← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6593–6632 · переход к 6598.

стр. 6593

وأمّا (١) زيدٌ أبو عيّاشٍ، فزعمَ بعضُ الفُقهاءِ أَنَّهُ مجهُولٌ لا يُعرفُ، ولم يأتِ لهُ ذِكرٌ إلّا في هذا الحديثِ، وأنَّهُ لم يروِ عنهُ إلّا عبدُ الله بن يزِيد هذا الحديث فقط. وقال غيرُهُ: قد رَوَى عنهُ أيضًا عِمرانُ بن أبي أنسٍ، فقال فيهِ: مولًى لبَني (٢) مخزُوم. وقيل عن مالكٍ: إنَّهُ مولى سعدِ بن أبي وقّاصٍ. وقيل: إنَّهُ زُرَقِيٌّ (٣). ولا يصِحُّ شيءٌ من ذلك، واللّه أعلمُ (٤). وقد رَوَى هذا الحديث إسماعيلُ بن أُميَّةَ، عن عبدِ الله بن يزِيد، عن أبي عيّاشٍ، عن سعدٍ (٥)، ولم يُسمِّ أبا عيّاشٍ بزَيدٍ (٦)، ولا بغيرِ زيد (٧). ورَوَى هذا الحديث يحيى بن أبي كثِيرٍ، عن عبدِ الله بن عيّاشٍ، عن سَعْدٍ، ويقولُون: إنَّ عبد الله بن عيّاشٍ هذا هُو أبو عيّاشٍ الذي قال فيه مالكٌ، عن عبدِ الله بن يزِيد، أنَّ زيدًا أبا عيّاشٍ أخبَرهُ. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبَرنا أبو داودَ، قال (٨): أخبَر نا الرَّبِيعُ بن نافِع أبو تَوْبةَ (٩)، قال: حدَّثنا مُعاويةُ، يعني ابن

стр. 6594

سلّام، عن يحيى بن أبي كثِيرٍ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن عيّاشٍ (١)، أَنَّهُ سمِعَ سعد بن أبي وقّاصٍ يقولُ: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن بيع الرُّطبِ بالتَّمرِ نَسِيئةً. قال أبو داودَ: رواهُ عِمرانُ بن أبي أنس (٢)، عن مولًى لبَني مخزُوم، عن سَعْدٍ نحوهُ. قال أبو عُمر: هكذا قال: نسِيئةً. والصَّوابُ عِندِي ما قالهُ مالكٌ، وقد وافقهُ إسماعيلُ بن أُميَّةَ على إسنادِهِ ولفظِهِ. وفي حديثِ أُسامةَ بن زيدٍ، وإن خالفهُما في الإسنادِ، ما يَعضُدُ المعنى الذي جاءَ به مالكٌ وإسماعيلُ بن أُميَّةَ (٣). وأمّا قولُ يحيى بن أبي كثِيرٍ في هذا الحديثِ: عبدُ الله بن عيّاشٍ. فخطأٌ لا شكَّ فيه، وإنَّما هُو أبو عيّاشٍ، واسمُهُ زيدٌ، وقد قال فيه ابنُ أبي عُمر العَدَنِيُّ، عن سُفيان بن عُيينةَ في "المُصنَّفِ": أخبرنا سُفيانُ، عن إسماعيل بن أُميَّةَ، عن عبدِ الله بن يزِيد، عن أبي عيّاشٍ الزُّرقِيِّ: أنَّ رجُلًا سألَ سعد بن أبي وقّاصٍ عن السُّلتِ بالشَّعِيرِ، فقال: تبايعَ رجُلانِ على عهدِ رسُولِ الله ﷺ بتمرٍ ورُطَبٍ، فقال رسُولِ الله ﷺ (٤): "هل ينقُصُ الرُّطبُ إذا يبِسَ؟ " فقالوا: نعم. فقال النَّبيُّ ﷺ : "فلا إذَنْ".

стр. 6595

هكذا قال ابنُ أبي عُمر، عن ابنِ عُيينةَ في هذا الحديثِ: عن أبي عيّاشٍ الزُّرقِيِّ. وأبو عيّاشٍ الزُّرقِيُّ لهُ صُحبةٌ، واسمُهُ زيدُ بن الصّامِتِ عِندَ أكثرِ أهلِ الحديثِ، وقد قيلَ غيرُ ذلك، على ما ذكرتُهُ في بابِهِ من كِتابِ "الصَّحابةِ" (١)، وعاش أبو عيّاشٍ الزُّرقِيُّ إلما أيام مُعاويةَ (٢). أخبرنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: أخبرنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل التِّرمِذِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن الزُّبيرِ الحُمَيديُّ، قال (٣): حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أُميَّةَ، عن عبدِ الله بن يزِيد، عن أبي عيّاشٍ، قال: تبايعَ رجُلانِ على عَهدِ سعدِ بن أبي وقّاصٍ بسُلتٍ وشعِيرٍ، فقال سعدٌ: تبايعَ رَجُلانِ على عهدِ رسُولِ الله ﷺ بتمرٍ ورُطبٍ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "أينقُصُ الرُّطبُ إذا يبِسَ؟ " قالوا: نعم. قال: "فلا إذَنْ". قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ تَفسِيرُ البيضاءِ المذكُور في حَدِيثِ مالكٍ: أنَّها الشَّعِيرُ. وهُو كذلك عِندَ أهلِ العِلم. ولم (٤) تختلِف نُسخُ "المُوطَّأ" في هذا اللَّفظِ. ورَوَى القَطّانُ هذا الحديث عن مالكٍ، فلم يذكُر ذلك فيه، وإنَّما اقتصَرَ على المرفُوع منهُ، دُون قِصَّةِ سعدٍ، وقد جَوَّد إسماعيل بن أمية في ذلك (٥).

стр. 6596

قال أبو عُمر: عبدُ الله بن يزِيد يقولُ في هذا الحديثِ: أخبرني زيدٌ أبو عيّاشٍ. ويحيى بن أبي كثير يقولُ: عبدُ الله بن عيّاشٍ. وإسماعيلُ بن أُميَّةَ لم يُسمِّهِ في حَدِيثهِ، ولا أُسامَةَ بن زيدٍ. ولا أدرِي إن كان عبدُ الله بن عيّاشٍ الذي روى عنهُ يحيى بن أبي كثِيرٍ، عن سعدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عن بيع الرُّطبِ بالتَّمرِ نسِيئةً. هُو أبو عيّاشٍ هذا، أم لا؟ حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ المكِّيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (١)، قالا جميعًا: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ القَعنبِيُّ، عن مالكٍ، عن عبدِ الله بن يزِيد، أنَّ زيدًا أبا عيّاشٍ أخبَرهُ، أَنَّهُ سألَ سعد بن أبي وقّاصٍ عن البَيْضاءِ بالسُّلتِ، فقال لهُ سعد: أيُّهُما أفضلُ؟ قال: البيضاءُ. قال: فنهاهُ عن ذلك، قال: وسمِعتُ رسُول الله ﷺ يُسألُ عن شِراءِ التَّمرِ بالرُّطبِ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "أينقُصُ الرُّطبُ إذا يبِسَ؟ " قالوا: نعم، فنهاهُ عن ذلك. قال أبو عُمر: أمّا البَيْضاءُ، فهِي الشَّعِيرُ، على ما ظهرَ وذُكر في هذا الحديثِ، من رِوايةِ إسماعيل بن أُميَّةَ، على ما تقدَّم ذِكرُهُ. وقد غلِطَ في ذلك وكِيعٌ في رِوايتِهِ لهذا الحديثِ، عن مالكٍ، فقال فيهِ: السُّلتُ بالذُّرةِ. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا وكِيعٌ، عن مالكِ بن

стр. 6597

أنسٍ، عن عبدِ الله بن يزِيد، عن زيدٍ أبي عيّاشٍ قال: سألتُ سعدًا عن السُّلتِ بالذُّرةِ فكرِههُ. وقال سعدٌ: سُئلَ رسُولُ الله ﷺ عن الرُّطبِ بالتَّمرِ، فقال: "أينقُصُ إذا جفَّ؟ " فقُلنا: نعم. فنَهَى عنهُ. وهذا غلطٌ، لأنَّ الذُّرةَ صِنفٌ واحدٌ (١) عِندَ مالكٍ غيرُ السُّلتِ، لم يُختَلف عنهُ في ذلك. أخبرنا أحمدُ بن محمدٍ وأحمدُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: ذكَرَ عليُّ بن زِيادٍ، عن مالكٍ، أنَّهُ قال: يعني سعدٌ بقولِهِ: أيَّتُهُما أفضلُ؟ يُرِيدُ أيَّتُهُما أكثرُ في الكيلِ، وليس أيَّتُهُما أفضلُ في الجَوْدةِ. وأخبرنا خلفُ بن القاسم وعبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله، قالا: حدَّثنا الحسنُ بن رشيقٍ، قال: حدثنا المُفضَّلُ (٢) بن محمدِ بن إبراهيم الجَنَدِيُّ أبو سعِيدٍ، عن أبي المُصعبِ قال: ومعنى أيَّتُهُما أفضلُ، يعني: أيَّتُهُما أكثرُ في الكَيلِ. وكذلك رواهُ ابنُ نافِع وأشهبُ، عن مالكٍ. قال أبو عُمر: ففي هذا الحديثِ من قولِ سَعْدٍ ما يَدُلُّ على أنَّ السُّلت والشَّعِير عِندَهُ صِنفٌ واحِدٌ، لا يجُوزُ التَّفاضُلُ بينهُما، ولا يجُوزانِ إلّا مِثلًا بمِثل، وكذلك القمحُ مَعهُما صِنفٌ واحِدٌ. وهذا مشهُورٌ معرُوفٌ من مَذهبِ سعدِ بن أبي وقّاصٍ، وإليه ذهَبَ (٣) مالكٌ وأصحابُهُ. ذكر مالكٌ في "المُوطَّأ" (٤) أنَّهُ بلغهُ أنَّ سُليمان بن يسارٍ قال: فَنِيَ علفُ

стр. 6598

حِمارِ سعدِ بن أبي وقّاصٍ فقال لغُلامِهِ: خُذ من حِنطةِ أهلِك (١) فابتَعْ بها شعِيرًا، ولا تأخُذ إلّا مِثلهُ. ومالكٌ (٢)، عن نافِع، عن سُليمان بن يسارٍ، أنَّهُ أخبرهُ: أنَّ عبد الرَّحمنِ بن الأسودِ بن عبدِ يغُوث، فنِيَ علفُ دابَّتِهِ، فقال لغُلامِهِ: خُذ من (٣) حِنْطةِ أهلِكَ طعامًا فابتَعْ بها شعِيرًا، ولا تأخُذ إلّا مِثلهُ. ومالكٌ (٤) أنَّهُ بلغهُ عن القاسم بن محمدٍ، عن ابنِ مُعَيقِيبٍ الدَّوسِيِّ، مِثلُ ذلك. قال مالكٌ: وهُو الأمرُ عِندَنا. قال أبو عُمر: مَعلُومٌ أنَّ الحِنطةَ عِندَهُم هي البُرُّ، فقد كرِهَ سعدُ بن أبي وقّاصٍ وعبدُ الرَّحمنِ بن الأسْوَدِ وابنُ مُعَيقِيبٍ: أن يُباعَ البُرُّ بالشَّعِيرِ، إلّا مِثلًا بمِثلٍ. وهذا مَوضِعٌ اختلَفَ فيه السَّلفُ، وتنازَع فيه بعدهُمُ الخلفُ (٥). فذهَبَ مالكٌ وأصحابُهُ، إلى أنَّ البُرَّ والشَّعِيرَ والسُّلتَ صِنفٌ واحِدٌ، لا يجُوزُ بيعُ بعضِ شيءٍ من ذلك ببعضِهِ، إلّا مِثلًا بمِثل، كالشَّيءِ الواحِدِ. وروى شُعبةُ، عن الحَكَم وحمّادٍ: أنَّهُما كرِها البُرَّ بالشَّعِيرِ مُتفاضِلًا. ومن حُجَّةِ من ذهَبَ هذا المذهَبَ، ما رواهُ بُسرُ (٦) بن سعِيدٍ، عن مَعْمرِ بن (٧)

стр. 6599

عبدِ الله، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "الطَّعامُ مِثلًا بمِثلٍ". قال: وكان طعامُنا يَومئذٍ الشَّعِير (١). مع ما ذكَرْنا من عَملِ الصَّحابةِ والتَّابِعِينَ بالمدِينةِ. قال أبو عُمر: ليسَ في حديثِ مَعمرٍ حُجَّةٌ؛ لأنَّ فيهِ: وكان طعامُنا يومئذٍ الشَّعِير. ولا يختلِفُ العُلماءُ أنَّ الشَّعِير بالشَّعِيرِ لا يجُوزُ إلّا مِثلًا بمِثلٍ. فهذا الحديثُ إنَّما هُو كحديثِهِ ﷺ ، أَنَّهُ قال: "البُرُّ بالبُرِّ مِثلًا بمِثل، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ مِثلًا بمِثلٍ" (٢). وقال اللَّيثُ بن سعدٍ: لا يصلُحُ الشَّعِيرُ بالقمح، إلّا مِثلًا بمِثل، وكذلك السُّلتُ، والذُّرةُ، والدُّخنُ (٣)، والأَرُزُّ لا يُباعُ بَعضُهُ ببعضٍ إلّا مِثلًا بمِثل؛ لأنَّهُ صِنفٌ واحِدٌ، وهُو ممّا يُختَبزُ (٤). قال: والقطانِيُّ كلُّها: العدسُ، والجُلبانُ (٥)، والحِمَّصُ، والفُولُ، يجُوزُ فيها التَّفاضُلُ؛ لأنَّ القطانِيَّ مُختلِفة في الطَّعم، واللَّونِ، والخَلْقِ. قال أبو عُمر: جعلَ اللَّيثُ البُرَّ، والشَّعِير، والسُّلت، والدُّخن، والأَرُزّ، والذُّرةَ صِنفًا واحِدًا، هذه السِّتَّةُ كلُّها لا يجُوزُ بيعُ شيءٍ منها بشيءٍ منها إلّا مِثلًا بمِثل، يدًا بيدٍ، عِندهُ.

стр. 6600

وقال أبو حنِيفةَ (١) والشّافِعيُّ (٢) وأصحابُهُما والثَّورِيُّ: يجُوزُ بيعُ الحِنطةِ بالشَّعِيرِ مُتفاضِلًا، وكذلك الدُّخنُ، والأَرُزُّ، والذُّرةُ، والسُّلتُ، كلُّ هذه الأشياءِ أصنافٌ مُخْتلِفةٌ، يجُوزُ بيعُ بَعضِها ببعضٍ، إذا اختلفَ الاسمُ واللَّونُ، مُتفاضِلًا، إذا كان يدًا بيدٍ. وبِهذا قال أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو عُبيدٍ، وداودُ، والطَّبريُّ. ومن حُجَّةِ من ذهَبَ هذا المذهَبَ: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إبراهيم، عن سلمةَ بن علقمةَ، عن محمدِ بن سِيرِينَ، قال: حدَّثني مُسلِمُ بن يسارٍ وعبدُ الله بن عُبيدٍ، وقد كان يُدعى ابن هُرمُز، قال: جمع المنزِلُ بين عُبادةَ بن الصّامِتِ وبين مُعاويةَ، إمّا في بيعةٍ، وإمّا في كنِيسةٍ، فقام عُبادةُ فقال: نهى رسُولُ الله ﷺ عن الذَّهبِ بالذَّهبِ، والفِضَّةِ بالفِضَّةِ، والتَّمرِ بالتَّمرِ، والبُرِّ بالبُرِّ، والشَّعِيرِ بالشَّعِيرِ. وقال أحدُهُما: والمِلح بالمِلح. ولم يقُلهُ الآخرُ، إلّا سَواءً بسواءٍ، مِثلًا بمِثلٍ. وقال أحدُهُما: من زادَ أوِ ازدادَ فقد أرْبَى. ولم يقُلهُ الآخرُ، وأمَرَنا أن نبِيعَ الذَّهب بالفِضَّةِ، والفِضَّةَ بالذَّهبِ، والبُرَّ بالشَّعِيرِ، والشَّعِير بالبُرِّ، يدًا بيدٍ كيفَ شِئْنا (٣).

стр. 6601

وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عفّانُ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا الحسنُ (٢) بن عليٍّ، قال: حدَّثنا بِشْرُ بن عُمرَ، قالا جميعًا: حدَّثنا همّام، عن قتادةَ، عن أبي الخليلِ، عن مُسلِم المكِّيِّ، عن أبي الأشْعَثِ الصَّنعانِيِّ، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ (٣). وفي حديثِ عفّانَ: أَنَّهُ شهِدَ خُطبةَ عُبادةَ بن الصّامِتِ، فحدَّثَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الذَّهبُ بالذَّهبِ وزنًا بوزنٍ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ وزنًا بوزنٍ". زاد بِشْرُ بن عُمرَ: "ولا بأسَ ببيع الذَّهبِ بالفِضَّةِ، والفِضَّةُ أكثرُها، يدًا بيدٍ، وأمّا نسِيئَةً فلا"، ثمَّ اتَّفقا: "والبُرُّ بالبُرِّ كيلًا بكيل، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ كيلًا بكيل، ولا بأسَ ببيع الشَّعِيرِ بالبُرِّ، والشَّعِيرُ أكثرُهُما، يدًا بيدٍ". زاد بِشْرُ بن عُمر: "وأمّا نسِيئَةً فلا". قال أبو داود (٤): رَوَى هذا الحديث سعِيدُ بن أبي عَرُوبةَ وهشامٌ الدَّستوائيُّ، عن قتادةَ، عن مُسلِم بن يَسارٍ. وقال أحمدُ بن زُهَيرٍ: أبو الخليلِ هذا هُو صالحُ بن أبي مَرْيم الضُّبعِيُّ، ومُسلِمُ بن يَسارٍ هذا هُو مولى عُثمان بن عفّانَ.

стр. 6602

وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٢): حدَّثنا وكِيع، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن خالدٍ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي الأشعثِ الصَّنعانِيِّ، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ، عن النَّبيِّ ﷺ بهذا الخبرِ يزِيدُ وينقُصُ. زادَ قال: "فإذا اختلَفَتْ هذه الأصنافُ، فبِيعُوا كيفَ شِئتُم، إذا كانَ يدا بيدٍ". وذكرَ حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابةَ، أنَّهُ سمِعَ هذا الحديث من أبي الأشعتِ، مع مُسلِم بن يَسارٍ (٣). وروى محمدُ بن فُضيل، عن أبيهِ (٤)، عن أبي زُرعةَ بن عَمرِو بن جرِيرٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "التَّمرُ بالتَّمرِ، والحِنطةُ بالحِنطةِ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ، والمِلحُ بالمِلح، مِثلًا بمِثل، فمن زادَ أوِ ازدادَ فقد أرْبَى، إلّا ما اختلفَتْ ألوانُهُ" (٥).

стр. 6603

وروى الزُّهرِيُّ، عن سالم، عن ابنِ عُمرَ قال: ما اختَلَفتْ ألوانُهُ من الطعام، فلا بأسَ به يدًا بيدٍ، التَّمرُ بالبُرِّ، والزَّبِيبُ بالشَّعِيرِ. وكَرِههُ نسِيئَةً (١). وهذا يدُلُّ على أنَّ مُرادَ ابنِ عُمرَ اختِلافُ الأنواع. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا عاصِمُ بن عليِّ بن عاصِم، قال: حدَّثنا الرَّبِيعُ، عن ابنِ سِيرِينَ، عن أنَسٍ قال: لا بأسَ بالورِقِ بالذَّهب واحدًا (٢) باثنينِ يدًا بيدٍ، ولا بأسَ بالبُرِّ بالشَّعِيرِ واحدًا باثنينِ يدًا بيدٍ، ولا بأَسَ بالتَّمرِ بالمِلح واحدًا باثنينِ يدًا بيدٍ (٣). فهذا ما في معنى قولِه (٤): "البيضاءِ بالسُّلتِ" في هذا الحديثِ عِندَ العُلماءِ. وأمّا قولُ سعدٍ: سمِعتُ رسُول الله ﷺ يُسألُ عن اشتِراءِ الرُّطبِ بالتَّمرِ. فإنَّ أهل العِلم اختلفُوا في بيع التَّمرِ بالرُّطَبِ. فجُمهُورُ عُلماءِ المُسلِمِينَ على أنَّ بيع الرُّطبِ بالتَّمرِ لا يجُوزُ بحالٍ من الأحوالِ، لا مِثلًا بمِثل، ولا مُتفاضِلًا، لا يدًا بيدٍ، ولا نسِيئَةً، لنَهْيِ رسُولِ الله ﷺ عن ذلك في حديثِ سَعْدٍ هذا، ولنَهْيِهِ عن بيع الرَّطبِ باليابِسِ من جِنسِهِ. على ما مَضَى في هذا البابِ، ولنَهيِهِ عن بيع الثَّمَرِ (٥) بالتَّمرِ، والزَّبِيب بالعِنَب، والزَّرع بالحِنْطةِ. وهذا كلُّهُ من المُزابنةِ المنهِيِّ عنها.

стр. 6604

أخبرنا سَعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود (١)، قالا: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٢): حدَّثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن بيع الثَّمَرِ (٣) بالتَّمرِ كيلًا، وعن بيع العِنَبِ بالزَّبِيبِ كَيْلًا، وعن بيع الزَّرع بالحِنطةِ كيلًا. وهذا كلّهُ نصٌّ في مَوْضِع الخِلافِ، فبطَلَ ما خالَفهُ، ومعلُومٌ أنَّ المُزابنةَ المنهِيَّ عنها: بيعُ الرَّطَبِ باليابِسِ من جِنْسِهِ، والكَيْلِ بالجُزافِ من جِنْسِهِ. روى مالكٌ (٤)، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن المُزابنةِ. والمُزابنةُ: بيعُ الرُّطبِ بالتَّمرِ كيلًا، وبيعُ العِنَبِ بالزَّبِيبِ كيلًا. فأيُّ شيءٍ أبينُ من هذا لمن لم يُحرَم التَّوفِيق؟ وممَّن ذهَبَ إلى هذا: مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُما، والأوزاعِيُّ، والثَّورِيُّ، واللَّيثُ، وأبو يُوسُف، ومحمدُ بن الحسنِ (٥). وقال أبو حنِيفةَ (٦): لا بأس ببيع الرُّطبِ بالتَّمرِ مِثلًا بمِثل، وكذلك الحِنطةُ الرَّطبةُ باليابِسة (٧). وهُو قولُ داود بن عليٍّ في ذلك كلِّه (٨).

стр. 6605

وحُجَّةُ أبي حَنِيفةَ، ومن قال بقولِهِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ لمّا نَهَى عن بيع التَّمرِ بالتَّمرِ إلّا مِثلًا بمِثل، دخلَ في ذلك الرُّطبُ والبُسرُ؛ لأنَّ ذلك كلَّهُ يُسمَّى تمرًا. قال: ولا يخلُو من أن يكونَ الرُّطَبُ والتَّمرُ جِنسًا واحِدًا، أو جِنْسينِ مُختلِفينِ، فإن كانا جِنسًا واحِدًا، فلا بأسَ ببيع بَعضِهِ ببعضٍ، مِثلًا بمِثلٍ يدًا بيدٍ، وإن كانا جِنْسينِ فذلك أحْرَى أن يجُوز مُتفاضِلًا، ومِثلًا بمِثل، لقولِهِ ﷺ : "إذا اختلَفَ الجِنسانِ، فبِيعُوا كيف شِئتُم" (١). قال: وإنَّما يُراعى الرِّبا في حالِ العَقدِ، ولا يُراعى في المآلِ. والحُجَّةُ عليه للشّافِعِيِّ، ومن قال بقولِهِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قد راعى المآلَ في حديثِ سعدِ بن أبي وقّاصٍ، وقال: "أينقُصُ الرُّطبُ إذا يبِسَ؟ ". فهذا نصٌّ واضِحٌ في مُراعاةِ المآلِ. وقد نصَّ أيضًا على بيع العِنَبِ بالزَّبِيبِ: أنَّهُ لا يجُوزُ أصلًا، فكذلك الرُّطبُ بالتَّمرِ، وسنُبيِّنُ معنى قولِهِ: "أينقُصُ الرُّطبُ؟ " في آخِرِ هذا البابِ إن شاءَ الله. واختلفَ الفُقهاءُ أيضًا في بيع الرُّطبِ بالرُّطبِ، والبُسرِ بالرُّطبِ. فقال مالكٌ (٢) وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُما (٣): لا بأسَ ببيع الرُّطبِ بالرُّطبِ مِثلًا بمِثل، ولا بأسَ ببيع البُسرِ بالبُسرِ (٤) مِثلًا بمِثل (٥). وقال أبو حنِيفةَ: يجُوزُ بيعُ البُسرِ بالرُّطبِ مِثلًا بمِثلٍ. وهُو قولُ داود.

стр. 6606

وقال مالكٌ (١) وأبو يُوسُف ومحمدٌ: لا يجُوزُ بيعُ الرُّطبِ بالبُسرِ على حالٍ. وراعَى محمدُ بن الحسنِ في الرُّطبِ بالتَّمرِ، وما كان مِثلهُ، المآلَ، مُراعاةً لا يُؤمَنُ معها عدمُ المُماثلةِ، فقال: إذا أحاطَ العِلمُ أنَّهُما إذا يبِسا تَساويا: جازَ. وقال الشّافِعيُّ (٢): لا يجُوزُ بيعُ الرُّطبِ بالرُّطبِ، ولا البُسرِ بالبُسرِ، ولا كلِّ ما ينقُصُ في المُتعقَّبِ إذا أُرِيد بقاؤُهُ. وحُجَّتُهُ حديثُ سَعْدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "اأيُنقُصُ الرُّطبُ إذا يبِسَ؟ " فراعَى المآلَ في ذلك كلِّهِ، إذا أُرِيدَ به التقاءُ، فقِياسُ قولِهِ: أنَّهُ لا يجُوزُ العِنَبُ بالعِنَبِ، ولا التِّينُ الأخضرُ بالتِّينِ الأخضرِ، إذا أُرِيدَ تجفِيفُ ذلك ويُبسُهُ، لا مِثلًا بمِثل، ولا مُتفاضِلًا. وذلك كلُّهُ جائزٌ عِندَ مالكٍ مِثلًا بمِثلٍ. وقِياسُ قولِ أبي حنِيفةَ: أنَّ التِّينَ الأخضر باليابِسِ جائزٌ مِثلًا بمِثل، كالعِنبِ بالزَّبِيبِ، والرُّطبِ بالتَّمرِ، والبُسرِ بالرُّطبِ. وقال أبو يُوسُف: يجُوزُ بيعُ الحِنطةِ الرَّطْبةِ (٣) باليابِسةِ، يعني: الرَّطبةَ بالماءِ، فأمّا الرَّطبةُ من الأصلِ، يعني الفَرِيكَ، فلا يجُوزُ باليابِسةِ (٤). وقال الشّافِعيُّ (٥) ومالكٌ (٦) وأصحابُهُما ومحمدُ بن الحسنِ واللَّيثُ بن سعدٍ: لا يجُوزُ بيعُ الحِنطةِ المبلُولةِ باليابِسةِ، كما لا يجُوزُ الفرِيكُ بها. وقال أبو حنِيفةَ: يجُوزُ بيعُ الحِنطةِ الرَّطبةِ والمبلُولةِ باليابِسةِ.

стр. 6607

وقال محمدٌ: لا يجُوزُ، إلّا أن يُحِيط العِلمُ بأنَّهُما إذا يبِسَتِ المبلُولةُ (١) أوِ الرَّطبةُ تساويا. ولم يختلِف قولُ أبي حنِيفةَ وأصحابِهِ في جَوازِ بيع العِنَبِ بالزَّبِيبِ، مِثلًا بمِثلٍ. وهذا خِلافُ السُّنَّةِ الثّابتةِ، واللهُ المُستعانُ. والذي أقُولُ: إنَّهُم لو عَلِمُوا نَهْيَ رسُولِ الله ﷺ عن ذلك نصًّا، وثبتَ عِندهُم: ما خالفُوهُ، وإنّما دخَلت عليهمُ الدّاخِلةُ من قِلَّةِ اتِّساعِهِم في عِلم السُّننِ، وغيرُ جائزٍ أن يظُنَّ بهم أحد إلّا ذلك، ولو خالفُوا السُّنَّةَ جِهارًا بغيرِ تأوِيل، لسقطَتْ عدالتُهُم، وهذا لا يجُوزُ أن يُظنَّ بهم مع اتِّباعِهِم ما صحَّ عِندَهُم من السُّننِ، فهذا شأنُ العُلماءِ أجمع. ولكِنَّ الحُجَّةَ: في السُّنَّةِ وفي قولِ من قال بها وعَلِمها، لا في قَولِ من جَهِلَها وخالَفها، وبالله التَّوفِيقُ. قال أبو عُمر: أجمعُوا أنَّهُ لا يجُوزُ عِندهُمُ العجِينُ بالعجِينِ، لا مُتماثِلًا ولا مُتفاضِلًا، لا خِلاف بينهِم في ذلك، وكذلك العجِينُ بالدَّقيقِ، فإذا طُبخَ العجِينُ، وصارَ خُبزًا، جازَ بيعُهُ عِندَ مالكٍ (٢) بالدَّقيقِ مُتفاضِلًا ومُتساويًا؛ لأنَّ الصِّناعةَ قد كمُلت فيه، وأخرجتهُ، فيما زعمَ أصحابُهُ، عن جِنسِهِ، واختلف الغرضُ فيهِ (٣). وقولُ أبي حنِيفةَ، وأبي يُوسُف، ومحمدٍ في بيع الدَّقِيقِ بالخُبزِ، كقولِ مالكٍ (٤).

стр. 6608

وأمّا الشّافِعيُّ، فلا يجُوزُ عِندهُ الخُبزُ بالدَّقِيقِ على حال، لا مُتساوِيًا ولا مُتفاضِلًا. ولا يجُوزُ عِند الشّافِعيِّ (١) بيعُ العسلِ بالعسلِ، إلّا أن يكون في أحدِهِما شيءٌ من الشَّمع، فإذا كان كذلك جاز مِثلًا بمِثلٍ. ولا يجُوزُ عِندهُ (٢) بيعُ الخلِّ بالخلِّ، لجهلِ ما في كلِّ واحِدٍ منهُما من الماءِ. وكذلك الشَّيْرَقُ بالشَّيْرَقِ، لا (٣) يجُوزُ عِندَهُ، على اختِلافٍ (٤) من قولِهِ، وقِياسُ قولِهِ: أنَّهُ لا يجُوزُ عندَه الخُبزُ الخَميرُ بالفَطير، ولا الخُبزُ بالخُبزِ أصلًا، والله أعلمُ. واختلَفَ قولُ الشّافِعيِّ في بيع الدَّقيقِ بالدَّقيقِ، واختلفَ أصحابُهُ في ذلك، ولم يختلِف قولُ الشّافِعيِّ في بيع الحِنطةِ بالدَّقيقِ: إنَّهُ لا يجُوزُ. واختلف أصحابُهُ في ذلك. واختلف قولُ الشّافِعيِّ في بيع الشَّيرج بالشَّيرج، هل يجُوزُ أم لا؟ فمرَّةً أجازهُ مِثلًا بمِثل، وكذلك الدَّقيقُ بالدَّقيقِ، ومرَّةً كرِه ذلك على كلِّ حالٍ. وقال الأوزاعِيُّ: لا يجُوزُ السَّمنُ بالوَدَكِ (٥) إلّا مِثلًا بمِثل، وكذلك الشَّحمُ غيرُ المُذابِ بالسَّمنِ، إلّا أن يُرِيد أكلهُ ساعتئذٍ فيجُوزُ. وأمّا القمحُ بالدَّقيقِ، فاختلفَ قولُ مالكٍ فيه، فمرَّةً أجازهُ مِثلًا بمِثل. وهُو المشهُورُ من مذهبِهِ الظّاهِرُ فيهِ.

стр. 6609

وهُو قولُ اللَّيثِ، ومرَّةً منعَ منهُ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِهِما. وقد رُوِي عن عبدِ العزيزِ بن أبي سلمةَ مِثلُ ذلك. ورُوِي عنهُ أنَّ ذلك جائزٌ على كلِّ حالٍ. ولا خِلاف عن أبي حنِيفةَ (١) وأصحابِهِ: أنَّهُ لا (٢) يجُوزُ بيعُ الدَّقيقِ بالحِنطةِ، ولا بيعُ قفِيزٍ من حِنطةٍ بقفِيزٍ من سوِيقٍ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ. قال أبو عُمر: قولُ أبي حنِيفةَ وأصحابِهِ في كَراهِيةِ بيع الحِنطةِ بالدَّقيقِ مُتساوِيًا، نقضٌ لقولِهِم في جَوازِ بيع العِنَبِ بالزَّبِيب، ونقضٌ لقولِ أبي حنِيفةَ في جَوازِ بيع الرُّطبِ بالتَّمرِ، والله أعلمُ، إلّا أنَّهُم يعتلُّوَنَ بأنَّ الطَّحنَ (٣) لا يُخرِجُ البُرَّ عن جِنْسِهِ، وأنَّ المُماثلةَ لا يُمكِنُ فيهِما مع الأمرِ بذلك، ولذلك لم يُجِيزُوا بيع بَعضِهِما ببعضٍ أصلًا. وقال مالكٌ (٤): لا بأسَ بالحِنطةِ بالدَّقيقِ مِثلًا بمِثل، ولا بأسَ بالسَّوِيقِ بالقمح مُتفاضِلًا. وهُو قولُ اللَّيثِ في السَّوِيقِ بالقمح أيضًا. وقال الأوزاعِيُّ: لا تصلُحُ القلِيَّةُ بالقمح (٥) مِثلًا بمِثل، ولا بأس به وزنًا. قال الطَّحاوِيُّ: منعَ الأوزاعِيُّ من المُماثلةِ في الكَيْلِ، وأجازها في الوَزنِ، ولم نجِد ذلك عن أحَدٍ من أهلِ العِلم سِواهُ. وقال شُعبةُ: سألتُ الحكم وحمّادًا، عن الدَّقيقِ بالبُرِّ، فكرِهاهُ.

стр. 6610

وعن شُعبةَ أيضًا قال: سألتُ ابن شُبرُمةَ عن الدَّقيقِ بالبُرِّ، فقال: شيءٌ لا بأس به. وأمّا السَّوِيقُ بالدَّقيقِ وبالحِنطةِ، فأجازهُ مالكٌ مُتفاضِلًا، ومُتساوِيًا (١). وهُو قولُ أبي يُوسُف، وأبي ثورٍ. وقال أبو حنِيفةَ: لا يجُوزُ مِثلًا بمِثل، ولا مُتفاضِلًا. ورَوَى ابنُ سماعةَ، عن أبي يُوسُف، عن أبي حنِيفةَ: أنَّهُ لا يجُوزُ إلّا مِثلًا بمِثلٍ. وهُو قولُ الثَّورِيِّ. وقال مالكٌ واللَّيثُ: لا تُباعُ الجَذِيْذَةُ (٢) بالسَّوِيقِ إلّا مِثلًا بمِثل، لأنَّهُ سوِيقٌ كلهُ، إلّا أنَّ بَعضهُ دُونَ بَعضٍ. وقال الأوزاعِيُّ: لا تُباعُ الجَذِيذَةُ بالسَّوِيقِ، ولا بالدَّقيقِ إلّا وزنًا. وعِند الشّافِعيِّ: لا يُباعُ شيءٌ من ذلك كلِّهِ بعضُهُ ببعضٍ على حالٍ. وأمّا الخُبزُ بالدَّقيقِ، فلا بأس بذلك مُتفاضِلًا، وعلى كلِّ حالٍ عِندَ مالكٍ واللَّيثِ، والثَّورِيِّ، وأبي ثورٍ، وإسحاق. وقال الشّافِعيُّ (٣): لا يجُوزُ بيعُ الدَّقيقِ بالخُبزِ على حالٍ من الأحوالِ، لا مُتفاضِلًا، ولا مُتساوِيًا، وهو قولُ عُبيدِ الله بن الحسنِ. وقال أحمدُ بن حنبلٍ: لا يُعجِبُني الخُبزُ بالدَّقيقِ. وكذلك لا يجُوزُ عِند الشّافِعيِّ وعبيد (٤) الله بن الحسنِ بيعُ الخُبزِ بالخُبزِ أيضًا، لا مُتساوِيًا، ولا مُتفاضِلًا.

стр. 6611

وقال مالكٌ في الخُبزِ: إذا تُحرِّيَ أن يكونَ (١) مِثلًا بمِثل، فلا بأس به، وإن لم يُوزَنْ. وهُو قولُ الأوزاعِيِّ، وأبي ثورٍ، وقد رُوِي عنهما: أنَّ ذلك لا يجُوزُ إلّا وزنًا. وقال الشّافِعيُّ (٢): كلُّ ما دخَلهُ (٣) الرِّبا في التَّفاضُلِ، فلا يجُوزُ فيه التَّحرِّي. ورُوِي عن أبي حنِيفةَ، أنَّهُ قال: لا بأس بالخُبزِ قُرصًا بقُرصينِ. قال أبو عُمر: هذا خطأٌ عِندِي وغلطٌ فاحِشٌ؛ لأنَّ رسُول الله ﷺ نَهَى عن الطَّعام إلّا مِثلًا بمِثلٍ. وهذا عِندَ الجميع في الجِنسِ الواحِدِ، ومَعلُومٌ أنَّ خُبز البُرِّ كلَّهُ طعامُ جِنْسٍ واحِدٍ، وكذلك خُبزُ الشَّعِيرِ كلُّهُ جِنسٌ واحِدٌ (٤)، وكلُّ واحِدٍ منهُما تَبَعٌ لأصلِهِ عِندَ العُلماءِ، فمن جعلَ البُرَّ والشَّعِير والسُّلت (٥) صِنفًا واحِدًا، فخُبزُ ذلك كلِّهِ عِندهُ جِنسٌ واحِدٌ، على أصلِ قولِهِ، ومن جعلَ كلَّ واحِدٍ منهُما غير صاحِبِهِ، وجعلهُ جِنسًا على حِدَةٍ، فخُبزُ كلِّ واحِدٍ منهُما صِنْفٌ وجِنسٌ غيرُ صاحِبِهِ، إلّا الشّافِعيَّ، وعُبيد الله بن الحسنِ فإنَّهُما لا يُجِيزانِ شيئًا من الخُبزِ بَعضَهُ ببعضٍ، لما يدخُلُهُ من الماءِ والنّارِ، والأصلُ عِندَهُما فيه أنَّهُ دقِيقٌ بدقيقٍ، لا يُوصَلُ إلى المُماثلةِ فيهِ. وعندَ اللَّيثِ بن سعدٍ: كلُّ ما يُختبَزُ (٦) صِنفٌ واحِدٌ من أيِّ شيءٍ كان (٧) من الحُبُوبِ كلِّها.

стр. 6612

وقد رُوِي عن مالكٍ مِثلُ ذلك. قال أبو عُمر: إنَّما أجازَ أبو حنِيفةَ الخُبز (١) قُرصًا بقُرصينِ، لأنَّهُ لم يدخُل عِندَهُ ذلك في الكيلِ الذي هُو أصلُهُ، فخرجَ من الجِنسِ الذي يدخُلُهُ الرِّبا عِندَهُ؛ لأنَّ الرِّبا عِندَهُ وعِند أصحابِهِ لا يدخُلُ إلّا فيما يُكالُ أو يُوزنُ، وأصلُ الدَّقيقِ عندَهم (٢) والبُرِّ، الكيلُ، لا الوزنُ، وأظُنُّ (٣) الخُبز عِندهُم ليسَ من الموزُوناتِ؛ لأنَّهُ يجِبُ عندَهم على مُستهلِكِهِ القِيمةُ، لا المِثلُ، على أصلِهِم في ذلك، والله أعلمُ. وأجمعَ العُلماءُ على أنَّ التَّمر بالتَّمرِ، لا يجُوزُ إلّا مِثلًا بمِثل، واختَلفُوا في بيع التَّمرةِ الواحِدةِ بالتَّمرتينِ، والحبَّةِ الواحِدةِ من القمح (٤) بالحبَّتينِ. فقال الثَّورِيُّ، والشّافِعيُّ: لا يجُوزُ ذلك. وهُو قولُ أحمد، وإسحاقَ، وهُو عِندِي قِياسُ قولِ مالكٍ. وذكر الطَّحاوِيُّ (٥)، قال: حدَّثنا أبو خازِم (٦)، قال: حدَّثنا ابنُ أبي زيدُونَ، عن الفِريابِيِّ، عن سُفيانَ الثَّورِيِّ، قال: لا يجُوزُ تمرةٌ بتَمْرتينِ، ولا تمرةٌ بتَمْرةٍ. قال أبو خازِم: ما أحسن معناهُ في هذا، ذهَبَ إلى أنَّ ذلك كلَّهُ أصلُ الكيلِ، وإلى أنَّ التَّمرةَ بالتَّمرتينِ وبالتَّمرةِ، غيرُ مُدرَكٍ (٧) بالكيلِ.

стр. 6613

قال أبو عُمر: أمّا تمرةٌ بتَمْرةٍ فلا أدرِي ما في ذلك عِندَ مالكٍ والشّافِعيِّ ومن تابَعهُما على القولِ بأنَّ التَّمرةَ بالتَّمْرتينِ لا يجُوزُ. والذي أقُولُهُ في ذلك على أصلِهِما، أنَّ المُماثلةَ إن أمكَنْت في التَّمرةِ بالتَّمرةِ بالوزنِ، جازَ ذلك، والله أعلمُ. وقولُ الثَّورِيِّ حسن جِدًّا، لعدَم المُماثلةِ في التَّمرةِ بالتَّمرةِ، وعَدم الكَيْلِ، الذي هُو أصلُهما، ولأنَّ ما كان أصلُهُ الكيل، فلا يُردُّ إلى الوَزنِ عِندهُم، إلّا مع الاضطِرارِ. قال أبو عُمر: لا حاجَةَ بأحدٍ إلى بيع تمرةٍ بتمرةٍ، فلا وجهَ للتَّعرُّضِ إلى مِثلِ هذه الشُّبهةِ، فيما لا ضرُورةَ ولا حاجةَ بالنّاسِ إليه. وقدِ احتجَّ من أجازَ التَّمرةَ بالتَّمرتينِ، بأنَّ مُستهلِكَ التَّمرةِ والتَّمرتينِ، تجِبُ عليه القِيمةُ. فقال: إنَّهُ لا مكِيلَ ولا موزُونَ، فجاز فيه التَّفاضُلُ. وهذا عِندِي غيرُ لازِم؛ لأنَّ ما جَرَى فيه الرِّبا في التَّفاضُلِ، دخَلَ قليلُهُ وكثِيرُهُ في ذلك قِياسًا ونظرًا، والله المُوفِّقُ للصَّوابِ. وقال مالكٌ (١): لا يجُوزُ البيضُ بالبيضِ مُتفاضِلًا؛ لأنَّهُ يُدَّخَرُ، ويجُوزُ عِندَهُ مِثلًا بمِثل. قال: ويجُوزُ بيعُ الصَّغِيرِ منهُ بالكبِيرِ. وبيضُ الدَّجاج، وبيضُ الإوَزِّ، وبيضُ النَّعام، إذا تحرَّى ذلك أن يكون مِثلًا بمِثل، جازَ. وقال محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الحَكَم: جائزٌ بيضةٌ ببيضتينِ وبأكثر، وجائزٌ التَّفاضُلُ في البَيْضِ؛ لأنَّهُ ليس ممّا يُدَّخرُ. وقال الأوزاعِيُّ: لا بأسَ (٢) ببيضةٍ ببيضتينِ يدًا بيدٍ، وجَوْزةٍ (٣) بجوزتينِ (٤).

стр. 6614

ولا يجُوزُ عِند الشّافِعيِّ (١) بيضةٌ ببيضتينِ، ولا رُمّانةٌ برُمّانتينِ، ولا بطِّيخةٌ ببِطِّيختينِ، لا يدًا بيدٍ، ولا نسِيئَةً؛ لأنَّ ذلك كلَّهُ طعامٌ مأكُولٌ. وقد قدَّمتُ لك أصلَهُ، وأصلَ غير من الفُقهاءِ، فيما يدخُلُهُ الرِّبا، وعِلّةَ كلِّ واحِدٍ منهُم في ذلك، في غيرِ موضِع من كِتابِنا هذا، فلا معنى لإعادَةِ ذلك هاهُنا. وقال مالكٌ (٢): لا يُباعُ اللَّحمُ الرَّطْبُ بالقدِيدِ، لا (٣) مِثلًا بمِثل، ولا مُتفاضِلًا. قال: وكذلك اللَّحمُ المشوِيُّ بالنَّيِّئ لا يجُوزُ مُتساوِيًا، ولا مُتفاضِلًا. ولا بأسَ عِند مالكٍ بالطَّرِيِّ بالمطبُوخ، مِثلًا بمِثلٍ ومُتفاضِلًا، إذا أثَّرت فيه الصَّنعةُ، وخالَفتِ الغَرَض منهُ ومن غيرِهِ. وقال الشّافِعيُّ (٤): لا يجُوزُ بيعُ اللَّحم من الجِنْسِ الواحِدِ مَطْبُوخًا منهُ بنَيِّئ بحال، إذا كان إنَّما يُدَّخَرُ مطبُوخًا، وكذلك المطبُوخُ بالمطبُوخ لا يجُوزُ. يعني (٥) إلّا أن يكونَ لا مرَقَ فيه، ويكونُ جِنسًا واحِدًا، فيجُوزُ مِثلًا بمِثل، وإن كان جِنْسينِ، جازَ فيه التَّفاضُلُ والتَّساوِي يَدًا بيدٍ. وذكرَ المُزنِيُّ، عن الشّافِعيِّ قال: اللَّحمُ كلُّهُ صِنْف واحِدٌ: وَحْشِيُّهُ وإنسِيُّهُ وطائرُهُ، لا يجُوزُ بيعُهُ حتَّى يتبين (٦) إلّا مِثلًا بمِثل، وزنًا بوزنٍ. وجَعَلهُ في موضِع آخَر على قَوْلينِ. قال المُزنِيُّ: وقد قَطعَ بأنَّ ألبانَ البَقَرِ والغَنم والإبِلِ أصنافٌ مُختلِفةٌ، فلُحُومُها التي هي أُصُولُ الألبانِ أولى بالاختِلافِ.

стр. 6615

وقال الشّافِعيُّ في "الإملاءِ على مسائلِ مالكٍ المجمُوعةِ": إذا اختلَفَتْ أجناسُ الحِيتانِ، فلا بأسَ ببعضِها ببعضٍ مُتفاضِلًا. وكذلك لُحُومُ الطَّيرِ إذا اختلفَتْ أجناسُها. قال المُزنِيُّ: وفي هذا كِفايةٌ. يعني: من قولِهِ ومذهبِهِ. وقال الطَّحاوِيُّ (١): قِياسُ قولِ أبي حنِيفةَ وأصحابِهِ، أن لا يُباعَ اللَّحمُ النَّيِّئُ بالمشوِيِّ إلّا يدًا بيدٍ، مِثلًا بمِثل، إلّا أن يكونَ في أحدِهِما شيءٌ من التَّوابِلِ، فيكون الفَضْلُ في الآخر (٢) للتَّوابِل. وذكر ابنُ خُوَيْزمَنْداد، قال: قال أصحابُ أبي حنِيفةَ: يجِيءُ على قَولِ أبي حنِيفةَ ألّا يجُوز النَّيِّئُ بالمشوِيِّ، كما قال في المقلُوَّةِ بالبُرِّ، وَيجيءُ (٣) على قولِهِ أيضًا، أنَّهُ يجُوزُ كما قال في الحِنطةِ المبلُولةِ باليابِسةِ. قال ابنُ خُوَيْزمَنْداد: فقد اختلَطَ المذهبُ على أصحابِ أبي حنِيفةَ في هذه المسألةِ، وليس لهُ فيها نصٌّ. وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ والحسنُ بن حيٍّ: يجُوزُ بيعُ شاتَينِ مَذبُوحتينِ، إحداهُما بالأُخرى، ولو لم يَكُن مَعهُما جِلدٌ لم يَجُز؛ لأنَّ اللَّحم باللَّحم لا يجُوزُ، إلّا وزنًا بوزنٍ، ولا يجُوزُ فيه التَّحرِّي (٤). وقال الشّافِعيُّ (٥): لا يجُوزُ التَّحرِّي فيما بعضُهُ ببعضٍ مُتفاضِلًا رِبًا. وقال مالكٌ (٦) واللَّيثُ: لا يُشْتَرى اللَّحمُ بعضُهُ ببعضٍ، إلّا مِثلًا بمِثل

стр. 6616

على التّحرِّي (١)، ويُتحرَّى ذلك، وإن لم يُوزَن، ولا يُباعُ المذبُوحُ بالمذبُوح، إلّا مِثلًا بمِثل، على التَّحرِّي، وكذلك الرَّأسُ بالرَّأسينِ. وقال ابنُ خُوَيْزمَنْداد، في بابِ بيع الرُّطبِ بالتَّمرِ: فإن قيلَ: قدِ اتَّفقَ الجميعُ أنَّ شاةً بشاتينِ جائزٌ، وإن كانَتْ إحداهُما أكثر لحمًا من الأُخرى. قيل لهُ: إن كان يُرادُ بهما اللَّحمُ، فلا يجُوزُ بيعُ شاةٍ بشاتَينِ. وقال مالكٌ (٢): لا يجُوزُ خَلُّ التَّمرِ بخَلِّ العِنَبِ إلّا مِثلًا بمِثل، وهُو عِندَهُ جِنسٌ واحِدٌ، لأنَّ الغَرَض فيه واحِدٌ. قال: وكذلك نبِيذُ التَّمرِ، ونبِيذُ الزَّبِيبِ، ونبِيذُ العَسَلِ، لا يجُوزُ إلّا مِثلًا بمِثل، إذا كان لا يُسكِرُ كثِيرُهُ. قال مالكٌ (٣): وليسَ هذا مِثل زيتِ الزَّيتُونِ، وزيتِ الفُجلِ، وزيتِ الجُلجُلانِ (٤)؛ لأنَّ هذه مُختلِفةٌ، ومنافِعها شتَّى، والغَرَض فيها مُختلِفٌ. وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: لا بأس بخلِّ التَّمرِ بخلِّ العِنبِ، اثنانِ بواحِدٍ. ولا يجُوزُ عِند الشّافِعيِّ بيعُ الخلِّ بالخلِّ أصلًا، إذا كان الأصلُ فيه واحِدًا (٥). وذكر ابنُ خُوَيْزمَنْداد، عن الشّافِعيِّ (٦)، أنَّهُ قال في الزُّيُوتِ: كلُّ زيتٍ منها جِنسٌ بنفسِهِ، فزَيتُ الزَّيتُونِ غيرُ زيتِ الفُجلِ، وغيرُ زيتِ الجُلجُلانِ (٧). وقال اللَّيثُ بن سعدٍ: كلُّهُ صِنفٌ واحِدٌ لا يجُوزُ إلّا مِثلًا بمِثل: زيتُ الزَّيتُونِ وزيتُ الجُلجُلانِ وزيتُ الفُجلِ.

стр. 6617

قال: ولا بأسَ بزيتِ الكَتّانِ بغير من الزَّيتِ مُتفاضِلًا، يدًا بيدٍ. قال أبو عُمر: قد ذكَرْنا في هذا البابِ أُصُولهُ مُسْتَوعبةً، وذكرنا من فُرُوعِهِ (١) كثِيرًا، ليُوقَف بذلك على أُصُولِ مذاهِبِ العُلماءِ فيه (٢)، ويُوقَف بذلك على المعنى الجارِي فيه منها الرِّبا في الزِّيادةِ. وأمّا بابُ المُزابنةِ في بيع الزَّيتِ بالزَّيتُونِ، واللَّحم بالحيوانِ، والزُّبدِ باللَّبنِ، والعِنَبِ بالعصِيرِ الحُلوِ، وما أشْبَه ذلك كلَّهُ، فقد مضَتْ منهُ أصُولٌ عِندَ ذِكرِ المُزابنةِ في مَواضِعَ من كِتابِنا هذا، مِنها: حديثُ داود بن الحُصينِ. وحديثُ ابنِ شِهابٍ، عن سعِيدٍ. وحديثُ نافِع، عن ابنِ عُمر. وذكرنا هُنالِك من معنى المُزابنةِ ما يُوقَفُ به على المُرادِ من مذاهِبِ العُلماءِ في ذلك إن شاءَ الله. وأمّا قولُهُ ﷺ : "أينقُصُ الرُّطبُ إذا يبِسَ؟ " على ما في حديثِ هذا البابِ قال مَعْنٌ ويحيى القَطّانُ والقَعْنبيُّ وغيرُهم، عن مالك: فقال لمن حولَه: أينقُص الرُّطبُ إذا يَبِس؟ فأدَّوا هذه الكلمةَ لمن سواه، وليست روايةَ يحيى (٣) فللعُلماءِ فيه قولانِ: أحدُهُما، وهُو أضعفُهُما: أنَّهُ استِفهامٌ استفهمَ عنهُ أهل النَّخِيلِ والمعرِفةِ بالتُّمُورِ والرُّطَب، وردَّ الأمر إليهم في عِلم نُقصانِ الرُّطَبِ إذا يبِسَ. ومن زعمَ ذلك قال: إنَّ هذا أَصلٌ في ردِّ المعرِفةِ بالعُيُوبِ، وقِيم المُتلَفاتِ إلى أربابِ الصِّناعاتِ. والقولُ الآخرُ، وهُو أصحُّهُما: أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يَسْتفهِم عن ذلك، ولكِنَّهُ قرَّر أصحابَهُ على صِحَّةِ نُقصانِ الرُّطب إذا يبِسَ، ليُبيِّن لهُمُ المعنى الذي منهُ منعَ، فقال لهُم: "أينقُصُ الرُّطبُ؟ ". أي: أَليس ينقُصُ الرُّطبُ إذا يبِسَ، وقد نهيتُكُم عن بيع التَّمرِ بالتَّمرِ إلّا مِثلًا بمِثلٍ. وقد رُوي هكذا عن مالك: أليس ينقُص

стр. 6618

الرُّطب إذا يَبِس؟ هكذا رواهُ عبدُ الله بن نُمير وحمّاد بن سَلَمة عن مالك، فقالا: أليس يَنقُص؟ (١). فهذا تقرِيرٌ منهُ وتوبِيخٌ، وليسَ باستِفهام في الحَقِيقةِ؛ لأنَّ مِثلَ هذا لا يجُوزُ جَهلُهُ على النَّبيِّ ﷺ ، والاستِفهامُ في كلام العَرَبِ قد يأتي بمعنى التَّقرِيرِ كثِيرًا، وبمعنى التَّوبِيخ، كما قال الله : ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾ [المائدة: ١١٦]. فهذا استِفهامٌ معناهُ التَّقرِيرُ، وليس معناهُ أنَّهُ استَفْهَمَ عمّا جهِلَ (٢)، جلَّ الله وتعالى عن ذلك، ومن التَّقرِيرِ أيضًا بلفظِ الاستِفهام، قولُهُ : ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، وقولُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]، وقولُهُ: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ [طه: ١٧ - ١٨] وهذا كثِيرٌ. وقولُهُ ﷺ في هذا الحديثِ: "أينقُصُ الرُّطبُ إذا يبِسَ؟ " نحو قولِهِ: "أرأيتَ إن منعَ الله الثَّمرةَ، فبمَ (٣) يأخُذُ أحدُكُم مالَ أخِيهِ؟ " (٤). فكأنَّهُ (٥) قد قال: أليسَ الرُّطبُ إذا يبِسَ نقصَ؟ فكيف تبِيعُونهُ بالتَّمرِ، والتَّمرُ لا يجُوزُ بالتَّمرِ إلّا مِثلًا بمِثل، والمُماثلةُ معدُومة (٦) في مِثلِ هذا، فلا تبِيعُوا التَّمر بالرُّطبِ بحالٍ. فهذا أصلٌ في مُراعاةِ المآلِ في ذلك. وهذا تقديرُ (٧) قولِهِ ﷺ عِندَ من نزَّهَهُ، ونفى عنهُ أن يكون جهِلَ أنَّ الرُّطَبَ ينقُصُ إذا يبِسَ، وهذا هُو الحقُّ إن شاءَ الله تعالى، وبه التَّوفِيقُ.

стр. 6619

مالكٌ، عن عبدِ الله بن عبدِ الله (١) بن جابرِ بن عَتِيكٍ الأنصارِيِّ المُعاويِّ ، حديثانِ وعبدُ الله (٢) هذا مدنِيٌّ (٣) تابِعِيٌّ ثِقة، روى عنهُ مالكٌ، وعُبيدُ الله بن عُمر. وقد ذكرنا نسَبهُ عِندَ ذِكرِ جدِّهِ جابرِ بن عَتِيكٍ في كِتابِ "الصَّحابةِ" (٤). حديثٌ أوَّلُ لعبدِ الله بن عبدِ الله بن جابرِ بن عَتِيكٍ مالكٌ (٥)، عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن جابرِ بن عَتِيكٍ، أنَّهُ قال: جاءَنا عَبدُ الله بن عُمرَ في بني مُعاويةَ، وهي قريةٌ من قُرَى الأنصارِ، فقال: هل تدرُونَ أين صلَّى رسُولُ الله ﷺ من مَسْجدِكُم هذا؟ فقُلتُ لهُ: نعم، وأشرتُ لهُ إلى ناحِيةٍ منهُ، فقال لي: هل تَدْرِي ما الثَّلاثُ التي دَعا بهِنَّ فيهِ؟ فقُلتُ لهُ: نعم، قال: فأخبِرني بهِنَّ. قال: فقُلتُ: دعا بأنْ لا يُظهِرَ عليهم عدُوًّا من غيرهِم، ولا يُهلِكَهُم بالسِّنِينَ، فأُعْطِيهُما، ودَعا بأنْ لا يجعلَ بأسَهُم بينهُم فمُنِعها. قال: صدقتَ. قال ابنُ عُمرَ: فلن يَزالَ الهَرْجُ إلى يوم القِيامَةِ. هكذا رَوَى يحيى هذا الحديث، بهذا الإسنادِ، وقدِ اضطربَ (٦) فيه رُواةُ "المُوطَّأ" عن مالكٍ اضطِرابًا شدِيدًا. فطائفةٌ منهُم تقولُ كما قال يحيى: عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن جابرِ بن عتِيكٍ، أنَّهُ قال: جاءَنا عبدُ الله بن عُمر، ولم يجعلُوا بين عبدِ الله شيخ مالكٍ هذا وبين ابنِ عُمر أحدًا، منهُمُ: ابنُ وَهْبٍ، وابنُ بُكيرٍ، ومعنُ بن عِيسى.

стр. 6620

وطائفةٌ منهُم تقولُ: عن مالكٍ، عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن جابرِ بن عَتِيكٍ، عن عَتِيكِ بن الحارِثِ بن عتِيكٍ، أنَّهُ قال: جاءَنا عبدُ الله بن عُمر. منهُمُ: ابنُ القاسم (١)، على اختِلافٍ عنهُ في ذلك (٢). وقد رُوِي عنهُ مِثلُ رِوايةِ يحيى، وابنِ وَهْبٍ، وابنِ بُكيرٍ. وطائفةٌ منهُم تقولُ: مالكٌ، عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن جابرِ بن عَتِيكٍ، عن جابرِ بن عَتِيكٍ، أنَّهُ قال: جاءَنا عبدُ الله بن عُمر (٣). منهُمُ: القَعْنبِيُّ، على اختِلافٍ عنهُ، والتِّنِّيسِيُّ، وموسى بن أعْيَنَ، ومُطرِّفٌ (٤). قال أبو عُمر: رِوايةُ يحيى هذه أولى بالصَّوابِ عِندِي إن شاءَ الله، واللهُ أعلمُ، من رِوايةِ القعنبِيِّ ومُطرِّفٍ، لمُتابَعةِ ابنِ وَهْبٍ ومعنٍ، وأكثرِ الرُّواةِ لهُ على ذلك، وحسبُك باتّفاقِ (٥) ابنِ وَهْبٍ، ومَعنٍ (٦). وقد (٧) صحَّح البُخارِيُّ (٨) ﵀ وأبو حاتِم الرّازِيُّ (٩) سماعَ عبدِ الله بن عبدِ الله بن جابرِ بن عَتِيكٍ من ابنِ عُمرَ. أخبَرنا محمدُ بن أحمد بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ جعفرُ بن أحمد بن عبدِ الله البزّازُ بمِصرَ، قال: أخبَرنا أبو الفَضْلِ جعفرُ بن أحمد بن عبدِ السَّلام البزّازُ، قال:

стр. 6621

حدَّثنا يُونُسُ بن عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا عبدُ الله بن وَهْبٍ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن جابرِ بن عتِيكٍ، أنَّهُ قال: جاءَنا عبدُ الله بن عُمر في بني مُعاويةَ، وهي قَرْيةٌ من قُرى الأنصارِ، فقال: هل تَدْرِي أين صلَّى رسُولُ الله ﷺ من مَسْجدِكُم هذا؟ فقُلتُ لهُ (١): نعم، وأشرتُ إلى (٢) ناحِيةٍ منهُ، فقال: هل تَدْرِي ما الثَّلاثُ التي دعا بهِنَّ فيهِ؟ فقُلتُ: نعم. قال: فأخْبِرني بهِنَّ؟ فقُلتُ: دعا بأن لا يُظهِرَ عليهم عدُوًّا من غيرِهِم، ولا يُهلِكَهُم بالسِّنِين، فأُعْطِيهُما، ودَعا بأن لا يجعَلَ بأسَهُم بينهُم، فمُنِعها. فقال عبدُ الله بن عُمرَ: صدقتَ، فلن يزال الهَرْجُ إلى يوم القِيامةِ. والدَّليلُ على أنَّ رِوايةَ يحيى وابنِ وَهْبٍ في إسنادِ هذا الحديثِ أصوبُ، أنَّ عُبيد الله بن عُمرَ روى هذا الحديث، عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن جابرِ بن عتِيكٍ هذا، كذلك. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُويسٍ، قال: حدَّثني أخِي، عن سُليمانَ بن بلال، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن عبدِ الله بن عبدِ الله الأنصارِيِّ، من بني مُعاويةَ: أنَّ عبد الله بن عُمرَ جاءَهُم، فسألهُ أن يُخرِجَ لهُ وَضُوءًا. قال: فأخرجتُ لهُ وَضُوءًا فتوضَّأ، ثُمَّ قال: إنَّ النَّبيَّ ﷺ دَعا ربَّهُ في مَسْجدِكُم، وسألَ ربَّهُ ثلاثًا، فأعطاهُ اثنتَيْنِ، ومَنعهُ واحِدةً، سَألَهُ أن لا يُسلِّطَ على أُمَّتِهِ عَدُوًّا من غيرِهِم يَظْهرُ عليهِم، فأعْطاهُ ذلك، وسألَهُ أن لا يُهلِكهُم بالسِّنِينَ، فأعْطاهُ ذلك، وسألَهُ أن لا يجعلَ بأسَهُم بينهُم، فمَنعهُ ذلك (٣). وقد روى هذا الحديث سعدٌ بنحوِ ما رواهُ جابرُ بن عَتِيكٍ وعبدُ الله بن عُمر.

стр. 6622

ذكر يَعقُوبُ بن شَيْبةَ، قال: حدَّثنا يَعْلَى بن عُبيدٍ الطَّنافِسِيُّ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن حكيم (١)، عن عامرِ بن سَعْدِ بن أبي وقّاصٍ، عن أبيهِ، قال: أقبَلْنا معَ رسُولِ الله ﷺ حتَّى مَرْرنا على مَسجِدِ بني مُعاويةَ، فدخلَ فصلَّى رَكْعتينِ، وصلَّينا معهُ، وناجى ربَّهُ طوِيلًا، ثُمَّ قال: "سألتُ ربِّي ثلاثًا: سألتُهُ ألّا يُهلِكَ أُمَّتي بالغرقِ (٢) فأعْطانِيها، وسألتُهُ ألّا يُهلِكَ أُمَّتي بالسَّنةِ فأعْطانِيها، وسألتُهُ ألّا يجعلَ بأسَهُم بينهُم فمَنَعنيها" (٣). قال أبو عُمر: في حديثِ مالكٍ هذا من وُجُوهِ العلم: طرحُ العالِم المسألةَ من العِلم على تِلمِيذ، وسُؤالُهُ إيّاهُ عمّا هُو أعلمُ به منهُ (٤) أو مِثلُهُ، ليقِفَ على حِفْظِهِ وعلى ما عِندَهُ من ذلك. وفيه ما يُفسِّرُ قولَهُ ﷺ : "إنَّ لكلِّ نبِيٍّ دَعْوةً يدعُو بها، فاختبأتُ دَعْوتي شفاعَةً لأُمَّتِي" (٥)، أنَّ ذلك على وجهِ الأُمنِيةِ والعَطاءِ، لا على وجهِ الدُّعاءِ؛ لأنَّ دُعاءَهُ كلَّهُ، أو أكثرَهُ مُجابٌ إن شاءَ الله، ألا تَرَى أنَّهُ قد أُجِيبت دَعْوتُهُ في أن لا يُهلِكَ أُمَّتهُ بالسِّنِينَ، ولا يُسلِّط عليهِم عدُوًّا من غيرِهِم يَسْتأصِلُهُم، فكيفَ يجُوزُ أن يَظُنَّ أحدٌ أنَّهُ لم تَكُن لهُ إلّا دَعْوةٌ واحِدةٌ يُستجابُ لهُ فيها، أو لغيرِهِ من

стр. 6623

الأنبِياء؟ هذا ما لا يتَوهَّمُهُ ذو لُبٍّ إن شاءَ الله. وقد مضى القولُ في هذا العنى، في بابِ أبي الزِّنادِ، والحمدُ لله. وفيه: ما كان عليه ابنُ عُمرَ من التَّبرُّكِ بحرَكاتِ رسُولِ الله ﷺ ، اقتِداءً به، وتأسِّيًا بحرَكاتِهِ، ألا تَرَى أنَّهُ إنَّما سألهُم عن الموضِع الذي صلَّى فيه رسُولُ الله ﷺ من مَسْجدِهِم، ليُصلِّي فيه، تَبرُّكًا بذلك، ورَجاءَ الخيرِ فيهِ. وفي قولِ ابنِ عُمر لعبدِ الله بن عبدِ الله بن جابرِ بن عَتِيكٍ: أخْبِرني بهِنَّ، ثُمَّ قولِهِ لهُ إذ أخبَرهُ بهِنَّ: صدقتَ، دليلٌ على أنَّهُ قد كان يعلَمُ ما سألَ عنهُ، والله أعلمُ. وقد بان بحمدِ الله في هذا الحديثِ: أنَّ الله لا يُهلِكُ أُمَّةَ محمدٍ ﷺ بالسِّنِينَ، ولا يعُمُّهُم في أقْطارِ الأرضِ بجُوع وجَدْبٍ، وهذا يدُلُّ على أنَّ الأرضَ كلَّها لا يَعُمُّها الجَدْبُ أبدًا؛ لأنَّ أُمَّتهُ في أكثرِ أقْطارِها، وإذا لم يَعُمَّهُمُ الجَدْبُ والقَحْطُ والجُوعُ، فأحْرَى ألّا يعُمَّ الأرض. وفي هذا الحديثِ دليلٌ واضِحٌ، على أنَّ دِينَ محمدٍ ﷺ لا يزالُ إلى أن تقُومَ السّاعةُ، ولا يُهلِكُ أمَّةَ محمدٍ ﷺ عدُوٌّ يَسْتأصِلُها أبدًا، وأنَّها في أكثرِ أقطارِ الأرضِ، والحمدُ لله كثِيرًا. وفيه دليلٌ على أنَّ الفِتنَ لا تزالُ في أُمَّةِ محمدٍ ﷺ ، يَقتُلُ بعضُها بعضًا، ما بَقِيتِ الدُّنيا؛ لأنَّهُ قد مُنِعَ ﷺ ألّا يُجعلَ بأسُهُم بينهُم. قال ابنُ عُمر: فلن يزالَ الهَرْجُ إلى يوم القِيامَةِ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ وسعِيدُ بن نَصْرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال (١): حدَّثنا سُليمانُ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا

стр. 6624

حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي أسماءَ، عن ثوبانَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ "زُوِيت لي الأرضُ" أو قال: "إنَّ الله زَوَى لي الأرضَ، فرأيتُ مَشارِقها ومَغارِبها، وأنَّ مُلكَ أُمَّتي سيبلُغُ ما زُوِيَ لي مِنها، وأُعطِيتُ الكَنْزينِ الأحمرَ والأبيضَ، وإنِّي سألتُ ربِّي لأُمَّتي أن لا يُهلِكَهُم بسَنةٍ بعامَّةٍ، ولا يُسلِّطَ عليهم عدُوًّا من قِبَلِ (١) أنفُسِهِم، فيَسْتبِيحَ بيضَتَهُم، وإنَّ ربِّي قال: يا محمدُ، إنِّي إذا قَضَيتُ قَضاءً فإنَّهُ لا يُردُّ، ولا أُهلِكُهُم بسنةٍ بعامَّةٍ، ولا أُسلِّطُ عليهِم عدُوًّا من سِوَى أنفُسِهِم يَسْتبِيحُ بيضَتَهُم، ولوِ اجتمعَ عليهِم مَنْ بينَ أقطارِها، حتَّى يكون بَعضُهُم يَسْبِي بعضًا، وبعضُهُم يُهلِكُ بعضًا، وإنَّما أخافُ على أُمَّتي الأئمَّةَ المُضِلِّينَ، وإذا وُضِعَ السَّيفُ في أُمَّتِي، لم يُرفَع عنها إلى يوم القِيامَةِ. . ." وذكر تمام الحديثِ. وأخبَرنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال (٢): حدَّثنا كثِيرُ بن هشام، قال: حدَّثنا جعفرُ بن بُرْقانَ، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن الأصَمِّ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "تَظْهرُ الفِتنُ، ويَكْثُرُ الهَرْجُ". قال: قُلنا: وما الهرجُ؟ قال: "القتلُ". وذكرَ الحديث. قال أبو عُمر: قد ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ من وُجُوهٍ: أنَّ الهَرْجَ لا يزالُ إلى يوم القِيامةِ.

стр. 6625

والهَرْجُ بتسكِينِ الرّاءِ: القتلُ. وكذلك الرِّوايةُ في هذا الحديثِ وغيرِهِ. وأصلُ الهَرْج اختِلافُ النّاسِ من غيرِ رئيسٍ، وذلك (١) يدعُوهُم إلى القَتْلِ. قال عبدُ الله بن قيسِ الرُّقيّاتِ (٢): ليت شِعرِي أأوَّلُ (٣) الهَرْج هذا ... أم زَمانٌ يكونُ من غيرِ هَرْجِ إن يعِش مُصْعَبٌ فنحنُ بخيرٍ ... قد أتانا من عَيْشِنا ما نُرجِّي أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: أخبَرنا محمدُ بن يحيى بن عُمرَ بن عليٍّ، قال: أخبَرنا عليُّ بن حربٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن عَمْرٍو (٤)، سمِعَ جابرَ بن عبدِ الله يقولُ: لمّا نزلَتْ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسُولُ الله ﷺ : "أعُوذُ بوجهِكَ". ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: "أعُوذُ بوجهِكَ". ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] قال: (٥) "هاتانِ أهْوَنُ وأيْسَرُ" (٦). ورواهُ حمّادُ بن سَلَمةَ (٧)، ومعمرٌ (٨)، وحمّادُ بن زيدٍ (٩)، عن عَمرِو بن دِينارٍ،

стр. 6626

عن جابرٍ مِثلهُ سواءً، إلّا أنَّهُم قالوا في آخِرِهِ: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]. قال: "هذه أهونُ". وبعضُهُم قال: "هذه أيسرُ". وابنُ عُيينةَ أثبتُ النّاسِ في عَمرِو بن دِينارٍ. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ وغيرُهُ، عن مَعْمر، عن الزُّهرِيِّ قال: راقَبَ خبّابُ بن الأرتِّ، وكان بدرِيًّا، رسُول الله ﷺ وهُو يُصلِّي، حتَّى إذا كان الصُّبحُ، قال لهُ: يا نبِيَّ الله، لقَدْ رأيتُكَ اللَّيلةَ تُصلِّي صلاةً، ما رأيتُك صلَّيتَ مِثلَها. قال: "أجل، إنَّها صلاةُ رغَبٍ ورَهَبٍ، سألتُ ربِّي فيها ثلاثَ خِصال، فأعْطاني اثنتينِ ومَنَعني واحِدةً، سألتُهُ ألّا يُهلِكَنا بما أهلكَ به الأُمم، فأعْطاني، وسألتُهُ أن لا يُسلِّط عَلَينا عدُوًّا، فأعطاني، وسألتُهُ أن لا يَلْبِسنا شِيَعًا، فمَنَعني" (١). وذكر سُنيدٌ، عن حجّاج، عن ابنِ جُرَيج، عن مُجاهِدٍ، في قولِهِ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: لأُمّةِ محمدٍ ﷺ ، فأعْفاهُم مِنها (٢). ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: ما كان من الفِتَنِ والاختِلافِ. قال ابنُ جُريج: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾. يقولُ: الرَّميُ بالحِجارةِ، أوِ الغَرَقُ، أو بعضُ ما عِندَهُ من العَذابِ. ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: الخسفُ. قال: وحدَّثنا أبو سُفيانَ، عن مَعْمرٍ، عن قَتادةَ، في قولِهِ: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف: ٤١] قال: ذهَبَ النَّبيُّ ﷺ وبقِيتِ النِّقْمةُ (٣)،

стр. 6627

ولم يرَ النَّبيُّ ﷺ في أُمَّتِهِ شيئًا يَكْرهُهُ، حتَّى مَضَى، ولم يكُن نبِيٌّ إلّا أُرِي في أُمَّتِهِ العُقُوبةَ، إلّا نبِيَّكُم ﷺ (١). حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٢): حدَّثنا وكِيعٌ، عن عُبادةَ بن مُسلِم الفَزارِيِّ، عن جُبَيرِ بن أبي سُليمانَ بن جُبيرِ بن مُطْعِم، عن ابنِ عُمر، أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقولُ في دُعائهِ: "اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بك أن أُغتالَ من تحتِي". يعني: الخسفَ. أخبرنا إبراهيمُ بن شاكرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيُّوبَ بن حبِيبٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو البزّارُ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، وعمرُو بن عليٍّ، ومحمدُ بن معمرٍ، قالوا: حدَّثنا أبو عامرٍ، عن كثِيرِ بن زيدٍ، قال: حدَّثني عبدُ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ، قال: حدَّثني جابرُ بن عبدِ الله قال: دعا رسُولُ الله ﷺ في مسجدِ الفتح - وقال محمدُ بن المُثنَّى: في مسجدِ قُباءٍ - ثلاثًا: يوم الاثنينِ، ويوم الثُّلاثاءِ، ويوم الأربعاءِ، فاستُجِيب لهُ يوم الأربعاءِ بين الصَّلاتينِ.

стр. 6628

قال جابر: فلم ينزِل بي أمرٌ مُهِمٌّ، إلّا توخَّيتُ تِلك السّاعةَ فأدعُو فيها، فأعرِفُ الإجابةَ. وأخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ بُندارٌ، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ، قال: حدَّثنا كثِيرٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ، قال: حدَّثنا جابرُ بن عبدِ الله، قال: دَعا رسُولُ الله ﷺ في مَسجِدِ الفتح ثلاثًا: يومَ الاثنينِ، ويومَ الثُّلاثاءِ، ويومَ الأربعاءِ، فاستُجِيب لهُ يومَ الأربعاءِ بينَ الصَّلاتينِ، فعُرِفَ البِشرُ في وَجْهِهِ. قال جابرٌ: فلم ينزِل بي (١) أمرٌ مُهِمٌّ عائصٌ، إلّا توخَّيتُ تلك السّاعةَ فأدْعُو فيها، فأعرِفُ الإجابةَ (٢). وحدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جرِيرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مروانَ البصرِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا كثِيرُ بن زيدٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن كَعْبِ بن مالكٍ، قال: حدَّثني جابرُ بن عبدِ الله، قال: دَعا رسُولُ الله ﷺ ، فذكرهُ إلى آخِرِهِ (٣). أخبرنا سعِيدٌ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حربٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن صَقْعَبٍ، قال: حدَّثنا عطاءٌ، قال: ثلاث خِلالٍ تُفتَّحُ فيهِنَّ أبوابُ السَّماءِ، فاغتنِمُوا الدُّعاءَ فيهِنَّ: عِندَ نُزُولِ المطرِ، وعِندَ التِقاءِ الزَّحْفينِ (٤)، وعِندَ الأذانِ. وسيأتي من هذا المعنى في بابِ أبي حازِم إن شاءَ الله، وبه التَّوفِيقُ.

стр. 6629

حديثٌ ثانٍ لعبدِ الله بن عبدِ الله بن جابرِ بن عتِيكٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن جابرِ بن عتِيكٍ، عن عَتِيكِ بن الحارِثِ بن عَتِيكٍ، وهُو جَدُّ عبدِ الله بن عبدِ الله بن جابرِ، أبو أُمِّهِ، أنَّهُ أخبَرهُ أنَّ جابر بن عتِيكٍ أخبَرهُ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ جاءَ يعُودُ عبد الله بن ثابتٍ، فوجَدَهُ قد غُلِبَ، فصاحَ به، فلم يُجِبهُ، فاسترجَعَ رسُولُ الله ﷺ وقال: "غُلِبنا عليكَ يا أبا الرَّبِيع". فصاحَ النِّسوةُ وبكينَ، فجعلَ جابز يُسكِتُهُنَّ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "دعهُنَّ، فإذا وجبَ، فلا تَبْكِينَّ باكيةٌ". قالوا: يا رسُولَ الله وما الوُجُوبُ؟ قال: "إذا ماتَ". فقالتِ ابنتُهُ: والله إن كنتُ لأرجُو أن تكونَ شَهِيدًا، فإنَّكَ قد كُنتَ قضيتَ جِهازكَ. فقال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ الله قد أوقَعَ أجرهُ على قَدرِ نِيَّتِهِ، وما تعُدُّونَ الشَّهادةَ؟ " قالوا: القَتْلُ في سبِيلِ الله، فقال رسُولُ الله ﷺ : "الشُّهداءُ سبْعة سِوَى القَتْلِ في سبِيلِ الله: المطعُونُ شهِيدٌ، والغَرِقُ (٢) شهِيدٌ، وصاحِبُ ذاتِ الجَنْبِ شهِيدٌ، والمبطُونُ شهِيدٌ (٣)، والحَرِقُ (٤) شهِيدٌ، والذي يمُوتُ تحتَ الهدم شهِيدٌ، والمرأةُ تمُوتُ بجُمْع شَهِيدٌ". هكذا رواهُ جماعةُ الرُّواةِ عن مالكٍ فيما علِمتُ، لم يختلِفُوا في إسناده ومتنِهِ (٥)، إلّا أنَّ غير مالكٍ يقولُ في هذا الحديثِ: "دعهُنَّ يبكِينَ ما دام عِندَهُنَّ".

стр. 6630

وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ معانٍ، مِنها: عِيادةُ المرِيضِ، وعِيادةُ الرَّجُلِ الكبِيرِ العالِم الشَّرِيفِ، لمن دُونهُ. وعِيادةُ المَرْضَى (١) سُنّةٌ مسنُونةٌ، فعَلَها رسُولُ الله ﷺ ، وأمرَ بها، وندبَ إليها، وأخبرَ عن فَضْلِها بضُرُوبٍ من القَوْلِ، ليس هذا مَوْضِع ذِكرِها، فثبتَتْ سُنَّةً ماضِيةً لا خِلافَ فيها. وفيه: الصِّياحُ بالعَليلِ على وَجْهِ النِّداءِ لهُ، ليسمعَ فيُجِيب عن (٢) حالِهِ. ألا تَرَى أنَّ رسُولَ الله ﷺ صاحَ بأبي الرَّبِيع، فلمّا لم يُجِبهُ اسْتَرجعَ على ذلك، لأنَّها مُصِيبةٌ؟ والاسْتِرجاعُ قولُ الله (٣): ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]. وهُو القولُ الواجِبُ عِندَ المصائبِ. وفيه: تكنِيةُ الرَّجُلِ الكبِيرِ لمن دُونهُ، وهذا يُبطِلُ ما يُحكَى عن الخُلفاءِ أنَّهُم لا يَكْنُونَ أحدًا، عصَمَنا الله عمّا دقَّ وجلَّ من التَّكبُّرِ برَحمتِهِ. وفيه: إباحَةُ البُكاءِ على المرِيضِ بالصِّياح وغيرِ الصِّياح، عِند حُضُورِ وفاتِهِ. وفيه: النَّهيُ عن البُكاءِ عليهِ إذا وجبَ موتُهُ. وفي نهيِ جابرِ بن عَتِيكٍ للنِّساءِ عن البُكاءِ، دليلٌ على أنَّهُ قد كان سمِعَ النَّهي عن ذلك، فتأوَّلهُ على العُمُوم واللهُ أعلم (٤)، فقال لهُ رسُولُ الله ﷺ : "دعهُنَّ"،

стр. 6631

يعني: يبكِين، حتَّى يمُوت، ثُمَّ لا تبكِينَّ باكِيةٌ. يُرِيدُ، واللهُ أعلمُ، لا يَبكِيَنَّ نِياحًا ولا صِياحًا بعد وُجُوبِ مَوتِهِ. وعلى هذا جُمهُورُ الفُقهاءِ: أنَّهُ لا بأسَ بالبُكاءِ على الميِّتِ، ما لم يُخلَط ذلك بنُدْبَةٍ ولا نِياحَةٍ (١)، وشقِّ جيبٍ، ونَشْرِ شعرٍ، وخَمْشِ وجهٍ. قال ابنُ عبّاسٍ في مِثلِ هذا من بُكاءِ العينِ دُونَ نِياحَةٍ: اللهُ أضْحَكَ وأبكى (٢). وقد مضى هذا المعنى واضِحًا في بابِ عبدِ الله بن أبي بكرٍ، والحمدُ لله. وقد روى اللَّيثُ بن سعدٍ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، قال: مرَّ النَّبيُّ ﷺ بجِنازةٍ يُبكَى عليها، وأنا مَعهُ وعُمرُ بن الخطّابِ، فانْتَهَرَهُم عُمرُ، فقال: "دعهُنَّ يا ابن الخطّابِ، فإنَّ النَّفسَ مُصابةٌ، والعينَ دامِعةٌ، والعهدَ قرِيبٌ". لم يُتابَع اللَّيثُ على هذا الإسنادِ، وإنَّما رَوتهُ الجماعةُ عن هشام بن عُروةَ، [عن وَهْبِ بن كَيْسانَ] (٣) عن محمدِ بن عَمرِو بن عَطاءٍ، عن سَلَمةَ بن الأزرقِ، عن أبي هريرةَ (٤). وروى عبدُ الرَّحمنِ بن حسّانَ بن ثابتٍ، عن أُمِّهِ (٥) سِيرِين، قالت: حَضَرتُ

стр. 6632

موتَ إبراهيمَ ابنِ النَّبيِّ ﷺ ، فكُنتُ كلَّما صِحْتُ أنا وأُختِي، لا ينهانا رسُولُ الله ﷺ ، فلمّا ماتَ، نهانا عن الصِّياح (١). وأمّا قولُهُ: "فإذا وجَبَ فلا تبكِينَّ باكِيةٌ". وتفسِيرُهُ لذلك، بأنَّهُ إذا ماتَ، فأظُنُّ ذلك، واللهُ أعلمُ، مأخُوذ من وَجْبةِ الحائطِ (٢)، إذا سقطَ وانهدَمَ. وفيه: أنَّ المُتَجهِّز (٣) للغَزْوِ، إذا حِيلَ بينهُ وبينهُ، يُكتَبُ لهُ أجرُ الغازِي، وَيقعُ أجرُهُ على قدرِ نِيَّتهِ. والآثارُ الصِّحاحُ تدُلُّ على أنَّ من نَوَى خيرًا وهمَّ به، ولم يصرِفْ نِيَّتهُ عنهُ، وحِيلَ بينهُ وبينهُ، أنَّهُ يُكتَبُ لهُ أجرُ ما نَوَى من ذلك، ألّا تَرَى إلى قولِهِ ﷺ : "من كانَتْ لهُ صلاةٌ بليل، فغَلَبتهُ عينُهُ، كُتِبَ لهُ أجرُ صلاتِهِ، وكان نَوْمُهُ عليه صَدَقةً" (٤). وقولُه ﷺ : "حَبَسهُمُ العُذرُ". يُبيِّنُ ما ذكرنا. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمةَ، عن حُميدٍ، عن موسى بن أنسِ بن مالكٍ، عن أبيهِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لقد تركتُم بالمدِينةِ أقوامًا، ما سِرتُم مَسِيرًا، ولا أنفقتُم من نَفَقةٍ، ولا قَطَعتُم من وادٍ، إلّا وهُم مَعكُم فيهِ". قالوا: يا رسولَ الله، وكيفَ يكونُونَ معنا، وهُم بالمدِينةِ؟ قال: "حَبَسهُمُ العُذرُ". وقد أشْبَعنا هذا المعنى في بابِ محمدِ بن المُنكدِرِ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.
следующие страницы →