← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 713–752 · переход к 718.

стр. 713

وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدُ بن أبي الموت. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بن عيسى؛ قالوا: حدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا أبو عُبَيْدٍ (٣)، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بن مَهْديٍّ، عن سفيانَ (٤)، عن أبي إسحاقَ (٥)، عن حارِثةَ بن مُضَرِّبٍ، قال جاءَ ناسٌ من أهل الشَّام إلى عُمرَ، فقالوا: إنَّا أصَبْنَا أموالًا؛ خَيْلًا ورَقيقًا، نُحِبُّ أنْ يكونَ لنا منها زكاةٌ وطُهورٌ (٦)، وذكَرَ الحديثَ (٧). وفيه إباحةُ قَبولِ الهديَّة للخَليفَةِ، إلّا أنّ ذلك لا يجوزُ لغير النبيِّ ﵇، إذا كان منه قَبولُها على جهة الاستبداد بها دونَ رَعيَّتِه.

стр. 714

ورَوَى حَبيبٌ (١)، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أنسٍ، قال: كان رسولُ الله ﷺ يَقبلُ الهديَّةَ، ويثيبُ عليها. وهذا الحديثُ، وإنْ كان إسنادُه غيرَ صحيح؛ لتفَرُّدِ حَبيبٍ به عن مالكٍ، فإنّ قَبولَ رسول الله ﷺ الهدايا أشهَرُ وأعْرَفُ، وأكثرُ من أن تُحْصَى الآثارُ في ذلك، لكنّه كان ﷺ مخصوصًا بما أفاءَ الله عليه من غير قتالٍ من أموالِ الكُفَّار، أنْ يكونَ له خاصَّةً دونَ سائرِ الناس، ومَنْ بعدَه من الأئمَّةِ حُكْمُه في ذلك خلافُ حُكْمِه؛ لأنّ ذلك لا يكونُ له خاصةً دونَ المسلمين بإجماعٍ، لأنّه فَيْءٌ، وفي حديث أبي حُمَيْدٍ السَّاعديِّ في قصَّةِ ابنِ اللُّتْبِيَّةِ (٢) ما يَدُلُّ على أنّ العامِلَ لا يجوزُ له أنْ يَسْتَأْثِرَ بهدِيَّةٍ أُهْدِيَتْ إليه بسَببِ ولايَتِه، لأنّها للمسلمين. حدَّثنا سعيدُ بن نَصر (٣)، قال حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٤): حدَّثنا سفيانُ بن عيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن أبي حميدٍ السَّاعديِّ، قال: استعملَ رسولُ الله ﷺ رَجُلًا من الأزْدِ يقالُ له: ابنُ اللُّتْبيَّة. فلمّا قَدِم قال: هذا لكم، وهذا أُهْدِيَ إليَّ. فقامَ النبيُّ ﷺ على المنبَر، فحَمِد الله وأثْنَى عليه، وقال: "ما بالُ عاملٍ أبعثُه، فيقولُ: هذا لكم، وهذا أُهدِيَ إليَّ، أفلا قعَد في بيت أبيه، أو بيتِ أُمِّه، حتى ينظُرَ أيُهْدَى إليه أم لا؟ والذي نفسُ محمدٍ بيَدِه، لا ينالُ أحدٌ منكم شيئًا

стр. 715

إلّا جاءَ به يومَ القيامَةِ يَحْمِلُه على عُنُقِه؛ بَعيرٌ له رُغاءٌ، أو بَقرَةٌ لها خُوَارٌ، أو شاةٌ تَيْعَرُ" (١). ثم رفَعَ يدَيْه حتى رأيْنا عُفْرَتَيْ (٢) إبْطَيْه، ثم قال: "اللَّهمَّ هل بلَّغْتُ" (٣). ورواه هشامُ بن عُروةَ (٤) وأبو الزِّنادِ (٥)، عن عروةَ بن الزُّبير، عن أبي حُميدٍ السَّاعديِّ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه، بمعناه. روَى وَكيعٌ وغيرُه، عن الأعمش، عن شَقيقٍ، قال: كان رسولُ الله ﷺ قد استعملَ مُعاذَ بن جبل على اليمن، فلمَّا استُخلِفَ أبو بكرٍ، بحَثَ عُمرَ على الموسم في تلك السنة، وقَدِم مُعاذٌ من اليَمَنِ برَقيقٍ، فلَقِيَ عمرَ بعرفةَ، فقال له عمرُ: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء لأبي بكر، وهؤلاء لي. فقال له عمر: أرَى أنْ تأتيَ بهم إلى أبي بكرٍ، فتَدْفَعَهم إليه، فإنْ سَلَّمَهم لك، وإلّا فهو أحقُّ بهم. فقال: وما لي أدْفَعُ رَقِيقي إلى أبي بكرٍ؟ لا أُعْطيه هديَّتي. فانصَرَفَ بهم إلى مَنْزله، فلمَّا كانَ من الغَد، جاءَ إلى عُمرَ، فقال: يا ابن الخطَّاب، لقد رأيْتُني الليلةَ أُشْرِفُ على نارٍ قد أُوقِدَتْ، فأكادُ أتقَحَّمُها وأهْوِي فيها، وأنتَ آخِذٌ بحُجْزَتي (٦)، ولا أُرَاني إلّا مُطِيعَك. قال: فذهَب إلى أبي بكرٍ، فقال: هؤلاءِ لك، وهؤلاءِ أُهْدُوا لي. قال: فإنّا قد سَلَّمْنا لك هَدِيَّتَك. فرجَعَ مُعاذٌ إلى مَنزِله، فصلَّى، فإذا هم خَلْفَه يُصلُّون،

стр. 716

قال: ما بالُكم؟ قالوا: نُصَلِّي. قال: لِمَنْ؟ قالوا: لله. قال: فاذْهَبُوا، فأنتُم لله. فأعْتَقَهم (١). وذكَر يعقوبُ بن شَيْبَةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى النَّيسابوريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن ابنٍ لكَعْبِ بن مالكٍ، قال: بَعَثَ رسولُ الله ﷺ معاذًا إلى اليمنِ أميرًا، وكان أوّلَ مَن تَجَرَ في مالِ الله، فمَكَثَ حتى أصابَ مالًا، وقُبِضَ رسولُ الله ﷺ ، ثم قَدِمَ مُعاذٌ على أبي بَكْرٍ، فقال عمرُ لأبي بكر: أرْسِلْ إلى هذا الرَّجُلِ، فَدَعْ له ما يَعيشُ به، وخُذْ سائرَه منه. فقال أبو بكرٍ: إنّما بعَثَه رسولُ الله ﷺ ليَجْبُرَه، ولستُ بآخِذٍ منه شيئًا، إلّا أنْ يُعطِيَني (٢). وفي قوله في هذا الحديث: إلّا جاءَ به يومَ القيامةِ يَحْمِلُه على عُنُقِه". دليلٌ على أنَّه غُلُولٌ، حرامٌ، نارٌ؛ قال اللهُ : ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]. وقال النبيُّ ﷺ : "هَدايا الأُمراءِ غُلُولٌ" (٣).

стр. 717

ومن ذلك قوله ﷺ في حديث ثَوْرِ بن زَيْدٍ هذا: "إنَّ الشَّمْلَة التي أخَذَ يومَ خَيْبَرَ من المغانم، لم تُصِبْها المَقاسِمُ، لتَشْتَعِلُ عليه نارًا". فكُلُّ مَن غلَّ شيئًا في سبيل الله، أو خانَ شيئًا من مالِ الله، جاءَ به يومَ القيامةِ إنْ شاءَ اللهُ. والغُلُولُ من حقوقِ الآدَمِيِّين، ولا بُدَّ فيه من القِصاصِ بالحَسَناتِ والسيِّئات، ثم صاحِبُه في المشيئةِ، وسنذكُرُ ما للعلماءِ في عقوبَةِ الغَالِّ بعدَ هذا في هذا الباب إنْ شاءَ الله. وذكَر سُنيدٌ (١)، عن مُبَشِّرٍ (٢)، عن صَفْوانَ بن عَمْرٍو، عن حبيبِ بن عُبيدٍ، عن عَوْفِ بن مالكٍ، أنَّ حَبيبَ بنَ مسلمةَ أُتيَ برجلٍ قد غَلَّ، ومعه غُلولُه، فوجَدَ الناسُ من ذلك، وكان أوَّلَ غُلُولٍ رأَوه في غَزْوهم بالشَّام، فقامَ عوفُ بن مالكٍ في الناس، فحَمِد الله وأثْنَى عليه، ثم قال: أيُّها الناسُ، إيَّاكم وما لا كَفَّارةَ له من الذُّنوب، إنَّ الرجلَ ليَزْني ثم يتُوبُ فيتُوبُ اللهُ عليه، وإنَّ الرجلَ ليَسْرِقُ

стр. 718

ثم يتُوبُ فيتُوب اللهُ عليه، وإنّهما لذَنْبان لا كَفَّارةَ لهما: صاحبُ الغُلُول، وآكِلُ الرِّبَا، قال الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١]. فلا كَفَّارةَ لصاحب الغُلُول حتى يأتيَ اللهَ به يومَ القيامة، وآكِلُ الرِّبَا يَبْعَثُه الله يومَ القيامة مُخْتَنِقًا (١)، يَخْتنقُ (٢). قال سُنيدٌ: وحدَّثنا عبدَةُ بن سليمان، عن إسماعيلَ بن مسلم، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "هَدايا الأُمَراءِ غُلُولٌ" (٣). حدَّثنا سعيد، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمد، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ (٤)، قال: حدَّثنا عبدُ الرحيم بن سليمانَ، عن أبي حيَّانَ، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قامَ رسول الله ﷺ فينا خَطيبًا فذكَر الغُلُولَ، فعظَّمَه، وعظَّمَ أمْرَه، ثم قال: "يا أيُّها الناسُ، لا أُلْفِيَنَّ أحدَكم يَجيءُ يومَ القيامةِ على رَقَبَتِه بَعيرٌ له رُغَاءٌ، فيقولُ: يا رسولَ الله، أغِثْني. فأقول (٥): لا أملِكُ لكَ شيئًا، قد أبْلَغْتُك. لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجيءُ يومَ القيامة على رَقَبَتِه شاةٌ لها ثُغاءٌ، يقول: يا رسولَ الله، أغِثْني. فأقولُ: لا أملِكُ لك شيئًا، قد أبْلَغْتُكَ. لا أُلْفِينَّ أحدَكم [يَجيءُ] (٦) يومَ القيامةِ

стр. 719

على رَقَبَتِه بقرةٌ لها خُوارٌ، يقولُ: يا رسولَ الله، أغِثْني. فأقولُ: لا أملِكُ لك (١) شيئا، قد بلَّغْتُك. ولا أُلْفِيَنَّ أحدَكم يَجيءُ يومَ القيامة على رَقَبَتِه رِقاعٌ تَخفِقُ (٢)، يقول: يا رسولَ الله أغِثْني. فأقولُ: لا أملِكُ لك شيئًا، قد بلَّغْتُك. ولا ألفِيَنَّ أحدَكم يَجيءُ يومَ القيامةِ على رَقَبَتِه صامتٌ (٣)، يقولُ: يا رسولَ الله، أغِثْني. فأقولُ: لا أملِكُ لكَ شيئًا، قد بلَّغْتُك. ولا أُلْفِيَنَّ أحدَكم يَجيءُ يومَ القيامة (٤) على رَقَبَتِه نفسٌ لها صِياحٌ، فيقول: يا رسولَ الله، أَغِثْني. فأقولُ: لا أمْلِكُ لك شيئًا، قد بلَّغْتُك". فهذا ما في الغُلُول، وقد يدخُلُ فيه مَنع الزَّكوات؛ لأنّها من حقوقِ المسلمين أيضًا بالمعنى، والله أعلم. وأمّا النَّصُّ في هَدايا المشركين، فروَى قتادةُ، عن يزيدَ بن الشِّخِّير، عن عياضِ بن حِمَارٍ (٥)، أنَّ رسولَ الله ﷺ نهَى عن زَبْدِ المُشركين، يعني: هَدايَاهم ورِفْدَهم. أخبرنا عبدُ الوارث بن سُفيان، قال: حدَّشْا قاسمُ بن أصبَغ (٦)، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زهيرٍ. وحدَّثنا سعيدُ بن نصير، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي؛ قالا: أخبرنا عمرُو بن مرزوقٍ، قال: أخبرنا عِمرانُ القَطَّانُ، عن قتادةَ، عن يَزيدَ بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن عِياضِ بن حِمَارٍ،

стр. 720

قال: أهْدَيْتُ لرسول الله ﷺ ناقةً - أو قال: هَديّةً - فقال: "أسْلَمْتَ؟ ". قلتُ: لا. قال: "إنِّي نُهِيتُ عن زَبْدِ المشركين" (١). أخبرنا أبو عمرَ أحمدُ بن محمدِ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مَسَرَّة، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا يوسفُ بن عَدِيٍّ، قال: أخبر نا ابنُ المبارك، عن يونسَ ومَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن عبد الرحمنِ بن مالكٍ، عن (٢) عامرِ بن مالكٍ، الذي يُقالُ له: مُلاعِبُ الأسِنَّة، قال: قَدِمْتُ على النبيِّ ﷺ بهَدِيَّةٍ، فقال: "إنَّا لَنْ نقْبَلَ هَدِيَّةَ مُشركٍ" (٣). واختلفَ العلماءُ في معنى هذينِ الحديثين، فقال منهم قائلون: فيهما النَّسخُ، لما كان عليه رسول الله ﷺ من قَبولِ الهَديَّةِ من أهلِ الشِّركِ مِثلَ أُكَيْدر دُومَةَ، وفَرْوةَ بن نُفاثةَ، والمُقَوْقِس، وغيرهم. وقال آخرون: ليس فيهما ناسِخٌ ولا مَنْسوخٌ، والمعنَى فيهما أنّه كان لا يقبلُ هَدِيَّةَ مَن يَطْمَعُ بالظُّهور عليه وأخذِ بلَدِه، أو دخُولِه في الإسلام، فعن

стр. 721

مثلِ هذا نُهِيَ أنْ يقبلَ هديَّتَه ويُهادِنَه ويُقِرَّه على دينِه مع قُدرَته عليه، أو طَمَعِه في هِدايَتِه؛ لأنّ في قَبولِ هديَّتِه حَمْلًا على الكَفِّ عنه، وهو قد أُمِرَ أنْ يُقاتِلَ الكفار حتى يقولوا: لا إلهَ إلّا الله. وقال آخرون: كان مُخيَّرًا في قبولِ هديَّتِهم وتَرْكِ قَبُولها؛ لأنّه كان من خُلُقِه ﷺ أن يُثيبَ على الهديةِ بأحسَنَ منها، فلذلك لم يقبلْ هديَّةَ مُشركٍ لئلَّا يُثيبَه بأفضلَ منها، والله أعلمُ. أخبرنا عليُّ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا الحسنُ بن رَشيقٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بن محمد بن سلَّام البَغْداديُّ، قال: حدَّثنا داودُ بن رُشيدٍ (١)، قال: حدَّثنا عيسَى بن يونسَ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يَقبَلُ الهديَّة ويُثيبُ عليها (٢). وقد قيل: إنّه إنّما ترك ذلك تَنَزُّهًا، ونَهَى عن زَبْدِ المشركين لما في التَّهادي والزَّبْدِ من التَّحابِّ وتَلْيينِ القلوبِ، واللهُ يقول: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، والله أعلمُ بما أرادَ رسولُه بقوله ذلك. وقد قَبِلَ ﷺ هديَّةَ قومٍ من المشركين، وأجازَ قَبُولَها جماعةٌ من الفقهاءِ على وجُوهٍ، نذكُرُ منها ما حضَرنا ذِكرُه إنْ شاءَ الله. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ قراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسِمَ بن أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبد الواحدِ، قال: حدَّثنا محَبُوبُ بن موسى. (ح) وقرَأتُ عليه أيضًا أنَّ قاسِمَ بن أصبَغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال:

стр. 722

حدَّثنا عبدُ الملكِ بن حبيبٍ المِصِّيصيُّ؛ قالا جميعًا: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزَاريُّ، قال: قلتُ للأوزاعيِّ: أرأيتَ لو أنّ صاحبَ الرُّومِ أهْدَى إلى أمير المؤمنين هديَّةً، أتَرَى بأسًا أنْ يَقْبَلَها؟ قال: لا أرى بذلك بأسًا. قلتُ: فما حالُها إذا قَبِلَها؟ قال: تكونُ بينَ المسلمين. قلتُ: وما وَجْهُ ذلك؛ قال: أليس إنَّما أهْدَاها له لأنَّه والي عَهْدِ المسلمين، لا يكونُ أحقَّ بها منهم، ويُكافِئُه بمثلها من بيت مال المسلمين. قلتُ للأوزاعيِّ: فلو أنَّ صاحِبَ الباب أهْدَى له صاحِبُ العَدُوِّ هديَّةً، أو صاحبُ مَلَطْيَة (١)، أيقْبَلُها أحَبُّ إليكَ أو يَرُدُّها؟ قال: يَرُدُّها أحَبُّ إليَّ، فإنْ قَبِلَها فهي بينَ المسلمين، ويُكافِئُه بمِثْلِها. قلتُ: فصاحبُ الصَّائفةِ إذا دخَل فأهْدَى له صاحِبُ الرُّومِ هَدِيَّةً؟ قال: تكونُ بينَ ذلك الجَيشِ، فما كان من طعامٍ قَسَمه بينَهم، وما كان سِوَى ذلك جعَله في غنائم المسلمين. قال أبو عُمر: ليسَ أحدٌ من أئمةِ الفقهاء - زَعَموا - أعلمَ بمسائلِ الجهادِ من الأوزاعيِّ، وقولُه هذا هو قولُنا. وروَى عيسَى، عن ابن القاسم، في الإمام يكونُ في أرضِ العَدُوِّ (٢)، فيُهْدي له العَدُوُّ، أتكونُ له خالصةً أمْ للجَيْشِ؟ قال: أُرَاها لجماعةِ الجيش؛ قال: لأنّه إنّما أهْدَاها خوفًا، إلّا أنْ يعلَمَ أنّ ذلك إنّما هو من قِبَلِ قرابَةٍ، أو مُكافَأةٍ، فأُرَاه له خالصًا. قيل له (٣): فالرَّجلُ من أهلِ الجيش تَأتيه الهديَّةُ؟ قال: هذه له خالصةٌ لا شكَّ فيه، مثلُ أنْ يكونَ له قريبٌ أو صديقٌ فيُهدِيَ له، فهو له خالصٌ.

стр. 723

وقال الرَّبيعُ عن الشَّافعيِّ في كتاب الزَّكاة (١): إذا أهْدَى واحدٌ من القومِ للوَالي هديَّةً، فإنْ كانت لشَيءٍ نالَ منه حقًّا أو باطلًا، فحرامٌ على الوَالي أخْذُها؛ لأنّه حرامٌ عليه أن يَستَجعِلَ على الحقِّ، وقد ألزَمه اللهُ ذلك، وحرامٌ عليه أن يأخُذَ لهم باطلًا، والجُعْلُ عليه حرامٌ. قال: وإنْ أهْدَى إليه أحَدٌ من أهل ولايَتِه على غير هذين المَعنَييْن تفضلًا أو تَشكُّرًا لحسنٍ (٢) كان منه في العامة (٣)، فلا يقْبَلُها، وإنْ قَبِلَها كانت في الصَّدقات، ولا يسَعُه عندي غيرُه إلّا أن يُكافِئَه من مالِه عليه بقَدْرِ ما يسَعُه به أنْ يَتَموَّلَها. قالْ وإنْ أُهْدِيَتْ هديَّة إلى رجلٍ ليس بذي سُلطانٍ شكْرًا على حسنٍ كان منه، فأحَبُّ إليَّ ألّا يقْبَلَها، ولا تحرُمُ عليه عندي إنْ قَبِلَها وأخَذها، وأحَبُّ إليَّ أنْ يدَعَ قَبُولَها، ولا يأخُذَها على الحسن مُكافأةً. هذا كلُّه هو المشهورُ من قولِ الشَّافعيِّ في كُتُبه الظاهرةِ عندَ أصحابِه. وقد رُوِيَ عنه أنّ الحاكم إذا أُهديَتْ إليه هديَّةٌ من أجل حُكمِه، فحَكَمَ بالحَقِّ على وجهِه لم تَحْرُمْ عليه. وأمّا العراقيُّون، فقال أبو يوسف: ما أهْدَى مَلِكُ الرُّوم إلى أميرِ الجيش فهو له خاصَّةً، وكذلك ما يُعطَى الرسول (٤). قال أبو عُمر: احتجَّ بعضُ مَن ذهب هذا المذهبَ، وقال: إنَّ الهديَّةَ تكونُ مِلْكًا للمُهْدَى له وإنْ كان واليًا، ولا تكونُ فيئًا؛ احتجَّ بإجماعِهم على أنَّ للإمامِ ألّا يَقْبَلَ هديَّةَ الكُفَّارِ. قالوا: ولو كانت فَيئًا لَما كان له ألّا يَقْبَلَها ويَرُدَّها على الحربيِّين.

стр. 724

قال أبو عُمر: هذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنّ تَخْييرَهم الإمامَ في قَبولِ هديَّةِ الكُفارِ إنما هو من أجلِ أنّه إنْ قَبِلَها كان عليه أنْ يُكافئَ عليها من بيت المال، لا أنها لا (١) تكونُ فَيْئًا، وإذا كان عليه أنْ يُثِيبَ عليها كان مُخَيَّرًا في قَبُولِها، ومعلومٌ أنّه إنّما أُهدِيَتْ إليه (٢) بسببِ ولايَتِه، فاسْتَحالَ أنْ تكونَ له دونَ المسلمين، والحُجَّةُ في هذا عندي حديثُ أبي حُميدٍ السَّاعديِّ في قصةِ ابن الأُتَبيَّةِ (٣). أخبرنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبرَنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يوسفَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاق وعبدُ الملك بن الصَّبَّاح، عن الثوريِّ، عن أبَانٍ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الهَدايَا (٤) للأُمراءِ غُلُولٌ" (٥). وبه، عن عبد الرَّزَّاق (٦) وعبد الملك، جميعًا عن الثوريِّ، عن عاصمٍ، عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، قال: قال ابنُ مسعودٍ: الرِّشْوَةُ في الدِّين سُحْتٌ. قال سفيانُ: يعني في الحُكْم.

стр. 725

وبه، عن عبد الرَّزَّاق (١)، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن الزُّهريِّ، قال: جَمَعَ اليهودُ لابن رَوَاحةَ حينَ خَرَصَ (٢) عليهم حَلْيًا من حَلْي نسائِهم فأهْدَوه له، فقال: هذه الرِّشْوَةُ سُحْت، وإنّا لا نأْكُلُها. وذكَرَ وكيعٌ (٣)، عن مُعاذِ بن العلاء أخي أبي عَمْرو بن العلاء، عن أبيه، عن جدِّه، قال: خطَبَنا عليٌّ بالكُوفةِ وبيدِه قارُورةٌ وعليه سراويلُ ونَعْلان، فقال: ما أصَبْتُ منذُ دخَلْتُها غيرَ هذه القارورةِ، أهْدَاها لي دِهْقانٌ. وعن أبي البَخْتَريِّ، عن عليِّ بن ربيعة، أنّ عليًّا استعملَ رجُلًا، فلمّا جاءَ قال: يا أميرَ المؤمنين، إنّه أُهْدِيَ لي في عَمَلي أشياءُ، وقد أَتَيْتُ بها، فإنْ كان حَلالًا أخَذْتُه، وإلّا جئتُك به. فجاءَه به، فقَبَضَه عليٌّ، ﵁، وقال: إنِّي أحسَبُه كان غُلُولًا (٤). وأمّا هديَّةُ غير الكُفَّارِ إلى مَن لم تكُنْ له ولايةٌ، فمأخوذٌ من قول رسولِ الله ﷺ : "أجِيبُوا الدَّاعيَ ولا تَرُدُّوا الهديَّة" (٥). وقال ﷺ : "ما أتاكَ مِن غيرِ مسألةٍ،

стр. 726

فكُلْه وتَمَوَّلْه" (١). وهذا إذا لم تكُنِ الهديَّةُ على شرطِ أداءِ حقٍّ قد وجَبَ عليه، كالشَّهادةِ ونحوِها، فإنْ كانت كذلك فهي سُحْتٌ ورِشْوَةٌ، وشَرٌّ من ذلك الأخذُ على الباطل، وبالله التوفيق. قرأتُ على أحمدَ بن قاسم بن عبد الرحمن، أنّ محمدَ بن معاويةَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحَسَن بن عبد الجبار الصُّوفيُّ، قال: حدَّثنا الهيثمُ بن خارِجَة، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عياشٍ، عن عَمْرِو بن مُهاجِرٍ، قال: اشْتَهَى عمرُ بن عبد العزيز تُفَّاحًا، فقال: لو كان عندَنا شَيءٌ من تُفَّاح؛ فإنَّه طيبُ الرِّيح، طيِّبُ الطَّعْم. فقامَ رجلٌ من أهل بيتِه فأهْدَى إليه تُفَّاحًا، فلمّا جاءَ به الرسولُ، قال عُمرُ بن عبد العزيز: ما أطيبَ ريحَه وطَعْمَه، يا غلامُ، ارْجِعْه، وأقرئْ فلانًا السَّلامَ، وقل له: إنَّ هديَّتَك قد وقَعَتْ عندَنا بحيثُ تَحِبُّ (٢). قال عمرُو بن مهاجر: فقلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ، ابنُ عَمِّك ورجلٌ من أهل بيتك، وقد بلَغك أن رسولَ الله ﷺ كان يأكلُ الهديَّةَ ولا جملُ الصدقةَ. فقال: إن الهديَّة كانت للنبيِّ ﷺ هديَّةً، وهي لنا اليومَ رِشْوةٌ (٣).

стр. 727

قال أبو عُمر: كان عُمرُ ﵁ في حين هذا الخبرِ خليفةً، وقد تقدَّم القولُ فيما للخلفاءِ والأمراءِ وسائر الولاة من الحُكْم في الهديَّة، ويَحْتَملُ أنْ يكونَ ذلك الرجلُ من أهل بيته قد عَلِمَ في كسبِه شيئًا أوجبَ التَّنزُّهَ عن هديَّتِه. وأما قولُه في الحديث: "شراكٌ أو شِرَاكان من نارٍ". وقولُه في حديث عَمْرِو بن شعيب: "أَدُّوا الخَيْطَ والمِخْيَط" (١). فيدُلُّ على أنّ القليلَ والكثيرَ لا يحلُّ لأحدٍ أخذُه في الغزو قبلَ المقاسم، إلّا ما أجمعُوا عليه من أكل الطعام في أرض العدوِّ، ومن الاحتطابِ والاصطياد، وهذا أولَى ما قيل به في هذا الباب، وما خالَفه مما جاءَ عن بعض أصحابنا وغيرهم فليس بشيء؛ لأنّ عمومَ قول الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] يُوجِبُ أنْ يكونَ الجميعُ غنيمةً، خمسُها لمَن سمَّى اللهُ، وأربعةُ أخماسِها لمَن شَهِدَ القتالَ من البالغين الأحرار الذكور، فلا يحِلُّ لأحدٍ منها شيءٌ إلّا سهمُه الذي يقعُ له في المقاسم بعد إخراجِ الخمس المذكور، إلّا أنّ الطعامَ خرج بدليل إخراج رسول الله ﷺ له عن جملةِ ذلك؛ فمن ذلك حديثُ عبد الله بن مُغفَّلٍ في الجرابِ بالشحم (٢)، وحديثُ عُتبةَ بن

стр. 728

غزوانَ في السفينةِ المملوءةِ بالجَوزِ (١)، وحديثُ ابن أبي أوفَى: كنا مع رسول الله ﷺ بخيبرَ، يأتي أحدُنا إلى الطعامِ من الغنيمةِ فيأخُذُ منه حاجَته (٢). وأجمعَ العلماءُ على أنّ أكلَ الطعام في دارِ الحربِ مباحٌ، وكذلك العلفُ ما داموا في دارِ الحرب، فدلَّ على أنّه لم يدخُلْ في مرادِ الله من الآية التي تلَوْنَا، وما عدا الطعامَ فهو داخل تحتَ عموم قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١]. إلّا أن للأرض حكمًا سنذكُرُه في غير هذا الموضع من كتابِنا هذا إن شاءَ الله. وقد رُوِي عن الزُّهريِّ أنَّه قال: لا يؤخذُ الطعامُ في أرضِ العدوِّ إلّا بإذنِ الإمام. وهذا لا أصلَ له؛ لأنّ الآثارَ المرفوعةَ تخالفُه، ولم يقلْ به فيما علمتُ غيرُه. ومن الآثار في ذلك ما ذكَره البخاريّ، قال (٣): حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بن زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابن عمرَ، قال: كنا نُصِيبُ في مغازِينا العَسَلَ والعنبَ فنأكُلُه ولا نرفعُه. قال أبو عُمر: ما يُخرَجُ به من الطعام إلى دارِ الإسلام وكان له قيمةٌ فهو غنيمةٌ، وكذلك كُلُّ قليلٍ وكثيرٍ غيرَ الطعام، فهو غنيمةٌ؛ لأنهم لم يُجمِعوا على

стр. 729

شيءٍ منه. وروَى ثوبانُ، عن النبيِّ ﷺ ، أنّه قال: "مَن فارقَ الروحُ منه الجسدَ وهو بريءٌ من ثلاثٍ دخلَ الجنةَ: الكِبرُ والغُلولُ، والدَّينُ". حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا أبانٌ العطارُ وهمَّامٌ (١)، عن قتادةَ، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن مَعْدانَ بن أبي طلحةَ، عن ثوبانَ، عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "مَن فارقَ منه الروحُ الجسدَ وهو بريءٌ من ثلاثٍ دخلَ الجنةَ: الكِبرِ والغُلولِ، والدَّينِ" (٢). وروَى رُويفعُ بن ثابتٍ، عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "من كان يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ فلا يأخذْ دابَّةً من المَغنمِ فيركبَها حتى إذا أنقضَها ردَّها في المغانم، ومن كان يؤمنُ بالله واليوم الآخرِ فلا يلبَسْ ثوبًا من المَغنمِ حتى إذا أخلقَه ردَّه في المغانم" (٣). وهذا غايةٌ في التحذيرِ والمنع، وأما قولُه ﷺ : "والذي نَفْسي بيدِه، إنّ الشَّمْلَةَ التي أخَذَها يومَ خَيْبَرَ من المَغانم، لم تُصِبْها المَقاسمُ، لَتشْتَعِلُ عليه نارًا".

стр. 730

ثم قال للذي جاءَ بالشِّراك أو الشراكين: "شِراك أو شِرَاكان من نارٍ". ففي قوله هذا كلِّه دليلٌ على تعظيمِ الغُلُولِ، وتعظيمِ الذَّنب فيه، وأظنُّ حقوقَ الآدميِّين كلَّها كذلك في التعظيم، وإن لم يُقطَعْ على أنّه يأتي به حاملًا له كما يأتي بالغُلُول، والله أعلمُ. وقد ترَكَ رسولُ الله ﷺ الصلاةَ على الرجلِ الذي غلَّ الخَرَزاتِ، وهي لا تساوي درهمين، عقوبةً له، وسيأتي هذا الحديث في باب يحيى بن سعيدٍ إن شاءَ الله. وأما الشَّمْلةُ فكساءٌ مُخْمَلٌ (١)، وقال الخليلُ (٢): اشتملَ بالثوبِ أدارَه على جسدِه. قال: والاسمُ الشَّملَةُ. قال: والشَّملةُ كساءٌ ذو خَمْلٍ. وقال الأخفشُ: الشَّملةُ الإزارُ من الصوف. وفي هذا الحديث أيضًا دليلٌ على أنَّ الغالَّ لا يجبُ عليه حرقُ متاعِه، لأنّ رسولَ الله ﷺ لم يُحَرِّقْ رَحْلَ الذي أخذَ الشَّمْلةَ ولا متاعَه، ولا أحرقَ متاعَ صاحبِ الخَرَزاتِ، ولو كان حَرْقُ متاعِه واجبًا، لفعَله ﷺ حينَئذٍ، ولو فعَله لنُقِلَ ذلك في الحديث. وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "مَنْ غَلَّ فأحرِقُوا متاعَه، واضرِبُوه". رواه أسدُ بن موسَى وغيرُه، عن الدَّرَاوَرْديِّ، عن صالح بن محمدِ بن زائدةَ، عن سالم، عن ابن عمرَ (٣). وقال بعضُ رواةِ هذا الحديثِ فيه: "فاضرِبُوا عُنقَه، وأحرِقُوا متاعَه" (٤). وهو حديث يدورُ على صالحِ بن محمد بن زائدةَ، وهو ضعيفٌ لا يُحتَجُّ به. وقد اختلف العلماءُ في عقوبةِ الغالِّ، فذهَب مالكٌ، والشَّافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهم، واللَّيثُ بن سعدٍ، إلى أنَّ الغالَّ يُعاقَبُ بالتَّعزير، ولا يُحرَقُ متاعُه.

стр. 731

وقال الشَّافعيُّ وداودُ بن عليٍّ: إن كان عالمًا بالنَّهي عُوقِبَ، وهو قولُ اللَّيث. قال الشَّافعي: وإنّما يُعاقَبُ الرَّجلُ في بدَنِه لا في مالِه (١). قال أبو عُمر: اختلافُ العلماءِ في العقوبةِ في المالِ دونَ البدَنِ، أو البدنِ دونَ المالِ، قد ذكَرْنَاه في غير هذا المكان. وقال الأوزاعيُّ: يُحرَقُ متاعُ الغالِّ كلُّه إلّا سلاحَه، وثيابَه التي عليه، وسَرْجَه، ولا تُنْتَزَعُ منه دابَّتُه، ويُحْرَقُ سائرُ متاعِه كلِّه، إلّا الشيءَ الذي غَلَّ، فإنه لا يُحرَقُ ويُعاقَبُ مع ذلك (٢). وقولُ أحمدَ وإسحاقَ كقولِ الأوزاعيِّ في هذا الباب كلِّه. ورُوِيَ عن الحسن البصريِّ أنّه قال: يُحرَقُ رحْلُه كلُّه، إلّا أن يكونَ حيوانًا أو مُصحفًا (٣). وممن قال: يُحرَقُ رحلُ الغالِّ ومتاعُه: مكحولٌ وسعيدُ بن عبد العزيز. وحجَّةُ من ذهَب إلى هذا القولِ حديثُ صالح المذكورُ، وهو عندَنا حديثٌ لا يجبُ به انتهاكُ حرمةٍ، ولا إنفاذُ حكمٍ، مع ما يُعارِضُه من الآثارِ التي هي أقوَى منه. فأمّا روايةُ من روَى: "فاضرِبُوا عنقَه، وأحرِقُوا متاعَه". فإنّه يُعارِضُه قولُه ﷺ : "لا يَحِلُّ دمُ امرئ مسلم إلّا بإحدَى ثلاثٍ" الحديث (٤)، وهو ينفِي القتلَ في الغُلول. وروَى ابنُ جُريج، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "ليس على الخائنِ، ولا على المُنتَهِبِ، ولا على المُخْتَلِس قطعٌ" (٥). وهذا أيضًا يُعارضُ

стр. 732

حديثَ صالح بن محمدِ بن زائدةَ، وهو أقوَى من جهةِ الإسناد، والغالُّ خائنٌ في اللغة والشريعة. وقال الطحاويُّ: لو صَحَّ حديثُ صالحٍ المذكورُ احتمَلَ أنْ يكونَ كان حينَ كانت العقوباتُ في الأموال، كما قال في مانع الزكاة: "إنّا آخذُوها وشَطْرَ ماله عَزْمَةً من عَزَماتِ الله" (١). وكما روَى أبو هريرةَ، في ضالَّةِ الإبلِ المكتومة: "فيها غرامَتُها ومثلُها معها" (٢). وكما روَى عبدُ الله بن عَمْرو بن العاص في الثَّمَرِ المُعَلَّق: "غَرامَةُ مِثلَيه، وجَلَداتٌ نَكالٌ" (٣). وهذا كلُّه منسوخٌ. قال أبو عُمر: الذي ذهَب إليه مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، ومن تابَعَهم في هذه المسألة، أولَى من جهةِ النَّظرِ، وصحيحِ الأثرِ، واللهُ أعلمُ. وأجمعَ

стр. 733

العُلماءُ على أنّ على الغالِّ أن يرُدَّ ما غَلَّ إلى صاحبِ المقاسمِ إنْ وَجَدَ السبيلَ إلى ذلك، وأنه إذا فعَل ذلك، فهي توبةٌ له، وخروجٌ عن ذنبِه. واختلفُوا فيما يَفعلُ بما غلَّ إذا افترَقَ أهلُ العَسْكَر، ولم يصِلْ إليهم؛ فقال جماعةٌ من أهلِ العلم: يدفعُ إلى الإمام خُمُسَهُ، ويتصدَّقُ بالباقي؛ هذا مذهبُ الزهريِّ، ومالكٍ، والأوزاعيِّ، واللَّيث، والثَّوريِّ. ورُوِيَ ذلك عن عُبادةَ بن الصَّامتِ، ومعاويةَ بن أبي سفيانَ، والحسَنِ البصريّ، وهو يُشبِهُ مذهب ابن مسعودٍ، وابن عباسٍ، لأنّهما كانا يَرَيان أن يُتصدَّقَ بالمالِ الذي لا يُعْرَفُ صاحِبُه (١). وذكَر بعضُ الناس عن الشَّافعيِّ أنّه كان لا يَرَى الصدقةَ بالمالِ الذي لا يُعرَفُ صاحِبُه، وقال: كيف يتصدَّقُ بمالِ غيرِه! وهذا عندي معناه فيما يُمكنُ وجودُ صاحبِه، والوصولُ إليه، أو إلى وَرَثَتِه، وأما إنْ لم يُمكن شَيْءٌ من ذلك، فإن الشَّافعيَّ ﵀ لا يَكْرَهُ الصدقةَ به حينَئذٍ إنْ شاءَ اللهُ. ذكَر سُنيدٌ (٢): حدَّثنا أبو فَضالةَ (٣)، عن أزهرَ بن عبد الله، قال: غَزَا مالكُ بن عبد الله الخَثْعَميُّ أرضَ الروم، فغَلَّ رجلٌ مئة دينارٍ، فأتى بها معاويةَ بن أبي سفيانَ، فأَبَى أنْ يقْبَلَها، وقال: قد نفَرَ الجيشُ وتفرَّقَ. فخرَجَ فلَقِيَ عُبادةَ بنَ الصامت، فذكَر ذلك له، فقال: ارجِعْ إليه، فقُل له: خُذْ خُمُسَها أنت. ثم تصدَّقْ أنت بالبقيَّةِ، فإنّ اللهَ عالمٌ بهم جميعًا. فأتَى معاويةَ، فأخبرَه، فقال: لأن كنتُ أنا أفتيتُك بهذا، كان أحبَّ إليَّ من كذا وكذا (٤). وقد أجمَعُوا في اللُّقَطَةِ على جوازِ الصدقةِ بها بعدَ التعريفِ وانْقطاع صاحبِها، وجعلُوه إذا جاءَ مُخيَّرًا بينَ الأجرِ والضَّمانِ، وكذلك الغصُوبُ، وبالله التوفيقُ.

стр. 734

حديثٌ ثانٍ لثَوْر بن زَيْد مقطوعٌ مالكٌ (١)، عن ثور بن زيدٍ الدِّيليِّ، عن عبد الله بن عباسٍ، أنّ رسولَ الله ﷺ ذكَر رَمَضانَ فقال: "لا تَصُوموا حتى ترَوُا الهلالَ، ولا تُفطِروا حتى ترَوْه، فإن غُمَّ عليكم فأكمِلوا العِدَّةَ ثلاثين". هكذا هذا الحديثُ في "الموطّأ" عند جماعةِ الرُّواة عن مالك: عن ثور بن زيد، عن ابن عباسٍ، ليس فيه ذكرُ عكرمةَ (٢)، والحديثُ محفوظ لعكرمةَ، عن ابن عباس (٣)، وإنّما رواه ثورٌ، عن عكرمةَ. وقد رُوِي عن رَوْح بن عُبادةَ هذا الحديثُ، عن مالكٍ، عن ثورٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس، أنَّ رسولَ الله ﷺ ذكَر رمضانَ، ثم ساقَه إلى آخرِه سواءً. وليس في "الموطَّأ" في هذا الإسناد عكرمةُ، وزعَموا أنّ مالكًا أسقَط ذِكرَ عكرمةَ منه لأنّه كَرِهَ أن يكونَ في كتابِه؛ لكلامِ

стр. 735

سعيدِ بن المسيِّب وغيرِه فيه. ولا أدري صِحَّةَ هذا؛ لأنّ مالكًا قد ذكَره في كتاب الحجِّ، وصرَّحَ باسمِه (١)، ومال إلى روايتِه عن ابن عباسٍ وترَك روايةَ عطاءٍ في تلك المسألة، وعطاءٌ أجلُّ التابعين في علم المناسكِ والثِّقةِ والأمانة. روَى مالكٌ، عن أبي الزبير المكيِّ، عن عطاءِ بن أبي رباح، عن عبد الله بن عباس، أنّه سُئلَ عن رجلٍ وقَع على امرأتِه وهو بمنًى قبلَ أنْ يُفيضَ، فأمَره أن ينحَرَ بَدَنةً (٢). وروَى مالكٌ أيضًا، عن ثورِ بن زيدٍ الدِّيليِّ، عن عكرمةَ مولَى ابن عباسٍ، قال: أظنُّه عن ابن عباسٍ، أنّه قال: الذي يصيبُ أهلَه قبلَ أن يُفيضَ، يعتمِرُ ويُهدِي (٣). وبه قال مالكٌ. قال أبو عُمر: عكرمةُ مولَى ابن عباسٍ (٤) من جِلَّة العلماء، لا يَقدَحُ فيه كلامُ من تكلَّم فيه؛ لأنَّه لا حُجَّةَ مع أحدٍ تكلَّم فيه. وقد يحتملُ أن يكونَ مالكٌ جبُن عن الروالة عنه؛ لأنَّه بلَغه أنّ سعيدَ بنَ المسيِّبِ كان يرمِيه بالكذب، ويحتمِلُ أن يكونَ لِما نُسِب إليه من رأي الخوارج، وكلُّ ذلك باطلٌ عليه إن شاء اللهُ. وقد قال الشافعيُّ في بعض كُتبِه: نحن نتَّقي حديثَ عكرمةَ. وقد روَى الشافعيُّ عن إبراهيمَ بن أبي يحيى، والقاسم العُمَريِّ، وإسحاقَ بن أبي فَرْوةَ، وهم ضُعفاءُ متروكونَ، وهؤلاء كانوا أولَى أن يُتَّقَى حديثُهم، ولكنّه لم يَحتَجَّ بهم في حكمٍ، وكلُّ أحدٍ من خلقِ الله يُؤخذُ من قوله ويُتركُ إلّا رسولَ الله ﷺ .

стр. 736

قال عبدُ الله بن أحمدَ بن حنبلٍ، عن أبيه، عن إسحاقَ الطبَّاع، قال: سألتُ مالكَ بنَ أنسٍ، قلتُ: أبلَغك أنَّ ابنَ عمرَ قال لنافعٍ: لا تكذِبْ عليَّ كما كذَب عكرمةُ على ابن عباسٍ؟ قال: لا، ولكن بلَغني أنَّ سعيدَ بن المسيِّب قال ذلك لبُردٍ مولاه (١). وقيل لابن أبي أُويسٍ: لِمَ لم يَكتُبْ مالكٌ حديثَ عكرمَةَ مولَى ابن عباسٍ؟ قال: لأنّه كان يرَى رأيَ الإباضية. وأمّا قولُ سعيدِ بن المسيِّب فيه، فقد ذكَرَ العلَّةَ الموجبةَ للعداوةِ بينَهما أبو عبد الله محمدُ بن نصرٍ المَرْوزيُّ في كتاب "الانتفاع بجلودِ المَيْتةِ"، وقد ذكَرتُ ذلك وأشباهَه في كتابي كتاب "جامع بيانِ أخذِ العلم وفضلِه وما ينبغي في روايتِه وحَمْلِه" في باب قولِ العلماء بعضِهم في بعضٍ (٢)، فأغنَى ذلك عن إعادتِه هاهنا. وتكلَّم فيه ابنُ سيرينَ، ولا خلافَ أعلمُه بينَ نُقَّادِ أهلِ العلمِ أنّه أعلمُ بكتابِ الله من ابنِ سيرينَ، وقد يظنُّ الإنسانُ ظنًّا يغضَبُ له ولا يملِكُ نفسَه. ذكَر الحُلْوانيُّ، عن زيدِ بن الحُباب، قال: سمِعْتُ الثَّوريَّ يقولُ: خُذوا تفسيرَ القرآن عن أربعةٍ: عن عكرمةَ، وسعيدِ بن جُبيرٍ، ومجاهدٍ، والضحَّاكِ (٣). فبدَأ بعكرمةَ. وقال ابنُ عُليَّةَ، عن أيوبَ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، قال: دفَع إليَّ جابرُ بن زيدٍ مسائلَ أسألُ عنها عكرمةَ. قال: فجعَل جابرٌ يقولُ: هذا عكرمةُ، هذا مولَى ابن عباسٍ، هذا البَحْرُ، فاسألُوه (٤).

стр. 737

وقال سفيانُ بن عُيَينةَ، عن عَمْرو بن دينارٍ، قال: أعطاني جابرُ بن زيدٍ صحيفةً فيها مسائلُ، فقال: سلْ عنها عكرمةَ. قال: فكأنِّي تبطَّأْتُ، قال: فانتزَعَها من يدِي، وقال: هذا عكرمةُ، هذا مولَى ابنِ عباسٍ، هذا أعلمُ الناس (١). وقال جريرٌ: عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: قيل لسعيدِ بن جبيرٍ: تعلَمُ أحدًا أعلمَ منك؟ قال: نعم، عكرمةُ. قال: فلمّا قُتِل سعيدُ بن جبيرٍ قال إبراهيم: ما خَلَف بعدَه مثلَه (٢). قال أبو عبد الله المروزيُّ: وحدَّثنا يحيى بن يحيى، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عُليّةَ، عن أيوبَ، قال: نُبّئتُ عن سعيدِ بن جبيرٍ أنّه قال: لو كَفَّ عنهم عكرمةُ من حديثه لشُدَّتْ إليه المطايا (٣). قال: وحدَّثنا إسحاقُ بن راهُويَة، قال: أخبرنا يحيَى بن ضُريسٍ، عن أبي سنانٍ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، قال: اجتمَع عندِي خمسةٌ لا يجتمِعُ عندي مثلُهم أبدًا: عطاءٌ، وطاوسٌ، ومجاهدٌ، وسعيدُ بن جبيرٍ، وعكرمةُ، فتذاكَروا التفسيرَ، فأقبَلَ مجاهدٌ وسعيدُ بن جبيرٍ على عكرمةَ يسألانِه عن التفسيرِ وهو يُجيبُهما (٤). قال: وحدَّثنا محمدُ بن عُبيدٍ، قال: حدَّثنا حمادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، قال: اجتمَع عكرمةُ وسعيدُ بن جُبيرٍ وطاوسٌ وعدَّةٌ من أصحابِ ابن عبّاسٍ، فكان عكرمةُ صاحبَ الحديث (٥).

стр. 738

قال: وأخبرنا محمدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سليمانُ بن حرب، قال: حدَّثنا حمادُ بن زيدٍ، قال: قال رجل لأيوبَ: أكانَ عكرمةُ يُتَّهَمُ؟ فسكَتَ هُنيهةً ثم قال: أمّا أنا فإنِّي لم أكنْ أتَّهِمُه (١). وبه عن أيوب، قال: قال عكرمةُ: أرأيتَ هؤلاء الذين يُكذِّبونَني مِن خَلْفي، أفلا يُكذِّبونني في وجهِي (٢)؟ قال: وحدَّثنا الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا مسلمُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا سلَّامُ بن مِسْكينٍ، قال: سمِعتُ قَتادةَ يقولُ: كان الحَسَنُ من أعلمِ الناس بالحلالِ والحرام، وكان عطاءٌ من أعلمِ الناس بالمناسكِ، وكان عكرمةُ من أعلمِ الناس بالتَّفسير (٣). قال: وحدَّثنا الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عبد الكريم الصنعانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الصمدِ بن مَعْقِل، أنَّ عكرمةَ قدِم على طاوسٍ اليمنَ، فحمَلَه طاوسٌ على نَجِيبٍ، وأعطاه ثمانينَ دينارًا، فقيلَ لطاوسٍ في ذلك، فقال: ألا أشتري علمَ ابن عباس لعبد الله بن طاوسٍ بنجيبٍ وثمانينَ دينارًا (٤)؟ وذكَر عباسٌ (٥)، عن يحيى بن مَعِين، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُضيْل، قال: حدَّثنا عثمانُ بن حَكيم، قال: جاءَ عكرمةُ إلى أبي أُمامةَ بن سهل وأنا جالسٌ، فقال: يا أبا أُمامةَ، أسمِعْتَ ابنَ عباسٍ يقولُ: ما حدَّثكم به عكرمةُ فصدِّقوه، فإنّه لم يكذِبْ عليَّ؟ قال: نعم.

стр. 739

وقد رَوَيْنا أنّ عبدَ الله بنَ عباسٍ قال له: اخرُجْ يا عكرمةُ فأَفْتِ الناسَ، ومَن سأَلك عمّا لا يعنِيه فلا تُفْتِه، فإنَّك تطرَحُ عن نفسِك ثُلُثيْ مُؤنةِ الناس (١). قال عباسٌ (٢): قال يحيى بن معينٍ: مات ابنُ عباسٍ وعكرمةُ عبدٌ، فباعه عليّ بن عبد الله، فقيل له: تبيعُ علمَ أبيك؟ فاسترْجَعَهُ. وقال عثمانُ بن سعيد السِّجِسْتانيُّ (٣): قلتُ ليحيى بن مَعِينٍ: عكرمةُ أحبُّ إليك أو سعيدُ بن جُبَير؟ فقال: ثقة وثقة. قلتُ: فعكرمةُ أو عُبيدُ الله بن عبدِ الله؛ فقال: كلاهما. ولم يُخَيّر (٤). وقال أبو الحسن أحمدُ بن عبدِ الله بن صالح الكوفيُّ (٥): عكرمةُ مولَى ابن عباسٍ ثقة، وهو بريءٌ مما رماه الناسُ به من الحَرُوريةِ. وذكَر عيسى بن مِسْكين، عن محمد بن الحجاج بن رِشْدين، عن أحمدَ بن صالح المِصْريِّ، قال: عكرمةُ مولَى ابن عباسٍ بَرْبَريٌّ من المغرب. وقال أبو العَرَب: سمِعتُ قُدامةَ بنَ محمدٍ يقولُ: كان خُلفاءُ بني أميَّةَ يُرسِلونَ إلى المغرب يطلُبونَ جُلودَ الخرفانِ التي لم تُولدْ بعدُ، العَسَليّة. قال: فربَّما ذُبحَتِ المئةُ شاةٍ فلا يُوجدُ في بطنِها إلّا واحدٌ عَسَليٍّ، كانوا يتَّخذونَ منها الفِراءَ، فكان عكرمةُ يستعظمُ ذلك ويقولُ: هذا كُفرٌ، هذا شرك. فأخَذ ذلك عنه الصُّفريَّةُ والإباضيَّةُ، فكفَّروا الناسَ بالذُّنوب.

стр. 740

قال أبو عُمر: لهذا كان سحْنونٌ يقولُ: يزعُمون أنَّ عكرمةَ مولَى ابن عباسٍ أضلَّ المغربَ. قال أبو عُمر: نزَل عكرمةُ مولَى ابنِ عباسٍ المغربَ، ومكَث بالقيروانِ بُرهةً، ومن الناس مَنْ يقولُ: إنّه مات بها. والصحيحُ أنّه مات بالمدينة هو وكثيِّرُ عزَّةَ الشاعرُ في يومٍ واحد (١). ذكَر ابنُ أبي مريمَ، عن ابنِ (٢) لَهِيعةَ، عن أبي الأسود، قال: أنا مدَحْتُ المغربَ لعكرمةَ مولَى ابن عباسٍ، ذكَرْتُ له حالَ أهلِها، فخرجَ إلى المغربِ فمات بها (٣). قال أبو عبدِ الله المَرْوزيُّ: قد أجمَع عامّةُ أهلِ العلمِ على الاحتجاجِ بحديثِ عكرمةَ، واتَّفقَ على ذلك رُؤساءُ أهلِ العلمِ بالحديثِ من أهلِ عصرِنا؛ منهم: أحمدُ بن حنبلٍ، وإسحاقُ بن راهُويَة، وأبو ثورٍ، ويحيَى بن مَعِينٍ، ولقد سألتُ إسحاقَ بنَ راهُويَة عن الاحتجاج بحديثِه، فقال لي: عكرمةُ عندنا إمامُ الدُّنيا، وتعجَّبَ من سُؤالي إيّاه. قال: وأخبَرني غيرُ واحدٍ أنّهم شهِدوا يحيى بنَ معينٍ وسأله بعضُ الناسِ عن الاحتجاج بحديثِ عكرمةَ فأظهَر التَّعجُّبَ. قال المروزيُّ: وعكرمةُ قد ثبتَتْ عدالتُه بصحبةِ ابن عباسٍ وملازمتِه إيّاه، وبأنّ غيرَ واحدٍ من أهلِ العلمِ روَوا عنه وعدَّلوه، وما زالَ أهلُ العلمِ بعدَهم يروُون عنه. قال: وممّن روَى عنه من جِلَّةِ التابعينَ: محمدُ بن سيرينَ، وجابرُ بن زيدٍ، وطاوسٌ، والزهريُّ، وعَمرُو بن دينارٍ، ويحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ، وغيرُهم.

стр. 741

قال أبو عبد الله المَرْوزيُّ: وكلُّ رجلٍ ثبتَتْ عدالتُه بروايةِ أهلِ العلمِ عنه، وحملِهم حديثَه، فلن يُقبلَ فيه تجريحُ أحدٍ جرَّحَه حتى يثبُتَ ذلك عليه بأمرٍ لا يُجهلُ أنْ يكونَ جُرحةً، فأمّا قولُهم: فلانٌ كذَّاب فليسَ ممّا يثبُتُ به جرحٌ حتى يتبيَّنَ ما قاله. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيُّوبَ الرَّقِّيُّ، قال: سمِعتُ أبا بكرٍ أحمدَ بنَ عَمْرو البزَّارَ يقولُ: روَى عن عكرمةَ مئةٌ وثلاثونَ - أو قال: قريبٌ من مئةٍ وثلاثينَ - رجلًا، من وُجُوهِ البُلدان، بينَ مكِّيٍّ، ومدنيٍّ، وكوفيٍّ، وبَصْريٍّ، ومن سائرِ البُلدانِ، كلُّهم روَى عنه، ورضِيَ به (١). قال أبو عُمر: جماعةُ الفقهاءِ وأئمَّةُ الحديثِ الذين لهم بصرٌ بالفقهِ والنَّظرِ هذا قولهُم؛ أنّه لا يُقبلُ من ابن مَعِينٍ ولا من غيرِه فيمَن اشتُهِر بالعلمِ وعُرِفَ به، وصحَّتْ عدالتُه وفهمُه، إلّا أن يُتبيَّنَ الوجْهُ الذي يُجَرِّحُه به على حسَبِ ما يجوزُ من تجريح العدلِ المبرَّزِ العدالةِ في الشَّهاداتِ. وهذا الذي لا يَصحُّ أن يُعتقدَ غيرُه، ولا يَحِلُّ أن يُلتفَتَ إلى ما خالفَه. وقد ذكَرنا بيانَ ذلك في بابِ قولِ العلماءِ بعضِهم في بعضٍ من كتابِنا "كتابِ العلم" (٢)، فأغنَى ذلك عن إعادتِه هاهنا، وبالله توفيقُنا. وذكَر الزُّبيرُ، قال: حدَّثني عمِّي مُصعبٌ، قال: حدَّثني الواقديُّ، قال: حدَّثني خالدُ بن القاسم البَيَاضيُّ، قال: ماتَ عكرِمةُ مولَى ابن عباسٍ وكُثيِّرُ بن عبد الرحمن الخُزاعيُّ صاحبُ عَزَّةَ في يومٍ واحد، في سنة خمسٍ ومئة، فرأيتُهما

стр. 742

جميعًا صُلِّي عليهما بعدَ الظُّهرِ في مسجدِ الجنائز، فقال الناسُ: مات اليومَ أفقَهُ الناسِ وأشعرُ الناس (١). وقال المُفضَّلُ بن فَضَالةَ: ماتَ عكرمةُ وكُثَيِّرُ عَزَّةَ في يومٍ واحد، فأُخرِجَ جَنازتاهما، فما علِمتُه تخلَّفَ رجلٌ ولا امرأةٌ بالمدينةِ عن جَنازَتيهما. قال: وقيل: مات اليومَ أعلمُ الناس وأشعرُ الناس. قال: وغلَب النّساءُ على جَنازة كُثيِّرٍ يَبكِينَه ويَذْكُرْنَ عَزَّةَ في نُدبتهِنَّ إيَّاه. وهذا الحديثُ صحيحٌ لعكرمةَ، عن ابن عباسٍ. حدَّثنا أبو عبد الله محمدُ بن إبراهيمَ بن سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (٢): حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ. (ح) وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ؛ قالا جميعًا: حدَّثنا أبو الأحوص، قال: حدَّثنا سِمَاكٌ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تصوموا قبلَ رمضانَ، صوموا للرُّؤيةِ، وأفطِروا للرُّؤيةِ، فإنْ حالَتْ دُونَه غَيايةٌ (٣) فأكمِلوا ثلاثين". ورواه شعبةُ (٤)، وأبو عَوَانة (٥)، وحاتمُ بن أبي صَغيرةَ (٦)، عن سمَاكٍ مثلَه.

стр. 743

أخبرنا عبدُ الله بن محمد بن عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد بن أحمدَ الورَّاقُ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بن داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن بكرٍ السَّهميُّ. (ح) وأخبرنا عبدُ الله بن محمد بن أَسَدٍ الجُهَنيُّ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (١): أخبَرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أخبرَنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ، قالا جميعًا: حدَّثنا حاتمُ بن أبي صغيرةَ، عن سِمَاك، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "صوموا لرؤيتِه، وأَفْطِروا لرؤيتِه، فإنْ حال بينَكم وبينَه سَحابةٌ أو غَيايةٌ فأكمِلوا العِدَّةَ، ولا تستقبِلوا الشَّهرَ استِقبالًا، لا تستقبِلوا رمضانَ بيومٍ من شعبان" (٢). اللَّفظُ لحديثِ ابنِ عبدِ المؤمن. وقرَأْتُ على أحمدَ بن قاسم التَّميميِّ، أنّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا الحارثُ بن أبي أُسامة، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن بكرٍ، قال: حدَّثنا حاتمٌ، عن سِماكٍ، قال: دخَلتُ على عكرمةَ في يومٍ وقد أشْكَلَ عليَّ أمرُه، أمِن رمضانَ هو أم من شعبانَ، فأصبَحتُ صائمًا، وقلتُ: إن كان من رمضانَ لم يسبِقْني، وإن كان من شعبانَ كان تطوُّعًا. فدخَلتُ على عكرمةَ وهو يأكُلُ خُبزًا وبَقْلًا ولبَنًا، فقال: هَلُمَّ إلى الغداء. فقلتُ: إنِّي صائمٌ. فقال: أحلِفُ عليكَ لَتُفطِرَنَّه. فقلتُ: سبحانَ الله! فقال: أحلِفُ بالله لتفطِرَنَّه. قال: فلمّا رأيتُه لا يستثني أفطرْتُ، فعذَّرْتُ (٣) لبعض الشيءِ وأنا شبعانُ، ثم قلتُ: هاتِ. فقال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ

стр. 744

يقولُ: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "صوموا لرؤيتِه، وأفطِروا لرؤيتِه، فإنْ حال بينَكم وبينَه سحابةٌ أو غَيايةٌ فكمِّلوا العِدَّةَ، ولا تستقبِلوا الشَّهرَ استقبالًا، لا تستقبِلوا رمضانَ بيومٍ من شعبانَ" (١). وروَى هذا الحديثَ حمَّادُ بن سَلَمةَ، عن عَمْرو بن دينار، عن ابن عباس. ولم يسمَعْه عَمْرٌو من ابن عباس، وإنّما يروِيه عَمْرُو بن دينار، عن محمدِ بن حُنَيْن، عن ابن عباس، عن النبيِّ ﵇ مثلَه (٢). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ وأحمدُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بن أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا زكريّا بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عَمْرُو بن دينار، أنّ محمدَ بنَ حُنَيْن (٣) أخبرَه، أنّه سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: إنِّي لأعجَبُ من هؤلاء الذين يصومون قبلَ رمضانَ، إنّما قال رسولُ الله ﷺ : "إذا رأيتُم الهلالَ فصوموا، وإذا رأيتُموه فأَفْطِروا، فإن غُمَّ عليكم فعُدُّوا ثلاثين" (٤).

стр. 745

أمّا قولُه ﷺ في هذا الحديث إذ ذكَر رمضانَ: "لا تصوموا حتى تروا الهلالَ"، فالصّيامُ لاسمِه معنيان: أحدُهما لُغويٌّ، والآخرُ شرعيٌّ تعبَّدَ الله به عبادَه. فأمَّا معنَى الصيامِ في اللُّغة، فمعناه الإمساكُ عمّا كان يصنعُه الإنسانُ من حركةٍ، أو كلام، أو أكل، أو شُرب، أو مشي، ونحو ذلك من سائر الحركات، فإذا أمسَكَ عمَّا كان يصنَعُه سُمِّي صائمًا في اللغة، وليس ذلك معنى الصِّيامِ المأمورِ به المسلمون في القرآنِ والسُّنَّة. والدَّليلُ على أنَّ الإمساكَ يُسمَّى صومًا قولُ الله حاكيًا عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]، أي: إمساكًا عن الكلام. وقال المفسِّرونَ: أي: صمتًا. وتقولُ العربُ: خيلٌ صائمةٌ: إذا كانت واقفةً دونَ أكلٍ ولا رعي. قال النابغةُ (١): خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ ... تحت العَجَاج وخيلٌ تعلُكُ اللَّجُما يقولُ: خيلٌ مُمسكةٌ عن الأكل، وخيلٌ آكلةٌ. وقال امرُؤُ القيس (٢): فدعْها وسلِّ الهَمَّ عنك بجسرةٍ ... ذَمولٍ إذا صامَ النهارُ وهجَّرا (٣) ومعناه: إذا أمسكَتِ الشمسُ عن الجري، واستوَتْ في كبدِ السَّماءِ.

стр. 746

وقال بِشْرُ بن أبي خازم (١): نعامًا بوجرةَ (٢) صُفْرَ الخُدو ... دِ ما تطعَمُ النومَ إلّا صياما وأمّا الصِّيامُ في الشَّريعة، فالإمساكُ عن الأكلِ والشُّرب والجماع من اطِّلاع الفجرِ إلى غروبِ الشمس. وفرائضُ الصَّوم خمسٌ، وهي: العلمُ بدخولِ الشهرِ، والنِّيّةُ، والإمساكُ عن الطَّعام والشَّرابِ والجماع، واستغراقُ طرفَي النَّهارِ المفترَضِ صيامُه. وسننُ الصِّيام: ألّا يَرفُثَ الصائمُ، ولا يغتابَ أحدًا. وسنذكُرُ ذلك في موضعِه إن شاء الله. وأمّا قولُه: "فإن غُمَّ عليكم". فذلك من الغيمِ والغمامِ، وهو السَّحابُ، يقالُ منه: يومٌ غَمٌ، وليلةٌ غَمَّةٌ. وذلك أن تكونَ السماءُ مُغيمةً. وفي الآثارِ المذكورةِ في هذا البابِ ما يُوضِّحُ لك ذلك، والحمدُ لله. وروَى هذا الحديثَ عن النبيِّ ﷺ كما رواه ابنُ عباس: أبو هريرة؛ من حديث أبي سلمةَ عنه (٣)، ومن حديث محمدِ بن زيادٍ عنه (٤)، ومن حديثِ سعيد بن المسيِّب عنه (٥)، ومن الأعرجِ عنه (٦)، وحذيفةُ بن اليمان؛ من روايةِ جريرٍ، عن منصورٍ، عن رِبعيٍّ، عن حذيفة (٧). ورواه ابنُ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه، إلّا أنّه

стр. 747

قال: "فإن غُمَّ عليكم فاقْدُروا له" (١). وحديثُ ابن عباسٍ يفسِّرُ حديثَ ابن عمرَ في قوله: "فاقْدُروا له". وكذلك جعَله مالكٌ في كتابِه بعدَه مفسِّرًا له. وقد كان ابنُ عمرَ يذهَبُ في قولِه: "فاقْدُروا له" مذهبًا سنذكُرُه عنه في باب حديث نافع من كتابِنا هذا إن شاء الله، ونذكُرُ مَن تابعَه على تأويلِه ذلك ومَن خالفَه فيه، ونذكُرُ هنا كثيرًا من معاني هذا الباب إن شاء الله، ولا قوَّةَ إلّا بالله. وفي حديثِ ابن عباسٍ هذا من الفقهِ أنّ الشهرَ قد يكونُ تسعًا وعشرينَ. وفيه أنّ اللهَ تعبَّد عبادَه في الصَّومِ برؤيةِ الهلالِ لرمضانَ، أو باستكمالِ شعبانَ ثلاثينَ يومًا. وفيه تأويلٌ لقول الله : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أنّ شهودَه: رؤيتُه أو العلمُ برؤيتِه. وفيه أنّ اليقينَ لا يُزيلُه الشَّكُّ، ولا يُزيلُه إلّا يقينٌ مثلُه؛ لأنّه ﷺ أمَر الناسَ ألّا يَدَعُوا ما هم عليه من يقينِ شعبانَ إلّا بيقينِ رُؤيةٍ واستكمالِ العدَّةِ، وأنَّ الشكَّ لا يعمَلُ في ذلك شيئًا، ولهذا نهى عن صومِ يومِ الشكِّ اطِّراحًا لإعمالِ الشكِّ، وإعلامًا أنّ الأحكامَ لا تجبُ إلّا بيقينٍ لا شكَّ فيه. وهذا أصلٌ عظيمٌ من الفقْه؛ ألّا يدَعَ الإنسانُ ما هو عليه من الحالِ المتيقَّنةِ إلّا بيقينٍ من انتقالِها. وقوله ﷺ : "فإن غُمَّ عليكم، فأكمِلوا العِدَّةَ (٢) ثلاثينَ يومًا". يقتضي استكمالَ شعبانَ قبلَ الصِّيام، واستكمالَ رمضانَ أيضًا. وفيه دليلٌ على أنّه لا يجوزُ صيامُ يومِ الشكِّ خوفًا أن يكونَ من رمضانَ. وقد ذكَرنا في باب نافع، عن ابن عمرَ، من كتابِنا

стр. 748

هذا اختلافَ الفقهاءِ في صيامِ يومِ الشكِّ على أنّه من رمضانَ، بأتمَّ من ذِكْرِ ذلك هاهنا، لأنّ ذلك الموضعَ أولى به؛ لقول النبيِّ ﷺ في حديث ابن عمر: "فاقدُروا له". واختلف العلماءُ في صومِ آخرِ يومٍ من شعبانَ تطوُّعًا؛ فأجازَه مالكٌ وأصحابُه، والشافعيُّ وأصحابُه، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، وأكثرُ الفقهاء، إذا كان تطوُّعًا ولم يكنْ خوفًا ولا احتياطًا أن يكونَ من رمضانَ، ولا يجوزُ عندَهم صومُه على الشَّكِّ. قال مالكٌ: إن تُيقِّنَ أنّه من شعبانَ جاز صومُه تطوُّعًا. وهو قولُ الشافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُصامُ يومُ الشكِّ إلّا تطوُّعًا. وقال الثوريُّ: لا يُتلوَّمُ (١) يومُ الشكِّ، ولا يصومُ أحدٌ يومَ الشَّكِّ. وسيأتي القولُ فيمن صامَه على الشَّكِّ؛ هل يُجزئُه من رمضانَ؟ عند قوله: "فاقْدُروا له" في باب نافعٍ، إن شاء الله. وقال بعضُ أهل العلم من أهل الحديث: إنّه لا يجوزُ صيامُ يومين قبلَ رمضانَ من آخر شعبانَ، إلّا لمن كان له عادةُ صيام شعبانَ. واحتجُّوا بحديثِ النبيِّ ﷺ : "لا يَتَقَدَّم أحدُكم رمضانَ بيومٍ ولا يومين، إلّا أن يكونَ صومًا كان يصومُه أحدُكم، فليُتِمَّ صومَه". رواه يحيى بن أبي كثيرٍ (٢) ومحمدُ بن عمرٍو (٣)، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ . قالوا: وفي قوله: "ولا يومين" دليلٌ على أن ذلك تطوُّعٌ؛ لأنّه لا يجوزُ أن يكونَ الشكُّ في يومين.

стр. 749

قال أبو عُمر: زعم بعضُ أصحابِنا أنَّ - في صومِ رسولِ الله ﷺ شعبانَ تطوُّعًا - دليلًا على أنَّ نهيَه عن صومِ يومِ الشَّكِّ إنّما هو على الخوفِ أنْ يكونَ من رمضانَ، وأنّ هذا هو المكروهُ. حدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو (١) صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ بن صالح، أنّ عبدَ الله بنَ قيسٍ حدَّثَه، أنّه سمع عائشةَ تقولُ: كان رسولُ الله ﷺ يصومُ شعبانَ ويصِلُه برمضانَ (٢). وروَى سالمُ بن أبي الجعد، عن أبي سَلَمةَ، عن أُمِّ سلمةَ، عن النبيِّ ﷺ أنّه كان يصومُ شعبانَ ويصِلُه برمضان (٣). رواه عن سالمٍ جماعةٌ لم يختلفوا عليه. وروَى يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ، أنّ رسولَ الله ﷺ كان يصومُ شعبانَ كلَّه (٤). قال: وهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على أنّ رسولَ الله ﷺ إنّما كان يصومُ يومَ الشَّكِّ تطوُّعًا، لا خوفًا أن يكونَ من رمضان.

стр. 750

قال أبو عُمر: ليس في صيامِه لشعبان تطوُّعًا دفعٌ لما تأوَّلَه أولئكَ في النَّهي عن صوم يوم الشَّكِّ تطوُّعًا؛ لأنّ في الحديث: "إلّا أن يكونَ في صومٍ يصومُه". وفي ذلك دلالةٌ على أنّ النَّهيَ عن تقدُّمِ رمضانَ بيومٍ أو يومين إنّما هو على ذلك الوجه، والله أعلمُ. وأمّا قولُه ﷺ : "صوموا لرؤيته" فمعناه: صوموا اليومَ الذي يَلِي ليلةَ رُؤيتِه مِن أوّلِه، ولم يُردْ: صُوموا من وقتِ رُؤيتِه؛ لأنّ الليلَ ليس بموضع صيام، وإذا رُئيَ الهلالُ نهارًا فإنّما هو للَّيلة التي تأتي، هذا هو الصحيحُ إن شاء الله. وقد اختلفَتِ الروايةُ في هذه المسألة عن عمرَ ﵁؛ ذكَر عبدُ الرزاق (١)، عن معمرٍ، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، قال: كتَب إلينا عمرُ ونحن بخانِقين (٢): إذا رأيتُم الهلالَ نهارًا فلا تُفطِروا حتى يشهَدَ رجلان أنّهما رأياه بالأمس. ففي هذا الخبر عن عمرَ اعتبارُ شهادةِ رجلين على رُؤية الهلال، ولم يخُصَّ عشيًّا من غير عشّى. وقد ذكَرنا مسألةَ الشَّهادة على الهلال في باب نافع. حدَّثنا أحمدُ بن قاسمٍ المقرئُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمدِ بنِ حَبَابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبد العزيزِ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن الجَعْد، قال (٣): حدَّثنا زُهيرُ بن مُعاوية، عن الأعمش، عن شَقِيق بن سَلَمة، قال: كتَب إلينا عمرُ بن الخطاب ونحن بخانِقينَ: إنّ الأهِلَّة بعضُها أكبرُ من بعض، فإذا رأيتُم الهلالَ نهارًا فلا تُفطِروا حتى يشهَدَ عَدْلانِ أنّهما رَأَياه بالأمس (٤).

стр. 751

ورُوِيَ عن علي بن أبي طالبٍ مثلُ ذلك؛ ذكَره عبدُ الرَّزَّاق (١)، عن الحسن بن عُمارةَ، عن الحكم، عن يحيى بن الجَزّار، عن عليٍّ. وقد رُويَ من حديثِ أبي إسحاق، عن الحارثِ (٢)، أنّ هلالَ الفِطرِ رُئيَ نهارًا، فلم يأمُرْ عليُّ بن أبي طالب الناسَ أن يُفطِروا من يومِهم ذلك. وروَى الزهريُّ، عن سالمٍ، عن ابن عمر، قال: لا تُفطِروا حتى يُرَى من موضعِه (٣). وعن ابن مسعودٍ وأنسِ بن مالكٍ مثلُ ذلك (٤). وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةِ، ومحمدِ بن الحسن، واللَّيث بن سعدٍ، والأوزاعيِّ، وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ. كلُّ هؤلاء يقولُ: إذا رُئيَ الهلالُ نهارًا قبلَ الزوالِ، أو بعدَ الزوالِ، فهو للَّيلةِ المستقبَلةِ. وقال سفيانُ الثوريُّ وأبو يوسُفَ: إن رُئيَ بعدَ الزوال فهو للَّيلةِ التي تأتي، وإن رُئيَ قبلَ الزوالِ فهو للَّيلةِ الماضية. ورُوِي مثلُ ذلك عن عمرَ (٥)؛ ذكَر عبدُ الرَّزَّاق (٦) وغيرُه، عن الثوريِّ، عن مغيرةَ، عن شِبَاكٍ (٧)، عن إبراهيمَ، قال: كتَبَ عمرُ إلى عُتبةَ بن فَرقَدٍ:

стр. 752

إذا رأيتُم الهلالَ نهارًا قبلَ أنْ تزولَ الشمسُ لتمامِ ثلاثين فأفْطِروا، وإذا رأيتُموه بعدَما تزولُ الشمسُ فلا تُفطِروا حتى تُمْسوا. وذكَر أبو بكر بن أبي شيبة (١)، عن أسباطِ بن محمدٍ، عن مُطرِّفٍ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ مثلَ ذلك. ولا يصحُّ في هذه المسألة من جهةِ الإسنادِ شيءٌ عن عليٍّ ﵀. ورُوِيَ عن سلمانَ بن ربيعة (٢) مثلُ قولِ الثوريِّ. وإليه ذهَب عبدُ الملك بن حَبِيبٍ. واختُلف عن عمرَ بن عبد العزيز في هذه المسألة؛ فرُوِي عنه ما يدُلُّ على الوجهينِ جميعًا. والحديثُ عن عمرَ - بمعنَى ما ذهَب إليه مالكٌ والشافعيُّ وأبو حنيفةَ ومَن تابعَهم - متَّصلٌ، والحديثُ الذي رُوي عنه بمذهبِ الثوريِّ وأبي يوسُفَ منقطعٌ، والمصيرُ إلى المتَّصل أولَى، وعليه أكثرُ العلماء. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضَّاح، قال: حدَّثنا هشامُ بن خالد، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مسلم، قال: سألتُ مالكًا والليثَ والأوزاعيَّ عن الهلالِ يُرَى من أوَّلِ النهارِ، فقالوا: هو للَّيلةِ التي تجيءُ. قال الأوزاعيُّ: وكتَب بذلك عمرُ بن الخطاب. وأمّا قولُه ﷺ : "ولا تُفطِروا حتى تروُا الهلالَ" ففيه ردٌّ لتأويلِ مَن تأوَّل قولَه ﷺ : "شَهْرا عيدٍ لا يَنقُصان؛ رمضانُ وذُو الحِجّة" أنّهما لا يَنقُصان من ثلاثينَ
следующие страницы →