← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6803–6842 · переход к 6808.

стр. 6803

وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ، قال: العُمرةُ على النّاسِ، إلّا على أهلِ مكَّةَ. قال: وأخبَرنا مَعْمرٌ والثَّورِيُّ، عن لَيْثٍ، عن عَطاءٍ وطاوُوسٍ ومُجاهِدٍ، قالوا (١): العُمرةُ واجِبةٌ، وتُجزِئُ منها المُتعةُ. قال: وأخبَرنا الثَّورِيُّ ومَعْمرٌ، عن داود بن أبي هِندٍ، قال: قُلتُ لعطاءٍ: العُمرةُ علينا فرِيضةٌ كالحجِّ؟ قال: نعم، قُلتُ: أتُجزِئُنا منها المُتعةُ؟ قال: نعم (٢). قال: وأخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهرِيِّ، عن سالم، عن أبيهِ، قال: المُتعةُ في الحجِّ تُقْضَى. قال مَعْمرٌ: وقال الزُّهرِيُّ: كان أهلُ الجاهِليّةِ يقولُونَ: العُمرةُ: الحجُّ الأصغرُ (٣). قال معمرٌ: وقال قتادةُ: العُمرةُ واجِبةٌ (٤). قال: وحدّثنا ابن جُرَيج، عن عمر بن (٥) عطاءٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: العُمرةُ واجِبةٌ كوُجُوبِ الحجِّ (٦). قال: وأخبَرنا الثَّورِيُّ، عن يُونُس، عن الحسنِ وابنِ سِيرِينَ، قالا: العُمرةُ واجِبةٌ.

стр. 6804

قال (١): وأخبَرنا معمرٌ والثَّورِيُّ، عن ابن جُريج، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: العُمرةُ واجِبةٌ. قال (٢): وأخبَرنا عبدُ الملكِ بن أبي سُليمانَ، قال: سألتُ سعِيد بن جُبيرٍ عن العُمرةِ: أواجِبةٌ هي؟ فقال: نعم، فقال لهُ قيسُ بن رُومان: فإنَّ الشَّعبِيَّ يقولُ: ليسَتْ واجِبةً. فقال: كذَبَ الشَّعبِيُّ، إنَّ الله يقولُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال أبو عُمر: فهؤُلاءِ ذَهَبُوا إلى أنَّ العُمرةَ واجِبةٌ، فَرضًا كالحجِّ. وخالَفهُم غيرُهُم، على ما قدَّمنا ذِكرهُ في هذا البابِ، فذَهبُوا إلى أنَّ العُمرةَ سُنَّةٌ أو تطوُّعٌ، على حسَبِ ما ذكرنا عنهُم. ذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا عُثمانُ بن مَطرٍ، عن سعِيدٍ، عن أبي مَعْشرٍ، عن إبراهيم، عن ابن مسعُودٍ، قال: الحجُّ فرِيضةٌ، والعُمرةُ تطوُّعٌ (٣). قال: وأخبَرنا الثَّورِيُّ، عن سِماكٍ (٤)، عن إبراهيمَ، قال: العُمرةُ سُنَّةٌ وليسَتْ بفرِيضةٍ. وأمّا اختِلافُهُم في جَوازِ العُمرةِ مِرارًا في سَنةٍ واحِدةٍ: فقال مالكٌ (٥): لا أرَى لأحدٍ أن يعتمِرَ في السَّنةِ مِرارًا، وكَرِه عُمرتينِ في سَنةٍ واحِدةٍ. ومنعَ منهما للحاجِّ ما لم يتحلَّل من آخِرِ عَملِهِ بمِنًى.

стр. 6805

ومن حُجَّةِ من ذهَبَ مذهب مالكٍ في ذلك: أنَّ رسُولَ الله ﷺ لم يَعْتمِر عُمرتينِ في عام واحِدٍ، واعتَمرَ ثلاثَ عُمَر أو أربعًا، كلُّ عُمرةٍ منها في سَنةٍ (١). ومن حُجَّتِهِ في ذلك أيضًا: أنَّ عائشةَ كانت في آخِرِ أمْرِها إذا حجَّت، بَقِيت بمكَّةَ حتَّى يُهِلَّ المُحرِمُ، ثُمَّ تخرُجُ من مكَّةَ إلى المِيقاتِ، فتُهِلُّ منهُ بعُمرةٍ. فكان يقعُ حجُّها في عام (٢)، وعُمرتُها في عام آخرَ. وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: العُمرةُ مُباحةٌ في السَّنةِ كلِّها، إلّا يوم عرفةَ، ويوم النَّحرِ، وأيّام التَّشرِيقِ. قال: والحاجُّ وغيرُهُ في ذلك سواءٌ (٣). وروى بِشْرُ بن الوليدِ، عن أبي يُوسُف، قال: لا بأسَ بالعُمرةِ يومَ عرفةَ (٤). وقال الثَّورِيُّ: يَعتمِرُ مَتَى شاءَ. وقال الحسنُ بن صالح بن حيٍّ: يَعتمِرُ في السَّنةِ كلِّها، إلّا في أيّام التَّشرِيقِ. وقال الشّافِعيُّ (٥): لا بأس أن يعتمِرَ في السَّنةِ مِرارًا ومتى شاءَ، إلّا الحاجَّ، فإنَّهُ لا يعتمِرُ ما دام حاجًّا. (٦) قال أبو عُمر: ذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبَرنا عُبيدُ الله وعبدُ الله ابنا عُمرَ، عن نافع: أنَّ عبد الله بن عُمرَ اعتمرَ في السَّنةِ مرَّتينِ (٧).

стр. 6806

قال: وأخبَرنا معمرٌ والثَّورِيُّ، عن صَدَقةَ بن يَسارٍ، عن القاسم بن محمدٍ، أنَّ عائشةَ اعْتَمرت. قال الثَّورِيُّ في حدِيثهِ: مِرارًا في السَّنةِ. وقال معمرٌ في حدِيثهِ: ثلاثَ مرّاتٍ في سنةٍ. قال صدقةُ: فقُلتُ للقاسم: أنكَرَ ذلك عليها أحدٌ؟ فقال: أعلى أُمِّ المُؤمِنِين عائشةَ؟ قال أبو عُمر: في قولِ صدقةَ بن يَسارٍ للقاسم بن محمدٍ: أنكَرَ ذلك عليها أحدٌ؟ دليلٌ على أنَّ الاختِلافَ بين السَّلفِ في هذه المسألةِ قَدِيمٌ معرُوفٌ. قال: وأخبَرنا ابن عُيينةَ، عن يحيى بن سعِيدٍ، عن سَعِيدِ بن المُسيِّبِ، قال: اعْتَمرت عائشةُ في سَنةٍ ثلاثَ مرّاتٍ: من الجُحْفةِ مرَّةً، ومرَّةً من التَّنعِيم، ومرَّةً من ذِي الحُلَيفةِ (١). قال: وأخبَرنا مَعمرٌ، عن صَدَقةَ بن يَسارٍ، قال: سمِعتُ القاسم بن محمدٍ يقولُ: في كلِّ شَهْرٍ عُمرةٌ، وكان يكرهُ عُمرَتينِ في شَهْرٍ واحِدٍ. قال: وأخبرنا معمرٌ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ، قال: في كلِّ شهرٍ عُمرةٌ. قال: وأخبرنا الثَّورِيُّ، عن منصُورٍ، عن إبراهيمَ، قال: كانوا لا يَعْتمِرُون في السَّنةِ إلّا مرَّةً واحِدةً (٢). قال أبو عُمر: لا أعلمُ لمن كَرِه العُمرةَ في السَّنةِ مِرارًا حُجَّةً من كِتابٍ، ولا سُنَّةٍ، يجِبُ التَّسلِيمُ لمِثلِها، والعُمرةُ فِعلُ خيرٍ، وقد قال الله : ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧]، فواجِبٌ استِعمالُ عُمُوم ذلك، والنَّدبُ إليه، حتَّى يَمنَعَ منهُ ما يجِبُ التَّسلِيمُ لهُ.

стр. 6807

وأمّا اعتِمارُ رسُولِ الله ﷺ قبلَ الحجِّ. فقد ذكَرْنا فيه حدِيث ابن جُريج، عن عِكرِمةَ بن خالدٍ، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله ﷺ اعْتَمرَ قبلَ أن يحُجَّ (١). وهُو أمرٌ مشهُورٌ عِندَ جميع أهلِ السِّيرِ والعِلم بالأثرِ، يُغني عن الإسنادِ، وحدِيثُ ابن عُمرَ هذا حدِيثٌ ثابتٌ من جِهَةِ الإسنادِ مُتَّصِلٌ. وممّا يدُلُّكَ على أنَّهُ اعتمرَ قبلَ الحجِّ ﷺ ، أنَّ عُمرتهُ كانَتْ والمُشرِكُونَ بمكَّةَ يَومئذٍ: أخبرنا محمدُ بن إبراهيم بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): أخبَرنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، يعني ابن أبي خالدٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي أوفى، قال: اعتمرَ رسُولُ الله ﷺ فطافَ بالبيتِ، ثُمَّ خرجَ بينَ (٣) الصَّفا والمروةِ يطُوفُ، فجَعْلنا نستُرُهُ من أهلِ مكَّةَ، أن يَرْمِيهُ أحدُهُم، أو يُصِيبهُ بشيءٍ. قال أبو عُمر: ولم يكُن في حَجَّةِ الوداع بمكَّةَ رجُلٌ مُشرِكٌ، وهذا أشهرُ من أن يحتاج إلى الاسْتِشهادِ عليه. وقدِ اعتمرَ رسُولُ الله ﷺ قبلَ حجَّتِهِ عُمَرًا، قيل: ثلاثًا، وقيل: أربعًا. وسَنذكُرُ ذلك، وما جاءَ فيه من الأثرِ، في بابِ هشام بن عُروةَ، ونزِيدُ ذلك بيانًا في بابِ بلاغاتِ مالكٍ، من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله.

стр. 6808

ذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا هشامُ بن حسّان، عن محمدِ بن سِيرِينَ، عن كثِيرِ بن أفلحَ، قال: سُئل زيدُ بن ثابتٍ، عن رَجُلٍ اعتمرَ قبل أن يحُجَّ، فقال: صَلاتانِ، لا يضُرُّك بأيِّهِما بدأت (١). قال هشامٌ: وقال الحسنُ: نُسُكانِ لا يضُرُّكَ بأيِّهِما بدأت. قال: وأخبرنا الثَّورِيُّ، عن سُليمان التَّيمِيِّ وسعِيدٍ (٢) الجُرَيرِيِّ، عن حيّان بن عُميرٍ، قال: سألتُ ابن عبّاسٍ: أأعتمِرُ قبلَ الحجِّ؟ فقال: نُسُكانِ لله عليكَ، لا يضُرُّكَ بأيِّهِما بدأتَ (٣). قال حيّانُ: وقال ابن عبّاسٍ: العُمرةُ واجِبةٌ. قال: وأخبرنا ابن عُيينةَ، عن هشام بن حُجيرٍ، قال: قيلَ لابنِ عبّاسٍ: تَزعُمُ أنَّ العُمرةَ قبلَ الحجِّ، وقد قال الله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال ابن عبّاسٍ: فكيفَ تَقْرأُ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] أفبالدَّينِ تَبْدأُ أم بالوصِيَّةِ، وقد بَدَأ بالوصِيَّةِ؟

стр. 6809

حدِيثٌ خامِسٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حَرْملةَ الأسلمِيِّ، عن سَعِيدِ بن المُسيِّبِ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا يَزالُ النّاسُ بخيرٍ ما عَجَّلُوا الفِطْرَ". لم يختلِفِ الرُّواةُ عن مالكٍ في إرسالِ هذا الحدِيثِ، بهذا الإسنادِ (٢)، وهُو مُتَّصِلٌ في "المُوطَّأ" (٣) من حدِيثِ مالكٍ، عن أبي حازِم، عن سهلِ بن سعدٍ. ويتَّصِلُ أيضًا من غيرِ رِوايةِ مالكٍ، من حدِيثِ سهلِ بن سعدٍ، وأبي هريرةَ: حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قالا حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أبي حازِم، قال: سمِعتُ سَهْل بن سعدٍ السّاعِدِيَّ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يزالُ النّاسُ بخيرٍ ما عجَّلُوا الفِطْرَ" (٤). وأخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٥): أخبَرنا شُعيبُ بن يُوسُف، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن هارونَ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٦): حدَّثنا

стр. 6810

وَهْبُ (١) بن بقِيَّةَ، عن خالدٍ. جميعًا عن محمدِ بن عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا يزالُ الدِّينُ ظاهِرًا، ما عجَّلَ النّاسُ الفِطرَ، إنَّ اليهُودَ يُؤَخِّرُونَ". وقرأتُ على عبدِ الوارِثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا دُحيمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شُعَيب، عن الأوزاعِيِّ، عن قرَّةَ بن حَيْوِيل المِصرِيِّ، عن الزُّهرِيِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ ، يعني عن الله : "إنَّ (٢) أحبَّ عِبادِي إليَّ، أعجلُهُم فِطْرًا" (٣).

стр. 6811

حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح (١)، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا حُسينُ بن عليٍّ، عن زائدةَ، عن حُميدٍ، عن أنسٍ، قال: ما رأيتُ رسُولَ الله ﷺ يُصلِّي حتَّى يُفطِرَ، ولو على شَرْبةٍ من ماءٍ (٢). وروى ابن وَهْبٍ (٣)، عن مالكٍ وعَمرِو بن الحارِثِ ويُونُس بن يزِيد، عن ابن شِهابٍ، عن أنَسِ بن مالكٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ "إذا قُرِّبَ العَشاءُ، وحَضَرتِ الصَّلاةُ، فابْدَؤُوا (٤) به، قبلَ أن تُصلُّوا المغرِبَ". إلّا أنَّ مالكًا قال في حدِيثِه: "فابدؤُوا بالعَشاءِ، ولا تَعْجلُوا عن عَشائكُم". فكان الأمرُ على ذلك، فلمّا ولي عُمرُ بن الخطّابِ، خَشِي أن يطُولَ المُكثُ على العَشاءِ، فقدَّم الصَّلاةَ على العَشاءِ، ثُمَّ فعلَ ذلك عُثمانُ بن عفّان. وهذا حدِيثٌ غرِيبٌ لمالكٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن أنسٍ صحِيحٌ. وفي "المُوطَّأ" (٥) بإثرِ هذا الحدِيثِ: مالكٌ، عن ابن شِهابٍ، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، أنَّ عُمر بن الخطّابِ وعُثمان بن عفّان، كانا يُصلِّيانِ المغرِب حِينَ ينظُرانِ إلى اللَّيلِ الأسودِ قبلَ أن يُفطِرا، ثُمَّ يُفطِرانِ بعد الصَّلاةِ، وذلك في رمضان. وسيأتي فِقهُ هذا الحدِيثِ في بابِ أبي حازِم، عن سهلِ بن سَعْدٍ، إن شاءَ الله .

стр. 6812

مالكٌ عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي عَمْرةَ الأنصارِيِّ حدِيثٌ واحِدٌ هكذا قال فيه مالكٌ: عبدُ الرَّحمنِ بن أبي عمرةَ، نَسَبَهُ إلى جدِّهِ، وهُو عبدُ الرَّحمنِ (١) بن عبدِ الله بن عَمْرو أبي عمرةَ الأنصارِيُّ، مدنِيٌّ ثِقةٌ. يَروِي عن القاسم بن محمدٍ، و (٢) عن عمِّهِ عبدِ الرَّحمنِ بن أبي عَمْرةَ، ولهُ رِوايةٌ عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، وما أظُنُّهُ سمِعَ منهُ ولا أدْرَكهُ، وإنَّما يَروِي عن عمِّهِ، عنهُ. يروِي عنهُ مالكٌ، وعبدُ الله بن خالدٍ أخُو عطّافِ بن خالدٍ، وابنُ أبي الموالِي، وغيرُهُم. وأمّا عمُّهُ عبدُ الرَّحمنِ بن أبي عَمْرةَ (٣)، فمن كِبارِ التّابِعِين بالمدِينةِ، يروِي عن عُثمان بن عفّان، وأبي هريرةَ، وزيدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، وغيرِهِم. روى (٤) عنهُ إسحاقُ بن عبدِ الله بن أبي طلحةَ، ومحمدُ بن إبراهيم بن الحارِثِ التَّيمِيُّ، وعبدُ الله بن عَمرِو بن عُثمان، وغيرُهُم. ولأبيهِ (٥) أبي عمرةَ صُحبةٌ، وقد ذكرناهُ في كِتابِ "الصَّحابةِ" (٦) وذكَرْنا نسبهُ والاختِلاف في اسمِهِ، في بابِ الباءِ، وفي بابِ الكُنى، والحمدُ لله.

стр. 6813

مالكٌ (١)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي عمرةَ الأنصارِيِّ، أنَّ أُمَّهُ أرادَتْ أن تُوصِيَ، ثُمَّ أخَّرت ذلك إلى أن تُصبِحَ فهلكَتْ، وقد كانت همَّت بأن تَعتِقَ. قال عبدُ الرَّحمنِ: فقُلتُ للقاسم بن محمدٍ: أينفَعُها أن أعتِقَ عنها؟ فقال القاسمُ بن محمدٍ: إنَّ سعدَ بن عُبادةَ قال لرسُولِ الله ﷺ : إنَّ أُمِّي هلكَتْ، فهل يَنفعُها أن أعتِقَ عنها؟ فقال رسُولُ الله ﷺ : "نعم". قال أبو عُمر: طائفةٌ تقُولُ في هذا الحدِيثِ، عن مالكٍ: "نعم أعتِقْ عنها". منهُمُ: ابن أبي أُوَيسٍ، ورِوايةُ يحيى قائمةُ المعنى صحِيحةٌ. وهذا (٢) حدِيثٌ مُنقطِعٌ؛ لأنَّ القاسم لم يلقَ سعد بن عُبادةَ. ولكِن قِصَّةَ سعدِ بن عُبادةَ وحدِيثهُ في ذلك، قد رُوِي من وُجُوهٍ كثِيرةٍ مُتَّصِلةٍ ومُنقطِعةٍ، صِحاح كلُّها، وهُو حدِيثٌ مشهُورٌ عِندَ أهلِ العِلم، من حدِيثِ سعدِ بن عُبادةَ وغيرِهِ، إلّا أنَّ الرِّوايةَ في ذلك مُختلِفةُ المعاني، فمنها: الصَّدقةُ عن الميِّتِ. ومنها: العِتقُ عن الميِّتِ. ومنها: الصِّيامُ عن الميِّتِ. ومنها: قضاءُ النَّذرِ مُجملًا. فأمّا الصَّدقةُ، فمن حدِيثِ مالكٍ (٣)، عن سَعِيدِ بن عَمرو (٤) بن شرَحبِيل بن سعِيدِ بن سَعدِ بن عُبادةَ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ: أنَّ سعدَ بن عُبادةَ تُوُفِّيت أُمُّهُ، وهُو غائبٌ، فلمّا قدِمَ سَعْدٌ، قال: يا رسُولَ الله، أيَنْفعُها أن أتصدَّقَ عنها؟ فقال رسُولُ الله ﷺ : "نعم".

стр. 6814

وسنذكُرُ هذا الحدِيث في بابِ سعِيدِ بن عَمرٍو من كِتابِنا هذا، إن شاءَ الله. وعِندَ مالكٍ (١) أيضًا في هذا حدِيثُ هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، مرفُوعًا في الصَّدقةِ عن الميِّتِ. وأكثرُ الأحادِيثِ في قِصَّةِ سَعْدٍ (٢) هذه، عن سعدٍ وغيرِهِ، إنَّما هي في الصَّدَقةِ. وأمّا العِتقُ، فلا يَكادُ يُوجَدُ إلّا من حدِيثِ مالكٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي عَمْرةَ هذا. وأمّا الصِّيامُ عن الميِّتِ، فقد رُوِي أيضًا من وُجُوهٍ مُختلِفةٍ. وأمّا النَّذرُ، فمن حَدِيثِ ابن شِهابٍ، عن عُبيدِ الله، عن ابن (٣) عبّاسٍ، أنَّ سعد بن عُبادةَ سألَ النَّبيَّ ﷺ عن نَذْرٍ كانَ على أُمِّهِ، فتُوُفِّيت قبلَ أن تَقْضِيهُ، فقال: "اقضِهِ عنها" (٤). فأمّا الصَّدقةُ عن الميِّتِ، فمُجتمَعٌ على جَوازِها، لا خِلافَ بين العُلماءِ فيها، وكذلك العِتقُ عن الميِّتِ جائزٌ بإجماع أيضًا (٥). إلّا أنَّ العُلماءَ اختَلفُوا في الولاءِ: فذهَبَ مالكٌ وأصحابُهُ إلى أنَّ الولاءَ للمُعتَقِ عنهُ. وذهَبَ الشّافِعيُّ وأصحابُهُ إلى أنَّ الوَلاءَ للمُعتِق على كلِّ حالٍ. وذهب الكُوفِيُّون إلى أنَّ العِتقَ إن كان بأمرِ المُعتَقِ عنهُ، فالولاءُ لهُ، وإن كان بغيرِ أمرِهِ، فالولاءُ للمُعتِقِ.

стр. 6815

وقد ذكَرْنا هذه المسألةَ ووُجُوهها، في بابِ ربِيعةَ، من كِتابِنا هذا. وأمّا الصِّيامُ عن الميِّتِ، فمُختَلفٌ فيه، فجماعةُ أهلِ العِلم على أنَّهُ لا يصُومُ أحدٌ عن وليِّهِ إذا ماتَ، وعليه صِيامٌ من رمضانَ، ولكِنَّهُ يُطعِمُ عنهُ. قال أكثرُهُم: إن شاءَ. وكذلك جُمهُورُهُم أيضًا، على أنَّهُ لا يصُومُ أحَدٌ عن أحَدٍ، لا في نَذْرٍ، ولا في غيرِ نَذرٍ. ومِمَّن ذهب إلى ذلك: مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُ (١)، والثَّورِيُّ (٢). ومن أهلِ العِلم من رأى أن يصُوم ولِيُّ الميِّتِ عنهُ في النَّذرِ، دُون صِيام رمضانَ، منهُم: إسحاقُ بن راهُوية. وهُو الصَّحِيحُ عن ابن عبّاسٍ، أنَّهُ قال: ما كانَ من شَهرِ رمضانَ يُطعِمُ عنهُ، وما كان من صَوْم النَّذرِ، فإنَّهُ يُقْضَى عنهُ (٣). وقد رُوِي عن أحمد بن حنبلٍ مِثلُ قولِ ابن عبّاسٍ سواءٌ (٤). ومنهُم من رأى أن يصُوم عنهُ في كلِّ صِيام عليه، على عُمُوم ما رُوِي عن ابن عبّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "من ماتَ وعليه صِيامٌ، صامَ عنهُ وليُّهُ" (٥)، منهُم: أحمدُ بن حنبلٍ على اختِلافٍ عنهُ، ولم يُختلَفْ عن أبي ثورٍ في جَوازِ ذلك في الوجهينِ جميعًا.

стр. 6816

وقد ذكَرْنا الحُكم في ذلك عن عُلماءِ الأمصارِ، وذكَرْنا ما جاءَ في ذلك من الآثارِ، في بابِ ابن شِهابٍ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عتبةَ، من كِتابِنا هذا عِندَ ذِكرِ حدِيثِ مالكٍ (١)، عن ابن شِهاب، عن عُبيدِ الله، عن ابن عبّاسٍ، أنَّ سعد بن عُبادةَ سأل رسُولَ الله ﷺ عن نَذرٍ كان على أُمِّهِ تُوُفِّيت قبلَ أن تَقْضِيهُ، فقال: "اقضِهِ عنها". وذكرنا هُناكَ حُكم النَّذرِ المُجمَل وكفّارتهُ، وما في ذلك للعُلماءِ، والحمدُ لله. وأمّا حدِيثُ سَعْدِ بن عُبادةَ في هذا البابِ، فأكَثرُ ما رُوِي فيه الصَّدقةُ، من حَدِيثِ القاسم بن محمدٍ وغيرِهِ: أخبَرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، أنَّ أباهُ أخبرهُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يُونُس، قال: حدَّثنا بَقِيُّ بن مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا ابن كاِسبِ، قال: حدَّثنا ابن عُيَينةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، أنَّ سعدًا أتَى النَّبيَّ ﷺ فقال: "يا نَبيَّ الله، إنَّ أُمِّي ماتَتْ ولم تُوصِ، أفيَنْفعُها أن أتصدَّقَ عنها من مالِها؟ قال: "نعم" (٢). قال: وحدَّثنا ابنُ كاسِبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْبٍ، قال: أخبرني عَمرُو بن الحارِثِ، أنَّ بُكيرًا حدَّثهُ، عن سُليمان بن يَسارٍ، أنَّ سعد بن عُبادةَ قال للنَّبيِّ ﷺ : إنَّ أُمِّي تُوُفِّيت ولم تُوصِ، فهل تَنالُها (٣) صَدَقتي إن تصدَّقتُ عنها؟ قال: "نعم" (٤). قال: وحدَّثنا ابن كاسِبٍ، قال: حدَّثنا مروانُ (٥)، عن حُميدٍ الطَّوِيلِ، عن

стр. 6817

الحسنِ، قال: قال سَعْدٌ الأنصارِيُّ: يا رسُولَ الله، إنَّ أُمَّ سَعْدٍ كانت تُحِبُّ الصَّدقةَ، أفيَنْفعُها أن أتَصدَّق عنها بعدَها؟ قال: "نعم، وعليك بالماءِ" (١). قال: وحدَّثثي يحيى بن عبدِ الحميدِ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن عُمارةَ بن غزِيَّةَ، عن حُميدِ بن أبي الصَّعبةِ، عن سعدِ بن عُبادةَ (٢): أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَهُ أن يُسقِي عنها الماءَ (٣). قال: وحدَّثنا يحيى بن عبدِ الحميدِ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن سعِيدِ بن عَمرِو بن شُرحبِيل، عن سعِيدِ بن سَعدِ بن عُبادةَ، عن أبيهِ: أنَّ أمَّهُ تُوُفِّيت وهُو غائبٌ، فقال للنَّبيِّ ﷺ : أيَنْفعُها أن أتصدَّقَ عنها؟ قال: "نعم" (٤). ووجدتُ في أصلِ سَماع أبي بخطِّهِ ﵀، أنَّ محمد بن أحمد بن قاسم بن هِلالٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمان الأعناقِيُّ، قال: حدَّثنا نَصرُ بن مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا أسدُ بن موسى، قال: حدَّثنا الرَّبِيعُ بن صُبيح، عن الحسنِ، عن سَعدِ بن عُبادةَ، قال: قُلتُ: يا رسُول الله، والِدتي كانت تَتَصدَّقُ من مالي، وتَعتِقُ من مالي

стр. 6818

حياتَها، فقد ماتَتْ، أرأيتَ إن تصدَّقتُ عنها، أو أعَتْقتُ عنها، أتَرجُو لها شيئًا؟ قال: "نعم". قال: يا رسُولَ الله، دُلَّني على صَدَقةٍ، قال: "اسقِ الماءَ". قال: فما زالت جِرارُ سَعْدٍ بالمدِينةِ بَعدُ (١). ومن أحسنِ ما يُروى في العِتقِ عن الميِّتِ: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): أخبَرنا الرَّبِيعُ بن سُليمانَ صاحِبُ الشّافِعيِّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يُوسُف، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن سالم، قال حدَّثني إبراهيمُ بن أبي عَبْلةَ، قال: كُنتُ جالِسًا بأرِيحا، فمرَّ بي واثِلةُ بن الأسقع مُتوكِّئًا على عبدِ الله بن الدَّيلمِيِّ، فأجْلَسهُ، ثُمَّ جاءَ إليَّ فقال: عَجَبٌ ما حدَّثني الشَّيخُ! يعني واثِلةَ، قُلتُ: ما حدَّثكَ؟ قال: كُنّا مع النَّبيِّ ﷺ في غَزْوةِ تبُوكَ، فأتَى نفرٌ من بني سُلِيم، فقالوا: يا رَسُولَ الله، إنَّ صاحِبنا قد أوجَبَ (٣)، فقال رسُولُ الله ﷺ : "اعتِقُوا عنهُ رقبةً، يُعتِقِ الله بكلِّ عُضوٍ منها عُضوًا منهُ من النّارِ".

стр. 6819

عبدُ ربِّهِ بن سَعِيدِ بن قَيْسٍ الأنصارِيُّ أخُو يحيى بن سعِيدٍ لمالكٍ عنهُ ثلاثةُ أحادِيث، أحدُها مُرسلٌ. وهُو: عبدُ ربِّهِ (١) بن سعِيدِ بن قَيْسِ بن عَمرِو بن سهلِ بن ثعلبةَ الأنصارِيُّ، لجدِّهِ قيسِ بن عَمرٍو صُحبةٌ وقد ذكَرْناهُ ونسبناهُ في كِتابِ "الصَّحابةِ" (٢). ويُقالُ: عبدُ ربِّهِ بن سعِيدِ بن قيسِ بن أبي قيسٍ فهدِ بن خالدٍ (٣). والأوَّلُ أصحُّ. وتُوُفِّي عبدُ ربِّهِ بن سعِيدِ بن قيسٍ سنةَ تِسع وثلاثِينَ ومئةٍ (٤). وقيل: سنةَ إحدى وأربعينَ ومئةٍ. وكان ثِقةً مأمُونًا (٥)، روى عنهُ شُعبةُ، ومالكٌ، وجماعةٌ من الأئمَّةِ.

стр. 6820

حدِيثٌ أوَّلٌ لعبدِ ربِّهِ بن سَعِيدٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ ربِّهِ بن سعِيدٍ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن هشام، عن عائشةَ وأُمِّ سلمةَ، أُمَّيِ المُؤمِنِين، أنَّهُما قالتا: كان رسُولُ الله ﷺ يُصبِحُ جُنبًا مِنِ جماع، غيرِ احتِلام، في رمضانَ ثُمَّ يصُومُ. قال أبو عُمر: هكذا يروِي مالكٌ هذا الحدِيث عن عَبدِ ربِّهِ بن سعِيدٍ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ، وأُمِّ سلمةَ. وخالفهُ عمرُو بن الحارِثِ، فرواهُ عن عبدِ ربِّهِ بن سعِيدٍ، عن عبدِ الله بن كعبٍ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ. أخبرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): أخبرنا أحمدُ بن الهيثم قاضِي الثَّغرِ، قال: حدَّثنا حَرْملةُ، قال: حدَّثنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرني عَمرٌو، عن عبدِ ربِّهِ، وهُو ابن سعِيدٍ، عن عبدِ الله بن كَعب الحِميرِيِّ، أنَّ أبا بكرٍ حَدَّثهُ، أنَّ مروانَ أرسَلَهُ إلى أُمِّ سلمةَ يَسْألُها عن الرَّجُلِ يُصبِحُ جُنُبًا، يصُومُ؟ فقالت: كان رسُولُ الله ﷺ يُصبِحُ جُنُبًا من جِماع لا حُلُم، ثُمَّ لا يُفطِرُ ولا يَقْضِي. ورَوَى قومٌ هذا الحدِيث أيضًا عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، وأُمِّ سَلَمةَ (٣). وقد سَمِعهُ أبو بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ من عائشةَ

стр. 6821

وأُمِّ سلمةَ، لأنَّهُ مَضَى مع (١) أبيهِ، إذ أرسلهُ مروانُ إليهما، وهذا ثابتٌ عنهُ من حدِيثٍ سُميٍّ وغيرِهِ من الثِّقاتِ، وهُو معرُوفٌ عِندَ أهلِ العِلم، مشهُورٌ، يُسْتَغنى عن الاستِشهادِ عليه. وسيأتي ذِكرُ ذلك، في بابِ سُميٍّ، من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله. وقد مَضَى ما للعُلماءِ من الصَّحابةِ (٢) والتّابِعينِ من المذاهبِ في الجُنُبِ يُصبِحُ في رمضانَ ولم يغتسِل، وفي الحائضِ أيضًا تُصبِحُ طاهِرًا ولم تغتسِل، مُجوَّدًا مُستوعبًا (٣) في بابِ أبي طُوالةَ عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعْمرٍ من كِتابِنا هذا، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهُنا.

стр. 6822

حدِيثٌ ثانٍ لعبدِ ربِّهِ بن سعِيدٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ ربِّهِ بن سعِيدِ بن قيسٍ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، أنَّهُ قال: سُئلَ عبدُ الله بن عبّاسٍ، وأبو هريرةَ، عن المرأةِ (٢) الحامِلِ يُتوفَّى عنها زوجُها، فقال ابن عبّاسٍ: آخِرُ الأجلَينِ. وقال أبو هريرةَ: إذا ولدَتْ، فقد حلَّتْ، فدخلَ أبو سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ على أُمِّ سلمةَ زوج النَّبيِّ ﷺ فسألهَا عن ذلك، فقالت أُمُّ سلمةَ: ولدَتْ سُبَيعةُ الأسلمِيَّةُ بعدَ وَفاةِ زوجِها بنِصفِ شَهْرٍ، فخَطَبها رجُلانِ، أحدُهُما شابٌ، والآخرُ كَهْلٌ، فحَطَّتْ إلى الشّابِّ، فقال الشَّيخُ: لم تحِلَّ بعدُ، وكان أهلُها غَيَبًا (٣)، ورَجا إذا جاءَ أهلُها أن يُؤثِرُوهُ بها، فجاءَت رسُولَ الله ﷺ فقال: "قَدْ حَلَلتِ، فانكِحِي من شِئتِ". قال أبو عُمر: هذا حدِيثٌ صحِيحٌ، جاءَ من طُرُقٍ شتَّى كثِير ثابتةٍ كلُّها، من رِوايةِ الحِجازِيِّين والعِراقِيِّين، وأجمعَ العُلماءُ على القَولِ به، إلّا ما رُوِيَ عن ابن عبّاسٍ في هذا الحدِيثِ وغيرِهِ (٤). وروي مِثلُهُ عن عليِّ بن أبي طالِبٍ من وَجهٍ مُنقطِع (٥)، أنَّهُ قال في الحامِلِ المُتوفَّى عنها زوجُها: عِدَّتُها آخرُ الأجَلَينِ (٦)، يعني: إن كان الحملُ أكثرَ من أربعةِ أشهُرٍ وعَشْرٍ، اعتدَّت بوَضعِهِ، وإن وضعَتْ قبلَ أربعةِ أشهُرٍ وعَشْرٍ، أكملت أربعةَ أشهُرٍ وعشرًا.

стр. 6823

فهذا مذهبُ ابن عبّاسٍ وعليِّ بن أبي طالِبٍ. على أنَّهُ قد رُوِي عن ابن عبّاسٍ رُجُوعُهُ إلى حدِيثِ أُمِّ سلمةَ، في قِصَّةِ سُبَيعةَ (١). وممّا يُصحِّحُ هذا عنهُ: أنَّ أصحابهُ عِكْرِمةَ، وعطاءً، وطاوُوسًا، وغيرَهُم، على القولِ بأنَّ المُتوفَّى عنها الحامِلُ، عِدَّتُها أن تضَعَ حملها، على حدِيثِ سُبيعةَ. وكذلك سائرُ العُلماءِ من الصَّحابةِ والتّابِعينِ، وسائرُ أهلِ العِلم أجمعِين، كلُّهُم يقولُ: عِدَّةُ الحامِلِ المُتوفَّى عنها، أن تضَعَ ما في بطنِها، من أجلِ حدِيثِ سُبيعةَ هذا. وأمّا مذهبُ عليٍّ وابنِ عبّاسٍ في هذه المسألةِ، فمعناهُ: الأخذُ باليَقِينِ، لمُعارضةِ عُمُوم قولِهِ ، في المُتوفَّى عنهُنَّ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. ولم يخُصَّ حامِلًا من غيرِ حامل، وعُمُوم قولِهِ : ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. ولم يخُصَّ مُتوفَّى عنها من غيرِها، فمن لم يبلُغهُ حدِيثُ سُبيعةَ، لزِمهُ الأخذُ باليقِينِ في عِدَّةِ المُتوفَّى عنها الحامِلِ، ولا يقِينَ في ذلك لمن جهِلَ السُّنَّةُ في سُبَيْعةَ، إلّا الاعتِدادُ بآخِرِ الأجَلَينِ. ومِثالُ هذا مسألةُ أُمِّ الولدِ تكونُ تحت زَوْج، قد زوَّجها منهُ سيِّدُها، ثُمَّ يمُوتُ سيِّدُها (٢)، ويمُوتُ زوجُها، ولا تدرِي أيَّهُما (٣) ماتَ قبلَ صاحِبِهِ، فإنَّها تعتدُّ من حِينِ ماتَ الآخِرُ منهُما أربعةَ أشهُرٍ وعَشْرًا، فيها حَيْضةٌ، وعلى هذا

стр. 6824

جماعةُ العُلماءِ القائلِينَ بأنَّ عِدَّةَ أُمِّ الولدِ من سيِّدِها حَيْضةٌ، ومن زَوْجِها شَهرانِ وخمسُ ليال، كلُّهُم يقولُ هاهُنا بدُخُولِ إحدى العِدَّتينِ في الأُخرى، ومعلُومٌ أنَّهُما لا تَلَزمانِها معًا، وإنَّما تَلزَمُها إحداهُما، فإذا جاءَت بهما معًا على الكمالِ في وَقْتٍ واحِدٍ، فذلك أكثرُ ما يَلْزمُها؛ لأنَّها إن كان سيِّدُها قد ماتَ قبلَ زوجِها، فلا استِبراءَ عليها من سيِّدِها، وإن كان سيِّدُها مات بعدَ مُضِيِّ شهرينِ وخَمْسِ ليال، فعليها أن تأتي بحيضةٍ تَسْتبرِئُ بها نفسها من سيِّدِها. ومعنى هذه المسألةِ الشَّكُّ في أيِّهِما مات أوَّلًا، وفي المُدَّةِ، هل هي شَهْرانِ وخمسُ ليال، أو أكثرُ؟ وقد قيل: إنَّ معنى هذه المسألةِ: أنَّها (١) لا تَدْرِي هل بينَ مَوْتيهِما يومٌ واحِدٌ، أو شَهْرانِ وخمسُ لَيال، أو أكثرُ؟ وفي هذه المسألةِ لأهْلِ الرَّأيِ نَظَر، ليسَ هذا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ، وإنَّما ذكَرْناها من جِهَةِ التَّمثِيلِ، وأنَّهُ من وجبَ عليه أحدُ شيئَينِ يَجْهلُهُ بعينِهِ، لَزِمهُ الإتيانُ بهما معًا. ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٢)، عن ابن جُريج، عن عَطاءٍ، قال: كان ابن عبّاسٍ يقولُ: إن طلَّقها وهي حامِلٌ، ثُمَّ تُوُفِّي عنها، فآخِرُ الأجَلَينِ، أو مات عنها وهي حامِلٌ، فآخِرُ الأجلينِ. قيل لهُ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. قال: ذلك في الطَّلاقِ. قال (٣): وأخبرنا ابن جُريج، عن عطاءٍ، قال: إن طلَّقها حُبْلَى، فإذا وضعَتْ فلتَنْكِح حِين تضعُ، وهي في دَمِها لم تَطْهُر.

стр. 6825

قال (١): وأخبرنا ابن جُريج، عن عمرِو بن مُسلِم، عن عِكرِمةَ: أنَّهُ أخذَ في ذلك بحدِيثِ سُبيعةَ. قال (٢): وأخبرنا مَعْمرٌ والثَّورِيُّ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مَسْرُوقٍ، قال: قال ابن مَسْعُودٍ: من (٣) شاءَ باهلتُهُ، أو لاعنتُهُ، إنَّ الآيةَ التي في سُورةِ النِّساءِ القُصْرَى (٤) - ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ - نزلت بعد الآيةِ التي في سُورةِ البقرةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ الآيةَ [البقرة: ٢٣٤]. قال: وبلغهُ أنَّ عليًّا قال: هي آخِرُ الأجَلينِ. فقال ذلك. قال أبو عُمر: رُوِي عن عُمر وابنِ عُمر، مِثلُ قولِ ابن مسعُودٍ. وهُو قولُ سعِيدِ بن المُسيِّبِ، وابنِ شِهابٍ، وعليه النّاسُ (٥). ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٦)، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن سالم، عن أبيهِ، قال: إذا وضعَتْ حملَها فقد حلَّ أجلُها. قال: وقال: إنَّ رَجُلًا من الأنصارِ قال لابنِ عُمر: سَمِعتُ أباكَ يقولُ: لو وضعَتْ حملها، وهُو على سرِيرِهِ لم يُدفن، لحلَّت.

стр. 6826

أخبَرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: أخبرنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا المُطَّلِبُ بن شُعَيب، قال: حدَّثني عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني يُونُسُ، عن ابن شِهابٍ. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا سُليمانُ بن داود المهرِيُّ، قال: أخبرنا ابن وَهْبِ، قال: أخبرني يُونُسُ، عن ابن شِهابٍ، قال: حدَّثني عُبيدُ الله بن عبدِ الله بن عُتبةَ: أَنَّ أباهُ كتب إلى عُمر بن عبدِ الله بن الأرقم الزُّهرِيِّ، يأمُرُهُ أن يدخُلَ على سُبَيعةَ ابنةِ الحارِثِ الأسْلَمِيَّةِ، فيَسْألَها عن حدِيثِها، وعمّا قال لها رسُولُ الله ﷺ ، حِينَ استفتتهُ، فكتَبَ عُمرُ بن عَبدِ الله بن الأرقم إلى عَبدِ الله بن عُتبةَ يُخبِرُهُ، أنَّ سُبيعةَ بنت الحارِثِ أخبَرتهُ: أنَّها كانت تحت سعدِ (٢) بن خَوْلةَ، وهُو من بني عامرِ بن لُؤَيِّ، وكان مِمَّن شهِدَ بدرًا، تُوُفِّي عنها في حَجَّةِ الوَداع (٣) وهي حامِلٌ، فلم تَلْبث أن وَضعَتْ حَمْلها بعدَ وَفاتِهِ، فلمّا تَعلَّت (٤) من نِفاسِها، تجمَّلت للخُطّابِ، فدخَلَ عليها أبو السَّنابِلِ بن بَعْكَك (٥) رجُلٌ من بني عبدِ الدّارِ، فقال: ما لي أراكِ مُتَجمِّلةً؟ لعلَّكِ تَرْجِينَ (٦) النِّكاح، إنَّكِ والله ما أنت بناكِح حتَّى يمُرَّ عليكِ أربعةُ أشهُرٍ وعشْرٌ. قالت سُبَيعةُ: فلمّا قال لي

стр. 6827

ذلك، جَمعتُ عليَّ ثِيابي حِينَ أمسيتُ، فأتيتُ النَّبيَّ ﷺ فسَألتُهُ عن ذلك، فأفتاني بأنِّي قد حَلَلتُ حِين وضَعتُ حملي، وأمَرَني بالتَّزوِيج، إن بَدا لي. قال ابن شِهابٍ: ولا أرى بأسًا أن تَتَزوَّج حِينَ وضعت، وإن كانت في دَمِها، غير أنَّهُ لا يَقْربُها حتَّى تَطْهُرَ. وليسَ في حدِيثِ اللَّيثِ قولُ ابن شِهابٍ، ولفظُ الحَدِيثينِ سواءٌ. قال أبو عُمر: لمّا كان عُمُومُ الآيتينِ مُتعارِضًا (١)، أعني قولَ الله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. وقولَه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. لم يكُن بُدٌّ من بيانِ رسُولِ الله ﷺ لمُرادِ الله منها (٢) على ما أمرهُ الله بقولِهِ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فبيَّنَ رسُولُ الله ﷺ مُراد الله من ذلك، بما أفتى به في سُبَيعةَ الأسلمِيَّةَ. فكلُّ ما خالَفَ ذلك، فلا معنى لهُ من جِهَةِ الحُجَّةِ، وبالله التَّوفِيقُ.

стр. 6828

حدِيثٌ ثالِثٌ لعبدِ ربِّهِ بن سعِيدٍ مُرسلٌ تتَّصِلُ معانِيهِ من وُجُوهٍ شتَّى، صِحاح كلُّها مالكٌ (١)، عن عبدِ ربِّهِ بن سعِيدٍ، عن عَمرِو بن شُعَيب: أنَّ رسُولَ الله ﷺ حِينَ صدرَ من حُنَينٍ، وهُو يُرِيدُ الجِعرّانةَ سألهُ النّاسُ، حينَ (٢) دَنَتْ به ناقتُهُ من شَجَرةٍ، فتَشبَّكتْ برِدائهِ، حتَّى نَزَعتهُ عن ظَهْرِهِ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "ردُّوا عليَّ رِدائي، أتخافُونَ أن لا أقسِمَ بينكُم ما أفاءَ الله عليكُم؟ والذي نفسِي بيدِهِ لو أفاءَ الله عليكُم مِثلَ سَمُرِ (٣) تِهامةَ نَعمًا، لقَسمتُهُ بينكُم، ثُمَّ لا تَجِدوني بخِيلًا، ولا جبانًا، ولا كذّابًا". فلمّا نزلَ رسُولُ الله ﷺ ، قامَ في النّاسِ، فقال: "أدُّوا الخائطَ والمِخيطَ، فإنَّ الغُلُولَ عارٌ ونارٌ وشنارٌ على أهلِهِ يوم القِيامةِ". قال: ثُمَّ تناولَ من الأرضِ وَبَرةً من بَعِيرٍ، أو شيئًا (٤)، ثُمَّ قال: "والذي نفسِي بيدِهِ، ما لي ممّا أفاءَ الله عليكُم ولا مِثلُ هذه، إلّا الخُمُسُ، والخُمُسُ مَردُودٌ عليكُم". قال أبو عُمر (٥): لا خِلافَ عن مالكٍ في إرسالِ هذا الحدِيثِ عن عَمرِو بن شُعَيب. وقد رُوِي مُتَّصِلًا عن عَمرِو بن شُعيب، عن أبيهِ، عن جدِّهِ عن النَّبيِّ ﷺ (٦)، بأكملَ من هذا (٧) المساقِ، وأتمَّ ألفاظًا، من رِوايةِ الثِّقاتِ.

стр. 6829

وروى هذا الحدِيث أيضًا الزُّهرِيُّ، عن عُمرَ ابنِ أخِي محمدِ بن جُبَيرِ بن مُطعِم، عن محمدِ بن جُبيرِ بن مُطعِم، عن أبيهِ (١). ورواهُ (٢) مَعْمرٌ، ويونُسُ بن يزِيد (٣)، عن ابن شِهابٍ، عن عُمر بن محمدِ بن جُبيرِ بن مُطعِم، عن أبيهِ، عن جدِّهِ. ورُوِي أيضًا عن ابن كَعْبِ بن مالكٍ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ . وسنذكُرُ هذه الأحادِيث وغيرها، ممّا في معنى حدِيثِ مالكٍ هذا، في هذا البابِ، بعد القولِ بما فيه من المعاني إن شاءَ الله. في هذا الحدِيثِ دليلٌ على أنَّ رسُولَ الله ﷺ غَزا غزوةَ حُنينٍ، وغنِمَ فيها، وإن كان هذا لا يحتاجُ إلى دليل، لثُبُوتِ معرِفةِ ذلك عِندَ العامَّةِ والخاصَّةِ من العُلماءِ، ولكِن ذكَرْنا ذلك، لأنَّ بمِثلِ هذا الحدِيثِ وشِبهِهِ عُرِفَ ذلك. وفيه: إباحَةُ سُؤالِ العَسْكرِ للخلِيفةِ حُقُوقَهُم مِنَ الغَنِيمةِ، أن يَقْسِمهُ بينهُم. وفيه: جَوازُ قَسْم الغنائم في دارِ الحربِ؛ لأنَّ الجِعرّانةَ كانت يَومئذٍ من دارِ الحربِ، وفيها قَسَمَ رسُولُ الله ﷺ غنائمَ حُنينٍ، وذلك موجُودٌ في حدِيثِ جُبيرِ بن مُطعِم، وجابرٍ. وقِسمةُ الغَنائم في دارِ الحربِ موضِعٌ اختلَفَ فيه العُلماءُ، فذهب مالكٌ والشّافِعيُّ والأوزاعِيُّ وأصحابُهُم إلى أنَّ الغنائمَ يَقْسِمُها الإمامُ على العَسْكرِ في دارِ الحربِ (٤).

стр. 6830

قال مالكٌ (١): وهُم أولى برُخصتهِا (٢). وقال أبو حنِيفةَ: لا تُقسمُ الغنائمُ في دارِ الحربِ. وقال أبو يُوسُف: أحبُّ إليَّ ألّا تُقسمَ في دارِ الحربِ، إلّا أن لا يجِدَ حمُولةً، فيَقْسِمُها في دارِ الحربِ. قال أبو عُمر: القولُ الصَّحِيحُ في هذه المسألةِ، ما قالهُ مالكٌ والشّافِعيُّ والأوزاعِيُّ، ولا وجهَ لقولِ من خالَفهُم في ذلك من مَعنًى صحِيح، مع ثُبُوتِ الأثرِ عن النَّبيِّ ﷺ بخِلافِهِ. وفيه: جَوازُ مَدْح الرَّجُلِ الفاضِلِ الجليلِ لنَفسِهِ، ونَفيِهِ عن نفسِهِ ما يَعِيبُهُ بالحقِّ الذي هُو فيه وعليه، إذا دفَعَت إلى ذلك ضَرُورةٌ، أو معنًى يُوجِبُ ذلك، فلا بأسَ بذلك، وقد قال الله ، حاكِيًا عن يُوسُفَ ﵇ أنَّهُ قال: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. وقال رسُولُ الله ﷺ : "أنا أوَّلُ من تَنْشقُّ عنهُ الأرضُ، وأوَّلُ شافِع، وأوَّلُ مُشفَّع، وأنا سيِّدُ وَلدِ آدمَ ولا فخرَ" (٣). ومِثلُ هذا كثِيرٌ في السُّننِ، وعن عُلماءِ السَّلفِ، لا يُنكِرُ ذلك إلّا من لا عِلمَ لهُ بآثارِ من مَضَى. وفيه: دليلٌ، واللهُ أعلمُ، على أنَّ الخلِيفةَ على المُسلِمِينَ لا يجُوزُ أن يكون كذّابًا، ولا بخِيلًا، ولا جبانًا. وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ الإمامَ يجِبُ أن لا تكونُ فيه هذه الخِلالُ السُّوءُ، وأن يكون أفضلَ أهلِ وقتِهِ حالًا، وأكملَهم (٤) خِصالًا. وقد سَوَّى رسُولُ الله ﷺ في هذا الحدِيثِ بينَ البُخلِ، والجُبنِ، والكَذِبِ، وأكثرُ الآثارِ على هذا.

стр. 6831

وفي ذلك ما يُعارِضُ حدِيث صَفْوان بن سُليم: "أنَّ المُؤمِنَ يكونُ جبانًا، وبَخِيلًا، ولا يكونُ كذّابًا" (١). وقد ذكَرْنا هذا المعنى بما يجِبُ فيه من القولِ، في بابِ صفوانَ، والحمدُ لله. وأجمعَ الحُكماءُ على أنَّ الكذِبَ في السُّلطانِ، أقبحُ منهُ في غيرِهِ، وأنَّهُ من أكْبرِ عُيُوبِهِ، وأهدمِها لسُلطانِهِ؛ لأنَّهُ لا يُوثَقُ منهُ بوَعدٍ ولا وعِيدٍ، وفي الكَذِب في الوَعْدِ والوَعِيدِ فسادُ أمرِهِ، كما قال مُعاويةُ لعَمرِو بن العاصِ ﵄: إنَّ فسادَ هذا الأمرِ بأن يُعطُوا على الهَوَى، لا على الغِنى (٢)، وأن يَكذِبُوا في الوَعدِ والوعِيدِ. وكذلك البُخلُ والجُبنُ في السُّلطانِ، أقبحُ، وأضَرُّ، وأشدُّ فسادًا منهُ على غيرِهِ. وللكلام في سِيرةِ السُّلطانِ مَوْضِعٌ غير كِتابِنا هذا. ويَروِي أهلُ الأخبارِ، أنَّ عبد الملكِ بن مروانَ كتب إلى ابن عُمرَ: أنْ بايِع الحَجّاجَ، فإنَّ فيكَ خِصالًا لا تصلُحُ مَعها للخِلافةِ، وهي: البُخلُ، والغَيْرةُ، والعِيُّ. ويُروى أنَّ ذلك كان من مُعاويةَ إليه، واللهُ أعلمُ، في بيعةِ يزِيد، وهُو خبَرٌ لا إسنادَ لهُ، فجاوَبهُ ابن عُمر: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، اللهمَّ إنَّ ابنَ مروانَ - أو ابنَ حَرْب - يُعيِّرُني بالبُخلِ، والغَيْرةِ، والعِيِّ، فلو وُلِّيتُ وأعْطَيتُ النّاس حُقُوقهُم، وقَسمتُ بينهُم فيئَهُم، أيُّ حاجَةٍ كانَ بهم حِينئذٍ (٣) إلى مالي، فيُبَخِّلُوني؟ ولو جَلَستُ لهم في مجالِسِهِم، فقَضَيتُ حَوائجهُم، لم تَكُن لهم حاجَةٌ إلى بيتي فيَعْرِفُوا غَيْرتِي، وما مَنْ قرأ كِتاب الله ووعَظَ به، بعَيِّيٍّ. وأمّا قولُهُ ﷺ في هذا الحدِيثِ: "أدُّوا الخائط والمِخيط". فالخائطُ: واحِدُ الخُيُوطِ المعرُوفةِ. والمِخيطُ: الإبرةُ. ومن روى: "أدُّوا الخِياط والمِخيط". فإنَّ

стр. 6832

الخِياطَ قد يكونُ الخُيُوطُ، وقد يكونُ الخِياطُ والمِخيطُ، بمعنًى واحِدٍ، وهي الإبرةُ. ومنهُ قولُ الله : ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. يعني: ثُقب الإبرةِ. ولا خِلافَ أنَّ "المِخيَط" بكسرِ المِيم: الإبرةُ. وقال الفرّاءُ (١): يُقالُ: خِياطٌ ومخِيطٌ، كما قيل: لحافٌ ومِلْحَفٌ، وقِناعٌ ومِقْنَعٌ، وإزارٌ ومِئزَرٌ، وقِرامٌ (٢) ومقرمٌ. وهذا كلامٌ خرج على القليلِ، ليكونَ ما فوقهُ أحْرَى بالدُّخُولِ في معناهُ، كما قال : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. ومعلُومٌ أنَّ من يَعْملُ أكثر من مِثقالِ ذرَّةٍ، أحْرَى أن يراهُ. وفي هذا الحدِيثِ دليلٌ على أنَّ الغُلُولَ كثِيرُهُ وقليلُهُ حرامٌ، نارٌ، قال الله : ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]. وقد ذكَرْنا في معنى الغُلُولِ وحُكمِهِ، وحُكم الغالِّ، وحُكم عُقُوبتِهِ (٣)، ما فيه كِفايةٌ، في بابِ ثَوْرِ بن زيدٍ، من كِتابِنا هذا. وأمّا قولُهُ في الحدِيثِ: "فإنَّ الغُلُولَ عارٌ ونارٌ وشنارٌ يومَ القِيامةِ". والشَّنارُ: لفظةٌ جامِعةٌ لمعنى العارِ والنّارِ، ومعناها الشَّينُ والنّارُ، يُرِيدُ أنَّ الغُلُولَ شَيْنٌ وعارٌ ومَنْقصةٌ في الدُّنيا، ونارٌ (٤) وعَذابٌ في الآخِرةِ.

стр. 6833

والغُلُولُ (١) ممّا لا بُدَّ فيه من المُجازاةِ، لأنَّهُ من حُقُوقِ الآدمِيِّين، وإن لم يتعيَّن صاحِبُهُ، فإنَّ جُملةَ أصْحابِهِ مُتعيِّنةٌ، وهُو أشدُّ في المُطالبةِ، ولا بُدَّ من المُجازاةِ فيه بالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، والله أعلمُ. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن عُميرٍ الحطّابُ (٢) الضَّرِيرُ بمصرَ، قال: حدَّثنا يحيى بن أيُّوب بن بادِي العلّافُ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن يحيى، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، وهُو أوثقُ من سمِعْنا (٣) منهُ، عن سعِيدِ بن أبي سعِيدٍ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من كانت لأخِيهِ عِندَهُ مَظْلمةٌ في مال، أو عِرْضٍ، فليأتِهِ فليَسْتحِلَّهُ منها، قبلَ أن يُؤخَذ منهُ يومَ القِيامةِ، وليسَ ثمَّ دِينارٌ، ولا دِرْهمٌ، فإن كانَتْ لهُ حسناتٌ، أُخِذَ من حَسَناتِهِ لصاحِبِهِ، وإلّا أُخِذَ من سيِّئاتِ صاحِبِهِ فطُرِحت عليه" (٤). رواهُ جماعةٌ عن مالكٍ، وعنِ ابن أبي ذِئبٍ، عن سَعِيدٍ، عن أبي هريرةَ (٥)،

стр. 6834

لم يقولُوا: "عن أبيهِ". وإنَّما قال فيه: "عن أبيهِ" يحيى بن أيُّوب العلّافُ وحدهُ، واللهُ أعلمُ. وأمّا قولُهُ: "ما لي ممّا أفاءَ الله عليكُم إلّا الخُمُسُ، والخُمُسُ مَرْدُودٌ عليكُم" فإنَّهُ أرادَ: إلّا الخُمُسُ، فإنَّهُ إليَّ أعملُ فيه برأيِي، وأرُدُّهُ عليكُم باجتِهادِي؛ لأنَّ الأربعةَ الأخماسِ من الغَنِيمةِ فمقسومةٌ على المُوجِفِينَ (١)، مِمَّن حضرَ القِتالَ، على الشَّرِيفِ والمشرُوفِ، والرَّفِيع والوَضِيع، والغنِيِّ والفقِيرِ بالسَّواءِ، للفارِسِ ثلاثةُ أسهُم، إذا كان حُرًّا ذكرًا غيرَ مُسْتَأجرٍ، وللرّاجِلِ منهُم سَهْمٌ واحِدٌ، وليسَ للرَّأيِ والاجتِهادِ في ذلك مَدْخَلٌ. وهذا ما لا خِلافَ فيه بينَ العُلماءِ قَرْنًا بعد قرنٍ، وِراثةً عن رسُولِ الله ﷺ ، إلّا ما اختُلِفَ فيه من سَهْم الفارِسِ، على ما قد ذكَرْناهُ في بابِ نافع، عن ابن عُمرَ. فإنَّ من أهلِ العِلم طائفةً، منهُم أبو حنِيفةَ، يقولُونَ: للفارسِ سَهْمانِ (٢). والجُمهُورُ على أنَّ للفرَسِ سَهْمينِ، ولراكِبِه: سهمٌ، ثلاثةُ أسهُم. وقد قال جماعةٌ من أهلِ العِلم: إنَّ هذا الحدِيث فيه نَفْيُ الصَّفِيِّ، لقولِهِ ﷺ ، وقد أخذَ وَبَرةً من البَعِيرِ: "والذي نفسِي بيدِهِ، ما لي ممّا أفاءَ الله عليكُم، ولا مِثلُ هذه، إلّا الخُمُسُ، والخُمُسُ مَرْدُودٌ عليكُم". وقال (٣) آخرُونَ، مِمَّن أوجبَ الصَّفِيَّ: كانَ هذا القولُ منهُ، قبلَ أن يجعلَ الله لهُ الصَّفِيَّ. وقال آخرُونَ: يحتملُ أن يكونَ سكتَ عن الصَّفِيِّ، لمعرِفتِهِم به إذ خاطَبهُم.

стр. 6835

وقالت طائفةٌ: لا صفِيَّ. ولم تعرِفهُ، واحتجَّت بظاهِرِ هذا الحدِيثِ. قال أبو عُمر: سهمُ الصَّفِيِّ لرسُولِ الله ﷺ معلُومٌ، وذلك أنَّهُ كان يَصْطفِي من رأسِ الغَنِيمةِ شيئًا واحِدًا لهُ، عن طِيبِ أنفُسِ أهلِها، ثُمَّ يَقسِمُها بينهُم، على ما ذكَرْنا، وأمرُ الصَّفِيِّ مَشْهُورٌ في صحِيح الآثارِ، معرُوفٌ عِندَ أكثرِ (١) أهلِ العِلم، ولا يختلِفُ أهلُ السِّيرِ: أنَّ صفِيَّةَ زَوْج النَّبيِّ ﷺ كانت من الصَّفِيِّ. روى هشامُ بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: كانت صفِيَّةُ من الصَّفِيِّ (٢). وروى عَمرُو بن أبي عَمرٍو، عن أنَسِ بن مالكٍ، قال: لمّا افتتحَ رسُولُ الله ﷺ خيبرَ، واصْطَفَى صفِيَّةَ بنت حُييٍّ لنَفسِهِ، خرجَ بها. وذكرَ الحدِيث. رواهُ الدَّراوردِيُّ (٣)، ويعقُوبُ بن عبدِ الرَّحمنِ الزُّهرِيُّ (٤)، عن عَمرٍو. وفي هذا الحدِيثِ، إن صحَّ: أنَّ الصَّفِيَّ كان قبلَ حُنين (٥)؛ لأنَّ خيبرَ كانت قبل حُنينٍ. وقد خُولِفَ عَمرُو بن أبي عَمرٍو في لفظِ هذا الحدِيثِ عن أنسٍ. وفي الصَّفِيِّ أيضًا حدِيثُ أبي العلاءِ يزِيد بن عبدِ الله بن الشَّخِّيرِ. وهُو حدِيثٌ رواهُ قُرَّةُ، وسعِيدُ بن أبي عرُوبةَ عنهُ، قال: قرأتُ كِتابَ رسُولِ الله ﷺ إلى بني زُهَيرِ بن أُقيشٍ، فإذا فيه: "من محمدٍ رسُولِ الله إلى بني زُهَيرِ بن أُقَيشٍ، إنّكُم إن

стр. 6836

شَهِدتُم أن لا إله إلّا الله، وأنَّ محمدًا رسُولُ الله، وأقمتُمُ الصَّلاةَ، وآتيتُمُ الزَّكاةَ، وأدَّيتُمُ الخُمُس من المغنم، وسهم النَّبيِّ، والصَّفِيِّ، أو قال: وسهمَ الصَّفِيِّ، فأنتُم آمِنُونَ بأمانِ الله ورسُولِهِ" (١). وروى أبو جَمرةَ (٢)، عن ابن عبّاسٍ، في حدِيثِ وَفدِ عبدِ القيسِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "وتُعطُوا سَهْمَ الله من الغنائم، والصَّفِيِّ" (٣). وروى عُمرُ بن عبدِ الواحِدِ، عن سعِيدِ بن بشِيرٍ، عن قَتادةَ، قال: كان النَّبيُّ ﷺ إذا غَزا، كان لهُ سَهْمٌ صافٍ يأخُذُهُ من حَيْثُ شاءَ، فكانت صفِيَّةُ من ذلك السَّهم، وكان إذا لم يَغزُ بنفسِهِ، ضُرِبَ لهُ بسَهم، ولم يَخْتَرْ (٤). أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا أبو عاصِم وأزهرُ، قالا: حدَّثنا ابن

стр. 6837

عونٍ، قال: سألتُ محمدًا، يعني ابن سِيرِينَ، عن سَهم النَّبيِّ ﷺ والصَّفِيِّ، فقال: كان يُضرَبُ لهُ بسَهْمٍ مع المُسلِمِينَ، وإن لم يَشْهَد، والصَّفِيُّ يُؤخَذُ لهُ رأسٌ من الخُمُسِ قبلَ كلِّ شيءٍ. قال (١): وحدَّثنا محمدُ بن كثِيرٍ، قال: أخبرنا سُفيانُ، عن مُطرِّفٍ، عن الشَّعبِيِّ، قال: كان للنَّبيِّ ﷺ سَهمٌ يُدعَى الصَّفِيَّ، إن شاءَ عَبْدًا، وإن شاءَ أمةً، وإن شاءَ فرسًا، يختارُهُ قبلَ الخُمُسِ. قال أبو عُمر: قد أجمعَ العُلماءُ طُرًّا على أنَّ سهمَ الصَّفِيِّ، ليسَ لأحَدٍ بعدَ النَّبيِّ ﷺ ، فارتفعَ القَولُ في ذلك، إلّا أنَّ أبا ثورٍ حُكِي عنهُ ما يُخالِفُ هذا الإجماع، قال: يُؤخذُ الصَّفِيُّ، ويجرِي مجرَى سَهم النَّبيِّ ﷺ ، قال: إن كان سهمُ (٢) الصَّفِيِّ ثابتًا. قال أبو عُمر: الآثارُ المرفُوعةُ في الصَّفِيِّ مُتعارِضَةٌ، وليسَ فيها (٣) عن الصَّحابةِ شيءٌ يَثبُتُ. وأمّا سَهْمُ النَّبيِّ ﷺ ، فللعُلماءِ في سهم النَّبيِّ ﷺ من الخُمُسِ أقوالٌ، منها: أنَّهُ يُردُّ إلى من سُمِّيَ في الآيةِ، قال ذلك طائفةٌ من أهلِ العِلم، ورأوا أن يُقسَم الخُمُسُ أرباعًا. وقال آخرُونَ: هُو إلى الخلِيفةِ بعدَهُ، يَصْرِفُهُ فيما كانَ رسُولُ الله ﷺ يَصرِفُه فيه. وقال آخرُونَ: يُجعلُ في الخَيْلِ والعُدَّةِ في سبِيلِ الله. ومِمَّن قال هذا: قتادةُ، وبِهِ قال أحمدُ بن حنبل.

стр. 6838

وقال الشّافِعيُّ (١): يَضَعُ الإمامُ سَهْم رسُولِ الله ﷺ في كلِّ أمْرٍ ينفعُ الإسلام: من سدِّ ثغرٍ، وكُراع، وسِلاح، وإعطاءِ أهلِ الغَناءِ (٢)، والبلاءِ في الإسلام، والنَّفلِ عِندَ الحربِ. وأمّا أبو حنِيفةَ (٣)، فقال: سهمُ الرَّسُولِ وسهمُ ذِي القُربى، سَقَطا بمَوتِ النَّبيِّ ﷺ . قال: ويُقسَمُ الخُمُسُ على ثلاثةِ أسهُم: لليتامى، والمساكِينِ، وابنِ السَّبِيلِ. وأمّا مالكٌ، ﵀، فقال (٤): يُجعلُ الخُمُسُ في بيتِ المالِ، ويجتهِدُ الإمامُ في قَسْمِهِ. إلّا أنَّهُ لم يُسقِط سهم ذِي القُربى، وقال: يُعطِيهمُ الإمامُ ويجتهِدُ في ذلك. وأمّا اختِلافُهُم في قَسم الخُمُسِ، فعلى ما أصِفُ لكَ: قال مالكٌ (٥): قِسمةُ الخُمُسِ، كقِسمةِ الفيءِ، وهُما جميعًا يُجعلانِ في بيتِ المالِ. قال: ويُعطى أقرباء رسُولِ الله ﷺ منهُما على ما يَرَى الإمامُ. قال: ويجتهِدُ في ذلك، فإن تكافأ أهلُ البُلدانِ في الحاجةِ، بدأ بالذي المالُ فيهم، وإن كان بَعضُ البُلدانِ أشدَّ حاجةً، نقلَ إليهم أكثر المالِ. قال ابن القاسم: وكان مالكٌ يَرَى التَّفضِيل في العَطاءِ على قَدرِ الحاجةِ، ولا يُخرَجُ مالٌ من بلدٍ إلى بلدٍ غيرِهِ حتَّى يُعْطَى أهلُ البَلَدِ الذي فيه المالُ ما يُغنِيهِم على وَجْهِ النَّظرِ والاجتِهادِ. قال: ويجُوزُ أن يُجِيز الوالي على وجهِ الدِّينِ أو الأمرِ (٦) يراهُ قدِ استحقَّ به الجائزةَ. قال: والفيءُ حَلالٌ للأغنِياءِ.

стр. 6839

وقال: سُفيانُ الثَّورِيُّ: الفيءُ: ما صُولِح عليه الكُفّارُ، والغنِيمةُ: ما غُلِبُوا عليه قسرًا. قال: وسهمُ النَّبيِّ ﷺ من الخُمُسِ، هُو خُمُسُ الخُمُسِ، وما بَقِي من الخُمُسِ، فللطَّبقاتِ التي سمَّى الله في آيةِ الخُمُسِ. قال الطَّحاوِيُّ (١): فهذا من قولِ الثَّورِيِّ يدُلُّ على أنَّ سهمَ ذوِي القُربى باقٍ بعدَ وَفاةِ النَّبيِّ ﷺ . وقال الثَّورِيُّ: في مَوْضِع آخر: الخُمُسُ إلى الإمام يَضعُهُ حيثُ أراهُ الله. وهذا كقولِ مالكٍ سواءٌ. وقال أبو حنِيفةَ في "الجامِع الصَّغِيرِ" (٢): يُقسمُ الخُمُسُ على ثلاثةِ أسهُم: للفُقراءِ، والمساكِينِ، وابنِ السَّبِيلِ. فأسقط سهم ذي القُربى (٣). وقال أبو يُوسُف: سهمُ ذِي القُربى مردُودٌ على من سمَّى الله في الآيةِ. قال: وخُمُسُ الله والرَّسُولِ واحِدٌ. قال أبو عُمر: الآيةُ: قولُ الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآيةَ [الأنفال: ٤١]. والغنِيمةُ: ما أُخِذ عَنوةً، وأوجَفَ عليه المُسلِمُونَ بالخيلِ والرِّكابِ، وأَجْلَوْهُ (٤) من دِيارِهِم، وتَرَكُوهُ بالرُّعبِ، لقولِ رسُولِ الله ﷺ : "ونُصِرتُ بالرُّعبِ" (٥). وقال الشّافِعيُّ (٦): في الغنِيمةِ الخُمُسُ، كما قال الله . قال: وفي الفيءِ

стр. 6840

الخُمُسُ أيضًا. قال: الغنِيمةُ: ما أُوجِف عليه بخيلٍ أو رِكابٍ، وهي لمن حضر الوَقْعةَ (١)، من غنِيٍّ أو فقِيرٍ، بعد إخراج الخُمُسِ. قال: ويُقسمُ الخُمُسُ على من سمَّى الله . قال: وسهمُ ذِي القُربى لبني هاشم، وبني المُطَّلِبِ، غنِيُّهُم وفقِيرُهُم فيه سواءٌ، الذَّكَرُ مِثلُ حَظِّ الأُنثيينِ. وخالَفهُ المُزنِيُّ وأبو ثورٍ، فقالا: الذَّكرُ والأُنثى فيه سَواءٌ. قال الشّافِعيُّ: والفيءُ: ما لم يُوجَفْ عليه بخيلٍ ولا رِكابٍ، وفيه الخُمُسُ أيضًا. قال: وعطاءُ المُقاتِلةِ في الفَيءِ والنِّساءِ والذُّرِّيَّةِ، ولا بأسَ أن يُعْطَى الرَّجُلُ أكثر من كِفايتِهِ، وليسَ للممالِيكِ فيه شيءٌ، ولا للأعرابِ الذين فيهم (٢) الصَّدقةُ. قال: ويُسوَّى في العَطاءِ كما فعل أبو بكرٍ. وقال الأوزاعِيُّ: خُمُسُ الغنِيمةِ مقسُومٌ على من سمَّى الله في الآيةِ. وقال محمدُ بن جرِيرٍ (٣): يُقسمُ الخُمُسُ على أربعةِ أسهُم؛ لأنَّ سهمَ النَّبيِّ ﷺ مردُودٌ على من سُمِّي معهُ في الآيةِ، قِياسًا على ما أجمعُوا عليه فيمن عُدِمَ من سُهمانِ الصَّدَقة (٤)، قال: وأجمعُوا أنَّ رسُول الله ﷺ لم يَقسِم الخُمُسَ على سِتٍّ، فعُلِم بذلك أنَّ قولهُ : ﴿لِلَّهِ﴾ مِفتاحُ كلام، وكذلك قال أكثرُ أهلِ التَّفسِيرِ. قال: ويُقسمُ سهمُ ذِي القُربى على بني هاشم بن عبدِ منافٍ، وبني المُطَّلِبِ بن عبدِ منافٍ، الذَّكرُ والأُنثى في ذلك سواءٌ؛ لأنَّهُم إنَّما اسْتَحقُّوهُ باسم القَرابةِ. قال أبو عُمر: أمّا قولُ الشّافِعيِّ: إنَّ في الفيءِ خُمُسًا. فقولٌ ضعِيفٌ، لا وجهَ لهُ من جِهَةِ النَّظرِ الصَّحِيح ولا الأثرِ.

стр. 6841

وأمّا قولُهُ، وقولُ من تابَعهُ، على أنَّ ذوِي القُربى الذين عُنُوا بالآيةِ في خُمُسِ الغَنِيمةِ: هُم بنُو هاشم، وبنُو المُطَّلِبِ. فهُو موجُودٌ صحِيحٌ من حدِيثِ ابن شهابٍ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن جُبيرِ بن مُطعِم، قال: قسَمَ رسُولُ الله ﷺ لبني هاشم، وبني المُطَّلِبِ من الخُمُسِ، وقال: "إنَّما بنُو هاشم، وبنُو المُطَّلِبِ شيءٌ واحِدٌ ... " الحدِيثَ (١). وليسَ في هذا البابِ حدِيثٌ مُسندٌ غير هذا، وهُو حدِيثٌ صحِيحٌ، وبِهِ قال الشّافِعيُّ، وأبو ثَوْرٍ. ورُوِي عن ابن عَّبَّاسٍ ومحمدِ بن الحنفِيَّةِ: أنَّ ذوِي القُرْبَى الذين عَنَى الله في آيةِ الخُمُسِ، هُم أهلُ البيتِ، يعني بني هاشم (٢). وعن عُمرَ بن عبدِ العزيزِ: أنَّهُ بعثَ إلى بني هاشم سَهْم الرَّسُولِ، وسَهْمَ ذِي القُربى (٣). وممّن ذهبَ مَذهبَهُ أيضًا (٤) - أن يُقسَّم الخُمُسُ أخماسًا كمذهبِ الشّافِعيِّ -: مُجاهِدٌ، وقتادةُ، وابنُ جُريج، ومُسلِمُ بن خالدٍ الزَّنجِيُّ (٥).

стр. 6842

قال أبو عُمر: وأمّا اعتِلالُ الفُقهاءِ واعتِلالُ أصحابِهِم لمذاهِبِهِم في هذا البابِ، فشيءٌ لا يقُومُ به كِتابٌ؛ لأنَّهُ مَوْضِعٌ اتَّسع لهم فيه القولُ وطال جِدًّا، ولا سبِيلَ إلى اجتِلابِ ذلك في هذا الكِتابِ، خَشْيةَ التَّطوِيلِ، والعُدُولِ عن المُرادِ فيه، وإنَّما ذكَرْنا مذاهِبَ الفُقهاءِ في قِسمةِ الخُمُسِ، لما جَرَى من ذِكْرِ الخُمُسِ في حدِيثِ هذا البابِ، وذلك قولُهُ ﷺ : "ما لي ممّا أفاءَ الله عليكُم إلّا الخُمُسُ، والخُمُسُ مردُودٌ عليكُم". فذكَرْنا ما لأهلِ العِلم في كيفِيَّةِ ردِّ الخُمُسِ على أهلِهِ، ووجه قِسْمتِهِ، ليقِفَ النّاظِرُ في كِتابِنا هذا على ذلك، ولعلَّنا أن نُفرِدَ للخُمُسِ والفيءِ أيضًا كِتابًا، نُورِدُ فيه أقاوِيلَ العُلماءِ من السَّلفِ والخَلَفِ، بما لكلِّ واحِدٍ منهُم من وُجُوهِ الحُجَّةِ والاعتِلالِ لأقوالِهِم من جِهَةِ الأثرِ والنَّظرِ إن شاءَ الله. وأمّا الأحادِيثُ المُسندةُ في معاني الحدِيثِ المُرسلِ في هذا البابِ: فأخبَرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: أخبَرني أبي، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن مِنْهالٍ. وأخبَرنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعد (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن مَنصُورٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن سنجرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ. قالا جميعًا: حدَّثنا حمّادُ بن سلمةَ، عن محمدِ بن إسحاق، عن عَمرِو بن شُعَيب، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، قال: شهِدتُ رسُولَ الله ﷺ حِين أتَتهُ وُفُودُ حُنينٍ، فقالوا: يا محمدُ، إنّا أصلٌ وعِتْرةٌ (٢)، فذكر الحدِيث، وفيه: قال: وركِبَ رسُولُ الله
следующие страницы →