← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6558–6597 · переход к 6563.

стр. 6558

قُلتُ: سألتُكَ عن المُطلَّقةِ ثلاثًا: تعتَدُّ في بيتِ زَوجِها، أم تَنتقِلُ إلى أهلِها؟ فقُلتَ: تعتَدُّ في بيتِ زَوجِها. وقد كانَ من أمرِ فاطِمةَ بنتِ قيسٍ ما قد علِمتَ. فقال سعِيدٌ: تلك امرأةٌ فتَنَتِ النّاس، وسأُخبِرُكَ عن شأنِها: إنَّها لمّا طُلِّقتِ اسْتَطالَتْ على أحمائها (١) وآذَتْهُم بلِسانِها، فأمَرَها رسُولُ الله ﷺ أن تنتقِلَ إلى بَيْتِ ابنِ أُمِّ مكتُوم. قال: قُلتُ: لئن كانَ رسُولُ الله ﷺ أمَرَها بذلك، إنَّ لنا في رَسُولِ الله ﷺ لأُسْوَةً حَسَنةً، مع أنَّها أحْرَمُ النّاسِ عليه، ليسَ لهُ عليها رجعةٌ (٢)، ولا بينَهُما مِيراثٌ (٣). قال أبو عُمر: هذا من أحْسَنِ ما يجرِي من الاحتِجاج في هذا المعنى، يقولُ: لو كانَ السُّكنى عليها واجِبًا، لقَصَرها رسُولُ الله ﷺ عليها (٤)، ومَنَعها من الاستِطالَةِ بلِسانِها بما شاءَ، ممّا يردَعُها عن ذلك، واللّهُ أعلمُ، مع أنَّها ليسَتْ منهُ، ولا هُو مِنها. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا جعفرُ بن بُرْقانَ، قال: أخبرنا ميمُونُ بن مِهرانَ، قال: قدِمتُ المدِينةَ، فسألتُ عن أفْقَهِ أهْلِها، فدُفِعتُ إلى سَعِيدِ بن المُسيِّبِ فسألتُهُ. وذكر معنى ما تقدَّمَ (٥). وأخبَرنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى بن منصُورٍ، قال: أخبرني أبو المَليح، عن مَيمُونٍ، قال: ذكَرْتُ أمرَ فاطِمةَ ابنةِ قَيْسٍ عِندَ ابنِ المُسيِّبِ، فقال سعِيدُ بن المُسيِّبِ: تلك

стр. 6559

امرأةٌ فتَنَتِ النّاس، أوِ النِّساءَ. قُلتُ: لئن كانت إنَّما أخَذَتْ بما أفتاها رسُولُ الله ﷺ ، فما فتَنَتِ النّاسَ (١). ورَوَى جعفرُ بن محمدٍ، عن أبيهِ، أنَّ عليًّا قال في المبتُوتةِ: لا نَفَقةَ لها ولا سُكْنَى (٢). وابنُ جُريج قال: أخبَرني أبو الزُّبيرِ، أنَّهُ سمِعَ جابر بن عبدِ الله، يقولُ: تَعْتَدُّ المبتُوتةُ حيثُ شاءَتْ (٣). وابنُ جُرَيج، عن عَطاءٍ، عن ابنِ عبّاسٍ، قال: تَعتَدُّ البتُوتةُ حَيْثُ شاءَتْ (٤). فهذا مَذْهبٌ آخَرُ. وقال مالكٌ (٥) والشّافِعيُّ (٦) وأصْحابُهُما والأوزاعِيُّ: المبتُوتةُ لها السُّكنى، واجِبٌ لها وعليها، ولا نَفَقةَ لها. وهُو قولُ سَعِيدِ بن المُسيِّبِ، وعُروةَ بن الزُّبيرِ، والقاسم بن محمدٍ، وسُليمانُ بن يَسارٍ. ورُوِي ذلك، عن ابنِ عُمرَ، وعائشةَ، وعَطاءٍ وغيرِهِم (٧). ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٨)، عن ابنِ جُرَيج، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، قال: لا نَفَقةَ للمبتُوتةِ، إلّا أن تكونَ حامِلًا، ولها السُّكنى.

стр. 6560

ومَعمرٌ، عن الزُّهرِيِّ، عن سالم، عن ابنِ عُمرَ، قال: لا تَنْتقِلُ المبتُوتةُ من بَيْتِ زَوْجِها، حتَّى يحُلَّ أجَلُها (١). وقال إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال قومٌ: لا سُكنَى للمَبتُوتةِ، ولا نفقةَ. وذهبُوا إلى الحديثِ الذي ذُكِرَ عن فاطِمةَ بنتِ قيسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يجعَلْ لها سُكْنَى ولا نَفَقةً. وتَأوَّلُوا قولَ الله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، أنَّ ذلك إنَّما هُو في المرأةِ التي تُطلَّقُ واحِدةً، أوِ اثنتينِ، ويَملِكُ زَوْجُها رجعَتَها. قال: ولو كانَ ذلك كما تأوَّلُوا، لكان: أسكِنُوهُنَّ من حيثُ سَكْنتُم، وأنفِقُوا عليهنَّ. ولم يستثنِ النَّفقةَ على الحامِلِ خاصَّةً، لأنَّ التي يَملِكُ زوجُها رجعَتَها، لها أحْكامُ الزَّوجاتِ في السُّكْنَى والنَّفقةِ، لا فرقَ بينها وبين التي لم تُطلَّق في ذلك، فعَلِمنا أنَّهُ لمّا اسْتَثنى النَّفقةَ منهُنَّ لذواتِ الأحمالِ، أنَّها ليَسْتِ التي يَملِكُ زوجُها رجعَتَها. وأمّا الشّافِعيُّ (٢)، فاحتجَّ في سُقُوطِ نفقةِ المبتُوتُةِ، بحديثِ مالكٍ المذكُورِ في هذا البابِ، عن عبدِ الله بن يزِيد مولى الأسودِ بن سُفيانَ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن فاطِمةَ بنتِ قيسٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال لها: "ليسَ لكِ نفقة". وأوجَبَ عليها السُّكنى، ثُمَّ نقَلَها عن مَوْضِعِها لعِلَّةٍ. قال: الشّافِعيُّ: وإنَّما أسْكَنها في بيتِ ابنِ أُمِّ مكتُوم، لأنَّها كان في لِسانِها ذَرَبٌ (٣). قال أبو عُمر: اختلَفَ العُلماءُ في تأوِيلِ قولِ الله في المُطلِقاتِ: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾

стр. 6561

[الطلاق: ١]، فقال قومٌ: الفاحِشةُ هاهُنا: الزِّنا، والخُرُوجُ: لإقامةِ الحدِّ. وممَّن قال ذلك: عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وعَمرُو بن دِينارٍ، والشَّعبِيُّ (١). وهذا فيمَنْ وجبَ السُّكنى عليها، ولم يجِبِ السُّكْنَى باتِّفاقٍ، إلّا على الرَّجعِيَّةِ. وقال ابنُ مسعُودٍ وابنُ عبّاسٍ: الفاحِشةُ: إذا بَذَتْ بلِسانِها (٢). وهُو قولُ سعِيدِ بن المُسيِّبِ وغيرِهم. وقال قتادةُ: الفاحِشةُ النُّشُوزُ. قال: وفي حرفِ ابنِ مسعُودٍ: "إلّا أن يَفْحُشْنَ (٣) " (٤). وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٥)، عن ابنِ عُيَينةَ والثَّورِيِّ، عن محمدِ بن عَمرِو بن عَلْقمةَ، عن إبراهيمَ التَّيمِيِّ، عن ابنِ عبّاسٍ، في قولِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، قال: إذا بَذَتْ بلِسانِها، فهُو الفاحِشةُ، لهُ أن يُخرِجها. قال أبو عُمر: فعلى هذا تأوَّلَ بعضُ أهلِ المدِينةِ خُرُوجَ فاطِمةَ عن بَيْتِها، وهُو وَجْهٌ حسنٌ من التَّأوِيلِ. وقال بعضُهُم: كانت فاطِمةُ تَسْكُنُ مع زَوْجِها في مَوضِع وَحِشٍ (٦) مَخُوفٍ، فلهذا ما أذِنَ لها رسُولُ الله ﷺ في الانتِقالِ. وقال بعضُهُم: كان ذلك من سُوءِ خُلُقِ فاطِمةَ.

стр. 6562

حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو ثابتٍ المدنِيُّ، عن عبدِ الله بن وَهْبٍ، قال: أخبَرني ابنُ أبي الزِّنادِ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ قال: دَخَلتُ على مروانَ بن الحَكَم، فقُلتُ: إنَّ امرأةً من أهلِكَ طُلِّقَتْ فمررتُ عليها آنِفًا، وهي تَنتقِلُ، فعِبتُ ذلك عليها، فقالوا: أمَرَتنا فاطِمةُ ابنةُ قيسٍ، وأخبَرتنا أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمَرَها أن تنتقِلَ إلى بيتِ ابنِ أُمِّ مكتُوم حِينَ طلَّقَها زوجُها. فقال مروانُ: أجل هيَ أمَرَتهُم بذلك. قال عُروةُ: فقُلتُ لهُ: واللّه لقد عابَتْ ذلك عائشةُ أشدَّ العَيْبِ، وقالت: إنَّ فاطِمةَ كانَتْ في مَكانِ وحِشٍ، فخِيفَ (١) على ناحِيتِها، فلذلك أرخصَ لها رسُولُ الله، ﷺ (٢). وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٣): حدَّثنا حفصُ بن غِياثٍ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، قال: قالت فاطِمةُ ابنةُ قيسٍ: يا رسُولَ الله، إنِّي أخافُ أن يُقتَحَمَ عليَّ، فأمَرَها أن تَحَوَّل. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبرنا أبو داودَ،

стр. 6563

قال (١): حدَّثنا هارونُ بن زيدِ (٢) بن أبي الزَّرقاءِ، عن أبيهِ، عن سُفيانَ، عن يحيى بن سعِيدٍ، عن سُليمان بن يسارٍ في خُرُوج فاطِمةَ: إنَّما كان ذلك من سُوءِ الخُلُقِ. قال (٣): وحدَّثنا أحمدُ بن يُونُس، قال: حدَّثنا زُهَيرٌ قال: حدَّثنا جعفرُ بن بُرقانَ، قال: حدَّثنا ميمُونُ بن مِهرانَ، قال: قدِمتُ المدِينةَ فدُفِعتُ إلى سعِيدِ بن المُسيِّبِ، فقُلتُ: فاطِمةُ ابنةُ قيسٍ طُلِّقت فخرجَتْ من بيتِها، فقال سعِيدُ بن المُسيِّبِ: تلك امرأةٌ فَتَنتِ النّاس، إنَّها كانت لَسِنةً، فوُضِعت على يَديِ ابنِ أُمِّ مكتُوم الأعْمَى. ورَوَى مالكٌ (٤)، عن يحيى بن سَعِيدٍ، عن القاسم بن محمدٍ وسُليمانَ بن يَسارٍ، أَنَّهُ سمِعهُما يَذْكُرانِ أنَّ يحيى بن سعِيد (٥) بن العاص طَلَّق بنت عبدِ الرَّحمنِ بن الحَكَم البتَّةَ، فانتَقَلها عبدُ الرَّحمنِ، فأرسلَتْ عائشةُ إلى مروانَ بن الحَكَم، وهُو أمِيرُ المدِينةِ، فقا لت: اتَّقِ الله، واردُدِ المرأةَ إلى بيتِها ... الحديثَ. فهذا عُمرُ، وعائشةُ، وابنُ عُمر يُنكِرُونَ على فاطِمةَ أمرَ السُّكنى، ويُخالِفُونها في ذلك. ومالَ إلى قولِهِم فُقهاءُ التّابِعِين بالمدِينةِ، وإليه ذهَبَ مالكٌ، والشّافِعيُّ وأصحابُهُما. لكِن من طَرِيقِ الحُجَّةِ وما يلزمُ مِنها، قولُ أحمد بن حنبلٍ ومن تابَعهُ أصحُّ، وأحجُّ؛ لأَنهُ لو وجَبَ السُّكنى عليها، وكانَتْ عِبادةً تعبَّدها الله بها، لألزَمَها ذلك رسُولُ الله ﷺ ولم يُخرِجها عن بَيْتِ زوجِها إلى بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ولا إلى

стр. 6564

بَيْتِ ابنِ أُمِّ مَكْتُوم، وقد (١) أجمعُوا أنَّ المرأةَ التي تَبذُو على أحمائها بلِسانِها تُؤَدَّبُ، وتُقصَرُ على السُّكنى في المنزِلِ الذي طُلِّقت فيه، وتمُنَعُ من أذى النّاسِ، فدلَّ ذلك على أنَّ منِ اعتلَّ بمِثلِ هذه العِلَّةِ في الانتِقالِ (٢)، اعتلَّ بغيرِ صَحِيح من النَّظرِ (٣)، ولا مُتَّفقٍ عليه من الخبرِ. هذا ما يُوجِبُهُ عِندِي التَّامُّلُ لهذا الحديثِ، مع صِحَّتِهِ، وباللّه التَّوفِيقُ. وإذا ثبتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لفاطِمةَ بنتِ قيسٍ، وقد طُلِّقت طلاقًا باتًّا: "لا سُكْنَى لكِ ولا نَفقةَ، وإنَّما السُّكنى والنَّفقةُ لمن عليها رجعة". فأيُّ شيءٍ يُعارَضُ به هذا؟ هل يُعارضُ إلّا بمِثلِهِ عن النَّبيِّ ﷺ ، الذي هُو المُبيِّنُ عن الله مُرادهُ من كِتابِهِ، ولا شيءَ عنهُ ﷺ يدفعُ ذلك، ومعلُومٌ أنَّهُ أعلمُ بتأوِيلِ قولِ الله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، من غير غيرِهِ ﷺ . وأمّا الصَّحابةُ فقدِ اختَلَفُوا كما رأيتَ، منهُم من يقولُ: لها السُّكنى والنَّفقةُ، منهُم: عُمرُ، وابنُ مسعُودٍ. ومنهُم من يقولُ: لها السُّكنى، ولا نفقةَ، منهُم: ابنُ عُمر، وعائشةُ. ومنهُم من يقولُ: لا سُكْنَى لها ولا نفقةَ، وممَّن قال ذلك: عليٌّ، وابنُ عبّاسٍ، وجابرٌ. وكذلك اختِلافُ فُقهاءِ الأمصارِ على هذه الثَّلاثةِ الأقوالِ، على ما ذكرنا وبيَّنّا، والحمدُ للّه. وأمّا الشّافِعيُّ ومالكٌ، فلا محالةَ أنَّهُ لم يثبُت عِندَهُما عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال لفاطِمةَ: "لا سكنى لكِ ولا نَفَقةَ". مع ما رأوا (٤) من مُعارضةِ العُلماءِ الجِلَّةِ لها في ذلك، واللّه المُوفِّقُ للصَّوابِ.

стр. 6565

ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (١)، عن مَعمرٍ والثَّورِي، عن الأعمشِ، عن إبراهيم، عن علقمةَ: أنَّ رجُلًا طلَّقَ امرأتهُ ثلاثًا، فاصبتْ أن تجلِسَ في بيتِها، فأتَى ابن مَسعُودٍ فقال: هي تُرِيدُ أن تخرُجَ إلى أهْلِها. فقال: احْبِسْها ولا تَدَعَها. فقال: إنَّها تأبَى عليَّ. قال: فقيِّدها. قال: إنَّ لها إخْوَةً غَلِيظةً رِقابُهِم. قال: فاستأدِ (٢) عليهِمُ الأمِيرَ. وفي هذا الحديثِ وُجُوبُ اسْتِتارِ المرأةِ، إذا كانت ممَّن للعَينِ فيها حَظٌّ عن عُيُونِ الرِّجالِ، وفي ذلك دليلٌ على تحرِيم النَّظرِ إليهنَّ. وقد رُوِي أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يَنظُر إلى فاطِمةَ هذه إذ جاءَتهُ، في هذه القِصَّةِ. حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جرِيرٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعِيدٍ الجَوْهرِيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن مُجالدٍ، عن الشَّعبِيِّ، عن فاطِمةَ ابنةِ قَيْسٍ قالت: أَتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ ، فاسْتَترَ مِنِّي. وأشار سفيان (٣) بثوبه على وجهِهِ (٤). وكذلك في حديثِ قَيْلَةَ ابنةِ مَخْرَمةَ، الحديثِ الطَّوِيلِ في قُدُومِها على رسُولِ الله ﷺ : فأومَأ بيدِهِ خلفهُ، إذ قيل لهُ: أُرْعِدَت المِسكِينةُ، فقالَ ولم ينظُر إليَّ: "يا مِسْكِينةُ، عليكِ السَّكِينةُ" (٥).

стр. 6566

وفي حديثِ بُرَيدةَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال لعليٍّ: "لا تُتبِع النَّظرةَ النَّظرةَ، فإنَّ لك الأُولى، وليسَتْ لك الآخِرةُ" (١). وقد رُوِي ذلك أيضًا من حديثِ عليٍّ ﵁ (٢). وقال جرِيرٌ: سألتُ رسُول الله (٣) ﷺ عن نظرةِ الفُجاءة، فقال: "غُضَّ بصرك". رواهُ جماعةٌ، منهُمُ: الثَّورِيُّ (٤)، وابنُ عُليَّةَ (٥)، ويزِيدُ بن زُريع (٦)، عن يُونُس بن عُبيدٍ، عن عَمرِو بن سعِيدٍ، عن أبي زُرعةَ بن عَمرِو بن جرِيرٍ، عن جرِيرٍ. وهذا النَّهيُ إنَّما وردَ خوفًا من دواعِي الفِتنةِ، وأن تَحمِلهُ النَّظرةُ الأولى أن يتأمَّل ما تقُودُ إليه فِتنةٌ في دِينِهِ، وهذا نبِيٌّ من أنبِياءِ الله ، وهُو داودُ ﷺ ، كان بسَبَبِ خطِيئَتِهِ إليه النَّظرُ. وقد ذكَرْنا ما يجُوزُ النَّظرُ إليه من المرأةِ، وما لا يجوزُ، والأحوالَ التي

стр. 6567

يجوزُ فيها النَّظرُ إليها (١)، من الشَّهادَةِ عليها، وشِبْهِها، في غيرِ هذا الموضِع والحمد للّه (٢). وأمّا قولُهُ: "اعتدِّي في بيتِ أُمِّ شرِيكٍ". ثُمَّ قال: "تِلك امرأةٌ يَغْشاها أصحابِي، اعتدِّي في بيتِ ابنِ أُمِّ مكتُوم". ففيه دليل على أنَّ المرأةَ الصّالحِةَ المُتجالَّةَ، لا بأسَ أن يَغْشاها الرِّجالُ، ويَتَحدَّثُوا عِندَها. ومعنى الغِشْيانِ: الإلمامُ والوُرُودُ، قال حسّانُ بن ثابتٍ (٣) يمدحُ بني جَفْنة: يُغْشَونَ حتَّى ما تهِرُّ كِلابُهُم ... لا يسألُونَ عن السَّوادِ المُقبِلِ وزعمَ قومٌ: أنَّهُ أمدحُ بَيْتٍ قالتهُ العربُ. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ، قال (٤): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا مُجالِدُ بن سعِيدٍ الهمدانِيُّ، عن الشَّعبِيِّ، عن فاطِمةَ بنتِ قَيْسٍ، فذكر الحديث. وفيهِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "يا ابنةَ قيسٍ، إنَّما السُّكنى والنَّفقةُ للمَرْأةِ إذا كانَ لزوجِها عليها رجعةٌ، فإذا لم يَكُن لهُ عليها رَجْعة فلا سُكْنَى لها ولا نَفَقةَ". ثُمَّ قال لها: "اعْتَدِّي عِندَ أُمِّ شرِيكٍ ابنةِ العكرِ (٥) ". ثُمَّ قال: "تلك امرأةٌ يُتحدَّث عِندَها، اعتدِّي عِندَ ابنِ أُمِّ مكتُوم، فإنَّهُ رَجُلٌ محجُوبُ البَصرِ، فتَضَعِي ثِيابكِ، ولا يراكِ".

стр. 6568

قال أبو عُمر: أُمُّ شرِيكٍ هذه امرأةٌ من بني عامرِ بن لُؤَيٍّ، وقد ذكَرْناها في كِتابِ النِّساءِ من كِتابِ "الصَّحابة" (١) بما يُغني عن ذِكرِها هاهُنا. وفي قولِهِ في هذا الحديثِ: "فتَضَعِي ثِيابكِ ولا يراكِ". دليلٌ على أنَّ المرأةَ غيرُ واجِبٍ عليها أن تحتجِبَ من الرَّجُلِ الأعْمَى. وهكذا في حديثِ محمدِ بن عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن فاطِمةَ بنتِ قيسٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لها: "انتقِلي إلى ابنِ أُمِّ مكتُوم، فإنَّهُ رجُلٌ قد ذهَبَ بصرُهُ، فإن وضَعتِ شيئًا من ثِيابِكِ، لم ير شيئًا" (٢). وهذا يرُدُّ حَدِيث نَبْهان مولى أُمِّ سلمةَ، عن أُمِّ سَلَمةَ قالت: دخَلَ عليَّ رسُولُ الله ﷺ وأنا وميمُونةُ جالِستانِ، فاستأذَنَ عليه ابنُ أُمِّ مَكتُوم الأعْمَى، فقال: "احتجِبا منهُ". فقُلنا: يا رسُولَ الله أليسَ بأعْمَى لا يُبصِرُنا؟ قال: "أفَعَمياوانِ أنتُما لا تُبصِرانِهِ؟ " (٣). ففي هذا الحديثِ دليلٌ على أَنَّهُ واجِبٌ على المرأةِ أن تحتجِبَ عن الأعمى. ويشهدُ لهُ ظاهِرُ قولِ الله : ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآيةَ [النور: ٣١]. فمن ذهَبَ إلى حديثِ نَبْهان هذا، احتجَّ بما ذكَرْنا، وقال: ليسَ في حديثِ فاطِمةَ أَنَّهُ أطلقَ لها النَّظر إليه، وقال: مَكرُوهٌ للمرأةِ أن تَنظُرَ إلى الرَّجُلِ الأجنبِيِّ، الذي ليسَ بزوج، ولا ذي مَحْرم. وكما لا يجُوزُ للرَّجُلِ أن ينظُرَ إلى المرأةِ، فكذلك لا يجُوزُ للمَرأةِ أن تنظُرَ إلى الرَّجُلِ؛ لأنَّ الله يقولُ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ كما قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠].

стр. 6569

وقد قال بعضُ مَشْيخةِ الأعْرابِ: لأن ينظُرَ إلى ولِيَّتي مئةُ رجُل، خيرٌ من أن تنظُرَ هي إلى لرجُلٍ واحِدٍ. ومن ذهَبَ إلى حديثِ فاطِمةَ هذا على ظاهِرِهِ، دفَعَ حديث نَبْهان، عن أُمِّ سَلَمةَ، وقال: نبهانُ مجهُولٌ، لم يروِ عنهُ غيرُ ابنِ شِهابٍ، وروى عنهُ ابنُ شِهابٍ حَدِيثينِ لا أصل لهما، أحدُهُما هذا، والآخرُ حديثُ المُكاتَب: أنَّهُ إذا كان مَعهُ ما يُؤدِّي، وجَبَ الاحتِجابُ منهُ (١). قال: وهُما حَدِيثانِ لا أصلَ لهما، ودفعهُما. وقال: حديثُ فاطِمةَ بنتِ قيسٍ حديثٌ صحِيحُ الإسنادِ، والحُجَّةُ به لازِمة. قال: وحديثُ نبهان لا تقُومُ به حُجَّةٌ. قال أبو عُمر: حديثُ نبهان هذا: حدَّثناهُ سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن المُباركِ، قال: أخبرنا يُونُسُ، عن الزُّهرِيِّ، قال: حدَّثني نَبْهانُ مولى أُمِّ سَلَمةَ، عن أُمِّ سلمةَ (٢)، قالت: كُنتُ عِندَ رسُولِ الله ﷺ وعِندَهُ (٣) ميمُونةَ، فأقبلَ ابنُ أُمِّ مكتُوم، وذلك بعد أن أُمِرَ بالحِجابِ، فقال رسُولُ الله ﷺ :

стр. 6570

"احتجِبا منهُ". فقُلنا: يا رسُولَ الله، إنَّهُ مكفُوفٌ لا يُبصِرُنا. قال: "أفَعَمْياوانِ أنتُما لا تُبصِرانِهِ؟ " (١). وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا محمدُ بن العلاءِ، قال: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، عن يُونُس، عن الزُّهرِيِّ، قال: حدَّثني نبهانُ مولى أُمِّ سلمةَ، عن أُمِّ سلمةَ، فذكرهُ. قال أبو داود: وهذا لأزواج النَّبيِّ ﷺ خاصَّةً. واستدلَّ بعضُ أصحابنا (٣) بهذا الحديثِ على أنَّ كلامَ المرأةِ ليسَ بعورةٍ. وهذا ما لا يُحتاجُ إليه، لتقرُّرِ الأُصُولِ عليه. وأمّا قولُهُ: "يَغْشاها أصحابِي". فمعلُومٌ أنَّها عَوْرةٌ، كما أنَّ فاطِمةَ عورةٌ، إلّا أنَّهُ علِمَ أنَّ أُمَّ شرِيكٍ من السِّترِ والاحتِجابِ بحالٍ ليسَتْ بها فاطِمةُ، ولعلَّ فاطِمةَ من شأنِها أن تَقعُد فُضُلًا (٤) لا تَحترِزُ كاحتِرازِ أُمِّ شِريكٍ، ولا يجوزُ أن تكونَ أُمُّ شرِيكٍ، وإن كانت من القَواعِدِ، أن تكونَ فُضُلًا، ويجُوزُ أن تكونَ فاطِمةُ شابّةً ليسَتْ من القَواعِدِ، وتكون أُمُّ شَرِيكٍ من القَواعِدِ، فليسَ عليها جُناحٌ، ما لم تَتبرَّز بزِينةٍ.

стр. 6571

فهذا كلُّهُ فرقٌ بين حالِ (١) أُمِّ شرِيكٍ وفاطِمةَ، وإن كانَتا جميعًا امرأتينِ، العَوْرةُ منهُما واحِدةٌ، ولاختِلافِ الحالَيْنِ، أُمِرت فاطِمةُ أن تصِيرَ إلى ابنِ أُمِّ مكتُوم الأعْمَى بحيثُ لا يَراها هُو ولا غيرُهُ من الرِّجالِ (٢) في بَيْتِهِ ذلك. وأمّا وَجْهُ (٣) قولِهِ لزَوْجهِ (٤) ميمُونةَ وأُمِّ سلمةَ - إذ جاءَ ابنُ أُمِّ مكتُوم: "احتجِبا منهُ". فقالتا: أليسَ بأعْمَى؟ فقال رسُولُ الله ﷺ : "أفَعَمياوانِ أنتُما؟ " - فإنَّ الحِجابَ على أزواج النَّبيِّ ﷺ ، ليسَ كالحِجابِ على غيرِهِنَّ، لما هُنَّ (٥) فيه من الجلالةِ، ولموضِعِهِنَّ من رسُولِ الله ﷺ ، بدليلِ قولِ الله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ الآيةَ [الأحزاب: ٣٢]. وقد يجُوزُ أن يكونَ (٦) للرَّجُلِ أن ينظُرَ لأهلِهِ من الحِجابِ بما أدّاهُ إليه اجتِهادُهُ، حتَّى يمنع منُنَّ المرأةَ فُضُلًا عن الأعْمَى. وأمّا الفرقُ بين ميمُونةَ وأُمِّ سلمةَ، وبين عائشةَ، إذ أباحَ لها النَّظر إلى الحَبَشةِ، فإنَّ عائشةَ كانت ذلك الوقت، واللّهُ أعلمُ، غير بالِغة، لأَنَّهُ نَكَحَها صبِيَّةً، بنت سِتِّ سِنينَ أو سبع، وبَنَى بها بنت تِسع، ويجُوزُ أن يكونَ قبلَ ضربِ الحِجابِ، مع ما في النَّظرِ إلى السُّودانِ ممّا تَقْتحِمُهُ العُيُونُ (٧)، وليسَ الصَّبايا كالنِّساءِ في مَعرِفةِ ما هُنالِكَ من أمرِ الرِّجالِ.

стр. 6572

حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا مُعلَّى، قال: حدَّثنا ليثُ بن سعدٍ، عن أبي الزُّبيرِ، قال: سألتُ عبد الحميدِ بن عبدِ الله بن أبي عَمرِو بن حَفْصٍ عن طلاقِ جَدِّهِ فاطِمةَ بنت قيسٍ، فقال عبدُ الحميدِ: طلَّقها البتّة، ثُمَّ خرجَ إلى اليَمنِ، ووكَّل بها عيّاش بن أبي رَبِيعةَ، فأرسَلَ إليها عيّاشٌ ببعضِ النَّفقةِ، فسَخِطتها، فقال لها عيّاش: ما لكِ علينا من نَفقةٍ ولا مَسْكنٍ، وهذا رسُولُ الله ﷺ فسَلِيهِ، فسألَتْ رسُول الله ﷺ عمّا قال، فقال: "ليسَ لكِ نَفَقةٌ ولا مَسْكنٌ، ولكِن مَتاعٌ بالمعرُوفِ، اخرُجِي عَنْهُم". فقالت: أخرُجُ إلى بَيْتِ أُمِّ شرِيكٍ، فقال: "إنَّ بيتها يُوطَأُ، فانتقِلي إلى بيتِ عبدِ الله بن أُمِّ مكتُوم الأعمى، فهُو أقلُّ واطِئةً، وأنتِ تَضعِينَ ثِيابكِ عِندَهُ". فانتقلَتْ إليه، حتَّى حلَّت، فخَطَبها مُعاويةُ بن أبي سُفيان، وأبو جَهْم بن حُذيفةَ، فذَكَرت ذلك لرسُولِ الله ﷺ ، فقال: "أمّا مُعاويةُ، فغُلامٌ من غِلمانِ قُريشٍ لا يَملِكُ شيئًا، وأمّا أبو جَهْم فإنِّي أخافُ عليكِ عَصاهُ، ولكِن إن شِئتِ دَللتُكِ على رجُلٍ: أُسامَةَ بن زيدٍ". قالت: نعم يا رسُولَ الله، فزوَّجها أُسامَةَ بن زيدٍ (١). ففي حديثِ مالكٍ، في أُمِّ شرِيكٍ: "تلك امرأةٌ يَغْشاها أصحابِي". وفي حديثِ مُجالدٍ، عن الشَّعبِيِّ: "تلك امرأةٌ يُتحدَّثُ عِندها". وفي حديثِ أبي بكر بن أبي الجهم، وقد مضى ذِكر: "إنَّ بيت أُمِّ شرِيكٍ يُغْشَى". وفي حديثِ أبي الزُّبيرِ: "إنَّ بيتها يُوطَأُ". وفي هذا كلِّهِ دليلٌ على أنَّ القومَ إنَّما كانُوا يتحدَّثُونَ بالمعاني، وإيّاها كانُوا يُراعُونَ.

стр. 6573

وفيما ذكَرْنا دليلٌ على ما وصَفْنا من جَوازِ غشيانِ النِّساءِ الصّالحِاتِ المُتجالّاتِ في بُيُوتِهِنَّ، والحديثِ معهُنَّ. وأمّا قولُهُ: إنَّ مُعاويةَ وأبا جهم خَطَباني، ثُمَّ خِطْبةُ رسُولِ الله ﷺ إيّاها لأُسامَةَ بن زيدٍ، حِين أخبَرتهُ أنَّ مُعاويةَ وأبا جَهْم خَطَباها. ففيه دليلٌ على أنَّهُ لا بأسَ أن يخطُب الرَّجُلُ على خِطْبةِ أخِيهِ، ما لم يُركَن (١) إليه، على ما قال مالكٌ وغيرُهُ، ممّا قد ذكَرْناهُ في بابِ محمدِ بن يحيى بن حَبّان وغيرِهِ، من كِتابِنا هذا. واتَّفق جُمهُورُ الفُقهاءِ، على أنَّهُ إذا رُكِنَ إلى الخاطِبِ الأوَّلِ، لم يجُز أن يخطُبَ أحَدٌ على خِطْبتِهِ. وقال بعضُ أصحابِ الشّافِعيِّ: يجُوزُ على حَدِيثِ فاطِمةَ هذا. وهذا ليسَ بشيءٍ؛ لأنَّهُ يجعلُ الأحادِيث مُتعارضةً (٢)، وإذا حُمِلت على ما قالَ الفُقهاءُ لم تَتَعارض. وقد مَضَى الحُكمُ فيمَنْ خطَبَ على خِطبةِ أخِيهِ، في بابِ محمدِ بن يحيى بن حَبان. ومِثلُ خِطْبةِ رسُولِ الله ﷺ لأُسامةَ بن زيدٍ على خِطْبةِ مُعاويةَ وأبي جَهْم، ما ذكَرهُ ابنُ وَهْبٍ، عن ابنِ لِهيعةَ وغيرِهِ، عن عُبيدِ الله بن المُغِير، أنَّهُ سمِعَ الحارِث بن سُفيانَ الأسدِيَّ يُحدِّثُ، عن الحارِثِ بن سَعْدِ بن أبي ذُبابٍ (٣): أنَّ عُمر بن الخطّابِ خطَبَ امرأةً على جرِيرٍ البجلِيِّ، وعلى مروانَ بن الحكم، وعلى عبدِ الله بن عُمرَ، فدخلَ على المرأةِ وهي جالِسةٌ في قُبَّتِها عليها سِترٌ، فقال عُمرُ: إنَّ جرِيرًا البجلِيَّ يخطُبُ، وهُو سيِّدُ أهلِ المشرِقِ، ومروانُ يخطُبُ، وهُو

стр. 6574

سيِّدُ شبابِ قُريشٍ، وعبدُ الله بن عُمرَ، وهُو من قد علِمتُم، وعُمرُ بن الخطّابِ، فكشَفَتِ المرأةُ عنها، فقالت: أجادٌّ أمِيرُ المُؤمِنِينَ؟ قال: نعم. قالت: فقد أُنكِحْتَ يا أمِيرَ المُؤمِنِينَ، أنْكِحُوهُ (١). وحدَّثنا سعِيدُ بن سيِّدٍ (٢)، قال: حدَّثنا يحيى بن قَطَن (٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زِيادٍ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن رُمح، قال: أخبرنا اللَّيثُ بن سعدٍ، عن عيّاشِ بن عبّاسٍ القِتْبانيِّ (٤)، عن بُكيرِ بن عبدِ الله بن الأشجِّ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ أَتَى أهل بيتٍ من الأزْدِ، وفتاتهم في خِدْرِها قرِيبًا منهُ، فقال: إنَّ مروانَ بن الحكم يخطُبُ إليكُمُ ابنتكُم، وهُو سيِّدُ شبابِ قُرَيشٍ، وإنَّ جرِير بَجِيلةَ (٥) يخطُبُ إليكُمُ ابنتكُم، وهُو سيِّدُ أهلِ المشرِقِ، وإنَّ أمِيرَ المُؤمِنين يخطُبُ إليكُمُ ابنتكُم. يُرِيدُ نفسهُ، فأجابتهُ الفَتاةُ من خِدْرِها فقالت: أجادٌّ أمِيرُ المُؤمِنينَ؟ فقال: نعم. قالت: زوِّجُوا أمِيرَ المُؤمِنين، فزَوَّجُوهُ، فولدَتْ منهُ (٦). وأمّا قولُهُ: "أمّا مُعاويةُ فصُعلُوكٌ لا مالَ لهُ، وأمّا أبو جَهْم فلا يَضَعُ عَصاهُ عن عاتِقِهِ". ففيه دليلٌ على أنَّ قولَ الإنسانِ في غيرِهِ ما فيه، إذا سُئلَ عنهُ عِندَ الخِطْبةِ جائزٌ، وأنَّ إظهارَ ما هُو عليه من عَيْبٍ فيه (٧)، صوابٌ لا بأس به،

стр. 6575

وليسَ من بابِ الغيبةِ في شيءٍ، وهُو يُعارِضُ قولهُ: "إذا قُلتَ في أخِيكَ ما فيه فقدِ اغْتَبتهُ" (١). وقد أجمعُوا على أَنَّهُ جائزٌ تَبيِينُ حالِ الشّاهِدِ، إذا سألَ عنهُ الحاكِمُ، وتبينُ حالِ ناقِلِ الحديثِ، وتبينُ حالِ الخاطِبِ إذا سُئلَ عنهُ. وفي ذلك أوضَحُ الدَّلائلِ على أنَّ حديث الغِيبةِ ليسَ على عُمُومِهِ، وقد قيل: إنَّ الغيبةَ إنَّما هي أن تَصِفهُ على جِهَةِ العَيْبِ لهُ بما في خِلْقتِهِ، من دَمامةٍ، وسُوءِ خَلْقٍ، وقِصَرٍ (٢)، أو عَوَرٍ (٣) أو عَمَشٍ، أو عَرَج، ونحوِ ذلك (٤)، وأمّا أن تذُمَّهُ بما فيه من أفعالِهِ، فليسَ ذلك غيبةً. وهذا عِندِي ليسَ بالقوِيِّ، والذي عليه مَدارُ هذا المعنى، أنَّ منِ استُشِيرَ، لَزِمهُ القولُ بالحقِّ، وأداءُ النَّصِيحةِ، وليسَ ذلك من بابِ الغِيبةِ؛ لأنَّهُ لم يَقْصِد بذلك إلى لذَّةٍ (٥)، ولا إلى شِفاءِ غيظٍ، ولا أذًى، ويكونُ حديثُ الغِيبةِ مُرتَّبًا على هذا المعنى. وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على استِشارةِ ذَوِي الرَّأيِ، وأنَّهُ جائزٌ أن يَسْتشِيرَ الرَّجُلُ من يَرْضَى رأيه ودِينهُ (٦) في امرأتينِ يُسمِّيهِما لهُ، أيَّتهُما يتزوَّجُ؟ وكذلك للمَرْأةِ في رجُلينِ أيَّهُما تَتَزوَّجُ؟

стр. 6576

وفيه: أنَّ للمُسْتشارِ أن يُشِيرَ بغيرِ منِ استُشِيرَ فيه؛ لأنَّهُ أشارَ ﷺ بأُسامَةَ (١)، ولم تذكُر لهُ إلّا أبا جَهْم ومُعاويةَ (٢). وفي قولِهِ ﷺ : "أمّا مُعاويةُ فصُعلُوك لا مالَ لهٌ، وأمّا أبو جَهْم فلا يضعُ عَصاهُ عن عاتِقِهِ". دليلٌ على جَوازِ الإغياءِ (٣) في الصِّفةِ، وأنَّ المُغيِّي لا يَلْحقُهُ كذِبٌ، إذا لم يَقْصِد قصدَ الكذِبِ، وإنَّما قصدَ الإبلاع في الوَصْفِ. ألا تَرَى أنَّ مُعاويةَ قد ملكَ ثوبهُ، وغير ذلك، وهُو مالٌ، وفي غيرِ حديثِ مالكٍ: "لا يَمْلِكُ شيئًا" (٤). وكذلك قولُهُ: "لا يَضَعُ عَصاهُ عن عاتِقِهِ". ومعلُومٌ أَنَّهُ كان يُصلِّي، وينامُ، ويأكلُ، ويشربُ، وَيشْتغِلُ بأشياءَ كثِير غيرِ ضَرْبِ النِّساءِ (٥)، ولكِنَّهُ لمّا كان يُكِثرُ ضربَ النِّساءِ، نسَبَهُ إلى ذلك، على ما قالتِ الحُكماءُ: من أكثرَ من شيءٍ، عُرف به، ونُسِب إليه. ولم يُرِد بذِكرِ العَصا هاهُنا، العصا التي يُضرَبُ بها، وإنَّما أرادَ الأدب (٦) باللِّسانِ واليَدِ وبما يحسُنُ الأدبُ بمِثلِهِ، يصنعُ في أهلِهِ كما يَصْنعُ الوالي في رَعِيَّتِهِ. وقد رُوِي عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال لرجُلٍ أوْصاهُ: "ولا تَرْفَعْ عصاكَ عن أهلِكَ، وأخِفهُم في الله" (٧). رُوِي هذا من حديثِ المِصرِيِّين (٨)، عن عُبادةَ بن

стр. 6577

الصّامِتِ، فيما أوصاهُ به رسُولُ الله ﷺ ، وبعضُهُم يقولُ فيهِ: "لا تضَعْ عصاكَ عن أهلِكَ، وأنصِفْهُم من نفسِكَ". وقال ﷺ : "علِّق سَوْطكَ حيثُ يراهُ أهلُكَ" (١). وفي هذا كلِّهِ ما يُوضِّحُ لكَ أنَّ للرَّجُلِ ضَرْبَ نِسائهِ فيما يُصلِحُهُم، وتَصْلُحُ به حالُهُ وحالُهُم مَعهُ. كما لهُ أن يضرِبَ امرأتهُ عِندَ امتِناعِها عليه ونُشُوزِها، ضربًا غيرَ مُبرِّح. وقد رُوِي عن الحسنِ وقتادةَ: أنَّ رجُلًا ضربَ امرأتهُ وجرَحَها، فأتوُا النَّبيَّ ﷺ يطلُبُونَ القِصاصَ، فأنزلَ الله تعالى ذكرُه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآيةَ (٢) [النساء: ٣٤]. فمعنى العَصا في هذينِ الحديثينِ، الإخافَةُ والشِّدَّةُ بكلِّ ما يَتَهيَّأُ ويُمكِنُ، ممّا يجمُلُ ويحسُنُ من الأدبِ، فيما يجِبُ الأدبُ فيهِ. وقد قال بعضُ أصحابِنا: إنَّ فيه إباحَةَ ضربِ الرَّجُلِ امرأتُهُ ضربًا كثِيرًا؛ لأنَّهُ قصدَ به قصدَ العَيْبِ لهُ، والضَّربُ القليلُ ليسَ بعَيْبٍ، لأنَّ الله قد أباحَهُ. قال: ولمّا لم يُغيِّر رسُولُ الله ﷺ على أبي جَهْم ما كانَ عليه من ذلك، كان في طرِيقِ الإباحَةِ. وفيما قال من ذلك، واللّهُ أعلمُ، نظرٌ. قال (٣) ابنُ وَهْبٍ: ذمُّهُ لذلك، دليلٌ على أنَّهُ لا يجُوزُ فِعلُهُ. ومن هذا قالتِ العربُ: فُلانٌ ليِّنُ العَصا، وفُلانٌ شدِيدُ العَصا. يقولُونَ ذلك في الوالي وما أشْبَههُ.

стр. 6578

وقال الشاعرُ (١): ضعيف العصا نامي العروقِ يُرى لهُ ... عليها إذا ما أجْدبَ الناسُ أصنُعا يعني: أمرًا حسنًا. وقال الشّاعِرُ (٢): لِذي الحِلْم قبلَ اليوم ما تُقرَعُ العَصا ... وما عُلِّم الإنسانُ إلَّا ليَعْلَما وقال معنُ بن أوسٍ (٣)، يصِفُ راعِيَ إبِلِه: عليها شرِيبٌ (٤) وادِعٌ ليِّنُ العَصا ... يُساجِلُها عمّا بهِ (٥) وتُساجلُهْ (٦) وقال أبو النَّجم في ضدِّ هذا يصِفُ إبلَه ويذكُرُ سِمْنَها: لا يَرْعَها ليلًا ولا ضُحاها ... صُلبُ العصا بالضَّربِ قد رَباها (٧) قد احتوَتْه الإبْلُ واحتواها ... إذا أرادت رَشَدًا أغواها (٨) والعربُ تُسمِّي الطّاعةَ، والأُلفةَ، والجماعةَ: العصا، ويقولُون: عَصا الإسلام. وعصا السُّلطانِ.

стр. 6579

ومن هذا قولُ الشّاعِرِ (١): إذا كانتِ الهيجاءُ وانشقَّتِ العَصا ... فحَسْبُك والضَّحّاكُ سيفٌ مُهنَّدُ ومنهُ قولُ صِلةَ بن أَشْيَم: إيّاكَ وقتِيلَ العَصا. يقولُ: إيّاك أن تُقتلَ، أو تَقتُلَ قتِيلًا، إذا انشقَّتِ العَصا. والعربُ أيضًا تُسمِّي قَرارَ الظّاعِنِ عصًا، وقرارَ الأمرِ واستِواءَهُ عصًا، فإذا اسْتَغنَى المُسافِرُ عن الظَّعن، قالوا: قد ألقى عَصاهُ. قال الشّاعِرُ (٢): فألقَتْ عَصاها واستقرَّت بها النَّوى ... كما قرَّ عينًا بالإيابِ المُسافِرُ ورُوِي أنَّ عائشةَ تمثَّلت بهذا البيتِ حِين اجتَمعَ الأمرُ لمُعاويةَ، واللّه أعلمُ. وأمّا قولُهُ: "انكِحِي أُسامَةَ بن زيدٍ". قالت: فنكحتُهُ. ففي هذا جوازُ نِكاح المولى (٣) القُرَشِيّةَ، وأُسامةُ بن زيدِ بن حارِثةَ، مولى رسولِ الله ﷺ ، وهُو رجُلٌ من كَلْبٍ، وفاطِمةُ قُرشِيّةٌ فِهرِيَّةٌ، أُختُ الضَّحّاكِ بن قيسٍ الفِهرِيِّ. وهذا أقوى شيءٍ في نِكاح المولى العربِيّةَ والقُرشِيّةَ، ونِكاح العربِيِّ القُرشِيّةَ، وهذا مذهبُ مالكٍ، وعليه أكثرُ أهلِ المدِينةِ. روى ابنُ أبي أُوَيسٍ، عن مالكٍ، قال: لم أرَ أحدًا من أهلِ الفِقْهِ والفضلِ، ولم أسمع أَنَّهُ أنكرَ أن يتزوَّجَ العربُ في قُرَيشٍ، ولا أن تَتزوَّجَ الموالي في العَربِ وقُريشٍ،

стр. 6580

إذا كان كُفُؤًا في حالِهِ، ونحوَه (١) قال مالكٌ. وممّا يُبيِّنُ ذلك، أنَّ أبا حُذَيفةَ بن عُتبةَ بن ربِيعةَ، أنكحَ سالمًا فاطِمةَ (٢) بنتَ الولِيدِ بن عُتْبةَ (٣)، فلم يُنكَر ذلك عليه، ولم يَعِبهُ أحدٌ من أهلِ ذلك الزَّمانِ. قال أبو عُمر: قد كرِههُ قومٌ، وهذا الحديثُ حُجَّةٌ عَليهِم، قال الله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وقد رُوِي في بعضِ الحديثِ، أنَّهُم قالوا: أَنْكَحَها مولاهُ، فقالت فاطِمةُ: رضِيتُ بما رضِيَ لي به رسُولُ الله ﷺ . وفي حديثِ مالكٍ: فجعلَ الله فيه خيرًا، واغْتَبطتُ به. واختلفَ العُلماءُ في الأكفاءِ في النِّكاح، فجُملةُ مذهبِ مالكٍ وأصحابِهِ: أنَّ الكفاءَةَ عِندَهُم في الدِّينِ. وقال ابنُ القاسم عن مالكٍ: إذا أبي والِدُ الثَّيِّبِ أن يُزوِّجها رجُلًا دُونهُ في النَّسبِ والشَّرفِ، إلّا أنَّهُ كُفُؤٌ في الدِّينِ، فإنَّ السُّلطان يُزوِّجُها، ولا ينظُرُ إلى قولِ الأبِ والولِيِّ من كانَ، إذا رَضِيت به، وكان كُفُؤًا في ديِنِهِ. ولم أسمع منهُ في قِلَّةِ المالِ شيئًا. قال مالكٌ: تزوِيجُ المولى العربِيَّةَ حلالٌ في كِتابِ الله ، قولِهِ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ الآيةَ [الحجرات: ١٣]. وقولِهِ: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]. واعتبرَ أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ الكفاءَةَ في النِّكاح، من جِهةِ النَّسبِ، والمالِ، والصِّناعاتِ. وهُو قولُ الثَّورِيِّ، والحسنِ بن حيٍّ.

стр. 6581

قال أبو حنِيفةَ: قُريشٌ أكفاءٌ، والعربُ أكفاءٌ، ومن كان لهُ أبوانِ في الإسلام أكفاءٌ، ولا يكونُ كُفُؤًا من لا يجدُ المهرَ والنَّفقةَ. وقال أبو يُوسُف: وسائرُ النّاسِ على أعمالِهِم، فالقصّارُ (١) لا يكونُ كُفُؤًا لغير من التُّجّارِ، وهُم يتفاضلُونَ بالأعمالِ، فلا يجُوزُ إلّا الأمثالُ. قال: وتَعذُّرُ المهرِ والنَّفقةِ، لا يَمنعُ من الكفاءَةِ، والعَبدُ ليسَ بكُفءٍ لأحَدٍ. وكان أبو الحسنِ الكرخِيُّ من بينِ سائرِ أصحابِ أبي حنِيفةَ يُخالِفُ أصحابهُ في الكفاءَةِ، ويقولُ: الكفاءَةُ في الأنفُسِ كالقِصاصِ. وسائرُ أصحابِهِ يعتبِرُونَ الكفاءَةَ في المهرِ والنَّفقةِ. وقال (٢) الشّافِعيُّ (٣): ليسَ نِكاحُ غيرِ الكُفءِ مُحرَّمًا، فأرُدُّهُ بكلِّ حال، إنَّما هُو تَقصِيرٌ بالمُتزوِّجةِ والوُلاةِ، فإن رضِيَتْ ورضُوا جاز. قال: وليسَ نقصُ المهرِ نَقْصًا في النَّسبِ، والمهرُ لها دُونهُم، فهي أولى به منهُم، كالنَّفقةِ لها أن تَترُكها مَتى شاءَت. قال: وإذا اختلَفَ الوُلاةُ فزوَّجها بإذنِها أحدُهُم كُفئًا جازَ، وإن كان غيرَ كُفءٍ، لم يَثبُت إلّا باجتِماعِهِم، قبلَ نِكاحِهِ، فيكونُ حقًّا لهم تَرَكُوهُ (٤). قال أبو عُمر: الكفاءَةُ عِندَ الشّافِعيِّ وأصحابِهِ: النَّسبُ والحالُ، وأفضلُ الحالِ عِندهُمُ الدِّينُ، والحالُ اسمٌ جامِعٌ لمعانٍ كثِيرةٍ، مِنها: الكرمُ، والمُرُوءَةُ، والمالُ، والصِّناعةُ، والدِّينُ، وهُو أرفَعُها.

стр. 6582

روى مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعِيدٍ، أنَّ عُمر بن الخطّابِ قال: كرَمُ المُؤمِنِ تقواهُ، وحسَبُه دِينُه، ومُرُوءَتُهُ خُلُقُهُ. وحدَّثني خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو بكرِ (٢) محمدِ بن عُبيدِ الله بن أحمد الصَّيدلانِيُّ، قال: أنشدَنا أبو الحسنِ عليُّ بن سُليمان بن الفضلِ الأخفشُ لبعضِ المُتقدِّمِينَ (٣): إنِّي رأيتُ الفَتَى الكرِيم إذا ... رَغَّبتهُ في صَنِيعةٍ رَغِبا ولم أجِد عُرْوَةَ الخلائقِ إلّا ... الدِّين لما اختبرتُ والحَسَبا قال أبو عُمر: رُوِي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "أنكِحُوا إلى الأكفاءِ، وإيّاكُم والزَّنج، فإنَّهُ خَلْقٌ مُشوَّهٌ". وهذا الحديثُ مُنكرٌ باطِلٌ لا أصلَ لهُ، رواهُ داودُ بن المُحبَّرِ (٤)، عن أبي أُميَّةَ بن يعلى الثَّقفِيِّ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ (٥). وداودُ هذا، وأبو أُميَّةَ بن يعلى الثقَفيُّ مترُوكانِ، والحديثُ ضعِيفٌ مُنكرٌ. وكذلك حديثُ مُبشِّرٍ، عن الحجّاج بن أرطأةَ، عن عطاء (٦) عن جابرٍ،

стр. 6583

عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "لا تُنكِحُوا النِّساءَ إلّا الأكفاءَ" (١). حديثٌ ضعِيفٌ لا يُحتجُّ بمِثلِهِ، ولا أصلَ لهُ. وكذلك حديثُ بقِيَّةَ، عن زُرعةَ، عن عِمرانَ بن [أبي] (٢) الفَضْلِ، عن نافِع، عن ابنِ عُمر، عن رسُولِ الله ﷺ ، أنَّهُ قال: "العربُ أكفاءٌ بعضُها لبعضٍ، قبِيلة لقبِيلةٍ، وحيٌّ لحيٍّ، ورجُلٌ لرجُل، إلّا حائكٌ أو حجّامٌ" (٣). حديثٌ مُنكرٌ موضُوعٌ. وقد رُوِي من حديثِ ابنِ جُريج، عن ابنِ أبي مُليكةَ، عن ابنِ عُمر مرفُوعًا، مِثلُهُ (٤). ولا يصِحُّ أيضًا عن ابنِ جُريج، واللّه أعلمُ. وأحسنُ من هذه الأسانِيدِ، ما رواهُ حمّادُ بن سلَمةَ وغيرُهُ، عن محمدِ بن عَمرِو بن علقَمةَ، عن أبي سلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "يا بني بَياضةَ، أنكِحُوا أبا هِنْدٍ، وأنكِحُوا إليهِ" (٥).

стр. 6584

وأبو هِندٍ مولًى، وبنو بياضةَ: فَخِذٌ من العربِ في الأنصارِ (١). وقد قال ﷺ : "إذا جاءَكُم من ترضونَ دِينهُ وخُلُقهُ فزوِّجُوهُ، إن لم تَفعلُوا تَكُن فِتنةٌ في الأرضِ وفَسادٌ كبِيرٌ" (٢). ولم يخُصَّ عربِيًّا من مولًى، وحَمْلُهُ على العُمُوم أولى. وقدِ احتجَّ من لم يُجِز نِكاحَ المولى العربِيّةَ، بحديثِ شعبةَ، عن أبي إسحاقَ، عن أوسِ بن ضَمْعج، عن سلمانَ، أنَّهُ قال: لا نؤُمُّكُم في الصَّلاةِ، ولا نتزوَّجُ نِساءَكُم (٣). يعني العرب. قالوا: ومِثلُ هذا لا يقولُهُ سَلْمانُ من رأيِهِ. قال أبو عُمر: أصحُّ شيءٍ في هذا البابِ: حديثُ مالكٍ وغيرِهِ في قِصَّةِ فاطِمةَ بنتِ قيسٍ، ونِكاحِها بإذنِ رسُولِ الله ﷺ أُسامَةَ بن زيدٍ، وهُو ممَّن قد جَرَى على أبيهِ السِّباءُ والعِتقُ. حدَّثنا خلفُ بن القاسم الحافِظُ، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلُ بن يحيى بن مَهدِيٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعفرِ بن راشِدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدِينيِّ، قال: حدَّثنا زيدُ بن حُبابٍ (٤)، قال: حدَّثنا حُسينُ بن واقِدٍ، قال: حدَّثني عبدُ الله بن بريدةَ، عن أبيهِ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ أحسابَ أهلِ الدُّنيا التي تذهبُونَ إليها: هذا المالُ" (٥). وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا

стр. 6585

زيدُ بن الحُبابِ، عن حُسَينِ بن واقِدٍ، عن ابنِ بُريدةَ، عن أبيهِ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ أحسابَ أهلِ الدُّنيا التي تذهبُونَ إليها، لهذا (١) المالُ" (٢). وحدَّثنا خلفُ بن القاسم بن سهل، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلُ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرِ (٣) بن حَفْصِ بن راشِدٍ الإمام، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدِينيِّ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا سلّامُ بن أبي مُطِيع، قال: حدَّثنا قتادةُ، [عن الحَسنِ] (٤)، عن سَمُرةَ بن جُندبٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "الحسبُ: المالُ، والكرمُ: التَّقوى" (٥).

стр. 6586

أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (١). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قالا: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثني عُبيدُ الله بن عُمرَ، قال: حدَّثني سعِيدُ بن أبي سعِيدٍ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "تُنكحُ المرأةُ لأربع: لمالِها، ولحسَبِها، ولجَمالهِا، ولدِينِها، فاظفر بذاتِ الدِّينِ، ترِبتَ يداكَ". وحدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابِيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدانُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن يُوسُف الأزرقُ، عن عبدِ الملكِ، عن عَطاءٍ، عن جابرٍ: أنَّهُ تَزوَّج امرأةً على عَهدِ رسُول الله ﷺ ، فلقِيَ النَّبيَّ ﷺ ، فقال لهُ: "يا جابرُ تزوَّجَتَ؟ " قال: نعم. قال: "أبِكر أم ثيِّبٌ"؟ قال: بل ثيِّبٌ. قال: "أفلا بكرًا تُلاعِبُها؟ " قال: يا رسُول الله كان لي أخواتٌ، فخَشِيتُ أن يُدْخَلَ بيني وبينهُنَّ، قال: فقال: "فذاك إذَنْ، إنَّ المرأةَ تُنكَحُ على (٢) دِينِها، ومالِها، وجمالِها، فعليكَ بذاتِ الدِّينِ، ترِبتَ يداكَ" (٣). قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ أنَّ الحسَبَ غيرُ المالِ، ألا تَرَى أنَّهُ فصَلَ

стр. 6587

بينهُما بالواوِ الفاصِلةِ، كما فصلَ بين الجمالِ والدِّينِ، وهو (١) أصحُّ إسنادًا من حديثِ بُريدةَ، وحديثِ سمُرةَ. وقد يحتَمِلُ أن يكونَ معنى (٢) حديثِ بُريدةَ خرجَ على الذَّمِّ لأهلِ الدُّنيا، والخَبرِ عن حالِ أهلِها في الأغلبِ، واللّه أعلمُ. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن نُمَيرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يزِيدَ، قال: حدَّثنا حَيْوةُ، قال: حدَّثنا شُرَحبِيلُ بن شَرِيكٍ، أَنَّهُ سمِعَ أبا عبدِ الرَّحمنِ الحُبُليَّ (٣) يُحدِّثُ، عن عبدِ الله بن عَمرٍو، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "الدُّنيا متاعٌ، وخيرُ متاع الدُّنيا المرأةُ الصّالحِةُ" (٤). حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ الصّائغُ (٥)، قال: حدَّثنا يحيى بن يَعْلَى بن الحارِثِ المُحارِبِيُّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا غَيْلانُ بن جامِع، عن عُثمان أبي اليَقْظانِ (٦)، عن جعفرِ بن إياسٍ، عن مُجاهِدٍ، عن ابنِ عبّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "ألا أُخبِرُكَ

стр. 6588

بخيرِ ما يكنِزُ المرءُ: المرأةُ الصّالحِةُ، إذا نظَرَ إليها سرَّتهُ، وإذا أمَرَها أطاعَتهُ، وإذا غابَ عنها حَفِظتهُ" (١). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن ابنِ عَجْلانَ، عن سَعِيدٍ المقبُرِيِّ، عن أبي هريرةَ قال: قيل يا رسُولَ الله: أيُّ النِّساءِ خيرٌ؟ قال: "التي تسُرُّهُ إذا نظَر، وتُطِيعُهُ إذا أمر، ولا تُخَالِفُهُ في نَفسِها، ولا في مالِهِ بما يَكْرهُ" (٢). قال أبو عُمر: هذه الآثارُ تدُلُّ على أنَّ الكفاءَةَ في الدِّينِ أولى ما اعتُبِر واعتُمِدَ عليه، وباللّه التَّوفِيقُ. ورُوِي (٣) من حديثِ هُشَيم، عن مُجالِدٍ، عن الشَّعبِيِّ، عن ابنِ عبّاسٍ. ومن حديثِ النَّضرِ (٤) بن شُمَيل، عن عوفٍ، عن الحَسنِ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا تزوَّجَ الرَّجُلُ المرأةَ لدِنِيها وجمالِها، كان ذلك سِدادًا من عَوَزٍ" (٥). قال النَّضرُ بن شمَيلٍ: السِّدادُ بالكسرِ: البُلْغةُ، وكذلك ما سُدَّ به الشَّيءُ، والسَّدادُ بالفَتح: القَصْدُ (٦).

стр. 6589

حديثٌ رابعٌ لعبدِ الله بن يزِيد شَرِكهُ فيه أبو النَّضرِ مالكٌ (١)، عن عبدِ الله بن يزِيد وأبي النَّضرِ، عن أبي سلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يُصلِّي جالِسًا، فيَقْرأُ وهُو جالِسٌ، فإذا بَقِيَ من قِراءتِهِ قَدْرُ ما يكونُ ثلاثينَ آيةً أو أربعينَ آيةً، قامَ فقرأ وهُو قائمٌ، ثُمَّ ركَعَ، ثُمَّ سجَدَ، ثُمَّ يفعلُ في الرَّكعةِ الثّانيةِ مِثلَ ذلك. في هذا الحديثِ: إباحَةُ صلاةِ النّافِلةِ جالِسًا. وجَوازُ (٢) أن يكون المُصلِّي في بَعضِها قائمًا، وفي بعضِها جالِسًا، وجائزٌ أنَّ يَفتتِحَها جالِسًا ثُمَّ يقُوم، على ما في هذا الحديثِ (٣)، وجائزٌ أن يفتتِحها قائمًا، ثُمَّ يجلِس، كلُّ ذلك مُباحٌ. والصَّلاةُ عملُ برٍّ، وقد وردَتِ الشَّرِيعةُ بإباحةِ الجُلُوسِ في صلاةِ النّافِلةِ، وذلك إجماع تَنقُلهُ الخاصَّةُ والعامَّةُ منَ العُلماء (٤)، غيرَ أنَّ أجْرَ (٥) المُصلِّي فيها جالِسًا على مِثلِ نِصفِ أجرِ المُصلِّي قائمًا. وقد مَضَى هذا المعنى مُجوَّدًا فيما تقدَّمَ من هذا الكِتابِ، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهُنا، وسيأتي في بابِ سالم أبي النَّضْر الكلامُ على إسنادِ هذا الحديثِ وَوَهم يحيى فيه (٦).

стр. 6590

حديثٌ خامِسٌ لعبدِ الله بن يزِيد مولى الأسودِ بن سُفيانَ مالكٌ (١)، عن عبدِ الله بن يزِيد، أنَّ زيدًا أبا عيّاشٍ أخبَرهُ، أَنَّهُ سألَ سعد بن أبي وقّاصٍ عن البَيْضاءِ بالسُّلْتِ (٢)؟ فقال لهُ سعدٌ: أيَّتُهُما أفضلُ؟ قال: البيضاءُ. فنَهاهُ عن ذلك، وقال سعدٌ: سَمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يُسأل عن اشْتِراءِ التَّمرِ بالرُّطبِ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "أَيْنْقُصُ الرُّطبُ إذا يبِسَ؟ " فقالوا: نعم، فَنَهَى عن ذلك. قال مالكٌ: كلُّ رَطْبٍ بيابِسٍ من نَوعِهِ حرامٌ. هكذا قال يحيى، عن مالكٍ، عن عبدِ الله بن يزِيدَ، أنَّ زيدًا أبا عيّاشٍ أخبرهُ. لم يَقُل: عن عبدِ الله بن يَزِيد مولى الأسودِ بن سُفيانَ. وتابَعهُ على ذلك جماعةٌ من (٣) الرُّواةِ، منهُمُ: ابنُ القاسم، وابنُ وَهْبٍ، والقعنبِيُّ (٤)، وابنُ بُكيرٍ وغيرُهُم، كلُّهُم رَوَى هذا الحديث كما رواهُ يحيى سواءً، ولم يَذكُر واحِدٌ منهُم: مولى الأسودِ بن سُفيانَ. ولم يَزِد على قولِهِ: عبدُ الله بن يزِيد. وقد تَوهَّمَ بعضُ النّاسِ، أنَّ عبدَ الله بن يزِيد هذا ليسَ بمولى الأسودِ بن سُفيانَ، وإنَّما هُو عبدُ الله بن يزِيدَ بن هُرمُز الفارسي (٥) الفقِيهُ. قال: ولو كانَ مولى الأسودِ بن سُفيانَ، لقالهُ مالكٌ في "موطئه" في الحديثِ، كما قالهُ في جميع "مُوطَّئهِ" غير هذا الحديثِ، فيما رواهُ عن عبدِ الله بن يزِيد مولى الأسودِ بن سُفيانَ. قال أبو عُمر: ليسَ كما ظنَّ هذا القائلُ، ولم يَروِ مالكٌ عن عبدِ الله بن يزِيد بن

стр. 6591

هُرمُز في "مُوطَّئهِ" حديثًا مُسندًا، وهذا الحديثُ لعبدِ الله بن يزِيد مولى الأسودِ بن سُفيانَ محفُوظٌ، وقد نسبهُ (١) جماعةٌ عن مالكٍ، منهُمُ: الشّافِعيُّ، وأبو مُصعبٍ (٢). حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: أخبرني الميمُونُ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا الطَّحاوِيُّ، قال (٣): حدَّثنا المُزنِيُّ، قال: حدَّثنا الشّافِعيُّ (٤)، عن مالكِ بن أنَسٍ، عن عبدِ الله بن يزِيد مولى الأسودِ بن سُفيانَ، أنَّ زيدًا أبا عيّاشٍ أخبَرهُ، أَنَّهُ سألَ سَعْد بن أبي وقّاصٍ عن البَيْضاءِ بالسُّلتِ، فقال: أيَّتُهُما أفضلُ؟ فقالوا: البَيْضاءُ. فنَهَى عن ذلك، وقال: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يُسألُ عن شِراءِ التَّمرِ بالرُّطبِ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "أينقُصُ الرُّطَبُ إذا يبِسَ؟ " فقالوا: نعم. فنَهَى عن ذلك. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ بن إسحاق الرّازِيُّ، قال: حدَّثنا روحُ بن الفَرَج بن عبدِ الرَّحمنِ القَطّانُ، قال: حدَّثنا يُوسُفُ بن عدِيٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحِيم بن سُليمانَ، عن مالكِ بن أَنَسٍ، عن عبدِ الله بن يزِيد مولى الأسودِ بن سُفيانَ، قال: أخبَرنا زيدٌ أبو عيّاشٍ مولى سَعْدِ بن أبي وقّاص، عن سعدِ بن أبي وقّاصٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ سُئلَ عن الرُّطبِ بالتَّمرِ، فقال: "هل ينقُصُ الرُّطَبُ إذا يبِسَ؟ " قالوا: نَعَمْ. فنَهَى عنهُ (٥). ففي هذا الحديثِ أيضًا: مولى الأسودِ بن سُفيانَ. وقد رَوى هذا الحديث أُسامةُ بن زيدٍ وغيرُهُ، عن عبدِ الله بن يزِيد مولى الأسودِ بن سُفيانَ.

стр. 6592

فثبتَ بهذا كلِّهِ ما قُلنا، دُون ما ظنَّ القائلُ ما ذكَرْنا، إلّا أنَّ أُسامةَ بن زيدٍ خالَف مالكًا في إسنادِ هذا الحديثِ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بن شُعَيبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني أُسامةُ بن زيدٍ وغيرُهُ، عن عبدِ الله بن يزِيد مولى الأسودِ بن سُفيانَ، عن أبي سلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن بَعضِ أصحابِ رسُولِ الله ﷺ ، أنَّ رسولَ الله سُئلَ عن رُطبٍ بتَمرٍ، فقال: "أينقُصُ الرُّطبُ؟ " قالوا: نعم. فقال رسُولُ الله ﷺ : "لا يُباعُ الرَّطَبُ باليابِسِ". هكذا قال عبدُ الله بن صالح، عن اللَّيثِ، عن أُسامَةَ بن زيدٍ، عن عبدِ الله بن يزِيد مولى الأسودِ بن سُفيانَ، عن أبي سلَمة، عن رجُلٍ. وخالَفهُ ابنُ وَهْبٍ، فرواهُ عن أُسامةَ بمِثلِ إسنادِ مالكٍ، إلّا أنَّهُ قال: أبو عيّاشٍ، ولم يقُل: زيدٌ. وجدتُ في كِتابِ أبي ﵀، في أصلِ سماعِهِ: أنَّ محمد بن أحمد بن قاسم بن هِلالٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمانَ الأعناقِيُّ، قال: حدَّثنا نصرُ بن مرزُوقٍ، قال: أخبَرنا أسدُ بن موسى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني أُسامةُ بن زيدٍ، أنَّ عبد الله بن يزيد مولى الأسودِ بن سُفيانَ حدَّثهُ، قال: أخبَرني أبو عيّاشٍ، عن سَعْدٍ، أنَّهُ قال: ابتاعَ رَجُلٌ على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ مُدَّ رُطَبٍ بمُدِّ تمرٍ، فسُئلَ عن ذلك رسُولُ الله ﷺ ، فقال: "أرأيتَ الرُّطب إذا يبِسَ أينقُصُ؟ " قالوا: نعم يا رسُولَ الله، قال: "لا تَبايَعُوا التَّمر بالرُّطبِ" (١).

стр. 6593

وأمّا (١) زيدٌ أبو عيّاشٍ، فزعمَ بعضُ الفُقهاءِ أَنَّهُ مجهُولٌ لا يُعرفُ، ولم يأتِ لهُ ذِكرٌ إلّا في هذا الحديثِ، وأنَّهُ لم يروِ عنهُ إلّا عبدُ الله بن يزِيد هذا الحديث فقط. وقال غيرُهُ: قد رَوَى عنهُ أيضًا عِمرانُ بن أبي أنسٍ، فقال فيهِ: مولًى لبَني (٢) مخزُوم. وقيل عن مالكٍ: إنَّهُ مولى سعدِ بن أبي وقّاصٍ. وقيل: إنَّهُ زُرَقِيٌّ (٣). ولا يصِحُّ شيءٌ من ذلك، واللّه أعلمُ (٤). وقد رَوَى هذا الحديث إسماعيلُ بن أُميَّةَ، عن عبدِ الله بن يزِيد، عن أبي عيّاشٍ، عن سعدٍ (٥)، ولم يُسمِّ أبا عيّاشٍ بزَيدٍ (٦)، ولا بغيرِ زيد (٧). ورَوَى هذا الحديث يحيى بن أبي كثِيرٍ، عن عبدِ الله بن عيّاشٍ، عن سَعْدٍ، ويقولُون: إنَّ عبد الله بن عيّاشٍ هذا هُو أبو عيّاشٍ الذي قال فيه مالكٌ، عن عبدِ الله بن يزِيد، أنَّ زيدًا أبا عيّاشٍ أخبَرهُ. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبَرنا أبو داودَ، قال (٨): أخبَر نا الرَّبِيعُ بن نافِع أبو تَوْبةَ (٩)، قال: حدَّثنا مُعاويةُ، يعني ابن

стр. 6594

سلّام، عن يحيى بن أبي كثِيرٍ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن عيّاشٍ (١)، أَنَّهُ سمِعَ سعد بن أبي وقّاصٍ يقولُ: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن بيع الرُّطبِ بالتَّمرِ نَسِيئةً. قال أبو داودَ: رواهُ عِمرانُ بن أبي أنس (٢)، عن مولًى لبَني مخزُوم، عن سَعْدٍ نحوهُ. قال أبو عُمر: هكذا قال: نسِيئةً. والصَّوابُ عِندِي ما قالهُ مالكٌ، وقد وافقهُ إسماعيلُ بن أُميَّةَ على إسنادِهِ ولفظِهِ. وفي حديثِ أُسامةَ بن زيدٍ، وإن خالفهُما في الإسنادِ، ما يَعضُدُ المعنى الذي جاءَ به مالكٌ وإسماعيلُ بن أُميَّةَ (٣). وأمّا قولُ يحيى بن أبي كثِيرٍ في هذا الحديثِ: عبدُ الله بن عيّاشٍ. فخطأٌ لا شكَّ فيه، وإنَّما هُو أبو عيّاشٍ، واسمُهُ زيدٌ، وقد قال فيه ابنُ أبي عُمر العَدَنِيُّ، عن سُفيان بن عُيينةَ في "المُصنَّفِ": أخبرنا سُفيانُ، عن إسماعيل بن أُميَّةَ، عن عبدِ الله بن يزِيد، عن أبي عيّاشٍ الزُّرقِيِّ: أنَّ رجُلًا سألَ سعد بن أبي وقّاصٍ عن السُّلتِ بالشَّعِيرِ، فقال: تبايعَ رجُلانِ على عهدِ رسُولِ الله ﷺ بتمرٍ ورُطَبٍ، فقال رسُولِ الله ﷺ (٤): "هل ينقُصُ الرُّطبُ إذا يبِسَ؟ " فقالوا: نعم. فقال النَّبيُّ ﷺ : "فلا إذَنْ".

стр. 6595

هكذا قال ابنُ أبي عُمر، عن ابنِ عُيينةَ في هذا الحديثِ: عن أبي عيّاشٍ الزُّرقِيِّ. وأبو عيّاشٍ الزُّرقِيُّ لهُ صُحبةٌ، واسمُهُ زيدُ بن الصّامِتِ عِندَ أكثرِ أهلِ الحديثِ، وقد قيلَ غيرُ ذلك، على ما ذكرتُهُ في بابِهِ من كِتابِ "الصَّحابةِ" (١)، وعاش أبو عيّاشٍ الزُّرقِيُّ إلما أيام مُعاويةَ (٢). أخبرنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: أخبرنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل التِّرمِذِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن الزُّبيرِ الحُمَيديُّ، قال (٣): حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أُميَّةَ، عن عبدِ الله بن يزِيد، عن أبي عيّاشٍ، قال: تبايعَ رجُلانِ على عَهدِ سعدِ بن أبي وقّاصٍ بسُلتٍ وشعِيرٍ، فقال سعدٌ: تبايعَ رَجُلانِ على عهدِ رسُولِ الله ﷺ بتمرٍ ورُطبٍ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "أينقُصُ الرُّطبُ إذا يبِسَ؟ " قالوا: نعم. قال: "فلا إذَنْ". قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ تَفسِيرُ البيضاءِ المذكُور في حَدِيثِ مالكٍ: أنَّها الشَّعِيرُ. وهُو كذلك عِندَ أهلِ العِلم. ولم (٤) تختلِف نُسخُ "المُوطَّأ" في هذا اللَّفظِ. ورَوَى القَطّانُ هذا الحديث عن مالكٍ، فلم يذكُر ذلك فيه، وإنَّما اقتصَرَ على المرفُوع منهُ، دُون قِصَّةِ سعدٍ، وقد جَوَّد إسماعيل بن أمية في ذلك (٥).

стр. 6596

قال أبو عُمر: عبدُ الله بن يزِيد يقولُ في هذا الحديثِ: أخبرني زيدٌ أبو عيّاشٍ. ويحيى بن أبي كثير يقولُ: عبدُ الله بن عيّاشٍ. وإسماعيلُ بن أُميَّةَ لم يُسمِّهِ في حَدِيثهِ، ولا أُسامَةَ بن زيدٍ. ولا أدرِي إن كان عبدُ الله بن عيّاشٍ الذي روى عنهُ يحيى بن أبي كثِيرٍ، عن سعدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عن بيع الرُّطبِ بالتَّمرِ نسِيئةً. هُو أبو عيّاشٍ هذا، أم لا؟ حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ المكِّيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (١)، قالا جميعًا: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ القَعنبِيُّ، عن مالكٍ، عن عبدِ الله بن يزِيد، أنَّ زيدًا أبا عيّاشٍ أخبَرهُ، أَنَّهُ سألَ سعد بن أبي وقّاصٍ عن البَيْضاءِ بالسُّلتِ، فقال لهُ سعد: أيُّهُما أفضلُ؟ قال: البيضاءُ. قال: فنهاهُ عن ذلك، قال: وسمِعتُ رسُول الله ﷺ يُسألُ عن شِراءِ التَّمرِ بالرُّطبِ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "أينقُصُ الرُّطبُ إذا يبِسَ؟ " قالوا: نعم، فنهاهُ عن ذلك. قال أبو عُمر: أمّا البَيْضاءُ، فهِي الشَّعِيرُ، على ما ظهرَ وذُكر في هذا الحديثِ، من رِوايةِ إسماعيل بن أُميَّةَ، على ما تقدَّم ذِكرُهُ. وقد غلِطَ في ذلك وكِيعٌ في رِوايتِهِ لهذا الحديثِ، عن مالكٍ، فقال فيهِ: السُّلتُ بالذُّرةِ. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا وكِيعٌ، عن مالكِ بن

стр. 6597

أنسٍ، عن عبدِ الله بن يزِيد، عن زيدٍ أبي عيّاشٍ قال: سألتُ سعدًا عن السُّلتِ بالذُّرةِ فكرِههُ. وقال سعدٌ: سُئلَ رسُولُ الله ﷺ عن الرُّطبِ بالتَّمرِ، فقال: "أينقُصُ إذا جفَّ؟ " فقُلنا: نعم. فنَهَى عنهُ. وهذا غلطٌ، لأنَّ الذُّرةَ صِنفٌ واحدٌ (١) عِندَ مالكٍ غيرُ السُّلتِ، لم يُختَلف عنهُ في ذلك. أخبرنا أحمدُ بن محمدٍ وأحمدُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: ذكَرَ عليُّ بن زِيادٍ، عن مالكٍ، أنَّهُ قال: يعني سعدٌ بقولِهِ: أيَّتُهُما أفضلُ؟ يُرِيدُ أيَّتُهُما أكثرُ في الكيلِ، وليس أيَّتُهُما أفضلُ في الجَوْدةِ. وأخبرنا خلفُ بن القاسم وعبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله، قالا: حدَّثنا الحسنُ بن رشيقٍ، قال: حدثنا المُفضَّلُ (٢) بن محمدِ بن إبراهيم الجَنَدِيُّ أبو سعِيدٍ، عن أبي المُصعبِ قال: ومعنى أيَّتُهُما أفضلُ، يعني: أيَّتُهُما أكثرُ في الكَيلِ. وكذلك رواهُ ابنُ نافِع وأشهبُ، عن مالكٍ. قال أبو عُمر: ففي هذا الحديثِ من قولِ سَعْدٍ ما يَدُلُّ على أنَّ السُّلت والشَّعِير عِندَهُ صِنفٌ واحِدٌ، لا يجُوزُ التَّفاضُلُ بينهُما، ولا يجُوزانِ إلّا مِثلًا بمِثل، وكذلك القمحُ مَعهُما صِنفٌ واحِدٌ. وهذا مشهُورٌ معرُوفٌ من مَذهبِ سعدِ بن أبي وقّاصٍ، وإليه ذهَبَ (٣) مالكٌ وأصحابُهُ. ذكر مالكٌ في "المُوطَّأ" (٤) أنَّهُ بلغهُ أنَّ سُليمان بن يسارٍ قال: فَنِيَ علفُ
следующие страницы →