← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6908–6947 · переход к 6913.

стр. 6908

وليسَ ذلك بواجِبِ عِندَ أحدٍ، على ما قال مالكٌ ﵀، إلّا أهلُ الظّاهِرِ، فإنَّهُم يُوجِبُونَها (١)، والفُقهاءُ بأجمعِهِم لا يُوجِبُونَها، فإذا دخلَ المسجِد أحدٌ بعدَ العصرِ، أو بعدَ الصُّبح، فلا يَرْكعْ للنَّهي الوارِدِ عن الصَّلاةِ بعد العَصْرِ، حتّى تَغرُبَ الشَّمسُ، وبعدَ الصُّبح حتّى تَطْلع الشَّمسُ. وقد قدَّمنا ذِكرَ مذاهِبِ العُلماءِ وأُصُولِهِم في الصَّلاةِ بعدَ الصُّبح، وبعدَ العَصْرِ، بما فيه كِفايةٌ وبيانٌ، في بابِ محمدِ بن يحيى بن حَبّان. واختلَفَ الفُقهاءُ في الذي يركَعُ رَكْعتيِ الفجرِ في بيتِهِ، ثُمَّ يأتي المسجِدَ، هل يَرْكعُ فيه أم لا (٢)؟ فقال أبو حنِيفةَ واللَّيثُ والأوزاعِيُّ: إذا صلَّى رَكْعتيِ الفجرِ في بيتِهِ، ثُمَّ أتى المسجِد، ولم تُقم الصَّلاةُ، أنَّهُ لا يَرْكعُ لدُخُولِ المسجِدِ، ويجلِسُ. ورَوَى أشهبُ، عن مالكٍ، أنَّهُ قال: يركعُ أحبُّ إليَّ. وروى عنهُ ابن القاسم، أنَّهُ قال: أحبُّ إليَّ أن لا يَفْعل. ولا أحفظُ فيه عن الشّافِعيِّ شيئًا. وحُجَّةُ من كرِهِ لهُ الرُّكُوع (٣)، ما رُوِي عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "لا صَلاةَ بعدَ الفَجْرِ، إلّا رَكْعتيِ الفَجْرِ". وروى عبدُ الرَّزّاقِ (٤) وغيرُهُ عن الثَّورِيِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لا صلاةَ بعد النِّداءِ إلّا ركعتيِ الفجرِ"، وهذا مُرسلٌ.

стр. 6909

قال (١): وأخبرني الثَّورِيُّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن زِيادٍ، عن عبدِ اللَّه بن يزِيد، عن عبدِ اللَّه بن عَمرٍو، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لا صَلاةَ بعدَ طُلُوع الفجرِ، إلّا رَكْعتيِ الفجرِ". وعبدُ الرَّحمنِ بن زِيادٍ هذا هُو الإفرِيقِيُّ، وليس عِند أكثرِهِم بحُجَّةٍ. والحدِيثُ الأوَّلُ مُرسلٌ. ويُحتمَلُ أن يكون أرادَ: لا صلاةَ بعد الفجرِ في البُيُوتِ إلّا ركعتيِ الفجرِ، أي: لا تطوُّع بعد الفجرِ. قرأتُ على خَلَفِ بن القاسم، أنَّ الحُسَين (٢) بن إبراهيم الحدّاد حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ بن عبدِ الجبّارِ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ التَّرجُمانِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ الدَّراوردِيُّ، عن قُدامةَ بن موسى، عن محمدِ بن الحُصَينِ، عن أبي عَلْقمةَ مولى ابن عبّاسٍ، عن يَسارٍ (٣) مولى ابن عُمر، قال: رآني ابن عُمر أُصلِّي بعدَ الفجرِ، فحَصَبني وقال: يا يَسارُ، كم صلَّيتَ؟ قُلتُ: لا أدرِي. قال: لا دَرْيتَ، إنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ خرَجَ علينا ونحنُ نُصلِّي هذه الصَّلاةَ، فتغيَّظَ علينا تغيُّظًا شدِيدًا، ثُمَّ قال: "ليُبلِغ شاهِدُكُم غائبكُم، أن لا صلاةَ بعدَ الفَجْرِ إلّا ركعتيِ الفجرِ" (٤).

стр. 6910

قال أبو عُمر: في هذا الإسنادِ مجهُولُونَ لا تقُومُ بهم حُجَّةٌ (١). وقد ذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ (٢)، عن أبي بكر بن محمدٍ، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لا صلاةَ بعدَ طُلُوع الفَجْرِ، إلّا رَكْعتيِ الفجرِ". وأظُنُّ أبا بكرٍ هذا، هُو ابن أبي سبرةَ، وهُو أيضًا ضعِيفٌ لا يُحتجُّ به. ولو صحَّ هذا الخبرُ، احتملَ أن يكونَ: لا صلاةَ نافِلةٍ بعدَ الفَجْرِ يفعلُها المرءُ تَطوُّعًا، ليسَ ممّا ندَبَ رسُولُ اللَّه ﷺ إليه وعيَّنهُ؛ لأنَّهُ ﷺ قد أمرَ من دخَلَ المسجِدَ أن يركَعَ ركعتينِ، كما أمرَ برَكْعتيِ الفجرِ، ولكِنَّ سُنَّتهُ بعضُها أوكَدُ من بعضٍ، على قدرِ مُواظبتِهِ عليها، وندبِهِ (٣) إليها، وتَلَقِّي أصحابِهِ لها، بما فَهِمُوهُ عنهُ فيها، وغيرُ نكِيرٍ أن يكون تَقدِيرُ قولِهِ ﷺ : "لا صلاةَ بعدَ الفَجرِ، إلّا رَكْعتيِ الفجرِ": إلّا أن يدخُلَ أحدُكُمُ المسجِدَ فيَرْكعَ ركعتينِ. وإذا كان هذا جائزًا لو جاءَ في حدِيثٍ واحِدٍ، فكذلك هُو وإن جاءَ في حدِيثينِ من جِهةِ النَّظرِ في استِعمالِ السُّننِ، وترتِيبِ بَعضِها على بَعضٍ، على أنَّ قولهُ ﷺ : "إذا دخلَ أحدُكُمُ المسجِدَ، فليَرْكَعْ رَكْعتينِ" أثبتُ من جِهَةِ الإسنادِ. ووجهٌ آخرُ من جِهةِ النَّظرِ، أنَّ تحِيَّةَ المسجِدِ برَكْعتينِ فِعلُ خيرٍ، فلا يجِبُ أن يُمتَنعَ منهُ، إلّا أن يصِحَّ أنَّ السُّنَّةَ نهَتْ عنهُ (٤) من وَجْهٍ لا معارِضَ لهُ.

стр. 6911

وقد عارضَ بعضُ أهلِ الظّاهِرِ حدِيث: "لا صلاةَ بعد الفَجْرِ، إلّا ركعتيِ الفجرِ". بقولِهِ ﷺ : "لا صلاةَ بعد العَصْرِ حتّى تغرُب الشَّمسُ، ولا بعد الصُّبح حتّى تطلُع الشَّمسُ" (١). قال: فدخَلَ ما عدا هَذَينِ الوقتينِ من سائرِ أوقاتِ النَّهارِ في الإباحَةِ لمن شاءَ أنَّ يُصلِّي، فصارَ هذا الحدِيثُ مع تواتُرِ مجِيئهِ، مُعارِضًا لقولِهِ ﷺ : "لا صلاةَ بعدَ الفجرِ إلّا ركعتيِ الفجرِ". فإذا تعارَضَ الخبَرانِ، سَقَطا ووجَبَ الرُّجُوعُ إلى أُصُولِ البابِ، ووجَدْنا الصَّلاةَ من أرفع أفعالِ (٢) الخيرِ، فوجَبَ أن لا يُمتَنعُ من فِعلِها، إلّا بدليلٍ لا مُعارِضَ لهُ، بظاهِرِ قولِ اللَّه : ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. وقدِ اختلَفَ العُلماءُ في صلاةِ التَّطوُّع بعدَ الفَجْرِ. فقال مالكٌ: من غَلَبتهُ عيناهُ (٣)، ففاتهُ بعضُ حِزبِهِ، أو رُكُوعٌ كان يركعُهُ باللَّيلِ، فأرجُو أن يكون خفِيفًا، أن يُصلِّيهُ بعدَ طُلُوع الفجرِ، وأمّا غيرُ ذلك، فلا يُعجِبُني أن يُصلِّي بعد انفِجارِ الصُّبح، إلّا ركعتينِ. وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ والثَّورِيُّ: لا يُصلِّي أحدٌ تطوُّعًا بعدَ الفجرِ، إلّا ركعتيِ الفجرِ (٤). قال أبو عُمر: حُجَّةُ هؤُلاءِ، ما رُوِي عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "لا صلاةَ بعدَ الفَجْرِ إلّا رَكْعتيِ الفجرِ". وحجَّةُ مالكٍ، ما رُوِي عن عُمر بن الخطّابِ، أنَّهُ قال: من فاتَهُ حِزبُهُ من اللَّيلِ، فلا بأسَ أن يَقْرأهُ بعدَ الفجرِ، قبلَ صلاةِ الصُّبح (٥).

стр. 6912

وهذا حدِيثٌ لا تقُومُ به حُجَّةٌ؛ لأنَّهُ مُختَلَفٌ فيه عن عُمر، أكثرُ رُواتِهِ (١) يقولُونَ فيه عنهُ: من فاتهُ وِردُهُ، أو حِزبُهُ من اللَّيلِ، فقرأهُ ما بينَ صلاةِ الصُّبح، وصلاةِ الظُّهرِ، فكأنَّهُ لم يفُتهُ، أو قد قرأهُ من اللَّيلِ. كذلك رواهُ ابن شِهابٍ، عن عُبيدِ اللَّه، والسّائبُ بن يزِيد، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدٍ القارِّيِّ، عن عُمرَ (٢). ومن الرُّواةِ من يرفعُهُ. ورواهُ مالكٌ (٣)، عن داود بن الحُصينِ، عن الأعرج، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدٍ القارِّيِّ، عن عُمرَ، موقُوفًا: من فاتهُ حِزبُهُ من اللَّيلِ، فقَرَأهُ حِينَ تزُولُ الشَّمسُ إلى صلاةِ الظُّهرِ، فكأنَّهُ أدركهُ، أو لم يفُتهُ. وقد رخَّصَ قومٌ من أهلِ العِلم في الصَّلاةِ جُملةً بعدَ الفَجْرِ تطوُّعًا، منهُم: طاوُوسٌ وغيرُهُ. ولكِنَّ قولهُ -صلى اللَّه عليه وسل -: "لا صلاةَ بعدَ الفَجْرِ، إلّا ركعتيِ الفجرِ". أولى أن يُصارَ إليه؛ لأنَّهُ ليسَ في هذا البابِ عن النَّبيِّ ﷺ شيءٌ يُعارِضُهُ، وأمرُهُ ﵇ الدّاخِل في المسجِدِ، أن يركعَ ركعتينِ، ليسَ بمُعارِضٍ لهُ (٤)، ولكِنَّهُ استِثناءٌ وتخصِيصٌ، فتدبَّر. ذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ (٥) عن ابن عُيينةَ، عن ابن أبي نَجِيح، عن طاوُوسٍ، قال: إذا طلَعَ الفَجْرُ، فصلِّ ما شِئتَ.

стр. 6913

قال (١): وأخبَرنا محمدُ بن راشِدٍ، قال: أخبَرني عبدُ الكرِيم أبو أُميَّةَ، قال: رأيتُ عَطاءً وطاوُوسًا يُصلِّيانِ بعدَ الفَجْرِ ثماني رَكَعاتٍ، فسألتُهُما، فقالا: صلاةٌ من اللَّيلِ نِمنا عنها. قال (٢): وأخبرنا ابن التَّيمِيِّ، عن أبيهِ عن الحسنِ، قال: صلِّ بعد طُلُوع الفَجْرِ ما شِئتَ. قال (٣): وحدَّثنا ابن جُريج، قال: سألتُ عَطاءً: أتَكْرهُ الصَّلاةَ إذا انتشَرَ الفَجْرُ على رُؤُوسِ الجِبالِ، إلّا ركعتيِ الفجرِ؟ قال: نعم. قال (٤): وأخبَرنا الثَّورِيُّ، عن أبي رِياح (٥)، عن ابن المُسيِّبِ: أنَّهُ رأى رجُلًا يُكثِرُ الرُّكُوع والسُّجُودَ بعدَ طُلُوع الفَجْرِ، فنهاهُ فقال: يا أبا محمدٍ، أُيُعذِّبُني اللَّه على الصَّلاةِ؟ قال: لا، ولكِن يُعذِّبُكَ على خِلافِ السُّنَّةِ. قال أبو عُمر: هذا كلُّهُ في التَّطوُّع في ذلك الوَقْتِ، وأمّا من دخلَ المسجِد فركَعَ ركعتينِ، فليس مُخالِفًا للسُّنَّةِ، بل هُو مُستَعمِلٌ للسُّنَّةِ، ومن تركَ الرُّكُوع، فغيرُ حَرج؛ لأنَّهُ لم يَترُك واجِبًا، ومن تحرَّجَ عن الرُّكُوع، مُتأوِّلًا لما ذكَرْنا، فغيرُ مَعيبٍ (٦) إن شاءَ اللَّه، وبِهِ التَّوفِيقُ. حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن زِيادٍ الأعرابِيُّ، قال: حدَّثنا سعدانُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن سالم أبيِ النَّضْرِ،

стр. 6914

عن أبي سَلَمةَ، أنَّهُ قال: ما يمنَعُ مولاكَ إذا دخلَ المسجِد أن يركعَ ركعتينِ، فإنَّهُما من السُّنَّةِ (١)؟ وروى مالكٌ (٢)، عن أبي النَّضْرِ مولى عُمر بن عُبيدِ اللَّه، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، أنَّهُ قال لهُ: ألم أرَ صاحِبكَ إذا دخلَ المسجِدَ يجلِسُ قبلَ أن يركعَ؟ قال أبو النَّضْرِ: يعني بذلك عُمر بن عُبيدِ اللَّه، ويعِيبُ ذلك عليه. قال مالكٌ: وذلك حَسَنٌ وليسَ بواجِبٍ. قال أبو عُمر: هُو حَسنٌ مُسْتَحبٌّ عِندَ الجميع، وليس بواجِبٍ، وإن كان لفظُهُ الأمرَ، والدَّليلُ على أنَّ ذلك عِندَ العُلماءِ ليسَ بواجِبٍ، كما قال مالكٌ، ما رواهُ أبو المُصعَبُ الزُّهرِيُّ، عن المُغِيرةِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، عن أخِيهِ عُبيدِ اللَّه بن عُمرَ، قال: رأيتُ القاسم بن محمدٍ يَدخُلُ المسجِدَ فيَجْلِسُ فيه، ولا يُصلِّي. ورَوَى عفّانُ، عن وُهيبٍ، عن عُبيدِ اللَّه بن عُمرَ، قال: رأيتُ سالم بن عبدِ اللَّه يمُرُّ في المسجِدِ (٣) مُقبِلًا ومُدبِرًا لا يُصلِّي فيه (٤). وذكرَ ابن أبي شَيْبةَ (٥) عن الدَّراوردِيِّ، عن زيدِ بن أسلمَ، قال: كان أصحابُ رسُولِ اللَّه ﷺ يدخُلُونَ المسجِدَ، ثُمَّ يخرُجُونَ ولا يُصلُّونَ. قال زيدٌ: ورأيتُ ابن عُمرَ يفعلُهُ.

стр. 6915

ورَوَى حمّادُ بن زيدٍ، عن الجُرَيريِّ، عن جابرِ بن زيدٍ، قال: إذا دخلتَ مَسْجدًا، فصلِّ فيه، فإن لم تُصلِّ فيه، فاذكُرِ اللَّه، فكأنَّك قد (١) صلَّيتَ فيه. قال أبو عُمر: وسمِعتُ غير واحِدٍ من شُيُوخِي يذكُرُ: أنَّ الغازِي بن قيسٍ لمّا رحلَ (٢) إلى المدِينةِ، سمِعَ من مالكٍ، وقرأ على نافع القارئ، فبينما هُو في أوَّلِ دُخُولِهِ المدِينةَ، في مَسْجدِ رسُولِ اللَّه ﷺ ، إذ دخلَ ابن أبي ذِئبٍ، فجلسَ ولم يَرْكع، فقال لهُ الغازِي: قُم يا هذا فاركَعْ رَكْعتينِ، فإنَّ جُلُوسكَ دُون أن تُحيِّي المسجِد بركعتينِ جهلٌ، أو نحوَ هذا من جَفاءِ القولِ، فقامَ ابن أبي ذِئبٍ فركَعَ ركعتينِ وجلسَ، فلمّا انْقَضتِ الصَّلاةُ، أسنَدَ ظهرهُ، وتحلَّقَ النّاسُ إليه، فلمّا رأى ذلك الغازِي بن قَيْسٍ، خَجِلَ واسْتَحيا وندِمَ، وسأل عنهُ، فقيلَ لهُ: هذا ابن أبي ذِئبٍ، أحدُ فُقهاءِ المدِينةِ وأشرافِهِم، فقامَ يعتذِرُ إليه (٣)، فقال لهُ ابن أبي ذِئبٍ: يا أخِي لا عليكَ، أمَرْتنا بخيرٍ، فأطعناكَ (٤).

стр. 6916

عَلْقمةُ بن أبي علقمةَ لمالكٍ عنهُ حدِيثانِ يُقالُ لهُ: عَلْقمةُ (١) ابنُ أُمِّ علقمةَ. وعَلْقمةُ بن أبي علقمةَ. واسمُ أبي علقمةَ أبيهِ: بلالٌ، مولى عائشةَ أُمِّ المُؤمِنِينَ، وأُمُّهُ أيضًا مولاةُ عائشةَ، يُقالُ: اسمُها مَرْجانةُ. لم يُختلف في أُمِّهِ أنَّها مولاةُ عائشةَ، واختُلِف في أبيهِ، فقال مالكٌ: عَلْقمةُ بن أبي علقمةَ، مولى عائشةَ. وقال الزُّبيرُ بن بكّارٍ: عَلْقمةُ بن أبي علقمةَ (٢)، مولى مُصعبِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، وأُمُّهُ مولاةُ عائشةَ زوج النَّبيِّ ﷺ . وقال مُصعبٌ (٣): قال أبي: تعلَّمتُ (٤) النَّحو في كِتابِ علقمةَ بن أبي علقمةَ، مولى عائشةَ، وأُمُّهُ أيضًا مولاةُ عائشةَ زوج النَّبيِّ ﷺ ، وكان نحوِيًّا. قال أبو عُمر: كان علقمةُ ثِقةً مأمُونًا، روى عنهُ مالكٌ وغيرُهُ من الأئمَّةِ، وقد قيلَ: إنَّ علقمةَ هذا من بني سُليم، فاللَّه أعلمُ.

стр. 6917

حدِيثٌ أوَّلُ لعلقمةَ بن أبي علقمةَ مالكٌ (١)، عن عَلْقمةَ بن أبي علقمةَ، أنَّ عائشةَ زَوْجَ النبيِّ (٢) ﷺ ، قالت: أهْدَى أبو جَهْم بن حُذَيفةَ إلى رسُولِ (٣) اللَّه ﷺ خَمِيصةً شامِيَّةً، لها عَلَمٌ، فشهِدَ فيها الصَّلاةَ، فلمّا انصرَفَ قال: "رُدِّي هذه الخمِيصةَ إلى أبي جهم، فإنِّي نَظَرتُ إلى عَلَمِها في الصَّلاةِ، فكاد يَفتِنُنِي". قال أبو عُمر: هكذا قال يحيى، عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحدِيثِ: "عن علقمةَ بن أبي علقمةَ، أنَّ عائشةَ". ولم يُتابِعهُ على ذلك أحدٌ من الرُّواةِ، وكلُّهُم رواهُ عن مالكٍ في "المُوطَّأ": "عن عَلْقمةَ بن أبي علقمةَ، عن أُمِّهِ، عن عائشةَ". وسقطَ ليحيى: "عن أُمِّهِ". وهُو ممّا عُدَّ عليه. والحدِيثُ صحِيحٌ مُتَّصِلٌ لمالكٍ، عن عَلْقمةَ بن أبي عَلْقمةَ، عن أُمِّهِ، عن عائشةَ، وكذلك رواهُ جماعةُ أصحابِ مالكٍ، عنهُ. وقد رَوَى هذا الحدِيث أيضًا: الزُّهرِيُّ، عن عُروةَ (٤)، عن عائشةَ (٥). وفي هذا الحدِيثِ من الفِقهِ: قَبُولُ الهدايا. وفي قبُولِ رسُولِ اللَّه ﷺ لها دليلٌ على أنَّ التَّهادِي، وقَبُول الهدايا، من الفِعلِ الحَسَنِ المندُوبِ إليه، لما في ذلك من التَّواخِي والتَّحابِّ. وقد مَضَى في قبُولِ الإمام للهَدايا ما فيه كِفايةٌ، في بابِ ثَوْرِ بن زيدٍ، وسيأتي من ذِكرِ التَّهادِي طرَفٌ صالحٌ في بابِ عطاءٍ الخُراسانِيِّ، إن شاءَ اللَّه.

стр. 6918

وقال ابن عُيينةَ: إنَّما ردَّ رسُولُ اللَّه ﷺ الخَمِيصةَ إلى أبي جهم؛ لأنَّه كَرِهها، إذ كانت سببَ غَفْلةٍ وشُغلٍ عن ذِكرِ اللَّه، كما فعَلَ في الموضِع الذي نامَ فيه عن الصَّلاةِ، لما نالَ فيه الشَّيطانُ منهُم منِ الغَفْلةِ (١). قال: ولم يكُن رسُولُ اللَّه ﷺ ليبعثَ إلى أبي جهم بشيءٍ يَكْرهُهُ لنفسِهِ، ألم تَسْمع قولهُ لعائشةَ في الضبِّ: "إنّا لا نتصدَّقُ بما لا نأكل" (٢). وكان رسُولُ اللَّه ﷺ أقْوَى خلقِ اللَّه على أمرِ اللَّه، وعلى ردِّ كلِّ وَسْوسةٍ، ولكِنَّهُ كَرِهها وأبْغَضها، إذ كانت سببَ الغَفْلةِ عن الذِّكرِ، هذا معنى قولِ ابن عُيينةَ، في سُؤالِ نُعيم بن حمّادٍ لهُ عن ذلك. حدَّثناهُ جماعةٌ، عن عبدِ اللَّه بن عُثمان، عن سعدِ بن مُعاذٍ، عن ابن أبي مريم، عن نُعيم، عنهُ. وفيه: الصَّلاةُ في الأكسِيةِ؛ لأنَّ الخمِيصةَ كِساءُ صُوفٍ مُعلَّمةٌ (٣). وفيه: دليلٌ على أنَّ الالتِفاتَ في الصَّلاةِ، والنَّظر إلى ما يَشْغلُ الإنسانَ عنها، لا يُفسِدُها، إذا تمَّت بحُدُودِها، من رُكُوعِها، وسُجُودِها، وسائرِ فرائضِها؛ لأنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ إذ نظرَ إلى أعلام خَمِيصةِ أبي جهم، واشتغلَ بها، لم يُعِد صِلاتهُ. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل التِّرمِذِيُّ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ،

стр. 6919

قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهرِيُّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى في خمِيصةٍ لها أعلامٌ، فقال: "شَغَلتني أعلامُ هذه، فاذهبُوا بها إلى أبي جَهْم، وائتُوني بأنبِجانِيّةٍ". قال الحُميدِيُّ: أبو جَهْم رجُلٌ من آلِ عدِيِّ بن كعبٍ. قال أبو عُمر: اسمُ أبي جهم، عُبيدُ بن حُذيفةَ بن غانِم العدوِيُّ، قد ذكَرْناهُ ونسبناهُ، وذكرنا خبرهُ في كِتابِ "الصَّحابةِ" (٢). والأنبِجانِيُّ: كِساءٌ غلِيظٌ لا علَمَ فيه. وأمّا الخمِيصةُ، فكِساءٌ رقِيقٌ، قد يكونُ بعَلَم، وبِغيرِ عَلَم، وقد يكونُ أبيض مُعلَّمًا، ويكونُ أصفرَ، وأحمرَ، وأسودَ، والخمائصُ من لباسِ أشرافِ العربِ.

стр. 6920

حدِيثٌ ثانٍ لعلقمةَ بن أبي علقمةَ مالكٌ (١)، عن عَلْقمةَ بن أبي علقمةَ، عن أُمِّهِ، أنَّها قالت: سمِعتُ عائشةَ تقُولُ: قامَ رسُولُ اللَّه ﷺ ذاتَ ليلةٍ، فلبِسَ ثِيابهُ، ثُمَّ خرَجَ، قالت: فأمرتُ جارِيتي بَرِيرةَ أن تَتْبعهُ، فتبِعتهُ، حتّى إذا جاءَ البقِيع، فوقَفَ (٢) في أدناهُ ما شاءَ اللَّه أن يقِفَ، ثُمَّ انصرَفَ، فسبَقَتهُ بريرةُ، فأخْبَرتني، فلم أذكُر لهُ شيئًا حتّى أصبَحَ، ثُمَّ ذكرتُ ذلك لهُ، فقال: "إنِّي بُعِثتُ إلى أهلِ البقِيع لأُصَلِّيَ عليهم". قال أبو عُمر: يحتملُ أن تكون الصَّلاةُ هاهُنا: الدُّعاءَ، ويحتملُ أن تكونَ كالصَّلاةِ على الموتى، وذلك خُصُوصٌ لهُ، واللَّهُ أعلمُ، لأنَّ صلاتهُ على من صلَّى عليه رحمةٌ، فكأنَّهُ أُمِر أن يستغفِرَ لهُم، كما قيل لهُ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]. وأمّا قولُهُ: "إنِّي بُعِثتُ إلى أهلِ البقِيع". ومسِيرُهُ إليهم، فلا يُدرى لمِثلِ هذا عِلَّة، واللَّه أعلمُ، وقد يحتملُ أن يكونَ ليعُمَّهُم بالصَّلاةِ منهُ عليهم، لأنَّهُ رُبَّما دُفِنَ منهُم من لم يُصلِّ عليه، كالمِسكِينةِ (٣)، ومِثلِها مِمَّن دُفِنَ ليلًا، ولم يشعُر بها، ليكونَ مُساويًا بينهُم في الصّلاةِ عليهم، ولا يُؤثِرُ بعضهُم بذلك، ليَتِمَّ عدلهُ فيهم.

стр. 6921

وقد روى أبو مُوَيهِبةَ مولى رسُولِ اللَّه ﷺ ، عن النَّبيِّ ﷺ في هذه القِصَّةِ حدِيثًا حَسَنًا يدُلُّ على أنَّ ذلك كان منهُ ﷺ حينَ خيَّرهُ اللَّه بين الدُّنيا والآخِرةِ، ونُعِيت إلَيهِ نفسُهُ، فاختارَ ما عِندهُ، ﷺ . قرأتُ على عبدِ الوارِثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسم بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سعدٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: حدَّثني عبدُ اللَّه بن عُمرَ بن عليٍّ العَبَليُّ (١)، عن عُبيدِ بن جُبيرٍ (٢)، مولى الحكم بن أبي العاص، عن عبدِ اللَّه بن عَمرٍو، قال: أخبرني أبو مُويهِبةَ، مولًى للنَّبيِّ ﷺ ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "يا أبا مُوَيهِبةَ، إنِّي قد أُمِرتُ أن أسْتَغفِرَ لأهلِ البقِيع". فاسْتَغفرَ لهُم، ثُمَّ انصرفَ فأقبلَ عليَّ فقال: "يا أبا مُوَيهِبةَ، إنَّ اللَّه قد خيَّرني في مَفاتِيح خزائن الدُّنيا والخْلدِ فيها، ثُمَّ الجنَّةِ، أو لقاءِ ربِّي، فاخْتَرتُ لقاءَ ربِّي". فأصبَحَ رسُولُ اللَّه ﷺ من تِلكَ اللَّيلةِ، فبدأهُ وَجعُهُ الذي ماتَ منهُ ﷺ (٣). وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ المكِّيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا القَعْنبِيُّ، قال: قرأتُ على مالكٍ،

стр. 6922

عن أبي النَّضْرِ، عن عُبيدِ بن حُنَينٍ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ جلسَ على المِنبرِ، فقال: "إنَّ عبدًا خيَّرهُ اللَّه بينَ أن يُؤتِيهُ من زَهْرةِ الدُّنيا ما شاءَ، وبينَ ما عِندَهُ، فاختارَ ما عِندَهُ". فبَكَى أبو بكرٍ، وقال: فديناكَ بآبائنا وأُمَّهاتِنا يا رسُولَ اللَّه. قال: فعَجِبنا لهُ، وقال النّاسُ: انظُرُوا إلى هذا الشَّيخ، يُخبِرُ رسُولُ اللَّه ﷺ عن عَبدٍ خُيِّر، وهُو يقولُ: فديناكَ بآبائنا وأُمَّهاتِنا يا رسولَ اللَّه! فكانَ رسُولُ اللَّه ﷺ هُو المُخيَّر، وكان أبو بكرٍ أعْلَمَنا به، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "مِن أمَنِّ (١) النّاسِ عليَّ في صُحبَتِهِ ومالِهِ أبو بكرٍ، ولو كُنتُ مُتَّخِذًا خليلًا، لاتَّخذتُ أبا بكرٍ، ولكِن أُخُوَّةٌ في الإسلام، لا تَبْقَينَّ في المسجِدِ خَوْخَةٌ، إلّا خَوْخةُ (٢) أبي بكرٍ" (٣). وهذا الحدِيثُ ليس عِندَ يحيى، عن مالكٍ، وهُو عندَ القعنبيِّ في الزِّياداتِ (٤).

стр. 6923

عَمرُو بن يحيى المازِنِيُّ لمالكٍ عنهُ أربعةُ أحادِيث، أحدُها مُرسلٌ مُنقطِعٌ وهُو عَمرُو (١) بن يحيى بن عُمارةَ بن أبي حسنٍ المازِنِيُّ الأنصارِيُّ، مدنِيٌّ ثِقةٌ (٢). روى عنهُ: مالكٌ، وشُعبةُ، وخالدٌ الواسِطِيُّ، والثَّورِيُّ، ووُهيبٌ، وسُليمانُ بن بلال، وابنُ عُيينةَ، وغيرُهُم من الأئمَّةِ. وروى عنهُ مِمَّن فوقَ هؤُلاءِ: يحيى بن سعِيدٍ الأنصارِيُّ، وعُبيدُ اللَّه بن عُمرَ، وأبوهُ يحيى بن عُمارةَ، تابِعِيٌّ ثِقةٌ، روى عنهُ محمدُ بن يحيى بن حَبّان وغيرُهُ. وتُوُفِّي عَمرُو بن يحيى سنةَ أربعينَ ومئة.

стр. 6924

حدِيث أوَّلُ لعَمرِو بن يحيى مُتَّصِلٌ صحِيحٌ مالكٌ (١)، عن عَمرِو بن يحيى المازِنِيِّ، عن أبيهِ، أنَّهُ قال لعبدِ اللَّه بن زَيْدِ بن عاصِم، وهُو جدُّ عَمرِو بن يحيى، وكان من أصحابِ رسُولِ اللَّه ﷺ : هل تستطِيعُ أن تُرِيَني كيفَ كان رسُولُ اللَّه ﷺ يتوضَّأُ؟ فقال عبدُ اللَّه بن زيدٍ: نعم. فدَعا بوَضُوءٍ، فأفرَغَ على يَدَيهِ، فغسَلَ يديهِ مرَّتينِ مرَّتينِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ (٢) واسْتَنثرَ ثلاثًا (٣)، ثُمَّ غسَلَ وجههُ ثلاثًا، ثُمَّ غسَلَ يَدَيهِ مرَّتينِ مرَّتينِ إلى المرفِقَينِ، ثُمَّ مسَحَ رأسهُ بيدَيهِ، فأقبَلَ بهما وأدبَرَ، بدءًا بمُقدَّم رأسِهِ، ثُمَّ ذهَبَ بهما إلى قَفاهُ، ثُمَّ ردَّهُما حتّى رجَعَ إلى المكانِ الذي بَدَأ منهُ، ثُمَّ غسَلَ رِجليهِ. قال أبو عُمر: لم يُختلَفْ على مالكٍ في إسنادِ هذا الحدِيثِ، ولا في لفظِهِ، إلّا أنَّ ابن وَهْبٍ رواهُ في "مُوطَّئهِ" عن مالكٍ، عن عَمرِو بن يحيى بن عُمارةَ المازِنِيِّ، عن أبيهِ، عن عبدِ اللَّه بن زيدِ بن عاصِم المازِنِيِّ، عن رسُولِ اللَّه ﷺ . فذكرَ معنى ما في "المُوطَّأ" مُختصرًا، ولم يقُل: وهُو جدُّ عَمرِو بن يحيى. وذكر سُحنُونٌ في "المُدوَّنةِ" (٤) عن مالكٍ، عن عَمرِو بن يحيى بن عُمارةَ بن أبي حَسَنٍ المازِنِيِّ، عن أبيهِ يحيى، أنَّهُ سمِعَ جدَّهُ أبا حَسَنٍ يسألُ عبد اللَّه بن زيدِ بن عاصِم. ولم يَقُل: وهُو جدُّ عَمرِو بن يحيى. ولا ذكرَ عمَّن رواهُ عن مالكٍ. وقال أحمدُ بن خالدٍ: لا تُعرَفُ هذه الرِّوايةُ عن مالكٍ، إلّا أن تكونَ لعليِّ بن زِيادٍ. وليسَ هذا الحدِيثُ في نُسخةِ القَعْنبِيِّ، فإمّا أسْقَطهُ، وإمّا سقطَ لهُ.

стр. 6925

ولم يقُل أحدٌ من رُواةِ هذا الحدِيثِ، في عبدِ اللَّه بن زيدِ بن عاصِم: وهُو جدُّ عَمرِو بن يحيى، إلّا مالكٌ وحدَهُ، ولم يُتابِعهُ عليه أحدٌ، فإن كان جدَّهُ، فعَسَى أن يكونَ جدَّهُ لأُمِّهِ. ومِمَّن رواهُ عن عَمرِو بن يحيى: سُليمانُ بن بلالٍ (١)، ووُهَيبُ بن خالد (٢)، وابنُ عُيينةَ، وخالدٌ الواسِطِيُّ، وعبدُ العزيزِ بن أبي سلمةَ، وغيرُهُم، لم يقُل فيه أحدٌ منهُم: وهُو جدُّ عمرِو بن يحيى. وقد نسَبْنا عَمرو بن يحيى، بما لا اختِلافَ فيه. وذكرَ ابن سَنْجَرٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن مخلدٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن بلال، قال: حدَّثنا عَمرُو بن يحيى المازِنِيُّ، عن أبيهِ، قال: كان عمِّي يُكثِرُ من الوُضُوءِ، فقال لعَبدِ اللَّه بن زيدٍ: أخبِرني كيفَ كان رسُولُ اللَّه ﷺ يَتَوضَّأُ، فدَعا بتَوْرٍ (٣) من ماءٍ (٤). وذكرَ معنى حدِيثِ مالكٍ. قال ابن سَنْجَرٍ: وحدَّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا وهيبٌ، قال: حدَّثنا عمرُو بن يحيى، عن أبيهِ (٥)، قال: شهِدتُ عمِّي (٦) ابن أبي حسنٍ، سألَ عبد اللَّه بن زيدٍ، عن وُضُوءِ رسُولِ اللَّه ﷺ ، قال: فدَعا بتورٍ من ماءٍ، فتَوَضَّأ لهم وُضُوءَ رسولِ اللَّه ﷺ ، فأكْفَأ على يَدَيهِ من التَّورِ، فغسَلَ يديهِ ثلاثًا، ثُمَّ أدخَلَ يدهُ في التَّورِ، فتمضمضَ واسْتَنثرَ من ثلاثِ غَرَفاتٍ، ثُمَّ أدخلَ يَدَهُ، فغسَلَ وجههُ

стр. 6926

ثلاث مرّاتٍ، ثُمَّ أدخَلَ يَدهُ، فغسَلَ يَدَيهِ مرَّتينِ مرَّتينِ إلى المرفِقينِ، ثُمَّ ذكرَ مِثل حدِيثِ مالكٍ (١). (٢) ورواهُ ابن عُيَينةَ (٣)، عن عَمرِو بن يحيى، فأخطأ فيه في مَوْضِعينِ، أحدُهما: أنَّهُ قال فيه: عن عبدِ اللَّه بن زيدِ بن عبدِ ربِّهِ. وهذا خطأٌ، وإنَّما هُو عبدُ اللَّه بن زيدِ بن عاصِم، وقد نسبناهُما في كِتابِ "الصَّحابةِ" (٤) وأوضَحْنا أمرَهُما. وأمّا عبدُ اللَّه بن زيدِ بن عبدِ ربِّهِ، فهُو الذي أُرِيَ الأذان في النَّوم، وليسَ هُو الذي يروِي عنهُ يحيى بن عُمارةَ هذا الحدِيث في الوُضُوءِ وغيره. وعبدُ اللَّه بن زيدِ بن عاصِم، هُو عمُّ عبّادِ بن تميم، وهُو أكثرُ رِوايةً عن النَّبيِّ ﷺ من عبدِ اللَّه بن زيدِ بن عبدِ ربِّهِ، وقد كان أحمدُ بن زُهَيرٍ يَزْعُمُ أنَّ إسماعيلَ بن إسحاقَ وهِمَ فيهما، فجَعلَهُما واحِدًا، فيما حَكَى قاسمُ بن أصبغ عنهُ، والغلَطُ لا يسلَمُ منهُ أحدٌ، وإذا (٥) كان ابن عُيَينةَ مع جَلالتِهِ يغلَطُ في ذلك، فإسماعيلُ بن إسحاقَ أين يقعُ منَ ابن عُيينةَ؟ إلا أنَّ المُتأخِّرِين أوسعُ عِلمًا وأقلُّ عُذرًا. وأمّا الموضِعُ الثّاني، الذي وهِمَ ابن عُيينةَ فيه في هذا الحدِيثِ، فإنَّهُ ذكرَ فيه مسح الرَّأسِ مرَّتينِ، ولم يَذْكُر فيه أحدٌ: "مرَّتينِ" غيرُ ابن عُيينةَ، وأظُنُّهُ، واللَّهُ أعلمُ، تأوَّلَ الحدِيثَ قولَهُ: فمسَحَ رأسهُ بيديهِ، أقبلَ (٦) بهما وأدبر.

стр. 6927

وما ذكَرْناهُ عن ابن عُيينةَ، فمن رِوايةِ مُسدَّدٍ، ومحمدِ بن منصُورٍ (١)، وأبي بكر بن أبي شَيْبةَ (٢)، كلُّهُم ذكرَ فيه عن ابن عُيينةَ ما حَكَينا عنهُ. وأمّا الحُمِيدِيُّ (٣)، فإنَّهُ ميَّزَ ذلك، فلم يذكُرهُ، أو حفِظَ عن ابن عُيينةَ: أنَّهُ رجعَ عنهُ، فذكرَ فيه عن ابن عُيينةَ: ومسَحَ رأسهُ، وغسلَ رِجليهِ. فلم يصِفِ المسحَ، ولا قال: مرَّتينِ. وقال في الإسنادِ: عن عبدِ اللَّه بن زيدٍ. لم يَزِد، لم يقُل: ابن عاصِم، ولا ابن عبدِ ربِّهِ، فتخلَّص. ورَوَى عبدُ العزيزِ بن أبي سَلَمةَ هذا الحديثَ، فقال: أخبَرني عَمرو بن يحيى، عن أبيهِ، عن عبدِ اللَّه بن زيدِ (٤) قال: أتانا رسُولُ اللَّه ﷺ فأخْرَجنا لهُ ماءً في تَوْرٍ من صُفْرٍ (٥) فتوضَّأ فغسَلَ وجههُ ثلاثًا، وَيدَيهِ مرَّتينِ مرَّتينِ، ومسحَ برأسِهِ فأقبَلَ به وأدبَرَ، وغسَلَ رِجلَيهِ (٦). فزادَ عبدُ العزيزِ بن أبي سلمةَ فيه ذِكرَ تَوْرِ الصُّفرِ. ورواهُ خالدُ بن عبدِ اللَّه الواسِطِيُّ، عن عَمرِو بن يحيى المازِنِيِّ، عن أبيهِ، عن عبدِ اللَّه بن زيدِ بن عاصِم، فذكرهُ، وقال فيه: فمضمَضَ واسْتَنشقَ من كفٍّ واحِدةٍ، يفعلُ ذلك ثلاث مرّاتٍ (٧). ثُمَّ ذكرَ معنى حدِيثِ مالكٍ. ورواهُ ابن وَهْبٍ، عن عَمرِو بن الحارِثِ: أنَّ حَبّان بن واسع حدَّثهُ، أنَّ أباهُ حدَّثهُ، أنَّهُ سمِعَ عبد اللَّه بن زيدِ بن عاصِم المازِنِيَّ يذكُرُ، أنَّهُ رأى رسُول اللَّه ﷺ ،

стр. 6928

فذكرَ وُضُوءَهُ، قال: فمضمَضَ واسْتَنثَرَ، ثُمَّ غسلَ وجههُ ثلاثًا، ويَدَهُ اليُمنى ثلاثًا، والأُخْرَى ثلاثًا، ومسحَ برأسِهِ بماءٍ غيرِ فَضْلِ يدَيهِ، وغسَلَ رِجلَيْهِ حتّى أنْقاهُما (١). تركنا ذِكر الأسانِيدِ بيننا وبينَ هؤُلاءِ للاختِصارِ، وكذلك اخْتَصرنا المُتُونَ، إلّا موضِعَ الاختِلافِ المُولِّد للحُكم، والزّائد في الفِقهِ، وباللَّه التَّوفِيقُ. وأمّا ما في هذا الحدِيثِ من المعاني، فأوَّلُ ذلك: غسلُ اليدينِ قبلَ إدخالِهِما في الإناءِ مرَّتينِ. وقد مَضَى القولُ في غسلِ اليدينِ قبلَ إدخالِهِما في الإناءِ، وما للعُلماءِ في ذلك من الاستِحبابِ والإيجابِ، وما للرُّواةِ فيه من ذِكر مرَّتينِ، أو ثلاثًا، مُستوعبًا مُمهَّدًا، في بابِ أبي الزِّنادِ، والحمدُ للَّه. وأمّا قولُهُ: "ثُمَّ مضمض واستمئر ثلاثًا". فالثَّلاثُ في ذلك، وفي سائرِ أعضاءِ الوُضُوءِ، أكملُ الوُضُوءِ وأتمُّهُ، وما زادَ فهُو اعتِداءٌ، ما لم تكُنِ الزِّيادةُ لتمام نُقصانٍ، وهذا ما لا خِلاف فيه. والمضمضةُ معرُوفةٌ، وهي: أخذُ الماءِ بالفَم من اليدِ، وتحرِيكُهُ في الفَم، هي المضمضةُ، وليسَ إدخالُ الإصبع، ودلكُ الأسنانِ بها من المضمضةِ في شيءٍ، فمن شاءَ فعلَ، ومن شاءَ لم يفعل. وقد مَضى ما للعُلماءِ في المضمضةِ من الأقوالِ في الإيجابِ والاستِحبابِ، والاعتِلالِ لذلك، بما فيه كِفايةٌ وبيانٌ، في بابِ زيدِ بن أسلم، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن الصُّنابِحِيِّ، ومَضَى هُناك أيضًا القولُ (٢) في الاستِنشاقِ والاستِنثارِ، وما للعُلماءِ في ذلك من المذاهِبِ والاختِيارِ، وزِدنا ذلك بيانًا بالآثار (٣) في بابِ أبي الزِّنادِ، والحمدُ للَّه.

стр. 6929

وأمّا غسلُ الوَجْهِ ثلاثًا، فهُو الكمالُ، والغَسْلةُ الواحِدةُ إذا عمَّت، تُجزِئُ بإجماع من (١) العُلماءِ؛ لأنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ توضَّأ مَّرةً مَّرةً، ومرَّتينِ مرَّتينِ، وثلاثًا ثلاثًا. وهذا أكثرُ ما فعلَ من ذلك ﷺ ، وتلقَّتِ الجماعةُ ذلك من فِعْلِهِ على الإباحَةِ والتَّخيِيرِ، وطَلَبِ الفضلِ في الثِّنتينِ والثَّلاثِ، لا على أنَّ شيئًا من ذلك نَسْخٌ لغيرهِ منهُ، فقِفْ على إجماعِهِم فيه. والوَجْهُ، مأخُوذٌ من المُواجهةِ، وهُو من مَنابِتِ شَعْرِ الرَّأسِ، إلى العارِضِ والذَّقنِ والأُذُنينِ، وما أقبل من اللَّحيينِ (٢). وقدِ اختُلِفَ في البياضِ الذي بينَ الأُذُنِ والعارِضِ في الوُضُوءِ. فرَوَى ابن وَهْبٍ، عن مالكٍ قال: ليسَ ما خلفَ الصُّدغ، الذي من وراءِ شَعْرِ اللِّحيةِ إلى الأُذُنِ من الوَجْهِ (٣). وقال الشّافِعيُّ (٤): يَغسِلُ المُتوضِّئُ وَجْههُ من مَنابِتِ شَعْرِ رأسهِ، إلى أُصُولِ أُذُنَيهِ، ومُنْتَهى اللِّحيةِ، إلى ما أقبلَ من وجهِهِ وذقنِهِ، فإن كان أمردَ، غسلَ بَشْرةَ وَجْهِهِ كلَّها، وإن نبتَتْ لحيتُهُ وعارِضاهُ، أفاضَ على لحيتِهِ وعارِضَيْهِ، وإن لم يصِل الماءُ إلى بَشَرةِ وَجْهِهِ التي تحتَ الشَّعرِ، أجزأهُ إذا كان شَعرُهُ كثِيرًا. قال أبو عُمر: قد أجمعُوا أنَّ المُتيمِّمَ ليسَ عليه أن يمسحَ ما تحتَ شَعْرِ عارِضَيهِ، فقَضَى إجماعُهُم في ذلك، على مُرادِ اللَّه منهُ؛ لأنَّ اللَّه أمرَ المُتيمِّمَ بمَسْح وَجهِهِ، كما أمرَ المُتوضِّئَ بغَسْلِهِ، وهذا (٥) الذي ذكرتُ لك عليه جماعةُ العُلماءِ.

стр. 6930

وقال أحمدُ بن حنبل: غسلُ الوَجْهِ من منابِتِ شعرِ الرَّأسِ، إلى ما انْحَدرَ من اللَّحيينِ والذَّقنِ، وإلى أُصُولِ الأُذُنينِ، ويتَعاهدُ المفصِل ما بين اللِّحية (١) والأُذُن (٢). وقال أبو حنِيفةَ وأصحابهُ: البياضُ الذي بين العذارِ، وبين الأُذُنِ من الوجهِ، وغسلُهُ واجِبٌ (٣). قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا من فُقهاءِ الأمصارِ قال بما رواهُ ابن وَهْبٍ عن مالكٍ في ذلك، ولقد قال بعضُ أهلِ المدِينةِ، وبعضُ أهلِ العِراقِ: ما أقبَلَ من الأُذُنينِ، فمن الوجهِ، وما أدبرَ منهُما، فمن الرَّأسِ. فما دُون الأُذُنينِ إلى الوَجْهِ، أحْرَى بذلك. وقد ذكَرْنا حُكم الأُذُنينِ عِندَ العُلماءِ، في بابِ زيدِ بن أسلم، والحمدُ للَّه. حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه بن حكم، قِراءةً مِنِّي عليه، أنَّ محمد بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا الفضلُ بن الحُبابِ القاضِي بالبصرةِ، قال: حدَّثنا أبو الولِيدِ الطَّيالِسِيُّ، قال: حدَّثنا قَيْسُ بن الرَّبِيع، عن جابرٍ، عن هُرمُز، قال: سمِعتُ عليًّا ﵁ يقولُ: يُبلَغُ بالوُضُوءِ مقاصَّ الشَّعرِ (٤). واختلَفَ العُلماءُ في تخليلِ اللِّحيةِ والذَّقنِ. فذهَبَ مالكٌ والشّافِعيُّ والثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ، إلى أنَّ تخليل اللِّحيةِ ليسَ بواجِبٍ في الوُضُوءِ (٥).

стр. 6931

وقال مالكٌ وأصحابُهُ وطائفةٌ من أهلِ المدِينةِ: ولا في غُسلِ الجنابةِ، لا يجِبُ تخليلُ اللِّحيةِ أيضًا. وقال الشّافِعيُّ وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُما والثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ واللَّيْثُ وأحمدُ بن حنبلٍ وإسحاقُ بن راهوية وأبو ثورٍ وداودُ والطَّبرِيُّ وأكثرُ أهلِ العِلم: تخليلُ اللِّحيةِ في غُسلِ الجنابةِ واجِبٌ، ولا يجِبُ ذلك عِندهُم في الوُضُوءِ، وأظُنُّهُم فرَّقُوا بينَ ذلك، واللَّهُ أعلمُ، لقولِهِ ﷺ : "تحتَ كلِّ شَعْرةٍ جنابةٌ، فبُلُّوا الشَّعرَ، وأنقُوا البَشَرةَ" (١). وأظُنُّ مالكًا ومن قال بقولِهِ ذهَبُوا إلى أنَّ الشَّعرَ لا يمنعُ وُصُول الماءِ، لرِقَّةِ الماءِ وتوصُّلِهِ إلى البَشَرةِ من غيرِ تخليل، إذا كان هُناك تحرِيكٌ، واللَّه أعلمُ. وقد ذكرَ ابن عبدِ الحكم، عن مالكٍ قال: ويُحرِّكُ اللِّحيةَ في الوُضُوءِ إن كانت كبِيرةً ولا يُخلِّلُها، وأمّا في الغُسلِ فليُحرِّكها وإن صَغُرت، وتخليلُها أحبُّ إلينا (٢). وذكر ابن القاسم، عن مالكٍ، قال: يُحرِّكُ المُتوضِّئُ ظاهِر لحيتِهِ، من غيرِ أن يُدخِل يَدَهُ فيها. قال: وهي مِثلُ أصابِع الرِّجِلِ، يعني أنَّها لا تُخلَّلُ. وقال محمدُ بن عبدِ اللَّه بن عبدِ الحكم: تخليلُ اللِّحيةِ واجِبٌ في الوُضُوءِ والغُسلِ. وأخبرنا خَلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ اللَّه بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا المُفضَّلُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن زِيادٍ، قال: حدَّثنا أبو قُرَّةَ،

стр. 6932

قال: سمِعتُ مالكًا يَذْكُرُ تخليل اللِّحيةِ، فيقولُ: يَكْفيها ما يَمَسُّها من الماءِ، مع غَسْلِ الوَجْهِ، ويحتجُّ في ذلك بحدِيثهِ، عن عبدِ اللَّه بن زيدٍ، عن رسُولِ اللَّه ﷺ ، حِينَ أراهُ الرَّجُلُ الذي سألهُ عنهُ، لم يذكُر فيه تخليل اللِّحيةِ. وكان الأوزاعِيُّ يقولُ: ليسَ تحرِيكُ العارِضَيْنِ، وتخليلُ اللِّحيةِ، بواجِبٍ. قال أبو عُمر: رُوِي عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ خلَّلَ لحيتهُ في وُضُوئهِ (١). من وُجُوهٍ كلُّها ضعِيفةٌ (٢). وأمّا الصَّحابةُ والتّابِعُونَ، فرُوِي عن جماعةٍ منهُم تخليلُ اللِّحيةِ، وأكثرُهُم لم يُفرِّقُوا بينَ الوُضُوءِ والجَنابةِ، ورُوِيَ عن جَماعةٍ منهُمُ الرُّخصةُ في تَرْكِ تخليلِ اللِّحيةِ. وإيجابُ غَسْلِ ما تحتَ اللِّحيةِ، إيجابُ فرضٍ، والفرائضُ لا تثبُتُ إلّا بيقِينٍ لا اختِلاف فيه، ومنِ احتاطَ وأخذَ بالأوثقِ، فهُو أولى (٣) في خاصَّتِهِ، وأمّا الفتوى بإيجابِ الإعادةِ، فما يَنْبغِي أن يكون إلّا عن يقِينٍ، وباللَّه التَّوفِيقُ. وذكرَ ابنُ خُوَيْز مَنْداد، أنَّ الفُقهاءَ اتَّفقُوا على أنَّ تخليلَ اللِّحيةِ ليسَ بواجِبٍ في الوُضُوءِ، إلّا شيءٌ رُوِي عن سعِيدِ بن جُبيرٍ. قال أبو عُمر: الذي رُوِي عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، قولُهُ: ما بالُ الرَّجُلِ يَغسِلُ

стр. 6933

لحيتهُ قبلَ أن تَنبُتَ، فإذا نَبتَت لم يَغْسِلها؟ وما بالُ الأمردِ يَغسِلُ ذقنهُ، ولا يَغسِلُهُ ذُو اللِّحيةِ (١)؟ وقال الطَّحاوِيُّ (٢): التَّيمُّمُ واجِبٌ فيه مَسْحُ البشرةِ قبلَ نباتِ اللِّحيةِ، ثُمَّ سقطَ بعدها عِندَ (٣) جميعِهِم، فكذلك الوُضُوءُ. وقال سحنُونٌ (٤)، عنِ ابن القاسم: سمِعتُ مالكًا يُسألُ: هل سمِعتَ بعض أهلِ العِلم يقولُ: إنَّ اللِّحيةَ من الوَجْهِ، فليُمِرَّ عليها الماءَ؟ قال: نعم (٥). قال مالكٌ: وتخليلُها في الوُضُوءِ ليسَ من أمرِ النّاسِ. وعابَ ذلك على من فَعلَهُ (٦). قيلَ لسحنُونٍ: أرأيتَ من غسلَ وجههُ، ولم يُمرَّ الماءَ على لحيتِه؟ قال: هُو بمَنزِلةِ من لم يَمْسح رأسهُ، وعليه الإعادةُ. واختلَفَ قولُ (٧) الشّافِعيِّ فيما ينسدِلُ من شَعْرِ اللِّحيةِ، فقال مرَّةً: أحبُّ إليَّ أن يُمِرَّ الماءَ على ما سقطَ من اللِّحيةِ عن الوَجْهِ. فإن لم يفعل، ففيها قولانِ، قال: يُجزِئه، في أحدِهِما. ولا يُجزِئه في الآخرِ (٨). قال المُزنِيُّ: يُجزِئهُ أشبهُ بقولِهِ؛ لأنَّهُ لا يجعلُ ما سقطَ، يعني ما انسدلَ، عن مَنابِتِ شَعْرِ الرَّأسِ من الرَّأسِ، فكذلك يَلْزمُهُ أن لا يجعل ما سقطَ من مَنابِتِ شعرِ الوَجْهِ من الوَجْهِ.

стр. 6934

قال أبو عُمر: من جعلَ غسل اللِّحيةِ كلِّها واجِبًا، جعلها وجهًا، واللَّه قد أمرَ بغَسلِ الوَجْهِ أمرًا مُطلقًا، لم يخُصَّ صاحِب لحيةٍ من أمرد، فكلُّ ما وقعَ عليه اسمُ وجهٍ، فواجِبٌ غسلُهُ، لأنَّ الوجهَ مأخُوذٌ من المُواجهةِ، وغيرُ مُمتنِع أن تُسمَّى اللِّحيةُ وجهًا، فوجَبَ غسلُها بعُمُوم الظّاهِرِ، لأنَّها بَدَلٌ من البشرةِ. ومن لم يُوجِب غسلَ ما انسدَلَ من اللِّحيةِ، ذهَبَ إلى أن الأصلَ المأمُورَ بغَسْلِهِ: البشرَةُ، وإنَّما وجبَ غسلُ اللِّحيةِ، لأنَّها ظهرت فوقِ البشرةِ، وصارتِ البشرةُ باطِنًا، وصار الظّاهِرُ هُو اللِّحيةَ، فصارَ غسلُها بَدَلًا من البشرَةِ، وما انسدَلَ من اللِّحيةِ، ليسَ تحتهُ ما يلزمُ غسلُهُ، فيكونُ غسلُ اللِّحيةِ بدلًا منهُ، كما أنَّ جِلد الرَّأسِ مأمُورٌ بمسحِهِ، فلمّا نبتَ عليه الشَّعرُ، ناب مسحُ الشَّعرِ عن مَسْح الرَّأسِ، لأنَّهُ ظاهِرٌ بدلٌ من الرَّأسِ الباطِنِ تحتهُ، وما انسدَلَ من الرَّأسِ وسقطَ، فليس تحته بشرةٌ، يلزمُ مسحُها، ومعلُومٌ أنَّ الرَّأسَ إنّما (١) سُمِّي رأسًا، لعُلُوِّهِ ونباتِ الشَّعرِ فيه، وما سقطَ من شعرِهِ وانسدَلَ، فليسَ برأسٍ، فكذلك ما انسدَلَ من اللِّحيةِ، فليسَ بوجهٍ، واللَّه أعلمُ. ولأصحابِ مالكٍ أيضًا في هذه المسألةِ قولانِ، كأصحابِ الشّافِعيِّ سواءٌ، واللَّه المُستعانِ. وأمّا غسلُ اليَدَينِ، فقد أجمَعُوا أنَّ الأفضَلَ أن يغسِلَ اليُمنى قبلَ اليُسرى. وأجمعُوا (٢) أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كذلك كان يتوضَّأُ، وكان ﷺ يُحِبُّ التَّيامُن في أمرِهِ كلِّهِ، في وُضُوئهِ، وانتِعالِهِ، وغيرِ ذلك من أمرِه (٣).

стр. 6935

وكذلك أجمعُوا أنَّ من غسلَ يُسرَى يَدَيهِ قبل يُمناهُ: أنَّهُ لا إعادةَ عليه. وروينا عن عليٍّ وابنِ مسعُودً: أنَّهُما قالا: لا تُبالي بأيِّ يديكَ بدأتَ (١). وقال معنُ بن عيسى: سألتُ عبد العزيزِ بن أبي سَلَمةَ عن إجالَةِ الخاتم عِندَ الوُضُوءِ، فقال: إن كان ضيِّقًا، فأجِلهُ، وإن كان سَلِسًا، فأقِرَّهُ. وأمّا إدخالُ المِرفَقينِ في الغَسْلِ، فعلى ذلك أكثرُ العُلماءِ، وهُو مذهبُ مالكٍ، والشّافِعيِّ، وأحمد، وأبي حنِيفةَ وأصحابهِ، إلّا زُفرَ، فإنَّهُ اختُلِفَ عنهُ في ذلك، فرُوِي عنهُ: أنَّهُ يجِبُ غَسْلُ المرافِقِ مع الذِّراعينِ. ورُوِي عنهُ: أنَّهُ لا يجِبُ ذلك. وبِهِ قال الطَّبرِيُّ وبعضُ أصحابِ داودَ، وبعضُ المالكِيِّين أيضًا. ومن أصحابِ داودَ من قال بوُجُوبِ غسلِ المرفقينِ معَ الذِّراعينِ (٢). فمن لم يُوجِب غَسْلهُما، حملَ قولهُ : ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] على أنَّ "إلى" هاهُنا غايةٌ، وأنَّ المِرفقينِ غيرُ داخِلين في الغَسْلِ مع الذِّراعينِ، كما لا يجِبُ دُخُولُ اللَّيلِ في الصِّيام، لقولِهِ : ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ومن أوجَبَ غسلهُما، جعل "إلى" في هذه الآيةِ بمعنى الواوِ، أو بمعنى "مع" كأنَّهُ قال: فاغسِلُوا وُجُوهكُم وأيدِيكُم والمرافِقَ أو مع المرافِقِ، و"إلى" بمعنى الواوِ، وبِمعنى "مع" معرُوفٌ في كلام العربِ، كما قال : ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] أي: مع اللَّه. وكما قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أي: مع أموالِكُم.

стр. 6936

وأنكرَ بعضُ أهلِ اللُّغةِ أن تكونَ: "إلى" هاهُنا بمعنى الواوِ، أو بمعنى: "مع" وقال: لو كان كذلك، لوجَبَ غسلُ اليدِ كلِّها، واليدُ عِندَ العربِ من أطرافِ الأصابِع، إلى الكتِفِ. وقال: ولا يجُوزُ أن تخرُج "إلى" عن بابِها. ويذكُر أنَّها بمعنى الغايَةِ أبدًا. قال: وجائزٌ أن تكونَ "إلى" هاهُنا بمعنَى الغايةِ، وتَدخُلُ المرافِق مع ذلك في الغَسْلِ، لأنَّ الثّاني إذا كانَ من الأوَّلِ، كان ما بعد "إلى" داخِلًا فيما قبلهُ، نحو قولِ اللَّه : ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فالمرافِقُ داخِلةٌ في الغَسْلِ، وإذا كان ما بعدَها ليس من الأوَّلِ، فليس بداخِلٍ فيه، نحو: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١). قال أبو عُمر: يقولُ: إنَّهُ ليسَ اللَّيلُ من النَّهارِ، فلم يَدْخُلِ الحدُّ في المحدُودِ، وإنَّما يدخُلُ الحدُّ في المحدُودِ (٢) إذا كان من جِنْسِهِ، والمرافِقُ من جِنسِ الأيدِي والأذرُع، فوجَبَ أن يدخُل الحدُّ منها في المحدُودِ، لأنَّ هذا أصلُ حُكم الحُدُودِ والمحدُوداتِ عِندَ أهلِ الفهم والنَّظرِ، واللَّه أعلمُ. ومن غسلَ المِرفقينِ مع الذِّراعينِ، فقد أدَّى فرضَ طهارتِهِ وصلاتِهِ بيقِينٍ، واليَقِينُ في أداءِ الفَرائضِ واجِبٌ. وأمّا المسحُ بالرَّأسِ (٣)، فقد أجمعُوا أنَّ من مسحَ برأسِهِ كلِّهِ، فقد أحسنَ وفعلَ أكمل ما يلزمُهُ، وكلُّهُم يقولُ: يمسَح الرَّأسِ مسحةً واحِدةً مُوعبةً كامِلةً، لا يزِيدُ عليها، إلّا الشّافِعيُّ، فإنَّهُ قال: أكملُ الوُضُوءِ أن يتوضَّأ ثلاثًا ثلاثًا كلُّها سابِغةٌ، ويمسح برأسِهِ ثلاثًا (٤).

стр. 6937

ورُوِي مسحُ الرَّأسِ ثلاثًا عن أنسٍ، وسعِيدِ بن جُبيرٍ، وعطاءٍ (١)، وغيرِهِم. وكان ابن سِيرِين يقولُ: يمسَحُ رأسَه مرَّتينِ (٢). وكان مالكٌ يقولُ في مسح الرَّأسِ: يبدأُ بمُقدَّم رأسِهِ، ثُمَّ يذهبُ بيدَيهِ إلى مُؤَخَّرِهِ، ثُمَّ يرُدُّهُما إلى مُقدَّمِهِ. على حدِيثِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ هذا. وبِحدِيثِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ هذا يقولُ أيضًا الشّافِعيُّ، وأحمدُ. وكان الحسنُ بن حيٍّ يقولُ: يبدأُ بمُؤَخَّرِ الرَّأسِ. ورُوِي عن ابن عُمرَ: أنَّهُ كان يبدأُ من وسطِ رأسِهِ (٣). ولا يصِحُّ. وفي حدِيثِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ: بدأ بمُقدَّم رأسِهِ. وهذا هُو النَّصُّ الذي يَنْبغِي أن يُمتَثل ويحتمَلَ عليه. ورَوَى مُعاويةُ (٤)، والمِقدامُ بن مَعْدِي كَرِب، عن النَّبيِّ ﷺ في مَسْح الرَّأسِ، مِثل رِوايةِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ سواءً. وأمّا قولُهُ في حدِيثِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ: "ثُمَّ مسَحَ رأسهُ بيديهِ، فأقبَلَ بهما

стр. 6938

وأدبَرَ". فقد توهَّمَ بعضُ النّاسِ، أنَّهُ بدأ بمُؤَخَّرِ رأسِهِ، لقولِهِ: "فأقبَلَ بهما (١) ". وتوهَّم غيرُهُ: أنَّهُ بدأ من وَسطِ رأسِهِ، فأقبلَ بيدَيهِ وأدبرَ. وهذه كلُّها ظُنُونٌ لا تصِحُّ، وفي قولِهِ: "بدأ بمُقدَّم رأسِهِ" ما يدفعُ الإشكال لمن فَهِمَ، وهُو تَفْسِيرُ قولِهِ: "فأقبلَ بهما وأدبَرَ". وتفسِيرُ أنَّهُ كلامٌ خرَجَ على التَّقدِيم والتَّأخِيرِ، كأنَّهُ قال: فأدبرَ بهما وأقبلَ؛ لأنَّ الواو لا تُوجِبُ الرُّتبةَ، وإذِ احتمل الكلامُ التَّأوِيل، كان قولُهُ: "بدأ بمُقدَّم رأسِهِ، ثُمَّ ذهب بهما إلى قفاهُ" تفسِيرَ ما أُشكِلَ من ذلك. أخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا محمُودُ (٣) بن خالدٍ ويعقُوبُ بن كَعْبٍ الأنطاكِيُّ، قالا: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلِم، عن حَرِيز (٤) بن عُثمانَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن مَيْسرةَ، عن المِقدام بن مَعْدِي كَرِب قال: رأيتُ رسُولَ اللَّه ﷺ تَوضَّأ، فلمّا بلَغَ مسْحَ رأسِهِ، وضعَ كفَّيهِ على مُقدَّم رأسِهِ، فأمرَّهُما حتّى بلَغَ القَفا، ثُمَّ ردَّهُما إلى المكانِ الذي بَدَأ منهُ.

стр. 6939

ورَوَى مُعاويةُ: أنَّهُ رأى رسُولَ اللَّه ﷺ يَتَوضَّأُ، مِثل ذلك سواءً (١). وأمّا قولُ الحسنِ بن حَيٍّ: يَبْدأُ بمُؤَخَّرِ رأسِهِ؛ فإنَّهُ قد رُوِيَ في حدِيثِ الرُّبيِّع بنتِ مُعوِّذِ بن عَفْراءَ، أنَّها وصفَتْ وُضُوءَ رسُولِ اللَّه ﷺ ، قالت: ومسَحَ رأسهُ مرَّتينِ، بَدأ بمُؤَخَّرِ رأسِهِ، ثُمَّ بمُقدَّمِهِ، وبأُذُنيه (٢) ظُهُورِهِما وبُطُونِهِما. وهُو حدِيثٌ مُختلَفٌ في ألفاظِهِ، وهُو يدُورُ على عبدِ اللَّه بن محمدِ بن عَقيل، عن الرُّبيِّع. وهذا لفظُ بِشْرِ بن المُفضَّلِ والحسنِ بن صالح، عن عبدِ اللَّه بن محمدِ بن عَقيلٍ (٣). وعبدُ اللَّه بن محمدِ بن عقيلٍ ليس بالحافِظِ (٤) عِندهُم وقدِ اختُلف عنهُ في هذا (٥). ورَوَى طلحةُ بن مُصرِّفٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ قال: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ يمسحُ (٦) رأسهُ مَسْحةً واحِدةً، حتّى بلَغَ القَذالَ، وهُو أوَّلُ القَفا، بَدَأ من مُقدَّمِهِ إلى مُؤَخرِهِ، حتّى أخرَجَ يَديهِ من تحتِ أُذُنيهِ (٧).

стр. 6940

وأصحُّ حدِيثٍ في هذا الباب، حدِيثُ عبدِ اللَّه بن زيدٍ المذكُورُ فيه. واختلَفَ الفُقهاءُ فيمَنْ مسحَ بعضَ الرَّأسِ (١). فقال مالكٌ: الفرضُ مسحُ جميع الرَّأسِ، وإن ترك شيئًا منهُ، كان كمن تركَ غسلَ شيءٍ من وجهِهِ (٢). هذا هُو المعرُوفُ من مذهبِ مالكٍ. وهُو قولُ ابن عُليَّةَ، قال ابن عُليَّةَ: قد أمرَ اللَّه بمسح الرَّأسِ في الوُضُوءِ، كما أمرَ بمسح الوجهِ في التَّيمُّم، وأمرَ بغسلِهِ في الوُضُوءِ. وقد أجمعُوا أنَّهُ لا يجُوزُ غسلُ بعضِ الوَجْهِ في الوُضُوءِ، ولا مَسْحُ بَعضِهِ في التَّيمُّم، فكذلك مسحُ الرَّأسِ. قال: وقد أجمعُوا على أنَّ الرَّأسَ يُمسَحُ كلُّهُ، ولم يَقُل أحدٌ: إنَّ مسحَ بَعضِهِ سُنَّةٌ، وبعضِهِ فرِيضةٌ، فلمّا أجمعُوا أن ليسَ مسحُ بَعضِهِ سُنّةً، دَلَّ على أنَّهُ كلَّهُ فَرِيضةٌ مسحُهُ، واللَّه أعلمُ. واحتجَّ إسماعيلُ وغيرُهُ من أصحابنا لوُجُوبِ العُمُوم في مسح (٣) الرَّأسِ، بقولِ اللَّه : ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. وقد أجمعُوا أنَّهُ لا يجُوزُ الطَّوافُ ببعضِهِ، فكذلك مسحُ الرَّأسِ. وقولُهُ : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] معناهُ عِندهُمُ: امسحُوا رُؤُوسكُم، ومن مسحَ بعضَ رأسِهِ، فلم يمسَحْ رأسهُ. ومن الحُجَّةِ أيضًا لهُم: أنَّ الفرائضَ لا تُؤَدَّى إلّا بيقِينٍ، واليقِينُ ما أجمعُوا عليه من مسح جميع الرَّأسِ.

стр. 6941

هذا هُو المشهُورُ من مذهبِ مالكٍ، لكِنَّ أصحابهُ اختَلَفُوا في ذلك. فقال أشهبُ: يجُوزُ مَسْحُ بعضِ الرَّأسِ. وذكر أبو الفرج المالكِيُّ، قال: اختلَفَ مُتأخِّرُو أصحابِنا في ذلك، فقال بعضُهُم: لا بُدَّ أن يمسَحَ كلَّ الرَّأسِ، أو أكثرَهُ، حتّى يكونَ الممسُوحُ أكثرَ الرَّأسِ، فيُجزِئُ ترْكُ سائرِهِ (١). قال أبو عُمر: هذا قولُ محمدِ بن مسلمةَ، وزعمَ الأبهرِيُّ: أنَّهُ لم يقُلهُ غيرُهُ من المالكِيِّين. قال أبو الفَرَج: وقال آخرُونَ: إذا مسَحَ الثُّلُثَ فصاعدًا، أجزأهُ، وإن كان المترُوكُ هو الأكثرَ. قال: وهذا أشبهُ القولينِ عِندِي وأولاهُما، من قِبَلِ أنَّ الثُّلُث فما فَوقهُ قد جعلهُ في حيِّزِ الكثِيرِ، في غيرِ مَوْضِع من كُتُبِهِ ومذهبِهِ. وزعم الأبهرِيُّ: أنَّهُ لم يَقُل أحدٌ من أصحابِ مالكٍ ما ذكرهُ أبو الفرج عنهُم، وأنَّ المعرُوف لمحمدِ بن مسلمةَ، ومن قال بقولِهِ: أنَّ الممسُوح من الرَّأسِ إذا كان الأكثرَ، والمترُوكُ منهُ الأقلَّ، جازَ على أصلِ مالكٍ، في أنَّ الثُّلُثَ يَسِيرٌ مُستندرٌ عِندَهُ في كثِيرٍ من أُصُولِ مَسائلِهِ ومذهبِهِ. قال أبو عُمر: ما ذكَرهُ أبو الفرج صحيحٌ (٢) خارِجٌ على أصلِ مالكٍ، في أنَّ الثُّلُث كثِير في مسائلَ كثِيرةٍ من مذهبِهِ، وكذلك ما ذكرهُ الأبهرِيُّ أيضًا؛ لأنَّ الثُّلُث عِندهُ في أشياءَ كثِيرٌ وفي أشياءَ قليل، وليس هذا موضِع ذِكرِها.

стр. 6942

وأمّا الشّافِعيُّ، فقال: الفرضُ مَسْحُ بعضِ الرَّأسِ (١). ولم يُحدَّ. وهُو قولُ الطَّبرِيِّ. وقد رُوِي عنهُما: إنْ مَسَحَ ثُلُثَ الرَّأسِ فصاعدًا، أجزأ. قال الشّافِعيُّ (٢): احتمل قولُ اللَّه : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] مسحَ بعضِ الرَّأسِ، ومسح جميعِهِ، فدلَّتِ السُّنَّةُ أنَّ مسحَ بعضِهِ يُجزِئُ. وقال في موضِع آخرَ: فإن قيلَ: قد قال اللَّه في التَّيمُّم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] أيُجزِئُ بعضُ الوَجْهِ في التَّيمُّم؟ قيل لهُ: مسحُ الوَجْهِ في التَّيمُّم بدلٌ من عُمُوم غَسْلِهِ، فلا بُدَّ من أن يأتي بالمسح على جميع مَوْضِع الغسلِ منهُ، ومسحُ الرَّأسِ أصلٌ، فهذا فرقُ ما بينهُما، وعفا اللَّه في التَّيمُّم عن الرَّأسِ والرِّجلينِ، ولم يعفُ عن الوَجْهِ واليدينِ، فلا بُدَّ من الإتيانِ بذلك على كمالِهِ وأصلِهِ. وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ (٣): إن مسَحَ المُتوضِّئُ رُبُع رأسِهِ أجزأ، ويبدأُ بمُقدَّم رأسِهِ إلى مُؤَخَّرِهِ. واختلَفَ أصحابُ داودَ، فقال بعضُهُم: مسحُ الرَّأسِ كلِّهِ واجِبٌ فرضًا. كقولِ مالكٍ. وقال بعضُهُمُ: المسحُ ليسَ شأنُهُ في اللِّسانِ الاستِيعاب، والبعضُ يُجزِئُ. وقال الثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ واللّيثُ: يُجزِئُ مسحُ بعضِ (٤) الرَّأسِ، ويمسحُ المُقدَّمُ. وهُو قولُ أحمد. وقد قدَّمنا عن جميعِهِم: أنَّ مسح جميع الرَّأسِ أحبُّ إليهم.

стр. 6943

وكان ابن عُمرَ وسلمةُ بن الأكوع يَمْسحانِ مُقدَّم رُؤُوسِهِما (١). وعن جماعةٍ من التّابِعِينَ إجازةُ مسح بعضِ الرَّأسِ (٢). حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عليَّةَ، عن أيُّوبَ، عن محمدِ بن سِيرِين، عن عَمرِو بن وَهْبٍ، قال: كُنّا عِندَ المُغِيرةِ بن شُعبةَ، فقال: مسَحَ نبِيُّ اللَّه ﷺ بناصِيتِهِ (٣). قال أبو عُمر: بينَ ابنِ سِيرِين وبين عَمرِو بن وَهْبٍ في هذا الحدِيثِ رجُلٌ، كذلك قال حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ (٤) (٥).

стр. 6944

وأخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سُليمان التَّيمِيِّ، قال: أخبرنا بكرٌ، عن الحَسَنِ، عن ابن المُغِيرةِ بن شُعبةَ، عن أبيهِ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ توضَّأ ومسَحَ بناصِيتِه. ثُمَّ ذكرَ فوقَ العِمامةِ. قال أبو عُمر: النّاصِيةُ: مُقدَّمُ الرَّأسِ. وأخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: أخبرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا ابن وَهْبٍ، قال: حدَّثني مُعاويةُ بن صالح، عن عبدِ العزيزِ بن مُسلِم، عن أبي مَعقِل، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: رأيتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يَتَوضَّأُ وعليه عِمامةٌ قِطْرِيَّةٌ (٣) فأدخلَ يدهُ من تحتِ العِمامةِ، فمسَحَ مُقدَّم رأسِهِ، ولم ينقُضِ العِمامةَ. وأجازَ الثَّورِيُّ والشّافِعيُّ مسح الرَّأسِ بإصبع واحِدةٍ (٤). وقال أبو حنِيفةَ: إن مسحَ رأسهُ، أو بعضهُ بثلاثةِ أصابِع فما زادَ، أجزأهُ، وإن مسَحَ بأقلَّ من ذلك، لم يُجزِئْهُ (٥).

стр. 6945

والمرأةُ عِند جميع العُلماءِ في مسح رأسِها كالرَّجُلِ سواءٌ، كلٌّ على أصلِهِ. وأمّا غسلُ الرِّجلينِ ففي حدِيثِ عبدِ اللَّه بن زيدِ بن عاصِم: "ثُمَّ غسَلَ رِجلَيهِ". ولم يحُدَّ. وفي حدِيثِ عُثمانَ وعليٍّ، إذ وصَفا وُضُوءَ رسُولِ اللَّه ﷺ في بعضِ الرِّواياتِ عنهُما: "ثُمَّ غسَلَ رِجلَيهِ ثلاثًا" (١). وفي بعضِها: "ثُمَّ غسَلَ رِجْلَيهِ حتّى أنقاهُما" (٢). وفي بعضِها: "ثُمَّ غسَلَ رِجلَيهِ" (٣) فقط. وكذلك في بعضِ الرِّواياتِ عن عُثمانَ: "ثُمَّ مسَحَ رأسهُ ثلاثًا" (٤). وفي أكثرِها: "ثُمَّ مسَحَ رأسهُ" فقط. وفي بعضِها (٥): ثم مسح رأسهُ مرَّةً واحِدةً. والوُضُوءُ كلُّهُ ثلاثًا ثلاثًا.

стр. 6946

وأجمعَ العُلماءُ: أنَّ غسلةً واحِدةً سابِغةً في الرِّجلينِ، وسائرِ الوُضُوءِ تُجزِئُ. وكان مالكٌ لا يحُدُّ في الوُضُوءِ واحِدةً، ولا اثْنَتينِ، ولا ثلاثًا، وكان يقولُ: إنَّما هُو الغَسْلُ، وما عمَّ من ذلك أجزأ، والرِّجلانِ وسائرُ الأعْضاءِ سواءٌ. والقولُ عِندَ العُلماءِ على ما قدَّمنا في أُصُولِهِم، في دُخُولِ المِرفَقينِ في الذِّراعينِ، كذلك القولُ عِندهُم في دُخُولِ الكَعْبينِ في غَسْلِ الرِّجلينِ. وجُملةُ قولِ مالكٍ وتحصِيلُ مذهبِهِ: أنَّ المِرفقينِ إن بَقِيَ شيءٌ منهُما مع القطع غُسِلا. قال: وأمّا الكعبانِ، فهُما باقِيانِ مع القطع، ولا بُدَّ من غَسْلِهِما مع الرِّجلينِ. هذا هُو المُختارُ من المذهبِ. والكَعْبانِ: هُما النّاتِئانِ في أصلِ السّاقِ. وعلى هذا مذهبُ الشّافِعيِّ، وأحمد بن حنبل، وداود بن عليٍّ في الكعبينِ. وأمّا العُرقُوبُ، فهُو مَجْمَعُ مَفْصِلِ السّاقِ والقَدَم. وقال أبو جعفرٍ النَّحّاس (١): كلُّ مَفْصِلٍ عِندَ العربِ، كعبٌ. وقال أبو جعفرٍ الطَّحاوِيُّ (٢): للنّاسِ في الكَعْبينِ ثلاثةُ أقوال، فالذي يذهبُ إليه محمدُ بن الحسنِ: أنَّ في القَدم كعبًا، وفي السّاقِ كعبًا، ففي كلِّ رِجْلٍ كعبانِ. قال: وغيرُهُ يقولُ: في كلِّ قَدَم كعبٌ، وموضِعُهُ ظهرُ القدم، ممّا يَلي السّاق. قال: وآخرُونَ يقولُونَ: الكعبُ هُو الدّائرُ بمَغرِزِ السّاقِ، وهُو مُجتمعُ العُرُوقِ، من ظَهْرِ القَدَم إلى العراقِيبِ. قال: والعَربُ تقُولُ: الكعبانِ، هُما العُرقُوبانِ.

стр. 6947

قال أبو عُمر: قد ذكَرْنا في بابِ بلاغاتَ مالكٍ -عِند قوله ﷺ : "ويلٌ للأعقابِ من النّار" (١) - أحكام غَسْلِ الرِّجلينِ، وإبطال قَوْلِ من قال بمَسْحِهِما، وذكَرْنا الحُجَّةَ في ذلك من جِهةِ الأثرِ والنَّظرِ، وذكَرْنا القولَ المُختارَ عِندنا في الكعبينِ هُناك، والحمدُ للَّه. واتَّفقَ مالكٌ والشّافِعيُّ، وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُم: أنَّ الرَّأس لا يُجزِئُ مَسْحُهُ إلّا بماءٍ جدِيدٍ، يأخُذُهُ المُتوضِّئُ لهُ، كما يأخُذُهُ لسائرِ الأعْضاءِ، ومن مسَحَ رأسهُ بماءٍ فَضْلٍ من البَلَلِ في يَديهِ عن غسلِ ذِراعيهِ، لم يُجزِهِ (٢). وقال الأوزاعِيُّ وجماعةٌ من التّابِعينِ: يُجزِئُه. وقد مَضَى القولُ في الوُضُوءِ بالماءِ المُستعملِ، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، عن عَطاءِ بن يسارٍ، عن الصُّنابِحِيِّ. وليس في حدِيثِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ هذا ذِكرُ مَسْح الأُذُنينِ. وقد ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ من وُجُوهٍ: أنَّهُ كان يَمْسحُ أُذنيه في وُضُوئهِ، وقد مَضَى القولُ في مسح الأُذُنينِ، وما في ذلك من الحُكم والاختِيارِ لفُقهاءِ الأمصارِ، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن الصُّنابِحِيِّ أيضًا من كِتابِنا هذا. ومَضَى هُناك أيضًا ذِكرُ المضمضةِ والاستِنثارِ، والحمدُ للَّه كثِيرًا لا شرِيك لهُ.
следующие страницы →