← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 678–717 · переход к 683.

стр. 678

البخاريُّ، قال (١): سمِعتُ عليَّ بنَ المَدينيِّ يقول: مالكٌ إمامٌ. قال عليٌّ: وسمِعتُ سفيانَ بنَ عُيَيْنةَ يقول: مالكٌ إمامٌ. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (٢): حدَّثنا عليُّ بنُ المَدينيِّ، قال: حدَّثنا أيوبُ بنُ المتوكِّل، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ مهديٍّ، قال: لا يكونُ إمامًا في العلْم مَن أخذَ بالشّاذِّ من العِلْم، ولا يكونُ إمامًا في العلْم مَن روَى عن كلِّ أحد، ولا يكونُ إمامًا في العلْم مَن روَى كلَّ ما سَمِع. قال: والحفْظُ الإتقان. قال أبو عمرُ: معلومٌ أنَّ مالكًا كان أشدَّ الناسِ ترْكًا لشذُوذِ العلْم، وأشدُّهم انتقادًا للرِّجال، وأقلُّهم تكلُّفًا، وأتقنُهم حفظًا؛ فلذلك صار إمامًا. حدَّثنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أيمن، قال: حدَّثنا عَلّان، قال: حدَّثنا صالحُ بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المَدينيِّ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ القطّانَ يقول: كان مالكٌ إمامًا في الحديث (٣).

стр. 679

قال عليٌّ: وسمِعتُ ابنَ عُيَيْنةَ يقول: ما كان أشَدَّ انتقادَ مالكٍ للرِّجال، وأعْلَمَه بهم (١). قال صالح: وحدَّثنا عليُّ بنُ المَدينيِّ، قال: سمِعتُ عبدَ الرَّحمنِ بنَ مهديٍّ يقول: أخبَر في وُهَيْبُ بنُ خالد، وكان من أبصرِ الناسِ بالحديثِ وبالرِّجال، أنّه قَدِم المدينةَ، قال: فلم أرَ أحدًا إلَّا تَعرِفُ منه (٢) وتُنكِرُ (٣)، إلَّا مالكًا ويحيى بنَ سعيد (٤). وقال عبدُ الرَّحمن بن مهديٍّ: ما أُقدِّمُ على مالكٍ في صحَّةِ الحديثِ أحدًا (٥). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى عبدُ اللَّه بنُ أبي مَسَرَّةَ بمكّة، قال: حدَّثني مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللَّه، عن مالكِ بنِ أنس، قال: لقد ترَكْتُ جماعةً من أهلِ المدينةِ ما أخذْتُ عنهم من العلْم شيئًا، وإنَّهم لممَّن يُؤخَذُ عنهم العلْمُ، وكانوا أصنافًا؛ فمنهم مَن كان كذّابًا في غيرِ علْمِه، تَركْتُه لكذبِه، ومنهم مَن كان جاهِلًا بما عندَه، فلم يكُنْ عندِي مَوْضِعًا للأخْذِ عنه؛ لجَهْلِه، ومنهم من كان يَدِينُ برأي سوء (٦). حدَّثنا أبو القاسم خلفُ بنُ القاسم، قراءةً منِّي عليه، أنَّ أبا الطّاهرِ محمدَ بنَ

стр. 680

أحمدَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ يحيى القاضيَ بمصرَ حدَّثَهم، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ بنِ الحسنِ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذر الحِزاميُّ، قال: حدَّثنا مَعْنُ بنُ عيسى أو محمدُ بنُ صَدَقَة، أحدُهما أو كلاهما، قالا: كان مالكُ بنُ أنسٍ يقول: لا يُؤخَذُ العلْمُ من أربعة، ويُؤخَذُ ممّن (١) سوى ذلك؛ لا يُؤخذُ من سَفِيه، ولا يُؤخَذُ من صاحبِ هَوًى يدْعو النّاسَ إلى هواه، ولا من كذّابِ يكذِبُ في أحاديثِ النّاسِ وإن كان لا يُتَّهمُ على أحاديثِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ولَا من شَيخٍ له فضلٌ وصلاحٌ وعبادة، إذا كان لا يَعرِفُ ما يُحدِّثُ (٢). قال إبراهيمُ بنُ المنذر: فذَكَرتُ هذا الحديثَ لمُطَرِّفِ بنِ عبدِ اللَّه، فقال: أشهَدُ على مالكٍ لسمِعتُه يقول: أدْرَكْتُ بهذا البلدِ مَشْيَخةً أهلَ فضلٍ وصلاحٍ يُحدِّثون، ما سمِعتُ من أحدٍ منهم شيئًا قطُّ. قيل: لمَ يا أبا عبدِ اللَّه؟ قال: كانوا لا يَعرِفُون ما يُحدِّثُون (٣). وأخبرنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ العُقَيليُّ (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الصّائغُ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذر،

стр. 681

قال: أخبرنا مَعْنُ بنُ عيسى، قال: كان مالكُ بنُ أنس يقول: لا يُؤخَذُ العلْمُ من أربعة. فذكَره إلى آخرِه سواء، لم يذكُرْ فيه محمدَ بنَ صَدَقة. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: سمِعتُ ابنَ أبي أويسٍ (١) يقول: سمِعتُ خالي مالكَ بنَ أنسٍ يقول: إنَّ هذا العلْمَ دِينٌ، فانظُروا عمَّن تأخُذُون دِينَكم، لقد أدركْتُ سبعينَ ممّن يقول: قال رسولُ اللَّه ﷺ . عند هذه الأساطين (٢) - وأشار إلى مسجدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فما أخذتُ عنهم شيئًا، وإنَّ أحدَهم لو اؤتُمِن على بيتِ مالٍ لكان به (٣) أمينًا؛ لأنهم لم يكونوا من أهلِ هذا الشَّأن، وقدِم علينا ابنُ شِهاب، فكُنّا نزدحِمُ على بابِه (٤). وحدَّثنا خلفُ بنُ أحمدَ وعبدُ الرَّحمن بنُ يحيى، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمد بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريم (٥)، قال سمِعتُ أشْهَبَ يقول: سمِعتُ مالكًا يقول: أدْرَكْتُ بالمدينةِ مشايخَ أبناءَ مئةٍ وأكثرَ، فبعضُهم قد حدَّثْتُ بأحاديثه، وبعضُهم لم أُحدِّثْ بأحاديثِه كلِّها، وبعضُهم لم أُحدِّثْ من أحاديثِه شيئًا، ولم أترُكِ الحديثَ عنهم لأنّهم لم يكونوا ثقاتٍ فيما حمَلوا، إلَّا أنّهم حمَلوا شيئًا لم يعقِلُوه.

стр. 682

وحدَّثنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الواحدِ الخَوْلانيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ عبدِ الرحيم البَرْقيُّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ أبي سَلَمةَ الدِّمشقيُّ، عن ابنِ كنانة، عن مالك، قال: رُبَّما جلَس إلينا الشَّيْخُ فيتحَدَّثُ جُلَّ نهارِه، ما نأخذُ عنه حديثًا واحدًا، وما بنا أن (١) نتهِمُه، ولكنَّه ليس مِن أهلِ الحديث (٢). حدَّثنا أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصرٍ وأبو القاسم عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ عبدُ الملكِ بنُ محمدٍ الرَّقَاشِيُّ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عمرَ، قال سألْتُ مالكَ بنَ أنسٍ عن رجلٍ، فقال: هل رأَيْتَه في كتبِي؟ قلتُ: لا. قال: لو كان ثقَةً لرأيْتَه في كُتبِي (٣). وممَّا يُؤَيِّدُ قولَ مالكٍ ﵀ أنَّه لا يؤخذُ عن الكذَّابِ في أحاديثِ الناسِ وإن لم يكُنْ يكذِبُ في حديثِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ما رواه عبدُ الرَّزَّاق (٤)، عن مَعْمَر،

стр. 683

عن موسى الجَنَدِيِّ، قال: ردَّ رسولُ اللَّه ﷺ شهادةَ رجلٍ في كِذبةٍ كذَبها. قال معْمَرٌ: لا أدْرِي أكَذَبَ على اللَّه، أو على رسولِه ﷺ أو كذَبَ على أحدٍ من النَّاس؟ حدَّثنا أبو القاسم عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللَّه بنِ خالدٍ الهمْدَانيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حمدانَ بنِ مالك، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ إسحاقَ الحَرْبِيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيْبَة، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ، فذكَره (١). حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ السَّكنِ، قال: حدَّثنا بدرُ بنُ الهَيثم القاضِي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عثمانَ بنِ حكيم الأوْديُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حكيم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّه الأنصاري، قال: سُئِل شرِيكٌ فقِيل له: يا أبا عبدِ اللَّه، رجلٌ سمِعْتُه يكْذِبُ مُتَعَمِّدًا، أَأُصلِّي (٢) خلفَه؟ قال: لا (٣). حدَّثنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو العُقَيليُّ، قال (٤): حدَّثنا أحمدُ بنُ زُكَير (٥)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ المُؤمنِ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ قَعْنَب (٦)، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن هِشام بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسولُ اللَّه ﷺ إذا اطَّلَع على أحدٍ مِن أهلِ بيتِه يكْذِبُ كِذبةً، لم يزلْ مُعْرِضًا عنه حتى يُحْدِثَ للَّه توبة.

стр. 684

قال أبو عُمر: قال يحيى بنُ مَعِين: آلةُ المُحدِّثِ الصِّدقُ (١). حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ عبدِ اللَّه القرشيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ القاضِي، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: سمِعْتُ بِشْرَ بنَ بكر، قال: رأيْتُ الأوزاعيَّ في المنام مع جماعةٍ مِن العلماء في الجنَّةِ، فقلتُ: فأين مالكُ بنُ أنسٍ؟ فقيل: رُفِعَ. فقلتُ: بماذا؟ قال: بصدقِه (٢). حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبد الرحمن، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بكرِ بنِ عمرانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ بنِ أحمدَ (٣) الأزديُّ الحافظُ، قال: حدَّثنا زكريا بنُ يحيى السَّاجِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ صالحٍ الأزديُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا مُطَرِّفٌ، قال: سمِعْتُ مالكَ بنَ أنسٍ يقولُ: قلَّما كان رَجُلًا صادقًا لا يَكْذِبُ إلَّا مُتِّعَ بعقلِه، ولم يُصِبْه ما يُصِيبُ غيرَه من الهرَم والخرَف (٤). أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَفَّار، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضِي، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ عُرْوَةَ، عن مالكٍ، قال: قَدِم علينا الزُّهْرِيُّ، فأتيناه ومعنا ربيعة، فحدَّثنا بنَيِّفٍ وأربعين حديثًا. قال: ثم أتَيناه منَ الغَدِ، فقال:

стр. 685

انظروا كتابًا حتى أُحَدِّثَكم منه، أرأيتُم ما حدَّثْتُكم أمس، أيُّ شيءٍ في أيديكم منه؟ قال: فقال له ربيعةُ: هاهنا مَن يُوردُ (١) عليك ما حدَّثْتَ به بالأمس. قال: مَن هو؟ قال: ابنُ أبي عامر. قال: هاتِ. فحدَّثْتُه بأربعين حديثًا منها، فقال الزُّهريُّ: ما كنتُ أظُنُّ أنَّه بَقِيَ أحدٌ يحفظُ هذا غيري (٢). قال إسماعيلُ: وحدَّثني عتيقُ بنُ يعقوبَ الزُّبَيْريُّ (٣)، قال: سمِعْتُ مالكًا يقول: حدَّثني ابنُ شهابٍ ببضعةٍ وأربعين حديثًا، ثم قال: إيهِ، أعِدْ عليَّ. فأعَدْتُ عليه أربعينَ، وأسقَطْتُ البضعَ (٤) (٥). حدَّثنا أبو عثمانَ سعيدُ بنُ سيِّدٍ بن سعيد (٦) وعبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يوسفَ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ الباجيُّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عبدِ اللَّه الزُّبَيْدِيُّ (٧)، قال: حدَّثنا أبو عبدِ اللَّه محمدُ بنُ إسماعيلَ الأصبهانيُّ في المسجدِ الحرام، قال: حدَّثنا مصعبُ بنُ عبدِ اللَّه (٨) الزُّبَيْرِيُّ، قال: سمِعْتُ أبي يقول: كنتُ جالسًا مع

стр. 686

مالكِ بنِ أنسٍ في مسجدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، إذْ أتاه رجلٌ، فقال: أيُّكُم أبو عبدِ اللَّه مالكٌ؟ فقالوا: هذا. فجاءه فسلَّم عليه، واعْتَنَقَه، وقبَّل بين عَيْنَيْه وضمَّه إلى صدرِه، وقال: واللَّه لقد رأيتُ البارحةَ رسولَ اللَّه ﷺ جالسًا في هذا الموضع، فقال: "هاتُوا مالكًا". فأُتي بك تَرْتعدُ فرائصُك، فقال: "ليس بك بأسٌ يا أبا عبدِ اللَّه". وكنَّاك، وقال: "اجلسْ". فجلستَ، فقال: "افتَحْ حَجْرَك". ففتحتَ، فملأهُ مِسكًا منثُورًا، وقال: "ضُمَّه إليك وبُثَّه في أُمَّتِي". قال: فبكى مالكٌ طويلًا وقال: الرُّؤْيا تَسُرُّ ولا تَغُرُّ، وإن صدقَتْ رُؤْياك، فهو العلْمُ الذي أوْدَعني اللَّه (١). وقال ابنُ بُكَير: عن ابنِ لَهِيعَةَ، قال: قَدِم علينا أبو الأسودِ -يعني يتِيمَ عُرْوَةَ- سنةَ إحدى وثلاثين ومئة، فقلتُ: مَنْ للرَّأي بعدَ ربيعةَ بالحجاز؟ فقال: الغلامُ الأصْبَحِيُّ (٢). وعن ابنِ مهدِيٍّ أنَّه سُئِل: من أعْلَمُ، مالكٌ أو أبو حنيفة؟ فقال: مالكٌ أعْلَمُ من أُستاذِ أبي حنيفة. يعني حمادَ بنَ أبي سليمان (٣). أخبَرني خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ شعبان، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا أبو داودَ السِّجستانيُّ، قال (٤): سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يقولُ: مالكُ بنُ أنسٍ أتْبَعُ من سفيانَ.

стр. 687

حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الميمون، قال: حدَّثنا أبو زُرْعة، قال (١): سمِعْتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يُسْألُ (٢) عن سفيانَ ومالكٍ إذا اختلَفا في الرَّأي، فقال: مالكٌ أكبرُ في قلبي. قلتُ: فمالكٌ والأوْزَاعِيُّ إذ اختلفا؟ فقال: مالكٌ أحبُّ إليَّ وإن كان الأوْزَاعِيُّ من الأئمَّةِ. فقيل له: فمالكٌ وإبراهيمُ النَّخَعِيُّ؟ فقال: هذا -كأنَّه شنَّعه- ضعْه مع أهلِ زمانِه. وأخبرنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو المَيْمُون، قال: حدَّثنا أبو زُرْعَة (٣)، قال: حدَّثني الوليدُ بنُ عُتْبَة، قال: حدَّثنا الهَيْثَمُ بنُ جَمِيل، قال: شَهِدْتُ مالكَ بنَ أنسٍ سُئِل عن ثمانٍ وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدرِي. قال أبو زُرْعَة (٤): وحدثني سليمانُ بنُ عبدِ الرَّحمن، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، عن مالك، قال: سمِعتُ ابنَ هُرْمُزَ يقول: ينبغي للعالم أنْ يُوَرِّثَ جُلَسَاءَه من بعدِه "لا أدْرِي"، حتى يكُونَ أصلًا في أيديهم، فإذا سُئِل أحدُهم عمَّا لا يَعْلَمُ قال: لا أدْرِي. قال أبو زُرْعَةَ (٥): وحدَّثنا محمودُ بنُ إبراهيمَ، عن أحمدَ بنِ صالح، عن

стр. 688

يحيى بنِ حسَّان، عن وَهْبٍ -يَعْنِي ابنَ جريرٍ- قال: سمِعْتُ شعبةَ يقول: قدِمتُ المدينةَ بعد موتِ نافع بسنة، ولمالكٍ يومئذٍ حَلْقَةٌ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْر، قال (١): سمِعْتُ يحيى بنَ مَعينٍ يقول: مالكُ بنُ أنسٍ أثبتُ في نافع مِن عبيدِ اللَّه بنِ عمرَ وأيوبَ. وقال ابنُ أبي مريم: قلتُ لابنِ مَعين: اللَّيْثُ أرْفَعُ عندك أو مالكٌ (٢)؟ قال: مالكٌ. قلتُ: أليس مالكٌ أعلى أصحابِ الزُّهْريِّ؟ قال: نعم. قلتُ: فعُبَيْدُ اللَّه أثبتُ في نافع أو مالكٌ (٣)؟ فقال: مالكٌ أثبَتُ الناس. وقال يحيى بنُ مَعِين: كان مالكٌ مِن حُجَجِ اللَّه على خَلْقِه. حدَّثنا أبو محمدٍ قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنا أبو عَمْرٍو عثمانُ بنُ عبدِ الرَّحمن، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ نصرٍ الحافظ، قال: سمِعتُ يونسَ بنَ عبدِ الأعلى يقول: سمِعتُ الشافعيَّ يقول: إذا ذُكِر العلماءُ فمالكٌ النَّجْمُ، وما أحدٌ أمَنُّ عليَّ في عِلْم مِن مالكِ بن أنس (٤). وروَى طاهرُ بنُ خالدِ بنِ نِزَار، عن أبيه، عن سفيانَ بنِ عُيَيْنَة، أنَّه ذكَر

стр. 689

مالكَ بنَ أنسٍ فقال: كان لا يُبَلِّغُ من الحديثِ إلا صحيحًا، ولا يُحَدِّثُ إلا عن ثقاتِ الناس، ما أُرَى المدينةَ إلا سَتَخْرَبُ بعدَ موتِ مالكِ بنِ أنس (١). وحدَّثنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعد، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عبدِ الرَّحمن، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ نصر، قال: سمِعْتُ محمدَ بنَ عبدِ اللَّه بنِ عبدِ الحكم يقول: سمِعتُ الشافعيَّ يقول: قال لي محمدُ بنُ الحسن: صاحِبُنا أعْلَمُ مِن صاحبِك، وما كان على صاحبِك أن يتكَلَّم، وما كان لصاحِبِنا أن يَسْكُت. قال: فغَضِبْتُ، وقلت: نشَدْتُك اللَّهَ، مَن كان أعلمَ بسُنَّةِ رسولِ اللَّه ﷺ ؛ مالكٌ أو أبو حنيفةَ؟ فقال: مالكٌ، لكنَّ صاحِبَنا أقيسُ. فقلت: نعم، ومالكٌ أعلمُ بكتابِ اللَّه، وناسخِه ومنسوخِه، وسُنّةِ رسولِ اللَّه ﷺ مِن أبي حنيفة، فمَن كان أعلمَ بكتابِ اللَّه تعالى وسُنّةِ رسولِ اللَّه ﷺ كان أوْلى بالكلام (٢). قال أبو عُمر: الأخبارُ في إمامةِ مالكٍ وحِفْظِه وإتقانِه وورعِه وتَثَبُّتِه أكثرُ مِن أنْ تُحْصَى، وقد ألَّف الناسُ في فضائلِه كتبًا كثيرة، وإنَّما ذكَرْتُ هاهُنا فِقَرًا مِن أخبارِه دالَّةً على ما سواها. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ عبد اللَّه (٣) بن محمد، قال (٤): حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حَيُّونَ، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ

стр. 690

سعيدٍ الأيْليُّ، قال: سمِعتُ الشَّافعيَّ قال: ما كتابٌ أكثرُ صوابًا بعد كتابِ اللَّه تعالى من كتابِ مالك. يَعْنِي "الموطأ". حدَّثنا عبدُ اللَّه (١) بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا يحيى بنُ مالك، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سليمانَ بنِ أبي الشَّريف، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا يونسُ (٢) بنُ عبدِ الأعلى، قال: قال الشافعيُّ: ما في الأرضِ بعدَ كتابِ اللَّه أكثرُ صوابًا من "موطَّأ مالكِ بنِ أنسٍ" (٣). أخبرنا عليُّ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشِيق، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ الحسنِ المَدائِنيُّ (٤)، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالحٍ، قال: سمِعتُ هارونَ بنَ سعيدٍ الأيليَّ يقول: سمِعتُ الشافعيَّ يقول: ما كتابٌ بعدَ كتابِ اللَّه أنفعُ من "موطَّأ مالكِ بنِ أنسٍ" (٥). وأخبرنا ابنُ حَمُّوية، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ عبدِ المؤمنِ بنِ سليمانَ (٦) التِّنِّيسِيُّ أبو محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عيسى بنِ زيدٍ اللَّخْمِيُّ، قال: قال لنا عمرُو بنُ أبي سلمة: ما قرأتُ كتابَ الجامع مِن "موطَّأ

стр. 691

مالكِ بنِ أنسٍ" إلَّا أتاني آتٍ في المنام، فقال لي: هذا كلامُ رسولِ اللَّه ﷺ حقًّا (١). أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا أبو عبدِ اللَّه محمدُ بنُ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ عمرٍو القاضي المالكيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا أبو طاهر، قال: حدَّثنا صفوانُ (٢)، عن عمرَ بنِ عبدِ الواحدِ صاحب الأوزاعيِّ، قال: عَرَضْنا على مالك "الموطّأ" في أربعين يومًا، فقال: كتابٌ ألَّفْتُه في أربعين سنةً أخذتموه في أربعين يومًا، ما أقلَّ ما تَفْقَهون فيه. حدَّثنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثنا القاضي، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن (٣) بنُ العبّاس الهاشميُّ، قال: حدَّثنا عبّاسُ بنُ عبدِ اللَّه التَّرْقُفيُّ، قال: قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهْديٍّ: ما كتابٌ بعدَ كتابِ اللَّه أنفعُ للناسِ من "الموطّأ". أو كلامٌ هذا معناه. وحدَّثنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثنا القاضي، قال: حدَّثنا القاسمُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ الحسنِ السِّيرافيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالح، قال: سمِعتُ أبي يقول: قال ابنُ وهب: مَن كتَب "موطَّأ مالك" فلا عليه ألّا يكتُبَ من الحلالِ والحرام شيئًا. وحدَّثنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثنا القاضي، قال: حدَّثنا القاسمُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ الحسن، قال: سمِعتُ يحيى بنَ عثمان يقول: سمِعتُ سعيدَ بنَ

стр. 692

أبي مريمَ يقولُ وهو يُقرَأُ عليه "موطّأ مالك"، وكان ابنا أخيه قد رَحَلا إلى العراقِ في طلبِ العلم، فقال سعيدٌ: لو أنَّ ابنَي أخي مكَثا بالعراق عُمرَهما يَكتُبانِ ليلًا ونهارًا، ما أتيا بعلم يُشْبِهُ "موطّأ مالك بن أنس". أو قال: ما أتيا بسُنَّةٍ مُجْتَمَع عليها خلافَ "موطّأ مالك بنِ أنس". وحدَّثنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثنا القاضي، قال: حدَّثني عليُّ بنُ الحُسين القطّان، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ القَزْوينيُّ، قال: سمِعتُ يونسَ بنَ عبدِ الأعلى يقول: سمِعتُ الشافعيَّ يقول: ما رأيتُ كتابًا أُلِّفَ في العلم أكثرَ صوابًا من "موطّأ مالك" (١). حدَّثنا أبو القاسم خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو الميمونِ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عمرَ بنِ راشدٍ البَجَليُّ بدمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زُرْعةَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عمرٍو الدِّمشْقيُّ، قال (٢): حدَّثنا أبو مُسْهِر، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيز، عن سليمانَ بنِ موسى، قال: إذا كان فِقْهُ الرَّجلِ حجازيًّا، وأدبُه عراقيًّا، فقد كَمُل. أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَّفّارُ ببغداد، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ

стр. 693

الجَهْضَميُّ، قال: حدَّثنا الأصمعيُّ، عن سفيانَ بنِ عُيَينَة، قال: مَن أراد الإسنادَ والحديثَ المعروفَ الذي تَسْكُنُ إليه القلوبُ، فعليه بحديثِ أهلِ المدينة (١). أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: أخبرنا عبدُ الرَّحمن بنُ عبد اللَّه محمدٍ الغافقيُّ الجَوهريُّ، قال (٢): أخبَرني أحمدُ بنُ محمد (٣) المَدنيُّ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: قال محمدُ بنُ إدريس الشافعيُّ: إذا وَجَدْتَ مُتَقَدِّمِي (٤) أهلِ المدينة على شيء، فلا يَدخُلْ عليك شكٌّ أنّه الحقُّ، وكلُّ ما جاءك من غيرِ ذلك فلا تَلتَفِتْ إليه؛ فإنّك تقعُ في اللُّجَج، وتقعُ في البحار. قال (٥): وحدَّثنا أبو الطّاهرِ القاضي محمدُ بنُ أحمدَ الذُّهْليُّ، قال: حدَّثنا جعفرٌ، قال: حدَّثنا أبو قُدامة، قال: قال عبدُ الرَّحمن بنُ مهديٍّ: السُّنَّةُ المتقدِّمةُ من سُنَّةِ أهلِ المدينةِ خير من الحديث. يعني حديثَ أهلِ العراق. حدَّثنا أحمدُ بنُ عمر، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيْس، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ سيفٍ التُّجيبيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ عبدِ الحكم، قال: سمِعتُ مالكَ بنَ أنسٍ يقول: إذا جاوزَ الحديثُ الحَرَّتَينِ ضَعُف نُخاعُه (٦).

стр. 694

وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنِ عبدِ اللَّه بن محمد (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسن النَّجِيرَميُّ (٢)، قال: حدَّثنا العُتْبيُّ، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بنُ سليمان، قال: سمِعتُ الشافعيَّ يقول: اذاجاوز الحديثُ الحَرَّتَينِ ضَعُفَ نُخاعُه (٣). وروى شعبةُ، عن عُمارةَ بنِ أبي حفصة، عن أبي مِجْلَز، عن قيسِ بنِ عُباد، قال: قَدِمْتُ المدينةَ أطلُبُ العلمَ والشَّرَف، وذكَر الحديث (٤). وأخبرنا عبدُ الرَّحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمدِ بنِ مسرور، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ أبي سليمان، قال: حدَّثنا سُحْنُونٌ (٥)، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: سمِعتُ مالكًا يقول: كان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يكتُبُ إلى الأمصارِ يُعَلِّمُهم السُّنَنَ والفقه، ويكتُبُ إلى المدينةِ يسألُهم عمّا مضَى وأنْ يعمَلوا بما عندَهم، ويكتبُ إلى أبي بكر بنِ عَمْرو بن حزم أن يَجْمَعَ السُّنَنَ ويكتُبَ إليه بها، فتوفِّي عُمرُ وقد كتَب ابنُ حزم كُتُبًا قبلَ أن يبعثَ بها إليه (٦).

стр. 695

قال ابنُ وهب: وحدَّثني مالكٌ، قال: كان أبو بكر بنُ حزم على قضاءِ المدينة. قال: ووَليَ المدينةَ أميرًا، وقال له يومًا قائل: ما أدري كيف أصنعُ بالاختلاف؟! فقال له أبو بكر بنُ حزم: يا ابنَ أخي، إذا وجَدْتَ أهلَ المدينةِ مجتمعينَ على أمرٍ فلا تَشُكَّ فيه أنّه الحقُّ. قال ابنُ وَهْب: وقال لي مالكٌ: لم يكنْ بالمدينةِ قطُّ إمامٌ أخذ (١) بحديثينِ مختلفين (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ عبدِ اللَّه، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ الذُّهْليُّ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أبو قُدامةَ عبيدُ اللَّه بنُ سعيد، قال: سمِعتُ عبدَ الرَّحمنِ بنَ مهديٍّ يقول: ما أدركتُ أحدًا إلّا وهو يخافُ هذا الحديثَ إلّا مالكَ بنَ أنسٍ وحمّادَ بنَ سلمة، فإنَّهما كانا يجعلانِه من أعمالِ البرِّ. قال: وقال عبدُ الرَّحمن بنُ مهديٍّ: السُّنَّةُ المُتقدِّمةُ من سُنّةِ أهلِ المدينةِ خيرٌ من الحديث. قال: وقال أبو قدامة (٤): كان مالكُ بنُ أنسٍ أحفظَ أهلِ زَمانِه. وقال عبدُ الرَّحمن بنُ مهديٍّ، وقد سُئل: أيُّ الحديثِ أصحُّ؟ قال: حديثُ أهلِ الحجاز. قيل له: ثم مَن؟ قال: حديثُ أهلِ البصرة. قيل: ثم مَن؟ قال: حديثُ أهلِ الكوفة. قالوا: فالشّامُ؟ قال: فنفَضَ يدَه (٥).

стр. 696

وذكَر الحسنُ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ صالح، قال: حدَّثني الليثُ، عن يحيى بنِ سعيد، قال: ما أعلمُ الورعَ اليومَ إلّا في أهلِ المدينةِ وأهلِ مصر (١). قال أبو عُمر: لقد أحسنَ القائلُ (٢): أقولُ لِمَنْ يَرْوي الحديثَ ويكتُبُ ... ويَسْلُكُ سُبْلَ الفقهِ فيه ويَطْلُبُ إنَّ احْبَبْتَ أنْ تُدعَى لدى الخلقِ (٣) عالمًا ... فلا تَعْدُ ما تَحْوي من العلمِ يَثْرِبُ أتتْرُكُ دارًا كان بين بيوتِها ... يروحُ ويَغْدُو جِبرَئيلُ المُقرَّبُ ومات رسولُ اللَّه فيها وبعدَهُ ... بسُنَّتِه أصحابُه قد تأدَّبوا وفُرِّق شملُ العلم في تابِعيهِمُ ... وكلُّ امرئ منهم له فيه مذهبُ فخَلَّصه بالسَّبكِ للناسِ مالكٌ ... ومنه صحيحٌ في المَجسِّ وأجرَبُ فأبْرا بتصحيحِ الرِّوايةِ داءَه ... وتصحيحُها فيه دواءٌ مجرَّبُ ولو لم يَلُحْ نورُ المُوطّا لمَن سَرَى ... بليلٍ عَمَاه ما دَرى أين يذهبُ أيا طالبًا للعلمِ إنْ كنتَ تطلُبُ ... حقيقةَ علمِ الدِّينِ مَحْضًا وتَرْغَبُ (٤) فبادرْ موطَّا مالكٍ قبلَ فَوْتِه ... فما بعدَهُ إن فات للحقِّ مطلَبُ

стр. 697

ودع للموطَّا كلَّ علمٍ تُريدُهُ ... فإنَّ الموطَّا الشمسُ والعلمُ كوكبُ هو الأصلُ طاب الفَرْعُ منه لطيبِهِ ... ولِمْ لا يطِيبُ الفرعُ والأصلُ طَيِّبُ هو العلمُ عندَ اللَّه بعدَ كتابِهِ ... وفيه لسانُ الصِّدقِ بالحقِّ مُعرِبُ لقد أعْرَبَتْ آثارُه ببيانِها ... فليس لها في العالَمينَ مُكَذِّبُ وممّا به أهلُ الحجازِ تفاخَروا ... بأنَّ الموطَّا بالعراقِ مُحَبَّبُ وكلُّ كتابٍ بالعراقِ مُؤلَّفٌ ... نَراه بآثارِ الموطَّأِ يَعْصبُ (١) ومَن لم تكنْ كتْبُ الموطَّا ببيتِهِ ... فذاك مِن التَّوفيقِ بيتٌ مُخَيَّبُ أتعجبُ منه إذْ علا في حياتِه ... تعالِيه مِن بعدِ المَنِيَّةِ أعجبُ جزَى اللَّهُ عنّا في موطَّاهُ مالكًا ... بأفضلَ ما يُجزَى اللَّبِيبُ المُهَذَّبُ لقد أحسَن التَّحصيلَ في كلِّ ما روَى ... كذا فِعْلُ مَن يَخْشَى الإلهَ وَيرْهَبُ (٢) لقد رفَع الرحمنُ بالعلمِ (٣) قدرَهُ ... غلامًا وكَهْلًا ثم إذْ هو أشْيَبُ فمَنْ قاسَه بالشمسِ يَبْخَسْه حقَّهُ ... كلَمْعِ نُجومِ الليلِ ساعَةَ تغْرُبُ يَرَى علمَهم أهلُ العراقِ مُصَدَّعًا ... إذا لم يَرَوْهُ بالموطَّأِ يَعْصِبُ وما لاح نورٌ لامرِئٍ بعدَ مالكٍ ... فذِمَّتُه من ذمَّةِ الشمسِ أوجبُ لقد فاق أهلَ العلمِ حيًّا ومَيِّتًا ... فاضْحَتْ به الأمثالُ في الناسِ تُضْرَبُ وما فاقَهمْ إلَّا بتقوى وخَشْيةٍ ... وإذْ كان يَرْضَى في الإلهِ ويَغْضَبُ

стр. 698

فلا زال يَسْقِي قبرَه كلُّ عارضٍ (١) ... بمُنْبَعِقٍ (٢) ظلَّتْ عَزالِيهِ (٣) تَسْكُبُ ويَسْقِي قُبورًا حولَهُ دونَ سَقْيهِ ... فيصبحُ فيها بينَها وهْوَ مُعْشِبُ وما بيَ بُخْلٌ أنْ تَسَقَّى كسَقْيِهِ ... ولكنَّ حقَّ العلْمِ أوْلى وأوجَبُ فلِلَّهِ قبرٌ دمعُنا فوقَ ظهرِهِ ... وفي بطنِه وَدْقُ (٤) السَّحائبِ تُسْكَبُ (٥) وقال غيرُه (٦): ألا إنَّ فَقْدَ العلمِ في فقدٍ مالكٍ ... فلا زال فينا صالحَ الحالِ مالكُ فلولاه ما قامتْ حقوقٌ كثيرةٌ ... ولولاه لانْسَدَّتْ علينا المسالكُ يُقِيمُ سبيلَ الحقِّ والحقُّ واضحٌ ... ويَهْدِي كما تَهْدِي النُّجومُ الشَّوابِكُ وقال آخَرُ (٧) في مالكٍ ﵀:

стр. 699

يَأبَى الجوابَ فما يُراجَعُ هيبةً ... والسَّائلونَ نواكِسُ الأذقانِ أدبُ الوَقارِ وعِزُّ سلطانِ التُّقَى ... فهْوَ المطاعُ وليس ذا سلطانِ حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ بنِ العبّاس، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ منيِّر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ جَنّاد، قال: حدَّثنا مصعبُ بنُ عبدِ الله الزُّبَيْرِيُّ، قال: قال سفيانُ بنُ عيينة: نرى أنَّ هذا الحديثَ الذي يُرْوَى عن النبيِّ ﷺ : "تُضْرَبُ أكبادُ الإبلِ فلا يَجِدونَ أعلَمَ من عالِم المدينة" أنّه مالكُ بنُ أنس. وقال مصعبٌ: وكنتُ إذا لَقيتُ سفيانَ بنَ عيينةَ سألني عن أخبارِ مالك (١). قال أبو عُمر: وهذا الحديثُ حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال (٢): حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الحميد،

стр. 700

قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينة، عن ابنِ جريج، عن أبي الزُّبَيْر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يوشكُ النّاسُ أن يَضْرِبوا أكبادَ الإبلِ فلا يجِدُون عالِمًا أعلمَ من عالِم المدينة". وقال سعيدُ بنُ عبدِ الجبّار: كنا عندَ سفيانَ بنِ عيينة، فأتاه نَعيُّ مالكِ بنِ أنس، فقال: مات والله سيِّدُ المسلمين (١). وروى (٢) الحارثُ بنُ مِسْكين، قال: أخبَرنا أشْهَبُ بنُ عبدِ العزيز، قال: سألتُ المغيرةَ المَخْزُوميَّ - مع تَباعُدِ ما كان بينَه وبينَ مالك - عن مالكٍ وعبدِ العزيز، فقال: ما اعتَدَلا في العلْم قطُّ. ورفَع مالكًا على عبدِ العزيز (٣). وبَلَغني عن مُطَرِّفِ بنِ عبدِ الله اليَسَاريِّ (٤) الأصَمِّ صاحبِ مالك، أنّه قال: قال لي مالك بن أنس: ما يقولُ الناسُ في "مُوطَّئي"؟ فقلتُ له: الناسُ رجُلان؛ مُحِبٌّ مُطْرٍ، وحاسِدٌ مُفْتَرٍ. فقال له مالكٌ: إنْ مُدَّ بك العُمُرُ (٥)، فسترى ما يُرادُ اللهُ به (٦). أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ عمرٍ والقاضي المالكيُّ، قال: حدَّثني المُفضَّلُ بنُ محمدِ بنِ حربٍ المدنيُّ، قال: أوَّلُ من

стр. 701

عمِل كتابًا بالمدينةِ على معنى "الموطَّأ"، من ذكْرِ ما اجتمع عليه أهلُ المدينة؛ عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله بنِ أبي سلَمَةَ الماجِشُونُ، وعَمِل ذلك كلامًا بغيرِ حديث. قال القاضي: ورأيتُ أنا بعضَ ذلك الكتاب، وسَمِعتُه ممَّنْ حدَّثني به، وفي "موطَّأ ابنِ وهب" منه عن عبدِ العزيزِ غيرُ شيء. قال: فأُتي به مالكٌ، فنظَر فيه، فقال: ما أحسنَ ما عَمِل، ولو كنتُ أنا الذي عَمِلْتُ، لبَدأْتُ بالآثار، ثم شددْتُ ذلك بالكلام. قال: ثم إنَّ مالكًا عزَم على تَصْنيف "الموطّأ"، فصَنَّفَه، فعَمِل مَن كان بالمدينةِ يومئذٍ من العُلماء "الموطَآت"، فقيل لمالك: شغَلْتَ نفسَكَ بعملِ هذا الكتاب، وقد شَرِكَك فيه الناسُ، وعمِلوا أمثالَه. فقال: ائْتُوني بما عمِلوا، فأتِيَ بذلك، فنظَر فيه، ثم نبَذه، وقال: لتعْلَمُنَّ أنّه لا يَرتَفِعُ من هذا إلّا ما أُرِيدَ به وجهُ الله. قال: فكانما ألقِيتْ تلك الكُتبُ في الآبار، وما سُمِع لشيءٍ منها بعدَ ذلك بذكْر (١). حدَّثني أبو القاسم أحمدُ بنُ فتح بنِ عبدِ الله، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الرَّازيُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ الفرج، قال: حدَّثنا أبو عَدِيٍّ محمدُ بنُ عديٍّ بن أبي بكر الزُّهريُّ، قال: رأيْتُ مالكَ بنَ أنسِ بنِ أبي عامرٍ الأصْبَحيَّ لم يكُن يَخْضِبُ، ومات أبيضَ الرأسِ واللِّحية، وشَهِدْتُ جِنازتَه. قال أبو عُمر: أبو عَدِيٍّ هذا هو محمدُ بنُ عَدِيِّ بنِ أبي بكر بنِ إبراهيمَ بنِ سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ الزُّهريُّ، لا أعلمُ له روايةً عن مالك، وهو يروِي عن عبدِ الله بنِ نافع وغيرِه من أصحابِ مالك. ووُلِد مالكُ بنُ أنسٍ ﵁ سنةَ ثلاثٍ وتسعين فيما ذكَره ابنُ بُكَير (٢).

стр. 702

وقال محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الحكم: وُلِد مالكُ بنُ أنسٍ سنةَ أربع وتسعين (١). قال محمدٌ: وفيها وُلِد اللَّيْثُ بنُ سعد. ولا خِلاف أنّه مات سنةَ تِسع وسبعين ومئة (٢)، وفيها مات حَمّادُ بنُ زيد. وقال أبو رِفاعةَ عُمارةُ بنُ وَثِيمةَ بنِ موسى: وُلِد مالكٌ في ربيع الآخرِ سنةَ أربع وتسعين (٣). وتوفِّي بالمدينةِ لعشرٍ خَلَون من ربيع الأوَّل، سنةَ تسع وسبعين ومئة، مَرِض يومَ الأحد، ومات يومَ الأحد، لتمام اثنين وعشرين يومًا، وغسَّله ابنُ كِنانةَ وسعيدُ بنُ داودَ بنِ أبي زَنْبَر، قال حبيبٌ: وكنتُ أنا وابنُه يحيى بنُ مالكٍ نَصُبُّ الماءَ. ونزَل في قَبْرِه جماعةٌ. قال أبو عُمر: كان لمالكٍ ﵀ أربعةٌ من البنينَ؛ يحيى، ومحمدٌ، وحمّادةُ، وأمُّ أبيها (٤). فأمّا يحيى وأمُّ أبيها (٥)، فلم يُوصِ بهما إلى أحد، فكانا مالكينِ لأنفسِهما. وأمّا حمّادةُ ومحمدٌ، فأوصى بهما إلى إبراهيمَ بنِ حبيب، رجلٍ من أهلِ المدينة، كان مشارِكًا لمحمدِ بنِ بشير. وأوصى مالكٌ رحمةُ الله عليه أن يُكَفَّنَ في ثيابٍ بياض، ويُصلَّى عليه في موضع الجنائز، فصلَّى عليه عبدُ العزيزِ بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ عليِّ بنِ

стр. 703

عبدِ الله بنِ عبّاس، وكان واليًا على المدينةِ من قبلِ أبيه محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ عليٍّ وحَضَر جِنازتَه ماشيًا، وكان أحدَ من حمَل نعْشَه. وبلَغ كفنُه خمسةَ دنانير، وترَك ﵀ من النّاضِّ (١) ألفَيْ دينار، وستَّ مئةِ دينار، وتسعةً وعشرين دينارًا، وألفَ درهم، فكان الذي اجتَمَع لورثَتِه ثلاثةَ آلافِ دينارٍ وثلاثَ مئةِ دينارٍ ونَيِّفًا، فقبَض إبراهيمُ بنُ حبيبٍ مالَ محمدٍ وحمّادة، وقبَض يحيى مالَه (٢)، كذلك أمُّ أبيها قبَضتْ مالَها. وكان الذي خَلَف مالكًا في حلْقتِه عثمانُ بنُ عيسى بن كِنانة، وحجَّ هارونُ الرَّشيدُ عامَ مات مالكٌ، فوَصَل يحيى بنَ مالكٍ بخمسِ مئة دينار، ووَصَل جميعَ الفقهاءِ يومئذٍ بصِلاتٍ سَنِيّة. ذكَر ذلك كلَّه إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيس، وعبدُ العزيز بنُ أبي أُويس، وحبيبٌ، وعُمارةُ بنُ وثِيمةَ وغيرُهم، دخَل كلامُ بعضِهم في بعض، واللهُ المستعان. وقال البخاريُّ (٣): مالكُ بنُ أنسِ بنِ مالكِ بنِ أبي عامرٍ الأصْبَحيُّ، كُنيتُه أبو عبدِ الله، حَليفُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عثمانَ بنِ عُبيدِ الله التَّيْميِّ (٤) القُرَشيِّ ابنِ أخي طلحةَ بنِ عُبيدِ الله، كان إمامًا، روَى عن (٥) يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ.

стр. 704

وأخبرني أحمدُ بنُ فَتْح، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الرّازيُّ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ الفرج أبو الزِّنْباع، قال: سمِعتُ أبا مُصْعَبٍ يقول: مالكُ بنُ أنسٍ من العربِ صَليبة (١)، وحِلْفُه في قُريشٍ في بني تَيْم بنِ مُرّة (٢). وقال خليفةُ بنُ خيّاط (٣): مالكُ بنُ أنس بنِ أبي عامرٍ من ذي أصْبَحَ مِن حِمْيَر، مات سنةَ تسع وسبعين ومئة، يكنى أبا عبدِ الله. وقال الواقِديُّ: عالش مالكٌ تسعين سنة (٤). وقال سُحْنُونٌ، عن عبدِ الله بنِ نافع: إنَّ مالكًا توفِّي وهو ابنُ سبع وثمانين سنةً، سنةَ تسْع وسبعين ومئة، وأقام مُفْتيًا بالمدينةِ بينَ أظهُرِهم ستين سنة (٥). قال أبو عُمر: لا أعْلَمُ في نسَبِه اختلافًا بين أهلِ العلْم بالأنساب؛ أنّه مالكُ بنُ أنسِ بنِ مالكِ بنِ أبي عامر بنِ عمرِو بنِ الحارثِ بنِ عثمانَ بنِ خُثيلِ (٦) بنِ عمرِو بنِ الحارث، وهو ذو أصْبَح، إلّا أن بعضَهم قال في عثمان:

стр. 705

غَيْمان (١). بالغينِ المنقُوطةِ والياءِ المنقُوطَةِ من أسفَلَ باثنتَيْن، وفي خُثَيل: جُثَيلٌ. وقد قيل: حِسْل. وقيل في اسم أُمِّه: العاليةُ (٢) بنتُ شَريكِ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ شَريكٍ، من الأزْد. وحُمِل به سنتين، وقيل: ثلاثَ سنين (٣). في بَطْنِ أُمِّه، وكان أشْقَرَ شديدَ البياض، رَبْعةً إلى الطُّولِ، كبيرَ الرأس، أصْلَعَ، ولم يكُنْ بالطَّويل، رحمةُ الله ورِضوانُه عليه. روَى عنه جماعةٌ من الأئمّةِ وحدَّثوا عنه، وكلُّهم مات قبلَه بسنين، ولو ذكَرْناهم لطال الكتابُ بذِكْرِهم وذِكْرِ وفاةِ كلِّ واحدٍ منهم. واختلَف أهلُ العلم بالنَّسبِ بعد أصبَحَ في رفعِه إلى آدمَ ﵇ ما لم أرَ لذِكْرِه هاهُنا معنًى، وقد ذكَرْنا أنَّ ذا أصبَحَ من حِمْيَرَ في كتابِنا (٤)؛ "كتاب القبائل التي روَتْ عن النبيِّ ﷺ " (٥)، فأغنَى عن إعادتِه هاهنا.

стр. 706

حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ جعفر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنُ عبدِ السَّلام الخفّافُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ، قال (١): حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المُنْذر، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأُويسيُّ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ بلال، عن نافع بنِ مالكِ بنِ أبي عامر، عن أبيه، قال: قال لي عبدُ الرَّحمنِ بنُ عثمانَ بنِ عُبيدِ الله التَّيْميُّ: يا مالكُ، هل لك إلى ما دعانا إليه غيرُك فأبينا عليه؛ أنْ يكونَ دَمُنا دَمَك، وهَدمُنا هَدمَك (٢)، ما بَلَّ بحرٌ صُوفَةً (٣)؛ فأجَبْتُه إلى ذلك (٤). أخبرنا عليُّ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ يعقوبَ بنِ سُوَيْدٍ الوَرّاق، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجّاج المَهْريُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المُنْذرِ الحِزاميُّ، قال: حدَّثنا مَعْنُ بنُ عيسى، قال:

стр. 707

كان نَقْشُ خاتم مالكِ بنِ أنس: "حسبيَ اللهُ ويعْمَ الوكيلُ". فسُئِل عن ذلك، فقال: سمِعتُ اللهَ ﵎ يقول لقوم، قالوا: حسبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكيلُ: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤] (١). وأخبرنا عليُّ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيْر، قال: مات مالكُ بنُ أنسٍ في ربيع الأوّلِ سنةَ تسع وسبعين ومئة، ووُلِد سنةَ ثلاثٍ وتسعين (٢). قال أبو عُمر: كذا يقولُ ابنُ بُكَيْر، وغيرُه يُخالفُه (٣) على ما ذكَرْنا في كتابِنا هذا. وبالله توفيقُنا.

стр. 708

باب الثاء ثَوْر بن زيد الدِّيليُّ (١) هو من أهل المدينة صدوق (٢). روى عنه مالك بن أنس، وسُليمان بن بلال (٣)، وأبو أويس (٤)، والدَّراوردي (٥). لم يتهمه أحد بالكذب، وكان يُنسب إلى رأي الخوارج والقول بالقَدَر، ولم يكن يدعو إلى شيءٍ من ذلك. قال أحمد بن حنبل (٦): هو صالحُ الحديث، وقد روى عنه مالك. قال أبو عُمر: كأنه يقول: حَسْبك برواية مالك عنه. وتوفي ثور بن زيد هذا سنة خمس وثلاثين ومئة لا يختلفون في ذلك (٧).

стр. 709

وذكر الحسن بن علي الحُلْوانيُّ، عن علي ابن المديني، قال: كان يحيى بن سعيد يأبى إلا أن يوثِّقَ ثورَ بنَ زيد، وقال: إنما كان رأيه، وأما الحديث فإنه ثقة (١). قال أبو عُمر: لمالك عنه في الموطأ من حديث النبي ﷺ أربعة أحاديث، أحدُها مسنا متصلٌ، والثلاثة منقطعة، يَشْرَكُه في أحد الثلاثة حُميد بن قيس. قال البُخاريُّ (٢): سمع ثورُ بن زيد الدِّيلي المدني من عكرمة وأبي الغَيْث. قال أبو عُمر: أبو الغيث مولى ابن مُطيع يسمى سالمًا (٣)، وهو مولى عبد الله بن مُطيع بن الأسود القرشيِّ العَدَويِّ، أحد بني عَدِي بن كَعْب.

стр. 710

حديث أول لثَوْر بن زَيْد مُسْنَد مالكٌ (١)، عنْ ثَوْرِ بن زيدٍ الدِّيلِيِّ، عن أبي الغَيْثِ سالمٍ مَوْلَى ابنِ مُطيعٍ، عن أبي هُريرةَ، أنّه قال: خَرَجْنا مع رسول الله ﷺ عام خيبرَ، فلم نَغْنَمْ ذهَبًا ولا وَرِقًا، إلّا الأموالَ، الثِّيابَ والمَتاعَ. قال: فأهْدَى رِفاعةُ بن زيدٍ لرسولِ الله ﷺ غُلامًا أسوَدَ يقالُ له: مِدْعَمٌ. فوَجَّهَ رسولُ الله ﷺ إلى وادي القُرَى (٢)، حتى إذا كانوا بوادي القُرَى، بينَما مِدْعمٌ يَحُطُّ رَحْلَ رسولِ الله ﷺ ، إذْ جاءَه سَهْمٌ عائرٌ (٣)، فأصابَه فقَتَلَه، فقال الناسُ: هَنيئًا له الجنَّة. فقال رسولُ الله ﷺ : "كلَّا، والذي نَفْسي بيدِه، إنّ الشَّمْلةَ التي أخَذَ يومَ خيبرَ من المغانم لم تُصِبْها المَقاسِمُ لتَشْتَعِلُ عليه نارًا". قال: فلمَّا سَمِعَ الناسُ ذلك جاءَ رجُل بشِرَاكٍ أو شِرَاكَينِ إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : "شَرَاكٌ أو شَرَاكَان من نارٍ". هكذا قال يحيى: خرَجْنا مع رسولِ الله ﷺ عامَ خيبرَ. وتابَعَه على ذلك عن مالكٍ قَوْمٌ؛ منهم الشِّافعيُّ (٤)، وابنُ القاسِمِ (٥)، والقَعْنَبِيُّ (٦). وقال جماعةٌ من الرُّواةِ، عن مالكٍ في هذا الحديث: خرَجْنا مع رسولِ الله ﷺ عامَ حُنَيْنٍ، واللهُ أعلمُ بالصَّواب.

стр. 711

وقال يحيى: إلّا الأموالَ؛ الثِّيابَ والمَتاعَ. وتابَعَه قومٌ. وقال ابنُ القاسِم: إلّا الأموالَ والثِّيابَ والمَتاعَ. وكذلك قال الشَّافعيُّ، وقال القَعْنَبيُّ: فلم نَغْنَمْ ذَهَبًا ولا وَرِقًا إلّا الثِّيابَ والمَتَاعَ والأموال. وروَى هذا الحديثَ أبو إسحاقَ الفَزَارِيُّ، عن مالكٍ، قال: حدَّثَني ثَوْرُ بن زيدٍ، قال حدَّثني سالم مولَى ابنِ مُطِيعٍ، أنّه سَمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: افَتَتَحْنا خيبرَ، فلم نَغْنَمْ ذَهَبًا ولا فِضةً، إنّما غَنِمْنا الإبلَ والبقَرَ والمَتَاعَ والحَوائِطَ (١). فجَوَّدَ أبو إسحاقَ، مع جَلالَتِه، إسْنادَ هذا الحديث؛ بسَمَاعِ بعضِهم من بعضٍ، وقَفَى بأنّها خَيْبَرُ لا حُنَيْن، ورَفَعَ الإشْكالَ. ففي هذا الحديثِ أنّ بعضَ العَرَبِ، وهي دَوْسٌ، لا تُسَمِّي العَيْنَ مالًا، وإنّما الأموالُ عندَهم: الثِّيابُ والمَتَاعُ والعُرُوضُ، وعندَ غيرِهم: المالُ الصَّامِتُ من الذَّهبِ والوَرِق. وذكَرَ ابنُ الأنْبَارِيِّ، عن أحمدَ بن يَحْيَى النَّحويِّ، قال: ما قَصَّر عن بُلُوغِ ما تَجِبُ فيه الزَّكاةُ من الذَّهَبِ والورِقِ والماشيةِ، فلَيْسَ بمالٍ. وأنْشَدَ (٢): والله ما بلَغَتْ لي قَطُّ ماشِيَةٌ ... حَدَّ الزَّكاةِ ولا إبْلٌ ولا مالُ قال: وأنْشَدَ أحمدُ بن يحيَى أيضًا (٣) [من الوافر]: ملأتُ يَدِي مِنَ الدُّنيا مِرارًا ... فما طَمِعَ العَواذِلُ في اقْتِصادِي ولا وجَبَتْ عليَّ زكاةُ مالٍ ... وهل تجبُ الزَّكاةُ على جَوادِ

стр. 712

وهذان البَيْتانِ أنْشَدَهما الزُّبيرُ بن بكَّارٍ، عن محمدِ بن عيسى لفُلَيْح (١) بن إسماعيل (٢). قال أبو عُمر: المعروفُ من كلامِ العَرَبِ أنّ كلَّ ما تُمُوِّلَ وتُمُلِّكَ فهو مالٌ، ألَا تَرَى إلى قولِ أبي قَتَادةَ السَّلَمِيِّ: فابْتَعْتُ - يعني بسَلَبِ القَتِيلِ الذي قتَله يومَ حُنينٍ - مَخْرَفًا في بَني سَلِمَةَ، فإنّه لأوَّلُ مالٍ تَأثَّلْتُه في الإسلام (٣). وقال الله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. وأجمَعُوا أنَّ العَيْنَ ممَّا تُؤْخَذُ منه الصَّدَقَةُ، وأنّ الثيابَ والمتاعَ لا يُؤْخَذُ منها الصَّدَقَةُ، إلّا في قولِ من رأى زكاةَ العُرُوضِ للمُدير التَّاجر، نَضَّ (٤) له في عامه شيءٌ من العَيْنِ أو لم يَنِضَّ، وقال ﷺ : "يقولُ ابنُ آدَمَ: مَالِي مالِي، وإنّما له من مَالِه ما أكَل فأفْنَى، أو تصَدَّق فأمْضَى، أو لَبِس فأبْلَى" (٥). وهذا أبْيَنُ من أن يُحْتاجَ فيه إلى استشهادٍ، فمَنْ حَلَفَ بصدقَةِ مالِه، فذلك على كلِّ نوعٍ من مالِه، سواءٌ كان ممَّا تجبُ فيه الزَّكاةُ أو لم يكُنْ، إلّا أنْ يَنويَ شيئًا بعينِه فيكون على ما نَوَى، ولا معنى لقول مَن قال: إنّ ذلك على أموال الزَّكوات. لأنَّ العِلْمَ مُحيطٌ، واللِّسانَ شاهِدٌ، في أنّ ما تُمُلِّكَ وتُمُوِّلَ يُسَمَّى مالًا. وسنذكُرُ اختلافَ العلماءِ فيمَنْ حَلَفَ بصدقَةِ مالِه في بابِ عُثمانَ من هذا الكتاب إن شاء الله. أخبرنا خلفُ بن سعيدٍ (٦)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ.

стр. 713

وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدُ بن أبي الموت. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بن عيسى؛ قالوا: حدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا أبو عُبَيْدٍ (٣)، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بن مَهْديٍّ، عن سفيانَ (٤)، عن أبي إسحاقَ (٥)، عن حارِثةَ بن مُضَرِّبٍ، قال جاءَ ناسٌ من أهل الشَّام إلى عُمرَ، فقالوا: إنَّا أصَبْنَا أموالًا؛ خَيْلًا ورَقيقًا، نُحِبُّ أنْ يكونَ لنا منها زكاةٌ وطُهورٌ (٦)، وذكَرَ الحديثَ (٧). وفيه إباحةُ قَبولِ الهديَّة للخَليفَةِ، إلّا أنّ ذلك لا يجوزُ لغير النبيِّ ﵇، إذا كان منه قَبولُها على جهة الاستبداد بها دونَ رَعيَّتِه.

стр. 714

ورَوَى حَبيبٌ (١)، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أنسٍ، قال: كان رسولُ الله ﷺ يَقبلُ الهديَّةَ، ويثيبُ عليها. وهذا الحديثُ، وإنْ كان إسنادُه غيرَ صحيح؛ لتفَرُّدِ حَبيبٍ به عن مالكٍ، فإنّ قَبولَ رسول الله ﷺ الهدايا أشهَرُ وأعْرَفُ، وأكثرُ من أن تُحْصَى الآثارُ في ذلك، لكنّه كان ﷺ مخصوصًا بما أفاءَ الله عليه من غير قتالٍ من أموالِ الكُفَّار، أنْ يكونَ له خاصَّةً دونَ سائرِ الناس، ومَنْ بعدَه من الأئمَّةِ حُكْمُه في ذلك خلافُ حُكْمِه؛ لأنّ ذلك لا يكونُ له خاصةً دونَ المسلمين بإجماعٍ، لأنّه فَيْءٌ، وفي حديث أبي حُمَيْدٍ السَّاعديِّ في قصَّةِ ابنِ اللُّتْبِيَّةِ (٢) ما يَدُلُّ على أنّ العامِلَ لا يجوزُ له أنْ يَسْتَأْثِرَ بهدِيَّةٍ أُهْدِيَتْ إليه بسَببِ ولايَتِه، لأنّها للمسلمين. حدَّثنا سعيدُ بن نَصر (٣)، قال حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٤): حدَّثنا سفيانُ بن عيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن أبي حميدٍ السَّاعديِّ، قال: استعملَ رسولُ الله ﷺ رَجُلًا من الأزْدِ يقالُ له: ابنُ اللُّتْبيَّة. فلمّا قَدِم قال: هذا لكم، وهذا أُهْدِيَ إليَّ. فقامَ النبيُّ ﷺ على المنبَر، فحَمِد الله وأثْنَى عليه، وقال: "ما بالُ عاملٍ أبعثُه، فيقولُ: هذا لكم، وهذا أُهدِيَ إليَّ، أفلا قعَد في بيت أبيه، أو بيتِ أُمِّه، حتى ينظُرَ أيُهْدَى إليه أم لا؟ والذي نفسُ محمدٍ بيَدِه، لا ينالُ أحدٌ منكم شيئًا

стр. 715

إلّا جاءَ به يومَ القيامَةِ يَحْمِلُه على عُنُقِه؛ بَعيرٌ له رُغاءٌ، أو بَقرَةٌ لها خُوَارٌ، أو شاةٌ تَيْعَرُ" (١). ثم رفَعَ يدَيْه حتى رأيْنا عُفْرَتَيْ (٢) إبْطَيْه، ثم قال: "اللَّهمَّ هل بلَّغْتُ" (٣). ورواه هشامُ بن عُروةَ (٤) وأبو الزِّنادِ (٥)، عن عروةَ بن الزُّبير، عن أبي حُميدٍ السَّاعديِّ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه، بمعناه. روَى وَكيعٌ وغيرُه، عن الأعمش، عن شَقيقٍ، قال: كان رسولُ الله ﷺ قد استعملَ مُعاذَ بن جبل على اليمن، فلمَّا استُخلِفَ أبو بكرٍ، بحَثَ عُمرَ على الموسم في تلك السنة، وقَدِم مُعاذٌ من اليَمَنِ برَقيقٍ، فلَقِيَ عمرَ بعرفةَ، فقال له عمرُ: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء لأبي بكر، وهؤلاء لي. فقال له عمر: أرَى أنْ تأتيَ بهم إلى أبي بكرٍ، فتَدْفَعَهم إليه، فإنْ سَلَّمَهم لك، وإلّا فهو أحقُّ بهم. فقال: وما لي أدْفَعُ رَقِيقي إلى أبي بكرٍ؟ لا أُعْطيه هديَّتي. فانصَرَفَ بهم إلى مَنْزله، فلمَّا كانَ من الغَد، جاءَ إلى عُمرَ، فقال: يا ابن الخطَّاب، لقد رأيْتُني الليلةَ أُشْرِفُ على نارٍ قد أُوقِدَتْ، فأكادُ أتقَحَّمُها وأهْوِي فيها، وأنتَ آخِذٌ بحُجْزَتي (٦)، ولا أُرَاني إلّا مُطِيعَك. قال: فذهَب إلى أبي بكرٍ، فقال: هؤلاءِ لك، وهؤلاءِ أُهْدُوا لي. قال: فإنّا قد سَلَّمْنا لك هَدِيَّتَك. فرجَعَ مُعاذٌ إلى مَنزِله، فصلَّى، فإذا هم خَلْفَه يُصلُّون،

стр. 716

قال: ما بالُكم؟ قالوا: نُصَلِّي. قال: لِمَنْ؟ قالوا: لله. قال: فاذْهَبُوا، فأنتُم لله. فأعْتَقَهم (١). وذكَر يعقوبُ بن شَيْبَةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى النَّيسابوريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن ابنٍ لكَعْبِ بن مالكٍ، قال: بَعَثَ رسولُ الله ﷺ معاذًا إلى اليمنِ أميرًا، وكان أوّلَ مَن تَجَرَ في مالِ الله، فمَكَثَ حتى أصابَ مالًا، وقُبِضَ رسولُ الله ﷺ ، ثم قَدِمَ مُعاذٌ على أبي بَكْرٍ، فقال عمرُ لأبي بكر: أرْسِلْ إلى هذا الرَّجُلِ، فَدَعْ له ما يَعيشُ به، وخُذْ سائرَه منه. فقال أبو بكرٍ: إنّما بعَثَه رسولُ الله ﷺ ليَجْبُرَه، ولستُ بآخِذٍ منه شيئًا، إلّا أنْ يُعطِيَني (٢). وفي قوله في هذا الحديث: إلّا جاءَ به يومَ القيامةِ يَحْمِلُه على عُنُقِه". دليلٌ على أنَّه غُلُولٌ، حرامٌ، نارٌ؛ قال اللهُ : ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]. وقال النبيُّ ﷺ : "هَدايا الأُمراءِ غُلُولٌ" (٣).

стр. 717

ومن ذلك قوله ﷺ في حديث ثَوْرِ بن زَيْدٍ هذا: "إنَّ الشَّمْلَة التي أخَذَ يومَ خَيْبَرَ من المغانم، لم تُصِبْها المَقاسِمُ، لتَشْتَعِلُ عليه نارًا". فكُلُّ مَن غلَّ شيئًا في سبيل الله، أو خانَ شيئًا من مالِ الله، جاءَ به يومَ القيامةِ إنْ شاءَ اللهُ. والغُلُولُ من حقوقِ الآدَمِيِّين، ولا بُدَّ فيه من القِصاصِ بالحَسَناتِ والسيِّئات، ثم صاحِبُه في المشيئةِ، وسنذكُرُ ما للعلماءِ في عقوبَةِ الغَالِّ بعدَ هذا في هذا الباب إنْ شاءَ الله. وذكَر سُنيدٌ (١)، عن مُبَشِّرٍ (٢)، عن صَفْوانَ بن عَمْرٍو، عن حبيبِ بن عُبيدٍ، عن عَوْفِ بن مالكٍ، أنَّ حَبيبَ بنَ مسلمةَ أُتيَ برجلٍ قد غَلَّ، ومعه غُلولُه، فوجَدَ الناسُ من ذلك، وكان أوَّلَ غُلُولٍ رأَوه في غَزْوهم بالشَّام، فقامَ عوفُ بن مالكٍ في الناس، فحَمِد الله وأثْنَى عليه، ثم قال: أيُّها الناسُ، إيَّاكم وما لا كَفَّارةَ له من الذُّنوب، إنَّ الرجلَ ليَزْني ثم يتُوبُ فيتُوبُ اللهُ عليه، وإنَّ الرجلَ ليَسْرِقُ
следующие страницы →