← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6838–6877 · переход к 6843.

стр. 6838

وقال الشّافِعيُّ (١): يَضَعُ الإمامُ سَهْم رسُولِ الله ﷺ في كلِّ أمْرٍ ينفعُ الإسلام: من سدِّ ثغرٍ، وكُراع، وسِلاح، وإعطاءِ أهلِ الغَناءِ (٢)، والبلاءِ في الإسلام، والنَّفلِ عِندَ الحربِ. وأمّا أبو حنِيفةَ (٣)، فقال: سهمُ الرَّسُولِ وسهمُ ذِي القُربى، سَقَطا بمَوتِ النَّبيِّ ﷺ . قال: ويُقسَمُ الخُمُسُ على ثلاثةِ أسهُم: لليتامى، والمساكِينِ، وابنِ السَّبِيلِ. وأمّا مالكٌ، ﵀، فقال (٤): يُجعلُ الخُمُسُ في بيتِ المالِ، ويجتهِدُ الإمامُ في قَسْمِهِ. إلّا أنَّهُ لم يُسقِط سهم ذِي القُربى، وقال: يُعطِيهمُ الإمامُ ويجتهِدُ في ذلك. وأمّا اختِلافُهُم في قَسم الخُمُسِ، فعلى ما أصِفُ لكَ: قال مالكٌ (٥): قِسمةُ الخُمُسِ، كقِسمةِ الفيءِ، وهُما جميعًا يُجعلانِ في بيتِ المالِ. قال: ويُعطى أقرباء رسُولِ الله ﷺ منهُما على ما يَرَى الإمامُ. قال: ويجتهِدُ في ذلك، فإن تكافأ أهلُ البُلدانِ في الحاجةِ، بدأ بالذي المالُ فيهم، وإن كان بَعضُ البُلدانِ أشدَّ حاجةً، نقلَ إليهم أكثر المالِ. قال ابن القاسم: وكان مالكٌ يَرَى التَّفضِيل في العَطاءِ على قَدرِ الحاجةِ، ولا يُخرَجُ مالٌ من بلدٍ إلى بلدٍ غيرِهِ حتَّى يُعْطَى أهلُ البَلَدِ الذي فيه المالُ ما يُغنِيهِم على وَجْهِ النَّظرِ والاجتِهادِ. قال: ويجُوزُ أن يُجِيز الوالي على وجهِ الدِّينِ أو الأمرِ (٦) يراهُ قدِ استحقَّ به الجائزةَ. قال: والفيءُ حَلالٌ للأغنِياءِ.

стр. 6839

وقال: سُفيانُ الثَّورِيُّ: الفيءُ: ما صُولِح عليه الكُفّارُ، والغنِيمةُ: ما غُلِبُوا عليه قسرًا. قال: وسهمُ النَّبيِّ ﷺ من الخُمُسِ، هُو خُمُسُ الخُمُسِ، وما بَقِي من الخُمُسِ، فللطَّبقاتِ التي سمَّى الله في آيةِ الخُمُسِ. قال الطَّحاوِيُّ (١): فهذا من قولِ الثَّورِيِّ يدُلُّ على أنَّ سهمَ ذوِي القُربى باقٍ بعدَ وَفاةِ النَّبيِّ ﷺ . وقال الثَّورِيُّ: في مَوْضِع آخر: الخُمُسُ إلى الإمام يَضعُهُ حيثُ أراهُ الله. وهذا كقولِ مالكٍ سواءٌ. وقال أبو حنِيفةَ في "الجامِع الصَّغِيرِ" (٢): يُقسمُ الخُمُسُ على ثلاثةِ أسهُم: للفُقراءِ، والمساكِينِ، وابنِ السَّبِيلِ. فأسقط سهم ذي القُربى (٣). وقال أبو يُوسُف: سهمُ ذِي القُربى مردُودٌ على من سمَّى الله في الآيةِ. قال: وخُمُسُ الله والرَّسُولِ واحِدٌ. قال أبو عُمر: الآيةُ: قولُ الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآيةَ [الأنفال: ٤١]. والغنِيمةُ: ما أُخِذ عَنوةً، وأوجَفَ عليه المُسلِمُونَ بالخيلِ والرِّكابِ، وأَجْلَوْهُ (٤) من دِيارِهِم، وتَرَكُوهُ بالرُّعبِ، لقولِ رسُولِ الله ﷺ : "ونُصِرتُ بالرُّعبِ" (٥). وقال الشّافِعيُّ (٦): في الغنِيمةِ الخُمُسُ، كما قال الله . قال: وفي الفيءِ

стр. 6840

الخُمُسُ أيضًا. قال: الغنِيمةُ: ما أُوجِف عليه بخيلٍ أو رِكابٍ، وهي لمن حضر الوَقْعةَ (١)، من غنِيٍّ أو فقِيرٍ، بعد إخراج الخُمُسِ. قال: ويُقسمُ الخُمُسُ على من سمَّى الله . قال: وسهمُ ذِي القُربى لبني هاشم، وبني المُطَّلِبِ، غنِيُّهُم وفقِيرُهُم فيه سواءٌ، الذَّكَرُ مِثلُ حَظِّ الأُنثيينِ. وخالَفهُ المُزنِيُّ وأبو ثورٍ، فقالا: الذَّكرُ والأُنثى فيه سَواءٌ. قال الشّافِعيُّ: والفيءُ: ما لم يُوجَفْ عليه بخيلٍ ولا رِكابٍ، وفيه الخُمُسُ أيضًا. قال: وعطاءُ المُقاتِلةِ في الفَيءِ والنِّساءِ والذُّرِّيَّةِ، ولا بأسَ أن يُعْطَى الرَّجُلُ أكثر من كِفايتِهِ، وليسَ للممالِيكِ فيه شيءٌ، ولا للأعرابِ الذين فيهم (٢) الصَّدقةُ. قال: ويُسوَّى في العَطاءِ كما فعل أبو بكرٍ. وقال الأوزاعِيُّ: خُمُسُ الغنِيمةِ مقسُومٌ على من سمَّى الله في الآيةِ. وقال محمدُ بن جرِيرٍ (٣): يُقسمُ الخُمُسُ على أربعةِ أسهُم؛ لأنَّ سهمَ النَّبيِّ ﷺ مردُودٌ على من سُمِّي معهُ في الآيةِ، قِياسًا على ما أجمعُوا عليه فيمن عُدِمَ من سُهمانِ الصَّدَقة (٤)، قال: وأجمعُوا أنَّ رسُول الله ﷺ لم يَقسِم الخُمُسَ على سِتٍّ، فعُلِم بذلك أنَّ قولهُ : ﴿لِلَّهِ﴾ مِفتاحُ كلام، وكذلك قال أكثرُ أهلِ التَّفسِيرِ. قال: ويُقسمُ سهمُ ذِي القُربى على بني هاشم بن عبدِ منافٍ، وبني المُطَّلِبِ بن عبدِ منافٍ، الذَّكرُ والأُنثى في ذلك سواءٌ؛ لأنَّهُم إنَّما اسْتَحقُّوهُ باسم القَرابةِ. قال أبو عُمر: أمّا قولُ الشّافِعيِّ: إنَّ في الفيءِ خُمُسًا. فقولٌ ضعِيفٌ، لا وجهَ لهُ من جِهَةِ النَّظرِ الصَّحِيح ولا الأثرِ.

стр. 6841

وأمّا قولُهُ، وقولُ من تابَعهُ، على أنَّ ذوِي القُربى الذين عُنُوا بالآيةِ في خُمُسِ الغَنِيمةِ: هُم بنُو هاشم، وبنُو المُطَّلِبِ. فهُو موجُودٌ صحِيحٌ من حدِيثِ ابن شهابٍ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن جُبيرِ بن مُطعِم، قال: قسَمَ رسُولُ الله ﷺ لبني هاشم، وبني المُطَّلِبِ من الخُمُسِ، وقال: "إنَّما بنُو هاشم، وبنُو المُطَّلِبِ شيءٌ واحِدٌ ... " الحدِيثَ (١). وليسَ في هذا البابِ حدِيثٌ مُسندٌ غير هذا، وهُو حدِيثٌ صحِيحٌ، وبِهِ قال الشّافِعيُّ، وأبو ثَوْرٍ. ورُوِي عن ابن عَّبَّاسٍ ومحمدِ بن الحنفِيَّةِ: أنَّ ذوِي القُرْبَى الذين عَنَى الله في آيةِ الخُمُسِ، هُم أهلُ البيتِ، يعني بني هاشم (٢). وعن عُمرَ بن عبدِ العزيزِ: أنَّهُ بعثَ إلى بني هاشم سَهْم الرَّسُولِ، وسَهْمَ ذِي القُربى (٣). وممّن ذهبَ مَذهبَهُ أيضًا (٤) - أن يُقسَّم الخُمُسُ أخماسًا كمذهبِ الشّافِعيِّ -: مُجاهِدٌ، وقتادةُ، وابنُ جُريج، ومُسلِمُ بن خالدٍ الزَّنجِيُّ (٥).

стр. 6842

قال أبو عُمر: وأمّا اعتِلالُ الفُقهاءِ واعتِلالُ أصحابِهِم لمذاهِبِهِم في هذا البابِ، فشيءٌ لا يقُومُ به كِتابٌ؛ لأنَّهُ مَوْضِعٌ اتَّسع لهم فيه القولُ وطال جِدًّا، ولا سبِيلَ إلى اجتِلابِ ذلك في هذا الكِتابِ، خَشْيةَ التَّطوِيلِ، والعُدُولِ عن المُرادِ فيه، وإنَّما ذكَرْنا مذاهِبَ الفُقهاءِ في قِسمةِ الخُمُسِ، لما جَرَى من ذِكْرِ الخُمُسِ في حدِيثِ هذا البابِ، وذلك قولُهُ ﷺ : "ما لي ممّا أفاءَ الله عليكُم إلّا الخُمُسُ، والخُمُسُ مردُودٌ عليكُم". فذكَرْنا ما لأهلِ العِلم في كيفِيَّةِ ردِّ الخُمُسِ على أهلِهِ، ووجه قِسْمتِهِ، ليقِفَ النّاظِرُ في كِتابِنا هذا على ذلك، ولعلَّنا أن نُفرِدَ للخُمُسِ والفيءِ أيضًا كِتابًا، نُورِدُ فيه أقاوِيلَ العُلماءِ من السَّلفِ والخَلَفِ، بما لكلِّ واحِدٍ منهُم من وُجُوهِ الحُجَّةِ والاعتِلالِ لأقوالِهِم من جِهَةِ الأثرِ والنَّظرِ إن شاءَ الله. وأمّا الأحادِيثُ المُسندةُ في معاني الحدِيثِ المُرسلِ في هذا البابِ: فأخبَرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: أخبَرني أبي، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن مِنْهالٍ. وأخبَرنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعد (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن مَنصُورٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن سنجرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ. قالا جميعًا: حدَّثنا حمّادُ بن سلمةَ، عن محمدِ بن إسحاق، عن عَمرِو بن شُعَيب، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، قال: شهِدتُ رسُولَ الله ﷺ حِين أتَتهُ وُفُودُ حُنينٍ، فقالوا: يا محمدُ، إنّا أصلٌ وعِتْرةٌ (٢)، فذكر الحدِيث، وفيه: قال: وركِبَ رسُولُ الله

стр. 6843

- ﷺ راحِلتهُ، واتَّبعهُ النّاسُ، فقالوا: اقسِمْ عَلَينا فَيئَنا. اقسِمْ علينا فيئَنا. حتَّى ألجأُوهُ إلى شَجَرةٍ، فخطفَتْ رِداءَهُ، فقال: "يا أيُّها النّاسُ، رُدُّوا عليَّ رِدائي، فوالله لو أنَّ لكُم بعدَدِ شجرِ تِهامةَ نَعمًا، لقَسَمتُهُ بينكُم، ثُمَّ لا تَلقَوْني (١) جبانًا، ولا بَخِيلًا، ولا كذُوبًا". ثُمَّ مالَ إلى راحِلتِهِ، فأخذَ منها وَبَرةً فوَضَعها بين إصبعيهِ، ثُمَّ قال: "أيُّها النّاسُ، إنَّهُ ليسَ لي من هذا الفَيءِ شيءٌ، ولا هذه، إلّا الخُمُسُ، والخُمُسُ مَردُودٌ عليكُم، فأدُّوُا الخيطَ والمِخيط، فإنَّ الغُلُولَ يكونُ على أهلِهِ يومَ القِيامةِ عارًا وشَنارًا". فقام رجُلٌ ومعهُ كُبَّةُ (٢) شَعْرٍ، فقال: يا رسُولَ الله، أخذتُ هذه لأُصلحَ بها بَرْذعةً لي، فقال: "أمّا ما كان لي ولبني عبدِ المُطَّلِبِ، فهُو لكَ". فقال: أمّا إذ بلغتَ ما أرى، فلا أربَ لي فيها. ونبَذها (٣). وهذا حدِيثٌ مُتَّصِلٌ جيِّدُ الإسنادِ، وقد أحاطَ بمعاني حدِيثِ مالكٍ وألفاظِهِ، وزاد. وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا ابن أبي أُوَيسٍ، قال: حدَّثني أبي، عن ثَوْرِ بن زيدٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، أنَّهُ قال: تعلَّقَ ثَوْبُ النَّبيِّ ﷺ يومَ حُنَينٍ بشجَرةِ، والنّاسُ مُجتمِعُونَ يَسْألُونهُ المغانِمَ، فحسِبَ النَّبيُّ ﷺ أنَّهُم أمسكُوا برِدائهِ، فغضِبَ وقال: "أرسِلُوا رِدائي، تُرِيدُونَ أن تُبَخِّلُوني، فوالله لو أفاءَ الله عليكُم مِثل شجَرِ تِهامةَ نَعمًا،

стр. 6844

لقَسَمتُهُ بينكُم، ثم لا تجِدُوني بخِيلًا، ولا جبانًا، ولا كذّابًا". فقالوا: إنَّما تَعلَّقت بكَ سمُرةٌ، فخلَّصُوهُ (١). وأخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن مروانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سُليمانَ بن عَمرٍو البغدادِيُّ، قال: حدَّثنا أبو حفصٍ عُمرُ بن الحسنِ قاضِي حلب، قال: حدَّثنا المُسيَّبُ بن واضِح، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن سُفيانَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عيّاشٍ، عن سُليمانَ بن موسى، عن مكْحُول، عن أبي سلّام، عن أبي أُمامةَ، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ، قال: أخذَ رسُولُ الله ﷺ يومَ حُنينٍ وَبَرةً من جَنبِ بعِيرٍ فقال: "أيُّها النّاسُ، إنَّهُ لا يحِلُّ لي ممّا أفاءَ الله عليكُم إلّا الخُمُسُ، والخُمُسُ مردُودٌ عليكُم" (٢). قال أبو عُمر: عبدُ الرَّحمنِ بن عيّاشٍ، وقعَ عِندهُ في أصلِ كِتابِهِ (٣)، وإنَّما هُو عبدُ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن عبدِ الله بن عيّاشِ بن أبي ربِيعةَ (٤)، روَى هذا الحدِيثَ عن سُليمان بن موسى الأشدقِ، عن مكحول، عن أبي سلّام الحبشِيِّ، عن أبي أُمامةَ الباهِليِّ، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ، قال: أخذَ رسُولُ الله ﷺ يومَ حُنينٍ وَبَرةً من جنبِ بعيرٍ، ثُمَّ قال: "أيُّها النّاسُ إنَّهُ لا يحِلُّ لي من هذا الذي أفاءَ الله عليكُم قدرَ هذه الوَبَرَةِ، إلّا الخُمُسُ، والخُمُسُ مردُودٌ عليكُم، فأدُّوا الخيطَ والمِخيَطَ، وإيّاكُم والغُلُول، فإنَّهُ عارٌ على أهلِهِ يومَ القِيامةِ، وعليكُم بالجِهادِ،

стр. 6845

فإنَّهُ بابٌ من أبوابِ الجنَّةِ، يُذهِبُ الله به الغمَّ والهمَّ". قال: وكان رسُولُ الله ﷺ يكرهُ الأنفالَ، ويقولُ: ليَرُدَّ قوِيُّ المُؤمِنِين على ضَعِيفِهِم". هكذا ذكرهُ عليُّ بن المدِينيِّ، عن أبيهِ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ، عن سُليمانَ بن موسى، بإسنادِهِ. وحدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن الحكم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أبي حسّان الأنماطِيُّ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا الولِيدُ بن مُسلِم، قال: حدَّثنا أبو العلاءِ، سمِعَ أبا سلّام الأسود، يقولُ: سَمِعتُ عَمرو بن عَبَسةَ (١) يقولُ: صلَّى بنا رسُولُ الله ﷺ إلى بَعِيرٍ من المغنم، فلمّا سلَّمَ أخَذَ وَبَرةً من جَنْبِ البعِيرِ، ثُمَّ قال: "لا يحِلُّ لي من غَنائمِكُم إلّا الخُمُسُ، والخُمُسُ مردُودٌ عليكُم" (٢). حدَّثنا (٣) خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن المُفَسِّر، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بن مَعينٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزّاقِ، قال (٤): أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عُمرَ بن محمد بن جُبيرِ بن مُطعِم، عن محمدِ بن جُبيرِ بن مُطْعِم، أنَّ اباهُ أخبرهُ: أنَّهُ بَيْنما هو يسيرُ معَ رَسُول الله ﷺ ومعهُ النّاسُ مَقْفَلَه (٥) من حُنينٍ، عَلِقه الأعرابُ يسألونهُ، فاضْطَرُّوه إلى شجَرةٍ،

стр. 6846

فخطِفَتْ رداءَهُ وهو على راحلتهِ، فوقفَ فقالَ: "رُدُّوا عليَّ ردائي، أتحسَبونَ بيَ البخلَ؟ فلو كانَ لي عدَدُ هذهِ العِضاه نَعمًا، لقَسَمتهُ بينكُم ثمَّ لا تجدُوني بخيلًا، ولا جبانًا، ولا كذّابًا". وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا ابن أبي أُوَيسٍ، قال: حدَّثني أخِي، عن سُليمان بن بلال، عن محمدِ بن أبي عَتِيقٍ وموسى بن عُقبةَ، عن ابن شِهابٍ، قال: أخبَرني عُمرُ بن محمدِ بن جُبيرِ بن مُطعِم، [عن أبيه] (١)، قال: أخبرني جُبيرُ بن مُطعِم، أنَّهُ بينما هُو يسِيرُ معَ رسُولِ الله ﷺ ، ومعهُ النّاسُ، مَقْفَله من حُنينٍ، اختلَفَ عليه الأعرابُ، فسألُوهُ حتَّى اضطرُّوهُ إلى سَمُرةٍ، فخَطِفت رِداءَهُ وهُو على راحلتِه، فوقَفَ رسُولُ الله ﷺ فقال: "أعطُوني رِدائي، لو كانَ ليَ عددُ هذه العِضاهِ نَعمًا، لقَسَمتُهُ بينكُم، ثُمَّ لا تجِدُوني بخِيلًا، ولا جبانًا، ولا كذّابًا" (٢). أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا سَلَمةُ بن شبِيبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن همّام بنِ مُنبِّهٍ، قال: هذا ما حدَّثنا (٤) أبو هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "ما أُوتيكُم من شيءٍ ولا أمنَعُكُمُوهُ، إن أنا إلّا خازِنٌ، أضَعُ حيثُ أُمِرتُ".

стр. 6847

مالكٌ عن عبدِ الحميدِ بن سُهيلٍ ويُقالُ: عبدُ المجيدِ (١)، يُكْنَى أبا عبدِ الرَّحمنِ. وقيل: يُكْنَى أبا وَهْبٍ، وهُو عبدُ المجيدِ بن سُهَيلِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ القُرشي الزُّهرِيُّ المدنِيُّ. سمِع سعِيد بن المُسيِّبِ، وعُثمان بن عبدِ الرَّحمنِ، وعُبيد الله بن عبدِ الله بن عُتبةَ. روى عنهُ مالكُ بن أنسٍ، وابنُ عُيينةَ، وسُليمانُ بن بلال، وعبدُ العزيزِ بن محمدٍ الدَّراوردِيُّ (٢). لمالكٍ عنهُ في "المُوطَّأ" حدِيثٌ واحِدٌ، اختُلِف على مالكٍ في اسم هذا الرَّجُلِ: فقال يحيى بن يحيى صاحِبُنا عنهُ فيه: عبدُ الحميدِ. وتابَعهُ: ابن نافع، وعبدُ الله بن يُوسُف التِّنِّيسِيُّ. ورَوَى بعضُ أصحابِ ابن عُيينةَ، عن ابن عُيينةَ، عنهُ حَدِيثهُ هذا، فقال فيه: عبدُ الحميدِ. كما قال يحيى، وابنُ نافع، والتِّنِّيسِيُّ. وقال جُمهُورُ رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ فيه: عبدُ المجيدِ. وهُو المعرُوفُ عِندَ النّاسِ، وكذلك قال فيه الدَّراوردِيُّ وسُليمانُ بن بلالٍ (٣) عنهُ في هذا الحدِيثِ، وابنُ عُيينةَ في غيرِ هذا الحدِيثِ، ونسبهُ مالكٌ والدَّراوردِيُّ، وسُليمانُ بن بلالٍ في حدِيثهِ هذا، فقالوا فيه: عبدُ المجيدِ بن سُهيلِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ (٤).

стр. 6848

قال أبو عُمر: سُهيلٌ أبو عبد المجيد (١) هذا، هُو الذي تزوَّج الثُّريّا بنت عبدِ الله بن الحارِثِ بن أُميَّةَ الأصغرِ بن عبدِ شمسِ بن عبدِ منافٍ، وفيه يقولُ عُمرُ بن أبي ربِيعةَ (٢): أيُّها المُنكِحُ الثُّريّا سُهيلًا ... عَمْرَكَ الله كيف يلتقِيانِ هي شامِيَّةٌ إذا ما استقلَّت ... وسُهيلٌ إذا استقلَّ يماني وأوَّلُ هذا الشِّعرِ: أيُّها الطّارِقُ الذي قد عنانِي ... بعدَما نامَ سائرُ الرُّكبانِ زار من نازِح بغيرِ دليلٍ ... يَتَخطَّى إليَّ حتَّى أتانِي وقد قالت طائفةٌ من أهلِ العِلم بالنَّسبِ والخبرِ: إنَّ سُهيلًا الذي تَزوَّج الثُّريّا، وذكرهُ عُمرُ بن أبي ربِيعةَ في شعرِهِ هذا، هُو سُهيلُ بن عبدِ العزيزِ بن مروان. قالوا: ومعَهُ حُملت إلى مِصر، وكانت مَعهُ بمِصر. قالوا: ولم يكُن سُهَيلُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ بمِصر. وقال الزُّبيرُ بن بكّارٍ (٣)، وهُو قولُ طائفةٍ من أهلِ النَّسبِ: تزوَّج الثُّريّا بنت عبدِ الله بن الحارِثِ بن أُميَّةَ الأصغرِ بن عبدِ شمسٍ، أبو الأبيضِ سهيلُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، وأُمُّهُ مجدُ بنتُ يزِيد بن سلامةَ الحِميرِيِّ، وابنُهُ عبدُ المجيدِ روى عنهُ مالكٌ وغيرُهُ الحدِيث. كذا قال الزُّبيرُ: عبدُ المجيدِ، بالجِيم. قال الزُّبيرُ: والثُّريّا هذه هي مولاةُ الغرِيضِ.

стр. 6849

وخالف الزُّبيرُ غيرهُ، فقال: هي الثُّريّا بنتُ عبدِ الله بن محمدِ بن عبدِ الله بن الحارِثِ بن أُميَّةَ الأصغرِ. وذكرَ عُمرُ بن شبَّةَ: أنَّ الثُّريّا هذه هي بنتُ عليِّ بن عبدِ الله بن أُميَّةَ الأصغرِ. وقال بما ذكرهُ عُمرُ بن شبَّةَ طائفةٌ من أهلِ العِلم بالنَّسبِ. ولعبدِ الله بن الحارِثِ بن أُميَّةَ الأصغرِ بنُونَ كثِيرٌ, منهُم: عليٌّ الأكبرُ، وعليٌّ الأصغرُ. ولم يُختلف في أنَّ الثُّريّا هذه هي التي ذكَرَها عُمرُ بن أبي ربِيعةَ في شِعرِهِ، ولا اختُلِف في أنَّها من ولَدِ عبدِ الله بن الحارِثِ بن أُميَّةَ الأصغرِ، وبنُو أُميَّةَ الأصغرِ يُعرَفُونَ بالعبلاتِ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُمر بن عليٍّ (١)، قال: حدَّثنا عليُّ بن حربٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عبدِ المجيدِ بن سُهَيلِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن عُتبةَ، أنَّ مجُوسِيًّا دخلَ على النَّبيِّ ﷺ وقد أعْفَى شارِبهُ، وأحْفَى لحيتهُ، فقال: "من أمرَكَ بهذا؟ " قال: أمرني ربِّي. قال: "لكِنَّ ربِّي أمرَني أن أُحفِي شارِبي، وأُعفِي لحيتي" (٢). هكذا قال عليُّ بن حربٍ، عن سُفيان بن عُيينةَ: عبدُ المجيدِ. وهُو الصَّوابُ في اسم هذا الرَّجُلِ. وكذلك ذكرهُ البُخارِيُّ (٣) والعُقيليُّ في بابِ عبدِ المجيدِ. ومن قال فيه: عبدُ الحميدِ، فقد غلطَ، واللهُ أعلمُ.

стр. 6850

أخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى عبدُ الله بن أحمد بن أبي مسرَّةَ (١)، قال: حدَّثنا القَعْنبِيُّ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن بلال، عن عبدِ المجيدِ بن سُهَيلِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، أنَّهُ سمِعَ سعِيد بن المُسيِّبِ يُحدِّثُ، أنَّ أبا هريرةَ وأبا سعِيدٍ الخُدرِيَّ حدَّثاهُ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ بعثَ أخا بني (٢) عدِيٍّ الأنصارِيَّ واسْتَعملهُ على خيبرَ، فقدِمَ بتمرٍ جَنِيبٍ، فقال لهُ رسُولُ الله ﷺ : "أكلُّ تَمْرِ خَيْبرَ هكذا؟ " قال: لا والله يا رسُولَ الله، إنَّا لنَشْترِي الصّاع بالصّاعينِ من الجَمْع. فقال رسُولُ الله ﷺ : "لا تفعلُوا، ولكِن مِثلًا بمِثل، أو بيعُوا هذا، واشترُوا بثمنِهِ من هذا، وكذلك المِيزانُ" (٣). وأخبرنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاق، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن عبدِ المجيدِ بن سُهَيلِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، فذكرهُ بإسنادِهِ مِثلهُ سواءً (٤). فاتَّفقَ ابن عُيينةَ، وسُليمانُ بن بلال، والدَّراوردِيُّ فيه على: "عبدِ المجيدِ"، وكذلك قال جُمهُورُ رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ فيه: "عبدُ المجيدِ". وهُو الحقُّ الذي لا شكَّ فيه إن شاءَ الله.

стр. 6851

وحديثُ الموطأ (١): مالكٌ (٢)، عن عبدِ المَجِيدِ (٣) بن سُهَيلِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، وعن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ استعملَ رجُلًا على خيبرَ، فجاءَهُ بتَمْرٍ جَنِيبٍ، فقالَ رسُولُ الله ﷺ : "أكلُّ تَمْر خيبرَ هكذا (٤)؟ " فقال: لا والله يا رسُولَ الله، إنّا لنأخُذُ الصّاعَ من هذا بالصّاعينِ، والصّاعينِ بالثَّلاثةِ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "لا تفعَلْ، بع الجَمْع بالدَّراهِم، ثُمَّ ابْتَعْ (٥) بالدَّراهِم جنِيبًا". قال أبو عُمر: ذِكرُ أبي هريرةَ في هذا الحدِيثِ لا يُوجَدُ من غيرِ رِوايةِ عبدِ المجيدِ بن سُهَيلٍ هذا، وإنَّما يُحفَظُ هذا الحدِيثُ لأبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ؛ كذلك رواهُ قَتادةُ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ. من رِوايةِ حُفّاظِ أصحابِ قَتادةَ: هشام الدَّستوائيِّ (٦)، وابنِ أبي عَرُوبةَ (٧).

стр. 6852

وكذلك رواهُ يحيى بن أبي كثِيرٍ، عن أبي سلمةَ (١) وعُقبةَ بن عبدِ الغافِرِ (٢)، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ. وكذلك رواهُ محمدُ بن عَمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ (٣). ورَوَى الدَّراوردِيُّ، عن عبدِ المجيدِ بن سُهيل، في هذا الحدِيثِ إسنادينِ، أحدِهِما: عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي سعِيدٍ وأبي هريرةَ. كما روى مالكٌ (٤) وغيرُهُ. والآخر: عن عبدِ المجيدِ بن سُهَيل، عن أبي صالح السَّمّانِ، عن أبي هريرةَ، وأبي سعِيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ سواءً (٥). ولا نعرفُه بهذا الإسنادِ هكذا، إلّا من حدِيثِ الدَّراوردِيِّ. وكلَّ من رَوَى حدِيث عبدِ المجيدِ بن سُهَيلٍ هذا عنهُ بإسنادِهِ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ وأبي سعِيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ذكرَ في آخِرِهِ: "وكذلك المِيزانُ". إلّا مالكٌ، فإنَّهُ لم يَذكُرهُ في حدِيثِهِ هذا.

стр. 6853

وهُو أمرٌ مُجتَمعٌ عليه، لا خِلافَ بينِ أهلِ العِلم فيه، كلٌّ يقولُ على أصلِهِ: أنَّ ما داخَلَهُ (١) الرِّبا في الجِنسِ الواحِدِ من جِهَةِ التَّفاضُلِ والزِّيادةِ، لم تَجُزْ فيه الزِّيادةُ والتَّفاضُلُ، لا في كيل، ولا في وَزْنٍ. والكيلُ والوَزْنُ عِندهُم في ذلك سواءٌ، إلّا أنَّ ما كانَ أصلهُ الكَيْلُ، لا يُباعُ إلّا كيلًا، وما كان أصلهُ الوَزْنُ، لا يُباعُ إلّا وزنًا. وما كانَ أصلهُ الكيلُ، فبِيعَ وزنًا، فهُو عِندهُم مُماثلةٌ، وإن كرِهُوا ذلك. وأمّا ما كان موزُونًا، فلا يجُوزُ أن يُباعَ كيلًا عِندَ جميعِهِم؛ لأنَّ المُماثِلةَ لا تُدرَكُ بالكيلِ، إلّا فيما كان كيلًا، لا وزنًا، اتِّباعًا للسُّنَّةِ، قال ﷺ : "البُرُّ بالبُرِّ مُدْيٌ بمُدْيٍ (٢) " (٣). وقد تُدركُ (٤) المُماثلةُ بالوزنِ في كلِّ شيءٍ. وقد أجمعُوا أنَّ الذَّهَبَ، والوَرِقَ، والنُّحاس، وما أشبهَ ذلك، لا يجُوزُ شيءٌ من ذلك كلِّهِ كيلًا بكيل، بوَجهٍ من الوُجُوهِ، فكذلك كلُّ موزُونٍ، لا يُباعُ كيلًا بكيلٍ على حالٍ من الأحوالِ. وأجمع العُلماءَ أيضًا أنَّ التَّمر بالتَّمرِ لا يجُوزُ بعضُهُ ببعضٍ، إلّا مِثلًا بمِثل، وسواءٌ فيه الطَّيِّبُ والدُّونُ، وأجناسُ التُّمُورِ كلُّها لا يجُوزُ بيعُ شيءٍ منها بشيءٍ، إلّا مِثلًا بمِثل، كيلًا بكيل، والتَّمرُ كلُّهُ على اختِلافِ أنواعِهِ صِنْفٌ واحِدٌ، لا يجُوزُ التَّفاضُلُ فيه في البَيع والمعاوَضة (٥) بوَجهٍ من الوُجُوهِ.

стр. 6854

وكذلك البرُّ، والزَّبِيبُ، وكلُّ طعام مَكِيلٍ من قُطنِيّةٍ (١) أو غيرِها، لا يجُوزُ شيءٌ من ذلك كلِّهِ بشيءٍ من جِنْسِهِ، إلّا مِثلًا بمِثلٍ. وقد تقدَّم في مَواضِعَ من كِتابِنا هذا أصُولُ الرِّبا في المأكُولاتِ، والمشرُوباتِ، والمكِيلاتِ، والموزُوناتِ، وكيف يَجرِي الرِّبا منها في الجِنْسِ الواحِدِ وغيرِهِ، وما للعُلماءِ في ذلك كلِّهِ من الاعْتِلالِ والمذاهِبِ، وما جَعلهُ كلُّ واحِدٍ مِنْهُم أصلًا في هذا البابِ، فلا معنَى لإعادَةِ ذلك هاهُنا. وأمّا الجَنِيبُ من التَّمرِ، فقيلَ: هُو الجِنسُ الواحِدُ غَيرُ المُختلِطِ، والجَمعُ: المُختلِطُ. وقيل: الجنِيبُ: المُتخيَّرُ الذي قد أُخرِجَ عنهُ حشفُهُ (٢) وردِيئُهُ. وبيعُ التَّمرِ الجمع بالدَّراهِم، وشِراءُ الجَنِيبِ بها من رَجُلٍ واحِدٍ، يَدْخُلُهُ ما يدخُلُ الصَّرفَ في بيع الذَّهبِ بدراهِم، والشِّراءِ بتِلكَ الدَّراهِم ذهبًا من رجُلٍ واحِدٍ، في وَقْتٍ واحِدٍ، والمُراعاةُ في ذلك كلِّهِ واحِدةٌ، فمالكٌ يكرهُ ذلك على أصلِهِ، وكلُّ من قال بالذَّرائع كذلك، وغيرُهُ يُراعِي السَّلامةَ في ذلك، ولا يفسخُ بيعًا قدِ انعقدَ إلّا بيقِينٍ وقَصْدٍ، وباللَّه التَّوفِيقُ. وأمّا سُكُوتُ من سكتَ من المُحدِّثِين في هذا (٣) الحدِيثِ عن ذِكرِ فَسْخ البيع، الذي باعهُ العامِلُ على خيبرَ، فلأنَّهُ معرُوفٌ في الأُصُولِ، أنَّ ما وردَ التَّحرِيمُ به، لم يجُزِ العقدُ عليه، ولا بُدَّ من فَسْخِهِ، وقد جاءَ الفَسْخُ فيه منصُوصًا في هذا الحدِيثِ.

стр. 6855

ذكر مُسلِمُ بن الحجّاج (١)، قال (٢): حدَّثنا سَلَمةُ بن شبِيبٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن أعين، قال: حدَّثنا مَعقِلٌ، عن أبي قَزْعةَ الباهِليِّ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سعِيدٍ، قال: أُتِي رسُولُ اللَّه ﷺ بتَمْرٍ، فقال: "ما هذا التَّمرُ من تمرِنا! " فقال الرَّجُلُ: يا رسُولَ اللَّه، بعنا تمرَنا صاعينِ بصاع من هذا. فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "هذا الرِّبا، فرُدُّوهُ، ثُمَّ بيعُوا تمرنا، واشْتَرُوا لنا من هذا". ولو لم يأتِ هذا منصُوصًا، احتملَ ما ذكرنا، واحتملَ أن يكون عاملهُ بخيبر (٣) فعلَ هذا على أصلِ الإباحَةِ التي كانوا عليها، ثُمَّ نزلَ عليه ﷺ تحرِيمُ الرِّبا بعدَ عَقدِ صَفقْتِهِ، على أصلِ ما كان عليه، كما قال سعِيدُ بن جُبيرٍ: كانَ النّاسُ على أمرِ جاهِلِيَّتِهِم، حتّى يُؤمَرُوا، أو يُنهوا (٤). يُرِيدُ: فما لم يُؤمَرُوا ولم يُنهَوْا، نفذَ فِعلُهُم، وباللَّه التَّوفِيقُ (٥).

стр. 6856

عبدُ الكرِيم بن مالكٍ الجزرِيُّ لمالكٍ عنهُ حدِيثٌ واحِدٌ وعبدُ الكرِيم (١) بن مالكٍ هذا يُكْنَى أبا سعِيدٍ، يُقالُ: مولى قَيْسِ عيلان. وقيل: مولى بني أُميَّةَ. وقيلَ: مولى محمدِ بن مروان بن الحَكَم. وهذا هُو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللَّه. كان عبدُ الكرِيم هذا أصلُهُ من إصطخر، فانتقلَ إلى حرّان وسَكَنها إلى أن ماتَ بها سنةَ سبع وعِشرِينَ ومئةٍ، وهُو مَعدُودٌ في أهَّلِ الجزِيرةِ، نُسِب إلى البلدةِ، وهُو ابن عمِّ خُصَيفٍ الجَزَرِيِّ لحًّا (٢). وكان عبدُ الكرِيم هذا ثِقةً مأمُونًا، مُحدِّثًا كثِيرَ الحدِيثِ، روى عنهُ جماعةٌ من الأئمَّةِ، منهُم: شُعبةُ، ومالكٌ، والثَّورِيُّ، وابنُ عُيينةَ. ويُروى أَنَّهُ رأى أنس بن مالكٍ، رواهُ عبدُ اللَّه بن جعفرٍ الرَّقِّيُّ، عن عُبيدِ اللَّه بن عَمرٍو الرَّقِّيِّ، عن عبدِ الكرِيم الجَزَرِيِّ، قال: رأيتُ أنس بن مالكٍ يطُوفُ بالبيتِ وعليه ثوبُ خزٍّ (٣). وقال الثَّورِيُّ: ما رأيتُ أفضلَ منهُ، كان يُحدِّثُنا بالشَّيءِ لا يُوجَدُ إلّا عِندهُ، فلا نَعْرفُ ذلك فيه. وقال ابن عُيينةَ: عبدُ الكرِيم الجَزرِيُّ ثقةٌ (٤) رِضًى، لا يقولُ إلّا: حدَّثنا، أو: سمِعتُ. وقال عليُّ بن المدِينيِّ ويحيى بن معِينٍ وأحمدُ بن حنبلٍ: عبدُ الكرِيم الجزرِيُّ ثِقةٌ.

стр. 6857

مالكٌ (١)، عن عبدِ الكرِيم بن مالكٍ الجَزَرِيِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن كعبِ بن عُجرةَ، أَنَّهُ كان معَ رسُولِ اللَّه ﷺ مُحرِمًا، فآذاهُ القَمْلُ في رأسِهِ، فأمَرَهُ رسُولُ اللَّه ﷺ أن يحلِقَ رأسهُ، وقال لهُ: "صُم ثلاثةَ أيام، أو أطعِم سِتّة مساكِينَ مُدَّينِ مُدَّينِ، لكلِّ إنسانٍ، أوِ انسُك بشاةٍ، أيَّ ذلك فعلتَ، أجْزَأ عنكَ". قال أبو عُمر: هكذا روى يحيى هذا الحدِيث عن مالكٍ، عن عبدِ الكرِيم الجزرِيِّ، عن ابن أبي ليلى. وتابَعهُ أبو المُصعبِ (٢)، وابنُ بكير (٣)، والقَعْنبِيُّ (٤)، ومُطرِّفٌ (٥)، والشّافِعيُّ (٦)، ومعنُ بن عِيسى، وسعِيدُ بن عُفَيرٍ، وعبدُ اللَّه بن يُوسُف التَّنِّيسِيُّ (٧)، وأشْهَب، وأبو قُرَّة موسى بن طارق (٨)، ومُصعبٌ الزُّبيرِيُّ (٩)، ومحمدُ بن المُباركِ الصُّورِيُّ. كلُّ هؤُلاءِ رَوَوهُ عن مالكٍ كما رواهُ يحيى، لم يذكُرُوا مُجاهِدًا في إسنادِ هذا الحدِيثِ.

стр. 6858

ورواهُ ابن وَهْب (١)، وابنُ القاسم (٢)، ومكِّيُّ بن إبراهيم (٣)، وعبد الرَّحمن بن مَهْديٍّ (٤)، وبِشْرُ بن عُمر، والوليدُ بن مُسلم، واسحاقُ بن سليمانَ الرّازيُّ، ومحمدُ بن الحسنِ الشَّيبانيُّ (٥)، وغيرهم (٦) عن مالكٍ، عن عبدِ الكرِيم الجَزَرِيِّ، عن مُجاهِدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن كَعْبِ بن عُجرةَ. وذكر الطَّحاوِيُّ (٧): أنَّ القَعْنبِيَّ (٨) رواهُ هكذا كما رواهُ ابن وَهْبٍ وابنُ القاسم، فذكرَ فيه مُجاهِدًا. قال أبو عُمر: الصَّوابُ في إسنادِ هذا الحدِيثِ، قولُ من جعلَ فيه مُجاهِدًا بينَ عبدِ الكرِيم وبين ابن أبي ليلى، ومن أسْقَطهُ، فقد أخطأ فيه، واللَّهُ أعلمُ. وزعمَ الشّافِعيُّ: أنَّ مالكًا هُو الذي وَهِمَ فيه، فرواهُ عن عبدِ الكرِيم، عن ابن أبي ليلى، وأسقطَ من إسنادِهِ مُجاهِدًا. قال أبو عُمر: وعبدُ الكرِيم لم يلقَ ابن أبي ليلى، ولا رآهُ، والحدِيثُ محفُوظ لمُجاهِدٍ عن ابن أبي ليلى، من طُرُقٍ شتَّى صِحاح كلُّها، وهذا عِندَ أهلِ الحدِيثِ أبينُ من أن يُحتاجَ فيه إلى استِشهادٍ، وتُوُفِّي مُجاهِدُ بن جبرٍ، ويُقالُ: ابن جُبَيرٍ، والأكثرُ يقولُونَ: ابن جبرٍ، سنةَ ثلاثٍ ومئةٍ، وهُو ابن ثلاثٍ وثمانِين سنةً، ويقولُونَ: إنَّهُ ماتَ ساجِدًا.

стр. 6859

حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الصّائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سابِقٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن طهمانَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن مُجاهِدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن كعبِ بن عُجرةَ الأنصارِيِّ، أنَّهُ حدَّثهُ: أنَّهُ كان أهلَّ في ذِي القعدَةِ، وأنَّهُ قُمِلَ رأسُهُ، فأتَى عليه رسُولُ اللَّه ﷺ وهُو يُوقِدُ تحتَ قِدْرٍ لهُ، فقال لهُ: "كأنَّكَ يُؤذِيك هوامُّ رأسِكَ؟ " قال: أجَل. قال: "احلِقْ رأسَكَ (١)، واهْدِ هديًا". فقال: ما أجِدُ هديًا. قال: "فأطعِم سِتّةَ مساكِينَ". فقال: ما أجِدُ. فقال: "صُمْ ثلاثةَ أيّام". قال: فحَلَقتُ وصُمتُ (٢). قال أبو عُمر: في رِوايةِ أبي الزُّبيرِ لهذا الحدِيثِ عن مُجاهِدٍ، وهُو تابِعٌ مِثلُهُ، ما يدُلُّكَ على أَنَّهُ حدِيثٌ احتِيجَ فيه إلى مُجاهِدٍ. وهُو معرُوفٌ به عِندَ الحِجازِيِّين. وقد رَوَى عن مُجاهِدٍ هذا الحديثَ جماعةٌ جِلَّةٌ، منهُم: أيُّوبُ السَّختِيانِيُّ (٣)، وابنُ أبي نَجِيح، وحُميدُ بن قيسٍ (٤)، وغيرُهُم. وأمّا رِوايةُ إبراهيمَ بن طَهْمانَ لهذا الحدِيثِ على التَّرتِيبِ، فلم يُتابَع عليها في رِوايةِ مُجاهِدٍ لهُ، واللَّهُ أعلمُ. ورِوايةُ من روى فيه التَّخيِير أكثرُ. وقد ذكَرْنا كثِيرًا من طُرُقِ هذا الحدِيثِ، في بابِ حُميدِ بن قيسٍ، وسيأتي منها كثِيرٌ أيضًا في بابِ عطاءٍ الخُراسانِيِّ إن شاءَ اللَّه.

стр. 6860

وقد رَوَى هذا الحدِيث مكِّيُّ بن إبراهيمَ، عن مالكٍ، كما رواهُ ابن وَهْبٍ، وابنُ القاسم: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن يُوسُفَ، قال: أخبرنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن عليِّ بن أبي (١) طالِبٍ البَغدادِيُّ أبو القاسم، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّه بن جعفرِ بن دَرَستُوية الفارسيُّ النَّحوِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحُباب (٢)، قال: حدَّثنا مكِّيُّ بن إبراهيمَ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن عبدِ الكرِيم الجَزرِيِّ، عن مُجاهِدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن كَعْبِ بن عُجرةَ، أنَّهُ كانَ مع رسُولِ اللَّه ﷺ مُحرِمًا. فذكرَ الحدِيث كما تقدَّمَ عن مالكٍ حرفًا بحرفٍ. وقد ذكَرْنا ما في هذا الحدِيثِ من الأحكام والمعاني، في بابِ حُميدِ بن قيسٍ من كِتابِنا هذا، فلا مَعنَى لتكرِيرِ ذلك هاهُنا. ولفظُ حدِيثِ مالكٍ هذا عن عبدِ الكرِيم مُستَعملٌ عِندَ جميع العُلماء، فيمَن حلقَ رأسهُ من أذًى وضرُورةٍ، لا يختلِفُونَ في شيءٍ منهُ. وقد رُوِي هذا الحدِيثُ بألفاظٍ مُختلِفةٍ، ومَعانٍ في بعضِها تفاوُتٌ، وقد ذكَرْنا ذلك كلَّهُ أو أكثرهُ، وذكَرْنا تنازُع العُلماءِ فيه في بابِ حُميدِ بن قيسٍ، والحمدُ للَّه. وحدِيثُ مالكٍ هذا أحسنُ ما نُقِلَ عن كَعْبِ بن عُجرةَ في قِصَّتِهِ هذه؛ لأنَّ ما فيه لمن حلَقَ من ضرُورةٍ، قدِ اتَّفقَ العُلماءُ عليه، إلّا أنَّ اختِلافهُم في مَوْضِع الدَّم والإطعام أيضًا، على ما قدَّمنا في بابِ حُميدِ بن قيسٍ، وفي نَحْرِ عليِّ بن أبي طالِبِ عن ابنِهِ الحُسينِ بالسُّقيا جزُورًا، حِين حلَقَ رأسهُ من المَرضِ الذي أصابهُ (٣)، ما تسكُنُ النَّفسُ إليه، لظُهُورِهِ وعُلُوِّهِ، وباللَّه التَّوفِيقُ.

стр. 6861

عبدُ الكرِيم (١) بن أبي المُخارِقِ واسمُ أبي المُخارِقِ: طارِقٌ. وقيل: قيسٌ. هُو أبو أُميَّةَ البصرِيُّ. لقِيهُ مالكٌ بمكَّةَ، فروَى عنهُ. لهُ عنهُ في "المُوطَّأ" من مرفُوع الأثرِ حدِيثٌ واحِدٌ، فيه ثلاثةُ أحادِيث مُرْسَلةٍ، تتَّصِلُ من غير روايتِهِ وتُستندُ من وُجُوهٍ صِحاح. وعبدُ الكرِيم هذا ضعِيفٌ، لا يختلِفُ أهلُ العِلم بالحدِيثِ في ضَعْفِهِ، روى (٢) عن الحسنِ، وعطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وإبراهيم النَّخعِيِّ. روى عنهُ الثَّورِيُّ، ومالكٌ، وابنُ عُيينةَ، وسعِيدُ بن أبي عرُوبةَ. إلّا أنَّ منهُم من يَقبلُهُ في غيرِ الأحكام خاصَّةً، ولا يحتجُّ به على حال، ومن أجلِّ من جَرَحهُ واطَّرحهُ: أبو العاليةِ، وأيُّوبُ السَّختِيانِيُّ، تكلَّم فيه مع ورعِهِ، ثُمَّ شُعبةُ، والقطّانُ، وأحمدُ بن حنبل، وعليُّ بن المدِينيِّ، ويحيى بن معِينٍ. وكان مُؤَدِّب كُتّابٍ، وكان حسنَ السَّمتِ، غرَّ مالكًا منهُ سمتُهُ، ولم يكُن من أهلِ بَلدِهِ فيَعرِفَهُ، كما غرَّ الشّافِعيَّ من إبراهيمَ بن أبي يحيى حِذقُهُ ونباهتُهُ، فروى عنهُ، وهُو أيضًا مُجتمعٌ على تجرِيحِهِ وضَعْفِهِ. ولم يُخرِّج مالكٌ، عن عبدِ الكرِيم بن أبي المُخارِقِ حُكمًا في "مُوطَّئهِ"، وإنَّما ذكرَ فيه عنهُ تَرْغِيبًا وفضلًا، وكذلك الشّافِعيُّ لم يحتجَّ بابنِ أبي يحيى في حُكم أفردَهُ به. حدَّثني محمدُ بن إبراهيم بن سَعِيدٍ (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيُّوبَ بن حبِيبٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو البزّارُ،

стр. 6862

قال: حدَّثنا الحُسينُ بن مهدِيٍّ، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، قال: قُلتُ لأيُّوبَ: كيف لم تسمع من طاوُوسٍ؟ قال: أتيتُهُ فإذا قدِ اكتنفهُ ثقيلانِ: ليثُ بن أبي سُليم، وعبدُ الكرِيم بن أبي المُخارِقِ، فتركتُهُ. أخبرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جرِيرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ (٢)، قال: حدَّثنا يحيى بن معِينٍ، قال: حدَّثنا هشامُ بن يُوسُفَ، عن مَعْمرٍ، قال: قال لي أيُّوبُ: عبدُ الكرِيم أبو أُميَّةَ غيرُ ثِقةٍ، فلا تحمِل عنهُ. قال: فما حملتُ عنهُ شيئًا. وحدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَرِيرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عَمرٍو الغزِّيُّ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ، قال: أخبرنا سُفيانُ بن عُيينةَ، قال: قُلتُ لأيُّوبَ: يا أبا بكرٍ، ما لكَ لم تُكثِر عن طاوُوسٍ؟ قال: جِئتُهُ لأجلِسَ إليه، فوَجدتُهُ بين ثَقيلينِ: عبدِ الكرِيم أبي أُميَّةَ، وليثِ بن أبي سُليم، فرجعتُ وتركتُهُ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٣): حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يُونُس، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، قال: أوَّلُ من جالَستُ من النّاسِ عبدُ الكرِيم أبو أُميَّةَ جالَستُهُ وأنا ابن خمس عَشرةَ سنةً، وتُوُفِّي في سنةِ سِتٍّ وعِشرِينَ ومئةٍ. قال أحمدُ بن زُهيرٍ: وسُئلَ يحيى بن مَعِينٍ، عن عبدِ الكرِيم بن أبي المُخارِقِ، فقال: هُو أبو أُميَّةَ ليسَ بشيءٍ.

стр. 6863

وقال البُخارِيُّ (١)، عن عليِّ بن المدِينيِّ، عن ابن عُيينةَ قال: هلكَ سنةَ سبع وعِشرِينَ ومئة. وذكرَ العقيليُّ (٢)، قال: حدَّثنا داودُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن يُوسُف، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: قال لي مَعْمرٌ: ما رأيتُ أيُّوبَ اغتابَ أحدًا قطُّ، إلّا عبد الكرِيم فإنَّهُ ذكَرهُ، فقال: ﵀، كان غير ثِقةٍ، لقد سألني عن حدِيثٍ لعِكرِمةَ، ثُمَّ قال: سمِعتُ عِكرِمةَ. قال (٣): وأخبرنا أحمدُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بن غِياثٍ، قال: حدَّثنا أبو حاتم العطّار (٤)، عن حمّاد بن زيد (٥)، قال: سمِعتُ عبد الكرِيم أبا أُميّةَ يقولُ: الحسنُ ومحمدُ بن سِيرِينَ ضالّانِ. قال (٦): وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن حنبل، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: كان أبو أُميَّةَ يجيء يوم الجُمُعةِ فيتخطَّى ويقولُ: رحِمَ اللَّه من لم يتأذَّ. قال عبدُ اللَّه: سألتُ أبي عن عبدِ الكرِيم بن أبي المُخارِقِ، فقال: ضعِيفٌ (٧). قال أبو عُمر: أمّا الأحادِيثُ التي ذكرَ عنهُ مالكٌ، فصِحاحٌ مَشْهُورةٌ، جاءَت من طُرُقٍ ثابتةٍ، ونحنُ نذكُرُ من طُرُقِها هاهُنا ما حَضَرنا ذِكرُهُ بفضلِ اللَّه وعونِهِ لا شرِيكَ لهُ.

стр. 6864

مالكٌ (١)، عن عبدِ الكرِيم بن أبي المُخارِقِ البصرِيِّ، أنَّهُ قال: من كلام النُّبُوَّةِ: "إذا لم تَسْتَحي فاصنَعْ ما شِئتَ". ووَضْعُ اليدينِ إحداهُما على الأُخْرَى في الصَّلاةِ، يَضعُ اليُمنى على اليُسْرَى. وتَعجيلُ الفِطرِ، والاسْتِيناءُ بالسُّحُورِ. قال أبو عُمر: أمّا الحدِيثُ الأوَّلُ: من كلام النُّبُوَّةِ، فحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن محمد (٢) بن بدرٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عرفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن خازِم، عن أبي مالكٍ الأشجعِيِّ، عن رِبعِيِّ بن حِراشٍ، عن حُذيفةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ ممّا أدركَ النّاس من أمْرِ النُّبُوَّةِ الأُولى: إذا لم تَسْتَحي، فاصنَعْ ما شِئتَ" (٣). قال أبو عُمر: هذا الحدِيثُ خطأٌ، ويقولُونَ: إنَّ الخطأ فيه من أبي مالكٍ الأشجعِيِّ، ورِوايةُ منصُورٍ عِندَهُم صوابٌ، رواها شُعبةُ والثَّورِيُّ وشرِيكٌ وغيرُهُم، عن منصُورٍ، عن رِبعِيِّ، عن أبي مسعُودٍ الأنصارِيِّ. ولا يصِحُّ عندَهُم في هذا الحدِيثِ غير هذا الإسنادُ. وإنَّما هُو لرِبْعي بن حِراشٍ، عن أبي مسعُودٍ الأنصارِيِّ عُقبةَ بن عَمرٍو، عن النَّبيِّ ﷺ وليسَ لرِبعِيٍّ، عن حُذيفةَ (٤).

стр. 6865

حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن يُوسُفَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحُسينِ بن عليٍّ. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عِيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن محمدِ بن حَبابةَ. قالا: حدَّثنا البَغوِيُّ، قال (١): حدَّثنا عليُّ بن الجعدِ، قال: أخبرنا شُعبةُ وشرِيكٌ، عن منصُورٍ، عن رِبعِيٍّ، عن أبي مسعُودٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ ممّا أدركَ النّاسُ من كلام النُّبُوَّةِ الأُولى: إذا لم تَسْتَحي، فاصنَعْ ما شِئتَ". حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو بكر (٢) محمدُ بن الحُسينِ بن صالح السَّبِيعِيُّ الحلبِيُّ بدِمشقَ، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ محمدُ بن مُعاذِ بن المُستهِلِّ البَصْرِيُّ، قال: حدَّثنا القَعْنبِيُّ عبدُ اللَّه بن مَسْلمةَ أبو عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا شُعبةُ بن الحجّاج، عن مَنصُورٍ، عن رِبعِيٍّ، عن أبي مَسعُودٍ الأنصارِيِّ، قال:

стр. 6866

قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ ممّا أدركَ النّاس من كلام النُّبُوَّةِ الأُولى: إذا لم تَسْتَحي فاصنَعْ ما شِئتَ" (١). وحدَّثنا خلفُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ. وحدَّثناهُ عبدُ اللَّه بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا ابن جامِع السُّكَّرِيُّ. قالا: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا القَعْنبي، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن منصُورٍ، عن رِبعِيِّ بن حِراشٍ، عن أبي مسعُودٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ مّما أدركَ النّاس من كلام النُّبُوَّةِ الأُولى: إذا لم تَسْتَحي فاصنَعْ ما شِئتَ" (٢) (٣). قال أبو عُمر: لم يروِ القَعْنبِيُّ عن شُعبةَ، غيرَ هذا الحدِيثِ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ. قالا (٤): حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ، عن سُفيانَ، عن منصُورٍ، عن رِبعِيِّ بن حِراشٍ، عن أبي مَسعُودٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "آخِرُ ما تعلَّقَ النّاسُ به من كلام النُّبُوَّةِ الأُولى: إذا لم تَسْتَحي، فاصنَعْ ما شِئتَ" (٥).

стр. 6867

وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن يُونُس، قال: حدَّثنا زُهَيرٌ، قال: حدَّثنا منصُورٌ، عن رِبعِيِّ بن حِراشٍ، قال: حدَّثنا أبو مَسعُودٍ عُقبةُ بن عَمرٍو، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ ممّا أدركَ النّاس من كلام النُّبُوَّةِ الأُولى: إذا لم تَسْتَحي فافعَلْ ما شِئتَ" (١). حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا شرِيكُ بن عبدِ اللَّه، عن منصُورٍ، عن رِبعِيٍّ، عن أبي مَسْعُودٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "آخِرُ ما كان من كلام النُّبُوَّةِ: إذا لم تَسْتَحي، فافعَلْ ما شِئتَ". قال أبو عُمر: هذا الحدِيثُ، وإن كانَ وردَ بلفظِ الأمرِ، فإنَّهُ وما كانَ مِثلهُ في معنى الخبرِ، بأنَّ من لم يكُن لهُ حياءٌ يحجِزُهُ عن محارِم اللَّه، فسواءٌ عليه فِعلُ الصَّغائرِ وارتِكابُ الكبائرِ. وفيه معنى التَّحذِيرِ والوَعِيدِ على قِلَّةِ الحياءِ. ومن هذا المعنى: حدِيثُ المُغِيرةِ بن شُعبةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "من باعَ الخمرَ، فليُشقِّصِ الخَنازِير" (٣). فليسَ هذا على إباحَةِ شَقْصِ الخنازِيرِ،

стр. 6868

ولكِنَّهُ تقرِيعٌ وإخبارٌ وتَوْبِيخٌ، يقولُ: منِ استحلَّ بيعَ الخمرِ، وقد نهاهُ اللَّه عن بيعِها، فمن شأنِهِ، ومن نَظيرِ أفعالِهِ، ألّا يَرعَ (١) عن شَقْصِ الخنازِيرِ. ومن هذا الباب قولُ عُمر: من وجدَ سَعَةً واستطاع سبِيلًا إلى الحجِّ ولم يحُجَّ، فلْيمُتْ يُهودِيًّا، أَو نصرانِيًّا (٢). ومن ذلك قولُ أبي هريرةَ: من وجدَ سَعَةً ولم يُضَحِّ (٣)، فلا يقرَبْ مُصلّانا (٤). ومن معنى حدِيثِ هذا البابِ أخَذَ القائلُ قولَهُ (٥): إذا لم تخش عاقِبةَ اللَّيالِي ... ولم تَسْتَحي فاصنَعْ ما تشاءُ فلا واللَّه ما في العَيْشِ خيرٌ ... ولا الدُّنيا إذا ذهَبَ الحياءُ وقال أبو دُلف العِجلِيُّ (٦): إذا لم تَصُن عِرضًا ولم تخش خالِقًا ... وتَسْتَحي مخلُوقًا فما شِئت فاصنعِ وقد قيلَ: إنَّ معنى هذا الحدِيثِ، افعَلْ ما شِئتَ ممّا لا تَسْتَحيي من فِعلِهِ. أي: ما حلَّ لكَ وأُبِيحَ فِعلُهُ، فلا تَسْتَحي منهُ، ولا عليكَ أن (٧) تفعلهُ، إذ لا تَسْتَحيي من فِعلِهِ. وهذا تأوِيلٌ ضعِيفٌ، والأوَّلُ هُو المعرُوفُ عِندَ العُلماءِ، والمشهُورُ مخرجُهُ عِندَ العربِ والفُصحاءِ.

стр. 6869

وأمّا وضعُ اليُمنى على اليُسْرَى في الصَّلاةِ، ففيه آثارٌ ثابتةٌ أيضًا عن النَّبيِّ ﷺ . حدَّثنا أحمدُ بن فَتْح بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ محمدُ بن عبدِ اللَّه بن زكرِيّا النَّيسابُورِيُّ، بمصرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ القُرَشيُّ، قال: حدَّثنا بِشْرُ بن المُفضَّلِ. وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (١): أخبرنا سُويدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن المُباركِ، عن زائدةَ، قالا: حدَّثنا عاصِمُ بن كليبٍ، عن أبيهِ، عن وائلِ (٢) بن حُجْرٍ، قال: رأيتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يَضَحُ اليُمنى على اليُسْرَى في الصَّلاةِ. حدَّثنا يعِيشُ بن سَعِيدٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرتِيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا محمدٌ، يعني ابن جُحادةَ، قال: حدَّثني عبدُ الجبّارِ بن وائلِ بن حُجرٍ، قال: كُنتُ غُلامًا لا أعقِلُ صلاةَ أبي، فحدَّثني وائلُ بن عَلْقمةَ، عن أبي: وائلِ بن حُجْرٍ، قال: صلَّيتُ خلفَ رسُولِ اللَّه ﷺ ، فكان إذا دخَلَ الصَّلاةَ رفَعَ يَدَيهِ فكبَّرَ، ثُمَّ التحَفَ، ثُمَّ أدخلَ يَدَهُ في ثوبِهِ، فأخذَ شِمالهُ بيمِينِهِ (٣).

стр. 6870

هكذا قال في إسنادِ هذا الحدِيثِ: وائلُ بن علقمةَ. وإنَّما أعرفُ: عَلْقمةَ بن وائلٍ. حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبِ بن عليٍّ، قال (١): حدَّثنا سُوِيدُ بن نصرٍ المروزِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن المُباركِ، عن موسى بن عُميرٍ العنبرِيِّ وقيسٍ، قالا: حدَّثنا علقمةُ بن وائل، عن أبيهِ، قال: رأيتُ رسُولَ اللَّه ﷺ إذا كان قائمًا في الصَّلاةِ، قبضَ بيمِينِهِ على شِمالِهِ. وأخبَرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ التِّرمذِيُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا موسى بن عُمَيرٍ العَنْبرِيُّ، قال: حدَّثني عَلْقمةُ بن وائلِ بن حُجْرٍ، عن أبيهِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا قامَ إلى الصَّلاةِ، قبضَ على شِمالِهِ بيمِينِهِ، ورأيتُ علقمةَ يفعلُهُ (٢). أخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٣): أخبَرنا عمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، عن الحجّاج بن أبي زَيْنب، قال: سمِعتُ أبا عُثمان يُحدِّثُ،

стр. 6871

عن ابن مسعُودٍ قال: رآني النَّبيُّ ﷺ قد وَضَعتُ شِمالي على يَمِيني في الصَّلاةِ، فأخَذَ يمِيني فوَضَعها على شِمالِي. قال أبو عبدِ الرَّحمنِ (١): غيرُ هُشيم أرسلَ هذا الحدِيث. قال أبو عُمر: أرسَلهُ يزِيدُ بن هارونَ، عن الحجّاج، عن أبي عُثمانَ (٢). وهُشِيمٌ أحفظُ من الذي أرسَلهُ. وفي هذا البابِ حدِيثُ أبي حُميدٍ السّاعِدِيِّ أيضًا، وقد ذكَرْناهُ في بابِ عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم. أخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا نصرُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو أحمد، قال: حدَّثنا العلاءُ بن صالح، عن زُرعةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: سمِعتُ ابن الزُّبيرِ يقولُ: صفُّ القَدَمينِ ووَضْعُ اليَدِ على اليَدِ من السُّنَّةِ. أخبرنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٤): حدَّثنا زيدُ بن حُبابٍ، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن صالح، قال: حدَّثني يُونُسُ بن سيفٍ العنسِيُّ (٥)، عن الحارِثِ بن

стр. 6872

غُطَيفٍ، أو غُطَيفِ بن الحارِثِ الكِندِيِّ، شكَّ مُعاويةُ، قال: مهما رأيتُ شيئًا فنسِيتُهُ، فإنِّي لم أنسَ أنِّي رأيتُ رسُولَ اللَّه ﷺ وضَعَ يَدَهُ اليُمنَى على اليُسْرَى. يَعني: في الصَّلاةِ. وذكرَ عبّاسٌ الدُّورِيُّ (١) هذا الحدِيث عن ابن مَعِينٍ، عن عبدِ اللَّه بن صالح كاتِبِ اللَّيثِ، عن مُعاويةَ بن صالح، بإسنادِهِ مِثلهُ، وقال: الحارِثُ بن غُطيفٍ. من غيرِ شكٍّ. وكان أحمدُ بن حنبلٍ يقولُ: هُو الحارِثُ بن غُطَيفٍ. قال أبو عُمر: قد ذكَرْناهُ في "الصَّحابةِ" (٢) وذكرنا الاختِلاف فيه بما يُغني عن ذِكَرِهِ هاهُنا. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا شَرِيكُ بن عبدِ اللَّه، عن سِماكِ بن حَرْبٍ، عن قَبِيصةَ بن هُلْب، عن أبيهِ، أَنَّهُ رأى رسُولَ اللَّه ﷺ واضِعًا يَدَهُ اليُمنَى على اليُسْرَى في الصَّلاةِ، ورأيتُهُ يَنْصرِفُ عن يَمِينِهِ، وعن شِمالِهِ في الصَّلاةِ (٣). قال أبو عُمر: هُلْبٌ: لقَبٌ، واسمُهُ: يزِيدُ، وقد ذكَرْناهُ ونَسبناهُ في كِتابِ "الصَّحابةِ" (٤).

стр. 6873

حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابن وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا وكِيعٌ، عن سُفيانَ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن قَبِيصةَ بن هُلْب، عن أبيهِ، قال: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ واضِعًا يمِينهُ على شمالِهِ في الصَّلاةِ. قال (٢): وحدَّثنا ابن إدرِيس، عن عاصِم بن كلَيبٍ، عن أبيهِ، عن وائلِ بن حُجْرِ، قال: رأيتُ رسُول اللَّه ﷺ حِينَ كبَّرَ، أخذَ شِمالهُ بيمِينِهِ. قال (٣): وحدَّثنا وكِيعٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن الأعْمَشِ، عن مُجاهِدٍ، عن مُوَرِّقٍ (٤)، عن أبي الدَّرداءِ، قال: من أخلاقِ النَّبيين وَضْعُ اليمينِ على الشِّمالِ في الصَّلاةِ. قال أبو عُمر: لم تختلِفِ الآثارُ عن النَّبيِّ ﷺ في هذا البابِ، ولا أعلمُ عن أحَدٍ من الصَّحابةِ في ذلك خِلافًا، إلّا شيء رُوِي عن ابن الزُّبيرِ: أنَّهُ كان يُرسِلُ يَدَيهِ إذا صلَّى (٥). وقد رُوِي عنهُ خِلافُهُ مما قدَّمنا ذِكرهُ عنهُ، وذلك قولُهُ (٦): وضعُ اليمِينِ على الشِّمالِ، من السُّنَّةِ (٧).

стр. 6874

وعلى هذا جُمهُورُ (١) التّابِعِينَ، وأكثرُ فُقهاءِ المُسلِمِينَ من أهلِ الرَّأيِ والأثرِ. فأمّا اختِلافُ الفُقَهاءِ في هذا البابِ، فذهَبَ مالكٌ، في رِوايةِ ابن القاسم عنهُ، واللَّيثُ بن سعدٍ إلى سَدْلِ اليَدَينِ في الصَّلاةِ. قال مالكٌ (٢): وَضْعُ اليَدَينِ إحداهُما على الأُخْرَى في الصَّلاةِ إنَّما يُفعلُ ذلك في النَّوافِلِ، من طُولِ القِيام. قال: وتركُهُ أحبُّ إليَّ. هذه رِوايةُ ابن القاسم عنهُ. وقال عنه غير ابن القاسم: لا بأسَ بذلك في الفَرِيضةِ والنّافِلةِ. وهي رِوايةُ المدنِيِّين عنهُ. وقال اللَّيثُ: سدلُ اليَدينِ في الصَّلاةِ أحبُّ إليَّ، إلّا أن يُطِيلَ القِيامَ فيَعيا، فلا بأسَ أن يضعَ اليُمنى على اليُسْرَى (٣). وقال عبدُ الرَّزّاقِ (٤): رأيتُ ابن جُريج يُصلِّي في إزارٍ ورِداءٍ مُسْدِلًا (٥) يدَيهِ. وقال الأوزاعِيُّ: من شاءَ فعلَ، ومن شاءَ تركَ. وهُو قولُ عطاءٍ (٦). وقال سُفيانُ الثَّورِيُّ وأبو حنِيفةَ والشّافِعيُّ وأصحابُهُم والحُسنُ بن صالح وأحمدُ بن حنبل وإسحاقُ وأبو ثورٍ وأبو عُبيدٍ وداودُ بن عليٍّ والطَّبرِيُّ: يضعُ المُصلِّي يَمِينهُ على شِمالِهِ في الفرِيضةِ والنّافِلةِ. وقالوا كلُّهُم: وذلك سُنَّةٌ مَسْنُونةٌ.

стр. 6875

قال الشّافِعيُّ: عِندَ الصَّدرِ (١). ورُوِي عن عليِّ بن أبي طالِبٍ: أنَّهُ وضعهُما على صدرِهِ (٢). وعن طاوُوسٍ، قال: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يَضعُ يدهُ اليُمنى على يَدِهِ اليُسرى، ثُمَّ يشُدُّهُما على صَدْرِهِ وهُو في الصَّلاةِ (٣). وقال الثَّورِيُّ وأبو حنِيفةَ وإسحاقُ: أسفل السُّرَّةِ (٤). ورُوِي ذلك عن عليٍّ (٥)، وأبي هريرةَ، والنَّخعِيِّ. ولا يثبُتُ ذلك عنهُم. وهُو قولُ أبي مِجْلَزٍ (٦). قال: وقال أحمدُ بن حنبلٍ: فوق السُّرَّةِ. وهُو قولُ سَعِيدِ بن جُبيرٍ (٧). قال أحمدُ بن حنبلٍ: وإن كانت تحتَ السُّرَّةِ، فلا بأس به. قال أبو عُمر: قد ذكَرْنا أنَّ الصَّحابةَ لم يُروَ عن أحَدٍ منهُم في هذا البابِ خِلافٌ، لما جاءَ عن النَّبيِّ ﷺ فيه. ورُوِي عن الحسنِ وإبراهيمَ: أنَّهُما كانا يُرسِلانِ أيَدِيهُما في الصَّلاةِ (٨). وليسَ هذا بخِلافٍ؛ لأنَّ الخِلافَ كراهيةُ ذلك، وقد يُرسِلُ العالِمُ يديهِ، ليُرِي النّاس أنّ ذلك ليسَ بحَتْم واجِبٍ.

стр. 6876

وقد ذكرَ ابن أبي شيبةَ (١)، عن جرِيرٍ، عن مُغِيرةَ، عن أبي معشرٍ، عن إبراهيم، قال: لا بأس أن تضع اليُمنى على اليُسرى في الصَّلاةِ. وذكرَ (٢) عن عُمر بن هارون، عن عبدِ اللَّه بن يزِيد، قال: ما رأيتُ سعِيد بن المُسيِّبِ قابِضًا يمِينهُ على شمالِهِ في الصَّلاةِ، كان يُرسِلُهُما. وهذا أيضًا يحتمِلُ ما ذكرنا. وذكرَ (٣)، عن يحيى بن سعِيدِ، عن عُبيدِ (٤) اللَّه بن العَيْزارِ، قال: كُنتُ أطُوفُ مع سَعِيدِ بن جُبيرٍ، فرأى رجُلًا يُصلِّي واضِعًا إحْدَى يديهِ على الأُخرى، هذه على هذه، وهذه على هذه، فذهَبَ ففرَّق بينهُما، ثُمَّ جاءَ. وهذا يحتمِلُ أن يكونَ رأى يُسرى يَديهِ على يَمِينِهِ، فانْتَزعها على نحوِ ما رُوِي عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ صَنَعهُ بابنِ مَسعُودٍ (٥). وقد رُوِي عن سعِيدِ بن جُبيرٍ ما يُصحِّحُ هذا التَّأوِيل؛ لأنَّهُ ثبتَ عنهُ: أنَّهُ كان يضعُ يَدهُ اليُمنى على اليُسرى في صلاتِهِ، فوقَ السُّرَّةِ. فهذا ما رُوِي عن بعضِ التّابِعِين في هذا البابِ وليسَ بخِلافٍ؛ لأنَّهُ لا يَثبُتُ عن أحدٍ منهُم كَراهيةٌ، ولو ثبتَ ذلك، ما كانت فيه حُجَّةٌ، لأنَّ الحُجَّةَ في السُّنَّةِ لمنِ اتَّبعها، ومن خالَفَها فهُو محجُوجٌ بها، ولا سِيَّما سُنَّةٌ لم يثبُت عن واحدٍ من الصَّحابةِ خِلافُها.

стр. 6877

ذكرَ أبو بكر بن أبي شيبةَ (١)، عن يحيى بن سَعِيدٍ القطّانِ، عن ثورِ بن يزِيد، عن خالدِ بن مَعْدان، عن أبي زِيادٍ مولى آلِ درّاج، قال: ما رأيتُ فنسِيتُ، فإنِّي لم أنسَ أنَّ أبا بكرٍ ﵁ كان إذا قامَ إلى الصَّلاةِ قال هكذا، ووضَعَ اليُمنى على اليُسرى. قال (٢): وحدَّثنا وكِيعٌ، قال: حدَّثنا عبدُ السَّلام بن شدّادٍ الجُرَيْري (٣) أبو طالُوت، عن غَزْوان بن جرِيرٍ الضَّبِّيِّ، عن أبيهِ، قال: كان عليٌّ إذا قامَ في الصَّلاةِ، وضعَ يمِينهُ على رُسغِهِ، فلا يزالُ كذلك حتّى يركعَ مَتَى ما ركعَ، إلّا أن يُصلِح ثوبهُ، أو يحُكَّ جسدهُ. قال (٤): وحدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن إسحاقَ، عن زِيادِ بن زيدٍ (٥) السُّوائيِّ، عن أبي جُحيفةَ، عن عليٍّ، قال: من سُنَّة الصَّلاة وضعُ الأيدِي على الأيدِي تحتَ السُّرَرِ. قال (٦): وحدَّثنا عبدُ الأعلى، عن المُستمِرِّ بن الرَّيّانِ، عن أبي الجَوْزاءِ: أنَّهُ كان يأمُرُ أصحابهُ أن يضَعَ أحدُهُم يَدهُ اليُمنى على اليُسْرَى وهُو يُصلِّي.
следующие страницы →