← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6873–6912 · переход к 6878.

стр. 6873

حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابن وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا وكِيعٌ، عن سُفيانَ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن قَبِيصةَ بن هُلْب، عن أبيهِ، قال: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ واضِعًا يمِينهُ على شمالِهِ في الصَّلاةِ. قال (٢): وحدَّثنا ابن إدرِيس، عن عاصِم بن كلَيبٍ، عن أبيهِ، عن وائلِ بن حُجْرِ، قال: رأيتُ رسُول اللَّه ﷺ حِينَ كبَّرَ، أخذَ شِمالهُ بيمِينِهِ. قال (٣): وحدَّثنا وكِيعٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن الأعْمَشِ، عن مُجاهِدٍ، عن مُوَرِّقٍ (٤)، عن أبي الدَّرداءِ، قال: من أخلاقِ النَّبيين وَضْعُ اليمينِ على الشِّمالِ في الصَّلاةِ. قال أبو عُمر: لم تختلِفِ الآثارُ عن النَّبيِّ ﷺ في هذا البابِ، ولا أعلمُ عن أحَدٍ من الصَّحابةِ في ذلك خِلافًا، إلّا شيء رُوِي عن ابن الزُّبيرِ: أنَّهُ كان يُرسِلُ يَدَيهِ إذا صلَّى (٥). وقد رُوِي عنهُ خِلافُهُ مما قدَّمنا ذِكرهُ عنهُ، وذلك قولُهُ (٦): وضعُ اليمِينِ على الشِّمالِ، من السُّنَّةِ (٧).

стр. 6874

وعلى هذا جُمهُورُ (١) التّابِعِينَ، وأكثرُ فُقهاءِ المُسلِمِينَ من أهلِ الرَّأيِ والأثرِ. فأمّا اختِلافُ الفُقَهاءِ في هذا البابِ، فذهَبَ مالكٌ، في رِوايةِ ابن القاسم عنهُ، واللَّيثُ بن سعدٍ إلى سَدْلِ اليَدَينِ في الصَّلاةِ. قال مالكٌ (٢): وَضْعُ اليَدَينِ إحداهُما على الأُخْرَى في الصَّلاةِ إنَّما يُفعلُ ذلك في النَّوافِلِ، من طُولِ القِيام. قال: وتركُهُ أحبُّ إليَّ. هذه رِوايةُ ابن القاسم عنهُ. وقال عنه غير ابن القاسم: لا بأسَ بذلك في الفَرِيضةِ والنّافِلةِ. وهي رِوايةُ المدنِيِّين عنهُ. وقال اللَّيثُ: سدلُ اليَدينِ في الصَّلاةِ أحبُّ إليَّ، إلّا أن يُطِيلَ القِيامَ فيَعيا، فلا بأسَ أن يضعَ اليُمنى على اليُسْرَى (٣). وقال عبدُ الرَّزّاقِ (٤): رأيتُ ابن جُريج يُصلِّي في إزارٍ ورِداءٍ مُسْدِلًا (٥) يدَيهِ. وقال الأوزاعِيُّ: من شاءَ فعلَ، ومن شاءَ تركَ. وهُو قولُ عطاءٍ (٦). وقال سُفيانُ الثَّورِيُّ وأبو حنِيفةَ والشّافِعيُّ وأصحابُهُم والحُسنُ بن صالح وأحمدُ بن حنبل وإسحاقُ وأبو ثورٍ وأبو عُبيدٍ وداودُ بن عليٍّ والطَّبرِيُّ: يضعُ المُصلِّي يَمِينهُ على شِمالِهِ في الفرِيضةِ والنّافِلةِ. وقالوا كلُّهُم: وذلك سُنَّةٌ مَسْنُونةٌ.

стр. 6875

قال الشّافِعيُّ: عِندَ الصَّدرِ (١). ورُوِي عن عليِّ بن أبي طالِبٍ: أنَّهُ وضعهُما على صدرِهِ (٢). وعن طاوُوسٍ، قال: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يَضعُ يدهُ اليُمنى على يَدِهِ اليُسرى، ثُمَّ يشُدُّهُما على صَدْرِهِ وهُو في الصَّلاةِ (٣). وقال الثَّورِيُّ وأبو حنِيفةَ وإسحاقُ: أسفل السُّرَّةِ (٤). ورُوِي ذلك عن عليٍّ (٥)، وأبي هريرةَ، والنَّخعِيِّ. ولا يثبُتُ ذلك عنهُم. وهُو قولُ أبي مِجْلَزٍ (٦). قال: وقال أحمدُ بن حنبلٍ: فوق السُّرَّةِ. وهُو قولُ سَعِيدِ بن جُبيرٍ (٧). قال أحمدُ بن حنبلٍ: وإن كانت تحتَ السُّرَّةِ، فلا بأس به. قال أبو عُمر: قد ذكَرْنا أنَّ الصَّحابةَ لم يُروَ عن أحَدٍ منهُم في هذا البابِ خِلافٌ، لما جاءَ عن النَّبيِّ ﷺ فيه. ورُوِي عن الحسنِ وإبراهيمَ: أنَّهُما كانا يُرسِلانِ أيَدِيهُما في الصَّلاةِ (٨). وليسَ هذا بخِلافٍ؛ لأنَّ الخِلافَ كراهيةُ ذلك، وقد يُرسِلُ العالِمُ يديهِ، ليُرِي النّاس أنّ ذلك ليسَ بحَتْم واجِبٍ.

стр. 6876

وقد ذكرَ ابن أبي شيبةَ (١)، عن جرِيرٍ، عن مُغِيرةَ، عن أبي معشرٍ، عن إبراهيم، قال: لا بأس أن تضع اليُمنى على اليُسرى في الصَّلاةِ. وذكرَ (٢) عن عُمر بن هارون، عن عبدِ اللَّه بن يزِيد، قال: ما رأيتُ سعِيد بن المُسيِّبِ قابِضًا يمِينهُ على شمالِهِ في الصَّلاةِ، كان يُرسِلُهُما. وهذا أيضًا يحتمِلُ ما ذكرنا. وذكرَ (٣)، عن يحيى بن سعِيدِ، عن عُبيدِ (٤) اللَّه بن العَيْزارِ، قال: كُنتُ أطُوفُ مع سَعِيدِ بن جُبيرٍ، فرأى رجُلًا يُصلِّي واضِعًا إحْدَى يديهِ على الأُخرى، هذه على هذه، وهذه على هذه، فذهَبَ ففرَّق بينهُما، ثُمَّ جاءَ. وهذا يحتمِلُ أن يكونَ رأى يُسرى يَديهِ على يَمِينِهِ، فانْتَزعها على نحوِ ما رُوِي عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ صَنَعهُ بابنِ مَسعُودٍ (٥). وقد رُوِي عن سعِيدِ بن جُبيرٍ ما يُصحِّحُ هذا التَّأوِيل؛ لأنَّهُ ثبتَ عنهُ: أنَّهُ كان يضعُ يَدهُ اليُمنى على اليُسرى في صلاتِهِ، فوقَ السُّرَّةِ. فهذا ما رُوِي عن بعضِ التّابِعِين في هذا البابِ وليسَ بخِلافٍ؛ لأنَّهُ لا يَثبُتُ عن أحدٍ منهُم كَراهيةٌ، ولو ثبتَ ذلك، ما كانت فيه حُجَّةٌ، لأنَّ الحُجَّةَ في السُّنَّةِ لمنِ اتَّبعها، ومن خالَفَها فهُو محجُوجٌ بها، ولا سِيَّما سُنَّةٌ لم يثبُت عن واحدٍ من الصَّحابةِ خِلافُها.

стр. 6877

ذكرَ أبو بكر بن أبي شيبةَ (١)، عن يحيى بن سَعِيدٍ القطّانِ، عن ثورِ بن يزِيد، عن خالدِ بن مَعْدان، عن أبي زِيادٍ مولى آلِ درّاج، قال: ما رأيتُ فنسِيتُ، فإنِّي لم أنسَ أنَّ أبا بكرٍ ﵁ كان إذا قامَ إلى الصَّلاةِ قال هكذا، ووضَعَ اليُمنى على اليُسرى. قال (٢): وحدَّثنا وكِيعٌ، قال: حدَّثنا عبدُ السَّلام بن شدّادٍ الجُرَيْري (٣) أبو طالُوت، عن غَزْوان بن جرِيرٍ الضَّبِّيِّ، عن أبيهِ، قال: كان عليٌّ إذا قامَ في الصَّلاةِ، وضعَ يمِينهُ على رُسغِهِ، فلا يزالُ كذلك حتّى يركعَ مَتَى ما ركعَ، إلّا أن يُصلِح ثوبهُ، أو يحُكَّ جسدهُ. قال (٤): وحدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن إسحاقَ، عن زِيادِ بن زيدٍ (٥) السُّوائيِّ، عن أبي جُحيفةَ، عن عليٍّ، قال: من سُنَّة الصَّلاة وضعُ الأيدِي على الأيدِي تحتَ السُّرَرِ. قال (٦): وحدَّثنا عبدُ الأعلى، عن المُستمِرِّ بن الرَّيّانِ، عن أبي الجَوْزاءِ: أنَّهُ كان يأمُرُ أصحابهُ أن يضَعَ أحدُهُم يَدهُ اليُمنى على اليُسْرَى وهُو يُصلِّي.

стр. 6878

قال (١): وحدَّثنا وكِيعٌ، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن زِياد بن أبي الجَعْدِ، عن عاصِم الجَحْدرِيِّ، عن عُقبةَ بن ظُهَيرٍ، عن عليٍّ، في قوَلِهِ : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] قال: وضعُ اليَمِينِ على الشِّمالِ في الصَّلاةِ. ورواهُ حمّادُ بن سَلَمةَ، عن عاصِم الجَحْدرِيِّ، عن عُقبةَ بن صُهبانَ، عن عليٍّ مِثلَهُ سواءً (٢). ذكرَ الأثرمُ، قال: حدَّثنا أبو الولِيدِ الطَّيالِسِيُّ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن عاصِم الجحدرِيِّ، عن عُقبةَ بن صُهبانَ، سمِع عليًّا يقولُ، في قولِ اللَّه : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: وضعُ اليُمنَى على اليُسرى تحت الثَّندُوة. قال: وحدَّثنا العبّاسُ بن الولِيدِ، قال: حدَّثنا أبو رجاءٍ الكليبيُّ (٣)، قال: حدَّثني عَمرُو بن مالكٍ، عن أبي الجَوْزاءِ، عن عبدِ اللَّه بن عبّاسٍ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: وضعُ اليُمنى على الشِّمالِ في الصَّلاةِ (٤). ورَوَى طلحةُ بن عَمرٍو، عن عَطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، أنَّهُ قال: إنَّ من سُننِ المُرسلِينَ وضعَ اليَمِينِ على الشِّمالِ، وتَعجِيلَ الفِطرِ، والاسْتِيناءَ بالسُّحُورِ (٥).

стр. 6879

وأكثرُ أحادِيثِ هذا البابِ في وَضْع اليَدِ على اليَدِ، ليِّنةٌ لا تقُومُ بها حُجَّةٌ، أعني الأحادِيثَ عن التّابِعِينَ في ذلك. وقد قدَّمنا في أوَّلِ هذا البابِ آثارًا صِحاحًا مرفُوعةً، والحمدُ للَّه. أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن إسحاقَ الكُوفِيِّ، عن سيّارٍ أبي الحَكَم، عن أبي وائل، عن أبي هريرةَ، قال: أخذُ الأكُفِّ على الأكُفِّ في الصَّلاةِ تحتَ السُّرَّةِ. قال أبو داود: سمِعتُ أحمد بن حنبلٍ يُضعِّفُ عبد الرحمنِ بن إسحاقَ الكُوفِيَّ، وقال: هُو يَروِي عن أبي هريرةَ وعن عليٍّ في أخذِ اليُسرى باليُمنى في الصَّلاةِ تحت السُّرَّةِ. قال أبو عُمر: رُوِي عن مُجاهِدٍ، أَنَّهُ قال: إن كان وضعُ اليمِين على الشِّمالِ، فعلى كفِّهِ، أو على الرُّسغ، عندَ الصَّدرِ. وكان يَكْرهُ ذلك (٢). ولا وجهَ لكراهية من كرِهَ ذلك؛ لأنَّ الأشياءَ أصلُها الإباحَةُ، ولم ينه اللَّه عن ذلك ولا رسُولُهُ، فلا معنَى لمن كرِههُ، هذا لو لم تُروَ إباحتُهُ عن النَّبيِّ ﷺ ، فكيفَ وقد ثبتَ عنهُ ما ذكَرْنا؟ وكذلك لا وجهَ لتفرِقةِ من فرَّق بين النّافِلةِ والفَرِيضةِ، ولو قال قائلٌ: إنَّ ذلك في الفرِيضةِ دُون النّافِلةِ؛ لأنَّ أكثرَ ما كان يتنفَّلُ رسُولُ اللَّه ﷺ في (٣) بيتِهِ ليلًا، ولو فعلَ ذلك في بيتِهِ، لنقَلَ ذلك عنهُ أزواجُهُ، ولم يأتِ عنهُنَّ في ذلك شيءٌ.

стр. 6880

ومعلومٌ أنَّ الذينَ رَوَوْا عنهُ أنَّهُ كان يضَعُ يمِينهُ على يسارِهِ في صلاتِهِ، لم يكونُوا مِمَّن يَبِيتُ عِندهُ، ولا يَلِجُ بيتهُ، وإنَّما حَكَوا عنهُ ما رأوا منهُ في صلاتِهِم خلفهُ (١) الفرائض، واللَّه أعلمُ. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ الحدّادُ، قال: حدَّثنا زكرِيّا بن يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بن حمّادٍ سجّادةُ، قال: حدَّثنا يحيى بن يَعْلى، عن أبي فَرْوةَ يزِيد بن سِنانٍ، عن زيدِ بن أبي أُنَيسةَ، عن الزُّهرِيِّ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، قال: كان النَّبيُّ ﷺ إذا صلَّى على جنازةٍ، رفعَ يَدَيهِ في أوَّلِ تَكْبِيرةٍ، ثُمَّ وضَعَ اليُمنى على اليُسْرَى (٢). قال أبو عُمر: يحيى بن يعلى الأسلمِيُّ وأبو فَرْوةَ ضعِيفانِ (٣). وإنَّما ذكَرْنا هذا الحدِيث لأنَّ فيه -عن سَعِيدِ بن المُسيِّبِ- ما يَعضُدُ قولنا عنهُ فيما تقدَّمَ. فهذا تمهيدُ ما رُوِي في وَضْع اليُمنى على اليُسرى في الصَّلاةِ. وأمّا قولُهُ: "وتعجِيل الفِطرِ، والاستِيناءَ بالسُّحُورِ". فقد مَضَى في بابِ عبدِ الرَّحمنِ بن حَرْملةَ بعضُ هذا المعنى مُسندًا صحِيحًا. حدَّثنا خلفُ بن القاسم بن سهلٍ أبو القاسم الحافِظُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيم ابن الحدّادِ، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الرَّحمنِ زكرِيّا بن يحيى، خيّاطُ السُّنَّةِ، قال: حدَّثنا وهبُ بن بقِيَّةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُطَّلِبِ، عن أبانِ بن بَشِيرٍ

стр. 6881

المُعلِّم، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي كثِيرٍ، قال: حدَّثنا أبو سلمةَ، عن أبي هريرةَ قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ثلاثٌ من النُّبُوَّةِ: تَعْجِيلُ الإفطارِ، وتأخِيرُ السُّحُورِ، ووَضْعُ اليُمنى على اليُسْرَى في الصَّلاةِ" (١). وأخبَرنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن محمدِ بن إبراهيمَ الدَّيبُليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عليِّ بن زيدٍ الصّائغُ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن منصُورٍ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا منصُورُ بن زاذان، عن محمدِ بن أبانٍ الأنصارِيِّ، عن عائشةَ، قالت: ثلاثٌ من النُّبُوَّةِ: تَعجِيلُ الإفطارِ، وتأخِيرُ السُّحُورِ، ووضعُ اليُمْنَى على اليُسْرَى في الصَّلاةِ (٢).

стр. 6882

مالكٌ عن عُثمان بن حفصِ بن عُمر بن خلدةَ حدِيثٌ واحِدٌ مقطُوعٌ وهُو عُثمانُ (١) بن حفصِ بن عُمر بن عبدِ الرَّحمنِ بن خَلْدةَ الزُّرقيُّ الأنصارِيُّ، ثِقةٌ. روى عنهُ: مالكٌ، وعبدُ العزيزِ بن أبي سلمةَ. ولم يروِ عنهُ غيرُهُما فيما علِمتُ، إلّا أنَّهُ قد قيلَ: إنَّ عُثمان بن حفصٍ الذي رَوَى عنهُ عبّادُ بن إسحاقَ، عن إسماعيلَ بن محمدِ بن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قال: "من قال: يَثْرِب، فليقُلِ: المدِينةَ". هُو عُثمانُ بن حَفْصِ بن خلدةَ هذا. وهذا الحدِيثُ رواهُ إبراهيمُ بن طَهْمان (٢)، عن عبّادِ بن إسحاقَ، عن عُثمانَ. وعُثمانُ هذا يَروِي عن الزُّهرِيِّ. روى عنهُ مالكٌ حدِيثينِ، أحدُهُما: حدِيثُ هذا البابِ، في قِصَّةِ أبي لُبابةَ. والآخرُ رواهُ عنهُ أيضًا عن ابن شِهابٍ، عن سالم بن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّ عبد اللَّه بن عُمرَ سُئلَ عن الرَّجُلِ يكونُ لهُ الدًّ ينُ على الرَّجُلِ إلى أجل، فيضعُ عنهُ صاحِبُ الحقِّ، ويُعجِّلُ لهُ الآخرُ، فكرِهَ ذلك عبدُ اللَّه بن عُمرَ، ونهى عنهُ (٣). ولهُ عن مُعاويةَ حدِيثٌ مُنقطِعٌ. وروى الزُّهرِيُّ عن جدِّهِ عُمر بن عبدِ الرَّحمنِ بن خَلْدةَ. وأظُنُّ عُمر هذا الذي روى عنهُ ابن شِهابٍ، هُو عُمرُ بن خلدةَ، الذي روى ابن أبي ذِئبٍ، عن أبي المُعتمِرِ، عنهُ، عن أبي هريرةَ حدِيث التَّفلِيسِ.

стр. 6883

وبنُو خَلْدةَ معرُوفُونَ بالمدِينةِ، لهم أحوالٌ، وشَرَفٌ، وجلالةٌ في الفِقهِ وحملِ (١) العِلم. وأمّا حدِيثُ مالكٍ، عن عُثمان هذا، فهُو بلاغٌ. مالكٌ (٢)، عن عُثمانَ بن حفصِ بن عُمرَ بن خلدةَ، عن ابن شِهابٍ: أنَّهُ بَلَغهُ: أنَّ أبا لُبابةَ بن عَبدِ المُنذِرِ حِينَ تابَ اللَّه عليه، قال: يا رسُولَ اللَّه، أَهجُرُ دارَ قَوْمِي التي أصْبتُ فيها الذَّنب، وأُجاوِرُكَ، وأنخلِعُ من مالي صَدَقةً إلى اللَّه، وإلى رَسُولهِ (٣)؟ فقال رسُول اللَّه ﷺ : "يُجزِيكُ من ذلك الثُّلُثُ". قال أبو عُمر (٤): هكذا هذا الحدِيثُ في "المُوطَّأ" عِندَ يحيى بن يحيى وطائفةٍ من رُواتِهِ، منهُمُ: ابن القاسم. ورَوَتهُ طائفةٌ، منهُمُ: التِّنِّيسِيُّ عبدُ اللَّه بن يُوسُف في "المُوطَّأ" عن مالكٍ: أنَّهُ بَلَغهُ أنَّ أبا لُبابةَ حِينَ تاب اللَّه عليه. . . الحدِيث. لم يَذْكُر عُثمان بن حفصٍ، ولا ابن شِهابٍ. وليس هذا الحدِيثُ في "المُوطَّأ" عِندَ القعنبِيِّ، ولا أكثرِ الرُّواةِ. ورواهُ العُقَيليُّ، عن يحيى بن أيُّوبَ، عن ابن بُكيرٍ، عن مالكٍ، عن عُمرَ بن حَفْصِ بن عُمر بن خَلْدةَ، عن ابن شِهابٍ: أنَّ أبا لُبابةَ حِينَ تاب اللَّه عليه، فذكر الحدِيث. هكذا قال فيه العُقيليُّ: عن يحيى بن أيُّوبَ، عن ابن بُكيرٍ، عُمر بن حَفْصٍ. وأدخلهُ (٥) في بابِ عُمر من "تارِيخِهِ الكبِير" (٦) وهذا غلطٌ فاحِشٌ، ولا

стр. 6884

يُعرَفُ عُمرُ بن حفصِ بن خلدةَ في هذا الحدِيثِ ولا غيرِهِ، وإنَّما يُعرفُ عُمرُ بن خلدةَ، جدُّ عُثمان شيخ مالكٍ، على ما قدَّمنا ذِكرهُ، فابنُ بُكيرٍ وهِمَ حِين جعلَ في مَوْضِع عُثمان: عُمر. والعُقيليُّ أيضًا جهِلَ ذلك، فأدخلهُ في بابِ عُمر، ولم يُبيِّن أمرهُ. وليسَ هذا الحدِيثُ عِندَ ابن بُكيرٍ في "المُوطَّأ" ولا عندَ أكثر (١) رُواةِ "المُوطَّأ". ورَوَى ابن وَهْبٍ هذا الحدِيث في "مُوطَّئهِ" عن يُونُس بن يزِيد، أنَّهُ أخبَرهُ، عن ابن شِهابٍ، قال: أخبرني بَعضُ بَنِي (٢) السّائبِ بن أبي لُبابةَ: أنَّ أبا لُبابةَ حِينَ ارتَبطَ فتابَ اللَّه عليه، قال: يا رسُولَ اللَّه، إنَّ من تَوْبتي أن أهجُرَ دار قَوْمِي التي أصبتُ فيها الذَّنب، وأُجاوِركَ، وأنخلِعَ من مالي صَدَقةً إلى اللَّه ورَسُولِهِ، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "يُجزِئ عنكَ الثُّلُثُ" (٣). فقد بانَ في رِوايةِ يُونُس، عن ابن شِهابٍ، البلاغُ الذي ذَكَرهُ مالكٌ، عن ابن شِهابٍ في هذا الخبرِ. وعِندَ ابن شِهابٍ في نحوِ معنَى حدِيثِ أبي لُبابةَ هذا، حدِيثُ كعبِ بن مالكٍ، وهُو مُتَّصِلٌ صحِيحٌ. ذكرهُ ابن وَهْبٍ، قال: أخبرني يُونُسُ، عن ابن شِهابٍ، قال: أخبَرني عبدُ اللَّه بن كَعْبِ بن مالكٍ، عن أبيهِ، أنَّهُ قال لرسُولِ اللَّه ﷺ : يا رسُول اللَّه،

стр. 6885

أنْخلِعُ من مالي صَدَقةً إلى اللَّه ورسُولِهِ؟ فقال لهُ رسُولُ اللَّه ﷺ : "أمسِكْ عليكَ بعضَ مالكَ، فهُو خيرٌ لكَ" (١). ويحتملُ أن يكونَ البعضُ في هذا الحدِيثِ هُو الثُّلُثانِ في حدِيثِ أبي لُبابةَ، واللَّه أعلمُ. وقد ذكرَ إبراهيمُ بن إسماعيلَ بن عُليَّةَ، عن أبيهِ، عن الزُّهرِيِّ، عن ابنٍ لكعبِ بن مالكٍ، عن أبيهِ. وعنِ ابن أبي لُبابةَ، عن أبيهِ. ولا يتَّصِلُ حدِيثُ أبي لُبابةَ فيما علِمتُ، ولا يستنِدُ، وقِصَّتُهُ مَشهُورةٌ في السِّيرِ محفُوظةٌ. روى عبدُ الرَّزّاقِ (٢)، ومحمدُ بن ثورٍ (٣)، وأبو سُفيان المعمرِيُّ (٤)، كلُّهُم، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهرِيِّ، في قولِه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ الآيةَ [الأنفال: ٢٧] قال: نزلَتْ في أبي لُبابةَ، لمّا بَعثهُ النَّبيُّ ﷺ إلى بني قُريظةَ، فأشارَ إلى حَلْقِهِ: إنَّهُ الذَّبحُ. فقال أبو لُبابةَ: لا واللَّه لا أذُوقُ طعامًا ولا شَرابًا، حتّى أتوبَ (٥) ويتُوبَ اللَّه عليَّ، فمكَثَ سبعةَ أيّام لا يذُوقُ فيها طعامًا ولا شرابًا، حتّى خَرَّ مغشِيًّا عليه، ثُمَّ تابَ اللَّه عليه، فقيلَ لهُ: يا أبا لُبابةَ قد تِيبَ عليكَ. قال: لا واللَّه لا أحُلُّ نفسِي، حتّى يكونَ رسُولُ اللَّه ﷺ هُو يَحُلُّني. فجاءَ فحلَّهُ بيدِهِ. ثُمَّ قال (٦) أبو لُبابةَ: يا رسُولَ اللَّه، إنَّ من تَوْبتي

стр. 6886

أن أهجُرَ دار قَوْمِي التي أصبتُ فيها الذَّنبَ، وأن أنخلِعَ من مالي كلِّهِ صَدَقةً إلى اللَّه ورسُولِهِ. فقال: "يُجزِئُكَ الثُّلُثُ أن تصَّدَّق به يا أبا لُبابةَ". وذكرَ ابن إسحاق هذه القِصَّةَ، فجوَّدها. أخبَرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعْدٍ، عن ابن إسحاقَ، في قِصَّةِ بني قُرَيظةَ، فذكَرَها بطُولِها وتمامِها، وذكرَ خُرُوج رسُولِ اللَّه ﷺ إليهم مع أصحابِهِ، بعدَ انصِرافِ الأحزابِ عن المدِينةِ. قال: وحاصَرهُم رسُولُ اللَّه ﷺ خمسًا وعِشرِينَ ليلةً، فذكَرَ قولَ حُييِّ بن أخطبَ لهُم، قال: ثُمَّ إنَّهُم بَعثُوا إلى رسُولِ اللَّه ﷺ : أنِ ابعَثْ إلينا أبا لُبابةَ بن عَبدِ المُنذِرِ، أخا بني عَمرِو بن عَوْفٍ، وكانوا حُلفاءَ الأوسِ، نَسْتشِيرُهُ في أمرِنا، فأرسَلَهُ رسُولُ اللَّه ﷺ إليهِم، فلمّا رأوهُ، قامَ إليه الرِّجالُ، وجهَشَ إليه النِّساءُ والصِّبيانُ يَبكُونَ في وجهِهِ، فرقَّ لهُم، وقالوا لهُ: يا أبا لُبابةَ، تَرَى أن ننزِلَ على حُكم محمدٍ؟ قال: نعم. وأشارَ بيدِهِ إلى حَلْقِهِ: إنَّهُ الذَّبحُ. قال أبو لُبابةَ: فواللَّه ما زالَتْ قَدَماي من مَكانِهِما، حتّى عَرَفتُ أنِّي قد خُنتُ اللَّه ورسُولهُ. ثُمَّ انطلق أبو لُبابةَ على وَجهِهِ، ولم يأتِ رسُولَ اللَّه ﷺ ، حتّى ارتَبطَ في المسجِدِ إلى عَمُودٍ من عُمُدِهِ، وقال: لا أبرحُ مكاني هذا، حتّى يتُوبَ اللَّه عليَّ ممّا صَنَعتُ، وأُعاهِدُ اللَّه: ألّا أطأ (١) بني قُريظةَ أبدًا، ولا أُرَى في بَلَدٍ خُنتُ اللَّه ورسُولهُ فيه أبدًا. فلمّا بلَغَ رسُول اللَّه خَبرُهُ، وكان قدِ اسْتَبطأهُ، قال: "أما إنَّهُ لو جاءَني، لاسْتَغفرتُ لهُ، فأمّا إذ فعَلَ ما فعلَ، فما أنا بالذي يطلقُه من مكانِهِ، حتّى يتُوبَ اللَّه عليه" (٢).

стр. 6887

قال (١): فحدَّثني يزِيدُ بن عبدِ اللَّه بن قُسَيطٍ: أنَّ تَوْبةَ أبي لُبابةَ نزلَتْ على رسُولِ اللَّه ﷺ ، وهُو في بيتِ أُمِّ سَلَمةَ، قالت أُمُّ سلمةَ: فسمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ من السَّحَرِ وهُو يَضْحكُ، قالت: فقُلتُ لهُ: ممّا تَضْحكُ، أضحكَ اللَّه سِنَّكَ؟ قال: "تِيبَ على أبي لُبابةَ". قالت: فقلتُ: أفلا أُبشِّرُهُ يا رسُولَ اللَّه؟ قال: "بلى، إن شِئتِ". قال: فقامت على بابِ حُجْرتِها، وذلك قبلَ أن يُضرَبَ عليهنَّ الحِجابُ، فقالت: يا أبا لُبابةَ أبْشِر، فقد تابَ اللَّه عليكَ. قالت: فثارَ النّاسُ إليه ليُطلِقُوهُ، فقال: لا واللَّه، حتّى يكونَ رسُولُ اللَّه ﷺ هُو الذي يُطْلِقُني، فلمّا مرَّ عليه خارِجًا إلى الصُّبح، أطلقهُ. وذكرَ ابن هشام (٢) هذه القِصَّةَ، عن زِيادٍ، عن ابن إسحاقَ. ثُمَّ قال ابن هشام: أقامَ أبو لُبابةَ مُرتبِطًا بالجِذع سِتَّ ليال، تأتِيهِ امرأتُهُ في كلِّ وَقْتِ صَلاةٍ، فتُحُلُّهُ للصَّلاةِ، ثُمَّ يعُودُ فيَرْتبِطُ بالجِذع، فيما حدَّثني بعضُ أهلِ العِلم. قال: والآيةُ التي نزلتْ في توبتِهِ (٣) قولُ اللَّه : ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢]. ذكر سُنيدٌ، قال: حدَّثني من سمِعَ سُفيان بن عُيينةَ يُحدِّثُ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، قال: سمِعتُ عبد اللَّه بن أبي أوْفَى، قال: قولُهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧] نزلت في أبي لُبابةَ بن عبدِ المُنذِرِ. وذكر بقِيُّ بن مخلدٍ، قال: حدَّثنا هنّادُ بن السَّرِيِّ، قال: حدَّثنا يُونُسُ، قال: حدَّثنا عنبسةُ بن الأزهرِ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن عِكرِمةَ، قال: نزَلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

стр. 6888

[الأنفال: ٢٧] في أبي لُبابةَ، أشارَ إلى بني قُريظةَ، حيثُ قالوا: ننزِلُ على حُكم سعدٍ. قال: لا تفعلُوا، فإنَّهُ الذَّبحُ. وأمرَّ يَدَهُ على حَلْقِهِ. قال بقِيٌّ: وحدَّثنا إبراهيمُ بن محمدٍ الشّافِعيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن ابن أبي خالدٍ، قال: سمِعتُ عبد اللَّه بن أبي قَتادةَ، قال: نزلت في أبي لُبابةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا﴾ أَمانَتَكُمْ (١). قال سُفيانُ: هكذا قرأ. قال أبو عُمر: قد قرأ: "أمانتَكُم" على التَّوحِيدِ جماعةٌ (٢)، والصَّوابُ عِندِي، واللَّهُ أعلمُ، في حدِيثِ سُفيان بن عُيينةَ هذا: عبدُ اللَّه بن أبي قتادةَ، لا عبدُ اللَّه بن أبي أوفى، وإن كان إسماعيلُ بن أبي خالدٍ قد سمِعَ من ابن أبي أوفى. واسمُ أبي لُبابةَ: بشِيرٌ. وقيلَ: رِفاعةُ. وقد ذكرناهُ ونسبناهُ في كِتابِنا في "الصَّحابةِ" (٣). وذكَر عليُّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عبّاسٍ، في قولِهِ: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ قال: ما افتُرِضَ عليهم من الفَرائضِ (٤). وكذلك قال الضَّحّاكُ بن مُزاحِم. وقال يزِيدُ بن أبي حبِيبٍ وغيرُهُ: هُو الإغلالُ بالسِّلاح في المُغازِي والبُعُوثِ (٥). حدَّثنا أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ الرّازِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن داود بن موسى المكِّيُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن محمدِ بن عائشةَ،

стр. 6889

وعبدُ الأعلى بن حمّادٍ، قالا: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن عبدِ اللَّه بن المُختارِ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ، عن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ، عن عُمرَ بن الخطّابِ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "من سرَّتهُ حَسَنتُهُ وساءَتهُ سيِّئتُهُ، فهُو مُؤمِنٌ" (١). وأمّا قولُهُ في الحدِيثِ: "يُجزِئُكَ منهُ الثُّلُثُ"، فإنَّ مالكًا (٢) ذهَبَ إلى أنَّ من حلَفَ بصدَقةِ مالِهِ كلِّهِ في المساكِينِ، ثُمَّ حنِثَ، أنَّهُ يُجزِئُهُ من ذلك الثُّلُثُ. وهُو قولُ ابن شِهاب (٣). وذكَر ابن وَهْبٍ، عن ابن لهيعةَ، عن يزِيد بن أبي حبِيبٍ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ مِثلهُ. قال مالكٌ (٤): فإن حلفَ حالِفٌ بصدَقةِ شيءٍ من مالِهِ بعينِهِ، ثُمَّ حنِثَ، لزِمهُ أن يُخرِجهُ كلَّهُ، وإن كان أكثر من الثُّلُثِ، وإن حلفَ مِرارًا بصدقةِ مالِهِ، ثُمَّ حنِثَ مِرارًا، فإنَّهُ يُخرِجُ ثُلُث مالِهِ يوم حلفَ كلَّ مرَّةٍ، مرَّةً بعد مرَّةٍ، إذا كان يمِينُهُ وحِنثُهُ مرَّةً بعد مرَّةٍ. وأصلُ مالكٍ فيما ذهَبَ إليه في هذا البابِ حدِيثُ أبي لُبابةَ هذا، وهُو حدِيثٌ مُنقطِعٌ لا يتَّصِلُ إسنادُهُ، إلّا على ما ذكَرْنا، واللَّه أعلمُ. وفيه حدِيثُ كعبِ بن مالكٍ، في معنى حدِيثِ أبي لُبابةَ، وهُو حدِيثٌ مُتَّصِلٌ صحِيحٌ.

стр. 6890

وأمّا سائرُ العُلماءِ، فإنَّهُمُ اختَلَفُوا في ذلك. فذكرَ أبو عبدِ اللَّه المروزِيُّ وغيرُهُ عن الحارِثِ العُكِليِّ والحكم بن عُتَيبةَ وابنِ أبي ليلى، فيمَن حلفَ بمالِهِ في المساكِينِ صَدَقة: أَنَّهُ ليسَ عليه شيءٌ من كفّارةٍ ولا غيرِها (١). ذهبُوا إلى أنَّ اليمِين لا تكونُ إلّا باللَّه ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا تحلِفُوا إلّا باللَّه" (٢). قالوا: فمن حلفَ بغيرِ اللَّه، فهُو عاصٍ، وليسَ عليه كفّارةٌ، ولا عليه أن يتصدَّق بمالِهِ، ولا بشيءٍ منهُ، لأنَّهُ لم يَقصِد به قصدَ التَّقرُّبِ إلى اللَّه بالصَّدقةِ، ولا نذَرَ ذلك، فيلزمُهُ الوفاءُ به، وإنَّما أرادَ اليمِين. قال أبو عُمر: وإلى هذا ذهَبَ محمدُ بن الحسنِ. وبِهِ قال داودُ بن عليٍّ وغيرُهُ. وهُو مذهبُ عبدِ الرَّحمنِ بن كيَسْان الأصمِّ، وجماعةٍ. قال أبو عبدِ اللَّه المروزِيُّ: ويُروَى عن عُمر بن الخطّابِ، وعائشةَ، وابنِ عُمرَ، وابنِ عبّاسٍ، وحفصةَ، وأُمِّ سلمةَ، أنَّهُم قالوا: من حلَفَ بصَدَقةِ مالِهِ، ثُمَّ حنِثَ، عليه كفّارةُ يمِينٍ (٣). وهُو قولُ الشّافِعيِّ، وأحمد بن حنبل، وأبي عُبيدٍ، وأبي ثورٍ (٤).

стр. 6891

وذكر المروزِيُّ عن أصحابِ الرَّأيِ، أنَّهُم قالوا: يتَصَدَّقُ من مالِهِ بما تجِبُ فيه الزَّكاةُ، من الذَّهبِ، والفِضَّةِ، والمواشِي، ولا يجِبُ عليه أن يتصدَّقَ بشيءٍ من العَقارِ، والمتاع، وسائرِ الأموال غيرَ ما تجِبُ فيه الزَّكاةُ من العينِ، والحرثِ، والمواشِي. قال أبو عُمر: هكذا ذكرَ المروزِيُّ عن أصحابِ الرَّأيِ: أبي حنِيفةَ وأصحابِهِ. والمعروفُ من قول (١) أبي حنِيفةَ (٢) عِندَ أصحابِهِ، فيمَن حلفَ بصدقةِ مالِهِ: أنَّهُ يُخرِجُهُ كلَّهُ، ولا يترُكُ لنفسِهِ إلّا ثِيابهُ التي تُوارِي عَوْرتهُ، ويُقوِّمُها، فإذا أفادَ قِيمتها، أخرجَها. وأظُنُّ هؤُلاءِ حَكَمُوا فيه بحُكمِهِم في المُفلِسِ، الذي يُقسَمُ عِندَهُم مالهُ بينَ غُرمائهِ، ويُترَكُ لهُ ما لا بُدَّ منهُ، حتّى يستفِيدَ، فيُؤَدِّي إليهم. وأمّا محمدُ بن الحسنِ، فالذي قدَّمنا ذِكرهُ عنهُ، هُو مذهبُهُ، فيما ذكرهُ الطَّحاوِيُّ (٣) وغيرُهُ. وقد رُوِي عن ابن عبّاسٍ، وابنِ عُمرَ، وابنِ الزُّبيرِ، نحوُ الذي ذكرَ المروزِيُّ عن أصحابِ الرَّأيِ. أخبرنا سعِيدُ بن عُثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحيم، قال: حدَّثنا البغويُّ، قال: حدَّثنا داودُ بن عَمرٍو الضَّبِّيُّ، قال: حدَّثنا مُسلِمُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أُميَّةَ، عن رَجُلٍ يُقالُ لهُ: عُثمانُ بن حاضِرٍ، قال إسماعيلُ: وكان رجُلًا صالحًا قاصًّا: أنَّ رجُلًا قال لامرأتِهِ: اخرُجِي في ظَهرِي (٤)، فأبت أن تخرُج، فلم يزلِ

стр. 6892

الكلامُ بينهُما، حتّى قالت: هي تنحرُ نفسها، وجارِيتُها حُرَّة، وكلُّ مالٍ لها في سَبِيلِ اللَّه، إن خرجَتْ. ثُمَّ بدا لها فخرجَتْ. قال عُثمانُ بن حاضِرٍ: فأتَتَني تسألُني، فأخذتُ بيدِها فذهَبتُ بها إلى ابن عبّاسٍ، فقَصَّت عليه القِصَّةَ، فقال ابن عبّاسٍ: أمّا جارِيتُكِ فحُرَّةٌ، وأمّا قولُكِ: تَنْحرِينَ نَفْسكِ. فانْحَرِي بَدَنةً، ثُمَّ تصدَّقِي بها على المساكِينِ، وأمّا قولُكِ: مالي في سبِيلِ اللَّه. فاجمعِي مالكِ كلَّهُ، فأخْرِجِي منهُ (١) مِثل ما يجِبُ فيه من الصَّدقةِ. قال: ثُمَّ ذهبتُ بها إلى ابن عُمر، فقال لها مِثل ذلك، ثُمَّ ذهبتُ بها إلى ابن الزُّبيرِ، فقال لها مِثل ذلك. قال: وأحسَبُ أَنَّهُ قال: ثُمَّ ذهبتُ بها إلى جابرِ بن عبدِ اللَّه، فقال مِثل قولِهِم، فأمّا الثَّلاثةُ فقد أثبتُّهُم. وقال قتادةُ، وجابرُ بن زيدٍ، فيمَن حلَفَ بصدَقةِ مالِهِ وحنِثَ: يتصدَّقُ بخُمُسِهِ. ذكرهُ ابن عُليَّةَ، عن سعِيدٍ، عن قتادةَ، عن جابرِ بن زيدٍ (٢). وقال به قتادةُ، على اختِلافٍ عنهُ، وقد رُوِي عنهُ: عليه كفّارةُ يمِينٍ. وقال ابن عُليّةَ: عليه أن يتصدَّقَ بجميع مالِهِ، ويُمسِكَ ما يَسْتغني به عن النّاسِ، فإذا استفادَ مالًا، تصدَّقَ بقدرِ ما أمسكَ. وقال إسحاقُ بن راهُوية: يتصدَّقُ بكفّارةِ الظِّهارِ على تَرْتِيبِها. وقال ربِيعةُ بن أبي عبدِ الرَّحمنِ: يُؤَدِّي زكاةَ مالِهِ لا غيرَ؛ ذكرهُ محمدُ بن الجهم، عن إبراهيم الحربِيِّ، عن الحسنِ بن عبدِ العزيزِ، عن الحارِثِ بن مِسكِينٍ، عن ابن وَهْبٍ، قال: كان ربِيعةُ يقولُ فيمَن حلَفَ بصدَقةِ مالِهِ، فحنِثَ، فذكرهُ (٣).

стр. 6893

وكان عبدُ اللَّه بن وَهْبِ يقولُ في الحالِفِ بصدَقةِ مالِهِ إذا حنِثَ: إن كان مَلِيئًا (١)، أخذتُ فيه بقولِ مالَكٍ: أنَّهُ يُخرِجُ ثُلُث مالِهِ. وإن كان فقِيرًا، فكفّارةُ يمِينٍ، وإن كان مُتوسِّطًا، أخذتُ فيه بقولِ ربِيعةَ: إنَّهُ يُطهِّرُ مالهُ بالزَّكاةِ. ورُوِي عن القاسم، وسالم، فيمَن حلفَ بصدَقةِ مالِهِ، أو بصدَقةِ شيءٍ من مالِهِ، قالا: يتصدَّقُ به على بناتِهِ (٢). وهذا عِندِي من قولِهِما، دليلٌ على أنَّهُ لا يلزمُهُ شيءٌ عِندَهُما، فأحبّا لهُ ما ذكرا، واللَّه أعلمُ. قرأتُ على عبدِ الوارِثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسم بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعفرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: سألتُ الحَكَم وحمّادًا عن رجُلٍ، قال: إن فارقتُ غَرِيمِي، فما لي عليه في المساكِينِ صَدَقةً. قالا: ليس بشيءٍ (٣). قال شُعبةُ: وقالهُ ابن أبي ليلى. ورُوِي عن ابن عبّاسٍ، وأبي هريرةَ، وعَطاءٍ، وطاوُوسٍ، والحسنِ، وسُليمانَ بن يَسارٍ، والقاسم، وسالم، وقَتادةَ، فيمَن حلفَ بصدَقةِ مالِهِ فحنِثَ، قالوا: كفّارةُ يمِينٍ (٤). وعن عائشةَ قالت: كلُّ يمِينٍ وإن عَظُمت، لا يكونُ فيها طلاقٌ، ولا عَتَاقٌ، فتكفِّرُها كفّارةَ اليَمِينِ (٥).

стр. 6894

وهُو قولُ الشّافِعيِّ (١)، والثَّورِيِّ، والأوزاعِيِّ، وبِهِ قال ابن وَهْبٍ، وأبو زيدِ بن أبي الغَمْرِ، وعليه أكثرُ أهلِ العِلم. وقال الشّافِعيُّ: الطَّلاقُ والعَتَاقُ من حُقُوقِ العِبادِ، والكفّاراتُ إنَّما تلزمُ في حُقُوقِ اللَّه، لا في حُقُوقِ العِبادِ. قال أبو عُمر: لا خِلافَ بينِ عُلماءِ الأُمَّةِ، سَلَفِهِم وخَلفِهِم: أنَّ الطَّلاقَ لا كفّارةَ فيه، وأنَّ اليمين بالطَّلاقِ، كالطَّلاقِ على الصِّفةِ، وأنَّهُ لازِم مع وُجوبِ الصِّفةِ. واختَلَفُوا فيما عدا الطَّلاقِ من الأيمانِ، وقد ذكَرْنا اختِلافهُم هاهُنا، فيمَن حلفَ بصدَقةِ مالِهِ؛ لأنَّ الحدِيثَ المذكُور في هذا البابِ، ليسَ فيه إلّا معنى ذلك، دُونَ ما سِواهُ، فأمّا وُجُوهُ أقوالِهِم في ذلك، فوجهُ قولِ مالكٍ، ومن تابَعهُ، حدِيثُ ابن شِهابٍ، في قِصَّةِ أبي لُبابةَ. ووجهُ قولِ الحكم بن عُتَيبةَ ومن تابَعهُ قد ذكَرناهُ. ووجهُ قولِ من أوجَبَ في ذلك كفّارةَ يمِينٍ، عُمُومُ قولِ اللَّه : ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] يعني فحنِثتُم، فعمَّ الأيمان كلَّها، إلّا ما أجمعُوا عليه منها، أو ما كان في معنى ما أجمعُوا عليه من حُقُوقِ العِبادِ. ولقائلِ هذا القولِ سلفٌ من الصَّحابةِ ﵃، وهُو أعلى ما قيلَ في هذا البابِ. ووجهُ حدِيثِ أبي لُبابةَ عِندَ القائلِين بهذا القولِ، أنَّهُ كان على المشُورةِ منهُ لرسُولِ اللَّه ﷺ في هَجْرِهِ دار قومِهِ، والخُرُوج عن مالِهِ إلى اللَّه ورسُولِهِ، لا أنَّهُ حلَفَ، فأشارَ عليه رسُولُ اللَّه ﷺ ، إذ شاوَرهُ بأن يُمسِكَ على نَفْسِهِ ثُلُثي مالِهِ، ويتقرَّب إلى اللَّه بالثُّلُثِ، شُكرًا لتوَبتِهِ عليه من ذنبِهِ ذلك (٢)، واللَّه أعلم.

стр. 6895

عامرُ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ لمالكٍ عنهُ حدِيثانِ وهُو عامرُ (١) بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ بن العوّام بن خُويلِدِ بن أسَدٍ القُرَشِيُّ الأسدِيُّ، يُكْنَى أبا الحارِثِ. كذلك قال الزُّبيرُ بن بكّارٍ وغيرُهُ. وكان ثِقةٌ فاضِلًا ناسِكًا، من العُبّادِ المُنقطِعِين. أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن يُوسُف، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحسنِ، قال: حدَّثنا الزُّبيرُ بن أبي بكرٍ، قال (٢): حدَّثني عيّاشُ بن المُغِيرةِ، قال كان عامرُ بن عبدِ اللَّه إذا شهِدَ جنازةً، وقفَ على القَبرِ فقال: ألا أراكَ ضيِّقًا، ألا أراكَ مُظلِمًا، لَأتأهَّبنَّ لكَ (٣) أُهبتكَ، فأوَّلُ شيءٍ تراهُ عيناهُ (٤)، يَتَقرَّبُ به إلى ربِّهِ، فلقد كان رقِيقُهُ يتعرَّضُونَ لهُ عِندَ انصِرافِهِ من الجنائزِ ليعتِقهُم. قال (٥): وحدَّثني محمدُ بن الضَّحّاكِ الحِزامِيُّ: أنَّ عامر بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ دفعَ إلى محمدِ بن زِيادٍ مولى مُصعبِ بن الزُّبيرِ ثلاثِينَ ألف دِرهم، وقال: اقسِمها في بُيُوتاتِ الأنصارِ، ولا تُعطِ بيتًا حارِثِيًّا منها دِرهمًا، فإنِّي سَمِعتُ اللَّه يقولُ: إنَّهُم قالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] وهُمُ الذين أدخلُوا على قومِي يوم الحرَّةِ. قال (٦): وحدَّثني عمِّي مُصعبُ بن عبدِ اللَّه ومحمدُ بن الضَّحّاكِ، ومن

стр. 6896

شِئتَ من أصحابِنا: أنَّ رجُلًا أودَعَ محمد بن المُنكدِرِ خمس مئةِ دِينارٍ، فاستنفقها محمدُ بن المُنكدِرِ، فقَدِم الرَّجُلُ، فجعلَ محمدُ بن المُنكدِرِ يدعُو ويقولُ: اللهمَّ إنَّكَ تعلمُ أنَّ فُلانًا أوْدَعني خمس مئةِ دِينارٍ، واستنفقتُها، وقد قدِمَ وليسَتْ عِندِي، اللهمَّ فاقْضِها عنِّي ولا تَفْضحني، فسمِعَ عامر دُعاءَهُ، فانصرَفَ إلى مَنْزِلِهِ، فصرَّ خمس مئةِ دِينارٍ، ثُمَّ جاءَ بها فوضَعَها بين يدي محمدِ بن المُنكدِرِ، ومحمدٌ مشغُولٌ بالصَّلاةِ والدُّعاءِ لا يشعُرُ، فانصرَفَ محمدٌ من صلاتِهِ، فرآها بين يديهِ، فأخذها، وحمِدَ اللَّه، قال عامر: فخشِيتُ أن يُفتتنَ، فذكرتُ لهُ أنِّي وضعتُها، وأخبَرتُهُ بما خِفتُ عليه من الفِتنةِ. قال: وبلغَ عبد اللَّه بن الزُّبيرِ: أنَّ ابنهُ عامرًا يصحبُ أقوامًا يُصعقُونَ (١)، فقال لهُ: إن بَلَغني بعدُ أنَّك تُجالِسُهُم، أوجعتُكَ ضربًا. قال عبدُ اللَّه بن أحمد بن حنبل (٢): سمِعتُ أبي يقولُ: عامرُ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ ثِقةٌ، من أوثقِ النّاسِ. وذكرَ العقِيليُّ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن محمدٍ الشّافِعيُّ، قال: حدَّثنا عمِّي، قال: سمِعتُ جدِّي محمد بن عليٍّ يقولُ: ما رأيتُ أحدًا أعبدَ من عامرِ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ. قال: وكان أكثرُ كلامِهِ: أستغفِرُ اللَّه الذي لا إله إلّا هُو الحيَّ القيُّومَ، وأتُوبُ إليه (٣). وقال مُصعبٌ، عن مالكِ بن أنسٍ: كان عامرُ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ يُواصِلُ الصِّيام ثلاثةَ أيّام، فكُنتُ آتِيهِ آخر يوم من صِيامِهِ أسألُهُ، عن حالِهِ بعدَ العصرِ، فيُشِيرُ بيدِهِ يرُدُّ السَّلام، وكان يُرسِلُني إليه ربِيعةُ (٤).

стр. 6897

وروى محمدُ بن مَسْلمةَ، عن مالكٍ: أنَّ عامر بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ كان يُواصِلُ في رمضان ثلاثًا. فقيل لهُ: ثلاثةُ أيّام؟ قال: لا، من يقوى على ثلاثةِ أيّام؟ بل ثلاثًا من الدَّهرِ: يومينِ وليلةً (١). وقال مُصعبٌ: وقال ابن عُيينةَ: كان عامرُ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ يُرخِي عِمامتهُ يُسدِلُها من خلفِهِ شِبرًا (٢). وتُوُفِّي عامرٌ هذا بالشّام، سنةَ أربع وعِشرِينَ. وقيل: سنةَ إحدى، أوِ اثنتينِ وعِشرِينَ ومئةٍ (٣). قال الزُّبيرُ (٤): حدَّثني عمِّي مُصعبٌ، قال: سمِعَ عامر بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ المُؤَذِّنَ وهُو يجُودُ بنفْسِهِ، ومنزِلُهُ قرِيبٌ من المسجِدِ، فقال: خُذُوا بيدِي. فقيلَ لهُ: أنتَ عليلٌ. فقال: أسمعُ داعِي اللَّه، فلا أُجِيبُهُ؟ فأخذُوا بيدِهِ، فدخَلَ في صلاةِ المغرِبِ، فركَعَ مع الإمام ركعةً، ثُمَّ ماتَ، ﵀. وروى إسحاقُ بن محمدٍ الفَرْوِيُّ، قال: حدَّثني مالكُ بن أنسٍ، قال (٥): لم أر مِثل عامرِ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ في زمانِهِ فضلًا! قال: ولقد شهِدتُ ابن ذِي الزَّوائدِ السَّعدِيَّ يُنشِدُهُ في المسجِدِ، فأعطاهُ عن كلِّ بيتٍ دِينارًا. وذلك (٦) أنَّهُ مدَحَ أبوَيهِ، وكان إذا مُدِحَ، فذُكِر أبواهُ، أو أحدُهُما، أثابَ من فعل ذلك (٧)، وإذا لم يُذكرا، لم يفعل.

стр. 6898

حدِيثٌ أوَّلُ لعامرِ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ مالكٌ (١)، عن عامرِ (٢) بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ، عن عَمرِو بن سُلَيم (٣) الزُّرقِيِّ، عن أبي قَتادةَ الأنصارِيِّ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كان يُصلِّي وهُو حامِلٌ أُمامةَ بنْتَ (٤) زينب بنت رسُولِ اللَّه ﷺ ، ولأبي العاصِ بن رِبيعِة (٥) بن عبدِ شمسٍ، فإذا سجَدَ وضَعَها، وإذا قامَ حَمَلها. قال أبو عُمر: رواهُ يحيى: "ولأبي العاص بن ربِيعةَ". بهاءِ التَّأنِيثِ، وتابَعهُ: ابن وَهْبٍ (٦)، والقَعنبِيُّ (٧)، وابنُ القاسم، والشّافِعيُّ (٨)، وابنُ بُكيرٍ، والتِّنِّيسِيُّ (٩)، ومُطرِّفٌ، وابنُ نافع. وقال معنٌ، وأبو مُصعبٍ (١٠)، ومحمدُ بن الحسنِ الشَّيبانِيُّ (١١)، وغيرُهُم: "ولأبي العاص بن الرَّبِيع". وكذلك أصْلَحهُ ابن وضّاح في رِوايةِ يحيى، وهُو الصَّوابُ إن شاءَ اللَّه.

стр. 6899

وأمّا أُمامةُ هذه ابنةُ أبي العاص بن الرَّبِيع، فقد ذكرناها، وذكرنا أباها وأُمَّها وخبَرهُما في كِتابِ "الصَّحابةِ" (١). وأمّا معنى هذا الحدِيثِ، فقد ذكرَ أشهبُ، عن مالكٍ: أنَّ ذلك كان من رسُولِ اللَّه ﷺ في صَلاةِ النّافِلةِ. وأنَّ مِثلَ هذا الفعل غيرُ جائزٌ في الفَرِيضةِ. وحسبُك بتفسِيرِ مالكٍ. ومن الدَّليلِ على صِحَّةِ ما قالهُ مالكٌ في ذلك، أنِّي لا أعلمُ خِلافًا أنَّ مِثل هذا العَمَلِ في الصَّلاةِ مَكرُوهٌ، وفي هذا ما يُوضِّحُ أنَّ الحدِيث إمّا أن يكونَ كان في النّافِلةِ، كما رُوِي عن مالكٍ، وإمّا أن يكون مَنسُوخًا، وقد قال بعضُ أهلِ العِلم: إنَّ فاعِلًا لو فعلَ مِئل ذلك، لم أرَ عليه إعادةً، من أجلِ هذا الحدِيثِ، وإن كُنتُ لا أُحبُّ لأحَدٍ (٢) فِعلهُ، وقد كان أحمدُ بن حنبلٍ يُجِيزُ بعض هذا. ذكر الأثرمُ قال: سمِعتُ أبا عبدِ اللَّه يُسألُ: أيأخُذُ الرَّجُلُ ولدهُ وهُو يُصلِّي؟ قال: نعم. واحتجَّ بحدِيثِ أبي قتادةَ وغيرِهِ في قِصَّةِ أُمامةَ بنتِ زينب. قال أبو عُمر: لو ثبتَ أنَّ هذا الحدِيث غيرُ منسُوخ، ما جازَ لأحَدٍ أن يقولَ: إنِّي لا أُحِبُّ فِعلَ مِثلِ ذلك. وفي كراهيةِ الجُمهُورِ لذلك في الفَرِيضةِ، دليلٌ على ما ذكَرْنا. وروى أشهبُ وابنُ نافع، عن مالكٍ: أنَّهُ سُئلَ عن حملِ رسُولِ اللَّه ﷺ أُمامةَ بنتِ زينب بنتِ رسُولِ اللَّه ﷺ على رَقَبتِهِ، يحمِلُها إذا قامَ، وَيضَعُها إذا سجَدَ: أذلك جائزٌ للنّاسِ اليوم على حُبِّ الوَلدِ، أو على حالِ الضَّرُورةِ؟ قال: ذلك جائزٌ على حالِ الضَّرُورةِ إلى ذلك، فأمّا أن يجِدَ من يَكْفيه ذلك، فلا أرى ذلك، ولا أرَى ذلك على حُبِّ الرَّجُلِ ولَدهُ. فلم يخُصَّ في هذه الرِّوايةِ فرِيضةً من نافِلةٍ، وحمَلهُ على حالِ الضَّرُورةِ.

стр. 6900

وقد أجمَعَ العُلماءُ أنَّ العملَ الخفِيفَ في الصَّلاةِ لا يُفسِدُها، مِثل حكِّ المرءِ جسدهُ حكًّا خفِيفًا، وأخذِ البُرغُوثِ وطَرْحِهِ (١) لهُ عن نَفسِهِ، والإشارةِ، والالتِفاتِ الخفِيفِ، والمشي الخفِيفِ إلى الفُرَج، ودفع المارِّ بين يَدَيهِ، وقتلِ العَقْربِ، وما يُخافُ أذاهُ بالضَّربةِ الواحِدةِ، ونحوِها ممّا يخِفُّ، والتَّصفِيقِ للنِّساءِ، ونحوِ هذا كلِّهِ، ما لم يكُن عَملًا مُتتابِعًا. وأجمعُوا أنَّ العملَ الكثِير في الصَّلاةِ يُفسِدُها، وأنَّ قليلَ الأكلِ والشُّربِ والكلام عمدًا فيها، لغيرِ صلاحِها يُفسِدُها، وهذه أُصُولُ هذا البابِ، فاضبُطها، وردَّ فُروعها (٢) إليها، تُصِب وتَفقهْ إن شاءَ اللَّه. وأمّا حدِيثُ هذا البابِ، فقد ذكرَ فيه محمدُ بن إسحاقَ: أنَّهُ كانَ في صلاةِ الفَرِيضةِ (٣). فمن قبِلَ زِيادتهُ وتفسِيرهُ، جعل حدِيثهُ هذا أصلًا في جَوازِ العَملِ في الصَّلاةِ، ولعمرِي، لقد عوَّلَ عليه المُصنِّفُون للحدِيثِ في هذا البابِ، إلّا أنَّ الفُقهاءَ على ما وصَفْتُ لكَ. وروى ابن عُيينةَ، عن عُثمان بن أبي سُليمانَ وابنِ عَجْلانَ، سَمِعا عامر بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ يُحدِّثُ، عن عَمرِو بن سُلَيم الزُّرقيِّ، عن أبي قَتادةَ الأنصارِيِّ قال: رأيتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يؤُمُّ النّاس، وأُمامةُ بنتُ أبي العاص، وهي بنتُ زينب بنتِ رسُولِ اللَّه ﷺ على عاتِقِهِ، فإذا ركَعَ وضَعَها، وإذا رفَعَ من السُّجُودِ، أعادَها. ذكر مسلِمُ بن الحجّاج (٤)، عن ابن أبي عُمر العَدَنيِّ (٥)، عن سُفيان بن عُيينةَ.

стр. 6901

وذَكَر أيضًا (١)، عن أبي الطّاهِرِ وهارون الإيليِّ، عن ابن وَهْبٍ، عن مخرمةَ بن بُكيرٍ، عن أبيهِ، عن عَمرِو بن سُليم الزُّرقِيِّ، قال: سمِعتُ أبا قتادةَ الأنصارِيَّ، يقولُ (٢): رأيتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يُصلِّي للنّاسِ (٣)، وأُمامةُ بنتُ أبي العاص على عُنُقِهِ (٤)، فإذا سجدَ وَضَعها. وأمّا رِوايةُ محمدِ بن إسحاق لهذا الحدِيثِ، فحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥): حدَّثنا يحيى بن خلفٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن سعِيدِ بن أبي سعِيدٍ المقبُرِيِّ، عن عَمرِو بن سُلَيم الزُّرقِيِّ، عن أبي قَتادةَ صاحِبِ رسُولِ اللَّه ﷺ ، قال: بينما نحنُ نَنتظِرُ رسُول اللَّه ﷺ في الظُّهرِ أوِ العَصر، وقد دَعا بلالٌ إلي الصَّلاةِ، إذ خرَجَ علينا، وأُمامةُ ابنةُ أبي العاص ابنةُ ابنتِهِ على عاتِقِهِ، فقامَ رسُولُ اللَّه ﷺ في مُصلّاهُ، فقُمنا خلفَهُ، وهي في مكانِها الذي وَضَعها (٦) فيه، قال: فكَبَّرَ فكَبَّرنا، حتّى إذا أرادَ رسُولُ اللَّه ﷺ أن يركعَ أخَذَها فوَضَعها، ثُمَّ ركَعَ وسجَدَ، حتّى إذا فرغَ من سُجُودِهِ وقامَ، أخذها فردَّها في مَكانِها، فما زالَ رسُولُ اللَّه ﷺ يصنعُ كذلك بها في كلِّ ركعةٍ، حتّى فرَغَ من صلاتِهِ. قال أبو عُمر: روى هذا الحدِيث اللَّيثُ بن سعدٍ، عن سعِيدِ بن أبي سعِيدٍ،

стр. 6902

بإسنادِهِ، ولم يَقُل: في الظُّهرِ، ولا في العَصْرِ. ولا فيه ما يدُلُّ على أنَّ ذلك كان في فرِيضةٍ. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا أبو النَّضِرِ هاشمُ بن القاسم. وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا قُتيبةُ بن سعِيدٍ. قالا جميعًا: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعدٍ، عن سَعِيدِ بن أبي سعِيدٍ. وقال أبو النَّضِرِ هاشمُ بنُ القاسم (٢): حدَّثني سعِيدُ بن أبي سعِيدٍ، ثمَّ اتَّفقا عن عَمرِو بن سُليم، أنَّهُ سمِعَ أبا قَتادةَ يقولُ: بينا نَحنُ في المسجِدِ جُلُوسٌ، خرجَ علينا رسولُ اللَّه ﷺ يحمِلُ أُمامةَ بنت أبي العاص، وأُمُّها زينبُ بنتُ رسُولِ اللَّه ﷺ ، وهي صبِيَّةٌ يحمِلُها على عاتِقِهِ، فصلَّى وهي على عاتِقِهِ، يَضَعُها إذا ركَعَ، ويُعِيدُها إذا قامَ، حتّى إذا (٣) قَضَى صلاتهُ، يَفْعلُ ذلك بها. ورواهُ بُكيرُ بن الأشجِّ، عن عَمرِو بن سُليم، عن أبي قتادةَ، مِثلهُ (٤). ورواهُ ابن عُيينةَ، عن عُثمان بن أبي سُليمانَ، ومحمدِ بن عجلانَ، جميعًا، عن عامرِ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ، عن عَمرِو بن سُليم، عن أبي قَتادةَ، مِثل حدِيثِ مالكٍ سواءً (٥).

стр. 6903

وفي حدِيثِ محمدِ بن إسحاق: وقد دَعا بلالٌ إلى الصَّلاةِ. وهذا الدُّعاءُ يحتملُ أن يكونَ الأذان المعرُوف اليوم، ويحتملُ أن يكونَ كان في أوَّلِ الإسلام، قبلَ أن يُسَنَّ (١) الأذانُ، ثُمَّ أُحكِمتِ الأُمُورُ بعدُ، واللَّه أعلمُ. أخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا مُسلِمُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المُباركِ، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي كثِيرٍ، عن ضَمْضَم بن جَوْسٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "اقتُلُوا الأسْوَدَينِ في الصَّلاةِ: الحيَّة والعَقْرب". ورواهُ مَعْمرٌ وغيرُهُ، عن يحيى بن أبي كثِيرٍ، بإسنادِهِ مِثلهُ (٣). حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ. وأخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا أحمدُ بن حنبلٍ (٥) ومُسدَّدٌ، قالا: حدَّثنا

стр. 6904

بِشْرُ بن المُفضَّلِ، قال: حدَّثنا بُردُ بن سِنانٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يُصلِّي والبابُ عليه مُغلقٌ، فجِئتُ فاسْتَفتحتُ، فمَشَى ففتح لي، ثُمَّ رجعَ إلى مُصلّاهُ. قال أحمدُ بن حنبلٍ: وذكَرَتْ أنَّ البابَ كان في القِبلةِ. قال أبو عُمر: هذا كان منهُ في النّافِلةِ ﷺ ، لا يختلِفُونَ في ذلك. ومَحمِلُ هذا عِندَهُم، أنَّ البابَ كان قرِيبًا منهُ، وأنَّهُ من العَملِ الخَفِيفِ، على ما ذكَرْنا، وهذه الأحادِيثُ هي أُصُولُ هذا البابِ. حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بن حنبل (٢). وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ (٣)، قالا: حدَّثنا بِشْرُ بن المُفضَّلِ، قال: حدَّثنا غالِبٌ القطّانُ،

стр. 6905

عن بكرِ بن عبدِ اللَّه، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: كُنّا نُصلِّي مع رسُولِ اللَّه ﷺ في شِدَّةِ الحرِّ، فإذا لم يَسْتطِع أحدُنا أن يُمكِّنَ وَجههُ من الأرضِ، بسطَ ثوبهُ فسجَدَ عليه. فهذا كلُّهُ وما كان مثله (١) من العَملِ الخفِيفِ جائزٌ في الصَّلاةِ، إذا لم يَقصِدِ المُصلِّي إلى العَبَثِ في صلاتِهِ، والتَّهاوُنِ بها وإفسادِها. ومَحْمِلُ (٢) أُمامةَ في هذا الحدِيثِ عِندَ أهلِ العِلم، أنَّها كانت عليها ثِيابٌ طاهِرةٌ، وأنَّهُ ﷺ أمِنَ (٣) منها ما يَحْدُثُ من الصِّبيانِ من البَوْلِ، وجائزٌ أن يعلَمَ من ذلك رسُولُ اللَّه ﷺ ما لا يعلمُ غيرُهُ. وقد كان رسُولُ اللَّه ﷺ رؤُوفًا رحِيمًا بالأطفالِ وغيرِهِم، وكان رُبَّما تجاوزَ في صلاتِهِ وخفَّفها، لبُكاءِ الطِّفلِ يسمعُهُ، خَشْيةً أن يَشُقَّ على أُمِّهِ خلفهُ. أخبرنا أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن حامِدِ بن ثَرْثالٍ البَغْدادِيُّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن الطَّيِّبِ بن حمزةَ البَلْخِيُّ، قال: حدَّثنا قُتَيبةُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن سُليمانَ، عن ثابتٍ البُنانِيِّ، عن أنَسِ بن مالكٍ قال: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يَسْمَعُ بُكاءَ الصَّبِيِّ مع أُمِّهِ وهُو في الصَّلاةِ، فيَقْرَأُ بالسُّورةِ القَصِيرةِ. أو قال: الخَفِيفةِ (٤).

стр. 6906

وقال الأثرمُ: سُئلَ أحمدُ بن حنبلٍ عن رَجُلٍ أحرمَ، وأمامهُ سُترةٌ، فسقَطَتْ، فأخذها فأركَزَها. فقال: أرجُو ألّا يكون به بأسٌ. فحَكَوْا لهُ عن ابن المُباركِ: أنَّهُ أمرَ رجُلًا صنعَ هذا أن يُعِيد التَّكبِير. فقال: أمّا أنا فلا آمُرُهُ أن يُعِيدَ التَّكبِيرَ، وأرجُو أن لا يكونَ به بأسٌ. قال أبو عُمر: الفرقُ بين العَملِ القليلِ الجائزِ مِثلُهُ في الصَّلاةِ، ما لم يَكُن عَبثًا ولعِبًا، وبين العملِ الكَثِيرِ الذي لا يجُوزُ مِثلُهُ في الصَّلاةِ، ليس عن العُلماءِ فيه حدٌّ محدُودٌ، ولا فيه (١) سُنَّةٌ مسنونةٌ (٢)، وإنَّما هُو الاجتِهادُ والاحتِياطُ في الصَّلاةِ، أوْلَى بأُولِي (٣) النُّهَى (٤) وباللَّه العِصمةُ والهُدى.

стр. 6907

حدِيثٌ ثانٍ لعامرِ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ مالكٌ (١)، عن عامرِ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ، عن عَمرِو بن سُلَيم الزُّرقِيِّ، عن أبي قَتادةَ الأنصارِيِّ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "إذا دخلَ أحدُكُمُ المسجِدَ، فليَرْكَعْ ركعتينِ قبلَ أن يجلِسَ". قال مالكٌ (٢): وذلك حسنٌ، وليسَ بواجِبٍ. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بن الخضِرِ. وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن عُثمان بن أبي التَّمام (٣)، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (٤): أخبرنا قُتيبةُ بن سعِيدٍ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن عامرِ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ، عن عَمرِو بن سُلَيم، عن أبي قتادةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "إذا جاءَ أحدُكُمُ المسجِدَ فليَرْكع رَكْعتينِ قبلَ أن يجلِسَ". قال أبو عُمر: لا يختلِفُ العُلماءُ، أنَّ كلَّ من دخلَ المسجِد في وَقْتٍ يجُوزُ فيه التَّطوُّعُ بالصَّلاةِ، أنَّهُ يُستَحبُّ لهُ أن يركعَ فيه عِندَ دُخُولِهِ رَكْعتينِ، قالوا فيهما: تحِيَّةُ المسجِدِ.

стр. 6908

وليسَ ذلك بواجِبِ عِندَ أحدٍ، على ما قال مالكٌ ﵀، إلّا أهلُ الظّاهِرِ، فإنَّهُم يُوجِبُونَها (١)، والفُقهاءُ بأجمعِهِم لا يُوجِبُونَها، فإذا دخلَ المسجِد أحدٌ بعدَ العصرِ، أو بعدَ الصُّبح، فلا يَرْكعْ للنَّهي الوارِدِ عن الصَّلاةِ بعد العَصْرِ، حتّى تَغرُبَ الشَّمسُ، وبعدَ الصُّبح حتّى تَطْلع الشَّمسُ. وقد قدَّمنا ذِكرَ مذاهِبِ العُلماءِ وأُصُولِهِم في الصَّلاةِ بعدَ الصُّبح، وبعدَ العَصْرِ، بما فيه كِفايةٌ وبيانٌ، في بابِ محمدِ بن يحيى بن حَبّان. واختلَفَ الفُقهاءُ في الذي يركَعُ رَكْعتيِ الفجرِ في بيتِهِ، ثُمَّ يأتي المسجِدَ، هل يَرْكعُ فيه أم لا (٢)؟ فقال أبو حنِيفةَ واللَّيثُ والأوزاعِيُّ: إذا صلَّى رَكْعتيِ الفجرِ في بيتِهِ، ثُمَّ أتى المسجِد، ولم تُقم الصَّلاةُ، أنَّهُ لا يَرْكعُ لدُخُولِ المسجِدِ، ويجلِسُ. ورَوَى أشهبُ، عن مالكٍ، أنَّهُ قال: يركعُ أحبُّ إليَّ. وروى عنهُ ابن القاسم، أنَّهُ قال: أحبُّ إليَّ أن لا يَفْعل. ولا أحفظُ فيه عن الشّافِعيِّ شيئًا. وحُجَّةُ من كرِهِ لهُ الرُّكُوع (٣)، ما رُوِي عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "لا صَلاةَ بعدَ الفَجْرِ، إلّا رَكْعتيِ الفَجْرِ". وروى عبدُ الرَّزّاقِ (٤) وغيرُهُ عن الثَّورِيِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لا صلاةَ بعد النِّداءِ إلّا ركعتيِ الفجرِ"، وهذا مُرسلٌ.

стр. 6909

قال (١): وأخبرني الثَّورِيُّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن زِيادٍ، عن عبدِ اللَّه بن يزِيد، عن عبدِ اللَّه بن عَمرٍو، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لا صَلاةَ بعدَ طُلُوع الفجرِ، إلّا رَكْعتيِ الفجرِ". وعبدُ الرَّحمنِ بن زِيادٍ هذا هُو الإفرِيقِيُّ، وليس عِند أكثرِهِم بحُجَّةٍ. والحدِيثُ الأوَّلُ مُرسلٌ. ويُحتمَلُ أن يكون أرادَ: لا صلاةَ بعد الفجرِ في البُيُوتِ إلّا ركعتيِ الفجرِ، أي: لا تطوُّع بعد الفجرِ. قرأتُ على خَلَفِ بن القاسم، أنَّ الحُسَين (٢) بن إبراهيم الحدّاد حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ بن عبدِ الجبّارِ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ التَّرجُمانِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ الدَّراوردِيُّ، عن قُدامةَ بن موسى، عن محمدِ بن الحُصَينِ، عن أبي عَلْقمةَ مولى ابن عبّاسٍ، عن يَسارٍ (٣) مولى ابن عُمر، قال: رآني ابن عُمر أُصلِّي بعدَ الفجرِ، فحَصَبني وقال: يا يَسارُ، كم صلَّيتَ؟ قُلتُ: لا أدرِي. قال: لا دَرْيتَ، إنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ خرَجَ علينا ونحنُ نُصلِّي هذه الصَّلاةَ، فتغيَّظَ علينا تغيُّظًا شدِيدًا، ثُمَّ قال: "ليُبلِغ شاهِدُكُم غائبكُم، أن لا صلاةَ بعدَ الفَجْرِ إلّا ركعتيِ الفجرِ" (٤).

стр. 6910

قال أبو عُمر: في هذا الإسنادِ مجهُولُونَ لا تقُومُ بهم حُجَّةٌ (١). وقد ذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ (٢)، عن أبي بكر بن محمدٍ، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لا صلاةَ بعدَ طُلُوع الفَجْرِ، إلّا رَكْعتيِ الفجرِ". وأظُنُّ أبا بكرٍ هذا، هُو ابن أبي سبرةَ، وهُو أيضًا ضعِيفٌ لا يُحتجُّ به. ولو صحَّ هذا الخبرُ، احتملَ أن يكونَ: لا صلاةَ نافِلةٍ بعدَ الفَجْرِ يفعلُها المرءُ تَطوُّعًا، ليسَ ممّا ندَبَ رسُولُ اللَّه ﷺ إليه وعيَّنهُ؛ لأنَّهُ ﷺ قد أمرَ من دخَلَ المسجِدَ أن يركَعَ ركعتينِ، كما أمرَ برَكْعتيِ الفجرِ، ولكِنَّ سُنَّتهُ بعضُها أوكَدُ من بعضٍ، على قدرِ مُواظبتِهِ عليها، وندبِهِ (٣) إليها، وتَلَقِّي أصحابِهِ لها، بما فَهِمُوهُ عنهُ فيها، وغيرُ نكِيرٍ أن يكون تَقدِيرُ قولِهِ ﷺ : "لا صلاةَ بعدَ الفَجرِ، إلّا رَكْعتيِ الفجرِ": إلّا أن يدخُلَ أحدُكُمُ المسجِدَ فيَرْكعَ ركعتينِ. وإذا كان هذا جائزًا لو جاءَ في حدِيثٍ واحِدٍ، فكذلك هُو وإن جاءَ في حدِيثينِ من جِهةِ النَّظرِ في استِعمالِ السُّننِ، وترتِيبِ بَعضِها على بَعضٍ، على أنَّ قولهُ ﷺ : "إذا دخلَ أحدُكُمُ المسجِدَ، فليَرْكَعْ رَكْعتينِ" أثبتُ من جِهَةِ الإسنادِ. ووجهٌ آخرُ من جِهةِ النَّظرِ، أنَّ تحِيَّةَ المسجِدِ برَكْعتينِ فِعلُ خيرٍ، فلا يجِبُ أن يُمتَنعَ منهُ، إلّا أن يصِحَّ أنَّ السُّنَّةَ نهَتْ عنهُ (٤) من وَجْهٍ لا معارِضَ لهُ.

стр. 6911

وقد عارضَ بعضُ أهلِ الظّاهِرِ حدِيث: "لا صلاةَ بعد الفَجْرِ، إلّا ركعتيِ الفجرِ". بقولِهِ ﷺ : "لا صلاةَ بعد العَصْرِ حتّى تغرُب الشَّمسُ، ولا بعد الصُّبح حتّى تطلُع الشَّمسُ" (١). قال: فدخَلَ ما عدا هَذَينِ الوقتينِ من سائرِ أوقاتِ النَّهارِ في الإباحَةِ لمن شاءَ أنَّ يُصلِّي، فصارَ هذا الحدِيثُ مع تواتُرِ مجِيئهِ، مُعارِضًا لقولِهِ ﷺ : "لا صلاةَ بعدَ الفجرِ إلّا ركعتيِ الفجرِ". فإذا تعارَضَ الخبَرانِ، سَقَطا ووجَبَ الرُّجُوعُ إلى أُصُولِ البابِ، ووجَدْنا الصَّلاةَ من أرفع أفعالِ (٢) الخيرِ، فوجَبَ أن لا يُمتَنعُ من فِعلِها، إلّا بدليلٍ لا مُعارِضَ لهُ، بظاهِرِ قولِ اللَّه : ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. وقدِ اختلَفَ العُلماءُ في صلاةِ التَّطوُّع بعدَ الفَجْرِ. فقال مالكٌ: من غَلَبتهُ عيناهُ (٣)، ففاتهُ بعضُ حِزبِهِ، أو رُكُوعٌ كان يركعُهُ باللَّيلِ، فأرجُو أن يكون خفِيفًا، أن يُصلِّيهُ بعدَ طُلُوع الفجرِ، وأمّا غيرُ ذلك، فلا يُعجِبُني أن يُصلِّي بعد انفِجارِ الصُّبح، إلّا ركعتينِ. وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ والثَّورِيُّ: لا يُصلِّي أحدٌ تطوُّعًا بعدَ الفجرِ، إلّا ركعتيِ الفجرِ (٤). قال أبو عُمر: حُجَّةُ هؤُلاءِ، ما رُوِي عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "لا صلاةَ بعدَ الفَجْرِ إلّا رَكْعتيِ الفجرِ". وحجَّةُ مالكٍ، ما رُوِي عن عُمر بن الخطّابِ، أنَّهُ قال: من فاتَهُ حِزبُهُ من اللَّيلِ، فلا بأسَ أن يَقْرأهُ بعدَ الفجرِ، قبلَ صلاةِ الصُّبح (٥).

стр. 6912

وهذا حدِيثٌ لا تقُومُ به حُجَّةٌ؛ لأنَّهُ مُختَلَفٌ فيه عن عُمر، أكثرُ رُواتِهِ (١) يقولُونَ فيه عنهُ: من فاتهُ وِردُهُ، أو حِزبُهُ من اللَّيلِ، فقرأهُ ما بينَ صلاةِ الصُّبح، وصلاةِ الظُّهرِ، فكأنَّهُ لم يفُتهُ، أو قد قرأهُ من اللَّيلِ. كذلك رواهُ ابن شِهابٍ، عن عُبيدِ اللَّه، والسّائبُ بن يزِيد، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدٍ القارِّيِّ، عن عُمرَ (٢). ومن الرُّواةِ من يرفعُهُ. ورواهُ مالكٌ (٣)، عن داود بن الحُصينِ، عن الأعرج، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدٍ القارِّيِّ، عن عُمرَ، موقُوفًا: من فاتهُ حِزبُهُ من اللَّيلِ، فقَرَأهُ حِينَ تزُولُ الشَّمسُ إلى صلاةِ الظُّهرِ، فكأنَّهُ أدركهُ، أو لم يفُتهُ. وقد رخَّصَ قومٌ من أهلِ العِلم في الصَّلاةِ جُملةً بعدَ الفَجْرِ تطوُّعًا، منهُم: طاوُوسٌ وغيرُهُ. ولكِنَّ قولهُ -صلى اللَّه عليه وسل -: "لا صلاةَ بعدَ الفَجْرِ، إلّا ركعتيِ الفجرِ". أولى أن يُصارَ إليه؛ لأنَّهُ ليسَ في هذا البابِ عن النَّبيِّ ﷺ شيءٌ يُعارِضُهُ، وأمرُهُ ﵇ الدّاخِل في المسجِدِ، أن يركعَ ركعتينِ، ليسَ بمُعارِضٍ لهُ (٤)، ولكِنَّهُ استِثناءٌ وتخصِيصٌ، فتدبَّر. ذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ (٥) عن ابن عُيينةَ، عن ابن أبي نَجِيح، عن طاوُوسٍ، قال: إذا طلَعَ الفَجْرُ، فصلِّ ما شِئتَ.
следующие страницы →