← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6733–6772 · переход к 6738.

стр. 6733

وهذا الحديثُ عن عمّارٍ في التَّيمُّم إلى المناكِبِ، كان في حِينِ نُزُولِ آيةِ التَّيمُّم في قِصَّةِ عائشةَ. كذلك ذكَرَ صالحُ بن كَيْسانَ ومَعْمر وطائفةٌ من أصحابِ ابنِ شِهابٍ، وقد ذكَرْنا حديث صالح. وأمّا حديثُ معمرٍ: فأخبرناهُ عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، وكتبتُهُ (١) من أصلِ سماعِهِ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن جعفرِ بن حمدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٢): حدَّثنا عبدُ (٣) الرَّزّاقِ، قال (٤): أخبَرنا مَعْمر، عن الزُّهرِيِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُتبةَ، أنَّ عمّار بن ياسِرٍ كان يُحدِّثُ، أنَّهُ كانَ مع النَّبيِّ ﷺ في سَفَرٍ، مَعهُ عائشةُ، فهلكَ عِقدُها، فاحتبسَ النّاسُ في ابتِغائهِ، حتَّى أصْبَحُوا وليسَ مَعهُم ماءٌ، فنزلَ التَّيمُّمُ، قال عمّار: فقامُوا فمَسَحُوا فضَرَبُوا بأيدِيهِم، فمَسَحُوا بها وُجُوههُم، ثُمَّ عادُوا فضَربُوا بأيدِيهِم ثانِيةً، فمَسَحُوا بها أيدِيهِم إلى الإبِطينِ، أو قال: إلى المناكِبِ. ثُمَّ قد رُوِي عن عمّارٍ خِلافُ ذلك في التَّيمُّم، رواهُ عنهُ عبدُ الرَّحمنِ بن أبْزَى (٥)، فاختُلِفَ عليهِ فيه، فقال عنهُ قومٌ: ومسَحَ ذِراعيهِ إلى نِصفِ السّاعِدِ. وقال آخرُونَ: إلى المِرفَقينِ. وقال أكثرُهُم عنهُ فيهِ: وَجْهَهُ وكفَّيهِ.

стр. 6734

واختَلَفَ فيه الحَكَمُ (١) بنُ عُتَيبةَ (٢)، وسَلَمةُ بنُ كُهَيل (٣)، عن ذرٍّ الهَمْدانِيِّ، عن ابنِ عبدِ الرَّحمنِ بن أبْزَى، عن أبيهِ، عن عمّارٍ. وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبَرَنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبَرنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بن المِنهالِ، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن زُرَيع، عن سَعِيدٍ، عن قَتادةَ، عن عَزْرَةَ، عن سَعِيدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبْزَى، عن أبيهِ، عن عمّارِ بن ياسِرٍ، قال: سألتُ رسُول الله ﷺ عن التَّيمُّم، فأمرني ضربةً واحِدةً للوجهِ والكفَّينِ. وسُؤالُهُ كان بعد ذلك، والله أعلمُ.

стр. 6735

حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا أبان، قال: أخبرنا قَتادةُ، عن عَزْرةَ (١)، عن سَعِيدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن عمّارٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في التَّيمُّم: "ضربةٌ للوَجْهِ والكفَّينِ" (٢). قال أبو عُمر: عِندَ قتادةَ في حديثِ عمّارٍ هذا إسنادٌ آخرُ بخِلافِ هذا المعنى: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبانُ بن يزِيدَ، قال: سُئلَ قتادةُ عن التَّيمُّم في السَّفرِ، فقال: كان ابنُ عُمر يقولُ: إلى المِرفقينِ. وكان الحسنُ (٣) يقولُ: إلى المِرفقينِ. وكان إبراهيمُ النَّخعِيُّ يقولُ: إلى المِرفقينِ. وحدَّثني مُحدِّث عن الشَّعبِيِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبْزَى، عن عمّارِ بن ياسرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إلى المِرفقينِ" (٤). وممّا يدُلُّكَ على أنَّ حديث عمّارٍ في التَّيمُّم للوَجهِ والكفَّينِ، أوِ إلى المِرفقينِ، غيرُ حديثهِ في قِصَّةِ نُزُولِ آيةِ التَّيمُّم، حِين تيمَّمَ إلى المناكِبِ: أنَّهُ في حديثِ أبي إسحاقَ، عن ناجِيةَ أبي خُفافٍ، عن عّمارٍ (٥). وفي حديثِ أبي وائل، عن أبي موسى،

стр. 6736

عن عمّارٍ (١)، أنَّهُ قال: أجْنَبتُ فتمعَّكتُ في التُّراب، ثُمَّ سألتُ رسُولَ الله ﷺ فقال: "كان يَكْفِيك التَّيمُّمُ ضَرْبةً للوَجْهِ واليَدَينِ". قال أبو عُمر: أكثرُ الآثارِ المرفُوعةِ عن عمّارٍ في هذا الحديثِ، إنَّما فيها: ضَرْبةٌ واحِدةٌ للوَجْهِ واليدينِ. وكلُّ ما يُروى في هذا البابِ عن عمّارٍ فمُضطرِبٌ مُختَلَفٌ فيهِ. وذهبَتْ طائفةٌ من أهلِ الحديثِ إلى أنَّ أصحَّ حديثٍ رُوِي في ذلك (٢)، عن عمّارٍ، حديثُ قتادةَ، عن عَزْرةَ (٣). وقال بعضُ من يقولُ بالتَّيمُّم إلى المِرفقينِ: قَتادةُ إذا لم يَقُل: سمِعتُ، أو حدَّثنا، فلا حُجَّةَ في نَقلِهِ. وهذا تَعسُّفٌ، والله أعلمُ. وأمّا ما رُوِي مرفُوعًا في التَّيمُّم إلى المِرفقينِ، فرَوَى ابنُ الهادِ، عن نافِع، عن ابنِ عُمر: أنَّ رسُولَ الله ﷺ تيمَّم إلى المِرفقينِ (٤). وأصحابُ (٥) نافِع الحُفّاظُ يَرْوُونهُ عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، فعلهُ: أنَّهُ كان يَتَيمَّمُ إلى المِرفقينِ. هكذا رواهُ مالكٌ (٦) وغيرُهُ. ورواهُ محمدُ بن ثابتٍ العبدِيُّ، عن نافِع، عن ابنِ عُمر، مرفُوعًا. وأنكرُوهُ عليهِ، وضعَّفُوهُ من أجلِهِ، وبعضُهُم يروِيهِ عنهُ، عن نافِع، عن ابنِ عبّاسٍ: أنَّ

стр. 6737

رسُولَ الله ﷺ تيمَّمَ في السِّكَّةِ، فضرَبَ بيديهِ على الحائطِ، ومسَحَ بهما وجههُ، ثُمَّ ضربَ ضَرْبةً أُخرى، فمسَحَ بها ذِراعيهِ (١). وهذا لم يروِهِ عن نافِع أحدٌ غيرُ محمدِ بن ثابتٍ هذا، وبه يُعرَفُ، ومن أجلِهِ يُضعَّفُ، وهُو عِندَهُم حديثٌ مُنكرٌ، لا يَعرِفُهُ أصحابُ نافِع. قال أبو عُمر: لمّا اختَلَفتِ الآثارُ في كيفيَّةِ التَّيمُّم وتعارَضَتْ، كان الواجِبُ في ذلك الرُّجُوع إلى ظاهِرِ الكِتابِ، وهذا يدُلُّ على ضَرْبتينِ: للوَجْهِ ضربةٌ، ولليَدَينِ أُخرى إلى المِرفقينِ، قِياسًا على الوُضُوءِ، واتِّباعًا لفِعلِ ابنِ عُمر، ﵀، فإنَّهُ من لا يُدفَعُ عِلمُهُ بكِتابِ الله، ولو ثبتَ شيءٌ عن النَّبيِّ ﷺ في ذلك، وجب الوُقُوفُ عِندَهُ، وبالله التَّوفِيقُ. وقال الطَّحاوِيُّ: لمّا اختَلفتِ الآثارُ في كيفيَّةِ التَّيمُّم، رجعنا إلى الاعتِبارِ، فوجَدْنا الأعضاءَ التي ذكَرَها الله في الوُضُوءِ، قد سقَطَ التَّيمُّمُ عن بعضِها، وهُو الرَّأسُ والرِّجلانِ، فبطَلَ بذلك قولُ من قال: إلى المناكِبِ، لأنَّ التَّيمُّم لمّا بطَلَ عن بَعضِ ما يُوضَّأُ، كان ما لا يُوضَّأُ أحْرَى أن لا يَلْزمهُ التَّيمُّمُ. قال: ثُمَّ رأينا الوَجْه يُيَمَّمُ بالصَّعِيدِ، كما يُغسلُ بالماءِ، ورأينا الرَّأسَ والرِّجلينِ لا يُيمَّمانِ، فكان ما سقطَ التَّيمُّمُ عن بَعضِهِ، سقطَ عن كلِّهِ، وما وجبَ فيه التَّيمُّمُ، كان كالوُضُوءِ سَواءً، لأنَّهُ جُعِلَ بدلًا منهُ، فلمّا ثبتَ أنَّ بعضَ ما يُغسَلُ من اليَدينِ في حالِ وُجُودِ الماءِ، يُيمَّمُ في حالِ عَدم الماءِ، ثبتَ بذلك أنَّ التَّيمُّم في اليَدَينِ إلى المِرفقينِ، قِياسًا ونَظرًا (٢).

стр. 6738

وقال غيرُهُ: لمّا ذكرَ الله إلى المِرفقينِ في الوُضُوءِ، اسْتَغنَى عن ذِكرِ ذلك وتَكرِيرِهِ في التَّيمُّم، كما أنَّهُ لمّا اشترطَ المَسِيس في تحرِيرِ الرَّقبةِ على المُظاهِرِ وفي صِيامِهِ، حيثُ قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] اسْتَغنى عن ذِكرِ ذلك واشتِراطِهِ في الإطعام، لأنَّهُ بَدَلٌ منهُ، وحُكمُ البَدلِ، حُكمُ المَبْدُولِ منهُ، فالسُّكُوتُ عن ذلك اكتِفاءٌ، والله أعلمُ. قال أبو عُمر: لمّا قال الله في آيةِ الوُضُوءِ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وأجمعُوا أنَّ ذلك ليسَ في غَسْلةٍ واحِدةٍ، وأنَّ غَسْلَ الوجهِ، غيرُ غسلِ اليَدَينِ، فكذلك يجِبُ أن تكونَ الضَّربةُ في التَّيمُّم للوَجهِ، غير الضَّربةِ لليدينِ قِياسًا، والله أعلمُ، إلّا أن يصِحَّ عن النَّبيِّ ﷺ خِلافُ ذلك، فيُسلَّم لهُ، وكذلك البُلُوغُ إلى المِرفقينِ، قِياسًا على الوُضُوءِ، إن لم يَثبُت خِلافُهُ عن النَّبيِّ ﷺ . واختَلَفُوا في الصَّعِيدِ: فقال مالكٌ وأصحابُهُ: الصَّعِيدُ وَجْهُ الأرضِ، ويجُوزُ التَّيمُّمُ عِندَ مالكٍ بالحَصْباءِ، والجبلِ، والرَّملِ، والتُّرابِ، وكلِّ ما كان وجه الأرضِ (١). وقال أبو حنِيفةَ وزُفرُ: يجُوزُ أن يَتيمَّمَ بالنُّور، والحَجَرِ، والزِّرنيخ، والجِصِّ، والطِّينِ، والرُّخام، وكلِّ ما كان من الأرضِ (٢). وقال الأوزاعِيُّ: يجُوزُ التَّيمُّمُ على الرَّملِ (٣). وقال الثَّورِيُّ وأحمدُ بن حنبل: يجُوزُ التَّيمُّمُ بغُبارِ الثَّوبِ، واللِّبدِ (٤). ولا يجُوزُ عِند مالكٍ بغُبارِ اللِّبدِ والثَّوبِ.

стр. 6739

وذكر ابنُ خُوَيْزمَنْداد قال: الصَّعِيدُ، عِندَنا، وجهُ الأرضِ، وكلُّ أرضٍ جائز التَّيمُّمُ عليها، صَخْرًا كانت، أو مَعدِنًا، أو تُرابًا. قال: وبذلك قال أبو حنِيفةَ، والأوزاعِيُّ، والثَّورِيُّ، والطَّبرِيُّ. قال: ويجُوزُ التَّيمُّمُ عِندَ مالكٍ على الحشِيشِ، إذا كان (١) دُونَ الأرضِ. واختلفتِ الرِّوايةُ عنهُ في التَّيمُّم على الثَّلج، فأجازَهُ مرَّةً، ومنعَ منهُ أُخرى. قال: وكلُّ ما صعِدَ على وجهِ الأرضِ، فهُو صَعِيدٌ. ومن حُجَّتِهِ في ذلك، قولُ الله : ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨] يعني: أرضًا غلِيظةً لا تُنبِتُ شيئًا، و: ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]. وقال رسُولُ الله ﷺ : "يُحشرُ النّاسُ على صَعِيدٍ واحِدٍ" (٢). أي: أرضٍ واحِدةٍ. وقال الشّافِعيُّ (٣) وأبو يُوسُف وداودُ: الصَّعِيدُ: التُّرابُ. ولا يُجزِي عِندهُمُ التَّيمُّمُ بغيرِ التُّرابِ. وقال الشّافِعيُّ (٤): لا يقعُ صعِيدٌ إلّا على تُرابٍ ذي غُبارٍ، فأمّا الصَّحراءُ الغلِيظةُ والرَّقِيقةُ، والكَثِيبُ الغلِيظُ، فلا يَقَعُ عليه اسمُ صعِيدٍ. وقال أبو ثورٍ: لا يُتيمَّمُ إلّا بتُرابٍ، أو رملٍ. قال أبو عُمر: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ التَّيمُّمَ بالتُّرابِ ذي الغُبارِ جائزٌ. وقال رسُولُ الله ﷺ : "جُعِلَتْ لنا الأرضُ مَسْجدًا، وتُربتُها طَهُورًا" (٥). وهُو يَقْضِي على قولِهِ: "مَسْجدًا وطهُورًا". ويُفسِّرُهُ، والله أعلمُ.

стр. 6740

وقال ابنُ عبّاسٍ: أطيبُ الصَّعِيدِ، أرضُ الحرثِ؛ ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (١) عن الثَّورِيِّ، عن قابُوس، عن أبي ظبيان، قال: سُئل ابنُ عبّاسٍ: أيُّ الصَّعِيدِ أطيبُ؟ فقال: الحَرْثُ. وقال الشّاعِرُ: قتلى حَنوطُهم (٢) الصعِيدُ وغُسلُهُم .... نجعُ التَّرائبِ والرُّؤُوسُ تُقَطَّفُ (٣) حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بن فُضيل، عن أبي مالكٍ الأشجعِيِّ، عن رِبعِيٍّ (٥)، عن حُذيفةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "فُضِّلنا على النّاسِ بثلاثٍ: جُعِلَتْ لنا الأرضُ كلُّها مَسْجدًا، وجُعِلَتْ تُربتُها لنا إذا لم نَجِدِ الماءَ طَهُورًا ... " وذكر تمام الحديثِ.

стр. 6741

قال (١): وحدَّثنا يحيى بن أبي بُكَيرٍ (٢)، عن زُهَيرِ بن محمدٍ، عن عبدِ الله بن محمدِ بن عَقيل، عن محمدِ بن عليِّ ابنِ الحنفِيَّةِ، أنَّهُ سمِعَ عليَّ بن أبي طالِبٍ يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ : "أُعطِيتُ ما لم يُعطَ أحَدٌ من الأنبِياءِ: نُصِرتُ بالرُّعبِ، وأُعطِيتُ مَفاتِيحَ الأرضِ، وسُمِّيتُ أحمدَ، وجُعِل التُّرابُ لي طَهُورًا، وجُعِلت أُمَّتي خيرَ الأُمم". وجماعةُ العُلماءِ على إجازَةِ التَّيمُّم بالسِّباخ، إلّا إسحاقَ بن راهُوية، فإنَّهُ قال (٣): لا يُتَيمَّمُ بتُرابِ السَّبخةِ. ورُوِي عن ابنِ عبّاسٍ، فيمَنْ أدرَكهُ التَّيمُّمُ، وهُو في طِينٍ. قال: يأخُذُ من الطِّينِ فيَطْلي به بعضَ جَسَدِهِ، فإذا جفَّ، تيمَّمَ بهِ (٤). وأجمعَ العُلماءَ على أنَّ طهارةَ التَّيمُّم، لا ترفعُ الجنابةَ، ولا الحَدَثَ، إذا وُجِدَ الماءُ، وأنَّ المُتيمِّمَ للجنابةِ، أوِ للحَدَثِ، إذا وجدَ الماءَ، عاد جُنُبًا كما كانَ أو مُحدِثًا، وأنَّهُ إن صلَّى بالتَّيمُّم، ثُمَّ فرغَ من صلاتِهِ، فوجَدَ الماءَ، وقد كان اجتهَدَ في طَلبِهِ، فلم يجِدهُ، ولم يكُن في رَحْلِهِ، أنَّ صلاتهُ تامَّةٌ. ومنهُم منِ استحبَّ لهُ أن يُعِيدَ في الوقتِ، إذا توضَّأ أوِ اغتسَلَ. ولم يختلِفُوا أنَّ الماءَ إذا وجَدهُ المُتيمِّمُ بعد تَيمُّمِهِ، وقبلَ دُخُولِهِ في الصَّلاةِ،

стр. 6742

أنَّهُ بحالِهِ قبلَ أن يتيمَّمَ، وأنَّهُ لا يَسْتبِيحُ صلاةً بذلك التَّيمُّم إلّا شُذُوذًا؛ رُوِي في ذلك عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ: أنَّهُ يُصلِّي بذلك التَّيمُّم (١). واختلفُوا إذا رأى الماءَ بعد دُخُولِهِ في الصَّلاةِ: فقال مالكٌ (٢) والشّافِعيُّ (٣) وأصحابُهُما وداودُ والطَّبرِيُّ: يَتَمادى في صلاتِهِ وتُجزِئه، فإذا فرغَ ووجَدَ الماءَ للصَّلاةِ الأُخرى، وجَبَ عليه استِعمالُهُ، وأمّا الصَّلاةُ فلا يَقْطعُها لرُؤيةِ الماءِ. وحُجَّتُهُم أنَّهُ مأمُورٌ بطلَبِ الماءِ إذا وجب (٤) عليهِ القِيام إلى الصَّلاةِ بدُخُولِ وَقتِها، فإن لم يجِدِ الماءَ تَيمَّمَ، وما لم يدخُل في الصَّلاةِ، فهُو مُخاطَبٌ بذلك، فإذا دَخلَ في الصَّلاةِ، سقطَ عنهُ الطَّلبُ، لاشتِغالِهِ بما هُو مأمُورٌ به من عَملِ الصَّلاةِ التي دخلَ فيها، وإذا سقَطَ عنهُ الطَّلبُ، سَقطَ عنهُ استِعمالُ الماءِ إذا وَجدَهُ، لأنَّهُ مُشتغِلٌ بفَرضٍ آخرَ عن طَلبِ الماءِ، فليسَ عليهِ استِعمالُهُ إذا سقطَ عنهُ طلبُهُ. وقد أجمعُوا أنَّهُ يدخُلُ في صلاتِهِ بالتَّيمُّم عِندَ عدم الماءِ، واختلفُوا في قَطع تِلك الصَّلاةِ، إذا رأى الماءَ. ولم تَثبُت سُنَّةٌ بقَطْعِها ولا إجماعٌ، وليسَ قولُ من قال: إنَّ رُؤيةَ الماءِ حَدَثٌ بشيءٍ؛ لأنَّ ذلك لو كان كذلك، كان الجُنُبُ إذا تيمَّمَ، ثُمَّ وجدَ الماءَ، يعُودُ كالمُحدِثِ، لا يلزمُهُ إلّا الوُضُوءُ، والبِناءُ عِندَهُم على ما صلَّى كسائرِ المُحدِثِينَ، وهذا لا يقولُهُ أحَدٌ. وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ وجماعةٌ، منهُم: أحمدُ بن حنبل، والمُزنِيُّ،

стр. 6743

وابنُ عُليَّةَ: إذا وجدَ الماءَ، أو رآهُ، وهُو في الصَّلاةِ، قطعَ وخرجَ إلى استِعمالِهِ في الوُضُوءِ، أو في الغُسلِ، واستقبلَ صلاتهُ (١). وحُجَّتُهُم: أنَّ التَّيمُّمَ لمّا بطلَ بوُجُودِ الماءِ قبلَ الصَّلاةِ، كان كذلك في الصَّلاةِ، لأنَّهُ لمّا لم يجُز لهُ عَملُها بالتَّيمُّم مع وُجُودِ الماءِ، كان كذلك لا يجُوزُ لهُ عملُ ما بَقِي منها مع وُجُودِ الماءِ، وإذا بطلَ بعضُها، بطلت كلُّها. واحتجُّوا أيضًا بالإجماع على المُعتدَّةِ بالشُّهُورِ، لا يبقى عليها منها إلّا أقلُّها، ثُمَّ تحِيضُ، أنَّها تستقبِلُ عِدَّتها بالحَيْضِ. قالوا: والذي يَطْرأُ عليه الماءُ وهُو في الصَّلاةِ كذلك. وللفرِيقينِ ضُرُوبٌ من الحُجَج في هذه المسألةِ يَطُولُ ذِكرُها. وفي هذا الحديثِ: التَّيمُّمُ في السَّفرِ. وهُو أمرٌ مُجتَمعٌ عليه. واختَلَف العُلماءُ في التَّيمُّم في الحَضَرِ، عِند عدَم الماءِ: فذهَبَ مالكٌ (٢) وأصحابُهُ، إلى أنَّ التَّيمُّم في السَّفرِ والحَضَرِ سواءٌ، إذا عُدِم الماءُ، أو تعذَّر استِعمالُهُ لمرَضٍ، أو خوفٍ شدِيدٍ، أو خوفِ خُرُوج الوَقْتِ. وهذا كلُّهُ قولُ أبي حنِيفةَ، ومحمدٍ (٣). وحُجَّتُهُم: أنَّ ذِكرَ الله تعالى المرضَى والمُسافِرِينَ في شرطِ التَّيمُّم، خرجَ على الأغلبِ فيمَنْ لا يجِدُ الماءَ، والحاضِرُونَ الأغلبُ عليهِم وُجُودُ الماءِ، فلذلك لم يَنُصَّ عليهِم، فإذا لم يجِدِ الحاضِرُ الماءَ، أو منَعهُ منهُ مانعٌ، وجبَ عليه التَّيمُّمُ للصَّلاةِ، ليُدرِكَ وقتَها؛ لأنَّ التَّيمُّم عِندَهُم إنَّما وردَ لإدراكِ وَقتِ الصَّلاةِ، وخَوفِ فوتِهِ، وكذلك أمرَ

стр. 6744

الله بالتَّيمُّم، حِفظًا للوَقتِ، ومُراعاتِهِ، فكلُّ من لم يجِدِ الماءَ، تيمَّم، المُسافِرُ بالنَّصِّ، والحاضِرُ بالمعنى، وكذلك المرِيضُ بالنَّصِّ، والصَّحِيحُ بالمعنى، والله أعلمُ. وقال الشّافِعيُّ (١): لا يجُوزُ للحاضِرِ الصَّحِيح أن يتيمَّمَ، إلّا أن يخاف التَّلفَ. وبه قال الطَّبرِيُّ. وقال أبو يُوسُف وزُفَرُ: لا يجُوزُ التَّيمُّمُ في الحَضَرِ، لا لمرضٍ، ولا لخوفِ خُرُوج الوَقْتِ (٢). وحجَّةُ هؤُلاءِ: أنَّ الله تعالى جعلَ التَّيمُّم رُخصةً للمَرِيضِ والمُسافِرِ، كالفِطرِ وقصِر الصَّلاةِ، ولم يُبِح التَّيمُّم إلّا بشَرطِ المرضِ أوِ السَّفرِ، فلا دُخُولَ للحاضِرِ في ذلك، لخُرُوجِهِ من شَرطِ الله تعالى ذكْرُه. والكلامُ بينَ الفرقِ في هذه المسألةِ طوِيلٌ، وبالله التَّوفِيقُ. وقال الشّافِعيُّ (٣) أيضًا واللّيثُ والطَّبرِيُّ: إذا عَدِمَ الماءَ في الحَضرِ مع خَوْفِ فوتِ الوَقْتِ للصَّحِيح والسَّقِيم، تيمَّم وصلَّى، ثُمَّ أعادَ.

стр. 6745

فَصْلٌ التَّيمُّمُ للمَرِيضِ والمُسافِرِ، إذا لم يجِدِ الماءَ، بالكِتابِ، والسُّنَّةِ، والإجماع، إلّا ما ذكرتُ لكَ في تيمُّم الجُنُبِ، فإذا وجدَ المرِيضُ، أوِ المُسافِرُ الماءَ، حرُم عليه التَّيمُّمُ، إلّا أن يخافَ المرِيضُ ذهابَ نفسِهِ، وتلفَ مُهجتِهِ، فيَجُوزُ لهُ حِينَئذٍ التَّيمُّمُ، مع وُجُودِ الماءِ بالسُّنَّةِ، لا بالكِتابِ، إلّا أن يتأوَّل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقد أجاز (١) رسُولُ الله ﷺ التَّيمُّم لعَمرِو بن العاصِ وهُو مُسافِرٌ، إذ خافَ الهلاكَ (٢) إنِ اغتسَلَ بالماءِ (٣). فالمرِيضُ أحْرَى بذلك، والله أعلمُ. وقال عَطاءُ بن أبي رباح: لا يتيمَّمُ المرِيضُ إذا وجَدَ الماءَ، ولا غيرُ المرِيضِ؛ لأنَّ الله يقولُ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٤) [النساء: ٤٣]. فلم يُبِح التَّيمُّم لأحَدٍ إلّا عِندَ فقدِ الماءِ، ولولا قَبُولُ الجُمهُورِ ما رُوِي من الأثَرِ، لكان (٥) قَوْلُ عَطاءٍ صحِيحًا، والله أعلمُ. واختلَفَ الفُقهاءُ أيضًا في التَّيمُّم، هل تُصلَّى به صَلَواتٌ، أم يَلْزمُ التَّيمُّمُ لكلِّ صَلاةٍ؟

стр. 6746

فقال مالكٌ (١): لا تُصَلَّى صلاتينِ بتيمُّم واحِدٍ إلّا أن تكونَ نافِلةً بعد مَكتُوبةٍ (٢). قال: وإن صلَّى رَكْعتيِ الفجرِ بتيمُّم الفَجْرِ، أعادَ التَّيمُّم لصلاةِ الفَجْرِ. وقال الشَّافِعيُّ (٣): يتيمَّمُ لكلِّ صلاةِ فَرْضٍ، ويصلِّي النّافِلةَ والفَرْض، وصلاةَ الجنائزِ بتيمُّم واحِدٍ، ولا يجمعُ بين صَلاتي فَرْضٍ بتيمُّم واحِدٍ لا في سَفرٍ، ولا في حضرٍ. وقال شرِيكُ بن عبدِ الله القاضِي: يتيمَّمُ لكلِّ صلاةٍ، نافِلةٍ وفَرِيضةٍ (٤). ولم يختَلِف قولُ مالكٍ وأصحابِهِ، فيمَنْ تيمَّمَ لصلاةٍ فصلّاها، فلمّا سلَّمَ منها، ذكرَ صلاةً نَسِيها، إنَّهُ يتيمَّمُ لها. واختَلَفُوا فيمن صلَّى صلاتي فَرْضٍ بتيمُّم واحِدٍ: فرَوَى يحيى، عن ابنِ القاسم، فيمن صلَّى صلواتٍ كثِيرةً بتيمُّم واحِدٍ: أنَّهُ يُعِيدُ ما زاد على واحِدةٍ في الوَقتِ، واستحبَّ أن يُعِيدَ أبدًا. وروى أبو زيدِ بن أبي الغَمْرِ عنهُ: أنَّهُ يُعِيدُها أبدًا (٥). وقال أصْبَغُ: إن جمَعَ بين صلاتينِ بتيمُّم واحِدٍ، نظرَ، فإن كانتا مُشْترِكتينِ في الوَقْتِ، أعاد الآخِرةَ في الوَقتِ، وإن كانتا غير مُشترِكتينِ، كالعصرِ والمغرِبِ، أعادَ الثّانِيةَ أبدًا.

стр. 6747

وذكرَ ابنُ عبدُوسٍ: أنَّ ابن نافِع روى عن مالكٍ، في الذي يجمعُ بين الصَّلاتينِ: أنَّهُ يتيمَّمُ لكلِّ صلاةٍ. وقال أبو الفَرَج في ذاكِرِ الصَّلواتِ: إن قَضاهُنَّ بتيمُّم واحِدٍ، فلا شيءَ عليه، وذلك جائزٌ لهُ. ولأصحابِ مالكٍ في هذا البابِ ضُرُوبٌ من الاضطِرابِ. ومن حُجَّةِ من رأى التَّيمُّم لكلِّ صلاةٍ: أنَّ الله أوجَبَ على كلِّ قائم إلى الصَّلاةِ طلَبَ الماءِ، وأوجَبَ عِندَ عدَمِهِ التَّيمُّم، وعلى المُتيمِّم عِندَ دُخُولِ وَقْتِ صلاةٍ أُخْرَى، ما عليهِ في الأُولى، وليسَتِ الطَّهارةُ بالصَّعِيدِ، كالطَّهارةِ بالماءِ، لأنَّها طَهارةٌ ناقِصةٌ، طَهارةُ ضرُورةٍ، لاسْتِباحةِ الصَّلاةِ قبلَ خُرُوج الوقتِ، بدليلِ إجماع المُسلِمِين على بُطلانِها بوُجُودِ الماءِ، وإن لم يُحدِث، وليسَ كذلك الطَّهارةُ بالماءِ، ألا ترَى أنَّ السُّنَّةَ المُجتَمعَ عليها قد وردَتْ بجوازِ صَلَواتٍ كثِيرةٍ، بوُضُوءٍ واحِدٍ بالماء؛ لأنَّ الوُضُوءَ الثّاني في حُكم الأوَّلِ، ليسَ بناقِضٍ لهُ، وليس كذلك إذا وُجِدَ الماءُ بعدَ التَّيمُّم، فلذلك أمر بطَلبِهِ لكلِّ صلاةٍ، وإذا طلَبهُ ولم يجِدهُ تيمَّم، بظاهِرِ قولِ الله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]. ولمّا أجمعُوا أنَّهُ لا يتيمَّمُ قبلَ دُخُولِ الوقتِ، دلَّ على أنَّهُ يلزمُهُ التَّيمُّمُ لكلِّ صَلاةٍ، لئَلّا تكونَ قبلَ دُخولِ الوَقتِ. وقال أبو حنِيفةَ والثَّورِيُّ واللَّيثُ والحسنُ بن حيٍّ وداودُ: يُصلِّي ما شاءَ بتيمُّم واحِدٍ، ما لم يُحدِث؛ لأنَّهُ طاهِرٌ ما لم يجِدِ الماءَ، وليس عليه طَلَبُ الماءِ إذا يئسَ منهُ (١). وللكلام في هذه المسألةِ وُجُوهٌ يطُولُ البابُ بذِكرِها، وفي التَّيمُّم مَسائلُ كثِيرةٌ هي فُرُوعٌ، لو أتينا بها، خرجنا عن شَرْطِنا، وبالله توفِيقُنا (٢).

стр. 6748

حديثٌ سادِسٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن القاسم مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، أنَّها قالَتْ: كُنتُ أُطيِّبُ رسُولَ الله ﷺ لإحرامِهِ قبلَ أن يُحرِمَ، ولحِلِّهِ قبلَ أن يطُوفَ بالبيتِ. قال أبو عُمر (٢): هذا حديثٌ صحِيحٌ ثابتٌ لا يختلِفُ أهلُ العِلم بالحديثِ في صِحَّتِهِ وثُبُوتِهِ. ولكنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في القولِ به، على حسَبِ ما ذكَرْناهُ في بابِ حُميدِ بن قيسٍ، من كِتابِنا هذا. وذكَرْنا اعتِلال كلِّ طائفةٍ لمذهَبِها في ذلك من جِهَةِ الأثرِ والنَّظرِ هُناك، وسَنذكُرُ هاهُنا فيه من جِهَةِ الأثرِ، ما لم يقَعْ هُناك، لتَكمُلَ الفائدة إن شاءَ الله. وهذا الحديثُ رُوِي عن عائشةَ من وُجُوهٍ: فممَّن رواهُ عنها: القاسمُ (٣)، وسالمٌ، وعُروةُ، والأسودُ، ومسرُوقٌ، وعمرةُ. وممَّن رواهُ عن القاسم: ابنُهُ عبدُ الرَّحمنِ، وأفلحُ بن حُميدٍ. ورواهُ عن عُروةَ: ابنُ شِهابٍ، وعُثمانُ بن عُروةَ، وهشامُ بن عُروةَ، ولم يَسْمعهُ هشامٌ من أبيهِ، إنَّما سَمِعهُ من أخِيهِ عُثمان، عن أبيهِ. ورَوَى هذا الحديث عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم: يحيى بن سعِيدٍ الأنصارِيُّ، ومنصُورُ بن زاذان (٤)، والثَّورِيُّ (٥)، وحمّادُ بن سلمةَ (٦)، وابنُ عُيينةَ وغيرُهُم.

стр. 6749

حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جعفرِ بن الوَردِ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن مخلدٍ العَطّارُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن يُونُس، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: طيَّبتُ رسُولَ الله ﷺ لحُرمِهِ قبلَ أن يُحرِمَ، ولحِلِّهِ قبلَ أن يحِلَّ (١). أخبرنا محمدُ بن إبراهيم بن سعِيدٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن شُعيبٍ، قال (٢): أخبرنا حُسينُ بن منصُورِ بن جعفرٍ النَّيسابُورِي، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن نُميرٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن سَعِيدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: طيَّبتُ رسُولَ الله ﷺ لإحرامِهِ حِينَ أحرمَ، ولحِلِّهِ حِينَ أحلَّ. وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ، قال (٣): أخبرنا أحمدُ بن حربٍ، قال: حدَّثنا ابنُ إدرِيسَ، عن يحيى بن سعِيدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: كُنتُ أُطيِّبُ رَسُولَ الله ﷺ بأطيبِ ما أجِدُ لحُرمِهِ، ولحِلِّهِ، وحِينَ يُرِيدُ أن يزُورَ البيتَ. وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٤): أخبرنا يَعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا

стр. 6750

هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا منصُورٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن القاسم، قال: قالت عائشةُ: طيَّبتُ رسولَ الله ﷺ قبلَ أن يُحرِمَ، ويومَ النَّحرِ قبلَ أن يطُوفَ بالبيتِ بطِيبٍ فيه مِسْكٌ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى بن عمر (١)، قال: حدَّثنا عليُّ بن حربٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ قالت: طيَّبتُ رسُولَ الله ﷺ بيديَّ هاتَيْنِ لحُرمِهِ حِينَ أحرمَ، ولحِلِّهِ قبلَ أن يطُوفَ بالبيتِ. قالت: ولا أعلمُ أنَّ المُحرِمَ يُحِلُّهُ غيرُ الطَّوافِ بالبيتِ (٢). حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا وجِيهُ بن الحسنِ، قال: حدَّثنا بكّارُ بن قتيبةَ، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ العَقَدِيُّ، قال: حدَّثنا أفلحُ بن حُميدٍ، عن القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ، قالت: طيَّبتُ رسُول الله ﷺ لإحرامِهِ حِينَ أحرمَ، ولحِلِّهِ قبلَ أن يطُوفَ بالبيتِ (٣).

стр. 6751

حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن خالدٍ، قال: حدَّثنا التَّمِيمِيُّ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسكِينٍ، قال: حدَّثنا سحنُونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني أُسامةُ بن زَيْدٍ وأفلحُ بن حُميدٍ، عن القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ، قالت: طيَّبتُ رسُولَ الله ﷺ بيديَّ لحُرمِهِ حِينَ أحرمَ، ولحِلِّهِ حِينَ حلَّ، قبلَ أن يطُوفَ بالبيتِ (١). قال ابنُ وَهْبٍ: وأخبرني أُسامةُ بن زيدٍ، قال: حدَّثني أبو بكر بن حَزْم، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ مِثلهُ (٢). أخبرنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن الزُّبيرِ الحُمَيْديُّ، قال (٣): حدَّثنا سُفيانُ، قال: سمِعتُ الزُّهرِيَّ يُحدِّثُ عن عُرْوةَ، عن عائشَةَ، قالت: طيَّبتُ رسُولَ الله ﷺ بيديَّ هاتَيْنِ لحُرمِهِ حِينَ أحرَمَ، ولحِلِّهِ قبلَ أن يطُوفَ بالبيتِ. ورواهُ الأوزاعِيُّ، عن الزُّهْريِّ بإسنادِهِ مثلَهُ، إلّا أنَّ بعضَ رُواةِ الأوزاعيِّ (٤) قال فيه عنهُ: عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ: وطيَّبتُهُ لإحلالِهِ طِيبًا لا يُشبِهُ طِيبكُم هذا. يعني ليسَ لهُ بقاءٌ. هكذا رواهُ ضَمْرةُ بن ربِيعةَ، عن الأوزاعِيِّ (٥).

стр. 6752

وكذلك (١) رواهُ عِيسى بن يُونُس، عن الأوزاعِيِّ بإسنادِهِ مِثلهُ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٢): حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن عُروةَ بن الزُّبيرِ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: طيَّبتُ رسُولَ الله ﷺ بيديَّ هاتَينِ بأطيبِ الطِّيبِ. قال أحمدُ بن زُهَيرٍ: قال لنا (٣) أبي: قال سُفيانُ بن عُيينةَ: قال عُثمانُ بن عُروةَ: هشامٌ يَرْوِيهِ عنِّي. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى بن عُمر بن علي بن حرب (٤)، قال: حدَّثنا عليُّ بن حربٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عُثمان بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قال: سألتُها بأيِّ شئٍ كُنتِ تُطيِّبِين رسُولَ الله ﷺ ؟ قالت: بأطْيَبِ الطِّيب. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بن أبي مَسرَّةَ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن ابنِ جُرَيج، قال:

стр. 6753

أخبَرني عُمرُ بن عبدِ الله بن عُرْوةَ، سمِعَ عُروةَ والقاسم بن محمدٍ يُخبِرانِ عن عائشةَ، قالت: طيَّبتُ رسُول الله ﷺ بالذَّرِيرةِ (١) في حَجَّةِ الوداع في الحِلِّ والإحرام (٢). أخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٣): حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا وكِيع، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: طيَّبتُ رسُول الله ﷺ بيديَّ هاتينِ بأطيبِ ما أجِدُ. أخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبِ، قال (٤): حدَّثنا أحمدُ بن يحيى بن الوزِيرِ (٥)، قال: حدَّثنا شُعَيبُ بن اللَّيثِ، عن أَبيهِ، عن هشام بن عُروةَ، عن عُثمان بن عُروةَ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: لقد (٦) كُنتُ أطيِّبُ رسُولَ الله ﷺ عِندَ إحرامِهِ بأطيبِ ما أجِدُ.

стр. 6754

أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا محمدُ بن الصَّبّاح، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن زكرِيّا، عن الحسنِ بن عُبيدِ الله، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عائشةَ، قالت: كأنِّي أنظُرُ إلى وَبِيصِ المِسْكِ في مفرِقِ رسُولِ الله ﷺ وهُو مُحرِم. ورواهُ الثَّورِيُّ (٢)، وشُعبةُ (٣)، عن منصُورٍ والأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عائشةَ مِثلهُ سواءً. إلّا أنَّهُم قالوا في موضِع "المِسكِ": "الطِّيب". ورواهُ عبدُ الرَّحمنِ بن الأسودِ، وأبو إسحاقَ، عن الأسودِ، عن عائشةَ مِثلهُ بمعناهُ (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ (٥) بن زِيادٍ،

стр. 6755

قال: حدَّثنا الحسنُ بن عُبيدِ الله، قال: حدَّثنا إبراهيمُ، عن الأسودِ، عن عائشةَ، قالت: كأنِّي أنظُرُ إلى وَبِيصِ المِسكِ في مَفرِقِ رسُولِ الله ﷺ وهُو مُحرِمٌ (١). حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن الفَرج أبو الزِّنباع، قال: حدَّثنا أبو زيدِ بن أبي الغَمرِ، قال: حدَّثنا يَعقُوبُ بن عبدِ الرَّحمنِ الزُّهْرِيُّ، عن موسى بن عُقْبةَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، عن عائشةَ، قالت: كُنتُ أُطيِّبُ رسُولَ الله ﷺ بالغالِيةِ (٢) الجيِّدةِ (٣). وهذا الحديثُ بهذا اللَّفظِ وهذا الإسنادِ، لم يروِهِ إلّا أبو زيدِ بن أبي الغَمْرِ، وقد أنكرُوهُ عليه. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا وكِيعٌ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن أبي الضُّحَى، عن مَسرُوقٍ، عن عائشةَ قالت: كأنِّي أنظُرُ إلى وَبِيصِ الطِّيبِ في مَفارِقِ رسُولِ الله ﷺ وهُو يُلبِّي (٤).

стр. 6756

حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عَمرٌو، عن سالم، عن عائشةَ، قالت: طيَّبتُ رسُولَ الله ﷺ لحُرمِهِ قبلَ أن يُحرِمَ، ولحِلِّهِ بعدَ ما رَمَى الجَمْرةَ، وقبلَ أن يزُورَ (١). حدَّثنا سعِيدُ بن نصير، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٢): حدَّثنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن الأسودِ، عن عائشةَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يتطيَّبُ قبلَ أن يُحرِمَ، فيُرى أثرُ الطِّيبِ في مفرِقِهِ بعد ذلك بثلاثٍ. أخبرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مَسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٣): حدَّثنا ابنُ فُضيل، عن عَطاءِ بن السّائبِ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عائشةَ، قالت: رأيتُ بَصِيصَ الطِّيبِ في مَفارِقِ رسُولِ الله ﷺ بعدَ ثلاثٍ، وهُو مُحرِمٌ. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ،

стр. 6757

قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ التِّرمذِيُّ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عطاءُ بن السّائب، عن إبراهيمَ النَّخعِيِّ، عن الأسودِ بن يزِيدَ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: رأيتُ الطِّيبَ في مَفارِقِ رسُولِ الله ﷺ بعدَ ثالِثةٍ، وهُو مُحرِمٌ. قال أبو عُمر: فذهَبَ قومٌ إلى القولِ بهذه الآثارِ، وقالوا: لا بأسَ أن يتطيَّبَ المُحرِمُ قبلَ إحرامِهِ بما شاءَ من الطِّيبِ، مِسكًا (٢) كان أو غيرهُ، ممّا يَبْقَى عليهِ بعدَ إحرامِهِ (٣)، ولا يضُرُّهُ بَقاؤُهُ عليه بعدَ إحرامِهِ إذا تطيَّبَ قبلَ إحرامِهِ؛ لأنَّ بقاءَ الطِّيبِ عليهِ، ليسَ بابتِداءٍ منهُ، وليسَ بمُتطيِّبٍ بعدَ الإحرام، وإنَّما المنهِيُّ عنهُ التَّطيُّبُ بعدَ الإحرام. قالوا: ولا بأس أن يَتَطيَّب أيضًا إذا رَمَى جَمْرةَ العقبةِ قبلَ أن يطُوفَ بالبيتِ. وحُجَّتُهُم فيما ذَهَبُوا إليه من ذلك كلِّهِ حديثُ عائشةَ هذا، وهُو حديثٌ ثابتٌ. وقد عمِلَتْ به عائشةُ (٤) ﵂، وجماعةٌ من الصَّحابةِ، منهُم: سعدُ بن أبي وقّاصٍ، وعبدُ الله بن عبّاسٍ، وعبدُ الله بن الزُّبيرِ، وعبدُ الله بن جعفرٍ، وأبو سعِيدٍ الخُدرِيُّ، وجماعةٌ من التّابِعين بالحِجازِ والعِراقِ. وإليه ذهَبَ الشّافِعيُّ وأصحابُهُ، والأوزاعِيُّ، والثَّورِيُّ، وأبو حَنِيفةَ، وأبو يُوسُف، وزُفَرُ. وبه قال أحمدُ بن حنبل، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وكلُّ هؤُلاءِ يقول: لا بأسَ أن يتطيَّبَ قبلَ أن يُحرِم، وبعدَ رميِ جَمْرةِ العَقَبةِ. قرأتُ على أحمد بن عبدِ الله بن محمدٍ، أنَّ أباهُ أخبَرهُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن

стр. 6758

يُونُسَ، قال: حدَّثنا بَقِيُّ بن مَخْلدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا أبو أُسامةَ، قال: حدَّثنا أسامةُ بن زيدٍ (٢)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيه (٣)، قال: رأيتُ عائشةَ تَنكُتُ في مَفارِقِها الطِّيب قبلَ أن تُحرِم، ثُمَّ تُحرِمُ. قال أبو بكرٍ: وحدَّثنا وكِيعٌ، عن محمدِ بن قَيْسٍ، عن الشَّعبِيِّ، قال: كان سَعْدٌ يَتَطيَّبُ عِندَ الإحرام بالذَّرِيرةِ (٤). وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، عن مَعْمرٍ، عن أيُّوبَ، عن عائشةَ بنتِ سَعْدٍ، عن سَعْدٍ مِثلهُ (٥). وذكرَ أبو بكرٍ (٦)، قال: حدَّثنا وكِيعٌ، عن عُيينةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن ابنِ عبّاسٍ وابنِ الزُّبيرِ: أنَّهُما كانا لا يَرَيانِ بالطِّيبِ عِندَ الإحرام بأسًا. قال (٧): وحدَّثنا وكِيعٌ عن محمدِ بن قيسٍ، عن الشَّعبِيِّ، قال: كان عبدُ الله بن جَعْفرٍ يُموِّتُ المِسكَ، ثُمَّ يجعلُهُ على يافُوخِهِ قبلَ أن يُحرِمَ. قال (٨): وحدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحى، قال: رأيتُ عبدَ الله بن الزُّبيرِ وفي رأسِهِ ولحيتِهِ من الطِّيبِ، وهُو مُحرِمٌ، ما لو كانَ لرجُل، لاتَّخذ منهُ رأسَ مال.

стр. 6759

قال (١): وحدَّثنا وكِيعٌ وأبو أُسامةَ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن ابنِ الزُّبيرِ، أنَّهُ كان يتطيَّبُ بالغالِيةِ الجيِّدةِ عِندَ إحرامِهِ. قال (٢): وحدَّثنا أبو أُسامةَ، عن سَعِيدٍ، عن قتادةَ: أنَّ ابن عبّاسٍ كان لا يَرَى بأسًا بالطِّيبِ عِندَ إحرامِهِ، ويومَ النَّحرِ. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، عن الأسلمِيِّ، عن إسحاقَ بن كعبِ بن عُجْرةَ، عن زينبَ: أنَّ أبا سعِيدٍ الخُدْرِيَّ كان يدَّهِنُ بالبانِ (٣) عِندَ الإحرام (٤). قال: وأخبَرنا الأسلمِيُّ، قال: أخبرني صالحٌ مولى التَّوأمةِ، أنَّهُ سمِعَ ابن عبّاسٍ يقولُ: إنِّي لأتطيَّبُ بأجودِ ما أجِدُ من الطِّيبِ إذا أردتُ أن أُحرِمَ، وإذا حَلَلتُ قبلَ أن أُفِيضَ. وذكر أبو بكرٍ، قال (٥): حدَّثنا وكِيعٌ، عن عليٍّ، عن كثِيرِ بن بسّام (٦)، عن ابنِ الحنفِيَّةِ، أنَّهُ كان يُغلِّفُ رأسهُ بالغالِيةِ الجيِّدةِ إذا أرادَ أن يُحرِمَ. وعبدُ الرَّزّاقِ، عن مَعْمرٍ، عن ابنِ شِهابٍ: أنَّ عُروةَ كان يتطيَّبُ عِندَ الإحرام بالبانِ والذَّرِيرةِ (٧).

стр. 6760

وهُو مذهبُ القاسم، والشَّعبِيِّ، وإبراهيمَ (١). وقال آخرُونَ، منهُم مالكٌ (٢) وأصحابُهُ: لا يجُوزُ أن يتطيَّبَ المُحرِمُ قبلَ إحرامِهِ بما تَبْقَى عليه رائحتُهُ بعدَ الإحرام، وإذا أحرمَ، حرُم عليه الطِّيبُ حتَّى يطُوفَ بالبيتِ. وهذا مذهبُ عُمر بن الخطّابِ، وعُثمان بن عفّان، وعبدِ الله بن عُمر، وعُثمان بن أبي العاصِ. وبه قال عطاءٌ، والزُّهرِيُّ، وسعِيدُ بن جُبيرٍ، والحسنُ، وابنُ سِيرِين. وإليه ذهب محمدُ بن الحسنِ صاحِبُ أبي حنِيفةَ، وهُو اختِيارُ الطَّحاوِيِّ (٣). وحُجَّةُ من ذهَبَ هذا المذهب من جِهَةِ الأثرِ: حديثُ يَعْلَى بن أُميَّةَ (٤)، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ أمرَ الرَّجُل الذي أحرمَ بعُمرةٍ وعليهِ طِيبٌ خَلُوقٌ أو غيرُهُ، وعليه جُبَّةٌ: أن ينزعَ عنهُ الجُبَّةَ، ويغسِلَ الطِّيب. وادَّعوُا الخُصُوصَ في حديثِ عائشةَ؛ لأنَّ رسُولَ الله ﷺ كان أملكَ النّاسِ لإربِهِ، ولأنَّ ما يُخافُ على غيرِهِ من تَذكُّرِ الجِماع الممنُوع منهُ في الإحرام، مأمُونٌ منهُ ﷺ . وقالوا: لو كانَ على عُمُومِهِ للنّاسِ عامَّةً، ما خَفِيَ على عُمر، وعُثمانَ، وابنِ عُمرَ، مع عِلْمِهِم بالمناسِكِ وغيرِها، وجَلالتِهِم في الصَّحابةِ، ومَوضِعُ عطاءٍ من عِلم المناسِكِ مَوضِعُهُ، ومَوْضِعُ الزُّهرِيِّ من عِلم الأثرِ مَوْضِعُهُ (٥). ذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ عُيَينةَ، عن ابنِ جُريج، عن عطاءٍ، قال: أخبَرني صفوانُ بن يَعْلى، أنَّ يعلَى كان يقولُ لعُمر: أرِني نَبِيَّ الله ﷺ حِين يُنزَّلُ

стр. 6761

عليهِ، فلمّا كان بالجِعرانةِ، وعلى النَّبيِّ ﷺ ثوب أُظِلَّ به عليهِ، معَ (١) خمسةِ ناسٍ من أصحابِهِ، منهُم: عُمرُ بن الخطّابِ، إذ جاءَ رجُلٌ عليهِ جُبَّةٌ، مُتضمِّخٌ بطِيبٍ، فقال: يا رسُولَ الله، كيفَ تَرى في رجُلٍ أحرمَ بعُمرةٍ في جُبَّةٍ، بعدَ ما تضمَّخَ بطِيبٍ؟ فسكَتَ ساعةً، فجاءَهُ الوَحْيُ، فأشارَ عُمرُ إلى يَعْلَى بيدِهِ: أن تعال، فجاءَ وأدخَلَ رأسهُ، فإذا النَّبيُّ ﷺ مُحمرُّ الوَجْهِ يغِطُّ كذلك ساعةً، ثُمَّ سرِّيَ عنهُ، فقال: "أين السّائلُ عن العُمرةِ آنِفًا؟ ". فالتُمِسَ الرَّجُلُ، فأُتي به، فقال النَّبيُّ ﷺ : "أمّا الطِّيبُ الذي بكَ فاغسِلهُ عنكَ ثلاث مرّاتٍ، وأمّا الجُبَّةُ فانْزِعها، ثُمَّ اصنَعْ في عُمرتِكَ، ما تَصْنعُ في حجِّك" (٢). قال ابنُ جُريج: كان عَطاءٌ يأخُذُ في الطِّيبِ للمُحرِم بهذا الحديثِ. قال ابنُ جُريج (٣): وكان عَطاءٌ يكرَهُ الطِّيبَ عِندَ الإحرام، ويقولُ: إن كانَ به شيءٌ منهُ، فليَغْسِلهُ وليُنقِّهِ، وكان يأخُذُ بشأنِ صاحِبِ الجُبَّةِ. قال ابنُ جُريج: وكان شأن صاحِبِ الجُبَّةِ قبلَ حجَّةِ الوداع، والآخِرُ فالآخِرُ من أمرِ رسُولِ الله ﷺ أحقُّ أن يُتَّبعَ (٤). قال أبو عُمر: مذهبُ ابنِ جُرَيج في هذا البابِ، خِلافُ مذهبِ عَطاءٍ، وحُجَّتُهُ أنَّ الآخِرَ ينسخُ الأوَّل، حُجَّةٌ صحِيحةٌ، ولا خِلافَ بينِ جماعةِ أهلِ العِلم بالسِّيرِ والأثرِ أنَّ قِصَّةَ صاحِبِ الجُبَّةِ كانت عامَ حُنينٍ بالجِعرانةِ، سنةَ ثمانٍ،

стр. 6762

وحَدِيثُ عائشةَ عامَ حِجَّةِ الوَداع، وذلك سنةَ عشرٍ، فإذا لم يَصِحَّ الخُصُوصُ في حديثِ عائشةَ، فالأمرُ فيه واضِحٌ جِدًّا. وقد ذكَرْنا خبر يعلى بن أُميَّةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، في قِصَّةِ صاحِبِ الجُبَّةِ، من طُرُقٍ شتَّى في بابِ حُميدِ بن قَيْسٍ من كِتابِنا هذا، وذكَرْنا هُناك كثِيرًا من اعتِلالِ الطّائفتينِ للمَذهبينِ، والحمدُ للّه. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، عن معمرٍ، أنَّهُ أخبرهُ عن الزُّهرِيِّ، عن سالم، عن أبيهِ، قال: وجد عُمرُ بن الخطّابِ طِيبًا وهُو بالشَّجرةِ، فقال: ما هذا الرِّيحُ؟ فقال مُعاويةُ: مِنِّي، طيَّبتني أُمُّ حبِيبةَ زوجُ النَّبيِّ ﷺ . فتغيَّظ عليه عُمرُ، وقال: مِنكَ! لعمرِي أقسمتُ عليكَ لترجِعنَّ إلى أُمِّ حبِيبةَ فلتغسِلَنَّهُ عنكَ كما طيَّبتكَ (١). وكان الزُّهرِيُّ يأخُذُ بقولِ عُمر فيهِ. ورَوَى مالكٌ (٢)، عن نافِع، عن أسلمَ مولى عُمرَ، عن عُمرَ: أنَّهُ وجدَ رِيح طِيبٍ وهُو بالشَّجَرةِ، فذكرَ مِثلهُ. ورواهُ أيُّوبُ، عن نافِع، عن أسلمَ، عن عُمر مِثلهُ سواءً، وزاد: قال: فرجَعَ مُعاويةُ إليها، حتَّى لحِقَهُم ببعضِ الطَّرِيقِ (٣). ومالكٌ (٤)، عن الصَّلتِ بن زُيَيدٍ (٥)، عن غيرِ واحِدٍ من أهلِهِ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ وجدَ رِيح طِيبٍ، وهُو بالشَّجرةِ، وإلى جَنبِهِ كثِيرُ بن الصَّلتِ، فقال عُمرُ:

стр. 6763

ممَّن هذه الرِّيحُ؟ فقال كثِيرٌ: مِنِّي، لبَّدتُ رأسِي، وأردتُ أن أحلِقَ. قال عُمرُ: فاذهَبْ إلى شَرَبةٍ فادلُك رأسكَ حتَّى تُنقِيهُ. ففعل كثِيرُ بن الصَّلتِ. قال أبو عُمر: الشَّرَبةُ، مُسْتَنقعُ الماءِ عِندَ أُصُولِ الشَّجرِ، حوضٌ يكونُ مِقدار ريِّها. وقال ابنُ وَهْبٍ: هُو الحوضُ حولَ النَّخلةِ، يجتمِعُ فيها الماءُ. وأنشدَ أهلُ اللُّغةِ في هذا المعنى، من شاهِدِ الشِّعرِ قول زُهَيرٍ (١): يَنْهضَنْ من شَرَباتٍ ماؤُها طَحِلٌ ... على الجُذُوع يخَفْنَ الغمَّ والغَرَقا وهذا ممّا عِيبَ على زُهيرٍ، وقالوا: أخطأ، لأنَّ خُرُوج الضَّفادِع من الماءِ ليسَ مخَافةَ الغرقِ، وإنَّما ذلك لأنَّهُنَّ يبِضْنَ على شُطُوطِ الماءِ. ومن هذا قولُ كُثيِّرِ عزَّةَ (٢): من الغُلبِ (٣) من عُضْدانِ هامةَ شُرِّبَت ... لسَقْيٍ وجمَّت للنَّواضِح بيرُها فمعنى قولِه: شُرِّبت: أي جُعِلت لها شَرَبٌ، والعَضِدُ، والعُضُدُ، والعُضدانِ، قالوا: بناتُ النَّخلِ، والشَّرباتُ: جمعُ شَرَبةٍ، والشُّربُ: جمعُ شُربٍ. وذكر أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٤): حدَّثنا وكِيعٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن قَيْسٍ، عن بُشَيْر بن يَسارٍ الأنصارِيِّ، قال: لمّا أحْرَمُوا، وجدَ عُمرُ رِيح طِيبٍ، فقال:

стр. 6764

فقال: ممَّن هذه الرِّيحُ؟ فقال البَراءُ بن عازِبٍ: مِنِّي يا أمِيرَ المُؤمِنِين. قال: قد عَلِمنا أنَّ امرأتكَ عَطِرةٌ (١) أو عِطّارةٌ، إنَّما الحاجُّ الأدْفَرُ (٢) الأغْبَرُ. قال (٣): وحدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن يحيى بن سعِيدٍ، عن الزُّهرِيِّ، أنَّ عُمر بن الخطّابِ دعا بثوبٍ، فأُتي بثوبٍ فيه رِيحُ طِيبٍ، فردَّهُ. ومالكٌ (٤)، عن نافِع وعبدِ الله بن دِينارٍ، عن عبدِ الله بن عُمر، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ خطَبَ النّاس بعرَفةَ، وعلَّمهُم أمرَ الحجِّ، وقال لهم فيما قال: إذا جِئتُم مِنًى، فمن رَمَى الجمرةَ، فقد حلَّ لهُ ما حرُمَ على الحاجِّ، إلّا النِّساءَ والطِّيب (٥)، لا يَمَسَّن أحدٌ نِساءً ولا طِيبًا حتَّى يطُوفَ بالبيتِ. وكِيعٌ، عن شُعبةَ، عن سَعْدِ بن إبراهيمَ، عن أبيهِ: أنَّ عُثمانَ ﵁ رأى رجُلًا قد تَطيَّبَ عِندَ الإحرام، فأمَرهُ أن يَغسِلَ رأسهُ بطِينٍ (٦). وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: أخبَرنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٧): أخبَرنا هنّادُ بن السَّرِيِّ، عن وَكِيع، عن مِسْعَرٍ وسُفيانَ، عن إبراهيمَ بن محمدِ بن المُنتشِرِ، عن أبيهِ، قال: سَمِعتُ ابن عُمرَ

стр. 6765

يقولُ: لأن أُصبِحَ مَطْلِيًّا بقَطِرانٍ، أحبُّ إليَّ من أن أُصبِحَ مُحرِمًا أنضخُ طِيبًا. فدخلتُ على عائشةَ فأخبرتُها بقولِهِ، فقالت: طيَّبتُ رسُولَ الله ﷺ ، فطافَ في نِسائهِ، ثُمَّ أصبَحَ مُحرِمًا. قال (١): وأخبَرنا حُميدُ بن مَسْعدةَ، عن بِشْرِ بن المُفضَّلِ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن إبراهيمَ بن محمدِ بن المُنتشِرِ، عن أبيهِ، قال: سألتُ ابن عُمرَ عن الطِّيبِ عِندَ الإحرام، فقال: لأن أُطْلَى بالقَطِرانِ، أحبُّ إليَّ من ذلك، فذكرتُ ذلك لعائشةَ، فقالت: يَرْحمُ الله أبا عبدِ الرَّحمنِ، قد كُنتُ أُطيِّبُ رسُولَ الله ﷺ فيطُوفُ على نِسائهِ، ثُمَّ يُصبِحُ يَنْضخُ طِيبًا. قد ذكَرْنا ما للعُلماءِ في معنى قولِهِ في هذا الحديثِ: ينضخُ طِيبًا. وتَقصَّينا القولَ في الطِّيبِ للمُحرِم، بما في ذلك من الاعتِلالِ، والنَّظرِ، ومعاني الأثرِ مُمهَّدًا، ذلك كلُّهُ في بابِ حُميدِ بن قَيْسٍ من كِتابِنا هذا، فلا معنًى لإعادةِ ذلك هاهُنا. وذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن الزُّهرِيِّ، عن سالم، قال: كان ابنُ عُمرَ يَترُكُ المُجْمَرَ قبلَ الإحرام بجُمعتينِ (٢). وأبو بكرٍ، قال (٣): حدَّثنا عبدُ الأعلى، عن بُردٍ، عن نافِع، عن ابنِ عُمر: أنَّهُ كان إذا أراد أن يُحرِمَ، تركَ إجمار ثِيابِهِ قبل ذلك بخمسَ عشْرةَ. قال (٤): وحدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ القطّانُ، عن ابنِ جُرَيج، عن عَطاءٍ: أنَّهُ كرِهَ الطِّيبَ عِندَ الإحرام، وقال: إن كانَ به منهُ شيءٌ، فليغسِلهُ وليُنقِّهِ.

стр. 6766

قال (١): وحدَّثنا عبدُ الله بن نُميرٍ، عن عبدِ الملكِ، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ: أنَّهُ كان يَكْرهُ للمُحرِم حِينَ يُحرِمُ أن يدَّهِن بدُهنٍ فيه مِسكٌ، أو أفواهٌ (٢)، أو عَنْبرٌ (٣). قال (٤): وحدَّثنا عبدُ الأعلى، عن هشام، عن محمدٍ: أَنَّهُ كان يَكْرهُ أن يتطيَّبَ الرَّجُلُ عِندَ إحرامِهِ. قال (٥): وحدَّثنا عبدُ الأعلى، عن هشام، عن الحَسَنِ مِثل ذلك، ومحبُّ أن يجيء (٦) أشعَثَ أغبَرَ. قال أبو عُمر: قد أجمعُوا على أَنَّهُ لا يجُوزُ للمُحرِم بعدَ أن يُحرِمَ، أن يَمسَّ شيئًا من الطِّيبِ، حتَّى يَرْمِي جمرةَ العَقَبةِ. واختَلَفُوا في ذلك إذا رَمَى جَمْرةَ العقبةِ قبلَ أن يطُوفَ بالبيتِ، على ما ذكَرْنا. وأجمعُوا أنَّهُ إذا طافَ بالبيتِ طوافَ الإفاضَةِ يومَ النَّحرِ، بعدَ رميِ جَمْرةِ العَقَبةِ: أنَّهُ قد حلَّ لهُ الطِّيبُ، والنِّساءُ، والصَّيدُ، وكلُّ شيءٍ، وتمَّ حِلُّهُ، وقَضَى حجَهُ. وهاهُنا مسائلُ كثِيرةٌ، للعُلماءِ فيها تنازُعٌ على أُصُولِهِم، هي فُرُوعٌ ليس من شَرْطِنا ذِكرُها. وفي هذا البالبِ للفُقهاءِ حُجَجٌ من جِهَةِ النَّظرِ، قد ذكَرْنا منها ما عليهِ مَدارُ

стр. 6767

البابِ، عِندَ ذِكرِ حديث حُميدِ بن قيسٍ، عن عطاءٍ، في قِصَّةِ الأعرابيِّ صاحِبِ الجُبَّةِ (١). لا وجهَ لإعادَتِها هاهُنا. وجُملةُ القَولِ على مذهبِ مالكٍ في هذا البابِ: أنَّ الطِّيبَ عِندَهُ للإحرام، وبعدَ العَقَبةِ ليس بحرام، وإنَّما هُو مَكرُوهٌ. ومالَ فيه إلى اتِّباع عُمرَ، وابنِ عُمرَ، لقُوَّةِ ذلك عِندهُ، وباللّه التَّوفِيقُ. ذكر مالكٌ (٢)، عن يحيى بن سعِيدٍ، وعبدِ الله بن أبي بكرٍ، وربِيعةَ: أنَّ الولِيدَ بن عبدِ الملكِ سألَ سالم بن عبدِ الله، وخارِجةَ بن زيدِ بن ثابتٍ، بعدَ أن رَمَى الجَمْرةَ، وحلَقَ رأسهُ، وقبلَ أن يُفِيضَ، عن الطِّيبِ، فنهاهُ سالمٌ، وأرخصَ لهُ خارِجةُ. ورَوَى جماعةٌ عن مالكٍ: أنَّهُ أخذَ في هذه المسألةِ بقولِ خارِجةَ، ولم يَرَ على من تطيَّبَ بعدَ رَمْيِ جَمْرةِ العَقَبةِ، وقبلَ أن يطُوفَ طوافَ الإفاضَةِ شيئًا، وإن كان يُكرَهُ لهُ ذلك. وأخْذُهُ في هذا بقولِ خارِجةَ، تركٌ لقولِ عُمرَ ومذهبِهِ في ذلك؛ لأنَّ عُمرَ قال: من رَمَى جمرةَ العَقَبةِ، فقد حلَّ لهُ كلُّ شيءٍ إلّا النِّساءَ، والطِّيب. ومَعلُومٌ أنَّهُ إذا لم يحِلَّ لهُ الطِّيبُ، فهُو حرامٌ عليه، وتلزمُهُ الفِدْيةُ إن تطيَّبَ قبلَ الإفاضةِ، على مَذهبِ عُمرَ. وقد خالَفَ مالكٌ عُمرَ أيضًا، في معنى حديثهِ هذا؛ لأنَّ مالكًا يقولُ: لا يحِلُّ الاصْطِيادُ لمن رَمَى جمرةَ العَقَبةِ، حتَّى يطُوفَ طوافَ الإفاضَةِ (٣). وقد قال عُمرُ: إلّا النِّساءَ والطِّيب. ولم يَقُل: والصَّيد.

стр. 6768

وزعمَ بعضُ أصحابِ مالكٍ: أنَّ ذلك المَوْضِع لم يَكُن مَوْضِع صيدٍ، فلذلك اسْتَغنى عن ذِكرِهِ عُمرُ ﵀، وحُجَّةُ مالكٍ، قولُ الله : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. ومن لم يُفِضْ، لم يحِلَّ كلَّ الحِلِّ، لأنَّهُ حَرامٌ من النِّساءِ عِندَ الجميع. وقال الشّافِعيُّ (١) وجماعةٌ: من رمى جمرةَ العَقَبة، فقد حلَّ لهُ كلُّ شيءٍ، إلّا النِّساءَ. قال أبو عُمر: فإذا طافَ طوافَ الإفاضَةِ، فقد تمَّ حَجُّهُ، وحلَّ لهُ كلُّ شيءٍ بإجماع، وإنَّما رخَّص الشّافِعيُّ، ومن تابَعهُ في الطِّيبِ، لمن رَمَى جمرةَ العَقَبةِ، لحديثِ عائشةَ: طيَّبتُ رسُولَ الله ﷺ لإحرامِهِ قبلَ أن يُحرِمَ، ولحِلِّهِ قبلَ أن يطُوفَ بالبيتِ. تُرِيدُ بعدَ رَمْيِ جَمْرةِ العَقَبةِ. ورخَّصَ في الصَّيدِ، من أجلِ قولِ عُمرَ: إلّا النِّساءَ، والطِّيب. ولم يقُل: والصَّيد. وقد قال الله : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. ومن رَمَى جمرةَ العَقَبةِ، فقد حلَّ لهُ الحِلاقُ والتَّفثُ كلُّهُ بإجماع (٢). وفي هذه المسألةِ ضُرُوبٌ من الاعتِلالِ تركتُها، واللّه المُستعانُ.

стр. 6769

حديثٌ سابغٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن القاسم مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمن بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ: أنَّ صفِيَّةَ بنت حُييٍّ حاضَتْ، فذَكرُوا ذلك للرَّسُولِ ﷺ ، فقال: "أحابِستُنا هي؟ " فقيلَ (٢): إنَّها قد أفاضَتْ. قال: "فلا إذَنْ". صفِيَّةُ هذه بنتُ حُييِّ بن أخْطَبَ، إحْدَى أزواج النَّبيِّ ﷺ ، قد ذكَرْناها وأخبارها في كِتابِ النِّساءِ من كِتابِ "الصَّحابةِ" (٣). وقد مَضَى القولُ في مَعاني هذا الحديثِ، وما فيه للسَّلفِ والخَلَفِ من المذاهِبِ والوُجُوهِ، في بابِ عبدِ الله بن أبي بكرٍ، عن أبيهِ. من كِتابِنا هذا، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهُنا إن شاء اللهُ تعالى (٤).

стр. 6770

حديثٌ ثامنٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن القاسم مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن أسماءَ بنتِ عُمَيسٍ: أنَّها ولدَتْ محمد بن أبي بكرٍ بالبَيْداءِ، فذكرَ ذلك أبو بكرٍ لرسُولِ الله ﷺ ، فقال: "مُرْها فلتَغْتسِل، ثُمَّ لتُهلَّ". قال أبو عُمر (٢): هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" مُرسلًا عِندَ جماعةِ الرُّواةِ، عن مالكٍ، لم يختلِفُوا فيه فيما عَلِمتُ، إلّا أنَّ بعضَ رُواةِ "المُوطَّأ" يقولُ فيهِ: عن مالكٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، أنَّ أسماءَ. منهم (٣): أبو مُصعَب، وأبو بُكَيْر، وابن مَهْدي، ويحيى بن يحيى النَّيسابوري (٤)، وبعضُهُم يقولُ فيهِ: عن أسماءَ: أنَّها ولدت. والقاسمُ لم يلقَ أسماءَ بنت عُمَيسٍ، فهُو مُرسل في رِوايةِ مالكٍ. وقد أسنده وجَوّده سُليمانُ بن بلالٍ (٥)؛ حدَّثنا (٦) سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا خالدُ بن مخلدٍ، عن سُليمانَ بن بلال، قال: حدَّثني يحيى بن سعِيدٍ، قال: سمِعتُ القاسم بن محمدٍ، يُحدِّثُ عن أبيهِ، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ: أنَّهُ خرَجَ حاجًّا معَ رسُولِ الله ﷺ ومَعهُ امرأتَهُ أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ، فولدَتْ بالشَّجَرَةِ (٧) محمد بن

стр. 6771

أبي بكرٍ، فأتَى أبو بكرٍ النَّبيَّ ﷺ فأخبَرهُ، فأمَرهُ رسُولُ الله ﷺ أن يأمُرها أن تَغتسِلَ، ثُمَّ تُهِلَّ بالحجِّ، ثُمَّ تصنَعَ ما يصنعُ النّاسُ، إلّا أنَّها لا تطُوفُ بالبيتِ (١). وقد رُوِي عن سَعِيدِ بن المُسيِّبِ أيضًا من وُجُوهٍ صِحاح، وهُو أيضًا مُرسل. ومنهُم من يجعلُ حديث سعِيدٍ من قولِ أبي بكرٍ. كذلك رواهُ ابنُ عُيينةَ، عن عبدِ الكرِيم الجَزَرِيِّ ويحيى بن سعِيدٍ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ: أنَّ أسماءَ بنت عُمَيسٍ نُفِسَتْ بذي الحُليفةِ بمُحمدِ (٢) بن أبي بكرٍ، فأمَرَها أبو بكرٍ أن تغتسِلَ، ثُمَّ تُهِلَّ (٣). ورواهُ ابنُ وَهْبٍ (٤)، عن اللَّيثِ بن سعدٍ، ويُونُس بن يزِيد، وعمرِو بن الحارِثِ، أنَّهُم أخبَرُوهُ عن ابنِ شِهابِ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمرَ أسماءَ بنت عُمَيسِ أم (٥) عبدِ اللهَ بن جَعْفرٍ، وكانت عارِكًا (٦)، أن تغتسِلَ، ثُمَّ تُهِلَّ بالحجِّ. قال ابنُ شِهابٍ: فلتَفْعلِ المرأةُ في العُمْرةِ ما تفعلُ في الحجِّ. ورُوِي هذا الحديثُ مُتَّصِلًا من وُجُوهٍ حِسانٍ (٧) من حديثِ عائشةَ، وجابرٍ، وابنِ عُمر.

стр. 6772

أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا عَبْدةُ، عن عُبيدِ الله، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: نُفِسَتْ أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ بمُحمدِ (٢) بن أبي بكرٍ بالشَّجَرةِ، فأمَرَ رسُولُ الله ﷺ أبا بكرٍ أن تَغْتسِلَ (٣)، وتُهِلَّ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ وأحمدُ بن زُهَيرٍ (٤)، قالا: حدَّثنا إسحاقُ بن محمدٍ الفَرْوِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُمرَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ أبا بكرٍ خرَجَ مع النَّبيِّ ﷺ ومعهُ أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ، حتَّى إذا كان بذي الحُلَيفةِ، ولدَتْ أسماءُ محمد بن أبي بكرٍ، فاسْتَفتى لها أبو بكرٍ النَّبيَّ ﷺ فقال: مُرْها فلتَغْتسِل، ثُمَّ تُهِلَّ. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ (٥)، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن محمدٍ الفَرْوِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُمرَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، فذَكَرهُ. ولهذا الاختِلافِ في إسنادِ هذا الحديثِ أرسلهُ مالكٌ، واللّهُ أعلمُ، فكثِيرًا ما كان يصنعُ ذلك.
следующие страницы →