← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6628–6667 · переход к 6633.

стр. 6628

قال جابر: فلم ينزِل بي أمرٌ مُهِمٌّ، إلّا توخَّيتُ تِلك السّاعةَ فأدعُو فيها، فأعرِفُ الإجابةَ. وأخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ بُندارٌ، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ، قال: حدَّثنا كثِيرٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ، قال: حدَّثنا جابرُ بن عبدِ الله، قال: دَعا رسُولُ الله ﷺ في مَسجِدِ الفتح ثلاثًا: يومَ الاثنينِ، ويومَ الثُّلاثاءِ، ويومَ الأربعاءِ، فاستُجِيب لهُ يومَ الأربعاءِ بينَ الصَّلاتينِ، فعُرِفَ البِشرُ في وَجْهِهِ. قال جابرٌ: فلم ينزِل بي (١) أمرٌ مُهِمٌّ عائصٌ، إلّا توخَّيتُ تلك السّاعةَ فأدْعُو فيها، فأعرِفُ الإجابةَ (٢). وحدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جرِيرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مروانَ البصرِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا كثِيرُ بن زيدٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن كَعْبِ بن مالكٍ، قال: حدَّثني جابرُ بن عبدِ الله، قال: دَعا رسُولُ الله ﷺ ، فذكرهُ إلى آخِرِهِ (٣). أخبرنا سعِيدٌ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حربٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن صَقْعَبٍ، قال: حدَّثنا عطاءٌ، قال: ثلاث خِلالٍ تُفتَّحُ فيهِنَّ أبوابُ السَّماءِ، فاغتنِمُوا الدُّعاءَ فيهِنَّ: عِندَ نُزُولِ المطرِ، وعِندَ التِقاءِ الزَّحْفينِ (٤)، وعِندَ الأذانِ. وسيأتي من هذا المعنى في بابِ أبي حازِم إن شاءَ الله، وبه التَّوفِيقُ.

стр. 6629

حديثٌ ثانٍ لعبدِ الله بن عبدِ الله بن جابرِ بن عتِيكٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن جابرِ بن عتِيكٍ، عن عَتِيكِ بن الحارِثِ بن عَتِيكٍ، وهُو جَدُّ عبدِ الله بن عبدِ الله بن جابرِ، أبو أُمِّهِ، أنَّهُ أخبَرهُ أنَّ جابر بن عتِيكٍ أخبَرهُ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ جاءَ يعُودُ عبد الله بن ثابتٍ، فوجَدَهُ قد غُلِبَ، فصاحَ به، فلم يُجِبهُ، فاسترجَعَ رسُولُ الله ﷺ وقال: "غُلِبنا عليكَ يا أبا الرَّبِيع". فصاحَ النِّسوةُ وبكينَ، فجعلَ جابز يُسكِتُهُنَّ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "دعهُنَّ، فإذا وجبَ، فلا تَبْكِينَّ باكيةٌ". قالوا: يا رسُولَ الله وما الوُجُوبُ؟ قال: "إذا ماتَ". فقالتِ ابنتُهُ: والله إن كنتُ لأرجُو أن تكونَ شَهِيدًا، فإنَّكَ قد كُنتَ قضيتَ جِهازكَ. فقال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ الله قد أوقَعَ أجرهُ على قَدرِ نِيَّتِهِ، وما تعُدُّونَ الشَّهادةَ؟ " قالوا: القَتْلُ في سبِيلِ الله، فقال رسُولُ الله ﷺ : "الشُّهداءُ سبْعة سِوَى القَتْلِ في سبِيلِ الله: المطعُونُ شهِيدٌ، والغَرِقُ (٢) شهِيدٌ، وصاحِبُ ذاتِ الجَنْبِ شهِيدٌ، والمبطُونُ شهِيدٌ (٣)، والحَرِقُ (٤) شهِيدٌ، والذي يمُوتُ تحتَ الهدم شهِيدٌ، والمرأةُ تمُوتُ بجُمْع شَهِيدٌ". هكذا رواهُ جماعةُ الرُّواةِ عن مالكٍ فيما علِمتُ، لم يختلِفُوا في إسناده ومتنِهِ (٥)، إلّا أنَّ غير مالكٍ يقولُ في هذا الحديثِ: "دعهُنَّ يبكِينَ ما دام عِندَهُنَّ".

стр. 6630

وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ معانٍ، مِنها: عِيادةُ المرِيضِ، وعِيادةُ الرَّجُلِ الكبِيرِ العالِم الشَّرِيفِ، لمن دُونهُ. وعِيادةُ المَرْضَى (١) سُنّةٌ مسنُونةٌ، فعَلَها رسُولُ الله ﷺ ، وأمرَ بها، وندبَ إليها، وأخبرَ عن فَضْلِها بضُرُوبٍ من القَوْلِ، ليس هذا مَوْضِع ذِكرِها، فثبتَتْ سُنَّةً ماضِيةً لا خِلافَ فيها. وفيه: الصِّياحُ بالعَليلِ على وَجْهِ النِّداءِ لهُ، ليسمعَ فيُجِيب عن (٢) حالِهِ. ألا تَرَى أنَّ رسُولَ الله ﷺ صاحَ بأبي الرَّبِيع، فلمّا لم يُجِبهُ اسْتَرجعَ على ذلك، لأنَّها مُصِيبةٌ؟ والاسْتِرجاعُ قولُ الله (٣): ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]. وهُو القولُ الواجِبُ عِندَ المصائبِ. وفيه: تكنِيةُ الرَّجُلِ الكبِيرِ لمن دُونهُ، وهذا يُبطِلُ ما يُحكَى عن الخُلفاءِ أنَّهُم لا يَكْنُونَ أحدًا، عصَمَنا الله عمّا دقَّ وجلَّ من التَّكبُّرِ برَحمتِهِ. وفيه: إباحَةُ البُكاءِ على المرِيضِ بالصِّياح وغيرِ الصِّياح، عِند حُضُورِ وفاتِهِ. وفيه: النَّهيُ عن البُكاءِ عليهِ إذا وجبَ موتُهُ. وفي نهيِ جابرِ بن عَتِيكٍ للنِّساءِ عن البُكاءِ، دليلٌ على أنَّهُ قد كان سمِعَ النَّهي عن ذلك، فتأوَّلهُ على العُمُوم واللهُ أعلم (٤)، فقال لهُ رسُولُ الله ﷺ : "دعهُنَّ"،

стр. 6631

يعني: يبكِين، حتَّى يمُوت، ثُمَّ لا تبكِينَّ باكِيةٌ. يُرِيدُ، واللهُ أعلمُ، لا يَبكِيَنَّ نِياحًا ولا صِياحًا بعد وُجُوبِ مَوتِهِ. وعلى هذا جُمهُورُ الفُقهاءِ: أنَّهُ لا بأسَ بالبُكاءِ على الميِّتِ، ما لم يُخلَط ذلك بنُدْبَةٍ ولا نِياحَةٍ (١)، وشقِّ جيبٍ، ونَشْرِ شعرٍ، وخَمْشِ وجهٍ. قال ابنُ عبّاسٍ في مِثلِ هذا من بُكاءِ العينِ دُونَ نِياحَةٍ: اللهُ أضْحَكَ وأبكى (٢). وقد مضى هذا المعنى واضِحًا في بابِ عبدِ الله بن أبي بكرٍ، والحمدُ لله. وقد روى اللَّيثُ بن سعدٍ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، قال: مرَّ النَّبيُّ ﷺ بجِنازةٍ يُبكَى عليها، وأنا مَعهُ وعُمرُ بن الخطّابِ، فانْتَهَرَهُم عُمرُ، فقال: "دعهُنَّ يا ابن الخطّابِ، فإنَّ النَّفسَ مُصابةٌ، والعينَ دامِعةٌ، والعهدَ قرِيبٌ". لم يُتابَع اللَّيثُ على هذا الإسنادِ، وإنَّما رَوتهُ الجماعةُ عن هشام بن عُروةَ، [عن وَهْبِ بن كَيْسانَ] (٣) عن محمدِ بن عَمرِو بن عَطاءٍ، عن سَلَمةَ بن الأزرقِ، عن أبي هريرةَ (٤). وروى عبدُ الرَّحمنِ بن حسّانَ بن ثابتٍ، عن أُمِّهِ (٥) سِيرِين، قالت: حَضَرتُ

стр. 6632

موتَ إبراهيمَ ابنِ النَّبيِّ ﷺ ، فكُنتُ كلَّما صِحْتُ أنا وأُختِي، لا ينهانا رسُولُ الله ﷺ ، فلمّا ماتَ، نهانا عن الصِّياح (١). وأمّا قولُهُ: "فإذا وجَبَ فلا تبكِينَّ باكِيةٌ". وتفسِيرُهُ لذلك، بأنَّهُ إذا ماتَ، فأظُنُّ ذلك، واللهُ أعلمُ، مأخُوذ من وَجْبةِ الحائطِ (٢)، إذا سقطَ وانهدَمَ. وفيه: أنَّ المُتَجهِّز (٣) للغَزْوِ، إذا حِيلَ بينهُ وبينهُ، يُكتَبُ لهُ أجرُ الغازِي، وَيقعُ أجرُهُ على قدرِ نِيَّتهِ. والآثارُ الصِّحاحُ تدُلُّ على أنَّ من نَوَى خيرًا وهمَّ به، ولم يصرِفْ نِيَّتهُ عنهُ، وحِيلَ بينهُ وبينهُ، أنَّهُ يُكتَبُ لهُ أجرُ ما نَوَى من ذلك، ألّا تَرَى إلى قولِهِ ﷺ : "من كانَتْ لهُ صلاةٌ بليل، فغَلَبتهُ عينُهُ، كُتِبَ لهُ أجرُ صلاتِهِ، وكان نَوْمُهُ عليه صَدَقةً" (٤). وقولُه ﷺ : "حَبَسهُمُ العُذرُ". يُبيِّنُ ما ذكرنا. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمةَ، عن حُميدٍ، عن موسى بن أنسِ بن مالكٍ، عن أبيهِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لقد تركتُم بالمدِينةِ أقوامًا، ما سِرتُم مَسِيرًا، ولا أنفقتُم من نَفَقةٍ، ولا قَطَعتُم من وادٍ، إلّا وهُم مَعكُم فيهِ". قالوا: يا رسولَ الله، وكيفَ يكونُونَ معنا، وهُم بالمدِينةِ؟ قال: "حَبَسهُمُ العُذرُ". وقد أشْبَعنا هذا المعنى في بابِ محمدِ بن المُنكدِرِ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.

стр. 6633

وفيه: دليلٌ على أنَّ الأعمالَ إنَّما تكونُ بالنِّيّاتِ، وأنَّ نِيَّةَ المُؤمِنِ خيرٌ من عَملِهِ، على ما رُوِي في الآثار (١)، وهذا مَعناهُ عِندَنا أنَّ نِيَّةَ المُؤمِنِ خيرٌ من عَمَلٍ (٢) بلا نِيَّةٍ. وفيه: طرحُ العالِم على المُتعلِّم، ألّا تَرى إلى قولِهِ: "وما تعُدُّونَ الشَّهادةَ فيكُم؟ ". ثُمَّ أجابهُم بخِلافِ ما عِندَهُم، وقال لهُم: "الشُّهداءُ سَبْعةٌ سِوَى القتلِ في سبِيلِ الله". ثُمَّ ذكرهُم. فأمّا قولُهُ: "المطعُونُ شَهِيدٌ". فهُو الذي يمُوتُ في الطّاعُونِ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا عيسى بن دَلُّوية (٣) المعرُوفُ بالزَّغاثِ (٤)، قال: حدَّثنا فَرْوةُ بن أبي المغراءِ، قال: حدَّثنا عليُّ بن مُسهِرٍ، عن يُوسُف بن ميمُونٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عُمرَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ فَناءَ أُمَّتي بالطَّعن والطّاعُونِ". قالت: الطَّعنُ قد عَرَفناهُ، فما الطّاعُونُ؟ قال: "غُدَّةٌ كغُدَّةِ البعِيرِ، تخرُجُ في المراقِ (٥) والآباطِ، من ماتَ منهُ، ماتَ شَهِيدًا. . .". وذكرَ تمامَ الحديثِ (٦). حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا

стр. 6634

عبدُ الواحِدِ بن زِيادٍ، قال: حدَّثنا عاصِمٌ الأحولُ، قال: حدَّثتني حَفْصةُ بنتُ سِيرِينَ، قالت: قال لي أنسُ بن مالكٍ: مِمَّ ماتَ يحيى بن أبي عَمْرةَ؟ قُلتُ: ماتَ في الطّاعُونِ. قال أنسٌ: قال رسُولُ الله ﷺ : "الطّاعُونُ شهادةٌ لكلِّ (١) مُسلِم" (٢). يحيى بن أبي عَمْرةَ، هُو يحيى بن (٣) سِيرِينَ، أخُو محمدِ بن سِيرِينَ، وسِيرِينُ أبوهُم هُو أبو عَمْرةَ (٤). وحدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مسرُورٍ، قال: حدَّثنا عِيسى بن مِسْكِينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجرٍ، قال: حدَّثنا عارِمٌ (٥)، قال: حدَّثنا داودُ بن أبي الفُراتِ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن بُريدةَ، عن يحيى بن يَعْمُر، عن عائشةَ أنَّها حدَّثتهُ: أنَّها سألَتْ رسُول الله ﷺ عن الطّاعُونِ، فأخبَرَها نبِيُّ الله ﷺ : "أنَّهُ كان عذابًا يبعثُهُ الله على من يَشاءُ، فجعلَهُ الله رحمةً للمُؤمِنِين، فليسَ من عبدٍ يَقَعُ الطّاعُونُ بأرضِهِ، فيثبُتُ فيها، وهُو يعلَمُ أنَّهُ لن يُصِيبهُ إلّا ما كتَبَ الله لهُ، إلّا كان لهُ أجرُ شهِيدٍ" (٦).

стр. 6635

وأمّا الغَرِقُ فمعرُوفٌ، وهُو الذي يمُوتُ غرقًا في الماءِ. وذاتُ الجنبِ، يقولُونَ: هي الشَّوصةُ (١)، وذلك معرُوفٌ، وصاحِبُها شهِيدٌ، على ما ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ في هذا الحديثِ وغيره، يُقالُ: رجُلٌ جَنِبٌ، بكسرِ النُّونِ، إذا كانت به ذاتُ الجنبِ، وقيل في صاحِبِ ذاتِ الجنبِ: المجنُوبُ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ (٢)، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا وكِيعٌ، قال: حدَّثنا أبو العُمَيسِ، عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن جابرِ بن عتِيكٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أتاهُ يَعُودُهُ، فقال: "القَتلُ في سبِيلِ الله شهادةٌ، والمرأةُ تمُوتُ بجُمْع شهادةٌ، والغَرِقُ شهادةٌ، والحَرِقُ شهادةٌ، والمطعُونُ شهادةٌ، والمبطُونُ شهادةٌ، والمجنُوبُ شهادةٌ". هكذا يقولُ أبو العُميسِ في إسنادِ هذا الحديثِ، والصَّوابُ ما قالهُ فيه مالكٌ، ولم يُقِمهُ (٣) أبو العُمَيسِ. وأمّا المبطُونُ، فقيل فيهِ: المَحْبُون (٤). وقيل فيهِ: صاحِبُ الإسهالِ، والله أعلمُ. قرأتُ على عبدِ الوارِثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسم بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا بِشْرُ بن حجرٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن عبدِ الله، عن سُهَيلِ بن أبي صالح، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال (٥) رسُولُ الله ﷺ :

стр. 6636

"من تعُدُّونَ الشُّهداءَ فيكُم؟ " قالوا: من قُتِلَ في سبِيلِ الله فهُو شهِيدٌ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ شُهداءَ أُمَّتي إذَنْ لقليلٌ، من قُتِل في سبِيلِ الله فهُو شهِيدٌ، ومن ماتَ في سبِيلِ الله فهُو شَهِيدٌ، ومن ماتَ من طاعُونٍ فهُو شهِيدٌ، ومن ماتَ من بَطْنٍ فهُو شهِيدٌ". قال سُهيلٌ: فحدَّثني عُبيدُ الله (١) بن مِقْسم، أنَّهُ قال: أشهدُ على أبيكَ أنَّهُ زادَ فيه الخامِسةَ: "ومن غرِقَ فهُو شَهِيدٌ" (٢). قال أبو عُمر: قد ذكرنا معنى القَتْلِ والموتِ في سبِيلِ الله، بالشَّواهِدِ على ذلك، في بابِ إسحاقَ من هذا الكِتابِ، والحمدُ لله. وأمّا الحَرِقُ، فالذي يحترِقُ في النّارِ فيمُوتُ. وأمّا الذي يمُوتُ تحت الهدم، فأعرَفُ من أن يُفسَّر. وأمّا قولُهُ: "المرأةُ تمُوتُ بجُمْع". ففيه قولانِ، لكلِّ واحِدٍ منهُما وجهانِ: أحدُهُما: هي المرأةُ تمُوتُ من الوِلادةِ، وولدُها في بَطْنِها قد تمَّ خلقُهُ، وماتَتْ من النِّفاسِ وهُو في بَطْنِها لم تلِدهُ، قال أبو عُبيدٍ (٣): الجُمْعُ، التي في بطنِها ولدُها. وأنشد قول الشّاعِرِ (٤): وَرَدناهُ في مَجْرَى سُهيل يمانِيًا ... بصُعرِ البُرَى من بينِ جُمْعٍ وخادِجِ

стр. 6637

قال: والخادِجُ: النّاقة (١) التي ألقَتْ ولدها. وقيل: إذا ماتَتْ من الوِلادةِ، فسواءٌ ماتَتْ وولدُها في بطنِها، أو ولدتهُ ثُمَّ ماتت بإثرِ ذلك. والقولُ الآخرُ: هي المرأةُ تمُوتُ عَذْراءَ لم تُنكَح ولم تُقتَضَّ. وقيل: هي المرأةُ تمُوتُ ولم تُطمَث. والمعنى واحِدٌ، لقولِهِ : ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]. أي: لم يطأهُنَّ. والقَولُ الأوَّلُ أشهرُ وأكثرُ. واللهُ أعلمُ. وقال ابنُ السِّكِّيتِ (٢): يُقالُ: هلكَتْ فُلانةٌ بجُمْع، وبجِمْع لُغتانِ، أي: ووَلَدُها في بطنِها. قال: ويُقالُ أيضًا للعَذْراء: (٣) هي بجُمْع وبجِمْع، بالضَّمِّ والكسرِ لُغتانِ أيضًا. وذكر قول امرأةِ العجّاج إذ نشَزَتْ عليه، قالت للوالِي: أصلحك الله (٤)، إنِّي منهُ بجُمْع، وإن شِئتَ بجِمْع. وقد حدَّثني عبدُ العزيزِ بن عبدِ الرَّحمنِ ومحمدُ بن إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سَعِيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن صالح، قال: حدَّثنا حُسَينُ بن عليٍّ، عن زائدةَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن مُهاجِرٍ البَجَلِيُّ (٥)، عن طارِقِ بن شِهابٍ، قال: ذُكِرَ عِندَ عبدِ الله الشُّهداءُ، فقيل: إنَّ فُلانًا قُتِلَ يوم كذا وكذا شَهِيدًا، وقُتِل فُلانٌ يومَ كذا وكذا شهِيدًا. فقال عبدُ الله:

стр. 6638

لئن لم يَكُن شُهداؤُكُم إلّا من قُتِلَ، إنَّ شُهداءَكُم إذَنْ لقليلٌ، إنَّ من (١) يَتَردَّى من الجِبالِ، ويغرَقُ في البُحُورِ، وتأكلُهُ السِّباعُ، شُهداءُ عِندَ الله يومَ القِيامَةِ (٢). وذكر الحُلوانِيُّ في كِتابِ "المعرِفةِ" قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحنفِيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ بن مُهاجِرٍ، عن عبدِ الملكِ (٣) بن عُميرٍ، قال: سمِعتُهُ يقولُ: قال عليُّ بن أبي طالِبٍ: من حَبَسهُ السُّلطانُ، وهُو ظالِم لهُ، فماتَ في محبسِهِ ذلك، فهُو شهِيدٌ، ومن ضَرَبهُ السُّلطانُ ظالِمًا لهُ، فماتَ من ضربِهِ ذلك، فهُو شهِيدٌ، وكلُّ مِيتةٍ يمُوتُ بها المُسلِمُ، فهُو شَهِيدٌ، غيرَ أنَّ الشَّهادةَ تتفاضَلُ (٤).

стр. 6639

مالكٌ عن عبدِ الله بن أبي حُسينٍ المكِّيِّ حديثٌ واحِدٌ مُرسلٌ وهُو عبدُ الله (١) بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي حُسَينِ بن الحارِثِ بن عامرِ بن نوفلِ بن عبدِ منافٍ القُرَشيُّ النَّوفِليٌّ، من أهلِ مكَّةَ. كبِيرٌ، ثِقةٌ فقِيهٌ، عالِمٌ بالمناسِكِ. روى عنهُ مالكٌ، والثَّورِيُّ، وابنُ عُيَينةَ، وشُعَيبُ بن أبي حمزةَ. وروى عنهُ من الكِبارِ: أبو إسحاقَ السَّبِيعِيُّ الكُوفيُّ حديث: "تَصِلُ من قطعكَ، وتُعطِي من حرمكَ، وتعفُو عمَّن ظَلَمكَ" (٢). وهُو ثِقةٌ عِندَ الجميع، كان أحمدُ بن حنبلٍ يُثني عليه. وقال (٣) البُخارِيُّ (٤): سمِعَ نوفل بن مُساحِقٍ، ونافِع بن جُبيرٍ. قال سُعيرُ بن الخِمْسِ: سمِعتُ عبد الله بن حَسَنٍ يقولُ: ما أحدٌ أعلمَ بالمناسِكِ من ابنِ أبي حُسَينٍ. مالكٌ (٥)، عن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمَنِ بن أبي حُسَينٍ المَكِّيِّ، أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ، ولا في حَرِيسَةِ جَبَل، فإذا آواهُ المُراحُ أوِ الجَرِينُ (٦)، فالقَطْعُ فيما يَبلُغُ ثَمَنَ المِجَنِّ". لم يختلِفِ الرُّواةُ فيما علمتُ في إرسالِ هذا الحديثِ في "المُوطَّأ" (٧) وهُو حديثٌ يتَّصِلُ معناهُ من حديثِ عبدِ الله بن عَمرِو بن العاصِ وغيرِهِ.

стр. 6640

وقد ذكرنا بعضَ طُرِّقِهِ في بابِ يحيى بن سعِيدٍ، عن محمدِ بن يحيى بن حَبّان، ومَضَى هُناك القولُ في أكثرِ معاني هذا الحديثِ. ومَضَى أيضًا في بابِ ابنِ شهابٍ أُصُولُ مَسائلِ الحِرزِ، وما للعُلماءِ في ذلك. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمِذِيُّ وعُبيدُ (١) بن عبدِ الواحِدِ البزّارُ، قالا: حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: حدَّثنا يحيى بن أيُّوبَ واللَّيثُ بن سعدٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بن عَجْلانَ، عن عَمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ (٢) عبدِ الله بن عَمرِو بن العاصِ، أنَّهُ قال: سُئلَ رسُولُ الله ﷺ عن الثَّمرِ المُعلَّقِ. فقال: "من أصابَ منهُ من ذي حاجَةٍ، غير مُتَّخِذٍ خُبنةً (٣)، فلا شيءَ عليه، ومن خرجَ بشيءٍ منه (٤)، فعليهِ غرامةُ مِثلَيهِ". وقال عبيد (٥): "غرامةُ مِثلِهِ". ثمَّ اتَّفقا: "ومن سرقَ منهُ شيئًا بعدَ أن يأوِيهُ الجرِينُ، فبلَغَ ثمنَ المِجنِّ، فعلَيهِ القَطْعُ". زاد التِّرمِذِيُّ (٦):

стр. 6641

"ومن سرقَ دُون ذلك، فعليه غرامةُ مِثلِهِ، والعُقُوبةُ" (١). وورواهُ ابنُ وَهْب عن عَمرِو بن الحارِثِ وهشامِ بنِ سعدٍ، عن عَمرِو بن شُعيبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، مِثلهُ بمعنًى واحِدٍ (٢). قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ كلِمةٌ منسُوخةٌ، وهي قولُهُ ﷺ : "وغرامةُ مِثلَيهِ". لا أعلمُ أحدًا من الفُقهاءِ قال بها، إلّا ما جاءَ، عن عُمر ﵁ في رَقِيقِ حاطِبِ بن أبي بَلْتعةَ، حِين انتَحرُوا ناقَةَ رجُلٍ من مُزَينةَ (٣). ورِوايةً عن أحمد بن حنبلٍ (٤). ويُحملُ هذا على العُقُوبةِ والتَّشدِيدِ، والذي عليه النّاسُ العُقُوبةُ في الغُرم بالمِثلِ، لقولِ الله: ميو ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. وقولِهِ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. وأمّا العُقُوبةُ في البدنِ بالاجتِهادِ، فغيرُ مدفُوعةٍ عِندَ العُلماءِ. وأمّا قولُهُ في حديثِ مالكٍ: "لا قطعَ في ثَمَرٍ مُعلَّقٍ". فالثَّمرُ المُعلَّقُ: ما كان في رُؤُوسِ الأشجارِ من ضُرُوبِ الثِّمارِ، ولا قطعَ على سارِقِهِ عِندَ جُمهُورِ العُلماءِ، لهذا الحديثِ، وقد بيَّنّا هذا المعنى في بابِ يحيى بن سعِيدٍ، عن محمدِ بن يحيى بن حَبان. وأمّا الحرِيسةُ، فذكر أبو عُبيدٍ (٥) قال: الحرِيسةُ تُفسَّرُ تفسِيرينِ، فبَعضُهُم

стр. 6642

يجعلُها السَّرِقةَ نفسها، تقولُ منهُ: حرَسْتُ أحرِسُ حَرْسًا: إذا سرَقْتَ. فيكونُ المعنى: أنَّهُ ليسَ فيما سُرِقَ من الماشِيةِ بالجَبلِ قطعٌ، حتَّى يأوِيها المُراحُ. والتَّفسِيرُ الآخرُ: أن تكون الحَرِيسةُ، هي المحرُوسةَ، فيقولُ: ليسَ فيما يُحرَسُ بالجَبَلِ قطعٌ؛ لأنَّهُ ليسَ بمَوضِع حِرْزٍ، وإن حُرِسَ. وقال مالكٌ (١) والشّافِعيُّ (٢)، في الإبِلِ إذا كانت في مَراعِيها: لم يُقطَعْ من سرَقَ مِنها، فإن أواها المُراحُ، قُطِعَ من سَرَقها، إذا بلغت ما يجِبُ فيه القطعُ. وهُو قولُ أبي حنِيفةَ، وأبي ثورٍ، إذا لم يكُن للإبِلِ (٣) في مرعاها من يُحرِزُها ويحفظُها (٤). وقولُهُم في الثَّمرِ المُعلَّقِ: إنَّهُ لا يُقطَعُ سارِقُهُ، حتَّى يأوِيهُ الجَرِينُ، فيَسْرِق (٥) منهُ ما يجِبُ فيه القطعُ، قُطِع سارِقُهُ. وقد مَضَى في بابِ نافِع القولُ في مِقدارِ ما يجِبُ فيه القطعُ، وما للعُلماءِ في ذلك من الأقوالِ والاعتِلالِ. ومضى في بابِ ابنِ شِهابٍ القولُ في معنى الحِرزِ. ويأتي في بابِ يحيى بن سعِيدٍ، عن محمدِ بن يحيى بن حَبّان، كثِيرٌ من مَعاني هذا البابِ، بأبسَطَ منهُ هاهُنا وأوضح إن شاءَ الله. وقال مالكٌ (٦): إذا أوى الجرِينُ الزَّرعَ أوِ الثَّمرَ، أو أوى المُراحُ الغنَمَ، فعلى من يَسْرق من ذلك - قِيمةَ رُبع دِينارٍ - القطعُ.

стр. 6643

قال مالكٌ: ولا قطع في ثمرٍ مُعلَّقٍ، ولا كَثَرٍ، والكَثَرُ: الجُمّارُ. قال: ولا قطع في النَّخلةِ الصَّغِير ولا الكبيرة، ومن قطَعَ نخلةً من حائطٍ، فليس فيها قطعٌ. وخالفهُ أشهبُ في النَّخلةِ، فرأى فيها القطع. وأمّا قولُهُ: الجَرِينُ، فالجرِينُ هُو المِرْبدُ عِندَ أهلِ المدِينةِ وأهلِ الحِجازِ، ويُسمِّيهِ أهلُ العِراقِ البَيْدَرَ، ويُقالُ لهُ بالبصرةِ: الجوخانُ (١)، ويُسمِّيهِ أهلُ الشّام الأندَرَ. وأمّا المُراحُ: فهُو مَوْضِعُ مبِيتِ الغنم الذي ترُوحُ إليه، وتُجمعُ (٢) فيه ليلًا، وكذلك إن جُمِعت فيه للحِرزِ نهارًا، والله أعلمُ.

стр. 6644

مالكٌ عن عُبيدِ الله بن أبي عبدِ الله الأغرِّ (١) حديثٌ واحِدٌ، شرِكهُ فيه زيدُ بن رباح وعُبيدُ الله (٢) هذا أحدُ ثِقاتِ أهلِ المدِينةِ. روى عنهُ مالكٌ، وموسى بن عُقبةَ وغيرُهُما، وأبوهُ أبو عبدِ الله الأغرُّ، اسمُهُ سلمانُ، مولى جُهينةَ، يُقالُ: أصلُهُم من أصبهانَ، وهُو من ثِقاتِ تابِعِي أهلِ المدِينةِ. يروِي عن أبي هريرةَ، وأبي سعِيدٍ، روى عنهُ ابنُ شِهابٍ، وغيرُهُ. مالكٌ (٣)، عن زيدِ بن رباح وعُبيدِ الله بن أبي عبدِ الله، عن عبدِ الله الأغرِّ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "صلاةٌ في مَسْجدِي هذا، خيرٌ من ألفِ صَلاةٍ فيما سِواهُ، إلّا المسجدَ الحَرامَ". قد مضَى القولُ في مَعنَى هذا الحديثِ، بما فيه من الآثارِ، واختِلافِ عُلماءِ الأمْصارِ، في بابِ زيدِ بن رباح، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا.

стр. 6645

مالكٌ عن عُبيدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ حديثٌ واحِدٌ وهُو عُبيدُ الله (١) بن عبدِ الرَّحمنِ بن السّائبِ بن عُميرٍ، مدنِيٌّ ثِقةٌ. مالكٌ (٢)، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ، عن عُبيدِ بن حُنَينٍ مولى آل زيدِ بن الخطّابِ، أنَّهُ قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: أقبلتُ معَ رسُولِ الله ﷺ فسمِعَ رَجُلًا يَقْرأُ (٣): ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقال رسُولُ الله ﷺ : "وجبَتْ". فسألتُهُ: ماذا يا رسُولَ الله؟ فقال: "الجنّةُ"، قال أبو هريرةَ: فأردتُ أن أذهَبَ إليه فأُبشِّرهُ، ثُمَّ فرِقتُ أن يفُوتني الغَداءُ مع رسُولِ الله ﷺ ، فآثرتُ الغَداءَ، ثُمَّ ذهبتُ إلى الرَّجُلِ، فوَجدتُهُ قد ذهَبَ. هكذا قال يحيى في هذا الحديثِ: مالكٌ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ. وتابَعهُ أكثرُ الرُّواةِ، منهُمُ: ابنُ وَهْبٍ، وابنُ القاسم (٤)، وابنُ بُكيرٍ (٥)، وأبو المُصعبِ (٦)، وعبدُ الله بن يُوسُف. وقال فيه القَعْنبِيُّ، ومُطرِّفٌ: مالكٌ، عن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ، عن عُبيدِ بن حُنَينٍ. والصَّوابُ ما قالهُ يحيى ومن تابَعهُ. وقد غلِطَ في هذا أحمدُ بن خالدٍ غلطًا بيِّنًا، فأدخلَ هذا الحديث في بابِ أبي طُوالةَ عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعمرٍ الأنصارِيِّ، وإنَّما دخَلَ عليه الغَلَطُ

стр. 6646

فيه من رِوايةِ القَعنبِيِّ، وقولُهُ فيهِ: عبدُ الله. فتوهَّمَ أنَّ قول يحيى: عُبيدُ الله غَلَطٌ، وظنَّهُ أبا طُوالةَ، فليسَ كما ظنَّ، وهُو عُبيدُ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن السّائبِ بن عُميرٍ، مدنِيٌّ، ثِقةٌ، معرُوفٌ عِندَ أهلِ الحديثِ هكذا، وكذلك هُو عُبيدُ الله في نُسخةِ ابنِ القاسم، وابنِ وَهْبٍ، وأبي المُصعبِ، ومُصعَبٍ الزُّبيرِيِّ، وجماعتِهِم، وهُو الصَّوابُ لا شكَّ فيهِ. وقد رأيتُهُ في بَعضِ الرِّواياتِ عن القَعنبِيِّ: عُبيد الله بن عبدِ الرَّحمنِ (١)، ولكِنَّ عليَّ بن عبدِ العزيزِ وأبا داود قالا فيه عن القَعْنبِيِّ: عبدُ الله (٢)، وكذلك رواهُ القَعْنبِيُّ، والله أعلمُ، وقد تابعهُ مُطرِّفٌ فيما رأينا. وقد حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله القاضِي، قال: حدَّثنا ابنُ أبي داودَ، قال: حدَّثنا الرَّمادِيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ عَثْمَةَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ الله (٣) بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعْمرٍ، عن عُبيدِ بن حُنَينٍ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ سمِعَ رجُلًا يَقرأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقال: "وجَبَتْ". قيل: يا رسُولَ الله ما وجبَتْ؟ قال: "وجبَتْ لهُ الجنَّةُ". هكذا قال فيه ابنُ مَعْمرٍ، جَعلهُ أبا طُوالةَ، وذلك خَطَأٌ وغلطٌ، لا أدرِي ممَّن أتى، والغَلَطُ والوهمُ لا يسلمُ منهُ أحدٌ. وأمّا عُبيدُ بن حُنينٍ، فهكذا قال فيه مالكٌ: عن عُبيدِ بن حُنينٍ، مولى آلِ زيدِ بن الخطّابِ.

стр. 6647

وقال فيه محمدُ بن إسحاقَ: عُبيدُ بن حُنَينٍ مولى الحَكَم بن أبي العاص. وكذلك قال فيه الزُّبيرُ بن بكّارٍ. وأمّا مُصعبٌ، فيدُلُّ قولُهُ على ما قالهُ مالكٌ، والله أعلمُ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (١): أخبرنا مُصعبُ بن عبدِ الله، قال: عُبيدُ بن حُنينٍ مولى لُبابةَ ابنةِ أبي لُبابةَ بن عبدِ المُنذِرِ أُمِّ عبدِ الرَّحمنِ بن زيدٍ، يعني ابن الخطّابِ، فجرَّ ولاءَهُ، وهُم من سَبْيِ عينِ التَّمرِ، سَباهُم خالدُ بن الولِيدِ في زَمَنِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، انْتَسبُوا في العربِ، وكان عُبيدُ بن حُنَينٍ يسكُنُ الكُوفةَ، وتزوَّجَ بها امرأةً من بني مَعِيصِ بن عامرِ بن لُؤَيٍّ من قُرَيشٍ، فأنكر ذلك مُصعَبُ بن الزُّبيرِ، وهُو أمِيرُ العِراقِ يَومئذٍ، فطلَبهُ (٢)، فتغيَّب منهُ، فهدَمَ دارهُ، فلحِقَ بعبدِ الله بن الزُّبيرِ، وقال: هذا مقامُ مُطْرَدٍ ... هُدِمتْ مَساكِنُهُ ودُورُهْ قذفَتْ عليه وُشاتُهُ ... ظُلمًا فعاقَبهُ أمِيرُهْ ولقد قطعتُ الخَرْقَ بعـ ... ـد الخَرْقِ مُعتسِفًا أسِيرُهْ حتَّى أتيتُ خَلِيفةَ ... الرَّحمنِ ممهُودًا سرِيرُهْ حيَّيتُهُ بتحِيَّةٍ ... في مجلِسٍ حضَرَت صُقُورُهْ (٣) والخَصْمُ عِند فِنائهِ ... من غَيْظِهِ تَغلِي قُدُورُه

стр. 6648

فكتَبَ لهُ عبدُ الله بن الزُّبيرِ إلى مُصعبٍ أن يَبْني دارهُ، ويُخلِّي بينهُ وبين أهلِهِ. قال مُصعبٌ: وعُبيدُ بن حُنَينٍ روى عن أبي هريرةَ، وتُوُفِّي بالمدِينةِ سنةَ خمسٍ ومئةٍ. وقال الطَّبرِيُّ وغيرُهُ: عُبيدُ بن حُنينٍ كان ثِقةً، وليس بكثِيرِ الحديثِ. قال الطَّبرِيُّ: هُو عَمُّ فُليح بن سُليمان، وهُو فُليحُ بن سُليمان بن أبي المُغِيرةِ بن حُنَينٍ. قال: وقيلَ: إنَّهُم من سَبْي عينِ التَّمرِ، الذين بعَثَ بهم خالدُ بن الولِيدِ إلى المدِينةِ في خِلافةِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ. قال أبو عُمر: قد خُولِفَ الطَّبرِيُّ في هذا، قال الزُّبيرُ بن بكّارٍ: فُليحُ بن سُليمان مولًى أسلم. وقال الواقِدِيُّ: تُوُفِّي عُبيدُ بن حُنَينٍ بالمدِينةِ، سنةَ خمسٍ ومئةٍ، وهُو ابنُ خمسٍ وتسعِينَ. قال أبو عُمر: ليسَ في هذا الحديثِ معنًى يُوجِبُ (١) القولَ، وهُو وإن كان خُصُوصًا لذلك الرَّجُلِ، فإنَّ الرَّجاءَ عُمُومٌ، ورحمةَ الله واسِعةٌ، ورِضاهُ وعَفْوَهُ ورحمتَهُ قرِيبٌ من المُحسِنِينَ.

стр. 6649

عبدُ الرَّحمن (١) بن عبدِ الله بن عبدِ الرّحمن (٢) بن أبي صعصعةَ الأنصارِيُّ المازِنِيُّ مدنِيٌّ ثِقةٌ (٣)، روى عنهُ مالكٌ، ويحيى بن سعِيدٍ الأنصارِيُّ، وابنُ عُيينةَ. لمالكٍ عنهُ في "المُوطَّأ" خمسةُ أحادِيث، منها ثلاثةٌ مُسنَدةٌ، واثنانِ مُرسلانِ، أحدُهُما: عن سُليمان بن يَسارٍ، والآخرُ عن نَفْسِهِ.

стр. 6650

حديثٌ أوَّلُ لعبدِ الرَّحمن بن أبي صَعْصعةَ مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ، عن أبيهِ، عن أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّهُ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "يُوشِكُ أن يكونَ خيرُ مالِ المُسلِم غَنَمًا، يَتْبعُ بها شُعَبَ الجِبالِ، ومَواقِعَ القَطْرِ، يفِرُّ بدِينِهِ من الفِتَنِ". هكذا وقعَ في هذه الرِّوايةِ: "شُعبَ الجِبالِ". وهُو عِندَهُم غلطٌ، وإنَّما يروِيهِ النّاسُ: "شعَفَ الجِبالِ". وشعَفُ الجِبالِ عِندَ أهلِ اللُّغةِ: رُؤُوسُها، وشَعَفةُ كلِّ شيءٍ: أعْلاهُ. قال الأخفشُ: الشَّعَفُ: أطرافُ الجِبالِ وظُهُورُها وأعاليها (٢)، الواحِدةُ شَعَفَةٌ. قال الشّاعِرُ: كُنّا كزَوْج من حَما ... مٍ تَرْتَقِي شَعَفَ الجِبالِ نَرْعَى النَّهار ولا نُراعْ ... بذي حابِلٍ أو نِصالِ وأمّا الشِّعبُ، فهُو عِندَهُم: ما انفرجَ بين الجَبَلينِ. وقد قيل في قولِهِ: "شُعَبُ الجِبالِ": ما تشعَّبَ منها وتَوعَّر. وهذا الحديثُ إنَّما وردَ خبرًا عن حالِ آخِرِ الزَّمانِ، وما المحمُودُ في ذلك الوَقْتِ، لكثرةِ الفِتَنِ.

стр. 6651

وقد كانَ ﷺ يحُضُّ في أوَّلِ الإسلام على لُزُوم الحَواضِر (١) للجَماعاتِ والجُمُعاتِ، ويقولُ: "من بَدا جَفا" (٢). والحديثُ المذكُورُ في هذا البابِ من أحسَنِ حديثٍ في العُزلةِ، والفِرارِ من الفِتنةِ، والبُعدِ عن مَواضِعِها من الحَواضِرِ وغيرِها.

стр. 6652

والفِتنةُ المذكُورةُ في هذا الحديثِ تحتمِلُ أن تكون فِتنةَ الأهلِ والمالِ، وفِتنةَ النَّظرِ إلى أهلِ الدُّنيا، وفِتنةَ الدُّخُولِ إلى السُّلطانِ، وغيرَ ذلك من أنواع الفِتَنِ. ولم يُرِدِ الفِتْنةَ النّازِلةَ بين المُسلِمِينَ، الحامِلةَ على القِتالِ في طَلَبِ الإمار دُونَ غيرِها من الفِتَنِ، بل أرادَ بقولِهِ: "يفِرُّ بدِينِهِ من الفِتَنِ" جميعَ أنواع الفِتنِ، والله أعلمُ. وفي ذلك دليلٌ على فَضْلِ العُزلةِ والانفِرادِ في آخِرِ الزَّمانِ، كَزمانِنا هذا. وقد ذكَرْنا لُمعًا في العُزلةِ وفَضْلِها، وفَضْلِ اعتِزالِ النّاسِ، ولُزُوم البُيُوتِ في بابِ أبي طُوالةَ من هذا الكِتابِ، وذكرنا هُناك آثارًا مرفُوعةً حِسانًا، تدُلُّ على فضلِ العُزلةِ أيضًا والجِهادِ، فلا معنى لإعادتِها هاهُنا. وفي هذا الحديثِ حضٌّ كَسْبِ الغَنَم، وفي ذلك فَضْلٌ لها، وتَبرُّكٌ بها، إلى ما رُوِي فيها عن أبي هريرةَ: أنَّها من دوابِّ الجنَّةِ (١). وفي ذلك فضلٌ لرَعْيِها ومُعاناتِها، وما من نبِيٍّ إلّا وقد رَعَى الغنَمَ. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن يزِيدَ الحَلَبِيُّ القاضِي، قال: حدَّثنا عُمرُ بن حَفْصٍ العَسْكرِيُّ، قال: حدَّثنا أبو خَيْثمةَ مُصعبُ بن سَعِيدٍ الضَّرِيرُ بحَلَب إملاءً، قال: حدَّثنا عيسى بن يُونُس، عن مِسْعَرٍ، عن سَعْدِ بن إبراهيمَ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، قال: مَرْرنا بثَمَرِ الأراكِ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "عَلَيكُم بالأسودِ منهُ، فإنِّي قد كُنتُ أجْتَنِيهِ وأنا أرْعَى الغنَمَ". قالوا: يا رسُولَ الله، ورعيتَ؟ قال: "نعم، ما من نبِيٍّ إلّا وقد رَعَى" (٢).

стр. 6653

قال أبو عُمر: قال الله : ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه: ١٧ - ١٨]. أخبَرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مَسرَّةَ. وأخبرنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قالا: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا عبدُ الله بن نُميرٍ، عن يحيى بن سعِيدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله الأنصارِيِّ، عن أبيهِ، أنَّهُ سمِع أبا سعِيدٍ الخُدرِيَّ يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "يُوشِكُ أن يكونَ خيرُ مالِ المُسلِم غنمًا، يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجِبالِ، ومواقِعَ القَطْرِ، يفِرُّ بدِينِهِ من الفِتَنِ". حدَّثنا خَلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عُمرُ بن محمدِ بن القاسم ومحمدُ بن أحمد بن كامِل ومحمدُ بن أحمد بن المِسورِ، قالوا: حدَّثنا بكرُ بن سهل، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يُوسُف، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّهُ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "يُوشِكُ أن يكونَ خيرُ مالِ المُسلِم غنمًا يتبعُ بها شَعَفَ الجِبالِ، ومواقِعَ القَطْرِ، يفِرُّ بدِينِهِ من الفِتَنِ" (٢). حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن المُفسِّرِ، قال: حدَّثنا عليُّ بن غالِبِ بن سلّام (٣)، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدِينيِّ، قال: حدَّثنا مُعاذُ بن

стр. 6654

هشام صاحِبُ الدَّستوائيِّ (١)، قال: حدَّثني أبي، عن محمدِ بن جُحادةَ، عن نُعيم بن أبي هِندٍ الأشجعِيِّ، عن أبي حازِم، عن حُسينِ بن خارِجةَ، قال: لمّا قُتِلَ عُثمانُ، أشكَلَتْ عليَّ الفِتنةُ، فقُلتُ: اللَّهُمَّ أرِني أمرًا أتمسَّكُ به. قال: فرَأيتُ فيما يَرَى النّائمُ الدُّنيا والآخِرةَ بينهما حائِطٌ، فقُلتُ: لو تَسنَّمتُ (٢) هذا الحائطَ، لعلِّي أهبِطُ على قَتْلَى أشجَعَ فيُخبِرُوني؟ فهَبَطتُ الحائطَ، فإذا أنا بأرْضٍ ذاتِ شَجَرٍ، وإذا بنَهَرٍ (٣)، فقُلتُ: أنتُمُ الشُّهداءُ؟ قالوا: لا، بل نحنُ الملائكةُ. قال: قُلتُ: فأينَ الشُّهداءُ؟ قالوا: اصْعَدْ إلى الدَّرجاتِ العُلَى. قال: فصعِدتُ دَرَجةً، الله أعلمُ بما فيها، ثُمَّ صعِدتُ أُخرى، فإذا محمدٌ ﷺ وإبراهيمُ ﷺ عِندهُ شيخٌ، وإذا محمدٌ ﷺ يقولُ: أسْتَغفِرُ لأُمَّتِي. قال: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بعدكَ، إنَّهُم أهْراقُوا (٤) دِماءَهُم، وقَتَلُوا إمامَهُم، فهلّا فَعلُوا كما فعلَ خَليلي سَعْدٌ؟ قال: فقُلتُ: لقد رأيتُ رُؤيا، لعلَّ الله أن يَنْفعني بها، أنْطلِقُ فأنظُرُ مع من كان سَعْدٌ، فأكُونُ مَعهُ. قال: فأتيتُ سَعْدًا فقَصَصتُها عليه، فما أكْبَرَ (٥) بها فرحًا، وقال: لقد خابَ من لم يَكُن لهُ إبراهيمُ خَليلًا. قال: فقُلتُ: في (٦) أيِّ الطّائفتينِ (٧)؟ قال: ما أنا في واحِدةٍ منهُما. قال: فما تأمُرُني؟ قال: هل لكَ من غَنَم؟ قُلتُ: لا. قال: فاشْتَرِ غنمًا، فكُن فيها (٨).

стр. 6655

حديثٌ ثانٍ لعبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصَعةَ الأنصارِيِّ، ثُمَّ المازِنِيِّ، عن أبيهِ أنَّهُ أخبَرهُ، أنَّ أبا سَعِيدٍ الخُدرِيَّ قال لهُ: إنِّي أراكَ تُحِبُّ الغنَمَ والبادِيةَ، فإذا كنتَ في غنمِكَ أو بادِيتِكَ، فأذَّنتَ بالصَّلاةِ، فارفَعْ صوتَكَ بالنِّداءِ، فإنَّهُ "لا يَسْمعُ مَدَى صوتِ المُؤَذِّن جِنٌّ، ولا إنسٌ، ولا شيءٌ (٢)، إلّا شهِدَ لهُ يومَ القِيامَةِ". قال أبو سعِيدٍ: سمِعتُهُ من رسُولِ الله ﷺ . هكذا هذا الحديثُ عِندَ جماعةِ الرُّواةِ، عن مالكٍ: لم يختلِفُوا في إسنادِهِ في "المُوطَّأ" وغيرِهِ (٣). والمَدَى: الغايةُ، وحيثُ يَنْتهِي الصَّوتُ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن مالكِ بن أنَسٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن أبي صَعْصعةَ، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا أذَّنتَ فارفَعْ صوتَكَ، فإنَّهُ لا يَسْمعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّن شيءٌ، إلّا شهِدَ لهُ".

стр. 6656

وقد وهِمَ ابنُ عُيينةَ في اسم هذا الشَّيخ، شيخ مالكٍ، إذ رَوَى عنهُ هذا الحديثَ. حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا ميمُونُ بن حمزةَ، قال: حدَّثنا الطَّحاوِيُّ، قال: حدَّثنا المُزنِيُّ، قال: حدَّثنا الشّافِعيُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: سمِعتُ عبد الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي (٢) صَعْصَعةَ، قال: سمِعتُ أبي، وكان يتِيمًا في حِجْرِ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: قال لي أبو سعِيدٍ الخُدرِيُّ: أي بُنيَّ، إذا كُنتَ في هذه البَوادِي فارفَعْ صوتَكَ بالأذانِ، فإنِّي سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "لا يَسْمعُهُ إنسٌ، ولا جِنٌّ، ولا حجرٌ، إلّا شهِدَ لهُ". ثُمَّ ذكر الشّافِعيُّ (٣) حديث مالكٍ هذا بإسنادِهِ سواءً، كما ذكَرْناهُ عن مالكٍ، ثُمَّ قال الشّافِعيُّ: مالكٌ أصاب اسم الرَّجُلِ فيما أرى، وقد أخطأ فيه ابنُ عُيينةَ. أخبرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن إسماعيل، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن بحرٍ (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل، قال: حدَّثنا سُنيدٌ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا يَعْلَى بن عطاءٍ، عن أبيهِ قال: كُنتُ مع عبدِ الله بن عَمرٍو، فلمّا حَضَرتِ الصَّلاةُ قال لي: أذِّن، واشدُد صوتكَ، فإنَّهُ لا يسمعُك من

стр. 6657

حَجَرٍ، ولا شَجَرٍ، ولا بَشَرٍ، إلّا شهِدَ لك يوم القِيامةِ، ولا يسمعُك من شيطانٍ إلّا ولَّى ولهُ نفِيرٌ حتَّى لا يسمع صوتكَ، وإنَّهُم لأمدُّ النّاسِ أعناقًا يوم القِيامةِ" (١). قال (٢) سُنَيدٌ: وأخبَرنا خالدُ بن عبدِ الله، عن طَلْحةَ بن يحيى، عن عيسى بن طَلْحةَ، عن مُعاويةَ بن أبي سُفيانَ، أنَّهُ سمِعَ المُؤَذِّنَ، فتَشهَّدَ كما تشهَّدَ، ثُمَّ قال: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "المُؤَذِّنُونَ أطولُ النّاسِ أعناقًا يومَ القِيامَةِ" (٣). قال سُنيدٌ: وأخبَرنا حجّاجٌ، عن ابنِ لهِيعةَ، عن عُبيدِ الله بن أبي جَعفرٍ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، قال: من أذَّنَ اثْنَتي عشْرَةَ سنةً، وجبَتْ لهُ الجنّةُ، وكُتِبَ لهُ بكلِّ تأذِينةٍ سِتُّونَ حسنةً، وبكلِّ إقامَةٍ ثلاثُونَ حَسَنةً. قال: وحدَّثنا هُشيمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، قال: حدَّثنا شُبَيل بن عَوْف البَجَلِيُّ (٤)، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ قال: مَن مُؤَذِّنُكُمُ اليومَ؟ قُلنا: مَوالِينا وعَبِيدُنا. قال: إنَّ ذلك بكُم لنَقْصٌ كبِيرٌ. قال: وقال إسماعيلُ: قال عُمرُ بن الخطّابِ: لو كُنتُ أُطِيقُ مع الخِلِّيفَى (٥) لأذَّنتُ.

стр. 6658

قال هُشَيمٌ: وأخبَرنا حُصينٌ، قال: حُدِّثتُ أنَّ عُمر بن الخطّابِ قال: لولا أن تكونَ سُنَّةً، ما أذَّنَ غَيرِي. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم بن سَعِيدٍ (١)، قال: أخبَرنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: أخبَرنا أبو يَعقُوبَ إسحاقُ بن أحمد بن جعفرٍ البَغدادِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن منصُورٍ الرَّمادِيُّ، قال: حدَّثنا عتّابُ بن زِيادٍ، قال: حدَّثنا أبو حَمْزةَ السُّكَّرِيُّ، عن الأعْمَشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "الإمامُ ضامِنٌ، والمُؤَذِّنُ مُؤتَمنٌ، اللَّهُمَّ أرشِدِ الأئمَّةَ، واغفِر للمُؤَذِّنِين". قالوا: يا رسُول الله لقد تَرَكتنا نتنافَسُ بعدكَ في الأذانِ، فقال: "إنَّ بعدَكُم قومًا سفِلَتُهُم مُؤَذِّنُوهُم" (٢). وهذه الزِّيادةُ لا تجِيءُ إلّا بهذا الإسنادِ. وهُو إسنادٌ رِجالُهُ ثِقاتٌ معرُوفُونَ: أبو حَمْزةَ السُّكَّرِيُّ وعتّابُ بن زِيادٍ: مروزيانِ (٣) ثِقتانِ، وسائرُ الإسنادِ يُسْتَغنى عن ذِكرِهِم لشُهرتِهِم. إلّا أنَّ أحمد بن حنبلٍ ضعَّف الحديث كلَّهُ، ويُقالُ: إنَّهُ لم يَسْمعهُ الأعمشُ من أبي صالح، قال أحمدُ بن حنبل (٤): رواهُ ابنُ فُضيل، عن الأعمشِ، عن رجُلٍ. ما أدرِي لهذا الحديثِ أصلًا. ورواهُ ابنُ نُميرٍ، عن الأعمشِ، فقال: نُبِّئتُ عن أبي صالح، ولا أُرى إلّا أنّي قد سمِعتُهُ منهُ (٥).

стр. 6659

قال أبو عُمر: فَضائلُ الأذانِ كثِيرةٌ، وقد رُوِي عن عائشةَ، أنَّها قالت، في قولِ الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ الآيةَ [فصلت: ٣٣]: نزلَتْ في المُؤَذِّنِينَ (١). وحديثُ هذا البابِ ومثلُهُ يَشْهدُ (٢) بفَضْلِ رفع (٣) الصَّوتِ فيهِ. ولا أدرِي كيفِيَّةَ فَهم المواتِ والجَمادِ، كما لا أدرِي كيفِيَّةَ تَسْبِيحِها: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ الآيةَ [الإسراء: ٤٤]. ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. وقد مَضَى في بابِ نافِع حُكمُ الأذانِ في السَّفرِ والحَضَرِ، وكيفِيَّةُ وُجُوبه، سُنّةً أو فرضًا على الكِفايةِ، ومَذاهِبُ العُلماءِ في ذلك كلِّهِ مُمهَّدًا، والحمدُ لله.

стр. 6660

حديثٌ ثالثٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن أبي صعصعةَ مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ، عن أبيهِ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ: أنَّهُ سمِعَ رجُلًا يَقْرأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يُردِّدُها، فلمّا أصبَحَ غَدا إلى رسُولِ الله ﷺ فذكرَ ذلك لهُ، وكأنَّ الرَّجُلَ يَتَقالُّها، فقال لهُ رسُولُ الله ﷺ : "والذي نَفْسي بيدِهِ، إنَّها لتَعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ". قال أبو عمر (٢): هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عِندَ جَماعةِ رُواتِهِ فيما عَلِمتُ، لم يُتَجاوز به أبو سعِيدٍ، وليسَ بينهُ وبين النَّبيِّ ﷺ فيه (٣) أحدٌ (٤)، وكذلك رواهُ يحيى القطّانُ وغيرُهُ عن مالكٍ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ، عن مالكِ بن أنَسٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صعصعةَ، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قال: كانَ رجُلٌ يُصلِّي من اللَّيلِ على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ ويَقرأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ويُردِّدُها، فذُكرَ ذلك الرَّجُلُ

стр. 6661

لرسُولِ الله ﷺ ، وكأنَّهُ تَقالَّها (١)، يقولُ: استقلَّها، فقال: "إنَّها لتَعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ" (٢). ورواهُ إسماعيلُ بن جَعفرٍ وإبراهيمُ بن المُختارِ، عن مالكٍ بإسنادِهِ، عن أبي سعِيدٍ، عن قتادةَ بن النُّعمانِ، عن النَّبيِّ ﷺ . وقَتادةُ بن النُّعمانِ هُو أخُو أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ لأُمِّهِ (٣)، وهُو رجُلٌ من كِبارِ الأنصارِ من بني ظَفرَ من (٤) الأوسِ، قد ذكَرْناهُ في كِتابِنا في "الصَّحابةِ" (٥) بما يُغني عن ذِكرِهِ هاهُنا. وقد رُوِي أنَّ قَتادةَ هذا، هُو الرَّجُلُ الذي كان يَقْرأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ويَتَقالُّها، على ما ذُكِر في هذا الحديثِ. ورَوَى ابنُ وَهْبِ، عن ابنِ لِهيعةَ، عن الحارِثِ بن يزِيد، عن أبي الهَيْثم، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّهُ قال: باتَ قَتادةُ بن النُّعمانِ يقرأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتَّى أصبَحَ، فذُكِرَ ذلك لرسُولِ الله ﷺ ، فقال: "والذي نَفْسِي بيدِهِ، إنَّها لَتعدِلُ ثُلُث القُرآنِ"، أو: "نِصفَهُ" (٦). قال أبو عُمر: "أو نِصفهُ" شكّ من المُحدِّثِ، لا يجُوزُ أن يكونَ شكًّا من النَّبيِّ ﷺ ، على أنَّها لفظةٌ غيرُ محفُوظةٍ في هذا الحَدِيثِ، ولا في غيرِهِ، والمحفُوظُ

стр. 6662

الثّابِثُ الصحِيحُ في هذا الحديثِ وغيرِهِ: "إنَّها لتعدِلُ ثُلُث القُرآنِ". دُون شكٍّ، وقد يَحتَمِلُ أن يكونَ الشَّكُّ من النَّبيِّ ﷺ ، على مَذهبِ من تأوَّل في هذا الحديثِ، أنَّ الرَّجُلَ لم يزَلْ يُكرِّرُها ويُردِّدُها في لَيلتِهِ يقطَعُها بها، إذ كان لا يحفظُ غيرَها، فيما ذكرُوا، حتَّى بلغَ تَكرارُهُ لها وتَردادُهُ إيّاها مُوازاةَ حُرُوفِ ثُلُثِ القُرآنِ، أو نِصفِهِ. وهذا يُمكِنُ فيه الشَّكُّ، على هذا الوَجهِ، فلا يكونُ لها في ذاتِها فَضْلٌ على غيرِها؛ لأنَّها إنَّما عُدِلَتْ بثُلُثِ القُرآنِ، لبُلُوغ تَكْرارِها إلى ذلك ونحوِهِ، وهذا التَّأوِيلُ فيه بُعدٌ عن الظّاهِرِ جِدًّا، والله المُوفِّقُ للصَّوابِ. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم بن إسحاق بن مِهران السَّرّاجُ وعبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ الله الخَصيبِيُّ القاضِي، قالا: حدَّثنا محمدُ بن عَبدُوسِ بن كامِلٍ السَّرّاجُ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن جعفرٍ، عن مالكٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن أبي صَعْصَعةَ الأنصارِيِّ، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: أخبَرني قَتادةُ بن النُّعمانِ، أنَّ رجُلًا قال: يا رسُولَ الله، إنَّ فُلانًا قامَ اللَّيلةَ يَقْرأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ يُردِّدُها، لا يزِيدُ عليها. كأنَّ الرَّجُل يَتَقالُّها، فقال رسُولُ الله ﷺ : "والذي نَفْسِي بيدِهِ، إنَّها لتَعدِلُ ثُلُث القُرآنِ" (١). وحدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ (٢) بن محمدِ بن سهلِ (٣) بن منصُورِ بن الحجّاج النَّصِيبِيُّ وثوابةُ بن أحمدَ بن ثوابةَ الموصِليُّ وعليُّ بن

стр. 6663

الحسنِ بن علّان (١) الحرّانِيُّ وأبو يُوسُف يعقُوبُ بن مُسدَّدِ بن يَعقُوب القُلُوسِيُّ، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن عليِّ بن المُثنَّى الموصِليُّ، قال (٢): حدَّثنا أبو مَعْمرٍ الهُذلِيُّ إسماعيلُ بن إبراهيمَ القطِيعِيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن جَعْفرٍ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صعصعةَ الأنصارِيِّ، عن أبيهِ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: أخبَرني قَتادةُ بن النُّعمانِ أخِي: أنَّ رجُلًا قامَ في زَمنِ النَّبيِّ ﷺ يَقْرأُ من السَّحرِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يُردِّدُها (٣) لا يزِيدُ عليها، فلمّا أصبحَ أتَى رجُلٌ النَّبيَّ ﷺ فقال: يا رسُولَ الله، إنَّ فُلانًا باتَ يَقْرأُ اللَّيلةَ من السَّحرِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ يُردِّدُها لا يزِيدُ عليها، كأنَّ الرَّجُل يَتَقالُّها، فقال النَّبيُّ ﷺ : "والذي نَفْسِي بيدِهِ، إنَّها لتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ". لفظُ الحديثِ لعبدِ الوهّابِ، وألفاظُهُم مُتقارِبةٌ، والمعنى واحِدٌ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ (٤)، قال: أخبرنا أبو يُعلى أحمدُ بن عليٍّ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ إسماعيلُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسماعيل (٥) بن جعفرٍ، قال: حدَّثني مالكُ بن أنَسٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صعْصعةَ، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: حَدَّثني أخِي قَتادةُ بن النُّعمانِ، قال: قامَ رجُلٌ من اللَّيلِ يَقْرأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ السُّورةَ يُردِّدُها، لا يزِيدُ عليها، فلّما أصْبَحنا قال رجُل: يا رسُولَ الله، إنَّ رجُلًا

стр. 6664

قامَ اللَّيلةَ من السَّحرِ يَقْرأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لا يزِيدُ عليها، كأنَّ الرَّجُل يَتَقالُّها، فقال رسُولُ الله ﷺ : "والذي نفسِي بيدِهِ، إنَّها لتَعدِلُ ثُلُث القُرآنِ" (١). قال أبو عُمر: هذا الحديثُ سَمِعهُ أبو سعِيدٍ وقَتادةُ جميعًا من النَّبيِّ ﷺ ، ورِوايةُ "المُوطَّأ" وغيرُها تدُلُّ على ذلك (٢). وحدَّثنا أحمدُ بن فتح وخلفُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ الرّازِيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن سعِيدِ بن بَشِيرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن حُميدٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن المُختارِ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنَسٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن أبي صَعْصعةَ، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، عن أخِيهِ قتادةَ بن النُّعمانِ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ" (٣). وقد ذكَرْنا من الآثارِ (٤) المُتواتِرةِ عن النَّبيِّ ﷺ ، في أنَّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدِلُ ثُلُث القُرآنِ، في باب ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، ما فيه شِفاءٌ واكتِفاءٌ، وقد ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ ذلك، ونحنُ نقُولُ بما ثبتَ عنهُ، ولا نَعدُوهُ، ونَكِلُ ما جَهِلنا من مَعناهُ إليه ﷺ ، فبه عَلِمنا ما عَلِمنا، وهُو المُبيِّنُ عن الله

стр. 6665

مُرادهُ، والقُرآنُ عِندنا مع (١) هذا كلِّهِ كلامُ الله، وصِفةٌ من صِفاتِهِ ليسَ بمخلُوقٍ، ولا نَدْرِي لم تعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ، والله يتَفضَّلُ بما يشاءُ على عِبادِهِ. وقد قيل: إنَّ ذلك الرَّجُل مخصُوصٌ وحدَهُ بأنَّها تَعدِلُ ذلك لهُ، وهذه دعوى لا بُرهانَ عليها. وقد قيل (٢): إنَّها لمّا تضمَّنتِ التَّوحِيد والإخلاصَ، كانت كذلك، فلو كانَ هذا الاعتِلالُ، وهذا المعنى صحِيحًا، لكانَتْ كلُّ آيةٍ تَضمَّنت هذا المعنى، يُحكَمُ لها بحُكمِها، وهذا (٣) لا يُقدِمُ العُلماءُ عليهِ من القِياسِ، وكلُّهُم يأباهُ، ويَقِفُ عِندَ ما رواهُ. حدَّثنا محمدُ بن خلِيفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ، قال (٤): حدَّثنا ابنُ الأعرابِيِّ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن مُدرِكٍ القاص (٥)، قال: حدَّثنا الهَيْثمُ بن خارِجةَ، قال: حدَّثنا الولِيدُ بن مُسلِم، قال: سألتُ الأوزاعِيَّ، وسُفيان الثَّورِيَّ، ومالك بن أنسٍ، واللَّيث بن سَعْدٍ، عن الأحادِيثِ التي فيها الصِّفاتُ، فكلُّهُم قال: أمِرُّوها (٦) كما جاءَت بلا تفسِيرٍ. وقال أحمدُ بن حنبلٍ: يُسلَّمُ لها كما جاءَت، فقد تلقّاها العُلماءُ بالقبُولِ. وأمِّا قولُ الله : ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا (٧) نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] فمعناهُ: بخيرٍ منها لنا لا في نفسِها.

стр. 6666

والكلامُ في صفات (١) البارِي، كلامٌ يستبشِعُهُ أهلُ السُّنَّةِ، وقد سكتَ عنهُ الأئمَّةُ، فما أشكَلَ علينا من مِثلِ هذا البابِ وشِبهِهِ، أمْرَرناهُ (٢) كما جاءَ، وآمنّا (٣) به، كما نصنعُ بمُتشابِهِ القُرآنِ، ولم نُناظِر عليه؛ لأنَّ المُناظرةَ إنَّما تسُوغُ وتجُوزُ فيما تحتهُ عَملٌ، ويصحبُهُ قِياسٌ، والقِياسُ غيرُ جائزٍ في صِفاتِ البارِي تعالى؛ لأنَّهُ ليسَ كمِثلِهِ شيءٌ. قال مُصعبٌ الزُّبيرِيُّ: سمِعتُ مالك بن أنسٍ يقولُ: أدركتُ أهل هذا البلدِ، يعني: المدِينةَ، وهُم يكرهُونَ المُناظرةَ والجِدال إلّا فيما تحتهُ عملٌ. يُرِيدُ مالكٌ ﵀: الأحكامَ في الصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والطلاق (٤)، والصِّيام، والبُيُوع، ونحوِ ذلك، ولا يجُوزُ عِندَهُ الجِدالُ فيما تَعتقِدُهُ الأفئدةُ، ممّا لا عملَ تحتهُ أكثرُ من الاعتِقادِ، وفي مِثلِ هذا خاصَّةً نَهَى السَّلفُ عن الجِدالِ، وتَناظرُوا في الفِقهِ، وتَقايسُوا فيهِ. وقد أوضَحْنا هذا المعنى في كِتابِ "بيانِ العِلم" (٥) فمن أرادهُ تأمَّلهُ هُناك، وبالله التَّوفِيقُ. أخبرنا أحمدُ بن محمدٍ وعُبيدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا الحسنُ بن سَلَمةَ بن المُعلَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن الجارُودِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن منصُورٍ، قال: قُلتُ لأحمدَ بن حنبلٍ: حديثُ النَّبيِّ ﷺ : "من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فكأنَّما قرأ ثُلُث القُرآنِ". فلم يُقِم لي على أمرٍ بيِّنٍ. قال: وقال لي إسحاقُ بن راهوية: إنَّما مَعنَى ذلك، أنَّ الله جعلَ لكلامِهِ فَضْلًا على سائرِ الكلام، ثُمَّ فضَّلَ بعضَ كلامِهِ على بَعضٍ، فجعلَ لبعضِهِ ثوابًا أضعافَ ما جعلَ لغيرِهِ من كلامِهِ،

стр. 6667

تحرِيضًا من النَّبيِّ ﷺ أُمَّتهُ على تَعليمِهِ وكَثْرةِ قِراءَتِهِ، وليسَ معناهُ أن لو قَرَأ القُرآنَ كلَّهُ، كانت قِراءةُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدِلُ ذلك إذا قَرأها ثلاث مرّاتٍ، لا (١)، ولو قَرَأها أكثر من مِئَتي مَرَّةٍ. قال أبو عُمر: من لم يُجِب في هذا أخلصُ ممَّن أجابَ فيه (٢)، والله أعلمُ. حدَّثنا أحمدُ بن فتح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن زكرِيّا النَّيسابُورِيُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الله أحمدُ بن عليِّ بن سَهْلٍ المروزِيُّ، قال: حدَّثنا الحُسينُ بن الحسنِ القُرَشيُّ، قال: حدَّثنا سُليمُ (٣) بن مَنصُورِ بن عمّارٍ، قال: كتَب بشرٌ المرِّيسِيُّ (٤) إلى أبي ﵀: أخْبِرني عن القُرآنِ، أخالِقٌ أم مخلُوقٌ؟ فكتب إليه أبي: بسم الله الرَّحمنِ الرَّحِيم، عافانا الله وإيّاك من كلِّ فِتنةٍ، وجعَلَنا وإيّاك (٥) من أهلِ السُّنَّةِ، وممَّن لا يرغَبُ بدِينِهِ عن الجماعةِ، فإنَّهُ إن يفعَلْ، فأوْلَى بها نِعمةً، وإلّا يفعَلْ (٦) فهي الهلكةُ، وليسَ لأحدٍ على الله بعدَ المُرسلِينَ حُجَّةٌ، ونحنُ نرى أنَّ الكلامَ في القُرآنِ بدعةٌ تشارَكَ فيها السّائلُ والمُجِيبُ، تَعاطَى السّائلُ ما ليسَ لهُ، وتكلَّفَ المُجِيبُ ما ليسَ عليه، ولا أعلمُ خالِقًا إلّا الله، والقُرآنُ كلامُ الله، فانتهِ أنتَ والمُختلِفُونَ فيه، إلى ما سمّاهُ الله به، يمُن من المُهتدِينَ، ولا تُسمِّ القُرآن باسم من عِندِكَ، فتكونَ من الهالِكِينَ، جعَلَنا الله وإيّاك من الذين يَخْشونهُ بالغيبِ، وهُم من السّاعةِ مُشفِقُونَ.
следующие страницы →