← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6768–6807 · переход к 6773.

стр. 6768

وزعمَ بعضُ أصحابِ مالكٍ: أنَّ ذلك المَوْضِع لم يَكُن مَوْضِع صيدٍ، فلذلك اسْتَغنى عن ذِكرِهِ عُمرُ ﵀، وحُجَّةُ مالكٍ، قولُ الله : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. ومن لم يُفِضْ، لم يحِلَّ كلَّ الحِلِّ، لأنَّهُ حَرامٌ من النِّساءِ عِندَ الجميع. وقال الشّافِعيُّ (١) وجماعةٌ: من رمى جمرةَ العَقَبة، فقد حلَّ لهُ كلُّ شيءٍ، إلّا النِّساءَ. قال أبو عُمر: فإذا طافَ طوافَ الإفاضَةِ، فقد تمَّ حَجُّهُ، وحلَّ لهُ كلُّ شيءٍ بإجماع، وإنَّما رخَّص الشّافِعيُّ، ومن تابَعهُ في الطِّيبِ، لمن رَمَى جمرةَ العَقَبةِ، لحديثِ عائشةَ: طيَّبتُ رسُولَ الله ﷺ لإحرامِهِ قبلَ أن يُحرِمَ، ولحِلِّهِ قبلَ أن يطُوفَ بالبيتِ. تُرِيدُ بعدَ رَمْيِ جَمْرةِ العَقَبةِ. ورخَّصَ في الصَّيدِ، من أجلِ قولِ عُمرَ: إلّا النِّساءَ، والطِّيب. ولم يقُل: والصَّيد. وقد قال الله : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. ومن رَمَى جمرةَ العَقَبةِ، فقد حلَّ لهُ الحِلاقُ والتَّفثُ كلُّهُ بإجماع (٢). وفي هذه المسألةِ ضُرُوبٌ من الاعتِلالِ تركتُها، واللّه المُستعانُ.

стр. 6769

حديثٌ سابغٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن القاسم مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمن بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ: أنَّ صفِيَّةَ بنت حُييٍّ حاضَتْ، فذَكرُوا ذلك للرَّسُولِ ﷺ ، فقال: "أحابِستُنا هي؟ " فقيلَ (٢): إنَّها قد أفاضَتْ. قال: "فلا إذَنْ". صفِيَّةُ هذه بنتُ حُييِّ بن أخْطَبَ، إحْدَى أزواج النَّبيِّ ﷺ ، قد ذكَرْناها وأخبارها في كِتابِ النِّساءِ من كِتابِ "الصَّحابةِ" (٣). وقد مَضَى القولُ في مَعاني هذا الحديثِ، وما فيه للسَّلفِ والخَلَفِ من المذاهِبِ والوُجُوهِ، في بابِ عبدِ الله بن أبي بكرٍ، عن أبيهِ. من كِتابِنا هذا، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهُنا إن شاء اللهُ تعالى (٤).

стр. 6770

حديثٌ ثامنٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن القاسم مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن أسماءَ بنتِ عُمَيسٍ: أنَّها ولدَتْ محمد بن أبي بكرٍ بالبَيْداءِ، فذكرَ ذلك أبو بكرٍ لرسُولِ الله ﷺ ، فقال: "مُرْها فلتَغْتسِل، ثُمَّ لتُهلَّ". قال أبو عُمر (٢): هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" مُرسلًا عِندَ جماعةِ الرُّواةِ، عن مالكٍ، لم يختلِفُوا فيه فيما عَلِمتُ، إلّا أنَّ بعضَ رُواةِ "المُوطَّأ" يقولُ فيهِ: عن مالكٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، أنَّ أسماءَ. منهم (٣): أبو مُصعَب، وأبو بُكَيْر، وابن مَهْدي، ويحيى بن يحيى النَّيسابوري (٤)، وبعضُهُم يقولُ فيهِ: عن أسماءَ: أنَّها ولدت. والقاسمُ لم يلقَ أسماءَ بنت عُمَيسٍ، فهُو مُرسل في رِوايةِ مالكٍ. وقد أسنده وجَوّده سُليمانُ بن بلالٍ (٥)؛ حدَّثنا (٦) سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا خالدُ بن مخلدٍ، عن سُليمانَ بن بلال، قال: حدَّثني يحيى بن سعِيدٍ، قال: سمِعتُ القاسم بن محمدٍ، يُحدِّثُ عن أبيهِ، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ: أنَّهُ خرَجَ حاجًّا معَ رسُولِ الله ﷺ ومَعهُ امرأتَهُ أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ، فولدَتْ بالشَّجَرَةِ (٧) محمد بن

стр. 6771

أبي بكرٍ، فأتَى أبو بكرٍ النَّبيَّ ﷺ فأخبَرهُ، فأمَرهُ رسُولُ الله ﷺ أن يأمُرها أن تَغتسِلَ، ثُمَّ تُهِلَّ بالحجِّ، ثُمَّ تصنَعَ ما يصنعُ النّاسُ، إلّا أنَّها لا تطُوفُ بالبيتِ (١). وقد رُوِي عن سَعِيدِ بن المُسيِّبِ أيضًا من وُجُوهٍ صِحاح، وهُو أيضًا مُرسل. ومنهُم من يجعلُ حديث سعِيدٍ من قولِ أبي بكرٍ. كذلك رواهُ ابنُ عُيينةَ، عن عبدِ الكرِيم الجَزَرِيِّ ويحيى بن سعِيدٍ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ: أنَّ أسماءَ بنت عُمَيسٍ نُفِسَتْ بذي الحُليفةِ بمُحمدِ (٢) بن أبي بكرٍ، فأمَرَها أبو بكرٍ أن تغتسِلَ، ثُمَّ تُهِلَّ (٣). ورواهُ ابنُ وَهْبٍ (٤)، عن اللَّيثِ بن سعدٍ، ويُونُس بن يزِيد، وعمرِو بن الحارِثِ، أنَّهُم أخبَرُوهُ عن ابنِ شِهابِ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أمرَ أسماءَ بنت عُمَيسِ أم (٥) عبدِ اللهَ بن جَعْفرٍ، وكانت عارِكًا (٦)، أن تغتسِلَ، ثُمَّ تُهِلَّ بالحجِّ. قال ابنُ شِهابٍ: فلتَفْعلِ المرأةُ في العُمْرةِ ما تفعلُ في الحجِّ. ورُوِي هذا الحديثُ مُتَّصِلًا من وُجُوهٍ حِسانٍ (٧) من حديثِ عائشةَ، وجابرٍ، وابنِ عُمر.

стр. 6772

أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا عَبْدةُ، عن عُبيدِ الله، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: نُفِسَتْ أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ بمُحمدِ (٢) بن أبي بكرٍ بالشَّجَرةِ، فأمَرَ رسُولُ الله ﷺ أبا بكرٍ أن تَغْتسِلَ (٣)، وتُهِلَّ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ وأحمدُ بن زُهَيرٍ (٤)، قالا: حدَّثنا إسحاقُ بن محمدٍ الفَرْوِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُمرَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ أبا بكرٍ خرَجَ مع النَّبيِّ ﷺ ومعهُ أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ، حتَّى إذا كان بذي الحُلَيفةِ، ولدَتْ أسماءُ محمد بن أبي بكرٍ، فاسْتَفتى لها أبو بكرٍ النَّبيَّ ﷺ فقال: مُرْها فلتَغْتسِل، ثُمَّ تُهِلَّ. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ (٥)، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن محمدٍ الفَرْوِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُمرَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، فذَكَرهُ. ولهذا الاختِلافِ في إسنادِ هذا الحديثِ أرسلهُ مالكٌ، واللّهُ أعلمُ، فكثِيرًا ما كان يصنعُ ذلك.

стр. 6773

وقد رَوَى قِصَّةَ أسماءَ هذه جعفرُ بن محمدٍ، عن أبيهِ، عن جابرٍ في الحديثِ الطَّوِيلِ (١)، وهُو حديثٌ صحِيحٌ. ورَوَى ابنُ عبّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ في الحائضِ والنُّفساءِ هذا المعنى (٢). وهُو صحِيحٌ مُجتَمعٌ عليه لا خِلافَ بين العُلماءِ فيه، كلُّهُم يأمُرُ النُّفساءَ بالاغتِسالِ، على ما في هذا الحديثِ، وتُهِلُّ بحَجِّها (٣)، وعُمرتِها، وهي كذلك، وحُكمُها حُكمُ الحائضِ، تقضِي المناسِك كلَّها وتَشهَدُها، غير أنَّها لا تَطُوفُ بالبيتِ حتَّى تطهُرَ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بن عيسى (٥) وإسماعيلُ بن إبراهيم أبو مَعْمرٍ، قالا: حدَّثنا مَرْوانُ بن شُجاع، عن خُصَيفٍ، عن عِكْرِمةَ ومُجاهِدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عبّاسٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "النُّفساءُ والحائضُ إذا أَتَتا على الوَقْتِ تَغْتسِلانِ، وتُحرِمانِ، وتَقْضِيانِ المناسِك كلَّها، غيرَ الطَّوافِ بالبيتِ". قال أبو داودَ: ولم يذكُرِ ابن عِيسى: عِكرِمةُ ومُجاهِدٌ. قال: عن عطاءٍ، عن ابنِ عبّاسٍ.

стр. 6774

قال أبو عُمر: في أمرِ رسُولِ الله ﷺ أسماءَ، وهي نُفساءُ بالغُسلِ عِندَ الإهلالِ (١)، وقولِهِ في الحائضِ والنُّفساءِ: أنَّهُما تغتسِلانِ، ثُمَّ تُحرِمانِ. دليلٌ على تأكِيدِ الغُسلِ للإحرام، إلّا أنَّ جُمهُورَ أهلِ العِلم لا يُوجِبُونهُ، وهُو عِندَ مالكٍ وأصحابِهِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ، لا يُرخِّصُونَ في تَرْكِها، إلّا من عُذْرٍ بيِّنٍ. ورَوَى ابنُ نافِع، عن مالكٍ (٢): أنَّهُ استحبَّ الأخذَ بقولِ ابنِ عُمرَ في الاغتِسالِ للإهلالِ بذي الحُليفةِ، وبذي طُوًى، لدُخُولِ مكَّةَ، وعِندَ الرَّواح إلى عَرَفةَ. قال: ولو تَرَكهُ تارِكٌ من (٣) عُذرٍ، لم أر عليه شيئًا. وقال ابنُ القاسم (٤): لا يترُكُ الرَّجُلُ ولا المرأةُ الغُسلَ عِندَ الإحرام إلّا من ضرُورةٍ. قال: وقال مالكٌ (٥): إنِ اغتسَلَ بالمدِينةِ وهُو يُرِيدُ الإحرام، ثُمَّ مَضَى من فورِهِ إلى ذي الحُليفةِ فأحرمَ، فأرى غُسلهُ مُجزِيًا عنهُ. قال: وإنِ اغتسَلَ بالمدِينةِ غُدوةً، ثُمَّ أقامَ إلى العشِيِّ، ثُمَّ راح إلى ذي الحُليفةِ فأحرَمَ. قال: لا يُجزِئُهُ الغُسلُ إلّا أن يغتسِلَ، ويركَبَ من فَورِهِ، أو يأتي ذا الحُليفةِ فيَغْتسِل إذا أرادَ الإحرامَ. قال أحمدُ بن المُعذَّلِ، عن عبدِ الملكِ بن الماجِشُونِ: الغُسلُ عِندَ الإحرام لازِمٌ، إلّا أنَّهُ ليسَ في تركِهِ ناسِيًا، ولا عامِدًا دمٌ، ولا فِديةٌ. قال: وإن ذكَرهُ بعدَ الإهلالِ، فلا أرى عليه غُسْلًا، ولم أسمع أحدًا قالهُ. قال: والحائضُ تَغتسِلُ لأنَّها من أهلِ الحجِّ، وكذلك النُّفساءُ، تَغْتسِلانِ للإحرام، أو للوُقوفِ بعرَفةَ.

стр. 6775

وقال ابنُ نافِع، عن مالكٍ: لا تَغتسِلُ الحائضُ بذي طُوًى؛ لأنَّها لا تطُوفُ بالبيتِ. وقد رُوِي عن مالكٍ أنَّها تغتسِلُ كما تغتسِلُ غيرُ الحائضِ، وإن لم تَطُف. وذكَرَ ابنُ خُوَيْزمَنْداد: أنَّ مذهَبَ مالكٍ في الغُسلِ للإهلالِ: أَنَّهُ سُنَّةٌ. قال: وهُو أوكَدُ عِندهُ من غُسلِ الجُمُعةِ. قال (١): ولا يجُوزُ تركُ السُّنَّةِ اختِيارًا. قال: ومن تَرَكهُ فقد أساءَ، وإحرامُهُ صحِيحٌ، كمن صلَّى الجُمُعةَ على غيرِ غُسلٍ. قال: وقال الشّافِعيُّ (٢): يَنْبغِي لمن (٣) أرادَ الإحرامَ أن يغتسِلَ، فإن لم يَفْعل فقد أساءَ إن تَعمَّدَ ذلك، ولا شيءَ عليه. قال: وقال أبو حنِيفةَ والأوزاعِيُّ والثَّورِيُّ (٤): يُجزِئُهُ الوُضُوءُ. وهُو قولُ إبراهيم (٥). وقال أهلُ الظّاهِرِ: الغُسلُ عِندَ الإهلالِ واجِبٌ على كلِّ من أرادَ أن يُحرِمَ بالحجِّ، طاهِرًا كان أو غير طاهِرٍ. وقد رُوِي عن الحسنِ البَصْرِيِّ ما يدُلُّ على هذا المذهبِ. قال الحسنُ: إذا نَسِي الغُسلَ عِندَ إحرامِهِ، فإنَّهُ يَغتسِلُ إذا ذكَرَه. وقد رُوِي عن عطاءٍ إيجابُهُ، ورُوِي عنهُ أنَّ الوُضُوءَ يَكْفِي عنهُ (٦).

стр. 6776

حديثٌ تاسعٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن القاسم مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عبدِ الرَّحمنِ ومُجمِّع ابني يزِيد بن جارِيةَ الأنصاريِّ (٢)، عن خَنْساءَ بنتِ خِذام الأنصارِيَّةِ: أنَّ أباها زوَّجها وهي ثيِّبٌ، فكرِهَتْ ذلك، فجاءَتْ رسُولَ الله ﷺ فذكرَتْ ذلك لهُ، فردَّ نِكاحَها. قال أبو عُمر (٣): قد جَرَى من ذِكرِ خَنْساءَ في كِتابِ "الصَّحابةِ" (٤) ما فيه كِفايةٌ. وهذا حديثٌ صحِيحٌ مُجتَمعٌ على صِحَّتِهِ، وعلى القولِ به؛ لأنَّ القائلِينَ: لا نِكاحَ إلّا بولِيٍّ. يقولُونَ: إنَّ الثَّيِّبَ لا يُزوِّجُها وليُّها، أبًا كان أو غيرهُ إلّا بإذنِها ورِضاها. ومن قال: ليسَ للولِيِّ مع الثَّيِّبِ أمرٌ. فهُو أحْرَى باستِعمالِ هذا الحديثِ، وكذلك الذين أجازُوا النِّكاحَ بغيرِ وليٍّ. وقد ذكَرْنا القائلِينَ بهذه الأقوالِ كلِّها، وذكَرْنا وُجُوهَها، والاعتِلالِ لها، في بابِ عبدِ الله بن الفضلِ. ومدارُ هذا الحديثِ ومَعناهُ، الذي من أجلِهِ وردَ: أنَّ الثَّيِّبَ لا يجُوزُ عليها في نِكاحِها إلّا ما تَرْضاهُ. ولا أعلمُ مُخَالِفًا في أنَّ الثَّيِّب لا يجُوزُ لأبيها، ولا لأحدٍ من أولِيائها إكراهُها على النِّكاح، إلّا الحَسَن البصرِيَّ.

стр. 6777

فإنَّ أبا بكر بن أبي شيبةَ ذكرَ، قال (١): حدَّثنا ابنُ عُليَّةَ، عن يُونُسَ، عن الحَسَنِ، أَنَّهُ كان يقولُ: نِكاحُ الأبِ جائزٌ على ابنتِهِ، بكرًا كانَتْ أو ثيِّبًا، أُكرِهَتْ (٢)، أو لم تُكرَه. وقال إسماعيلُ القاضِي: لا أعلمُ أحدًا قال في الثَّيِّبِ بقولِ الحسنِ. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٣): أخبرنا مَعْمرٌ، عن صالح بن كَيْسانَ، عن نافِع بن جُبَيرِ بن مُطعِم، عن ابنِ عبّاسٍ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "ليسَ للولِيِّ مع الثَّيِّبِ أمرٌ". وقال ابنُ القاسم: قال لي مالكٌ في الأخ يُزوِّجُ أُختهُ: الثَّيِّبَ برضاها، والأبُ يُنكِرُ، أنَّ ذلك جائزٌ على الأبِ. قال مالكٌ: وما لهُ ولها، وهي مالكةُ أمرِها (٤)! وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ في الثَّيِّبِ: لا ينبغِي لأبيها أن يُزوِّجها حتَّى يَسْتأمِرها، فإن أمَرَتهُ زَوَّجها، وإن لم تأمُرهُ، لم يُزوِّجها بغيرِ أمرِها، فإن زوَّجها بغيرِ أمرِها، ثُمَّ بلَغَها، كان لها أن تُجِيزهُ فيجُوز، أو تُبطِلهُ فيبطُل (٥). وقال إسماعيلُ بن إسحاقَ (٦): قولُ مالكٍ في هذه المسألةِ: أَنَّهُ لا يجُوزُ، إلّا أن يكون بالقُربِ. فإنَّهُ استحسَنَ إجازتهُ، لأنَّهُ كان في وَقْتٍ واحِدٍ، وفَوْرٍ واحِدٍ، وإنَّما أبْطَلهُ مالكٌ، لأنَّ عقدَ الولِيِّ بغيرِ أمْرِ المرأةِ، كأنَّهُ لم يَكُن، ولو بلَغَ المرأةَ فأنكرَتْ، لم يكُن فيه طلاقٌ، لأنَّهُ لم يَكُن هُناك نِكاحٌ.

стр. 6778

وذكر عن أبي ثابتٍ، عن ابنِ القاسم، قال (١): ولقد سألتُ مالكًا عن الرَّجُلِ يُزوِّجُ ابنهُ البالِغ، المُنقطِع عنهُ، أوِ ابنتهُ الثَّيِّب، وهي غائبةٌ عنهُ، فيَرْضيانِ بما فعلَ أبوهُما، فقال مالكٌ: لا يُقامُ على هذا النِّكاح، وإن رَضِيا، لأنَّهُما لو ماتا، لم يكُن بينهُما مِيراثٌ. قال (٢): وسألتُ مالكًا عن الرَّجُل زوَّجَ أُختهُ، ثُمَّ بلَّغَها، فقالت: ما وكَّلتُ، ولا أرْضَى، ثُمَّ كلِّمت في ذلك، فرضِيت. قال مالكٌ: لا أراهُ نِكاحًا جائزًا، ولا يُقامُ عليهِ، حتَّى يَسْتأنِفا نِكاحًا جدِيدًا، إن أحبَّت. وقال الشّافِعيُّ (٣) وأحمدُ بن حنبل: ومن زوَّج ابنتهُ الثَّيِّب بغيرِ أمرها، فالنِّكاحُ باطِلٌ، وإن رَضِيَتْ. قال الشّافِعيُّ: لأنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يَقُل لخَنْساءَ: إلّا أن تُجِيزِي. قال أبو عُمر: ليسَ في حديثِ مالكٍ في هذا البابِ ذِكرُ من (٤) كانَتْ خَنْساءُ تحتهُ، حِينَ آمَتْ منهُ، ولا منِ الذي زَوَّجها منهُ أبوها، فكَرِهتهُ، ولا إلى من صارَتْ بعد ذلك. وكانت خَنْساءُ هذه تحت أُنيسِ بن قَتادةَ، فآمَتْ منهُ، قُتِلَ عنها يوم أُحُدٍ، فزوَّجها أبوها رَجُلًا من بني عَوْفٍ فكرِهتهُ، وشكَتْ ذلك إلى رسُولِ الله ﷺ ، فردَّ ذلك التَّزوِيج، ونكحَتْ أبا لُبابةَ بن عبدِ المُنذِرِ. قرأتُ على خلفِ بن القاسم، أنَّ أبا عليٍّ سعِيدَ بن السَّكنِ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ العزيزِ البَغوِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُمر بن أبانٍ الجُعفِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحِيم بن سُليمانَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن حجّاج بن

стр. 6779

السّائبِ، عن أبيهِ، عن جَدَّتِهِ خَنْساءَ بنتِ خِذام: أنَّها كانَتْ أيِّمًا من رجُل، فزوَّجها أبوها رَجُلًا من بني عَوْفٍ، فحنَّتْ إلى أبي لُبابةَ بن عبدِ المُنذِرِ، فارتفَعَ شأنُها إلى رسُولِ الله ﷺ ، فأمَرَ رسُولُ الله ﷺ أباها أن يُلْحِقها بهواها، فتزوَّجَتْ أبا لُبابةَ (١). وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٢): أخبرنا مَعْمرٌ، عن سعِيدِ بن عبدِ الرَّحمنِ الجَحْشِيِّ، عن أبي بكر بن محمدٍ: أنَّ رجُلًا من الأنصارِ يُقالُ لهُ: أُنَيسُ بن قَتادةَ، تزوَّجَ خَنْساءَ بنت خِذام، فقُتِلَ عنها يوم أُحُدٍ، فأنكَحَها أبوها رجُلًا من بني عوفٍ، فجاءَت إلى النَّبيِّ ﷺ فقالت: إنَّ أبي أنكحني رجُلًا، وإنَّ عمَّ ولدِي أحبُّ إليَّ منهُ، فجعلَ النَّبيُّ ﷺ أمرَها إليها. قال (٣): وأخبرنا ابنُ جُريج، قال: أخبَرنا عطاءٌ الخُراسانِيُّ، عن ابنِ عبّاسٍ، أنَّ خِذامًا أبا وَدِيعةَ أنكَحَ ابنتهُ رجُلًا، فأَتَتِ النَّبيَّ ﷺ فاشْتَكَتْ إليه: أنَّها أُنكِحَتْ وهيَ كارِهةٌ. فانتَزَعها النَّبيُّ ﷺ من زَوْجِها، وقال: "لا تُكْرِهُوهُنَّ". فنكَحَتْ بعدَ ذلك أبا لُبابةَ الأنصارِيَّ، وكانت ثيِّبًا. قال ابنُ جُريج: أُخبِرتُ أنَّها خَنْساءُ ابنةُ خِذام، من أهْلِ قُباءٍ. قال عبدُ الرَّزّاقِ (٤): وأخبَرنا الثَّورِيُّ، عن أبي الحُوَيرِثِ، عن نافِع بن جُبَيرٍ، قال: آمَتْ خَنْساءُ بنتُ خِذام، فزوَّجها أبوها وهي كارِهةٌ، فأَتَتِ النَّبيَّ ﷺ ، فقالت: إنَّ أبي زوَّجني وأنا كارِهةٌ، وقد مَلَكتُ أمْرِي، قال: "فلا نِكاحَ لهُ، انْكِحِي من شِئْتِ". فردَّ نِكاحَهُ، ونكَحَتْ أبا لُبابةَ الأنصارِيَّ.

стр. 6780

حديثٌ عاشِرٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن القاسم مُرسلٌ، يتَّصِلُ من وجهٍ صالح مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم بن محمدِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لِيُعزِّ المُسلِمِينَ في مَصائبِهِمُ المُصِيبةُ بي". قال أبو عُمر: هذا الحديثُ رَوَتْه طائفةٌ عن مالكٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيه (٢). وقد رُوِي مُسندًا، من حديثِ سَهْلِ بن سعدٍ السّاعِدِيِّ؛ رواهُ سعِيدُ بن أبي مريم، عن موسى بن يَعقُوبَ الزَّمعِيِّ، عن أبي حازِم، عن سَهْلِ بن سعدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ (٣). ورُوِي من حديثِ المِسْوَرِ بن مخرمةَ (٤)، وحديثِ عائشةَ مُسندًا، وسَنذكُرُ ذلك كلَّهُ في هذا البابِ إن شاءَ الله. وذكر محمدُ بن يُوسُف (٥) الفِريابِيُّ، قال: حدَّثنا فِطْرُ بن خلِيفةَ، قال: حدَّثنا عَطاءُ بن أبي رَباح، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذا أصابتْ أحدَكُم مُصِيبةٌ، فليَذْكُر مُصِيبتَهُ بي، فإنَّها من أعْظَم المَصائبِ" (٦).

стр. 6781

وقد رُوِي عن مالكٍ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ . ولا يصِحُّ هذا الإسنادُ فيه عن مالكٍ (١)، وإنَّما هُو لمالكٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، كما في "المُوطَّأ". وصدَقَ ﷺ ؛ لأنَّ المُصِيبةَ به أعْظَمُ من كلِّ مُصِيبةٍ يُصابُ بها المُسلِمُ بعدَهُ إلى يوم القِيامةِ، انقطَعَ الوَحْيُ، وماتتِ النُّبُوَّةُ، وكان أوَّلُ ظُهُورِ الشَّرِّ بارتِدادِ العَرَبِ، وغيرِ ذلك ممّا يَطُولُ ذِكرُهُ، وكان أوَّل انقِطاع الخيرِ، وأوَّل نُقصانِهِ. قال أبو سعِيدٍ الخُدرِيُّ: ما نَفْضنا أيَدِينا من تُرابِ قَبرِ رسُولِ الله ﷺ ، حتَّى أنكَرْنا قُلُوبنا (٢). ولقد أحسن أبو العَتاهِيةِ في نَظمِهِ معنى هذا الحديثِ، حيثُ يقولُ (٣): اصبِر لكلِّ مُصِيبةٍ وتجلَّدِ ... واعلَمْ بأنَّ المرءَ غيرُ مُخلَّدِ أوَ ما تَرَى أنَّ المصائبَ جمَّةٌ ... وتَرَى المنِيّةَ للعِبادِ بمَرْصدِ من لم يُصَبْ ممَّن تَرَى بمُصِيبةٍ ... هذا سبِيلٌ لسْتَ فيه بأوحدِ وإذا ذكرتَ محمدًا ومُصابهُ ... فاجعَلْ مُصابَكَ بالنَّبيِّ محمدِ وأحسن الرّاجِزُ في قولِهِ: لو كُنت يا أحمدُ فينا حيّا ... إذَنْ رشَدْنا وفقَدْنا الغيّا بأبي (٤) أنت وأُمِّي من نبِيِّ ... لم تر عَيْناي ولا عينُ أبيِّ

стр. 6782

ما حلَّ من بعدِكَ في الإسلام ... من الأذَىَ والفِتَنِ العِظامِ أليسَ من بعدِكَ قلَّ العدلُ ... وكَثُر الجَوْرُ وشاع القَتْلُ (١) ولأبي العتاهِيةِ (٢): لنا فِكْرةٌ في أوَّلِينا وعِبرةٌ ... بها يقتَدي ذو العَقْلِ مِنّا ويهتَدِي لِكلِّ أخِي ثُكلٍ عَزاءٌ وأُسوةٌ ... إذا كانَ من أهلِ التُّقى في محمدِ ورحِمَ اللهُ أبا العَتاهِيةِ، فلقد أحسن حيثُ يقولُ (٣): لِمن تَبْتغِي الذِّكرَى بما هُو أهلُهُ ... إذا كُنت للبَرِّ (٤) المُطهَّرِ ناسِيا تكدَّر من بَعدِ النَّبيِّ محمدٍ ... عليه صلاةُ الله ما كانَ صافِيا فكم من مَنارٍ كان أوضَحهُ لنا ... ومن عِلم أضْحَى وأصبَحَ عافِيا ركنّا إلى الدُّنيا الدَّنِيَّةِ بعدَهُ ... وكشَّفتِ الأطماعُ مِنّا المساوِيا في شِعرٍ طوِيلٍ مُحكم عجِيبٍ لهُ رحمةُ الله عليه. ومن أحسنِ ما قيل في هذا المعنى، قولُ منصُورٍ الفقِيهِ (٥): ألا أيُّها النَّفسُ النَّؤُومُ تنبَّهِي ... وألقِ إليَّ السَّمعَ إلقاءَ حازِمَهْ ضلالٌ وإذهانٌ (٦) وظنٌّ مُكذَّبٌ ... رَجاؤُكِ أن تَبْقَيْ على الدَّهرِ سالمهْ وقد غُصَّ بالكأسِ الكَرِيهةِ أحمدٌ ... ومات فمات الحقُّ إلّا معالِمهْ

стр. 6783

عليه سلامُ الله ما فَضَلَ النَّدَى (١) ... وصدَّق ذو الشُّحِّ المُطاعُ لوائمَهْ أخبَرنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ بكرٌ بن عبد الرَّحمن (٢) العطّارُ، قال: حدَّثنا يحيى بن عُثمان بن صالح، قال: حدَّثنا حسّانُ بن غالِبٍ، قال: حدَّثني اللَّيثُ بن سعدٍ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، عن المِسْوَرِ بن مخرمةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "من عَظُمَتْ مُصِيبتُهُ، فليذكر (٣) مُصِيبتهُ بي، فإنَّهُ سَتهُونُ عليه مُصِيبتُهُ". هكذا كتَبتُهُ عن أبي القاسم ﵀ من أصلِهِ، وقرأتُهُ عليه: اللَّيثُ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ. وهُو غيرُ مُتَّصِلٍ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُف وسعِيدُ بن سيِّدِ بن سعِيدٍ، قالا: أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُبيدِ بن حِسابٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جَعْفرٍ، قال: أخبرني مُصعبُ بن محمدِ بن شُرَحبِيل، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ، قالت: أقبلَ رسُولُ الله ﷺ في مَرَضِهِ على النّاسِ، فقال: "أيُّها النّاسُ، من أُصِيبَ مِنكُم بمُصِيبةٍ، فليتعزَّ بمُصيبتهِ (٤) بي من مُصِيبتِهِ التي تُصِيبُهُ، فإنَّهُ لن يُصابَ أحدٌ من أُمَّتي بَعدِي بمِثلِ مُصِيبتِهِ بي" (٥).

стр. 6784

وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمِذِيُّ، قال: حدَّثنا نُعَيمُ بن حمّادٍ (١)، قال: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عَلْقمةَ بن مَرْثدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ (٢) بن سابِطٍ، قال: قال (٣) رسُولُ الله ﷺ : "إذا أصابَتْ أحَدَكُم مُصِيبةٌ، فليذكُر مُصابهُ بي، وليُعزِّهِ ذلك من مُصِيبته" (٤).

стр. 6785

عبدُ الرَّحمنِ (١) بن حَرْملةَ بن عَمرٍو (٢) الأسلمِيُّ، أبو حرملةَ مدنِيٌّ صالحُ الحدِيثِ، ليس به بأسٌ. روى عنهُ مالكٌ، وابنُ عُيينةَ، وغيرُهُما من الأئمَّةِ. ولم يكُن بالحافِظِ، وكان يحيى القطانُ يغمِزُهُ (٣). حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: أخبرنا يحيى بن معِينٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ، عن ابن حَرْملةَ، قال: كُنتُ سيئٍّ الحِفظِ، فسألتُ سعِيد بن المُسيِّبِ، فرخَّصَ لي في الكِتابِ. قال أبو عُمر: لحرملةَ والِدِ عبدِ الرَّحمنِ هذا صُحبةٌ ورِوايةٌ، وقد ذكَرْناهُ في كِتابِنا في "الصَّحابةِ" (٤) بما يُغني عن ذِكرِهِ هاهُنا. وتُوُفِّي عبدُ الرَّحمنِ بن حَرْملةَ في خِلافةِ أبي العبّاسِ السَّفّاح. وقيل: سنةَ خمسٍ وأربعينَ ومئةٍ (٥). لمالكٍ عن عبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ هذا في "المُوطَّأ" من حدِيثِ النَّبيِّ ﷺ خمسةُ أحادِيث، أحدُها مُتَّصِلٌ، والأربعةُ مُرسلةٌ (٦).

стр. 6786

حدِيثٌ أوَّلُ لعبدِ الرَّحمن بن حرملةَ مُتَّصِلٌ مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ، عن عَمرِو بن شُعيب، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "الرّاكبُ شيطانٌ، والرّاكِبانِ شيطانانِ، والثَّلاثةُ رَكْبٌ". قال أبو عُمر (٢): في هذا الحدِيثِ كراهيةُ الوَحْدةِ في السَّفرِ، وأتَى هذا الحدِيثُ بلفظِ: "الرّاكِبُ". ويدخُلُ الرّاجِلُ في معناهُ، إذا كان وحدهُ. ولم تختلِفِ الآثارُ في كراهيةِ السَّفرِ للواحِدِ، واختَلَفت في الاثنينِ، ولم تختلفْ في الثَّلاثةِ فما زادَ، أنَّ ذلك حَسَن جائزٌ. وإنَّما وَرَدتِ الكراهيةُ في ذلك، واللّهُ أعلمُ، لأنَّ الوحَيدَ إنْ (٣) مرِضَ، لم يجِد من يُمرِّضُهُ، ولا يَقُومُ عليه، ولا يُخبِرُ عنهُ، ونحو هذا. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا الفضلُ بن دُكينٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عامرٍ، عن عَمرِو بن شُعَيب، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، قال: جاءَ رجُلٌ يُسلِّمُ على النَّبيِّ ﷺ خارِجًا من مكَّةَ، فسألهُ النَّبيُّ ﷺ : "أصحِبتَ من أحَدٍ؟ " قال: لا، قال: "الواحِدُ شَيْطانٌ، والاثنانِ شَيْطانانِ، والثَّلاثةُ ركبٌ" (٤).

стр. 6787

قال أبو عُمر: في (١) الحدِيثِ الذي بعدَ هذا بيانٌ لمعنى هذا، وقولُنا فيه أبسُطُ، والحمدُ للّه، وقد كان مُجاهِدٌ يُنكِرُ هذا الحدِيث مرفُوعًا، ويجعلُهُ قول عُمر، ولا وجهَ لقولِ مُجاهِدٍ، لأنَّ الثِّقاتِ رَوَوهُ (٢) مرفُوعًا. وخبرُ مُجاهِدٍ أخبرناهُ محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا ابن الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدانُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن ابن أبي نجِيح، عن مُجاهِدٍ، قيل لهُ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الواحِدُ في السَّفرِ شيطانٌ، والاثنانِ شيطانانِ". قال: لا، لم يقُلهُ النَّبيُّ ﷺ ، قد بعَثَ النَّبيُّ ﷺ عبدَ الله بن مَسعُودٍ، وخبّاب بن الأرتِّ سرِيَّةً، وبعَثَ دِحْيةَ سرِيَّةً وحدَهُ، ولكِن قال عُمرُ، يحتاطُ للمُسلِمِينَ: كُونُوا في أسفارِكُم ثلاثةً، إن ماتَ واحِدٌ، ولِيهُ اثنانِ، الواحِدُ شَيْطانٌ، والاثنانِ شَيْطانانِ (٣). قال أبو عُمر: معنى الشَّيطانِ هاهُنا: البَعِيدُ من الخيرِ في الأُنسِ والرِّفقِ، وهذا أصلُ هذه الكلِمةِ في اللُّغةِ، من قولِهِم: نَوًى (٤) شَطُونٌ، أي: بعِيدةٌ. وممّا يدُلُّك على أنَّ الثَّلاثةَ ركبٌ، وأنَّ حُكمهُم نحوُ حُكم العَسْكرِ: ما أخبَرناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥): حدَّثنا

стр. 6788

عليُّ بن بحرِ بن برِّيٍّ، قال: حدَّثنا حاتِمُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عجلانَ، عن نافع، عن أبي سلَمةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إذا خرَجَ ثلاثةٌ في سَفرٍ، فليُؤَمِّرُوا أحدَهُم". قال نافعٌ: فقُلنا لأبي سَلَمةَ: فأنتَ أمِيرُنا. وفي (١) هذا الحدِيثِ ما يدُلُّ على أنَّ الاثنينِ ليسا بجماعةٍ، فتَدبَّرهُ تجِدهُ كذلك إن شاءَ الله.

стр. 6789

حدِيثٌ ثانٍ لعبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ مُرسلٌ مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، أنَّهُ كان يقولُ: قال رسُولُ الله ﷺ إنّ الشَّيطانَ يهُمُّ بالواحِدِ والاثنينِ، فإذا كانوا ثَلاثةً لم يَهُمَّ بهم". لم يختلِفِ الرُّواةُ لـ "المُوطَّأ" في إرسالِ هذا الحدِيثِ (٢)، وقد رواهُ ابن أبي الزِّنادِ، مُسندًا عن أبي هريرةَ. حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ بن أبي الحُنَيْن الكُوفِيُّ بالكُوفةِ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ الكُوفِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن أبي الزِّنادِ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، قال: كان رسُولُ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ الشَّيطانَ يَهُمُّ بالواحِدِ والاثنينِ، فإذا كانوا ثلاثةً لم يَهُمَّ بهم" (٣). وهذا (٤) في معنى ما ذكَرْنا أنَّ الاثنينِ لا يُحكمُ لهما بحُكم الجماعةِ، إلّا فيما خصَّتهُ السُّنَّةُ. ولم يختلِفِ العربُ أنَّ نُون الاثنينِ مَكسُورةٌ، ونُون الجَمْع مفتُوحةٌ، ففرَّقت بين الاثنينِ والجماعةِ.

стр. 6790

ومعناهُ يتَّصِلُ من وُجُوهٍ حِسانٍ، منها: ما رواهُ عُبيدُ الله بن عَمرٍو الرَّقِّيُّ، عن عبدِ الكرِيم الجزرِيِّ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ . حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو الفَرَج محمدُ بن سعِيدِ بن عَبْدان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن العبّاسِ الطَّيالِسِيُّ، قال: حدَّثنا سَعِيدُ بن يحيى الأُموِيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن عيّاشٍ، عن عاصِم، عن زرٍّ، عن عُمرَ بن الخطّابِ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "من أرادَ بُحْبُحَةَ (١) الجنَّةِ فليلزم الجماعةَ، فإنَّ الشَّيطانَ مع الواحِدِ، وهُو من الاثنينِ أبعدُ" (٢). ورواهُ جرِيرُ بن حازِم، عن عبدِ الملكِ بن عُميرٍ، عن جابرِ بن سمُرةَ (٣)، عن عُمر بن الخطّابِ (٤). ورَوَى (٥) غيرُهُ عن عبدِ الملكِ بن عُميرٍ، قال: حُدِّثتُ عن عبدِ الله بن الزُّبيرِ، عن عُمر بن الخطّابِ، فذكرهُ (٦). حدَّثنا خلفُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن

стр. 6791

خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا مالكُ بن إسماعيلَ النَّهدِيُّ، قال: حدَّثنا عاصمُ بن محمدِ بن زيدِ بن عُمر، أَنَّهُ سمِعَ أباهُ يقولُ: قال عبدُ الله بن عُمرَ: قال رسولُ الله ﷺ : "لو يعلمُ النّاسُ ما في الوَحْدةِ، ما سارَ راكِبٌ بليلٍ أبدًا" (١). حدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن موسى بن جميل، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أبي الدُّنيا، قال (٢): حدَّثنا عُبيدُ الله بن صالح العَتكِيُّ (٣)، قال: حدَّثنا خالدٌ أبو يزِيد الرَّقِّيُّ، عن يحيى المدني (٤)، عن سالم بن عبدِ الله، عن أبيهِ، قال: خرجت مرَّةً لسفرٍ، فمررت بقبرٍ من قُبُورِ الجاهِليةِ، فإذا رجُلٌ قد خرج من القبرِ يتأجَّج نارًا، في عُنُقِهِ سِلسِلة، ومَعِي إداوةٌ من ماءٍ، فلمّا رآني قال: يا عبد الله اسقِني. قال: فقُلتُ: عَرَفني فدعاني باسمِي، أو كلِمةٌ تقُولها العربُ: يا عبدَ الله؟ إذ خرجَ على إثرِهِ رجُلٌ من القَبرِ، فقال: يا عبدَ الله، لا تَسْقِهِ، فإنَّهُ كافِرٌ. ثُمَّ أخذ السِّلسِلةَ فاجْتَذبهُ، فأدخَلَهُ القبرَ. قال: ثُمَّ أضافني اللَّيلُ إلى بيتِ عجُوزٍ، إلى جانِبِها قبرٌ، فسمِعتُ من القَبْرِ صوتًا يقولُ: بَوْلٌ وما بَوْلٌ؟ شنٌّ وما شنٌّ؟ فقُلتُ للعجُوزِ: ما هذا؟ قالت: كان زوجًا لي، وكان إذا بالَ لم يتَّقِ البَوْلَ، وكُنتُ أقُولُ لهُ: ويحكَ! إنَّ الجملَ إذا بالَ تَفاجَّ (٥)، وكان يأبى، فهُو يُنادي من يوم مات: بولٌ

стр. 6792

وما بولٌ؟ قُلتُ: فما الشَّنُّ؟ قالت: جاءَ رجُلٌ عَطْشانُ، فقال: اسقِني، فقال: دُونكَ الشَّنُّ. فإذا ليسَ فيه شيءٌ، فخرَّ الرَّجُلُ ميِّتًا، فهُو يُنادي مُنذُ يوم ماتَ: شنٌّ، وما شنٌّ؟ فلمّا قدِمتُ على رسُولِ الله ﷺ أخبَرتُهُ، فنهى أن يُسافِر الرَّجُلُ وحدهُ. قال أبو عُمر: هذا الحدِيثُ ليسَ لهُ إسنادٌ، ورُواتُهُ مجهُولُونَ، لم نُورِدهُ للاحتِجاج به، ولكِن للاعتِبارِ، وما لم يكُن فيه حُكمٌ، فقد تسامَحَ النّاسُ في رِوايتِهِ عن الضُّعفاءِ، واللّه المُستعانُ. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن أحمد، قال: حدَّثنا الخَضرُ بن داود، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، قال: حدَّثنا المُغِيرةُ بن زِيادٍ، عن أبي عَمْرو (١) مولى أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، قال: أتيتُ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ وهُو بجُدَّةَ، وهُو يومئذٍ أمِيرُ مكَّةَ والمدِينةِ، فأتيتُهُ بطُرَفٍ من طُرَفِ مكَّةَ، وأمْشاطٍ من عاج، وسِرتُ لَيْلتِي، فصبَّحتُهُ، وهُو قاعِدٌ في مجلِسِهِ يَقْرأُ في المُصحفِ، ودُمُوعُهُ تسِيلُ على لحيتِهِ، فلمّا رآني رَحَّبَ بي، ثُمَّ قال: أبا عَمْرو، متى فارقتَ مكَّةَ؟ قُلتُ: اللَّيلةَ عِشاءً، قال: من جاءَ معكَ؟ قُلتُ: ما جاءَ مَعِي أحدٌ، قال: بئسَ ما صنعتَ، أما بلغَكَ أنَّ الشَّيطانَ مع الواحِدِ، وهُو من الاثنينِ أبعدُ، والثَّلاثةُ صحابةٌ، إذا ماتَ أحدُهُم، دَفنهُ صاحِباهُ. قال: فقدَّمتُ إليه الهدِيَّةَ، فأعجَبتهُ، فقال: أمّا هذه الأمشاطُ العاجُ، فلا حاجَةَ لنا بها، قد كُنّا مَرَّةً نَمتشِطُ بها، فأمّا اليومَ، فلا حاجَةَ لنا فيها. قال أبو عُمر: قولُهُ في هذا الحدِيثِ: "وهُو من الاثنينِ أبعدُ" بمعنى (٢): بعِيدٌ، كما قيل: الله أكبرُ، بمعنى: كبِيرٌ، وهذا في لِسانِ العربِ موجُودٌ كثِيرٌ.

стр. 6793

حدِيثٌ ثالِثٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ مُرسلٌ، يتَّصِلُ من وُجُوهٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ الأسلمِيِّ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "بَيْننا وبينَ المُنافِقِين شُهُودُ العِشاءِ (٢) والصُّبح، لا يَسْتطِمعُونهُما". أو نحو هذا. قال أبو عُمر: قولُهُ: "أو نحو هذا" شكٌّ من المُحدِّثِ. ولم يُختلف عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحدِيثِ وإرسالِهِ (٣)، ولا يُحفَظُ هذا اللَّفظُ عن النَّبيِّ ﷺ مُسندًا، ومعناهُ محفُوظٌ من وُجُوهٍ ثابتةٍ. وأمّا قولُهُ: "لقد هَمَمتُ بالصَّلاةِ تُقامُ، ثُمَّ آمُرُ بحطَبٍ ... " الحدِيثَ (٤). فحدِيثٌ صحِيحٌ أيضًا (٥)، وقد مَضَى في بابِ أبي الزِّنادِ. وقال يحيى في هذا الحدِيثِ: "العشاءُ والصُّبحُ". وقال القعنبِيُّ وابنُ بُكَيرٍ، وجُمهُورُ الرُّواةِ لـ "المُوطَّأ" عن مالكٍ فيه: "صلاةُ الصُّبح والعَتمة" على ما في تَرْجمةِ البابِ. وفي ذلك: جوازُ تَسْمِيةِ العشاءِ الآخِرةِ بالعَتَمةِ، ورَدٌّ على من أنكرَ ذلك. وفيه: أنَّ النِّفاقَ بعِيدٌ من الذينَ يُواظِبُون على شُهُودِ العِشاءِ والصُّبح في جَماعةٍ، ومن واظَبَ على هاتينِ الصَّلاتينِ في جَماعةٍ، فأحْرَى أن يُواظِبَ على غيرِهِما.

стр. 6794

قال (١) عُمرُ بن الخطّابِ ﵁: من شهِدَ معنا الصَّلواتِ، شهِدنا لهُ بالإيمانِ، ثُمَّ تلا: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. وأمّا الآثارُ المُسندةُ في معنى هذا الحدِيثِ، فمنها: ما حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن أحمد بن المِسورِ بن أبي طنّةَ وبُكيرُ بن الحسنِ الرّازِيُّ، قالا: حدَّثنا يُوسُفُ بن يزِيد، قال: حدَّثنا أسدُ بن موسى، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، عن أبي بِشْرٍ، عن أبي عُمَيرٍ، عن عُمُومتِهِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ كان يقولُ: "ما يشاهدهما مُنافِقٌ" يعني العشاءَ والفجر (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ بُندارٌ، قال: حدَّثنا ابن أبي عدِيٍّ، عن شُعبَةَ، عن أبي بِشْرٍ، قال حدَّثني أبو عُميرِ بن أنسِ بن مالكٍ، عن عُمُومةٍ لهُ من أصحابِ رسُولِ الله ﷺ قالوا: قال رسُولُ الله ﷺ : "ما شهِدهُما مُنافِقٌ". يعني صلاةَ العِشاءِ وصلاةَ الصُّبح. قال أبو بِشْرٍ: وأنا أشهدُ أنَّهُ لا يُحافِظُ عليهما مُنافِقٌ (٣). حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ النَّيسابُورِيُّ بمِصرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بن مسعُودٍ، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن شُعبةَ، عن أبي بِشْرٍ، عن أبي عُمَيرِ بن أنَسٍ، عن عُمُومتِهِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال في صَلاةِ الصُّبح والعشاءِ: "ما يشهدُهُما مُنافِقٌ" (٤).

стр. 6795

وحدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جَعْفرِ بن الوَرْدِ، قال: حدَّثنا هارونُ بن كامل، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن صالح، أنَّ يحيى بن سعِيدٍ حدَّثهُ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّهُ قال: كُنّا إذا فقَدْنا الرَّجُلَ في هاتينِ الصَّلاتينِ: صلاةِ العِشاءِ، وصلاةِ الصُّبح، أسأنا به الظَّنَّ (١). حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن حكم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أبي حسّانَ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن حَبِيبٍ، قال: حدَّثنا الأوزاعِيُّ، قال: بَلَغنا أنَّ شدّادَ بن أوسٍ قال: من أحبَّ أن يجعلهُ الله من الذين يَدْفعُ اللهُ (٢) بهمُ العذابَ عن أهلِ الأرضِ، فليُحافِظ على هاتينِ الصَّلاتينِ في الجماعةِ: الصُّبح والعتمةِ. ورَوَى الأعمشُ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ أثقَلَ الصَّلاةِ على المُنافِقِينَ، صلاةُ العِشاءِ الآخِرةِ، وصلاةُ الصُّبح، ولو يعلمُونَ ما فيهما، لأتَوْهُما ولو حَبْوًا" (٣).

стр. 6796

حدِيثٌ رابعٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ، أنَّ رجُلًا سألَ سعِيد بن المُسيِّبِ، فقال: أعتمِرُ قبلَ أن أحُجَّ؟ فقال: سعِيدٌ: نعم، قدِ اعتمرَ رسُولُ الله ﷺ قبلَ أن يحُجَّ. يتَّصِلُ هذا الحدِيثُ من وُجُوهٍ صِحاح، وهُو أمرٌ مُجتَمعٌ عليه، لا خِلافَ بينِ العُلماءِ فيه، كلُّهُم يُجِيزُونَ العُمرةَ قبلَ الحجِّ لمن شاءَ، لا بأسَ بذلك عِندهُم، وكلُّهُم يقولُ: إنَّ رسُولَ الله ﷺ اعتمرَ قبل حجَّتِهِ. وإنَّما اختَلفُوا في وُجُوبِ العُمْرةِ، وفي جَوازِها في السَّنةِ مِرارًا، على ما نذكُر في هذا البابِ بعونِ الله إن شاءَ الله. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا مخلدُ بن يزِيد ويحيى بن زكرِيّا، عن ابن جُرَيج، عن عِكرِمةَ بن (٣) خالدٍ، عن ابن عُمرَ قال: اعتمرَ النَّبيُّ ﷺ قبلَ أن يحُجَّ. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا إسحاقُ الأزرقُ، قال: حدَّثنا زكرِيّا، عن أبي إسحاقَ، عن البَراءِ، قال: اعتمرَ رسُولُ الله ﷺ قبلَ الحَجِّ (٤).

стр. 6797

وأمّا اختِلافُ الفُقهاءِ في وُجُوب العُمرةِ: فذهَبَ مالكٌ إلى أنَّ العُمرةَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ، وقال في "مُوطَّئهِ" (١): ولا أعلمُ أحدًا مِنَ المُسلِمِينَ أرخَصَ في تركِها. وهذا اللَّفظُ يُوجِبُها، إلّا أنَّ أصحابهُ وتحصِيل مذهبِهِ على ما ذكرتُ لك. وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: العُمرةُ تطوُّعٌ (٢). وقال الثَّوريُّ والشافعيُّ (٣) والثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ: العُمرةُ فَرِيضةٌ واجِبةٌ. وهُو قولُ ابن عبّاسٍ، وابنِ عُمرَ، وزيدِ بن ثابتٍ، ومَسْرُوقٍ، وعليِّ بن حُسَينٍ، وعَطاءٍ، وطاوُوسٍ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنِ، وابنِ سِيرِين، وسعِيدِ بن جُبَيرٍ، وغيرِهِم. واختُلِف في ذلك عن ابن مسعُودٍ (٤). قال أبو عُمر: رُوِي عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال لسائلٍ سألَهُ عن العُمرةِ: أواجِبةٌ هي؟ فقال: "لا، ولأن تَعْتمِر خيرٌ لكَ". انفردَ (٥) به الحجّاجُ بن أرطاةَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن جابرٍ، قال: قال: شابٌّ (٦): يا رسُولَ الله العُمرةُ واجِبةٌ؟ قال: "لا، ولأن تَعتمِرَ خيرٌ لكَ" (٧).

стр. 6798

وما انفردَ به الحجّاجُ بن أرطاةَ فلا حُجّة فيه. ورُوِي عنهُ ﷺ ، أنَّهُ قال: "العُمرةُ تَطوُّعٌ" (١) بأسانِيدَ لا تصِحُّ ولا تقُومُ بمِثلِها حُجَّةٌ. ورُوِي عنهُ ﷺ في إيجابِها أيضًا ما لا تَقُومُ به حُجَّة من جِهَةِ الإسنادِ (٢). وأمّا الصَّحابةُ، فرُوِي عن ابن عُمر (٣)، وابنِ عبّاسٍ، وزيدِ بن ثابتٍ، إيجابُ العُمرةِ (٤). ولا مُخالِف لهم من الصَّحابةِ، إلّا ما رُوِي عن ابن مسعُودٍ، على اختِلافٍ عنهُ. واختلَفَ التّابِعُونَ في هذه المسألةِ: فأوجَبَها بعضُهُم، وهُمُ الأكثرُ، ولم يُوجِبها بعضُهُم. وأكثرُ أهلِ الحِجازِ على إيجابِها، وأهلُ الكُوفةِ لا يُوجِبُونها. وأمّا قولُ الله، : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فمُحتمِلٌ للتَّأوِيلِ.

стр. 6799

قالت طائفةٌ: ﴿وَأَتِمُّوا﴾ بمعنَى أقِيمُوا الحجَّ والعُمرةَ للّه. هكذا قال: السُّدِّيُّ (١) وغيرُهُ. ومن حُجَّةِ من ذهَبَ هذا المذهب: أنَّ قولهُ : ﴿وَأَتِمُّوا﴾ بمعنى: أقِيمُوا، وأقِيمُوا بمعنى أتِمُّوا، قال الله : ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]، بمعنَى أتِمُّوا. وقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ بمعنَى (٢): أقِيمُوا الحجَّ والعُمرةَ للّه. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا الثَّورِيُّ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ مسرُوقًا يقولُ: أُمِرتُم في القُرآنِ بإقامَةِ أربع: أقِيمُوا الصَّلاةَ، وآتُوا (٣) الزَّكاةَ، وأقِيمُوا الحجَّ والعُمرةَ (٤). حدَّثنا خلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا ابن المِسورِ وبُكيرُ بن الحسنِ، قالا: حدَّثنا يُوسُفُ بن يزِيد القَراطِيسِيُّ (٥)، قال: حدَّثنا أسَدُ بن موسى، قال: حدَّثنا إسرائيلُ وأبو الأحْوَصِ، عن أبي إسحاقَ، عن مسرُوقٍ، قال: أُمِرتُم في كِتابِ الله بإقامةِ أربع: بإقامةِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وإقامَةِ الحجِّ والعُمرةِ إلى بيتِ الله (٦). قال أسدٌ: وحدَّثنا زُهيرُ بن مُعاويةَ، عن أبي إسحاقَ، عن مسرُوقٍ، قال: أُمِرتُم في كِتابِ الله المُنزَّلِ بإقامَةِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وإقام الحجِّ والعُمرةِ (٧). قال: والعُمرةُ من الحجِّ، بمَنزِلةِ الزَّكاةِ من الصَّلاةِ.

стр. 6800

وقال آخرُونَ: إنَّما خُوطِبَ بهذا من دخلَ في الحجِّ والعُمرةِ، ولا خِلافَ أنَّ من دخلَ في واحِدةٍ منهُما، أنَّ عليه إتمامها. وقد قيلَ في الآيةِ قولٌ ثالِثُ، رُوِي عن عليِّ بن أبي طالِبٍ وجماعةٍ، أنَّهُم قالوا في قولِ الله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: إتمامُها أن تُحرِمَ من دُويرةِ أهلِكَ ومَوْضِعِك (١). وهذا في معنى قولِ من قال: الإتمامُ يَقَعُ على الابتِداءِ. روى شُعبةُ، عن عَمرِو بن مُرَّةَ، عن عبدِ الله بن سَلِمةَ، أنَّ رجُلًا أتى عليًّا ﵁ فقال: أرأيتَ قول الله ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؟ فقال: إتمامُها أن تُحرِمَ بها من دُويرةِ أهلِكَ (٢). أخبرنا محمدُ بن خلِيفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن نافع أبو الحسنِ المكِّيُّ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ إسحاقُ بن أحمدَ (٣) الخُزاعِيُّ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عبدِ الرَّحمنِ المخزُومِيُّ أبو عُبيدِ الله، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرِو بن دِينارٍ، عن طاوُوسٍ، قال: سمِعتُ ابن عبّاسٍ يقولُ، في قولِ الله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: واللّه إنَّها لقرِينتُها في كِتابِ الله (٤).

стр. 6801

وحدَّثنا محمدُ بن خلِيفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن نافع، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا عبدُ الله (١) بن الولِيدِ العدَنِيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ الثَّورِيُّ، عن ابن جُريج، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: ليسَ أحدٌ من خلقِ الله إلّا وعليه حَجَّةٌ وعُمرةٌ واجبتانِ (٢). وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبَرنا ابن جُرَيج، قال: أخبرني نافعٌ مولى ابن عُمرَ، أنَّهُ سمِعَ عبد الله بن عُمرَ يقولُ، فذكرهُ حرفًا بحرفٍ، وزادَ: منِ استطاعَ إلى ذلك سبِيلًا (٣). وحدَّثنا محمدُ بن خلِيفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن نافع، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أحمد، قال: حدَّثنا أبو عُبيدِ الله المخزُوميُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن عبدِ الله بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم: أنَّ العُمرةَ هي الحجُّ الأصغرُ. قال سُفيانُ: وقال عبدُ الله بن مسعُودٍ: أُمِرنا بإقامةِ (٤): الصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والحجِّ، والعُمرةِ. قال: وحدَّثنا أبو عُبيدِ الله سعِيدُ بن عبدِ الرَّحمنِ المخزُومِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ المجيدِ بن عبدِ العزيزِ بن أبي روّادٍ وهُشامُ بن سُليمان المخزُومِيُّ، عن ابن جُرَيج قال: قال عطاءٌ: ليسَ من خلقِ الله أحدٌ إلّا عليه حجَّةٌ وعُمرةٌ واجبتانِ لا بُدَّ منهُما، لمنِ اسْتَطاعَ إليهما سَبِيلًا، إلّا أهل مكَّةَ، فإنَّ عليهم حجَّةً، وليسَ عليهم عُمرةٌ، من أجْلِ طَوافِهِم بالبيتِ (٥).

стр. 6802

وقال عبدُ الرَّزّاقِ: أخبرنا ابن جُريج، عن عَطاءٍ، مِثلهُ سواءً. أخبَرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا حفصُ بن عُمر، عن شعبةَ، عن سَعِيدِ بن أبي بُردةَ، قال: سمِعتُ الشَّعبِيَّ قرأ: "وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةُ للّه" (١) رفعًا، وقال الشَّعبِيُّ: ولا أراها إلّا تطوُّعًا. قال سعِيدٌ: وسمِعتُ أبي قرأ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ نصبًا، وقال: لا أراها إلّا واجِبةً (٢). قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا من أئمَّةِ القُرّاءِ تَعلَّق بالشَّعبِيِّ في قِراءتِهِ هذه، ولا تابَعهُ عليها، والنّاسُ على نَصْبِ "العُمرة" عطفًا على "الحجِّ". وقِراءةُ الشَّعبِيِّ ليسَتْ بصحِيحةِ المعنى؛ لأنَّ الإتمامَ يجِبُ في العُمرةِ، كما يجِبُ في الحجِّ لمن دخلَ في واحِدٍ منهُما بإجماع، ولو صحَّت قِراءةُ الشَّعبِيِّ، كان فيها خِلافُ الإجماع، وما خالَفهُ مردُودٌ، ومعلُومٌ أنَّ الحجَّ للّه، كما العُمرةُ للّه، لأنّ القصدَ بهما وجهُ الله تعالى ذكرُهُ (٣)، فلا وجهَ لقِراءةِ الشَّعبِيِّ، واللّه أعلمُ. حدَّثنا محمدُ بن خلِيفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن نافع، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن زُنبُور، قال: حدَّثنا الفُضَيلُ بن عِياضٍ، عن منصُورٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: العُمرةُ: الحجُّ الأصغرُ (٤).

стр. 6803

وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ، قال: العُمرةُ على النّاسِ، إلّا على أهلِ مكَّةَ. قال: وأخبَرنا مَعْمرٌ والثَّورِيُّ، عن لَيْثٍ، عن عَطاءٍ وطاوُوسٍ ومُجاهِدٍ، قالوا (١): العُمرةُ واجِبةٌ، وتُجزِئُ منها المُتعةُ. قال: وأخبَرنا الثَّورِيُّ ومَعْمرٌ، عن داود بن أبي هِندٍ، قال: قُلتُ لعطاءٍ: العُمرةُ علينا فرِيضةٌ كالحجِّ؟ قال: نعم، قُلتُ: أتُجزِئُنا منها المُتعةُ؟ قال: نعم (٢). قال: وأخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهرِيِّ، عن سالم، عن أبيهِ، قال: المُتعةُ في الحجِّ تُقْضَى. قال مَعْمرٌ: وقال الزُّهرِيُّ: كان أهلُ الجاهِليّةِ يقولُونَ: العُمرةُ: الحجُّ الأصغرُ (٣). قال معمرٌ: وقال قتادةُ: العُمرةُ واجِبةٌ (٤). قال: وحدّثنا ابن جُرَيج، عن عمر بن (٥) عطاءٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: العُمرةُ واجِبةٌ كوُجُوبِ الحجِّ (٦). قال: وأخبَرنا الثَّورِيُّ، عن يُونُس، عن الحسنِ وابنِ سِيرِينَ، قالا: العُمرةُ واجِبةٌ.

стр. 6804

قال (١): وأخبَرنا معمرٌ والثَّورِيُّ، عن ابن جُريج، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: العُمرةُ واجِبةٌ. قال (٢): وأخبَرنا عبدُ الملكِ بن أبي سُليمانَ، قال: سألتُ سعِيد بن جُبيرٍ عن العُمرةِ: أواجِبةٌ هي؟ فقال: نعم، فقال لهُ قيسُ بن رُومان: فإنَّ الشَّعبِيَّ يقولُ: ليسَتْ واجِبةً. فقال: كذَبَ الشَّعبِيُّ، إنَّ الله يقولُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال أبو عُمر: فهؤُلاءِ ذَهَبُوا إلى أنَّ العُمرةَ واجِبةٌ، فَرضًا كالحجِّ. وخالَفهُم غيرُهُم، على ما قدَّمنا ذِكرهُ في هذا البابِ، فذَهبُوا إلى أنَّ العُمرةَ سُنَّةٌ أو تطوُّعٌ، على حسَبِ ما ذكرنا عنهُم. ذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا عُثمانُ بن مَطرٍ، عن سعِيدٍ، عن أبي مَعْشرٍ، عن إبراهيم، عن ابن مسعُودٍ، قال: الحجُّ فرِيضةٌ، والعُمرةُ تطوُّعٌ (٣). قال: وأخبَرنا الثَّورِيُّ، عن سِماكٍ (٤)، عن إبراهيمَ، قال: العُمرةُ سُنَّةٌ وليسَتْ بفرِيضةٍ. وأمّا اختِلافُهُم في جَوازِ العُمرةِ مِرارًا في سَنةٍ واحِدةٍ: فقال مالكٌ (٥): لا أرَى لأحدٍ أن يعتمِرَ في السَّنةِ مِرارًا، وكَرِه عُمرتينِ في سَنةٍ واحِدةٍ. ومنعَ منهما للحاجِّ ما لم يتحلَّل من آخِرِ عَملِهِ بمِنًى.

стр. 6805

ومن حُجَّةِ من ذهَبَ مذهب مالكٍ في ذلك: أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يَعْتمِر عُمرتينِ في عام واحِدٍ، واعتَمرَ ثلاثَ عُمَر أو أربعًا، كلُّ عُمرةٍ منها في سَنةٍ (١). ومن حُجَّتِهِ في ذلك أيضًا: أنَّ عائشةَ كانت في آخِرِ أمْرِها إذا حجَّت، بَقِيت بمكَّةَ حتَّى يُهِلَّ المُحرِمُ، ثُمَّ تخرُجُ من مكَّةَ إلى المِيقاتِ، فتُهِلُّ منهُ بعُمرةٍ. فكان يقعُ حجُّها في عام (٢)، وعُمرتُها في عام آخرَ. وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: العُمرةُ مُباحةٌ في السَّنةِ كلِّها، إلّا يوم عرفةَ، ويوم النَّحرِ، وأيّام التَّشرِيقِ. قال: والحاجُّ وغيرُهُ في ذلك سواءٌ (٣). وروى بِشْرُ بن الوليدِ، عن أبي يُوسُف، قال: لا بأسَ بالعُمرةِ يومَ عرفةَ (٤). وقال الثَّورِيُّ: يَعتمِرُ مَتَى شاءَ. وقال الحسنُ بن صالح بن حيٍّ: يَعتمِرُ في السَّنةِ كلِّها، إلّا في أيّام التَّشرِيقِ. وقال الشّافِعيُّ (٥): لا بأس أن يعتمِرَ في السَّنةِ مِرارًا ومتى شاءَ، إلّا الحاجَّ، فإنَّهُ لا يعتمِرُ ما دام حاجًّا. (٦) قال أبو عُمر: ذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبَرنا عُبيدُ الله وعبدُ الله ابنا عُمرَ، عن نافع: أنَّ عبد الله بن عُمرَ اعتمرَ في السَّنةِ مرَّتينِ (٧).

стр. 6806

قال: وأخبَرنا معمرٌ والثَّورِيُّ، عن صَدَقةَ بن يَسارٍ، عن القاسم بن محمدٍ، أنَّ عائشةَ اعْتَمرت. قال الثَّورِيُّ في حدِيثهِ: مِرارًا في السَّنةِ. وقال معمرٌ في حدِيثهِ: ثلاثَ مرّاتٍ في سنةٍ. قال صدقةُ: فقُلتُ للقاسم: أنكَرَ ذلك عليها أحدٌ؟ فقال: أعلى أُمِّ المُؤمِنِين عائشةَ؟ قال أبو عُمر: في قولِ صدقةَ بن يَسارٍ للقاسم بن محمدٍ: أنكَرَ ذلك عليها أحدٌ؟ دليلٌ على أنَّ الاختِلافَ بين السَّلفِ في هذه المسألةِ قَدِيمٌ معرُوفٌ. قال: وأخبَرنا ابن عُيينةَ، عن يحيى بن سعِيدٍ، عن سَعِيدِ بن المُسيِّبِ، قال: اعْتَمرت عائشةُ في سَنةٍ ثلاثَ مرّاتٍ: من الجُحْفةِ مرَّةً، ومرَّةً من التَّنعِيم، ومرَّةً من ذِي الحُلَيفةِ (١). قال: وأخبَرنا مَعمرٌ، عن صَدَقةَ بن يَسارٍ، قال: سمِعتُ القاسم بن محمدٍ يقولُ: في كلِّ شَهْرٍ عُمرةٌ، وكان يكرهُ عُمرَتينِ في شَهْرٍ واحِدٍ. قال: وأخبرنا معمرٌ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ، قال: في كلِّ شهرٍ عُمرةٌ. قال: وأخبرنا الثَّورِيُّ، عن منصُورٍ، عن إبراهيمَ، قال: كانوا لا يَعْتمِرُون في السَّنةِ إلّا مرَّةً واحِدةً (٢). قال أبو عُمر: لا أعلمُ لمن كَرِه العُمرةَ في السَّنةِ مِرارًا حُجَّةً من كِتابٍ، ولا سُنَّةٍ، يجِبُ التَّسلِيمُ لمِثلِها، والعُمرةُ فِعلُ خيرٍ، وقد قال الله : ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧]، فواجِبٌ استِعمالُ عُمُوم ذلك، والنَّدبُ إليه، حتَّى يَمنَعَ منهُ ما يجِبُ التَّسلِيمُ لهُ.

стр. 6807

وأمّا اعتِمارُ رسُولِ الله ﷺ قبلَ الحجِّ. فقد ذكَرْنا فيه حدِيث ابن جُريج، عن عِكرِمةَ بن خالدٍ، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ اعْتَمرَ قبلَ أن يحُجَّ (١). وهُو أمرٌ مشهُورٌ عِندَ جميع أهلِ السِّيرِ والعِلم بالأثرِ، يُغني عن الإسنادِ، وحدِيثُ ابن عُمرَ هذا حدِيثٌ ثابتٌ من جِهَةِ الإسنادِ مُتَّصِلٌ. وممّا يدُلُّكَ على أنَّهُ اعتمرَ قبلَ الحجِّ ﷺ ، أنَّ عُمرتهُ كانَتْ والمُشرِكُونَ بمكَّةَ يَومئذٍ: أخبرنا محمدُ بن إبراهيم بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): أخبَرنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، يعني ابن أبي خالدٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي أوفى، قال: اعتمرَ رسُولُ الله ﷺ فطافَ بالبيتِ، ثُمَّ خرجَ بينَ (٣) الصَّفا والمروةِ يطُوفُ، فجَعْلنا نستُرُهُ من أهلِ مكَّةَ، أن يَرْمِيهُ أحدُهُم، أو يُصِيبهُ بشيءٍ. قال أبو عُمر: ولم يكُن في حَجَّةِ الوداع بمكَّةَ رجُلٌ مُشرِكٌ، وهذا أشهرُ من أن يحتاج إلى الاسْتِشهادِ عليه. وقدِ اعتمرَ رسُولُ الله ﷺ قبلَ حجَّتِهِ عُمَرًا، قيل: ثلاثًا، وقيل: أربعًا. وسَنذكُرُ ذلك، وما جاءَ فيه من الأثرِ، في بابِ هشام بن عُروةَ، ونزِيدُ ذلك بيانًا في بابِ بلاغاتِ مالكٍ، من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله.
следующие страницы →