← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6698–6737 · переход к 6703.

стр. 6698

وعن مَعمرٍ (١) قال: سألتُ الزُّهرِيَّ عن الجُلُوسِ في الصَّلاةِ في مثنًى (٢)، قال: يَثْني اليُسرَى تحتَ اليُمنى. وعن مَعمرٍ (٣)، عن أيُّوب، عن نافِع، قال: تربَّعَ ابنُ عُمر في صلاتِهِ، فقال: إنَّها ليسَتْ من سُنَّةِ الصَّلاةِ، ولكِنِّي أشْتكِي رِجلي. وعن ابنِ جُريج (٤)، عن عَطاءٍ، قال: رأيتُ ابن عُمرَ يجلِسُ في مَثنًى، فجلسَ على يُسراهُ، فيتبَطَّنها (٥) جالِسًا عليها، ويُقعِي على أصابِع يُمناهُ ثانيها وراءَهُ على كلِّ أصابِعِها. قال أبو عُمر: قد مَضَى معنى الإقعاءِ، وما فيه للعُلماءِ، في بابِ صَدَقةَ بن يَسارٍ من كِتابِنا هذا، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهُنا، ومَضَى في هذا البابِ ما فيه كِفايةٌ، والحمدُ لله (٦).

стр. 6699

حديثٌ ثانٍ لعبدِ الرَّحمنِ بن القاسم مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أفرَدَ الحجَّ. قال أبو عُمر: هذا أصحُّ حديثٍ يُروى عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ أفردَ الحجَّ. وإليه ذهَبَ مالكٌ في اختِيارِهِ الإفرادَ وأصحابُهُ، وأبو ثورٍ، وجماعةٌ. ورُوِي ذلك عن أبي بكرٍ، وعُمرَ، وعُثمانَ (٢). وهُو أحدُ قوليِ الشّافِعيِّ في اختِيارِه (٣). وروى محمدُ بن الحسنِ، عن مالكٍ، أنَّهُ قال: إذا جاءَ عن النَّبيِّ ﷺ حَدِيثانِ مُختلِفانِ، وبَلَغنا أنَّ أبا بَكرٍ وعُمرَ عَمِلا بأحدِ الحديثينِ، وترَكا الآخر، كان في ذلك دلالةٌ على (٤) أنَّ الحقَّ فيما عَمِلا به. وقد مَضَى القولُ مُمهَّدًا في هذا المعنى، وما فيه للعُلماءِ، السَّلفِ منهُم والخلفِ، من التَّنازُع والاختِلافِ، فيما كان رسُولُ الله ﷺ به مُحرِمًا في حَجَّتِهِ، وهل كان حِينئذٍ مُفْرِدًا، أو مُتمتِّعًا، أو قارِنًا، وذكَرْنا هُناك اختِلافَ الآثارِ في ذلك، وما ذهَبَ إليه فُقهاءُ الأمصارِ، وذلك في بابِ ابنِ شِهابٍ، عن عُروةَ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله. حدَّثنا خلفُ بن قاسم بن سهلِ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ بن أحمد بن محمدِ بن عطِيَّةَ، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الرَّحمنِ زكرِيّا بن يحيى السِّجزِيُّ، قال:

стр. 6700

حدَّثنا ابنُ الرَّمّاح قال: قُلتُ لمالك (١): الإفرادُ أحبُّ إليكَ أم القِرانُ؟ قال: الإفرادُ. قُلتُ: من أينَ؟ قال: لأنَّ رسُولَ الله ﷺ أفردَ الحجَّ. قُلتُ: عمَّن؟ فقال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أفردَ الحجَّ. وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن الحُسينِ بن صالح السَّبِيعِيُّ بدِمشقَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدِ بن يزِيد، عن عبدِ الله (٢) الكِندِيِّ الحلبِيِّ، قال: حدَّثنا مُطرِّفُ بن عبدِ الله المدنِيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أفردَ الحجَّ (٣). ورواهُ مُطرِّفٌ أيضًا عن ابنِ أبي حازِم، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيهِ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ. ورواهُ الولِيدُ بن مُسلِم، عن الأوزاعِيِّ وابنُ جُريج، عن عَطاءٍ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مثلهُ سَواءً (٤). وأبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي سُفيانَ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ (٥). وأمّا الحجُّ في الشَّرِيعةِ: فقَصدُ الكعبةِ البَيْتِ الحرام، والطَّوافُ، والسَّعيُ بين الصَّفا والمروةِ، والرَّميُ، والوُقُوفُ بعرَفةَ على سُنَّتِها، ثُمَّ بالمُزدلِفةِ على سُنَّتِها،

стр. 6701

ثُمَّ إتيانُ مِنًى والمُقامُ بها لرَمْيِ الجِمارِ، ثُمَّ الطَّوافُ، وكلُّ ذلك على سُنَّتِهِ فيما هُو معلُومٌ، والحمدُ لله. وقد أتَيْنا على إيضاح ذلك في مَواضِعِهِ من هذا الكِتابِ. وأمّا الحجُّ في اللُّغةِ: فالقَصْدُ. قال الشّاعِرُ (١): وأشهدُ من عوفٍ حُلُولًا كثِيرةً ... يحُجُّون سِبَّ الزِّبرِقانِ المُزعفرا (٢) والسِّبُّ: الثَّوبُ أوِ العِمامةُ. وقال جرِيرٌ (٣): قومٌ إذا حاولُوا حجًّا (٤) لبَيعتِهِم ... صرُّوا الفُلُوسَ وحجُّوا غيرَ أبرارِ

стр. 6702

حديثٌ ثالثٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن القاسم مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: قَدِمتُ مَكَّةَ وأنا حائضٌ، فلم أطُف بالبيتِ، ولا بينَ الصَّفا والمروةِ، فشَكَوتُ ذلك إلى رسُولِ الله ﷺ ، فقال: "افْعَلي ما يفعلُ الحاجُّ، غيرَ أن لا تَطُوفي بالبيتِ، ولا بينَ الصَّفا والمروةِ، حتَّى تَطْهُرِي". هكذا قال يحيى عن مالكٍ في هذا الحديثِ: "غير أن لا تَطُوفي بالبيتِ، ولا بينَ الصَّفا والمروةِ، حتَّى تَطْهُرِي". وقال غيرُهُ من رُواةِ "المُوطَّأ": "غير أن لا تطُوفي بالبيتِ حتَّى تَطْهُرِي". لم يذكُرُوا: "ولا بين الصَّفا والمروةِ". ولا ذكرَ أحدٌ من رُواةِ "المُوطَّأ" في هذا الحديثِ: "ولا بين الصَّفا والمروةِ"، غير يحيى فيما علِمتُ، وهُو عِندِي وهمٌ منهُ، والله أعلمُ (٢). والمعرُوفُ من مذهبِ مالكٍ: أنَّ الحائضَ لا بأسَ أن تَسْعَى بين الصَّفا والمروةِ، إذا كانت قد طافَتْ بالبيتِ قبلَ أن تحِيضَ. ذكر مالكٌ في "مُوطَّئهِ" (٣)، قال: والمرأةُ الحائضُ إذا كانَتْ قد طافَتْ بالبيتِ قبلَ أن تحِيضَ، فإنَّها تَسْعَى بين الصَّفا والمروةِ، وتَقِفُ بعرَفةَ، والمُزْدلِفةِ، وتَرْمِي الجِمار، غيرَ أن لا تَطُوفَ بالبيتِ حتَّى تَطْهُرَ من حيضتِها. قال أبو عُمر: رِوايةُ يحيى هذه، إن صحَّتْ، فتُشبِهُ مذهبَ ابنِ عُمرَ. ذكر مالكٌ في "المُوطَّأ" (٤) عن نافِع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّهُ كان يقولُ

стр. 6703

في المرأةِ الحائضِ التي تُهِلُّ بحَجٍّ أو عُمرةٍ: إنَّها تُهِلُّ بحجِّها أو بعُمرتِها إذا أرادَتْ، ولكِن لا تَطُوفُ بالبيتِ، ولا بينَ الصَّفا والمروةِ (١)، ولا تَقْربُ المسجدَ حتَّى تَطْهُرَ، وهي لا تحِلُّ حتَّى تطُوفَ بالبيتِ، وبين الصَّفا والمروةِ. فقولُ ابنِ عُمرَ هذا على نحوِ رِوايةِ يحيى، إلّا أنَّ ذلك غيرُ محفُوظٍ في حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم هذا، عن أبيهِ، عن عائشةَ، عن النَّبيِّ ﷺ . وفُقهاءُ الأمصارِ بالحِجازِ، والعِراقِ، والشّام، لا يرونَ بأسًا بالسَّعيِ بين الصَّفا والمروةِ على غَيرِ طَهارةٍ (٢). وما جازَ عِندهُم لغيرِ الطّاهِرِ أن يَفْعلهُ، جازَ للحائضِ أن تَفعلهُ. وهذا مذهبُ مالكٍ، والشّافِعيِّ، وأبي حَنِيفةَ وأصحابِهِم. وهُو قولُ عَطاءٍ. وبه قال أحمدُ، وأبو ثَوْرٍ، وغيرُهُم. وحُجَّتُهُم قولُ رسُولِ الله ﷺ لعائشَةَ في هذا الحديثِ: "افْعَلي ما يفعلُ الحاجُّ، غيرَ أن لا تَطُوفي بالبيتِ". وكان الحسنُ البصرِيُّ يقولُ: من سعَى بين الصَّفا والمروةِ، على غيرِ طَهارةٍ، فإن ذكرَ قبلَ أن يحِلَّ فليُعِد، وإن ذكرَ بعدَما حلَّ، فلا شيءَ عليه (٣). وأجمعُوا أنَّهُ لا يجُوزُ لأحدٍ الطَّوافُ بالبيتِ إلّا على طَهارةٍ. واختَلفُوا فيمَنْ فَعلهُ على غيرِ طَهارةٍ، ثُمَّ رجَعَ (٤) إلى بَلدِهِ قبلَ أن يعلمَ به. فقال مالكٌ والشّافِعيُّ (٥): حُكمُهُ حُكمَ من لم يَطُف أصلًا. وقال أبو حَنِيفةَ: يَبْعثُ بدَم، ويُجزِئُهُ (٦).

стр. 6704

حديث رابعٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن القاسم مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: خَرَجنا معَ رسُولِ الله ﷺ - صلي الله عليه وسلَّم - عامَ حجَّةِ الوَداع، فأهْلَلْنا بعُمرةٍ، ثُمَّ قال رسُولُ الله ﷺ - صلي الله عليه وسلَّم -: "من كان مَعهُ هديٌ، فلْيُهلَّ بالحجِّ مع العُمرةِ، ثُمَّ لا يحِلَّ حتَّى يحِلَّ منهُما جميعًا". قالت: فقدِمتُ مكَّةَ وأنا حائضٌ، فلم أطُف بالبيتِ، ولا بينَ الصَّفا والمروةِ، فشَكَوتُ ذلك إلى رسُولِ الله ﷺ - صلي الله عليه وسلَّم -، فقال: "انقُضِي رأسَكِ، وامْتَشِطِي، وأهِلِّي بالحجِّ، ودَعيِ العُمرةَ". قالت: ففَعلتُ، فلّما قَضَيتُ الحجَّ، أرْسَلني رسُولُ الله ﷺ مع عبدِ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ إلى التَّنعِيم فاعْتَمرتُ، فقال: هذه مَكانُ عُمرتِكِ، فطافَ الذين أهلُّوا بالعُمرةِ (٢) بالبَيتِ، وبين الصَّفا والمَرْوةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طافُوا طَوافًا آخرَ بعدَ أن رَجعُوا من مِنًى لحجِّهِم، وأمّا الذين كانُوا أهلُّوا بالحجِّ، أو جمعُوا الحجَّ والعُمرةَ، فإنَّما طافُوا طوافًا واحِدًا. هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالكٍ، بهذا الإسنادِ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، ولم يُتابِعهُ عليهِ أحدٌ فيما عَلِمتُ من رُواةِ "المُوطَّأ" وإنَّما هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عِندَ جماعةِ الرُّواةِ عن مالكٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ. هكذا بهذا الإسنادِ وحدَهُ (٣)، وهُو عِند يحيى بهذا الإسنادِ كذلك أيضًا (٤). وبإسنادٍ آخرَ عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ (٥).

стр. 6705

فانفردَ يحيى لهذا الحديثِ بهذا الإسنادِ، وحصَلَ (١) عِندهُ هذا الحديث بهذينِ الإسنادينِ عن مالكٍ في "المُوطَّأ"، وليسَ ذلك عِند أحدٍ غير في "المُوطَّأ" والله أعلمُ. وقد تقدَّم ذِكرُنا لذلك في بابِ ابنِ شِهابٍ، وقد يجُوزُ ويحتَمِلُ أن يكون عِندَ مالكٍ في هذا الحديثِ إسنادانِ، فيدخِلُ الحديثَ في "مُوطَّئهِ" بإسنادٍ واحِدٍ منهُما، ثُمَّ رأى أن يُردِفَ الإسناد الآخر إذ ذكرهُ، أو نشِطَ إليه، فأفادَ بذلك يحيى، وكان يحيى من آخِرِ من عَرَضَ عليه "المُوطَّأ"، ولكِنْ أهلُ العِلم بالحديثِ (٢) يجعلُونَ إسناد عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم في هذا الحديثِ خطأً، لانفِرادِ واحِدٍ به عن الجماعةِ، ولأنّ فيه (٣): "انقُضِي رأسكِ وامتشِطِي"، وهذا لم يَقُلهُ أحدٌ عن عائشةَ غير عُروةَ، لا القاسمُ ولا غيرُهُ. وقد أوضَحْنا ذلك كلَّهُ في بابِ ابنِ شِهابٍ عن عُروةَ من هذا الكِتابِ. وأمّا معاني هذا الحديثِ، فقد مضى القولُ فيها في بابِ ابنِ شِهابٍ، عن عُروةَ من هذا الكِتابِ، والحمدُ لله كثِيرًا، فلا معنى لإعادَةِ ذلك هاهنا (٤).

стр. 6706

حديثٌ خامِسٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن القاسم مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، أنَّها (٢) قالت: خَرَجْنا معَ رسُولِ الله ﷺ في بَعضِ أسفارِهِ، حتَّى إذا كُنّا بالبَيْداءِ، أو بذاتِ الجَيْشِ، انقطَعَ عِقدٌ لي، فأقامَ رسُولُ الله ﷺ على الْتِماسِهِ، وأقامَ النّاسُ مَعهُ، وليسُوا على ماءٍ، وليسَ مَعهُم ماءٌ، فأتَى النّاسُ إلى أبي بكرٍ، فقالوا: ألا ترَى ما صنَعَتْ عائشَةُ؟ أقامَتْ برسُولِ الله ﷺ وبالنّاسِ، وليسُوا على ماءٍ، وليسَ مَعهُم ماءٌ. قالت: فجاءَ أبو بكرٍ، ورسُولُ الله ﷺ واضِعٌ رأسهُ على فَخِذي قد نامَ، فقال: حَبَستِ رسُولَ الله ﷺ والنّاس، ولَيْسُوا على ماءٍ، وليسَ مَعهُم ماءٌ. فعاتَبني أبو بكرٍ (٣)، وقال ما شاءَ الله أن يقولَ، وجعلَ يَطْعنُ بيدِهِ في خاصِرتي، فما يَمْنعُني من التَّحرُّكِ، إلّا مكانُ رأسِ رسُولِ الله ﷺ على فَخِذِي، فنامَ رسُولُ الله ﷺ حتَّى أصبَحَ على غيرِ ماءٍ، فأنزلَ الله آيةَ التَّيمُّم، فقال أُسَيدُ بن حُضَيرٍ: ما هي بأوَّلِ بَرَكتِكُم يا آلَ أبي بكرٍ. قالت: فبَعَثْنا البَعِيرَ الذي كنتُ عليهِ، فوَجَدْنا العِقْدَ تَحْتهُ. هذا أصحُّ حَدِيثٍ رُوِي في هذا البابِ، وفيه من الفِقهِ: خُرُوجُ النِّساءِ مع الرِّجالِ في الأسْفارِ، وخُرُوجُهُنَّ مع الرِّجالِ في الغَزَواتِ وغيرِ الغَزَواتِ مُباحٌ، إذا كان العَسْكرُ كبِيرًا، يُؤمَنُ عليه الغَلَبةُ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا عبدُ السَّلام بن مُطهَّرٍ، قال: حدَّثنا جَعفرُ بن سُليمانَ، عن ثابتٍ

стр. 6707

البُنانِيِّ، عن أنسٍ، قال: كان رسُولُ الله ﷺ يَغْزُو بأُمِّ سُلَيم ونِسْوةٍ من الأنصارِ، يَسْقِينَ الماءَ، ويُداوِينَ الجَرْحَى. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (١): حدَّثنا سُرَيجُ (٢) بن النُّعمانِ. قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بن زِيادٍ، عن خالدِ بن ذكوانَ، قال: قُلتُ للرُّبيِّع بنتِ مُعوَّذٍ: هل كُنتُنَّ تَغزُونَ معَ رسُولِ الله ﷺ ؟ قالت: نعم، كُنّا نغزُو معَ رسُولِ الله ﷺ ، نَحمِلُ الجَرْحَى، نَسْقِيهِم أو نُداوِيهِم. قال أبو عُمر: وخُرُوجُ الرَّجُلِ في السَّفرِ مع أهلِهِ مباحٌ (٣)، فإذا كانَ لهُ نِساءٌ حَرائرُ، لم يجُز لهُ أن يُسافِرَ بواحِدةٍ منهُنَّ، حتَّى يُقرعَ بينهُنَّ، فإذا أقرَعَ بينهُنَّ، ووقَعْتِ القُرعةُ على من وقعَتْ منهُنَّ، خرجَتْ معهُ (٤)، واسْتَأثرتْ به في سَفَرِها، فإذا رجَعَ من سَفرِهِ، استأنَفَ القِسْمةَ بينهُنَّ، ولم يُحاسِبِ التي خرجَتْ معهُ بأيام سَفرِهِ معَها، وكانت مَشقَّتُها في سَفرِها ونَصَبُها فيه، بإزءِ نَصِيبِها منهُ، وكونِها معهُ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بن سَلْمانَ (٥)

стр. 6708

النجّادُ (١) الفقِيهُ ببغداد، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضِي، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيسٍ (٢)، عن أبيهِ، عن هشام بن عُرْوةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: كان النَّبيُّ ﷺ إذا أرادَ سَفَرًا أقْرَع بينَ نِسائهِ، فأيَّتُهُنَّ خرَجَ سَهْمُها، خرَجَ بها (٣). وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سَلْمانَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيسٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثني الحَسَنُ بن زيدِ بن حسنِ (٤) بن عليِّ بن أبي طالِبٍ، عن عبدِ الله بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم الأنصارِيِّ النَّجّارِيِّ، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ مِثلهُ (٥). والسَّفرُ المذكُورُ في هذا الحديثِ، يُقال: إنَّهُ كان في غَزاةِ بَني المُصْطَلِقِ، فاللهُ أعلمُ. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: حتَّى إذا كُنّا بالبَيْداءِ، أو بذاتِ الجيشِ. فهكذا في حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم.

стр. 6709

وروى هشامُ بن عُروةَ هذا الحديث، فاختُلِفَ عنهُ في اسم الموضِع الذي انقطَعَ فيه العِقدُ. حدَّثني يُونُسُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جَعفرُ بن محمدٍ الفِرْيابِيُّ، قال: حدَّثنا مِنْجاب (١) بن الحارثِ، عن عليِّ بن مُسْهِرٍ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ: أنَّها اسْتَعارَتْ من أسماءَ قِلادةً لها، وهي في سَفَرٍ مع رسولِ الله ﷺ ، فانسلَّتْ منها، وكان ذلك المكانُ يُقال لهُ: الصُّلصُلُ، فذَكَرْتُ ذلك للنَّبيِّ ﷺ ، فطَلَبُوها حتَّى وَجَدُوها، وحَضَرتِ الصَّلاةُ، فلم يَكُن مَعهُم ماءٌ، فصلَّوا بغيرِ وُضُوءٍ، فأنزَلَ الله آيةَ التَّيمُّم، فقال لها أُسَيدُ بن الحُضيرِ: جَزاكِ الله خيرًا، فوالله ما نزَلَ بكِ أمر تَكْرهِينهُ، إلّا جعَلَ الله لكِ فيه وللمُسلِمِينَ خيرًا (٢). هكذا في هذا الحديثِ: أنَّ القِلادَةَ كانَتْ لأسماءَ، وأنَّ عائشَةَ اسْتَعارتها منها، وقال: قِلادةً. ولم يَقُل: عِقدًا. وقال في المكانِ: يُقال لهُ: الصُّلصُلُ. وروى ابنُ عُيينةَ هذا الحديث عن هشام بن عُروةَ، فقال فيهِ: سَقَطَتْ قِلادتُها ليلةَ الأبْواءِ. فأضاف القِلادةَ إليها، وقال في الموضِع: الأبواءُ. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ، قال (٣): حدَّثنا سُفيانُ. قال: حدَّثنا هشامُ بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ: أنَّها سقطت قِلادتُها

стр. 6710

ليلةَ الأبواءِ، فأرسلَ رسُولُ الله ﷺ رجُلينِ من المُسلِمِين في طلبِها، فحضرتِ الصَّلاةُ وليس معهُما ماءٌ، فلم يدرِيا كيف يصنعانِ؟ قال: فنزلت آيةُ التَّيمُّم. قال أُسيدُ بن حُضيرٍ: جزاكِ الله خيرًا، فما نزلَ بكِ أمرٌ تكرهِينهُ إلّا جعلَ الله لكِ منهُ مخرجًا، وجعلَ للمُسلِمِينَ فيه خيرًا. قال أبو عُمر: الرَّجُلانِ اللَّذانِ بَعَثهُما رسُولُ الله ﷺ في طَلَبِ القِلادةِ، كان أحدُهُما أُسَيد بن حُضَيرٍ. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ النُّفيليُّ، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ. قال أبو داود: وحدَّثنا عُثمانُ بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا عبدةُ، جميعًا عن هشام بن عُروةَ، المعنى واحِدٌ، عن أبيهِ، عن عائشةَ قالت: بعَثَ رسُولُ الله ﷺ أُسَيْدَ بن حُضيرٍ وأُناسًا مَعهُ في طلبِ قِلادةٍ أضلَّتها عائشَةُ، فحَضرتِ الصَّلاةُ، فصَلَّوا بغيرِ وُضُوءٍ، فأتوا رسُولَ الله ﷺ ، فذكرُوا ذلك، فنزلَتْ آيةُ التَّيمُّم. زاد ابنُ نُفيل: فقال لها أُسيدٌ: رَحِمكِ الله، ما نزَلَ بكِ أمرٌ تَكْرهِينهُ، إلّا جعَلَ الله للمُسلِمِينَ فيه فَرَجًا. قال أبو عُمر: ليسَ اختِلافُ النَّقَلةِ في العِقْدِ والقِلادةِ، ولا في المَوْضِع الذي سقَطَ ذلك فيه لعائشةَ، ولا في قولِ القاسم عن عائشةَ: عِقْدٌ لي، وقولِ هشام: إنَّ القِلادةَ اسْتَعارتها عائشةُ من أسماءَة ما يَقْدحُ في الحديثِ، ولا يُوهِنُ شيئًا منهُ؛ لأنَّ المعنى المُراد من الحديثِ، والمقصُودِ إليه، هُو نُزُولُ آيةِ التَّيمُّم، ولم يَختلِفُوا في ذلك. وفي هذا الحديثِ من رِوايةِ هشام بن عُروةَ حُكْمٌ كبِيرٌ، قدِ اختلَفَ فيه

стр. 6711

العُلماءُ وتَنازعُوهُ، وهُو الصَّلاةُ بغيرِ طَهُورٍ بماءٍ ولا تَيمُّم، لمن عُدِمَ الماءَ، ولم يَقْدِر على التَّيمُّم، لعِلَلٍ مَنَعتهُ من ذلك، وسَنذكُرُ هذا الحُكم، وما للعُلماءِ فيه في هذا البابِ إن شاءَ الله. حدَّثنا يُونُسُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدِ بن المُسْتَفاضِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن الحجّاج السّاميُّ (١)، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن هشام بن عُرْوةَ، عن أبيهِ: أنَّ عائشَةَ كانت في سَفرٍ معَ رسُولِ الله ﷺ ، وكان في عُنُقِها قِلادةٌ لأسماءَ ابنةِ أبي بكرٍ، فعرَّسُوا، فانسلَّتِ القِلادةُ من عُنُقِها، فلمّا ارْتَحلُوا قالت: يا رسُولَ الله، انسلَّتْ قِلادةُ أسماءَ من عُنُقِي، فأرسَلَ رسُولُ الله ﷺ رَجُلينِ إلى المُعَرَّسِ يَلْتمِسانِ القِلادةَ، فوَجَداها، فحَضَرتِ الصَّلاةُ، فصلَّوا بغيرِ طهُورٍ، فأنزَلَ الله آيةَ التَّيمُّم: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]،. فقال أُسيدُ بن حُضَيرٍ: يَرْحمُكِ الله يا عائشةُ، ما نزَلَ بكِ أمرٌ تَكْرهِينَهُ، إلّا جعَلَ الله فيه للمُسلِمِين فرجًا (٢). قال أبو عُمر: فهذا ما في حَدِيثِ عائشةَ في بُدُوِّ التَّيمُّم، والسَّببِ فيهِ. وقد رواهُ عمّارُ بن ياسِرٍ بأتمِّ مَعنًى. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرِ بن حَمْدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدَّثنا أبي، قال (٣): حدَّثنا

стр. 6712

يَعقُوبُ بن إبراهيمَ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن صالح بن كَيْسانَ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: حدَّثني عُبيدُ الله بن عبدِ الله، عن ابنِ عبّاسٍ، عن عمّارِ بن ياسِرٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ عرَّسَ بأُولاتِ (١) الجَيْشِ، ومَعهُ عائشةُ زوجتُهُ، فانقطَعَ عِقا لها من جَزْع ظَفارٍ (٢)، فحَبَسَ النّاسَ ابتِغاءُ عِقْدِها ذلك، حتَّى أضاءَ الفجرُ (٣)، وليسَ مع النّاسِ ماءٌ، فأنزلَ الله ﵎ على رسُولِهِ رُخصةَ التَّطهُّرِ بالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فقامَ المُسلِمُون معَ رسُولِ الله ﷺ فضَرَبُوا بأيدِيهِمُ (٤) الأرضَ، ثُمَّ رَفعُوا أيدِيهُم، ولم يَقبِضُوا من التُّرابِ شيئًا، فمَسحُوا بها وُجُوههُم وأيدِيَهُم إلى المناكِبِ، ومن بُطُونِ أيدِيهِم إلى الآباطِ. قال أبو عُمر: ليس في "المُوطَّأ" في ذِكرِ التَّيمُّم حديثٌ مرفُوعٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، غير حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم هذا، وهُو أصلُ التَّيمُّم، إلّا أنَّهُ ليسَ فيه رُتبةُ التَّيمُّم، ولا كيفِيَّتُهُ. وقد نُقِلت آثار في التَّيمُّم عن النَّبيِّ ﷺ مُختلِفةٌ في كيفِيَّتِهِ، وعلى قَدْرِ ذلك من اختِلافِها، اختلَفَ فُقهاءُ الأمصارِ في القولِ بها، ونحنُ نَذكُرُ أقاوِيلهُم والآثارَ التي منها نَزعُوا في هذا البابِ إن شاءَ الله. وأجمعَ عُلماءُ الأمصارِ بالحِجازِ، والعِراقِ، والشّام، والمشرِقِ، والمغرِبِ، فيما علِمتُ، أنَّ التَّيمُّم بالصَّعِيدِ عِندَ عَدم الماءِ طهُورُ كلِّ مُسلم (٥)، مرِيضٍ أو مُسافِرٍ،

стр. 6713

وسواءٌ كان جُنُبًا أو على غيرِ وُضُوءٍ (١)، لا يختلِفُونَ في ذلك، وقد كان عُمرُ بن الخطّابِ، وعبدُ الله بن مسعُودٍ (٢) يقولانِ: الجُنُبُ لا يُطهِّرُهُ إلّا الماءُ، ولا يَسْتبِيحُ بالتَّيمُّم صلاةً، لقولِ الله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. ولقولِهِ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] وذهبا إلى أنَّ الجُنُب لم يَدْخُل في المعنى المُرادِ بقولِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]. وكانا يَذْهبانِ إلى أنَّ المُلامَسَةَ: ما دُونَ الجِماع. وقد ذكَرْنا اختِلافَ العُلماءِ في المُلامسةِ (٣)، في بابِ أبي النَّضرِ، والحمدُ لله. ولم يتعلَّق بقولِ عُمر، وعبدِ الله في هذا المسألةِ أحد من فُقهاءِ الأمصارِ من أهلِ الرَّأيِ، وحَمَلةِ الآثارِ. وذلك، واللهُ أعلمُ، لحديثِ عمّارٍ (٤)، ولحديثِ عِمرانَ بن حُصينٍ، ولحديثِ أبي ذرٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ في تيمُّم الجُنُبِ، أجمع العُلماءُ على القولِ بذلك، إلّا ما ذكَرْنا عن عُمرَ، وابنِ مسعُودٍ. وهذا يدُلُّ على أنَّ أخبارَ الآحادِ العُدُولِ من عِلْم الخاصَّةِ، قد يَخْفَى على الجليلِ من العُلماءِ منها الشَّيءُ. وحَسْبُك بما في "المُوطَّأ" ممّا غابَ عن عُمرَ مِنها، وهذا من ذلك البابِ، ولمّا لم يَصِل إليهما عِلمُ ذلك عن النَّبيِّ ﷺ في تَيمُّم الجُنُبِ، أو لم يَثبُت ذلك عِندَهُما، تأوَّلا في الآيةِ المُحْكَمةِ في الوُضُوءِ، أنَّ الجُنُب مُنفرِد بحُكم التَّطهُّرِ

стр. 6714

بالماءِ والاغتِسالِ به، وأنَّهُ لم يُرَد بالتَّيمُّم. وذلك جائزٌ سائغٌ من التَّأوِيلِ في الآيةِ، لولا ما بَيَّنهُ رسُولُ الله ﷺ في تَيمُّم الجُنُبِ. والحديثُ في ذلك: ما حدَّثناهُ خلفُ بن القاسم وعبدُ الله بن محمدِ بن أسَدٍ، قالا: حدَّثنا سَعِيدُ بن عُثمانَ بن السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يُوسُفَ، قال: حدَّثنا البُخارِيُّ، قال (١): حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: حدَّثنا الحَكَمُ، عن ذرٍّ، عن سَعِيدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبْزَى، عن أبيهِ، قال: جاءَ رجُلٌ إلى عُمر بن الخطّابِ فقال: إنِّي أجْنَبتُ، فلم أُصِبِ الماءَ. فقال عمّارٌ لعُمرَ: أما تَذكُرُ إنّا كُنّا في سَفرٍ، أنا وأنتَ (٢)، فأمّا أنتَ فلم تُصلِّ، وأمّا أنا فتَمعَّكتُ، ثُمَّ صلَّيتُ، فذكرتُ (٣) للنَّبيِّ ﷺ ، فقال: "إنَّما كان يَكْفِيكَ هكذا". فضرَبَ النَّبيُّ ﷺ بكفَّيهِ الأرضَ، ونفَخَ فيهِما، ومسَحَ بهما وجههُ وكفَّيهِ. قال البُخارِيُّ (٤): وحدَّثني عُمرُ بن حَفْصِ بن غِياثٍ (٥)، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا الأعمشُ، قال: سَمِعتُ شقِيق بن سَلَمةَ، قال: كُنتُ عِندَ عبدِ الله، وأبي موسى، فقال: أرأيتَ يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، إذا أجنبتَ فلم تجِد ماءً، كيفَ تَصْنعُ؟

стр. 6715

فقال عبدُ الله: حتَّى نجِدَ الماءَ (١). فقال أبو موسى: كيفَ تَصْنعُ بقولِ عمّارٍ، حِينَ قال لهُ النَّبيُّ ﷺ : "كان يكفِيكَ". يعني الصَّعِيد. قال: ألم تَرَ عُمرَ لم يَقنع بذلك؟ قال أبو موسى: فدَعْنا من قولِ عمّارٍ، كيفَ تَصْنعُ بهذه الآيةِ؟ فما دَرَى عبدُ الله ما يقولُ، فقال: لو أنّا رَخَّصنا لهم في هذه، لأوشَكَ إذا برُدَ على أحدِهِمُ الماءُ، أن يَدَعهُ ويتيمَّم (٢). فقُلتُ لشقيقٍ: فإنَّما كَرِههُ عبدُ الله لهذا؟ قال: نعم. قال أبو عُمر: هذا مَعرُوفٌ مَشهُورٌ عِندَ أهلِ العِلم عن ابنِ مسعُودٍ وعُمرَ، لا يجهلُهُ إلّا من لا عِنايةَ لهُ بالآثارِ، وبأقاوِيلِ السَّلفِ، وقد غلِطَ في هذا بعضُ أهلِ العِلم، فزعَمَ أنَّ ابن مَسْعُودٍ كان لا يرى الغُسل للجُنُبِ إذا تيمَّمَ، ثُمَّ وجدَ الماءَ، وهذا جهلٌ بهذا المعنى بيِّنٌ لا خفاءَ به، والله المُستعانُ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بن كثِيرٍ العبدِيُّ، قال: أخبرنا سُفيانُ، عن سلمةَ بن كُهيل، عن أبي مالكٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبزى، قال: كُنتُ عِندَ عُمرَ فجاءَهُ رَجُلٌ فقال: إنّا نَكُونُ بالمكانِ الشَّهر والشَّهرينِ، قال عُمرُ: أمّا أنا فلم أكُن أُصلِّي حتَّى

стр. 6716

أجِدَ الماءَ. قال عمّارٌ: يا أمِيرَ المُؤمِنِينَ، أما تَذكُرُ إذ كُنتُ أنا وأنتَ في الإبِلِ، فأصابتنا جَنابةٌ، فأمّا أنا فتمعَّكتُ، فأتينا النَّبيَّ ﷺ فذكَرْنا ذلك لهُ (١)، فقال: "إنَّما كان يكفِيكَ أن تقولَ" - وضرب بيديهِ - "هكذا". ثُمَّ نَفخهُما، ثُمَّ مسَحَ بهما وجَههُ وَيدَيهِ إلى نِصفِ الذِّراع. قال عُمرُ: يا عمّارُ اتَّقِ الله. فقال: يا أمِيرَ المُؤمِنِين، إن شِئتَ والله لم أذكُرهُ أبدًا. قال: كلّا والله، ولكِن نُولِّيكَ من ذلك ما تولَّيتَ. قال أبو عُمر: رَوَى ابنُ مهدِيٍّ هذا الحديث، عن الثَّورِيِّ، عن سَلَمةَ، عن (٢) أبي مالكٍ، وعبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبْزَى، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبْزَى، مِثلهُ (٣). ورُوِي حديثُ عمّارٍ عنهُ من طُرُقٍ كثِيرةٍ (٤)، فإن قال قائلٌ: إنَّ في بَعضِ الأحادِيثِ عن عمّارٍ في هذا الخبرِ: أنَّ عُمرَ لم يَقْنع بقولِ عمّارٍ. فالجوابُ: أنَّ عُمرَ كان يذهبُ إلى أنَّ الجُنُب لا يُجزِئه إلّا الغُسلُ بالماءِ، فلمّا أخبَرهُ عمّارٌ عن النَّبيِّ ﷺ بأنَّ التَّيمُّم يَكْفيه، سكت عنهُ، ولم (٥) يَنْههُ، فلمّا لم يَنْههُ، عَلِمنا أنَّهُ قد وقعَ بقلبِهِ تَصدِيقُ عمّارٍ؛ لأنَّ عمّارًا قال لهُ: إن شِئتَ لم أذكُرهُ. ولو وقعَ في قَلبِهِ تَكذِيبُ عمّارٍ لنَهاهُ، لما كان الله قد جعل في قَلبِهِ من تَعظِيم حُرُماتِ الله، ولا شيءَ أعظم من الصَّلاةِ، وغيرُ مُتوهَّم على عُمرَ أن يسكُت على صلاةٍ تُصلَّى عِندَهُ بغيرِ طهارةٍ، وهُو الخلِيفةُ المسؤُولُ عن العامَّةِ، وكان أتْقَى النّاسِ لربِّهِ، وأنْصَحهُم لهم في دِينِهِم (٦) في ذلك الوَقتِ، رحمةُ الله عليه.

стр. 6717

وقد رُوِي عن النَّبيِّ ﷺ تيمُّمُ الجُنُبِ من حديثِ عِمرانَ بن حُصينٍ (١)، وأبي ذرٍّ. وعلى ذلك جماعةُ العُلماءِ، والحمدُ لله. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا سَعِيدُ بن عُثمانَ بن السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يُوسُف، قال: حدَّثنا البُخارِيُّ، قال (٢): حدَّثنا عَبْدانُ، قال: أخبَرنا عبدُ الله بن المُباركِ، قال: أخبَرنا عَوْفٌ، عن أبي رَجاءٍ، قال: حدَّثنا عِمرانُ بن حُصينٍ الخُزاعِيُّ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ رأى رَجُلًا مُعتزِلًا لم يُصلِّ في القَوْم، فقال: "يا فُلانُ، ما مَنَعكَ أن تُصلِّي مع القَومِ؟ " فقال: يا رسُولَ الله، أصابَتني جَنابةٌ، ولا ماءَ، فقال: "عليكَ بالصَّعِيدِ، فإنَّهُ يَكْفِيكَ". قال أبو عُمر: فلمّا بيَّن رسُولُ الله ﷺ مُرادَ ربِّهِ من معنى آيةِ الوُضُوءِ، بأنَّ (٣) الجُنُبَ داخِلٌ فيمن قُصِدَ بالتَّيمُّم، عِندَ عدَم الماءِ، بقولِهِ: فلم ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] تعلَّق العُلماءُ بهذا المعنى، ولم يُعرِّجُوا على قَولِ عُمرَ وابنِ مسعُودٍ، وليسَ أحدٌ من خَلْقِ الله إلّا ويُؤخَذُ من قولِهِ ويُتركُ، إلّا رسُولَ الله ﷺ ، فيما يصِحُّ عنهُ (٤).

стр. 6718

رَوَى أبو مُعاويةَ وغيرُهُ، عن الأعْمشِ، عن أبي وائل، عن ابنِ مَسعُودٍ، قال: لا يَتيمَّم الجُنُبُ، وإن لم يَجِدِ الماءَ شهرًا (١). وروى أيُّوب، عن أبي قِلابةَ، عن رَجُلٍ من بني عامرٍ، أنهُ سمِع أبا ذرٍّ قال: كُنتُ أعزُبُ عن الماءِ، ومعي أهِلي، فتُصِيبُني الجنابةُ، فسألتُ رسُولَ الله ﷺ ، فقال: "إنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّب طَهُورٌ، وإن لم تجِدِ الماءَ عشرَ سِنِينَ، فإذا وجدتَ الماءَ، فأمِسَّهُ جِلدكَ، أو بشرتَكَ". هكذا رواهُ حمّادُ بن زيدٍ وعبدُ الوارِثِ، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن رَجُلٍ من بني عامرٍ، عن أبي ذَرٍّ (٢). ورواهُ خالدٌ الحذّاءُ، عن أبي قِلابةَ، عن عَمرو (٣) بن بُجْدان (٤)، عن أبي ذرٍّ، بمعنًى واحِدٍ. واختلَفَ الفُقهاءُ في الذي يَدْخُلُ عليه وقتُ الصَّلاةِ، ويخشى خُرُوجهُ، وهُو لا يجِدُ الماءَ، ولا يَسْتطِيعُ الوُصُولَ إليه، ولا إلى صَعِيدٍ يتيمَّمُ به: فقال ابنُ القاسم، في المحبُوسِ إذا لم يجِد ماءً، ولم يَقْدِر على الصَّعِيدِ: صلَّى كما هُو، وأعادَ إذا قدَرَ على الماءِ، أو على الصَّعِيدِ (٥).

стр. 6719

وقال أشهبُ في المُنهدَم عليهِم، والمحبُوسِينَ، والمربُوطِ، ومن صُلِبَ في خَشَبةٍ، ولم يَمُت: لا صَلاةَ عليهم حتَّى يَقدِرُوا على الماءِ، أو على الصَّعِيدِ، فإذا قَدَرُوا صلَّوا. وقال ابنُ خُوَيْزمَنْداد: الصَّحِيحُ من مَذهبِ مالكٍ: أنَّ كلَّ من لم يَقْدِر على الماءِ، ولا على الصَّعِيدِ، حتَّى خرجَ الوَقتُ: أنَّهُ لا يُصلِّي، ولا عليه شيءٌ. قال: رواهُ المدنِيُّون عن مالكٍ. قال: وهُو الصَّحِيحُ من المذهبِ. قال أبو عُمر: ما أعرِفُ كيفَ أقدَمَ على أن جعَلَ هذا هُو الصَّحِيح من المذهبِ، مع خِلافِهِ جُمهُور السَّلفِ، وعامَّةَ الفُقهاءِ، وجماعةَ المالكِيِّين، وأظنُّهُ ذهَبَ إلى ظاهِرِ حديثِ مالكٍ هذا، في قولِهِ: وليسُوا على ماءٍ، فنامَ رسُولُ الله ﷺ حتَّى أصبَحَ، وهُم على غيرِ ماءٍ، فأنزلَ الله آيةَ التَّيمُّم. ولم يَذكُر أنَّهُم صلَّوا. وهذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّهُ لم يَذكُر أنَّهُم لم يُصلُّوا، وقد ذكَرَ هشامُ بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشَةَ في هذا الحديثِ: أنَّهُم صلَّوا بغَيرِ وُضُوءٍ. ولم يذكُر إعادَةً. وقد ذهَبَ إلى هذا طائفةٌ من الفُقهاءِ. قال أبو ثورٍ: وهُو القِياسُ. وقال ابنُ القاسم: يُصلُّونَ إن قَدَرُوا، وكان عَقلُهُم معهُم، ثُمَّ يُعِيدُونَ إذا قَدرُوا على الطَّهارر بالماءِ، أو بالتَّيمُّم (١). وقد رَوَى ابنُ دِينارٍ، عن مَعْن، عن (٢) مالكٍ، فيمَن كتَّفهُ الوالِي أو حَبَسهُ، فمَنعهُ من الصَّلاةِ، حتَّى خرَجَ وقتُها: أنَّهُ لا إعادَةَ عليهِ.

стр. 6720

وإلى هذه الرِّوايةِ - والله أعلمُ (١) - ذهَبَ ابنُ خُوَيْزمَنْداد (٢)، وكأنَّهُ قاسَهُ على المُغمَى عليه، وليسَ هذا وجه القِياسِ، لأنَّ المُغمى عليه مَغلُوبٌ على عقلِهِ، وهذا مَعهُ عقلُهُ. وقال ابنُ القاسم وسائرُ العُلماءِ: الصَّلاةُ عليه واجِبةٌ، إذا كان عَقلُهُ مَعهُ، فإذا (٣) زالَ المانِعُ لهُ، تَوَضَّأ، أو تيمَّمَ وصلَّى. وذكَرَ عبدُ الملِك بن حبِيبٍ، قال: سألتُ مُطرِّفًا وابن الماجِشُونِ وأصبغَ بَن الفَرَج، عن الخائفِ تحضُرُهُ الصَّلاةُ، وهُو علي دابَّتِهِ على غيرِ وُضُوءٍ، ولا يجِدُ إلى النُّزُولِ للوُضُوءِ والتَّيمُّم سَبِيلًا، فقال بعضُهُم: يُصلِّي كما هُو علي دابَّتِهِ إيماءً، فإذا أمِنَ تَوَضَّأ إن وجَدَ الماءَ، أو تيمَّمَ إن لم يجِدِ الماءَ، وأعادَ الصَّلاةَ في الوَقتِ وغيرِ الوَقْتِ (٤). وقال لي أصبَغُ بن الفَرَج: لا يُصلِّي وإن خرَجَ الوَقْتُ، حتَّى يجِدَ السَّبِيل إلى الطَّهُورِ بالوُضُوءِ أوِ التَّيمُّم. قال: ولا يجُوزُ لأحَدٍ الصَّلاةُ بغَيرِ طُهرٍ. قال عبدُ الملكِ بن حبِيبٍ: وهذا أحبُّ إليَّ. قال: وكذلك الأسِيرُ المغلُولُ لا يجِدُ السَّبِيل إلى الوُضُوءِ بالماءِ ولا التَّيمُّم، والمرِيضُ المُثبتُ (٥) الذي لا يجِدُ من يُناوِلُهُ الماءَ، ولا يَسْتطِيعُ التَّيمُّم، هُما مِثلُ الذي وصَفْنا من الخائفِ. وكذلك قال أصبغُ بن الفَرَج في هؤُلاءِ الثَّلاثةِ. قال: وهُو أحسنُ ذلك عِندِي وأقواهُ.

стр. 6721

وعن الشّافِعيِّ رِوايتانِ إحداهُما: لا يُصلِّي حتَّى يجِد طهارةً. والأُخْرَى يُصلِّي كما هُو ويُعِيدُ (١). وهُو المشهُورُ عنهُ. قال المُزنِيُّ: إذا كانَ محبُوسًا لا يَقدِرُ على تُرابٍ نظِيفٍ، صلَّى، وأعادَ إذا قدر. وقال أبو حنِيفةَ في المحبُوسِ في المِصرِ: إذا لم يجِد ماءً، ولا تُرابًا نظِيفًا، لم يُصلِّ، وإذا وجدَ ذلك صلَّى (٢). وقال أبو يُوسُفَ ومحمدٌ والثَّورِيُّ والشّافِعيُّ والطَّبرِيُّ: يُصلِّي ويُعِيدُ. وقال أبو حنِيفةَ وأبو يُوسُف ومحمدٌ والشّافِعيُّ: إن وجدَ المحبُوسُ في المِصرِ تُرابًا نظِيفًا صلَّى، في قولِهِم، وأعادَ. وقال زُفرُ: لا يتيمَّمُ ولا يُصلِّي، وإن وجَدَ تُرابًا نظِيفًا على أصلِهِ في أنَّهُ لا يَتَيمَّمُ في الحَضَرِ. وقال ابنُ القاسم: لو تَيمَّمَ على التُّرابِ النَّظِيفِ، أو على وَجْهِ الأرضِ، لم تكُن عليه إعادَةٌ إذا وجدَ الماءَ (٣). قال أبو عُمر: هاهُنا مَسْألة أُخرى في تيمُّم الذي يخشَى فَوْت (٤) الوَقتِ، وهُو في الحَضرِ (٥)، ولا يَقدِرُ على الماءِ، وهُو قادِر على الصَّعِيدِ، سنذكُرُها، ونذكُرُ اختِلافَ العُلماءِ فيها بعدَ هذا إن شاءَ الله. وقد ذكَرَ أبو ثَوْرٍ، أنَّ من أهلِ العِلم من قال: إنَّهُ يُصلِّي كما هُو ولا يُعِيدُ. ومذهبُ أبي ثورٍ في ذلك كَمذهبِ الشّافِعيِّ ومن تابَعهُ (٦).

стр. 6722

وزعَمَ أبو ثورٍ: أنَّ القِياسَ، أن لا إعادةَ عليه، لأنَّهُ كمن لم يجِد ثوبًا، صلَّى عُريانًا، ولا إعادَةَ عليه. قال: وإنَّما الطَّهارةُ بالماءِ، أو بالصَّعِيدِ، كالثَّوبِ، فمن لم يَقْدِر عليها، سقطت عنهُ، والصَّلاةُ لهُ لازِمةٌ على حَسَبِ قُدرتهِ، وقد أدّاها في وَقْتِها على قَدرِ طاقتِهِ. وقدِ اختلفُوا في وُجُوبِ إعادتِها، ولا حُجَّةَ لمن أوجَبَ الإعادةَ عليه. وأمّا الذين قالوا: من لم يَقْدِر على الماءِ ولا على الصَّعِيدِ، صلَّى كما هُو، وأعادَ إذا قدرَ على الطَّهارةِ، فإنَّهُمُ احتاطُوا للصَّلاةِ، فذهَبُوا إلى حديثِ عائشةَ، المذكُورِ في هذا البابِ، من رِوايةِ هشام بن عُروةَ، وفيهِ: أنَّ أصحابَ النَّبيِّ ﷺ الذينَ بَعَثهُم في طَلَبِ القِلادةِ، وحَضَرتهُمُ الصَّلاةُ، فصلَّوا بغيرِ وُضُوءٍ، إذ لم يَجِدُوا الماءَ. فلم يُعنِّفهُم رسُولُ الله ﷺ ولا نهاهُم، وكانت طهارتهمُ الماءَ، فلمّا عَدِمُوهُ، صلَّوا كما كانُوا في الوَقتِ، ثُمَّ نزلَتْ آيةُ التَّيمُّم، فكذلك إذا لم يَقدِر على الماءِ، ولا على التَّيمُّم، عندَ عدم الماء، صلَّى في الوَقتِ كما هُو، فإذا وجدَ الماءَ، أو قدرَ على التَّيمُّم، عندَ عدم الماء، أعادَ تلك الصَّلاةَ احتِياطًا، لأنَّها صَلاةٌ بغيرِ طُهُورٍ، وقالوا: لا يَقْبلُ الله صَلاةً بغيرِ طُهُورٍ، لمن قدِرَ على الطَّهُورِ، فأمّا من لم يَقدِر على الطَّهُورِ، فليس كذلك، لأنَّ الوقت فَرْضٌ، وهُو قادِرٌ عليه، فيُصلِّي كما قدرَ في الوقتِ، ثُمَّ يُعِيدُ، فيكونُ قد أخذَ بالاحتِياطِ في الوَقتِ والطَّهارةِ جميعًا. وذهَبَ الذين قالوا: إنَّهُ لا يُصلِّي حتَّى يجِدَ الماءَ أوِ التَّيمُّم، إلى ظاهِرِ قولِ النَّبيِّ ﷺ : "لا يقبلُ الله صَلاةً بغيرِ طُهُورٍ" (١). قالوا: ولمّا أوجَبُوا عليهِ الإعادةَ، إذا قدرَ على الماءِ أوِ التَّيمُّم، لم يكُن لأمرِهِم إيّاهُ بالصَّلاةِ معنًى، وفي حديثِ مالكٍ هذا عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم،

стр. 6723

عن أبيهِ، عن عائشةَ قولهُا فيهِ: فنامَ رسُولُ الله ﷺ حتَّى أصبَحَ على غيرِ ماءٍ. دليلٌ على أنَّ من عدِمَ الطَّهارةَ، لم يُصلِّ حتَّى يُمَكَّنَه (١)، وبالله التَّوفِيقُ. أخبَرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٢): أخبَرنا قتيبةُ بن سَعِيدٍ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن قَتادةَ، عن أبي المليح (٣)، عن أبيهِ، قال: قال رسُولُ ﷺ : "لا يَقْبلُ الله صَلاةً بغيرِ طُهُورٍ، ولا صَدَقةً من غُلُولٍ". وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا مُسلِمُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن قَتادةَ، عن أبي المَلِيح، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا تُقْبَلُ صَدَقةٌ من غُلُول، ولا صَلاةٌ بغيرِ طُهُورٍ". حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن شُعبةَ، عن سِماكِ بن حَرْبٍ،

стр. 6724

عن مُصعَبِ بن سَعدٍ، أنَّ ابن عُمرَ قال لابنِ عامرٍ: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "لا يَقْبلُ الله صلاةً بغيرِ طُهُورٍ، ولا صَدَقةً من غُلُولٍ" (١). ورَوَى سَعْدُ بن سِنانٍ، عن أنسَ (٢)، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ (٣). حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن همّام بن مُنبِّهٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يَقْبلُ الله صلاةَ أحدِكُم إذا أحدَثَ، حتَّى يتوضَّأ".

стр. 6725

وفي قولِهِ في حديثِ مالكٍ: وليسُوا على ماءٍ، وليس معهُم ماءٌ. دليلٌ على أنَّ الوُضُوءَ قد كانَ لازِمًا لهُم، قبلَ نُزُولِ آيةِ الوُضُوءِ، وأنَّهُم لم يكونُوا يُصلُّونَ إلّا بوُضُوءٍ قبلَ نُزُولِ الآية، لأنَّ قولهُ: فأنزلَ الله آيةَ التَّيمُّم (١). وهي آيةُ الوُضُوءِ المذكُورةُ في سُورة المائدةِ، أوِ الآيةُ التي في سُورةِ النِّساءِ، ليسَ التَّيمُّمُ مذكُورًا في غيرِ هاتينِ الآيتَينِ، وهُما مَدنِيَّتانِ. والآيةُ ليَسْتَ بالكلِمةِ، ولا الكلِمتينِ، وإنَّما هي الكلامُ المُجتمِعُ الدّالُّ على الإعجازِ الجامِع، لمعنًى مُستفادٍ قائم بنفسِهِ. ومعلُومٌ أنَّ غُسلَ الجنابةِ لم يُفتَرض قبلَ الوُضُوءِ، كما أنَّهُ معلُومٌ عِندَ جميع أهلِ السِّيرِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ مُنذُ افتُرِضَتْ عليه الصَّلاةُ بمكَّةَ، لم يُصلِّ إلّا بوُضُوءٍ مِثلَ وُضُوئنا (٢) اليومَ، وهذا ما لا يجهلُهُ عالمٌ، ولا يَدْفعُهُ إلّا مُعانِدٌ. وفيما ذكَرْنا دليلٌ، على أنَّ آيةَ الوُضُوءِ إنَّما نزلَتْ ليكونَ فَرْضُها المُتقدِّمُ متلُوًّا في التَّنزِيلِ، ولها نَظائرُ كثِيرةٌ، ليسَ هذا مَوْضِعَ ذِكرِها. وفي قولِهِ في حديثِ مالكٍ: فنزلَتْ آيةُ التَّيمُّم - ولم يقُل: آيةُ الوُضُوءِ - ما يُتبيَّنُ به أنَّ الذي طَرَأ إليهم من العِلم في ذلك الوَقْتِ، حُكمُ التَّيمُّم، لا حُكمُ الوُضُوءِ، والله أعلمُ. ومن فضلِ الله ونِعمتِهِ، أن نصَّ على حُكم الوُضُوءِ وهيئَتِهِ بالماءِ، ثُمَّ أخبَرَ بحُكم التَّيمُّم عِندَ عَدَم الماءِ. وقد تقدَّم القولُ في فَرْضِ الصَّلاةِ والوُضُوءِ، في بابِ ابنِ شِهابٍ، عن عُروةَ، والحمدُ لله.

стр. 6726

وفي قولِهِ أيضًا: ليسُوا على ماءٍ، وليسَ معهُم ماءٌ. وإقامَةِ رسُولِ الله ﷺ معَ تلك الحالِ على التِماسِ العِقْدِ، دليلٌ على أنَّهُ ليسَ للمرءِ أن ينصرِفَ عن سَفَرٍ لا يجِدُ فيه ماءً، ولا يترُك سُلُوكَ طرِيقٍ لذلك، وحَسْبُهُ وسُلُوكُ ما أباحَ الله تبارك وتعالي لهٌ (١). وأمّا التَّيمُّمُ، فمعناهُ في اللُّغةِ: القَصْدُ، ومعناهُ في الشَّرِيعةِ: القَصْدُ إلى الصَّعِيدِ خاصَّةً للطَّهار عِندَ عَدَم الماءِ، فيَضْرِبُ عليه بباطنِ (٢) كفَّيهِ، ثُمَّ يمسحُ بهما وَجْههُ ويدَيْهِ. قال أبو بكر بن الأنبارِيِّ: قولُهُم: قد تيمَّمَ الرَّجُلُ. مَعناهُ: قد مسَحَ التُّراب على يَدَيهِ ووجهِهِ. قال: وأصلُ: تيمَّم، قصَدَ، فمعنى تيمَّم: قصَدَ التُّراب فتَمسَّحَ به، قال الله : ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، معناهُ: لا تَعمَّدُوا الخبِيثَ، فتُنفِقُوا منهُ. قال الشاعر، وهو المُمزَّقُ أوِ المُثقَّبُ العَبْديّ (٣): وما أدرِي إذا يمَّمتُ وجهًا ... أُرِيدُ الخير أيُّهُما يلِينِي أألخيرُ الذي أنا أبْتَغِيهِ ... أم الشَّرُّ (٤) الذي هُو يبتغِيني يُرِيدُ: قصَدتُ واعْتَمدتُ وجهًا. وقال آخرُ: وفي الأظعانِ آنِسَةٌ لعُوبٌ ... تَيمَّمَ أهلُها بَلدًا فسارُوا يعني: قصَدَ أهلُها بَلدًا.

стр. 6727

وقال حُميدُ بن ثَوْرٍ (١): وما يَلْبثُ العَصْرانِ: يومٌ وليلةٌ ... إذا طُلِبا أن يُدرِكا ما تَيمَّما وقال امرُؤُ القَيْسِ (٢): تيمَّمتُها (٣) من أذرعاتٍ وأهلُها ... بيثرِب أدنى دارِها نَظرٌ عالِ وقال خُفَافُ بن نُدْبَةَ (٤): فإن تَكُ خَيْلِي قد أُصِيبَ ... فعمدًا على عيني تيمَّمتُ مالكا معناهُ: تعمَّدتُ مالكًا. وقال آخرُ: إنِّي كذاك (٥) إذا ما ساءَني بَلدٌ ... يمَّمتُ صَدْرَ بعِيرِي غيرهُ بلدا يعني: قصدتُ. ومثلُ هذا كثِيرٌ، فمعنى قولِ الله : ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]. أي: اقصِدُوا صعِيدًا طيِّبًا. والصَّعِيدُ: وجهُ الأرضِ. وقيلَ: التُّرابُ الطَّيِّبُ (٦) الطّاهِرُ. قال ﷺ : "جُعِلَتْ لي الأرضُ كلُّها مَسْجدًا وطهُورًا" (٧).

стр. 6728

وطهُورٌ، بمعنى طاهِرٍ مُطهِّرٍ، على ما ذكَرْنا في غيرِ مَوْضِع من كِتابِنا هذا، كما قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. يعني: طاهِرًا مُطهِّرًا. واختلَفَ العُلماءُ في كيفِيَّةِ التَّيمُّم. فقال مالكٌ (١) والشّافِعيُّ وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُم والثَّورِيُّ وابنُ أبي سلمةَ واللَّيثُ: ضَرْبتانِ، ضربةٌ للوَجهِ يمسحُ بها وجههُ، وضَرْبةٌ لليَدَينِ يمسَحُ بهِما (٢) إلى المِرفقينِ، يمسحُ اليُمنَى باليُسرى، واليُسرى باليُمنى. إلّا أنَّ بُلُوغ المِرفقَينِ عِندَ مالكٍ ليسَ بفرضٍ، وإنَّما الفَرْضُ عِندهُ إلى الكُوعَينِ. والاختِيارُ عِندهُ: إلى المِرفقينِ. وسائرُ من ذكَرْنا معهُ من الفُقهاءِ يرونَ بُلُوغ المِرفَقينِ بالتَّيمُّم فرضًا واجِبًا. وممَّن رُوِي عنهُ التَّيمُّمُ إلى المِرفقينِ: ابنُ عُمر، والشَّعبِيُّ، والحسنُ، وسالم (٣). وقال الأوزاعِيُّ: التَّيمُّمُ ضَرْبتانِ: ضربةٌ للوجهِ، وضربةٌ لليدَينِ إلى الكُوعينِ، وهُما الرُّسْغانِ. ورُوِي ذلك عن عليِّ بن أبي طالِبٍ (٤). وقد رُوِي عن الأوزاعِيِّ، وهُو أشهرُ عنهُ: أنَّ التَّيمُّم ضربةٌ واحِدةٌ (٥) يمسحُ بها وجْهَهُ ويديهِ إلى الكُوعينِ (٦).

стр. 6729

وهُو قولُ عطاءٍ والشَّعبِيِّ (١)، في رِوايةٍ. وبه قال أحمدُ بن حنبل، وإسحاقُ بن راهُوية، وداودُ بن عليٍّ، والطَّبرِيُّ. وهُو أثبتُ ما رُوِي في ذلك من حديثِ عمّارٍ، رواهُ شقِيقُ بن سَلَمةَ أبو وائل، عن أبي موسى، عن عمّارٍ، فقال فيهِ: ضَرْبةٌ واحِدةٌ لوَجهِهِ وكفَّيهِ (٢). ولم يُختَلَف في حديثِ أبي وائلٍ هذا، وسائرُ أحادِيثِ عمّارٍ مُختَلَف فيها، وحديثُ أبي وائلٍ هذا عِندَ الثَّورِيِّ، وأبي مُعاويةَ، وجماعةٍ، عن الأعمشِ. وقال مالكٌ: إن مسَحَ وجههُ ويَدَيهِ بضربةٍ واحِدةٍ، أجزاهُ، وإن مسَحَ يَديهِ إلى الكُوعينِ أجزاهُ، وأُحِبُّ لهُ أن يُعِيدَ في الوقتِ. والاختِيارُ عِند مالكٍ ضربتانِ، وبُلُوغُ المِرفقينِ (٣). وحُجَّةُ من رأى التَّيمُّمَ إلى الكُوعينِ جائزًا، ولم يرَ بُلُوغَ المِرفقينِ واجِبًا. ظاهِرُ قولِ الله : ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. ولم يَقُل: إلى المِرفَقينِ. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. فلم يجِب بهذا الخِطابِ، إلّا أقلُّ ما يَقَعُ عليه اسمُ يَدٍ، لأنَّهُ اليَقِينُ، وما عَدا ذلك شَكٌّ، والفَرائضُ لا تجِبُ إلّا بيَقِينٍ. وقد قال الله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. وثَبَتت السُّنَّةُ المُجتَمعُ عليها: أنَّ الأيْدِي في ذلك، أُرِيدَ بها الكُوع (٤)، فكذلك التَّيمُّمُ إذ لم يَذْكُر (٥) فيه المِرفقينِ.

стр. 6730

وقد ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ في أكثرِ الآثارِ في التَّيمُّم: أنَّهُ مسَحَ وجههُ وكفَّيهِ. وكَفَى بهذا حُجَّةً، لأنَّهُ لو كان ما زادَ على ذلك واجِبًا، لم يَدَعهُ رسُولُ الله ﷺ . وقال أبو حَنِيفةَ والثَّورِيُّ واللَّيثُ والشّافِعيُّ: لا يُجزِئهُ إلّا ضَرْبتانِ: ضَرْبةٌ للوجهِ، وضربةٌ لليدينِ إلى المِرفقينِ، ولا يُجزِئه دُونَ المِرفقينِ (١). وبه قال محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الحكم، وإليه ذهَبَ إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضِي. وقال ابنُ أبي ليلى والحَسَنُ بن حيٍّ: التَّيمُّمُ ضَرْبتانِ: يَمْسحُ بكلِّ ضَرْبةٍ منهُما وجَههُ، وذِراعَيْهِ ومرْفَقيهِ. ولم يَقُل ذلك أحَدٌ من أهلِ العِلم غيرهُما، فيما عَلِمتُ. وقال الزُّهرِيُّ: يبلُغُ بالتَّيمُّم الآباط (٢). ولم يَقُل ذلك أحَدٌ غيرهُ أيضًا، والله أعلمُ. فأمّا ما ذهَبَ إليه ابنُ شِهابٍ من التَّيمُّم إلى المناكِبِ والآباطِ، فإنَّهُ صارَ إلى ما رواهُ في ذلك، مع أنَّ اللُّغةَ تَقْضِي أنَّ اليدَ من المَنْكِبِ. أخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٣): أخبَرنا العبّاسُ بن عبدِ العظِيم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسماءَ، عن جُوَيرِيةَ، عن مالكٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُتبةَ، أنَّهُ أخبَرهُ عن أبيهِ، عن عمّارِ بن ياسِرٍ، قال: تمسَّحنا معَ رسُولِ الله ﷺ بالتُّرابِ، فمَسَحنا بوُجُوهِنا وأيدِينا إلى المَناكِبِ.

стр. 6731

هكذا قال مالكٌ في هذا الحديثِ: عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ الله بن عبد الله بن عُتبة، أنه أخبره عن أبيهِ، عن عمّارٍ بن ياسر، قال: تمسّحنا مع رسول الله - صلي الله عليه وسلَّم - بالتراب، فمسَحْنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب. وتابَعهُ (١) أبو أوَيسٍ (٢). ورواهُ صالحُ بن كَيْسان، وابنُ أخِي ابنِ شِهابٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ الله (٣)، عن ابنِ عبّاسٍ، عن عمّارٍ (٤). وكذلك رواهُ ابنُ إسحاق (٥)، سواءً في إسنادِهِ. وخالَفهُ في سِياقَتِهِ ومتنِهِ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٦): حدَّثنا محمدُ بن أبي خَلَفٍ ومحمدُ بن يحيى، في آخرِينَ، قالوا: حدَّثنا يعقُوبُ بن إبراهيمَ بن سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، عن صالح، عن ابنِ شِهابٍ، قال: حدَّثني عُبيدُ الله بن عبدِ الله، عن ابنِ عبّاسٍ، عن عمّارِ بن ياسِرٍ (٧)، أنَّ رسُولَ الله ﷺ عرَّسَ بأُولاتِ الجَيْشِ، ومَعهُ عائشةُ، فانقطَعَ عِقدٌ لها من جَزْع ظَفارِ، فحَبَسَ النّاسَ ابتِغاءُ عِقْدِها، حتَّى أضاءَ الفجرُ، وليسَ مع النّاسِ ماءٌ، فتَغيَّظ عليها أبو بكرٍ، وقال: حَبَستِ النّاس وليسَ مَعهُم ماءٌ، فأنزلَ الله على رسُولِهِ رُخصَةَ التَّطهُّرِ بالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فقامَ المُسلِمُونَ معَ رسُولِ الله ﷺ ، فضَربُوا بأيدِيهِم إلى الأرضِ،

стр. 6732

ثُمَّ رَفعُوا أيدِيهُم، ولم يَقبِضُوا من التُّرابِ شيئًا، فمَسَحُوا بها وُجُوههُم وأيدِيهُم إلى المناكِبِ، ومن بُطُونِ أيدِيهِم إلى الآباطِ (١). زاد ابنُ يحيى في حَدِيثهِ: قال ابنُ شِهابٍ: ولا يعتبِرُ بهذا النّاسُ. هكذا قال صالحُ بن كَيْسانَ: ضَرْبة واحِدةٌ للوَجهِ واليَدينِ. ورواهُ يُونُسُ (٢) وابنُ أبي ذِئبٍ (٣) ومَعْمر (٤)، عن الزُّهرِيِّ، عن عُبيدِ الله، عن عمّارٍ. ولم يقولوا: عن أبيهِ. كما قال مالكٌ، ولا قالوا: عن ابنِ عبّاسٍ. كما قال صالح، وابنُ إسحاقَ. وذكرُوا فيهِ: ضَرْبتينِ، ضربةٌ للوجهِ، وضَرْبةٌ لليدَينِ إلى المناكِبِ والآباطِ. وكذلك ذكرَ فيه مَعْمرٌ: ضَرْبتينِ. واضطَربَ ابنُ عُيينةَ (٥) عن الزُّهرِيِّ، في هذا الحديثِ، في إسناده ومتنِهِ.

стр. 6733

وهذا الحديثُ عن عمّارٍ في التَّيمُّم إلى المناكِبِ، كان في حِينِ نُزُولِ آيةِ التَّيمُّم في قِصَّةِ عائشةَ. كذلك ذكَرَ صالحُ بن كَيْسانَ ومَعْمر وطائفةٌ من أصحابِ ابنِ شِهابٍ، وقد ذكَرْنا حديث صالح. وأمّا حديثُ معمرٍ: فأخبرناهُ عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، وكتبتُهُ (١) من أصلِ سماعِهِ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن جعفرِ بن حمدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٢): حدَّثنا عبدُ (٣) الرَّزّاقِ، قال (٤): أخبَرنا مَعْمر، عن الزُّهرِيِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُتبةَ، أنَّ عمّار بن ياسِرٍ كان يُحدِّثُ، أنَّهُ كانَ مع النَّبيِّ ﷺ في سَفَرٍ، مَعهُ عائشةُ، فهلكَ عِقدُها، فاحتبسَ النّاسُ في ابتِغائهِ، حتَّى أصْبَحُوا وليسَ مَعهُم ماءٌ، فنزلَ التَّيمُّمُ، قال عمّار: فقامُوا فمَسَحُوا فضَرَبُوا بأيدِيهِم، فمَسَحُوا بها وُجُوههُم، ثُمَّ عادُوا فضَربُوا بأيدِيهِم ثانِيةً، فمَسَحُوا بها أيدِيهِم إلى الإبِطينِ، أو قال: إلى المناكِبِ. ثُمَّ قد رُوِي عن عمّارٍ خِلافُ ذلك في التَّيمُّم، رواهُ عنهُ عبدُ الرَّحمنِ بن أبْزَى (٥)، فاختُلِفَ عليهِ فيه، فقال عنهُ قومٌ: ومسَحَ ذِراعيهِ إلى نِصفِ السّاعِدِ. وقال آخرُونَ: إلى المِرفَقينِ. وقال أكثرُهُم عنهُ فيهِ: وَجْهَهُ وكفَّيهِ.

стр. 6734

واختَلَفَ فيه الحَكَمُ (١) بنُ عُتَيبةَ (٢)، وسَلَمةُ بنُ كُهَيل (٣)، عن ذرٍّ الهَمْدانِيِّ، عن ابنِ عبدِ الرَّحمنِ بن أبْزَى، عن أبيهِ، عن عمّارٍ. وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبَرَنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبَرنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بن المِنهالِ، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن زُرَيع، عن سَعِيدٍ، عن قَتادةَ، عن عَزْرَةَ، عن سَعِيدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبْزَى، عن أبيهِ، عن عمّارِ بن ياسِرٍ، قال: سألتُ رسُول الله ﷺ عن التَّيمُّم، فأمرني ضربةً واحِدةً للوجهِ والكفَّينِ. وسُؤالُهُ كان بعد ذلك، والله أعلمُ.

стр. 6735

حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا أبان، قال: أخبرنا قَتادةُ، عن عَزْرةَ (١)، عن سَعِيدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن عمّارٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في التَّيمُّم: "ضربةٌ للوَجْهِ والكفَّينِ" (٢). قال أبو عُمر: عِندَ قتادةَ في حديثِ عمّارٍ هذا إسنادٌ آخرُ بخِلافِ هذا المعنى: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبانُ بن يزِيدَ، قال: سُئلَ قتادةُ عن التَّيمُّم في السَّفرِ، فقال: كان ابنُ عُمر يقولُ: إلى المِرفقينِ. وكان الحسنُ (٣) يقولُ: إلى المِرفقينِ. وكان إبراهيمُ النَّخعِيُّ يقولُ: إلى المِرفقينِ. وحدَّثني مُحدِّث عن الشَّعبِيِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبْزَى، عن عمّارِ بن ياسرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إلى المِرفقينِ" (٤). وممّا يدُلُّكَ على أنَّ حديث عمّارٍ في التَّيمُّم للوَجهِ والكفَّينِ، أوِ إلى المِرفقينِ، غيرُ حديثهِ في قِصَّةِ نُزُولِ آيةِ التَّيمُّم، حِين تيمَّمَ إلى المناكِبِ: أنَّهُ في حديثِ أبي إسحاقَ، عن ناجِيةَ أبي خُفافٍ، عن عّمارٍ (٥). وفي حديثِ أبي وائل، عن أبي موسى،

стр. 6736

عن عمّارٍ (١)، أنَّهُ قال: أجْنَبتُ فتمعَّكتُ في التُّراب، ثُمَّ سألتُ رسُولَ الله ﷺ فقال: "كان يَكْفِيك التَّيمُّمُ ضَرْبةً للوَجْهِ واليَدَينِ". قال أبو عُمر: أكثرُ الآثارِ المرفُوعةِ عن عمّارٍ في هذا الحديثِ، إنَّما فيها: ضَرْبةٌ واحِدةٌ للوَجْهِ واليدينِ. وكلُّ ما يُروى في هذا البابِ عن عمّارٍ فمُضطرِبٌ مُختَلَفٌ فيهِ. وذهبَتْ طائفةٌ من أهلِ الحديثِ إلى أنَّ أصحَّ حديثٍ رُوِي في ذلك (٢)، عن عمّارٍ، حديثُ قتادةَ، عن عَزْرةَ (٣). وقال بعضُ من يقولُ بالتَّيمُّم إلى المِرفقينِ: قَتادةُ إذا لم يَقُل: سمِعتُ، أو حدَّثنا، فلا حُجَّةَ في نَقلِهِ. وهذا تَعسُّفٌ، والله أعلمُ. وأمّا ما رُوِي مرفُوعًا في التَّيمُّم إلى المِرفقينِ، فرَوَى ابنُ الهادِ، عن نافِع، عن ابنِ عُمر: أنَّ رسُولَ الله ﷺ تيمَّم إلى المِرفقينِ (٤). وأصحابُ (٥) نافِع الحُفّاظُ يَرْوُونهُ عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، فعلهُ: أنَّهُ كان يَتَيمَّمُ إلى المِرفقينِ. هكذا رواهُ مالكٌ (٦) وغيرُهُ. ورواهُ محمدُ بن ثابتٍ العبدِيُّ، عن نافِع، عن ابنِ عُمر، مرفُوعًا. وأنكرُوهُ عليهِ، وضعَّفُوهُ من أجلِهِ، وبعضُهُم يروِيهِ عنهُ، عن نافِع، عن ابنِ عبّاسٍ: أنَّ

стр. 6737

رسُولَ الله ﷺ تيمَّمَ في السِّكَّةِ، فضرَبَ بيديهِ على الحائطِ، ومسَحَ بهما وجههُ، ثُمَّ ضربَ ضَرْبةً أُخرى، فمسَحَ بها ذِراعيهِ (١). وهذا لم يروِهِ عن نافِع أحدٌ غيرُ محمدِ بن ثابتٍ هذا، وبه يُعرَفُ، ومن أجلِهِ يُضعَّفُ، وهُو عِندَهُم حديثٌ مُنكرٌ، لا يَعرِفُهُ أصحابُ نافِع. قال أبو عُمر: لمّا اختَلَفتِ الآثارُ في كيفيَّةِ التَّيمُّم وتعارَضَتْ، كان الواجِبُ في ذلك الرُّجُوع إلى ظاهِرِ الكِتابِ، وهذا يدُلُّ على ضَرْبتينِ: للوَجْهِ ضربةٌ، ولليَدَينِ أُخرى إلى المِرفقينِ، قِياسًا على الوُضُوءِ، واتِّباعًا لفِعلِ ابنِ عُمر، ﵀، فإنَّهُ من لا يُدفَعُ عِلمُهُ بكِتابِ الله، ولو ثبتَ شيءٌ عن النَّبيِّ ﷺ في ذلك، وجب الوُقُوفُ عِندَهُ، وبالله التَّوفِيقُ. وقال الطَّحاوِيُّ: لمّا اختَلفتِ الآثارُ في كيفيَّةِ التَّيمُّم، رجعنا إلى الاعتِبارِ، فوجَدْنا الأعضاءَ التي ذكَرَها الله في الوُضُوءِ، قد سقَطَ التَّيمُّمُ عن بعضِها، وهُو الرَّأسُ والرِّجلانِ، فبطَلَ بذلك قولُ من قال: إلى المناكِبِ، لأنَّ التَّيمُّم لمّا بطَلَ عن بَعضِ ما يُوضَّأُ، كان ما لا يُوضَّأُ أحْرَى أن لا يَلْزمهُ التَّيمُّمُ. قال: ثُمَّ رأينا الوَجْه يُيَمَّمُ بالصَّعِيدِ، كما يُغسلُ بالماءِ، ورأينا الرَّأسَ والرِّجلينِ لا يُيمَّمانِ، فكان ما سقطَ التَّيمُّمُ عن بَعضِهِ، سقطَ عن كلِّهِ، وما وجبَ فيه التَّيمُّمُ، كان كالوُضُوءِ سَواءً، لأنَّهُ جُعِلَ بدلًا منهُ، فلمّا ثبتَ أنَّ بعضَ ما يُغسَلُ من اليَدينِ في حالِ وُجُودِ الماءِ، يُيمَّمُ في حالِ عَدم الماءِ، ثبتَ بذلك أنَّ التَّيمُّم في اليَدَينِ إلى المِرفقينِ، قِياسًا ونَظرًا (٢).
следующие страницы →