ. وكان يجعلُ للمُطلَّقةِ ثلاثًا السُّكنى والنَّفقةَ (٢). ورَوَى شعبةُ، عن حمّادٍ، عن إبراهيمَ، عن شُريح في المُطلَّقةِ ثلاثًا، قال: لها النَّفقةُ والسُّكنى (٣). قال إسماعيلُ بن إسحاقَ: قال أبو حنِيفةَ: المُطلَّقةُ ثلاثًا يُنفِقُ عليها زَوْجُها، وإن كانت غير حامِل، ورووا في ذلك حديثًا ليسَ بقوِيِّ الإسنادِ، عن عُمرَ، أنَّهُ قال: لا ندعُ كِتاب ربِّنا، وسُنّةَ نبِيِّنا لقولِ امرأةٍ، لها السُّكنى والنَّفقةُ. قال إسماعيلُ بنُ إسحاق: والذي في كِتابِ ربِّنا: أنَّ لها النَّفقةَ إذا كانَتْ حامِلًا، ونحنُ نعلمُ أنَّ عُمرَ لا يقولُ: نَدَعُ كِتاب ربِّنا، إلّا لما هُو موجُودٌ في كِتابِ ربِّنا، والذي وجَدْنا في كِتابِ ربِّنا: النَّفقةُ لذواتِ الأحمالِ. قال: ونحسَبُ أنَّ الحديثَ إنَّما هُو: لا ندعُ كِتاب ربِّنا، وسُنّةَ نبِيِّنا، لقولِ امرأةٍ، لها السُّكنى؛ لأنَّ السُّكنى موجُودٌ في القُرآنِ بقولِهِ تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ

стр. 6553

حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] وزادَ بعضُ أهلِ الكُوفةِ في الحديثِ عن عُمرَ: النَّفقةُ. والحديثُ يَدُورُ على الأعْمَشِ بأسانيدَ مُختلِفةٍ، وكلُّ رِوايةِ الأعْمَشِ على اختِلافِها في هذا الحديثِ، فإنَّها تَدُورُ على إبراهيمَ. وقد رَوَى منصُورٌ، وهُو أصحُّ رِوايةً من الأعمشِ، عن إبراهيمَ في المُطلَّقةِ ثلاثًا: لها السُّكنى والنَّفقةُ، ولا يُجبرُ على النَّفقةِ (١). هذا كلُّهُ كلامُ إسماعيل، وفيه ما فيه من دَفْع ظاهِرِ قَولِ عُمر، إلى دعوى لا يُسِيغُ هُو ولا غيرُهُ لأحَدٍ مِثل ذلك في دَفْع نصٍّ، إلّا أنَّهُ لمّا كان قولُ عُمر خِلافَ نصِّ السُّنَّةِ، كان دفعُهُ - بتأوِيلٍ ضَعِيفٍ - خيرًا من أن ينسُبهُ إلى مُخالفةِ السُّنَّةِ الثّابِتةِ، على أنَّهُم مُتَّفِقُونَ فيما رواهُ العُدُولُ، أنَّهُ لا يُردُّ نصٌّ بتأوِيلٍ يَدْفعُهُ جُملةً (٢)، وذلك عِندِي في المُسندِ دُون رأي أحدٍ، والله أعلمُ. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٣)، عن الثَّورِيِّ، عن سَلَمةَ بن كُهَيل، عن الشَّعبِيِّ، عن فاطِمةَ ابنةِ قَيْسٍ، قالت: طلَّقني زَوْجِي ثلاثًا، فجِئتُ النَّبيَّ ﷺ فسَألتُهُ، فقال: لا نَفَقةَ لكِ ولا سُكنى، قال: فذكَرْتُ ذلك لإبراهيمَ، فقال: قال عُمرُ بن الخطّابِ: لا نَدَعُ كِتاب ربِّنا، وسُنّةَ نبِيِّنا، لها النَّفقةُ والسُّكنى. قال أبو عُمر: أمّا النَّفقةُ للمَبْتُوتةِ، ففيه نصٌّ ثابتٌ عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّها لا نَفَقةَ لها، وذلك قولُهُ ﷺ لفاطِمةَ بنتِ قَيْسٍ: "ليسَ لكِ عليه نفقةٌ" من حديثِ مالكٍ (٤) وغيرِهِ، فلا معنى لما خالَفهُ.

стр. 6554

وفي قولِ الله : ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ دليلٌ على أنْ لا نَفَقةَ لغيرِ حامِل، فهذا هُو المُعتَمدُ عليه في هذا البابِ، وهي النُّكتةُ التي عليها مَدارُهُ من الكِتابِ والسَّنةِ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا مُعلَّى، قال: حدَّثنا ليثُ بن سَعْدٍ، قال: حدَّثنا عِمرانُ بن أبي أنَسٍ، عن أبي سَلَمةَ، قال: سألتُ فاطِمةَ بنت قَيْسٍ، فأخْبَرتني أنَّ زوجَها المخزُومِيَّ طلَّقها، وأبى أن يُنفِقَ عليها، فجاءَت إلى رسُولِ الله ﷺ فأخبَرَتهُ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "لا نَفَقةَ لكِ، فانتقِلِي فاذْهَبِي إلى ابنِ أُمِّ مَكتُوم فكُوني عِندَهُ، فإنَّهُ رجُلٌ أعْمَى تضعِينَ ثِيابكِ عِندَهُ" (١). ففي هذا الحديثِ تصرِيحٌ بأنْ لا نَفَقةَ لها. وكذلك أحادِيثُ فاطِمةَ كلُّها لم يُختلف في أنَّها لا نَفَقةَ لها، وإنَّما اختُلِف في ذِكرِ السُّكْنَى، فمنهُم من ذكَرَها، ومنهُم من لم يذكُرها. وأمّا قولُهُ: وأمَرَها أن تعتدَّ في بيتِ أُمِّ شَرِيكٍ. فهذا مَوْضِعُ اختِلافٍ بينَ أهلِ العِلم، منهُم من زعمَ أنَّ المبتُوتةَ لا سُكْنَى لها ولا نَفَقةَ؛ لأنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يأمُرها أن تَعْتدَّ في بيتِ زَوْجِها الذي كانت تَسْكُنه، وقال: "لا نَفَقةَ لكِ". وقالوا: لو كان لها السُّكنى، ما أمَرَها أن تخرُجَ من بيتِ زَوْجِها. ورَوَوْا أيضًا منصُوصًا في حَدِيثِ فاطِمةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال لها: "لا سُكْنَى لكِ ولا نفقةَ".

стр. 6555

وممَّن ذهَبَ إلى هذا جماعةٌ من أهلِ العِلم، وبه قال أحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ بن راهُوية، وأبو ثورٍ، وداودُ. ورُوِي ذلك عن عليِّ بن أبي طالِبٍ، وجابرِ بن عبدِ الله، وعبدِ الله بن عبّاسٍ (١). حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٢): حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا زكرِيّا بن أبي زائدةَ، عن عامرٍ، قال: حدَّثتني فاطِمةُ بنتُ قَيْسٍ، أنَّ زوجَها طلَّقها ثلاثًا، فأتَتِ النَّبيَّ ﷺ فأمَرَها فاعتدَّتْ عِندَ ابنِ عمِّها عَمرِو بن أُمِّ مَكْتُوم. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ (٣)، عن سيّارٍ أبي الحَكَم، عن الشَّعبِيِّ، عن فاطِمةَ بنتِ قَيْسٍ: أنَّها أتتِ النَّبيَّ ﷺ ، فجعَلَ لها السُّكنى والنَّفقةَ، فقيل لهُ: إنَّهُ طلَّقها ثلاثًا. فقال: "لا سُكْنَى ولا نَفَقةَ". وأمَرَها أن تعتدَّ في بَيْتِ ابنِ أُمِّ مَكْتُوم (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى بن مَنصُورٍ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن مُطرِّفٍ، عن عامرٍ، قال:

стр. 6556

سألتُ فاطِمةَ بنت قَيْسٍ عن المرأةِ يُطلِّقُها زَوْجُها ثلاثًا، فقالت: طلَّقني زَوْجِي ثلاثًا على عَهْدِ رسُولِ الله ﷺ ، فأتيتُ النَّبيَّ ﷺ أسألُهُ (١) فلم يجعل لي سُكنى ولا نفقةً. فقيل لعامرٍ: إنَّ عُمرَ لم يُصدِّقها. فقال عامرٌ: ألا تُصدِّقُ امرأةً فَقِيهةً نزلَ بها هذا (٢)؟ وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى، قال: حدَّثنا شرِيكٌ، عن أبي بكر بن صُخَيرٍ (٣)، قال: دخلتُ على فاطِمةَ. فذكرَ الحديث، وفيهِ: فرُفِعَ ذلك إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: "ليسَ لكِ نَفَقةٌ ولا سُكْنَى" (٤). وروى مُجالِدُ بن سعِيدٍ، وسعيدُ بن يزيدَ (٥)، عن الشَّعبِيِّ، عن فاطِمةَ بنتِ قَيْسٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال لها: "إنَّما السُّكنى والنَّفقةُ للمرأةِ إذا كان لزَوجِها عليها رجعةٌ" (٦). وفي حديثِ مَعْمرٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله، أنَّ فاطِمةَ بنت قَيْسٍ قالت - حِينَ أرسل إليها مروانُ قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ يَسْألهُا عن ذلك -

стр. 6557

فحدَّثتهُ، فأتَى مروانَ فأخبرهُ، فقال مروانُ: لم أسْمَع بهذا الحديثِ إلّا منَ امْرأةٍ، سَنأخُذُ بالعِصمةِ التي وجَدْنا النّاس عليها، فقالت فاطِمةُ حِينَ بَلَغها قولُ مروان: بَيْني وبينكُمُ القُرآنُ، قال الله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ حتَّى بلغت: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] قالت: هذا لمن كانَتْ لهُ مُراجعةٌ، فأيُّ أمْرٍ يحدُثُ بعد الثَّلاثِ؟ فكيفَ تقُولُونَ: لا نَفَقةَ لها؟ أمّا (١) إذا لم تكُن حامِلًا، فعلامَ تحبِسُونها؟ فكيفَ تُحبَسُ امرأةٌ بغيرِ نَفَقةٍ (٢)؟ قال أبو عُمر: تقُولُ فاطِمةُ: إن كُنتُم تحبِسُونها على زوجِها في بَيتِهِ، فأوجِبُوا لها النَّفقةَ، وإن لم تُوجِبُوا لها النَّفقةَ، فلا تُوجِبُوا عليها السُّكنى. وفي قولِ مروانَ في هذا الحديثِ: سَنأخُذُ بالعِصْمةِ التي وجَدْنا النّاسَ عليها. دليلٌ على أنَّ العملَ كان عِندَهُم بخِلافِ حديثِ فاطِمةَ في السُّكنى. وقولهُا: فعلامَ تحبِسُونها؟ إنَّما كانت تُخاطِبُ بهذا كِبارَ التّابِعِين. وهذا كلُّهُ يدُلُّ على أنَّ العملَ كان عِندَهُم بالمدِينةِ، من زَمَنِ عُمر، بخِلافِ حديثِ فاطِمةَ في السُّكنى، واللّه أعلمُ. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِث بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن هارونَ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن ميمُونِ بن مِهرانَ، عن أبيهِ، قال: جَلَستُ إلى سعِيدِ بن المُسيِّبِ، فسألتُهُ، فقال: إنَّكَ لتَسْألُ سُؤالَ رَجُلٍ قد تَبحَّرَ العِلم قبلَ اليوم، قال: قُلتُ: إنِّي بأرضٍ أُسألُ بها. قال: فكيفَ وجدْتَ ما أفتيتُكَ (٣) به، ممّا يُفتِيكَ به غيرِي، ممَّن سألتَ من العُلماءِ؟ قُلتُ: وافقتَهُم، إلّا في فَرِيضةٍ واحِدةٍ. قال: وما هيَ؟

стр. 6558

قُلتُ: سألتُكَ عن المُطلَّقةِ ثلاثًا: تعتَدُّ في بيتِ زَوجِها، أم تَنتقِلُ إلى أهلِها؟ فقُلتَ: تعتَدُّ في بيتِ زَوجِها. وقد كانَ من أمرِ فاطِمةَ بنتِ قيسٍ ما قد علِمتَ. فقال سعِيدٌ: تلك امرأةٌ فتَنَتِ النّاس، وسأُخبِرُكَ عن شأنِها: إنَّها لمّا طُلِّقتِ اسْتَطالَتْ على أحمائها (١) وآذَتْهُم بلِسانِها، فأمَرَها رسُولُ الله ﷺ أن تنتقِلَ إلى بَيْتِ ابنِ أُمِّ مكتُوم. قال: قُلتُ: لئن كانَ رسُولُ الله ﷺ أمَرَها بذلك، إنَّ لنا في رَسُولِ الله ﷺ لأُسْوَةً حَسَنةً، مع أنَّها أحْرَمُ النّاسِ عليه، ليسَ لهُ عليها رجعةٌ (٢)، ولا بينَهُما مِيراثٌ (٣). قال أبو عُمر: هذا من أحْسَنِ ما يجرِي من الاحتِجاج في هذا المعنى، يقولُ: لو كانَ السُّكنى عليها واجِبًا، لقَصَرها رسُولُ الله ﷺ عليها (٤)، ومَنَعها من الاستِطالَةِ بلِسانِها بما شاءَ، ممّا يردَعُها عن ذلك، واللّهُ أعلمُ، مع أنَّها ليسَتْ منهُ، ولا هُو مِنها. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا جعفرُ بن بُرْقانَ، قال: أخبرنا ميمُونُ بن مِهرانَ، قال: قدِمتُ المدِينةَ، فسألتُ عن أفْقَهِ أهْلِها، فدُفِعتُ إلى سَعِيدِ بن المُسيِّبِ فسألتُهُ. وذكر معنى ما تقدَّمَ (٥). وأخبَرنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى بن منصُورٍ، قال: أخبرني أبو المَليح، عن مَيمُونٍ، قال: ذكَرْتُ أمرَ فاطِمةَ ابنةِ قَيْسٍ عِندَ ابنِ المُسيِّبِ، فقال سعِيدُ بن المُسيِّبِ: تلك

стр. 6559

امرأةٌ فتَنَتِ النّاس، أوِ النِّساءَ. قُلتُ: لئن كانت إنَّما أخَذَتْ بما أفتاها رسُولُ الله ﷺ ، فما فتَنَتِ النّاسَ (١). ورَوَى جعفرُ بن محمدٍ، عن أبيهِ، أنَّ عليًّا قال في المبتُوتةِ: لا نَفَقةَ لها ولا سُكْنَى (٢). وابنُ جُريج قال: أخبَرني أبو الزُّبيرِ، أنَّهُ سمِعَ جابر بن عبدِ الله، يقولُ: تَعْتَدُّ المبتُوتةُ حيثُ شاءَتْ (٣). وابنُ جُرَيج، عن عَطاءٍ، عن ابنِ عبّاسٍ، قال: تَعتَدُّ البتُوتةُ حَيْثُ شاءَتْ (٤). فهذا مَذْهبٌ آخَرُ. وقال مالكٌ (٥) والشّافِعيُّ (٦) وأصْحابُهُما والأوزاعِيُّ: المبتُوتةُ لها السُّكنى، واجِبٌ لها وعليها، ولا نَفَقةَ لها. وهُو قولُ سَعِيدِ بن المُسيِّبِ، وعُروةَ بن الزُّبيرِ، والقاسم بن محمدٍ، وسُليمانُ بن يَسارٍ. ورُوِي ذلك، عن ابنِ عُمرَ، وعائشةَ، وعَطاءٍ وغيرِهِم (٧). ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٨)، عن ابنِ جُرَيج، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، قال: لا نَفَقةَ للمبتُوتةِ، إلّا أن تكونَ حامِلًا، ولها السُّكنى.

стр. 6560

ومَعمرٌ، عن الزُّهرِيِّ، عن سالم، عن ابنِ عُمرَ، قال: لا تَنْتقِلُ المبتُوتةُ من بَيْتِ زَوْجِها، حتَّى يحُلَّ أجَلُها (١). وقال إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال قومٌ: لا سُكنَى للمَبتُوتةِ، ولا نفقةَ. وذهبُوا إلى الحديثِ الذي ذُكِرَ عن فاطِمةَ بنتِ قيسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يجعَلْ لها سُكْنَى ولا نَفَقةً. وتَأوَّلُوا قولَ الله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، أنَّ ذلك إنَّما هُو في المرأةِ التي تُطلَّقُ واحِدةً، أوِ اثنتينِ، ويَملِكُ زَوْجُها رجعَتَها. قال: ولو كانَ ذلك كما تأوَّلُوا، لكان: أسكِنُوهُنَّ من حيثُ سَكْنتُم، وأنفِقُوا عليهنَّ. ولم يستثنِ النَّفقةَ على الحامِلِ خاصَّةً، لأنَّ التي يَملِكُ زوجُها رجعَتَها، لها أحْكامُ الزَّوجاتِ في السُّكْنَى والنَّفقةِ، لا فرقَ بينها وبين التي لم تُطلَّق في ذلك، فعَلِمنا أنَّهُ لمّا اسْتَثنى النَّفقةَ منهُنَّ لذواتِ الأحمالِ، أنَّها ليَسْتِ التي يَملِكُ زوجُها رجعَتَها. وأمّا الشّافِعيُّ (٢)، فاحتجَّ في سُقُوطِ نفقةِ المبتُوتُةِ، بحديثِ مالكٍ المذكُورِ في هذا البابِ، عن عبدِ الله بن يزِيد مولى الأسودِ بن سُفيانَ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن فاطِمةَ بنتِ قيسٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال لها: "ليسَ لكِ نفقة". وأوجَبَ عليها السُّكنى، ثُمَّ نقَلَها عن مَوْضِعِها لعِلَّةٍ. قال: الشّافِعيُّ: وإنَّما أسْكَنها في بيتِ ابنِ أُمِّ مكتُوم، لأنَّها كان في لِسانِها ذَرَبٌ (٣). قال أبو عُمر: اختلَفَ العُلماءُ في تأوِيلِ قولِ الله في المُطلِقاتِ: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾

стр. 6561

[الطلاق: ١]، فقال قومٌ: الفاحِشةُ هاهُنا: الزِّنا، والخُرُوجُ: لإقامةِ الحدِّ. وممَّن قال ذلك: عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وعَمرُو بن دِينارٍ، والشَّعبِيُّ (١). وهذا فيمَنْ وجبَ السُّكنى عليها، ولم يجِبِ السُّكْنَى باتِّفاقٍ، إلّا على الرَّجعِيَّةِ. وقال ابنُ مسعُودٍ وابنُ عبّاسٍ: الفاحِشةُ: إذا بَذَتْ بلِسانِها (٢). وهُو قولُ سعِيدِ بن المُسيِّبِ وغيرِهم. وقال قتادةُ: الفاحِشةُ النُّشُوزُ. قال: وفي حرفِ ابنِ مسعُودٍ: "إلّا أن يَفْحُشْنَ (٣) " (٤). وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٥)، عن ابنِ عُيَينةَ والثَّورِيِّ، عن محمدِ بن عَمرِو بن عَلْقمةَ، عن إبراهيمَ التَّيمِيِّ، عن ابنِ عبّاسٍ، في قولِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، قال: إذا بَذَتْ بلِسانِها، فهُو الفاحِشةُ، لهُ أن يُخرِجها. قال أبو عُمر: فعلى هذا تأوَّلَ بعضُ أهلِ المدِينةِ خُرُوجَ فاطِمةَ عن بَيْتِها، وهُو وَجْهٌ حسنٌ من التَّأوِيلِ. وقال بعضُهُم: كانت فاطِمةُ تَسْكُنُ مع زَوْجِها في مَوضِع وَحِشٍ (٦) مَخُوفٍ، فلهذا ما أذِنَ لها رسُولُ الله ﷺ في الانتِقالِ. وقال بعضُهُم: كان ذلك من سُوءِ خُلُقِ فاطِمةَ.

стр. 6562

حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو ثابتٍ المدنِيُّ، عن عبدِ الله بن وَهْبٍ، قال: أخبَرني ابنُ أبي الزِّنادِ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ قال: دَخَلتُ على مروانَ بن الحَكَم، فقُلتُ: إنَّ امرأةً من أهلِكَ طُلِّقَتْ فمررتُ عليها آنِفًا، وهي تَنتقِلُ، فعِبتُ ذلك عليها، فقالوا: أمَرَتنا فاطِمةُ ابنةُ قيسٍ، وأخبَرتنا أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمَرَها أن تنتقِلَ إلى بيتِ ابنِ أُمِّ مكتُوم حِينَ طلَّقَها زوجُها. فقال مروانُ: أجل هيَ أمَرَتهُم بذلك. قال عُروةُ: فقُلتُ لهُ: واللّه لقد عابَتْ ذلك عائشةُ أشدَّ العَيْبِ، وقالت: إنَّ فاطِمةَ كانَتْ في مَكانِ وحِشٍ، فخِيفَ (١) على ناحِيتِها، فلذلك أرخصَ لها رسُولُ الله، ﷺ (٢). وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٣): حدَّثنا حفصُ بن غِياثٍ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، قال: قالت فاطِمةُ ابنةُ قيسٍ: يا رسُولَ الله، إنِّي أخافُ أن يُقتَحَمَ عليَّ، فأمَرَها أن تَحَوَّل. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبرنا أبو داودَ،
следующие страницы →