← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6663–6702 · переход к 6668.

стр. 6663

الحسنِ بن علّان (١) الحرّانِيُّ وأبو يُوسُف يعقُوبُ بن مُسدَّدِ بن يَعقُوب القُلُوسِيُّ، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن عليِّ بن المُثنَّى الموصِليُّ، قال (٢): حدَّثنا أبو مَعْمرٍ الهُذلِيُّ إسماعيلُ بن إبراهيمَ القطِيعِيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن جَعْفرٍ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صعصعةَ الأنصارِيِّ، عن أبيهِ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: أخبَرني قَتادةُ بن النُّعمانِ أخِي: أنَّ رجُلًا قامَ في زَمنِ النَّبيِّ ﷺ يَقْرأُ من السَّحرِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يُردِّدُها (٣) لا يزِيدُ عليها، فلمّا أصبحَ أتَى رجُلٌ النَّبيَّ ﷺ فقال: يا رسُولَ الله، إنَّ فُلانًا باتَ يَقْرأُ اللَّيلةَ من السَّحرِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ يُردِّدُها لا يزِيدُ عليها، كأنَّ الرَّجُل يَتَقالُّها، فقال النَّبيُّ ﷺ : "والذي نَفْسِي بيدِهِ، إنَّها لتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ". لفظُ الحديثِ لعبدِ الوهّابِ، وألفاظُهُم مُتقارِبةٌ، والمعنى واحِدٌ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ (٤)، قال: أخبرنا أبو يُعلى أحمدُ بن عليٍّ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ إسماعيلُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسماعيل (٥) بن جعفرٍ، قال: حدَّثني مالكُ بن أنَسٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صعْصعةَ، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: حَدَّثني أخِي قَتادةُ بن النُّعمانِ، قال: قامَ رجُلٌ من اللَّيلِ يَقْرأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ السُّورةَ يُردِّدُها، لا يزِيدُ عليها، فلّما أصْبَحنا قال رجُل: يا رسُولَ الله، إنَّ رجُلًا

стр. 6664

قامَ اللَّيلةَ من السَّحرِ يَقْرأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لا يزِيدُ عليها، كأنَّ الرَّجُل يَتَقالُّها، فقال رسُولُ الله ﷺ : "والذي نفسِي بيدِهِ، إنَّها لتَعدِلُ ثُلُث القُرآنِ" (١). قال أبو عُمر: هذا الحديثُ سَمِعهُ أبو سعِيدٍ وقَتادةُ جميعًا من النَّبيِّ ﷺ ، ورِوايةُ "المُوطَّأ" وغيرُها تدُلُّ على ذلك (٢). وحدَّثنا أحمدُ بن فتح وخلفُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ الرّازِيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن سعِيدِ بن بَشِيرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن حُميدٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن المُختارِ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنَسٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن أبي صَعْصعةَ، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، عن أخِيهِ قتادةَ بن النُّعمانِ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ" (٣). وقد ذكَرْنا من الآثارِ (٤) المُتواتِرةِ عن النَّبيِّ ﷺ ، في أنَّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدِلُ ثُلُث القُرآنِ، في باب ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، ما فيه شِفاءٌ واكتِفاءٌ، وقد ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ ذلك، ونحنُ نقُولُ بما ثبتَ عنهُ، ولا نَعدُوهُ، ونَكِلُ ما جَهِلنا من مَعناهُ إليه ﷺ ، فبه عَلِمنا ما عَلِمنا، وهُو المُبيِّنُ عن الله

стр. 6665

مُرادهُ، والقُرآنُ عِندنا مع (١) هذا كلِّهِ كلامُ الله، وصِفةٌ من صِفاتِهِ ليسَ بمخلُوقٍ، ولا نَدْرِي لم تعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ، والله يتَفضَّلُ بما يشاءُ على عِبادِهِ. وقد قيل: إنَّ ذلك الرَّجُل مخصُوصٌ وحدَهُ بأنَّها تَعدِلُ ذلك لهُ، وهذه دعوى لا بُرهانَ عليها. وقد قيل (٢): إنَّها لمّا تضمَّنتِ التَّوحِيد والإخلاصَ، كانت كذلك، فلو كانَ هذا الاعتِلالُ، وهذا المعنى صحِيحًا، لكانَتْ كلُّ آيةٍ تَضمَّنت هذا المعنى، يُحكَمُ لها بحُكمِها، وهذا (٣) لا يُقدِمُ العُلماءُ عليهِ من القِياسِ، وكلُّهُم يأباهُ، ويَقِفُ عِندَ ما رواهُ. حدَّثنا محمدُ بن خلِيفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ، قال (٤): حدَّثنا ابنُ الأعرابِيِّ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن مُدرِكٍ القاص (٥)، قال: حدَّثنا الهَيْثمُ بن خارِجةَ، قال: حدَّثنا الولِيدُ بن مُسلِم، قال: سألتُ الأوزاعِيَّ، وسُفيان الثَّورِيَّ، ومالك بن أنسٍ، واللَّيث بن سَعْدٍ، عن الأحادِيثِ التي فيها الصِّفاتُ، فكلُّهُم قال: أمِرُّوها (٦) كما جاءَت بلا تفسِيرٍ. وقال أحمدُ بن حنبلٍ: يُسلَّمُ لها كما جاءَت، فقد تلقّاها العُلماءُ بالقبُولِ. وأمِّا قولُ الله : ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا (٧) نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] فمعناهُ: بخيرٍ منها لنا لا في نفسِها.

стр. 6666

والكلامُ في صفات (١) البارِي، كلامٌ يستبشِعُهُ أهلُ السُّنَّةِ، وقد سكتَ عنهُ الأئمَّةُ، فما أشكَلَ علينا من مِثلِ هذا البابِ وشِبهِهِ، أمْرَرناهُ (٢) كما جاءَ، وآمنّا (٣) به، كما نصنعُ بمُتشابِهِ القُرآنِ، ولم نُناظِر عليه؛ لأنَّ المُناظرةَ إنَّما تسُوغُ وتجُوزُ فيما تحتهُ عَملٌ، ويصحبُهُ قِياسٌ، والقِياسُ غيرُ جائزٍ في صِفاتِ البارِي تعالى؛ لأنَّهُ ليسَ كمِثلِهِ شيءٌ. قال مُصعبٌ الزُّبيرِيُّ: سمِعتُ مالك بن أنسٍ يقولُ: أدركتُ أهل هذا البلدِ، يعني: المدِينةَ، وهُم يكرهُونَ المُناظرةَ والجِدال إلّا فيما تحتهُ عملٌ. يُرِيدُ مالكٌ ﵀: الأحكامَ في الصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والطلاق (٤)، والصِّيام، والبُيُوع، ونحوِ ذلك، ولا يجُوزُ عِندَهُ الجِدالُ فيما تَعتقِدُهُ الأفئدةُ، ممّا لا عملَ تحتهُ أكثرُ من الاعتِقادِ، وفي مِثلِ هذا خاصَّةً نَهَى السَّلفُ عن الجِدالِ، وتَناظرُوا في الفِقهِ، وتَقايسُوا فيهِ. وقد أوضَحْنا هذا المعنى في كِتابِ "بيانِ العِلم" (٥) فمن أرادهُ تأمَّلهُ هُناك، وبالله التَّوفِيقُ. أخبرنا أحمدُ بن محمدٍ وعُبيدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا الحسنُ بن سَلَمةَ بن المُعلَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن الجارُودِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن منصُورٍ، قال: قُلتُ لأحمدَ بن حنبلٍ: حديثُ النَّبيِّ ﷺ : "من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فكأنَّما قرأ ثُلُث القُرآنِ". فلم يُقِم لي على أمرٍ بيِّنٍ. قال: وقال لي إسحاقُ بن راهوية: إنَّما مَعنَى ذلك، أنَّ الله جعلَ لكلامِهِ فَضْلًا على سائرِ الكلام، ثُمَّ فضَّلَ بعضَ كلامِهِ على بَعضٍ، فجعلَ لبعضِهِ ثوابًا أضعافَ ما جعلَ لغيرِهِ من كلامِهِ،

стр. 6667

تحرِيضًا من النَّبيِّ ﷺ أُمَّتهُ على تَعليمِهِ وكَثْرةِ قِراءَتِهِ، وليسَ معناهُ أن لو قَرَأ القُرآنَ كلَّهُ، كانت قِراءةُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدِلُ ذلك إذا قَرأها ثلاث مرّاتٍ، لا (١)، ولو قَرَأها أكثر من مِئَتي مَرَّةٍ. قال أبو عُمر: من لم يُجِب في هذا أخلصُ ممَّن أجابَ فيه (٢)، والله أعلمُ. حدَّثنا أحمدُ بن فتح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن زكرِيّا النَّيسابُورِيُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الله أحمدُ بن عليِّ بن سَهْلٍ المروزِيُّ، قال: حدَّثنا الحُسينُ بن الحسنِ القُرَشيُّ، قال: حدَّثنا سُليمُ (٣) بن مَنصُورِ بن عمّارٍ، قال: كتَب بشرٌ المرِّيسِيُّ (٤) إلى أبي ﵀: أخْبِرني عن القُرآنِ، أخالِقٌ أم مخلُوقٌ؟ فكتب إليه أبي: بسم الله الرَّحمنِ الرَّحِيم، عافانا الله وإيّاك من كلِّ فِتنةٍ، وجعَلَنا وإيّاك (٥) من أهلِ السُّنَّةِ، وممَّن لا يرغَبُ بدِينِهِ عن الجماعةِ، فإنَّهُ إن يفعَلْ، فأوْلَى بها نِعمةً، وإلّا يفعَلْ (٦) فهي الهلكةُ، وليسَ لأحدٍ على الله بعدَ المُرسلِينَ حُجَّةٌ، ونحنُ نرى أنَّ الكلامَ في القُرآنِ بدعةٌ تشارَكَ فيها السّائلُ والمُجِيبُ، تَعاطَى السّائلُ ما ليسَ لهُ، وتكلَّفَ المُجِيبُ ما ليسَ عليه، ولا أعلمُ خالِقًا إلّا الله، والقُرآنُ كلامُ الله، فانتهِ أنتَ والمُختلِفُونَ فيه، إلى ما سمّاهُ الله به، يمُن من المُهتدِينَ، ولا تُسمِّ القُرآن باسم من عِندِكَ، فتكونَ من الهالِكِينَ، جعَلَنا الله وإيّاك من الذين يَخْشونهُ بالغيبِ، وهُم من السّاعةِ مُشفِقُونَ.

стр. 6668

حديثٌ رابعٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن أبي صعصعةَ مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صعصعةَ، عن سُليمان بن يَسارٍ، أنَّهُ (٢) قال: دخَلَ رسُولُ الله ﷺ بيت مَيْمُونةَ بنتِ الحارِثِ، فإذا ضِبابٌ فيها بَيْضٌ، ومَعهُ عبدُ الله بن عبّاسٍ، وخالدُ بن الوليدِ، فقال: "من أينَ لكُم هذا؟ " فقالت: أهْدَتهُ إليَّ أُختي هُزَيلةُ بنتُ الحارِثِ. فقال لعبدِ الله بن عبّاسٍ، وخالدِ بن الوليدِ: "كلا". فقالا: ولا تأكلُ يا رسُولَ الله؟ فقال: "إنِّي تحضُرُني من الله حاضِرةٌ". قالت ميمُونةُ: أنسقِيكَ يا رسُولَ الله من لَبنٍ عِندَنا؟ قال: "نعَمْ" فلمّا شرِبَ، قال: "من أينَ لكُم هذا؟ ". فقالت: أهْدَتهُ لي أُختي هُزَيلةُ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "أرأيتُكِ جارِيَتَكِ التي كُنتِ اسْتَأمرتِني في عِتْقِها، أعْطِيها أُختكِ، وصِلي بها رحِمَكِ تَرْعَى عليها، فإنَّهُ خيرٌ لكِ". قال أبو عُمر: هكذا قال يحيى: فإذا ضِبابٌ، فيها بَيضٌ. وقال ابنُ القاسم: "فإذا بضِبابٍ، فيها بَيضٌ (٣). وقال القعنبِيُّ، وابنُ نافِع، وابنُ بُكيرٍ، ومُطرِّفٌ: فأُتي بضِبابٍ. قال القَعْنبِيُّ: فيهِنَّ بَيضٌ. وقال غيرُهُ: فيها بَيضٌ. وقال يحيى: "أرأيتُكِ". وقال غيرُهُ: "أرأيتِ". وقال يحيى: "وصِلي بها رحِمَكِ". وقال غيرُهُ: "وصِلِيها بها تَرْعَى عليها". والمعاني في ذلك كلِّهِ مُتقارِبةٌ (٤)، وكذلك ألفاظُ الرُّواةِ في "المُوطَّأ" في مُتُونِ الأحادِيثِ مُتقارِبةُ المعاني غيرُ مُتدافِعة.

стр. 6669

ولم تختلف الرّواةُ لـ "المُوطَّأ" في إسنادِ هذا الحديثِ وإرسالِهِ على حسَبِ ما ذكَرْناهُ عن يحيى، وقد رواهُ بُكيرُ بن الأشجِّ، عن سُليمان بن يَسارٍ، عن ميمُونةَ (١). فأمّا ما في هذا الحديثِ من ذِكرِ الضَّبِّ، وامتِناع رسُولِ الله ﷺ من أكلِهِ، وإذْنِهِ لخالدِ بن الولِيدِ، وعبدِ الله بن عبّاسٍ في أكلِهِ، فقد مَضَى هذا المعنى مُمَهَّدًا في حديثِ ابنِ شِهابٍ، عن أبي أُمامةَ، من كِتابِنا هذا، ومَضَى أيضًا في الضَّبِّ حديثُ مالكٍ (٢)، عن (٣) عبدِ الله بن دِينارٍ، عن ابنِ عُمر، عن النَّبيِّ ﷺ . وقد ذكَرْنا في بابِ عبدِ الله بن دِينارٍ ما لفُقهاءِ الأمصارِ من الاختِلافِ في أكلِ الضَّبِّ، وما نزعَتْ به كلُّ فِرقةٍ وذهبَتْ إليه من الآثارِ في ذلك، بأبسطِ ما يكونُ وأوضَحِهِ، فمن أرادَ الوُقُوف على ذلك تأمَّلهُ هُناك، فلا معنَى لإعادةِ ما مَضَى من ذلك هاهُنا. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: فقال: "إنِّي تحضُرُني من الله حاضِرةٌ". فمعناهُ، إن صحَّتْ هذه اللَّفظةُ، لأنَّها لا تُوجَدُ في غيرِ هذا الحديثِ، مَعناها (٤) ما ظهَرَ في حديثِ ابن عبّاسٍ، وخالدِ بن الولِيدِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال فيهِ: "لم يكُن بأرضِ قَوْمِي فأجِدُني أعافُهُ" (٥). وقد رُوِي عن عُمرَ بن الخطّابِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قذِرَ الضَّبَّ فلم يأكلهُ. وقد بيَّنّا المعنى في ذلك كلِّهِ، في بابِ ابنِ شِهابٍ، وعبدِ الله بن دِينارٍ، والحمدُ لله. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامَةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ بن عطاءٍ، قال: حدَّثنا

стр. 6670

سعِيدٌ، عن قتادةَ، عن سُليمان اليَشْكُرِيِّ، عن جابرِ بن عبدِ الله، عن عُمرَ بن الخطّابِ: أنَّ نبِيَّ الله ﷺ لم يُحرِّم الضَّبَّ، ولكِن قذِرَهُ، وإنَّ اللهَ لينفَعُ به غير واحِدٍ، وإنَّهُ لطَعامُ الرِّعاءِ، ولو كانَ عِندِي لأكلتُهُ (١). حدَّثنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سَعْد، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن مَرْزُوقٍ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن جَرِيرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي بِشْرٍ، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، عن ابنِ عبّاسٍ قال: أهدَتْ خالتي أُمُّ حُفَيدٍ إلى النَّبيِّ ﷺ أقِطًا، وسَمْنًا، وأضُبًّا، فأكلَ النَّبيُّ ﷺ من الأقِطِ، والسَّمنِ، ولم يأكلْ من الأضُبِّ، وأُكِلَ على مائدةِ رسولِ الله ﷺ ، ولو (٢) كانَ حرامًا، لم يُؤكل على مائدةِ رسولِ الله ﷺ (٣).

стр. 6671

هذا الحديثُ من أصحِّ ما يُروى من المُسنداتِ في معنى حَدِيثِ هذا البابِ (١) المُرسلِ. وأظُنُّ أُمَّ حُفيدٍ المذكُورةَ في حديثِ ابنِ عبّاسٍ هذا، هي هُزَيلةُ بنت الحارث؛ لأنَّ أُمَّ ابنِ عبّاسٍ هي أُمُّ الفضلِ بنتُ الحارِثِ، أُختُ ميمُونةَ، وأُختُ هُزَيلةَ أُمِّ حُفيدٍ. فهُزيلةُ المذكُورةُ في حديثِ مالكٍ، هي أُمُّ حُفيدٍ، والله أعلمُ، ومن تدبَّر ذلك في الحديثينِ، لم يَخْفَ عليه إن شاءَ الله. وما نزعَ به ابنُ عبّاسٍ، فحُجَّةٌ واضِحةٌ، لأنَّهُ لو كانَ حرامًا، ما أُكِلَ على مائدةِ رسُولِ الله ﷺ ؛ لأنَّ رسُولَ الله ﷺ إنَّما بُعِثَ آمِرًا بالمعرُوفِ، وناهِيًا عن المُنكرِ، ومُعلِّمًا ﷺ . وقد تكرَّرَ هذا المعنى في غيرِ مَوْضِع من كِتابِنا هذا، بما فيه شِفاءٌ وبيانٌ، والله المُستعانُ. وفي هذا الحديثِ أيضًا: الأكلُ من الهديَّة (٢)، وقبُولهُا. وفيه: أنَّ الصَّدقةَ على الأقارِبِ، وذَوِي الأرحام، أفضَلُ من العِتقِ. ولهذا ما سِيقَ هذا الحديثُ، وما كان مِثلهُ في مَعناهُ. وقد رُوِي عن النَّبيِّ ﷺ هذا المعنى من وُجُوهٍ مُتَّصِلةٍ، ومُنقطِعةٍ صِحاح. أخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٣): أخبرنا هنّادُ بن السَّرِيِّ، عن عَبْدَةَ، عن ابنِ إسحاقَ. وأخبرنا

стр. 6672

سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا يَعْلى، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ،، عن بُكَيرِ بن عبدِ الله بن الأشجِّ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن ميمُونةَ، قالت: كانَتْ لي جارِيةٌ فأعْتَقتُها، فدخَلَ عليَّ رسُولُ الله ﷺ ، فأخبَرتُهُ بعِتقِها، فقال: "آجَرَكِ الله، أما إنَّكِ لو أعْطَيتها أخوالَكِ، لكانَ أعظَمَ لأجرِكِ". ورواهُ ابنُ وَهْبٍ، عن عَمرِو بن الحارِثِ، عن بُكَيرٍ، عن كُريبٍ، عن ميمُونةَ (١). والقولُ في إسنادِ هذا الحديثِ قولُ ابنِ إسحاقَ، والله أعلمُ (٢). وعندَ ابنِ إسحاقَ في هذا الحديثِ إسنادٌ آخَرُ: أخبرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: أخبرنا أحمدُ بن

стр. 6673

شُعيبٍ، قال (١): أخبرني محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحِيم، قال: حدَّثنا أسدُ بن موسى. ووجدتُ في أصلِ سَماع أبي بخطِّهِ ﵀، أنَّ محمد بن أحمد بن قاسم حدَّثهُم، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا نصرُ بن مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا أسدُ بن موسى، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ محمدُ بن خازِم، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله، عن ميمُونةَ، أنَّها سألتِ النَّبيَّ ﷺ خادِمًا، فأعْطاها خادِمًا، فأعْتَقتها، فقال لها: "ما فَعلتِ الخادِمُ؟ ". قُلتُ: يا رسُولَ الله أعْتَقتُها. قال: "أما إنَّكِ لو أعْطَيتِها أخوالَكِ، كان أعظَمَ لأجرِكِ". أخبرنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: أخبرنا مَسْلمةُ بن القاسم، قال: أخبرنا محمدُ بن زبّانَ (٢)، قال: أخبرنا محمدُ بن رُمح، قال: أخبرنا اللَّيثُ، عن يزِيد بن أبي حبِيبٍ، عن عِراكَ بن مالكٍ، أنَّ عُروةَ بن الزُّبيرِ أخبرهُ، أنَّ رجُلًا من بني غِفارٍ لحِقَ برسُولِ الله ﷺ فصَحِبهُ، وترَكَ أبوَيهِ، فقال لهُ رسُولُ الله ﷺ : "من كان يَمهُنُ لأبوَيكَ؟ ". قال: أنا. فأخْدَمهُ رسُولُ الله ﷺ خادِمًا، فلبِثَ رسُولُ الله ﷺ أيامًا، ثُمَّ سألهُ عن العَبْدِ ما فعَلَ؟ قال: أعْتَقتُهُ. قال: "لو أعْطَيتهُ أبوَيكَ، كان خيرًا لكَ" (٣).

стр. 6674

أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ الدَّيْبُليُّ (١)، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن صُبَيح، قال: حدَّثنا سُفيانُ (٢) بن عُيَينةَ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ: أنَّ ميمُونةَ أعْتَقَتْ جارِيةً لها، فقال لها النَّبيُّ ﷺ : "أفلا أعْطَيْتِها أُختَكِ الأعرابِيّةَ" (٣). قال أبو عُمر: يعني هُزَيلةَ، وهي أُمُّ حُفَيدٍ، والله أعلمُ.

стр. 6675

حديثٌ خامِسٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ، أنَّهُ بَلَغهُ، أنَّ عَمرو بن الجمُوح وعبدَ الله بن عَمرٍو الأنصارِيَّينِ ثُمَّ السَّلَمِيَّينِ (٢) كانا قد حفَرَ السَّيلُ قَبْرَهُما، وكان قبرُهُما ممّا يلي السَّيل، وكانا في قَبرٍ واحِدٍ، وهُما ممَّنِ استُشهِدَ يومَ أُحُدٍ، فحُفِرَ عنهُما ليُغيَّرا من مَكانِهِما، فوُجِدا لم يَتَغيَّرا، كأنَّما ماتا بالأمسِ، وكان أحدُهُما قد جُرِحَ، فوَضَعَ يَدهُ على جُرحِهِ، فدُفِنَ وهُو كذلك، فأُمِيطَتْ يدُهُ عن جُرْحِهِ، ثُمَّ أرسِلَتْ، فرَجَعتْ كما كانت، وكان بينَ أُحُدٍ، وبينَ يومَ حُفِرَ عنهُما سِتٌّ وأربعُونَ سَنةً. هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" مَقطُوعًا، لم يُختَلف على مالكٍ فيه (٣)، وهُو يتَّصِلُ من وُجُوهٍ صِحاح، بمعنًى واحِدٍ مُتقارِبٍ. قال أبو عُمر: عبدُ الله بن عَمرٍو هذا، هُو والِدُ جابرِ بن عبدِ الله، وهُو عبدُ الله بن عَمرِو بن حرام. وعَمرُو بن الجمُوح بنُ زيدِ بن حَرام بن كعبِ بن غَنْم بن كعبِ بن سَلِمةَ، فهُما ابنا عَمٍّ، وكانا صِهرَينِ، وقُتِلا يومَ أُحُدٍ، ودُفِنا في قَبْرٍ واحِدٍ. وقد ذكَرْناهُما، وطرفًا من أخبارِهِما في كِتابِ "الصَّحابةِ" (٤).

стр. 6676

أخبَرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُفَ، قال: أخبرنا محمدُ بن محمدِ (١) بن أبي دُلَيم، قال: أخبرنا عُمرُ بن حفصِ بن أبي تمّام، قال: أخبرنا محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الحَكَم، قال: حدَّثنا أبو زُرْعةَ وَهْبُ الله بن راشِدٍ، قال: أخبرنا حَيْوةُ بن شُريح، قال: أخبرنا أبو صَخْرٍ حُميدُ بن زِيادٍ، أنَّ يحيى بن النَّضِر حدَّثهُ، عن أبي قتادةَ: أنَّهُ حضَرَ عَمرو بن الجمُوح أتى إلى رسُولِ الله ﷺ فقال: يا رسُولَ الله، أرأيتَ إن قاتَلْتُ في سبِيلِ الله حتَّى أُقتلَ، أتُراني أمْشِي برِجِلي هذه في الجنّةِ؟ وكانَتْ رِجلُهُ عَرْجاءَ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "نعم". فقُتِلَ يومَ أُحُدٍ هُو وابنُ أخِيهِ، فمرَّ عليهِ رسُولُ الله ﷺ ، فقال: "كأنِّي أراهُ يَمْشِي في الجنَّةِ". وأمرَ بهما رسُولُ الله ﷺ فجُعِلا في قبرٍ واحِدٍ (٢). هكذا في هذا الحديثِ: فقُتِلَ يوم أُحُدٍ هُو وابنُ أخِيهِ. وليس هُو ابن أخِيهِ، إنَّما هُو ابنُ عمِّهِ (٣)، على ما تقدَّمَ ذِكرُنا لهُ، وهُو عبدُ الله بن عَمرو (٤) بن حَرام، والِدُ جابرِ بن عبدِ الله، دُفِنَ مَعهُ في قبرٍ واحِدٍ، على ما في حديثِ مالكٍ وغيرِهِ. ذكر الفِريابيُّ (٥)، عن سُفيان، عن أيُّوبَ، عن حُميدِ بن هِلال، عن هشام بن عامرٍ قال: لمّا كان يومُ أُحُدٍ شَكَوْا إلى رسُولِ الله ﷺ القَرْحَ (٦)، فقالوا: يا رسُولَ الله،

стр. 6677

إنَّهُ يَشْتدُّ علينا الحَفْرُ لكلِّ إنسانٍ، فقال: "عَمِّقُوا، وأحْسِنُوا، وادفِنُوا الاثْنَينِ والثَّلاثةَ في قَبْرٍ". قالوا: يا رسُولَ الله، فمَنْ نُقدِّمُ؟ قال: "أكثرَهُم قُرآنًا". قال: فدُفِنَ أبي ثالِث ثلاثةٍ في قَبْرٍ (١). ذكَرْنا هذا الخبر، وإن لم يكُن فيه ذكْرٌ لعَمرِو بن الجمُوح، ولا لعبدِ الله بن عَمرٍو، لما فيه من صِفَةِ الدَّفنِ يَومئذٍ. وقد روى سُفيانُ، عن الأسودِ بن قَيْسٍ، عن نُبيح، عن جابرِ بن عبدِ الله، قال: لمّا كان يومُ أُحُدٍ حُمِل القَتْلَى ليُدفنُوا في البَقِيع، فنادَى مُنادِي رسُولِ الله ﷺ : إنَّ رسُولَ الله يأمُرُكُم أن تَدْفِنُوا القَتْلَى في مَضاجِعِهِم، بَعدَما حَملتُ أبي وخالِي عَدِيلينِ (٢) لندفِنهُم في البَقِيع، فرُدُّوا (٣). حدَّثنا خلفُ بن القاسم بن سَهْل، قال: حدَّثنا بكرُ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا يحيى بن عُثمان بن صالح، قال: حدَّثنا حسّانُ بن غالِبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ لهِيعةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرِ بن عبدِ الله، قال: اسْتُصرِخ بنا إلى قَتْلانا (٤)

стр. 6678

يومَ أُحُدٍ، وأجْرَى مُعاويةُ بن أبي سُفيانَ العينَ، فاسْتَخرجَهُم بعدَ سِتٍّ وأربعِينَ سنةً ليِّنةً أجْسادُهُم (١) تَنْثَني أطرافُهُم (٢). قال أبو عُمر: هذا هُو الصَّحِيحُ، واللهُ أعلمُ، أنَّهُمُ اسْتُخرِجُوا بعدَ سِتٍّ وأربعِينَ سنةً؛ لأنَّ مُعاويةَ لم يُجرِ العينَ إلّا بعدَ اجتِماع النّاسِ عليه خَلِيفةً، وكان اجتِماعُ النّاسِ عليه عامَ أربعِينَ من الِهجرةِ في آخِرِها، وقد قيل: سنةَ (٣) إحدى وأربعِينَ، وذلك حِينَ بايَعهُ الحسنُ بن عليٍّ وأهلُ العِراقِ، فسُمِّي عام الجماعةِ، وتُوُفِّي سنةَ سِتِّين. وقد رَوَى أبو مَسْلمةَ سعِيدُ بن يزِيد، عن أبي نضرةَ، عن جابرٍ: أنَّهُم أُخرِجُوا بعدَ سِتَّةِ أشهُرٍ. فإن صحَّ هذا، فمرَّتينِ أُخرِجَ والِدُ جابرٍ من قَبرِهِ. وأمّا خُرُوجُهُ، وخُرُوجُ غيرِهِ في حِينَ أجْرى (٤) مُعاويةُ العين، فصحِيحٌ، وذلك بعد سِتَّةٍ وأربعِينَ عامًا، على ما في حديثِ مالكٍ وغيرِهِ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن خداش (٥)، قال: حدَّثنا غسّانُ بن مُضرَ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن يزِيدَ أبو مَسْلمةَ، عن أبي نَضْرةَ، عن جابرِ بن عبدِ الله، قال: دَعاني أبي، وقد حَضَر قِتالَ أُحُدٍ، فقال لي: يا جابرُ إنِّي لا أُراني إلّا أوَّل مَقتُولٍ يُقتَلُ غَدًا من أصحابِ رسُولِ الله ﷺ ، وإنِّي لن أدَعَ أحدًا أعزَّ عليَّ مِنكَ غيرَ نَفْسِ رسُولِ الله ﷺ ، وإنَّ لكَ أخواتٍ فاسْتَوصِ بهِنَّ خيرًا، وإنَّ عليَّ دينًا فاقْضِ عنِّي، فكان أوَّلَ قَتِيلٍ من أصحابِ رسُولِ الله ﷺ . قال: فدَفنتُهُ هُو

стр. 6679

وآخَرَ في قَبرٍ واحِدٍ، فكان في نَفْسِي منهُ شيءٌ، فاسْتَخرجتُهُ بعد سِتَّةِ أشهُرٍ كيَومَ دَفنتُهُ، إلّا هُنيَّةً عِندَ رأسِهِ (١). ورَوى هذا الحديث شُعبةُ، عن أبي مَسْلمةَ، عن أبي نَضْرةَ، عن جابرٍ مِثلهُ سواءً بمعناهُ. إلّا أنَّهُ قال: بعدَ سِتَّةِ أشهُرٍ، أو سبْعةِ أشهُرٍ (٢). وقد ذكَرْنا هذا الخبر فيما تقدَّمَ من كِتابِنا، في بابِ أبي الرِّجالِ. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم بن سعِيدٍ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: لمّا أرادَ مُعاويةُ أن يُجرِي العينَ بأُحُدٍ، نُودِيَ بالمدِينةِ: من كانَ لهُ قتِيلٌ فليأتِ قَتِيلهُ. قال جابرٌ: فأتيناهُم فأخَرْجناهُم رِطابًا يتَثنَّوْنَ، فأصابَتِ المِسحاةُ أُصبُعَ رَجُلٍ منهُم، فانفطَرْت دمًا (٣). قال أبو سعِيدٍ الخُدرِيُّ: لا نُنكِرُ بعدَ هذا مُنكرًا أبدًا. وهذا عندي أصحُّ عن جابر واللهُ أعلم (٤). قال أبو عُمر: الذي أصابَتِ المِسحاةُ أُصبُعَهُ، هُو حمزةُ ﵁. رواهُ (٥) عبدُ الأعلى بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الجبّارِ، يعني ابن الوَرْدِ، قال: سمِعتُ أبا الزُّبيرِ يقولُ: سَمِعتُ جابر بن عبدِ الله يقولُ: رأيتُ الشُّهداءَ يُخرَجُونَ على رِقابِ الرِّجالِ كأنَّهُم رِجالٌ نُوَّمٌ (٦) حتَّى إذا أصابَتِ المِسْحاةُ قدَمَ حَمْزةَ ﵁، فانثَعَبَت دمًا (٧)، وبالله التَّوفِيقُ.

стр. 6680

عبدُ الرَّحمنِ (١) بن القاسم بن محمدِ بن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ يُكْنَى أبا محمدٍ (٢)، ﵃ قال مُصعبٌ الزُّبيرِيُّ: أُمُّهُ قَرِيْبَةُ ابنةُ عبدِ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ. وقال غيرُهُ: أُمُّهُ أسماءُ بنتُ عبدِ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ. وكان من خِيارِ المُسلِمِين. قال أبو عُمر: كان عبدُ الرَّحمنِ بن القاسم هذا فقِيهًا جليلًا مُعَظَّمًا بالمدِينةِ، ثِقةً حُجَّةً فيما نقَلَ، كان نَقْشُ خاتمهِ: عبد الرَّحمنِ بن القاسم. وكان أيُّوبُ السَّختِيانِيُّ يُجِلُّهُ ويُعظِّمُه (٣)، وكان إذا كتَبَ إليه، بَدَأ به، وكان يحيى بن سعِيدٍ الأنصارِيُّ يُحدِّثُ عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "تُقطَعُ اليَدُ في رُبع دِينارٍ فصاعدًا" (٤). فنهاهُ عبدُ الرَّحمنِ بن القاسم عن رَفْعِهِ، وقال: إنَّها لم تَرْفعهُ. فتركَ يحيى الرَّفع فيه إلى أن ماتَ، إجلالًا لهُ. وقال البُخارِيُّ (٥): حدَّثنا عليُّ بن المدِينيِّ، عن ابنِ عُيينةَ، قال: أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن القاسم، وكان أفضل أهلِ زمانِهِ، أنَّهُ سمِع أباهُ القاسم بن محمدٍ، وكان أفضل أهلِ زمانِهِ. وقال ابنُ عُيينةَ: ماتَ الزُّهرِيُّ سنةَ أرْبَع وعِشرِينَ، قبل عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم.

стр. 6681

قال أبو عُمر: يعني أنَّ عبد الرَّحمنِ بن القاسم تُوُفِّي بعدَ الزُّهرِيِّ، في عام واحِدٍ، سنةَ أربع وعِشرِين (١). وكان لعبدِ الرَّحمنِ ابنٌ يُسمَّى عبد الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، ولِيَ قَضاءَ المدِينةِ أيام حَسَنِ بن زيدٍ، وابنُهُ محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم ولِي قَضاءَ المدِينةِ للمأمُونِ والمأمُونُ بخُراسانَ. وقيل: كانت وفاةُ عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم سنةَ سِتٍّ وعِشرِينَ ومئةٍ. وقيل: سنةَ إحْدَى وثلاثِينَ ومئةٍ. لمالكٍ عنهُ عَشَرةُ أحادِيثَ، أحدُها مُرسلٌ، وسائرُها مُسْنَدةٌ.

стр. 6682

حديثٌ أوَّلُ لعبدِ الرَّحمن بن القاسم مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم بن محمدٍ، عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّهُ أخبَرهُ: أنَّهُ كان يَرَى عبد الله بن عُمرَ يتربَّعُ في الصَّلاةِ إذا جلسَ. قال: ففَعلته وأنا يَومئذٍ حَدِيثُ السِّنِّ، فنَهاني عبدُ الله، وقال: إنَّما سُنّة الصَّلاةِ أن تَنْصبَ رِجلكَ اليُمنى، وتَثْني رِجلكَ اليُسرى. قال: فقُلتُ لهُ: فإنَّكَ تَفْعلُ ذلك. فقال: إنَّ رِجْلَيَّ لا تَحمِلاني. قال (٢) أبو عمر: هذا الحديثُ يَدْخُلُ في المُسندِ، لقولِ ابنِ عُمر: إنَّما سُنَّةُ الصَّلاةِ. وقد بانَ في هذا الحديثِ: أنَّ التَّربُّعَ في الصَّلاةِ لا يجُوزُ، وليس من سُنَّتِها، وعلى هذا جَماعةُ الفُقهاءِ فلا وجهَ للإكثارِ فيهِ. وقد رُوِي عن ابنِ عبّاسٍ، وأنسٍ، ومُجاهِدٍ، وأبي جعفرٍ محمدِ بن عليٍّ، وسالم، وابنِ سِيرِينَ، وبكرٍ المُزنِيِّ: أنَّهُم كانُوا يُصلُّونَ مُتربِّعِينَ (٣). وهذا عِندَ أهلِ العِلم على أنَّهُم كانُوا يُصلُّونَ جُلُوسًا، عِندَ عَدم القُوَّةِ على القِيام، أو كانُوا مُتنفِّلِينَ جُلُوسًا؛ لأنَّهُم كلَّهُم قد رُوِي عنهُم: أنَّ التَّربُّع في الجُلُوسِ للصَّلاةِ لا يجُوزُ، إلّا لمنِ اشْتَكَى، أو تنفَّل. ذكر ابنُ أبي شيبةَ (٤)، عن الثَّقفِيِّ، عن أيُّوب، عن محمدِ بن سِيرِينَ، قال: كان يُكرَهُ أن يتربَّعَ الرَّجُلُ في صِلاتِهِ، حينَ (٥) يتشهَّدُ.

стр. 6683

وعن ابنِ عُليَّةَ (١)، عن أيُّوبَ، عن محمد (٢) بنِ سِيرِينَ، قال: نُبِّئتُ أنَّ ابن عُمرَ صلَّى مُتربِّعًا، وقال: إنَّهُ ليسَ بسُنَّةٍ، إنَّما فَعَلَهُ من وَجَع. وعن محمدِ بن فُضيل، عن حُصَينٍ، عن الهيثم بن شِهابٍ. قال: سمِعتُ عبد الله بن مسعُودٍ يقولُ: لأن أقعُدَ على رَضْفتَينِ، أحبُّ إليَّ من أن أقعُدَ مُتربِّعًا في الصَّلاةِ (٣). وقدِ اختلَفَ الفُقهاءُ في كيفِيَّةِ صلاةِ القاعِدِ، الذي لا يَقدِرُ على القِيام في الفَرِيضةِ، والمُصلِّي جالِسًا في النّافِلةِ. فذكر ابنُ عبدِ الحَكَم، عن مالكٍ في المرِيضِ أنَّهُ يتربَّعُ في حالِ القِراءةِ والرُّكُوع، ويَثْني رِجلَيهِ في حالِ السُّجُودِ فيَسْجُدُ. وكذلك قال اللَّيثُ بن سعدٍ (٤). وروى المُزنِيُّ، عن الشّافِعيِّ قال: يجلِسُ المرِيضُ والمُصلِّي جالِسًا في صلاتِهِ كجُلُوسِ التَّشهُّدِ. وروى عنهُ البُويطِيُّ: أنَّهُ يُصلِّي مُتربِّعًا في مَوْضِع القِيام. ورَوَى الحسنُ بن زِيادٍ، عن أبي حنِيفةَ وزُفر: أنَّهُ يجلِسُ كجُلُوسِ الصَّلاةِ في التَّشهُّدِ وكذلك يركَعُ ويَسْجُدُ. واحتجَّ من ذهَبَ هذا المذهب بقولِ ابنِ مسعُودٍ، وقد تقدَّم ذِكرُهُ: لأن أقعُدَ على رَضْفتَينِ، أحبُّ إليَّ من أن أقعدَ مُتربِّعًا في الصَّلاةِ. وحمَلَ هذا على الصَّلاةِ التي يجُوزُ فيها الجُلُوسُ. قال: وقال أبو يُوسُف: يكونُ في حالِ قِيامِهِ مُتربِّعًا، وفي رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ (٥) كجُلُوسِ التَّشهُّدِ.

стр. 6684

قال الطَّحاوِيُّ (١): المشهُورُ من قولِ أبي يُوسُف ومحمدٍ: أنَّهُ يكونُ مُتربِّعًا في حالِ الرُّكُوع. قال أبو عُمر: ذكر ابنُ أبي شيبةَ (٢)، عن وكِيع، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن حمّادٍ، عن إبراهيمَ، قال: إذا صلَّى قاعِدًا، جعلَ قِيامهُ مُتربِّعًا. قال وكِيعٌ (٣): وقال سُفيانُ: إذا صلَّى جالِسًا، جعلَ قِيامهُ مُتربِّعًا (٤)، فإذا أرادَ أن يركعَ ركَعَ وهُو مُتربِّعٌ، وإذا أرادَ أن يسجُدَ ثَنَى رِجْلَيْهِ. وعن أسباطَ بن محمد (٥)، عن مُطرِّفٍ، عن سُليمانَ بن بزِيع، قال: دخلتُ على سالم وهُو يُصلِّي جالِسًا، فإذا كانَ الجُلُوسُ، جثا لرُكبتَيهِ، وإذا كان القِيامُ تربَّعَ. وكرِهَتْ طائفةٌ التَّربُّع على كلِّ حال، منهُم: طاوُوسٌ، وكان طاوُوسٌ يقولُ: هي جِلسةُ مَمْلكةٍ (٦). وهذا كلُّهُ في النّافِلةِ لمن صلَّى جالِسًا فيها أو للمَرِيضِ. وأمّا الصَّحِيحُ فلا يجُوزُ لهُ التَّربُّعُ في كلِّ حالٍ (٧) في الصَّلاةِ بإجماع من العُلماءِ. وكذلك أجمعُوا: أنَّهُ من لم يَقْدِر على هيئَةِ الجُلُوسِ في الصَّلاةِ، صلَّى على حسَبِ ما يَقدِرُ، ولا يُكلِّفُ الله نفسًا إلّا وُسعَها.

стр. 6685

واختلَفَ الفُقهاءُ في هيئَةِ الجُلُوسِ، وكيفِيَّتِهِ في الصَّلاةِ المكتُوبةِ. فقال مالك (١): يُفضِي بأليتيهِ إلى الأرضِ، وينصِبُ رِجلهُ اليُمنَى، ويثني رِجلَهُ اليُسرى. وهذا كلُّهُ (٢) عِندَهُ في كلِّ جُلُوسٍ في الصَّلاةِ هكذا، والمرأةُ والرَّجُلُ في ذلك كلِّهِ عِندَهُ سواءٌ. وقال الثَّورِيُّ وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: ينصِبُ الرِّجل اليُمنى، ويقعُدُ على اليُسْرَى. هذا في الرَّجُلِ، والمرأةُ عِندَهُم تقعُدُ كأيسرِ ما يكونُ لها (٣). وقال الثَّورِيُّ: تُسدِلُ رِجْلَيها من جانِبٍ واحِدٍ. ورواهُ عن إبراهيمَ (٤). وقال الشَّعبِيُّ: تقعُدُ كيف تيسَّر لها (٥). وكان عبدُ الله بن عُمر يأمُرُ نِساءَهُ أن يَجْلِسْنَ في الرَّكعتينِ والأربع مُتربِّعاتٍ (٦). وقال الشّافِعيُّ (٧): يَقعُدُ المُصلِّي في الجَلْسةِ الوُسطى، كما قال أبو حنِيفةَ والثَّورِيُّ، وفي الجَلسةِ من الرّابعةِ، كما قال مالكٌ. وقال الشّافِعيُّ أيضًا: إذا قعدَ في الرّابعةِ، أماطَ رِجلَيهِ جميعًا، فأخرجهُما عن ورِكِهِ اليُمنى (٨)، وأفْضَى بمَقعدتِهِ إلى الأرضِ، وأضجَعَ اليُسرَى، ونصَبَ اليُمنى. قال: وكذلك القِعدَةُ في صلاةِ الصُّبح.

стр. 6686

وقال أحمدُ بن حنبلٍ مِثل قولِ الشّافِعيِّ سواءً في كلِّ شيءٍ، إلّا في الجُلُوسِ للصُّبح، فإنَّهُ عِندَهُ كالجُلُوسِ في ثِنْتينِ. وهُو قولُ داود. وقال الطَّبرِيُّ: إن فعَلَ هذا فحَسَنٌ، وإن فعلَ هذا فحَسَنٌ؛ لأنَّ ذلك كلَّهُ قد ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ . قال أبو عُمر: ما ذهَبَ إليه مالكٌ، فقد رُوِي عن ابنِ عُمرَ: أنَّهُ السُّنَّةُ (١). وحسبُكَ، وما ذهَبَ إليه الثَّورِيُّ وأبو حنِيفةَ، فموجُودٌ في حديثِ وائلِ بن حُجْرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ . وما ذهَبَ إليه الشّافِعيُّ، فموجُودٌ في حديثِ أبي حُمَيدٍ السّاعِدِيِّ، عن النَّبيِّ ﷺ . أخبَرنا محمدُ بن إبراهيم بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٢): أخبرنا قُتيبةُ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن يحيى بن سعِيدٍ، عن القاسم بن محمدٍ، عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن أبيهِ، أنَّهُ قال: إنَّ من سُنَّةِ الصَّلاةِ أن تُضجِعَ رِجلكَ اليُسْرَى، وتَنصِبَ اليُمنى. وكذلك رواهُ عبدُ الوهّابِ الثَّقفِيُّ، قال: سمِعتُ يحيى بن سعِيدٍ، قال: سمِعتُ القاسم يقولُ: أخبَرني عبدُ الله بن عبدِ الله، أنَّهُ سمِع عبد الله بن عُمرَ يقولُ: سُنّة الصَّلاةِ أن تُضجعَ رِجلكَ اليُسْرَى، وتَنصِبَ اليُمنى؛ ذكرهُ أبو داود (٣)، عن ابنِ مُعاذٍ، عن الثَّقفِيِّ. وكذلك رواهُ جرِيرٌ، عن يحيى بن سعِيدٍ (٤).

стр. 6687

وروى هذا الحديث مالكٌ في "المُوطَّأ" (١) عن يحيى بن سعِيدٍ، أنَّ القاسم بن محمدٍ أراهُمُ الجُلُوس في التَّشهُّدِ، فنصَبَ رِجلهُ اليُمنى، وثَنَى رِجلهُ اليُسرى، وجلسَ على وَرِكِهِ الأيْسَرِ، ولم يَجلِس على قَدَمِهِ، ثُمَّ قال: أراني هذا عبدُ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، وحدَّثني أنَّ أباهُ كانَ يفعلُ ذلك. هكذا قال مالكٌ في حديثِ يحيى بن سعِيدٍ هذا، لم يذكُر فيهِ: أنَّ ذلك من سُنَّةِ الصَّلاةِ، كما ذكر في حديثهِ عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم. وكذلك رواهُ حمّادُ بن زيدٍ، عن يحيى بن سعِيدٍ، أنَّ القاسم بن محمدٍ أراهُمُ الجُلُوس. فذكر مِثل ما ذكرهُ مالكٌ سواءً، ولم يذكُر أنَّ ذلك من السُّنَّةِ، كما قال عبدُ الوهّابِ واللَّيثُ، وجرِيرٌ. فلهذا لم نَذكُر في هذا الكِتاب حديث مالكٍ، عن يحيى بن سعِيدٍ، عن القاسم، في بابِ يحيى بن سعِيدٍ؛ لأنًّ مالكًا لم يَقُل عنهُ فيهِ: من السُّنَّةِ. ولا نشُكُّ أنَّ ذلك من السُّنَّةِ، لأنَّ مالكًا ذكر ذلكَ (٢) عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن عُمر، عن أبيهِ. وأظُنُّ عبد الرَّحمنِ شهِدَ ذلك من عبدِ الله بن عبدِ الله مع أبيهِ القاسم، لأنَّ رِوايةَ مالكٍ عنهُ تَدُلُّ على ذلك، وعبدُ الرَّحمنِ ممَّن أدركَ بسِنَهِ من الصَّحابةِ مِثلَ أنسٍ وطَبقتِهِ، وإن كان لم تُحفَظ لهُ عنهُم رِوايةٌ، فهُو أحْرَى أن يصِيرَ مع أبيهِ في دَرَجةٍ في مِثلِ هذا الحديثِ، عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، هذا ما لا خِلافَ فيه، ولا مدفَعَ. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ،

стр. 6688

قال (١): حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ القَعْنبِيُّ، عن مالكٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن عبدِ الله بن عُمرَ، قال: سُنَّةُ الصَّلاةِ أن تَنصِبَ رِجلكَ اليُمنى، وتَثْني رِجلكَ اليُسْرَى. قال أبو عُمر: رِوايةُ يحيى بن سَعِيدٍ عن القاسم، أكمَلُ من رِواية عبدِ الرَّحمنِ هذه، والمعنى في ذلك بيِّنٌ واضِحٌ، والحمدُ لله. وقد رُوِي في هذا البابِ عن عائشةَ حديثٌ اختُلِفَ في متنِهِ ولفظِهِ. أخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عيسى الواسِطِيُّ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن عونٍ، عن هُشيم، عن منصُورٍ، عن محمدِ بن أبانٍ، عن عائشةَ، قالت: أربعٌ من السُّنَّةِ: تَعجِيلُ الإفطارِ، وتأخِيرُ السُّحُورِ، ووَضعُ الرِّجلِ اليُسْرَى في التَّشهُّدِ، ونصبُ اليُمنى (٢). قال أبو عُمر: منصُورٌ هذا، هُو منصُورُ بن زاذانَ، ومحمدُ بن أبانٍ هذا هُو محمدُ بن أبانٍ الأنصارِيُّ المَدَنيُّ، إلّا أنِّي أظُنُّ أنَّهُ لم يُدرِك عائشةَ، وأخْشَى أن يكونَ محمد بن أبانٍ الذي يَرْوِي عن القاسم، عن عائشةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "من نذَرَ أن يَعْصِي الله، فلا يَعْصِهِ" (٣). وقد جعلَهُما العُقيليُّ رجُلينِ (٤)، وكذلك جَعلَهُما أبو حاتِم رجُلينِ (٥). وذكر

стр. 6689

العُقيليُّ هذا الحديث، قال: أخبرنا محمدُ بن عِيسى الواسِطِيُّ، قال: أخبَرنا عَمرُو بن عونٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن منصُورِ بن زاذانَ، عن محمدِ بن أبانٍ، عن عائشةَ، قالت: أربعٌ من السُّنَّةِ: تَعجِيلُ الإفطارِ، وتأخِيرُ السُّحُورِ، ووضعُ اليُسرى، ونَصبُ اليُمنى في التَّشهُّدِ. قال: وأخبَرنا محمدُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن منصور (١)، قال: أخبرنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا منصُورُ بن زاذانَ، عن محمدِ بن أبانٍ الأنصارِيِّ، عن عائشةَ، قالت: ثلاثٌ من النُّبُوَّةِ: تَعجِيلُ الإفطارِ، وتأخِيرُ السُّحُورِ، ووضعُ اليُمنى على اليُسْرَى في الصَّلاةِ. ورواهُ حجّاجُ بن مِنهال، عن هُشيم، مِثلهُ بإسنادِهِ. فسقَطَ هذا الحديثُ أن يُحتجَّ به في هذا البابِ، للاختِلافِ في متنِهِ ومعناهُ. وقد روى حارِثةُ بن أبي الرِّجالِ، وهُو ممَّن لا يُحتجُّ به أيضًا، عن عَمْرةُ، عن عائشةَ: أنَّها وصفَتْ صَلاةَ رسُولِ الله ﷺ ، فذكرتها، وقالت في آخِرِها: ثمَّ يرفعُ رأسهُ فيجلِسُ على قَدمِهِ اليُسرى، ويَنصِبُ اليُمنى، ويَكرَهُ أن يَسقُطَ على شِقِّهِ الأيسرِ؛ ذكرهُ أبو بكر بن أبي شيبةَ (٢)، عن عبدةَ، عن حارِثةَ. وأمّا حديثُ وائلِ بن حُجرٍ في هذا البابِ، فأحسنُ طُرُقِهِ: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيان، قال: حدَّثني عاصِمُ بن كليبٍ الجَرْمِيُّ، قال: سمِعتُ أبي يقولُ: سمِعتُ وائل بن

стр. 6690

حُجرٍ الحَضْرمِيَّ قال: رأيتُ رسول الله ﷺ يُصلِّي، فذكر الحديث، وفيهِ: قال: ورأيتُهُ إذا جلَسَ في الصَّلاةِ، أضجَعَ رِجلهُ اليُسرى، ونصَبَ رِجلهُ اليُمنى (١). وأخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٢): أخبرنا محمدُ بن عبدِ الله بن يزِيد المُقرِئُ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عاصِمُ بن كليبٍ، عن أبيهِ، عن وائلِ بن حُجرٍ، قال: أتيتُ رسُولَ الله ﷺ ، فرأيتُهُ يرفعُ يَدَيهِ إذا افتتَحَ الصَّلاةَ، حتَّى يُحاذي مَنْكِبيهِ، وإذا أرادَ أن يركَعَ، وإذا جلَسَ في الرَّكعتينِ أضجَعَ اليُسرى، ونصَبَ اليُمنى ... وذكر الحديثَ. وأمّا حديثُ أبي حُميدٍ السّاعِدِيِّ: فحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا أبو عاصِم، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن جعفرٍ، قال: حدَّثني محمدُ بن عَمرِو بن عَطاءٍ، قال: سمِعتُ أبا حُمَيدٍ السّاعِدِيَّ في عَشَرةٍ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ، فيهِم أبو قتادةَ بن رِبْعِيٍّ (٣)، فقال أبو حُميدٍ: أنا أعلَمُكُم بصلاةِ رسولِ الله ﷺ . قالوا: لم؟ فوالله ما كُنتَ أكثَرَنا لهُ تَبِعَةً، ولا أقْدَمَنا لهُ صُحبةً. قال: بلى، قالوا: فاعْرِض، قال: كانَ رسولُ الله ﷺ

стр. 6691

إذا قامَ إلى الصَّلاةِ كبَّر، ثُمَّ يَرْفعُ يَدَيهِ حتَّى يُحاذي بهما مَنْكِبيهِ، ويَقِرَّ كلُّ عَظْم في مَوْضِعِهِ، ثُمَّ يُكبِّرُ، ثُمَّ يقرأُ، ثُمَّ يَرْفعُ يَدَيهِ حتَّى يُحاذي بهما مَنْكِبيهِ، ثمَّ يَرْكعُ، فيَضعُ راحتَيْهِ على رُكبتيهِ مُعتدِلًا، لا يَصُبُّ (١) رأسهُ، ولا يُقْنِعُ (٢) مُعتدِلًا، ثُمَّ يقولُ: سمِعَ الله لمن حمِدهُ، ثُمَّ يرفعُ يَدَيهِ حتَّى يُحاذي بهما مَنْكِبيهِ، حتَّى يَقِرَّ كلُّ عَظْم إلى مَوْضِعِهِ، ثُمَّ يهوِي إلى الأرضِ، ويُجافِي يَدَيهِ عن جَنْبيهِ، ثُمَّ يرفعُ رأسهُ، وَيثْني رِجلهُ اليُسْرَى فيَقعُدُ عليها، وَيفْتَحُ أصابِعَ رِجليهِ، ثُمَّ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكبِّرُ، ويجلِسُ على رِجلِهِ اليُسرَى، حتَّى يرجِعَ كلُّ عظم إلى مَوضِعِهِ، ثُمَّ يقُومُ فيَصْنعُ (٣) في الرَّكعةِ الأُخْرَى مِثلَ ذلك، ثُمَّ إذا قامَ من الرَّكعتينِ، رفعَ يَديهِ حتَّى يُحاذي بهما مَنْكِبيهِ، كما صنعَ عِندَ افتِتاح الصَّلاةِ، ثُمَّ يُصلِّي بَقِيَّةَ صلاتِهِ هكذا، حتَّى (٤) إذا كان في السَّجدةِ التي فيها التَّسلِيمُ، أخَّرَ رِجلَهُ وجلَسَ على شِقِّهِ الأيْسَرِ مُتورِّكًا. قالوا: صدقتَ، هكذا كان يُصلِّي النَّبيُّ ﷺ (٥). وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٦): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال: حدَّثنا أبو عاصِم، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن جَعْفرٍ، فذكر بإسنادِهِ مِثلهُ.

стр. 6692

قال أبو داود (١): وحدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الحَمِيدِ بن جَعفرٍ، قال: حدَّثني محمدُ بن عَمرِو بن عَطاءٍ، عن أبي حُميدٍ السّاعِدِيِّ، فذكرهُ. وأخبَرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا المُطَّلِبُ بن شُعَيبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن يَزِيد بن محمدٍ القُرَشِيِّ ويزِيد بن أبي حَبِيبٍ، عن محمدِ بن عَمرِو بن حَلْحَلةَ (٢)، عن محمدِ بن عَمرِو بن عطاءٍ: أنَّهُ كانَ جالِسًا مع نَفرٍ من أصحابِ رسُولِ الله ﷺ ، فذكَرْنا صلاةَ رسُولِ الله ﷺ ، فقال أبو حُميدٍ: أنا أحفظُكُم بصلاةِ رسُولِ الله ﷺ : رأيتُهُ إذا كبَّرَ جعلَ يَديهِ حَذْوَ مَنكِبيهِ، وإذا ركعَ أمكَنَ كفَّيهِ من رُكبتيهِ، ثُمَّ هصَرَ ظهرهُ (٣)، فإذا رفعَ رأسهُ، اسْتَوى حتَّى يعُود كلُّ فَقارٍ مكانهُ، فإذا سجَدَ وضعَ يَديهِ غير مُفترِشٍ ولا قابِضِهما، واسْتَقبلَ بأطرافِ أصابِع رِجلَيهِ القِبلةَ، فإذا جلَسَ في الرَّكعتينِ، جلسَ على رِجلِهِ اليُسرَى، وإذا جلسَ في الرَّكعةِ الآخِرةِ، قدَّمَ رِجلهُ اليُسرَى، وقعدَ على مَقْعدتِهِ (٤). ورواهُ ابنُ وَهْبٍ، عن اللَّيثِ، بإسنادِهِ هذا مِثلهُ سواءً (٥).

стр. 6693

ورواهُ ابنُ لهِيعةَ، عن يزِيد بن أبي حبِيبٍ، عن محمدِ بن عَمرِو بن حَلْحَلةَ (١)، عن محمدِ بن عَمرٍو العامرِيِّ، قال: كُنتُ في مجلِسٍ. فذكَرَ هذا الحديث، قال فيهِ: فإذا قعدَ في الرَّكعتَينِ، قعدَ على بَطنِ قَدمِهِ اليُسرَى ونصبَ اليُمنى، وإذا كان في الرّابعةِ، أفْضَى بورِكِهِ الأيسرِ إلى الأرضِ، وأخرجَ قَدَميهِ من ناحِيةٍ واحِدةٍ (٢). ورواهُ فُلَيحُ بن سُليمانَ وعيسى بن عبدِ الله بن مالكٍ، عن (٣) عبّاسِ بن سَهْلِ بن سعدٍ السّاعِدِيِّ، قال: اجتمَعَ أبي وأبو حُميدٍ وأبو أُسيدٍ ومحمدُ بن مَسْلمةَ. فذكرَ هذا الحديث، وقال فيهِ: ثُمَّ جلسَ فافتَرشَ (٤) رِجلهُ اليُسرَى، وأقبلَ بصدرِ اليُمنَى على قِبلَتِهِ (٥). قال أبو عُمر: لم أجِدِ استِقبالَ القِبلةِ بصدرِ القَدَم اليُمنى في الصَّلاةِ عِندَ الجُلُوسِ للتَّشهُّدِ، إلّا في حديثِ أبي حُميدٍ هذا. وفي رِوايةِ عَمرِو بن الحارِثِ، عن يحيى بن سعِيدٍ، عن القاسم بن محمدٍ، في حديثِ ابنِ عُمر. حدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٦): حدَّثنا الرَّبيعُ بن سُليمانَ بن داود، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن بكرِ بن

стр. 6694

مُضرَ، قال: حدَّثني أبي، عن عَمرِو بن الحارِثِ، عن يحيى بن سعِيدٍ، أنَّ القاسم حدَّثهُ، عن عبدِ الله، وهُو ابنُ عبدِ الله بن عُمرَ، عن أبيهِ قال: من سُنَّةِ الصَّلاةِ أن يَنصِبَ القدَمَ اليُمنى، ويَستقبِلَ بأصابِعِها القِبلةَ، والجُلُوسُ على اليُسرَى. واختلفَ الفُقهاءُ في النُّهُوضِ من السُّجُودِ إلى القِيام: فقال مالكٌ (١) والأوزاعِيُّ والثَّورِيُّ وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: ينهضُ على صُدُورِ قدميهِ ولا يجلِسُ (٢). ورُوِي ذلك عن ابنِ مسعُودٍ، وابنِ عُمرَ، وابنِ عبّاسٍ (٣). وقال النُّعمانُ بن أبي عيّاشٍ: أدركتُ غيرَ واحِدٍ من أصْحابِ النَّبيِّ ﷺ يفعلُ ذلك (٤). وقال أبو الزِّنادِ: تلكَ السُّنَّةُ. وبه قال أحمدُ بن حنبل، وإسحاقُ بن راهُوية. قال أحمدُ: أكثرُ الأحادِيثِ على هذا. قال الأثرمُ: ورأيتُ أحمد بن حنبلٍ يَنْهضُ بعدَ السُّجُودِ على صُدُورِ قدميهِ، ولا يجلِسُ قبلَ أن ينهضَ. وذُكِر عن ابنِ مَسْعُودٍ وابنِ عُمرَ وأبي سعِيدٍ وابنِ عبّاسٍ وابنِ الزُّبيرِ: أنَّهُم كانُوا ينهضُونَ على صُدُورِ أقدامِهِم (٥).

стр. 6695

وقال الشّافِعيُّ (١): إذا رفعَ رأسهُ من السَّجدةِ، جلسَ، ثُمَّ نهضَ مُعتمِدًا على الأرضِ بيدَيْهِ، حتَّى يَعتدِلَ قائمًا. ومن حُجَّةِ من ذهَبَ مذهب مالكٍ ومن تابَعهُ، حديثُ أبي حُميدٍ السّاعِدِيِّ المذكُورُ في هذا البابِ، فيهِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمّا رفَعَ رأسهُ من السَّجدةِ قامَ. ولم يذكُر قُعُودًا. وفي حديثِ رِفاعةَ بن رافِع، عن النَّبيِّ ﷺ ، في تعليم الأعرابِيِّ: "ثُمَّ اسجُد حتَّى تعتدِلَ ساجِدًا، ثُمَّ قُمْ" (٢). ولم يأمُرهُ بالقَعْدةِ. واحتجَّ أبو جعفرٍ الطَّحاوِيُّ (٣) لهذا المذهبِ أيضًا، بأن قال: قدِ اتَّفقُوا أنَّهُ يرجعُ من السُّجُودِ بتكبِيرٍ، ثُمَّ لا يُكبِّرُ تكبيرةً أُخرَى للقِيام. قالوا: فلو كانتِ القَعْدَةُ مَسنُونةً، لكانَ الانتِقالُ منها إلى القِيام بالذِّكرِ، كسائرِ أحوالِ الانتِقالِ. وحُجَّةُ الشّافِعيِّ لما ذهَبَ إليه في ذلك، حديثُ مالكِ بن الحُوَيرِثِ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن داسةَ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا زِيادُ بن أيُّوب ومُسدَّدٌ، قالا (٥): حدَّثنا إسماعيلُ، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابةَ، قال: جاءَنا أبو سُليمانَ مالكُ بن

стр. 6696

الحُوَيرِثِ إلى مَسْجدِنا، فقال: والله إنِّي لأُصلِّي، وما أُرِيدُ الصَّلاةَ، ولكِنِّي أُرِيدُ أن أُرِيَكُم كيفَ رأيتُ رسُولَ الله ﷺ يُصلِّي، قال: فقعَدَ في الرَّكعةِ الأُولى حِينَ رفع رأسهُ من السَّجدةِ الآخِرةِ، ثُمَّ قامَ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (١)، قالا: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، عن خالدٍ، عن أبي قِلابةَ، عن مالكِ بن الحُوَيرِثِ: أنَّهُ رأى النَّبيَّ ﷺ إذا كانَ في وِترٍ من صلاتِهِ، لم ينهض حتَّى يَسْتوِي قاعِدًا. وأخبرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٢): أخبرنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن أبي قِلابةَ، قال: كان مالكُ بن الحُوَيرِثِ يأتِينا فيقولُ: ألا أُحدِّثُكُم (٣) عن صَلاةِ رسُولِ الله ﷺ ، فيُصلِّي في غيرِ وَقْتِ صَلاةٍ، فإذا رفَعَ رأسهُ من السَّجدةِ الثّانِيةِ، في أوَّلِ ركعةٍ، اسْتَوَى قاعِدًا، ثُمَّ قامَ فاعتمدَ على الأرضِ. قال أصحابُ الشّافِعيِّ: فحديثُ مالكِ بنِ الحُويرِثِ أولى ما قيلَ به في هذه المسألةِ؛ لأنَّ فيه زِيادةً سَكتَ عنها غيرُهُ، فوجَبَ قبُولهُا.

стр. 6697

واختلَفَ الفُقهاءُ في الاعتِمادِ على اليَدينِ عِندَ النُّهُوضِ إلى القِيام. فقال مالكٌ والشّافِعيُّ (١) وأبو حنِيفةَ وأصحاجُهُم: يَعتمِدُ على يَديهِ إذا أرادَ القِيام. ورُوِي عن ابنِ عُمرَ: أنَّهُ كان يَعتمِدُ على يديهِ إذا أرادَ القِيامَ (٢). وكذلك رُوِي عن مكحُول، وعُمر بن عبدِ العزيزِ، وجماعةٍ من التّابِعِين. ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٣)، عن عبدِ الله بن عُمر، عن نافِع، عن ابنِ عُمر: أنَّهُ كان يقُومُ إذا رفعَ رأسهُ من السَّجدةِ، مُعتمِدًا على يديهِ، قبلَ أن يرفعهُما. وقال الثَّورِيُّ: لا يَعتمِدُ على يَديهِ، إلّا أن يكونَ شيخًا كبِيرًا. ورُوِي ذلك عن عليِّ بن أبي طالِبٍ (٤). وهُو قولُ إبراهيم النَّخعِيِّ (٥). وقال الأثرمُ: رأيتُ أحمد بن حنبلٍ إذا نهضَ يَعتمِدُ على فخِذيهِ. وذكرَ عن عليٍّ ﵁، قال: إنَّ من السُّنَّةِ في الصَّلاةِ إذا نهضَ الرَّجُلُ في الرَّكعتينِ الأُوليينِ، ألّا يَعتمِدَ بيديهِ على الأرضِ، إلّا أن يكونَ شيخًا كبِيرًا لا يَسْتطِيعُ (٦). عبدُ الرَّزّاقِ (٧) عن مَعمرٍ، عن أيُّوب، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ: أنَّ السُّنّة في الجُلُوسِ في الصَّلاةِ، أن يَثْني اليُسرَى، ويُقعِي باليُمنَى.

стр. 6698

وعن مَعمرٍ (١) قال: سألتُ الزُّهرِيَّ عن الجُلُوسِ في الصَّلاةِ في مثنًى (٢)، قال: يَثْني اليُسرَى تحتَ اليُمنى. وعن مَعمرٍ (٣)، عن أيُّوب، عن نافِع، قال: تربَّعَ ابنُ عُمر في صلاتِهِ، فقال: إنَّها ليسَتْ من سُنَّةِ الصَّلاةِ، ولكِنِّي أشْتكِي رِجلي. وعن ابنِ جُريج (٤)، عن عَطاءٍ، قال: رأيتُ ابن عُمرَ يجلِسُ في مَثنًى، فجلسَ على يُسراهُ، فيتبَطَّنها (٥) جالِسًا عليها، ويُقعِي على أصابِع يُمناهُ ثانيها وراءَهُ على كلِّ أصابِعِها. قال أبو عُمر: قد مَضَى معنى الإقعاءِ، وما فيه للعُلماءِ، في بابِ صَدَقةَ بن يَسارٍ من كِتابِنا هذا، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهُنا، ومَضَى في هذا البابِ ما فيه كِفايةٌ، والحمدُ لله (٦).

стр. 6699

حديثٌ ثانٍ لعبدِ الرَّحمنِ بن القاسم مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أفرَدَ الحجَّ. قال أبو عُمر: هذا أصحُّ حديثٍ يُروى عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ أفردَ الحجَّ. وإليه ذهَبَ مالكٌ في اختِيارِهِ الإفرادَ وأصحابُهُ، وأبو ثورٍ، وجماعةٌ. ورُوِي ذلك عن أبي بكرٍ، وعُمرَ، وعُثمانَ (٢). وهُو أحدُ قوليِ الشّافِعيِّ في اختِيارِه (٣). وروى محمدُ بن الحسنِ، عن مالكٍ، أنَّهُ قال: إذا جاءَ عن النَّبيِّ ﷺ حَدِيثانِ مُختلِفانِ، وبَلَغنا أنَّ أبا بَكرٍ وعُمرَ عَمِلا بأحدِ الحديثينِ، وترَكا الآخر، كان في ذلك دلالةٌ على (٤) أنَّ الحقَّ فيما عَمِلا به. وقد مَضَى القولُ مُمهَّدًا في هذا المعنى، وما فيه للعُلماءِ، السَّلفِ منهُم والخلفِ، من التَّنازُع والاختِلافِ، فيما كان رسُولُ الله ﷺ به مُحرِمًا في حَجَّتِهِ، وهل كان حِينئذٍ مُفْرِدًا، أو مُتمتِّعًا، أو قارِنًا، وذكَرْنا هُناك اختِلافَ الآثارِ في ذلك، وما ذهَبَ إليه فُقهاءُ الأمصارِ، وذلك في بابِ ابنِ شِهابٍ، عن عُروةَ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله. حدَّثنا خلفُ بن قاسم بن سهلِ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ بن أحمد بن محمدِ بن عطِيَّةَ، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الرَّحمنِ زكرِيّا بن يحيى السِّجزِيُّ، قال:

стр. 6700

حدَّثنا ابنُ الرَّمّاح قال: قُلتُ لمالك (١): الإفرادُ أحبُّ إليكَ أم القِرانُ؟ قال: الإفرادُ. قُلتُ: من أينَ؟ قال: لأنَّ رسُولَ الله ﷺ أفردَ الحجَّ. قُلتُ: عمَّن؟ فقال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أفردَ الحجَّ. وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن الحُسينِ بن صالح السَّبِيعِيُّ بدِمشقَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدِ بن يزِيد، عن عبدِ الله (٢) الكِندِيِّ الحلبِيِّ، قال: حدَّثنا مُطرِّفُ بن عبدِ الله المدنِيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أفردَ الحجَّ (٣). ورواهُ مُطرِّفٌ أيضًا عن ابنِ أبي حازِم، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيهِ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ. ورواهُ الولِيدُ بن مُسلِم، عن الأوزاعِيِّ وابنُ جُريج، عن عَطاءٍ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مثلهُ سَواءً (٤). وأبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي سُفيانَ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ (٥). وأمّا الحجُّ في الشَّرِيعةِ: فقَصدُ الكعبةِ البَيْتِ الحرام، والطَّوافُ، والسَّعيُ بين الصَّفا والمروةِ، والرَّميُ، والوُقُوفُ بعرَفةَ على سُنَّتِها، ثُمَّ بالمُزدلِفةِ على سُنَّتِها،

стр. 6701

ثُمَّ إتيانُ مِنًى والمُقامُ بها لرَمْيِ الجِمارِ، ثُمَّ الطَّوافُ، وكلُّ ذلك على سُنَّتِهِ فيما هُو معلُومٌ، والحمدُ لله. وقد أتَيْنا على إيضاح ذلك في مَواضِعِهِ من هذا الكِتابِ. وأمّا الحجُّ في اللُّغةِ: فالقَصْدُ. قال الشّاعِرُ (١): وأشهدُ من عوفٍ حُلُولًا كثِيرةً ... يحُجُّون سِبَّ الزِّبرِقانِ المُزعفرا (٢) والسِّبُّ: الثَّوبُ أوِ العِمامةُ. وقال جرِيرٌ (٣): قومٌ إذا حاولُوا حجًّا (٤) لبَيعتِهِم ... صرُّوا الفُلُوسَ وحجُّوا غيرَ أبرارِ

стр. 6702

حديثٌ ثالثٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن القاسم مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: قَدِمتُ مَكَّةَ وأنا حائضٌ، فلم أطُف بالبيتِ، ولا بينَ الصَّفا والمروةِ، فشَكَوتُ ذلك إلى رسُولِ الله ﷺ ، فقال: "افْعَلي ما يفعلُ الحاجُّ، غيرَ أن لا تَطُوفي بالبيتِ، ولا بينَ الصَّفا والمروةِ، حتَّى تَطْهُرِي". هكذا قال يحيى عن مالكٍ في هذا الحديثِ: "غير أن لا تَطُوفي بالبيتِ، ولا بينَ الصَّفا والمروةِ، حتَّى تَطْهُرِي". وقال غيرُهُ من رُواةِ "المُوطَّأ": "غير أن لا تطُوفي بالبيتِ حتَّى تَطْهُرِي". لم يذكُرُوا: "ولا بين الصَّفا والمروةِ". ولا ذكرَ أحدٌ من رُواةِ "المُوطَّأ" في هذا الحديثِ: "ولا بين الصَّفا والمروةِ"، غير يحيى فيما علِمتُ، وهُو عِندِي وهمٌ منهُ، والله أعلمُ (٢). والمعرُوفُ من مذهبِ مالكٍ: أنَّ الحائضَ لا بأسَ أن تَسْعَى بين الصَّفا والمروةِ، إذا كانت قد طافَتْ بالبيتِ قبلَ أن تحِيضَ. ذكر مالكٌ في "مُوطَّئهِ" (٣)، قال: والمرأةُ الحائضُ إذا كانَتْ قد طافَتْ بالبيتِ قبلَ أن تحِيضَ، فإنَّها تَسْعَى بين الصَّفا والمروةِ، وتَقِفُ بعرَفةَ، والمُزْدلِفةِ، وتَرْمِي الجِمار، غيرَ أن لا تَطُوفَ بالبيتِ حتَّى تَطْهُرَ من حيضتِها. قال أبو عُمر: رِوايةُ يحيى هذه، إن صحَّتْ، فتُشبِهُ مذهبَ ابنِ عُمرَ. ذكر مالكٌ في "المُوطَّأ" (٤) عن نافِع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّهُ كان يقولُ
следующие страницы →