← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6943–6982 · переход к 6948.

стр. 6943

وكان ابن عُمرَ وسلمةُ بن الأكوع يَمْسحانِ مُقدَّم رُؤُوسِهِما (١). وعن جماعةٍ من التّابِعِينَ إجازةُ مسح بعضِ الرَّأسِ (٢). حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عليَّةَ، عن أيُّوبَ، عن محمدِ بن سِيرِين، عن عَمرِو بن وَهْبٍ، قال: كُنّا عِندَ المُغِيرةِ بن شُعبةَ، فقال: مسَحَ نبِيُّ اللَّه ﷺ بناصِيتِهِ (٣). قال أبو عُمر: بينَ ابنِ سِيرِين وبين عَمرِو بن وَهْبٍ في هذا الحدِيثِ رجُلٌ، كذلك قال حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ (٤) (٥).

стр. 6944

وأخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سُليمان التَّيمِيِّ، قال: أخبرنا بكرٌ، عن الحَسَنِ، عن ابن المُغِيرةِ بن شُعبةَ، عن أبيهِ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ توضَّأ ومسَحَ بناصِيتِه. ثُمَّ ذكرَ فوقَ العِمامةِ. قال أبو عُمر: النّاصِيةُ: مُقدَّمُ الرَّأسِ. وأخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: أخبرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا ابن وَهْبٍ، قال: حدَّثني مُعاويةُ بن صالح، عن عبدِ العزيزِ بن مُسلِم، عن أبي مَعقِل، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: رأيتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يَتَوضَّأُ وعليه عِمامةٌ قِطْرِيَّةٌ (٣) فأدخلَ يدهُ من تحتِ العِمامةِ، فمسَحَ مُقدَّم رأسِهِ، ولم ينقُضِ العِمامةَ. وأجازَ الثَّورِيُّ والشّافِعيُّ مسح الرَّأسِ بإصبع واحِدةٍ (٤). وقال أبو حنِيفةَ: إن مسحَ رأسهُ، أو بعضهُ بثلاثةِ أصابِع فما زادَ، أجزأهُ، وإن مسَحَ بأقلَّ من ذلك، لم يُجزِئْهُ (٥).

стр. 6945

والمرأةُ عِند جميع العُلماءِ في مسح رأسِها كالرَّجُلِ سواءٌ، كلٌّ على أصلِهِ. وأمّا غسلُ الرِّجلينِ ففي حدِيثِ عبدِ اللَّه بن زيدِ بن عاصِم: "ثُمَّ غسَلَ رِجلَيهِ". ولم يحُدَّ. وفي حدِيثِ عُثمانَ وعليٍّ، إذ وصَفا وُضُوءَ رسُولِ اللَّه ﷺ في بعضِ الرِّواياتِ عنهُما: "ثُمَّ غسَلَ رِجلَيهِ ثلاثًا" (١). وفي بعضِها: "ثُمَّ غسَلَ رِجْلَيهِ حتّى أنقاهُما" (٢). وفي بعضِها: "ثُمَّ غسَلَ رِجلَيهِ" (٣) فقط. وكذلك في بعضِ الرِّواياتِ عن عُثمانَ: "ثُمَّ مسَحَ رأسهُ ثلاثًا" (٤). وفي أكثرِها: "ثُمَّ مسَحَ رأسهُ" فقط. وفي بعضِها (٥): ثم مسح رأسهُ مرَّةً واحِدةً. والوُضُوءُ كلُّهُ ثلاثًا ثلاثًا.

стр. 6946

وأجمعَ العُلماءُ: أنَّ غسلةً واحِدةً سابِغةً في الرِّجلينِ، وسائرِ الوُضُوءِ تُجزِئُ. وكان مالكٌ لا يحُدُّ في الوُضُوءِ واحِدةً، ولا اثْنَتينِ، ولا ثلاثًا، وكان يقولُ: إنَّما هُو الغَسْلُ، وما عمَّ من ذلك أجزأ، والرِّجلانِ وسائرُ الأعْضاءِ سواءٌ. والقولُ عِندَ العُلماءِ على ما قدَّمنا في أُصُولِهِم، في دُخُولِ المِرفَقينِ في الذِّراعينِ، كذلك القولُ عِندهُم في دُخُولِ الكَعْبينِ في غَسْلِ الرِّجلينِ. وجُملةُ قولِ مالكٍ وتحصِيلُ مذهبِهِ: أنَّ المِرفقينِ إن بَقِيَ شيءٌ منهُما مع القطع غُسِلا. قال: وأمّا الكعبانِ، فهُما باقِيانِ مع القطع، ولا بُدَّ من غَسْلِهِما مع الرِّجلينِ. هذا هُو المُختارُ من المذهبِ. والكَعْبانِ: هُما النّاتِئانِ في أصلِ السّاقِ. وعلى هذا مذهبُ الشّافِعيِّ، وأحمد بن حنبل، وداود بن عليٍّ في الكعبينِ. وأمّا العُرقُوبُ، فهُو مَجْمَعُ مَفْصِلِ السّاقِ والقَدَم. وقال أبو جعفرٍ النَّحّاس (١): كلُّ مَفْصِلٍ عِندَ العربِ، كعبٌ. وقال أبو جعفرٍ الطَّحاوِيُّ (٢): للنّاسِ في الكَعْبينِ ثلاثةُ أقوال، فالذي يذهبُ إليه محمدُ بن الحسنِ: أنَّ في القَدم كعبًا، وفي السّاقِ كعبًا، ففي كلِّ رِجْلٍ كعبانِ. قال: وغيرُهُ يقولُ: في كلِّ قَدَم كعبٌ، وموضِعُهُ ظهرُ القدم، ممّا يَلي السّاق. قال: وآخرُونَ يقولُونَ: الكعبُ هُو الدّائرُ بمَغرِزِ السّاقِ، وهُو مُجتمعُ العُرُوقِ، من ظَهْرِ القَدَم إلى العراقِيبِ. قال: والعَربُ تقُولُ: الكعبانِ، هُما العُرقُوبانِ.

стр. 6947

قال أبو عُمر: قد ذكَرْنا في بابِ بلاغاتَ مالكٍ -عِند قوله ﷺ : "ويلٌ للأعقابِ من النّار" (١) - أحكام غَسْلِ الرِّجلينِ، وإبطال قَوْلِ من قال بمَسْحِهِما، وذكَرْنا الحُجَّةَ في ذلك من جِهةِ الأثرِ والنَّظرِ، وذكَرْنا القولَ المُختارَ عِندنا في الكعبينِ هُناك، والحمدُ للَّه. واتَّفقَ مالكٌ والشّافِعيُّ، وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُم: أنَّ الرَّأس لا يُجزِئُ مَسْحُهُ إلّا بماءٍ جدِيدٍ، يأخُذُهُ المُتوضِّئُ لهُ، كما يأخُذُهُ لسائرِ الأعْضاءِ، ومن مسَحَ رأسهُ بماءٍ فَضْلٍ من البَلَلِ في يَديهِ عن غسلِ ذِراعيهِ، لم يُجزِهِ (٢). وقال الأوزاعِيُّ وجماعةٌ من التّابِعينِ: يُجزِئُه. وقد مَضَى القولُ في الوُضُوءِ بالماءِ المُستعملِ، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، عن عَطاءِ بن يسارٍ، عن الصُّنابِحِيِّ. وليس في حدِيثِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ هذا ذِكرُ مَسْح الأُذُنينِ. وقد ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ من وُجُوهٍ: أنَّهُ كان يَمْسحُ أُذنيه في وُضُوئهِ، وقد مَضَى القولُ في مسح الأُذُنينِ، وما في ذلك من الحُكم والاختِيارِ لفُقهاءِ الأمصارِ، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن الصُّنابِحِيِّ أيضًا من كِتابِنا هذا. ومَضَى هُناك أيضًا ذِكرُ المضمضةِ والاستِنثارِ، والحمدُ للَّه كثِيرًا لا شرِيك لهُ.

стр. 6948

حدِيثٌ ثانٍ لعَمرِو بن يحيى المازِنِيِّ مالكٌ (١)، عن عَمرِو بن يحيى المازِنِيِّ، عن أبي الحُبابِ سعِيدِ بن يَسارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، أنَّهُ قال: رأيتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يُصلِّي وهُو على حِمارٍ، وهُو (٢) مُتوجِّهٌ إلى خيبرَ. هكذا هُو في "المُوطَّأ" عِندَ جميع الرُّواةِ (٣). ورواهُ محمدُ بن إبراهيمَ بن قَحْطَبةَ، عن إسحاق بن إبراهيمَ الحُنينِيِّ، عن مالكٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن أنَسٍ قال: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ وهُو مُتوجِّهٌ إلى خَيْبرَ على حِمارٍ، يُصلِّي على الحِمارِ، ويُومِئُ إيماءً (٤). وهذا ممّا تَفرَّدَ به ابن قحطبةَ، عن الحُنينِيِّ، وهُو خطأٌ لا شَكَّ عِندَهُم فيه، وصوابُ إسنادِهِ ما في "المُوطَّأ": مالكٌ، عن عَمرِو بن يحيى، عن أبي الحُبابِ، عن ابن عُمرَ. وهُو حدِيثٌ انفردَ بذِكرِ الحِمارِ فيه عَمرُو بن يحيى، واللَّه أعلمُ.

стр. 6949

قال أبو عُمر: هذا في التَّطوُّع، دونَ (١) الفرِيضةِ بإجماع من العُلماءِ، لا تَنازُعَ بينهُم في ذلك، فأغنانا إجماعُهُم عن الاستِدلالِ على ما وصَفْنا. وقد ذكَرْنا الآثار الدّالَّةَ على ذلك (٢)، في بابِ عبدِ اللَّه بن دِينارٍ، من هذا الكِتابِ، وذكَرْنا هناك ما للعُلماءِ (٣) من الاتِّفاقِ والاختِلافِ في السَّفرِ الذي يجُوزُ فيه التَّطوُّعُ على الدّابَّةِ، مُستوعبًا مبسُوطًا، والحمدُ للَّه. وقال النَّسائيُّ (٤): لم يُتابع عَمرُو بن يحيى على قولِهِ: يُصلِّي على حِمارٍ. وإنَّما يقولُون: على راحِلتِهِ. قال أبو عُمر: بينَ الصَّلاةِ على الدابّة (٥)، والصَّلاةِ على الرّاحِلةِ فرقٌ في التَّمكُّنِ لا يُجهلُ، والمحفُوظُ في حدِيثِ ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كان يُصلِّي على راحِلتِهِ تطوُّعًا في السَّفرِ حَيْثُ توجَّهت به. وتلا (٦) ابن عُمر: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. وهذا معناهُ في النّافِلةِ بالسُّنَّةِ إن كان آمِنًا، وأمّا الخَوْفُ فتُصلَّى الفرِيضةُ على الدّابَّةِ، لقولِ اللَّه : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] وهذا كلُّهُ مُجتَمعٌ عليه من فُقهاءِ الأمصارِ وجُمهُورِ العُلماءِ. وأمّا قولُ النَّسائيِّ: إنَّ عَمرو بن يحيى انفردَ بقولِهِ: "على حِمارٍ". فإنَّما (٧)

стр. 6950

أرادَ، واللَّهُ أعلمُ، في حَدِيثِ ابن عُمر، فإنَّهُ لا يُعرَفُ في حدِيثِ ابن عُمرَ إلّا: على راحِلتِهِ. وأمّا غيرُ ابن عُمرَ، فقد رُوِي من حدِيثِ جابرٍ قال: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يُصلِّي أينَما كان وجهُهُ على الدّابَّةِ؛ رواهُ مِسعرٌ، عن بُكيرِ بن الأخنسِ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّه (١). وقال الحسنُ: كان أصحابُ رسُولِ اللَّه ﷺ يُصلُّونَ في أسفارِهِم على دوابِّهِم أينَما كانت وُجُوهُهُم رواهُ هُشَيمٌ، عن عليِّ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ، فذكرهُ (٢) (٣).

стр. 6951

حدِيثٌ ثالِثٌ لعَمرِو بن يحيى مالكٌ (١)، عن عَمرِو بن يحيى المازِنِيِّ، عن أبيهِ، أنَّهُ قال: سَمِعتُ أبا سَعِيدٍ الخُدرِيَّ يقولُ: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ليسَ فيما دُونَ خمسِ ذَوْدٍ صدقةٌ، وليسَ فيما دُونَ خمسِ أواقٍ صَدَقةٌ، وليسَ فيما دُونَ خمسةِ أوسُقٍ صَدَقةٌ". هذا حدِيثٌ صحِيحُ الإسنادِ عِندَ جميع أهلِ الحدِيثِ. وأمّا حدِيثُ مالكٍ، عن محمدِ بن عبدِ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ في مِثلِ هذا المتنِ، فخَطأٌ في الإسنادِ، وإنَّما هو الحدِيثُ محفُوظٌ ليحيى بن عُمارةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ. وقد ذكَرْنا الرِّوايةَ الصَّحِيحةَ في ذلك، في بابِ محمدِ بن أبي صَعْصَعةَ من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه. وهذا الحدِيثُ رواهُ عن عَمرِو بن يحيى جماعةٌ من جِلَّةِ العُلماءِ، احتاجُوا إليه فيه، ورواهُ عن أبيهِ أيضًا جماعةٌ. والحدِيثُ صحِيحٌ بهذا الإسنادِ. أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ. وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): أخبرنا محمدُ بن المُثنَّى ومحمدُ بن بشّارٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا سُفيانُ وشُعبةُ ومالكٌ، عن عَمرِو بن يحيى، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ

стр. 6952

الخُدرِيِّ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ليسَ فيما دُونَ خمسةِ أوسُقٍ، ولا فيما دُون خَمْسِ ذودٍ، ولا فيما دُونَ خمسِ أواقٍ فضّةً صدقةٌ". قال (١): وأخبَرنا عِيسى بن حمّادٍ، قال: أخبَرنا اللَّيثُ، عن يحيى بن سعِيدٍ، عن عَمرِو بن يحيى (٢) بن عُمارةَ، عن أبيهِ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "ليسَ فيما دُونَ خمسِ ذَوْدٍ، ولا فيما دُونَ خمسِ أواقٍ صَدَقةٌ، ولا فيما دُونَ خمسةِ أوسُقٍ صَدَقةٌ". قال (٣): وأخبَرنا إسماعيلُ بن مسعُودٍ، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن زُريع، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن القاسم، قال: حدَّثني عَمرُو بن يحيى بن عُمارةَ، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، عن رسُولِ اللَّه ﷺ قال: "لا يحِلُّ في البُرِّ والتَّمرِ زَكاةٌ، حتّى يبلُغَ خَمْسةَ أوسُقٍ، ولا يحِلُّ في الوَرِقِ زكاةٌ، حتّى تبلُغَ خمسَ أواقٍ، ولا يحِلُّ في الإبِلِ زكاةٌ، حتّى تَبلُغَ خمس ذودٍ". قال (٤): وأخبَرنا أحمدُ بن عَبْدةَ، قال: أخبرنا حمّادٌ، عن يحيى بن سَعِيدٍ وعُبيدِ اللَّه بن عُمر، عن عَمرِو بن يحيى، عن أبيهِ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "ليسَ فيما دُونَ خمسِ أواقٍ صَدَقةٌ، وليس فيما دُونَ خمسِ ذَوْدٍ صَدَقةٌ، وليس فيما دُونَ خمسةِ أوسُقٍ صَدَقةٌ".

стр. 6953

قال (١): وأخبَرنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا سُفيانُ (٢)، عن إسماعيلَ بن أُميَّةَ، عن محمدِ بن يحيى بن حَبّان، عن يحيى بن عُمارةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ليسَ في حَبٍّ ولا تمرٍ صدقةٌ، حتّى تبلُغَ خمسةَ أوسُقٍ، ولا فيما دُونَ خمسِ ذَوْدٍ، ولا فيما دُونَ خمسِ أواقٍ صَدَقةٌ". قال حمزةُ: لم يذكُر أحدٌ في هذا الحدِيثِ: "في حبٍّ" غيرُ إسماعيل بن أُميَّةَ، وهُو ثِقةٌ قُرَشِيٌّ، من ولدِ سعِيدِ بن العاصِ. قال: وهذه السُّنَّةُ لم يروِها عنِ النَّبيِّ ﷺ أحدٌ من أصحابِهِ غيرُ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ. قال أبو عُمر: هُو كما قال حمزةُ، لم يَقُل أحدٌ في هذا الحدِيثِ: "من حبٍّ" غيرُ إسماعيلَ بن أُميَّةَ، عن محمدِ بن يحيى بن حَبّان، عن يحيى بن عُمارةَ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ. وقد قيلَ: إنَّ (٣) هذا الحدِيث ليسَ يأتي من وَجْهٍ لا مَطعنَ فيه ولا عِلَّةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، إلّا من حدِيثِ يحيى بن عُمارةَ، عنهُ. من رِوايةِ ابنِهِ عَمرِو بن يحيى، عنهُ. ومن رِوايةِ محمدِ بن يحيى بن حبّان عنهُ. وقد رُوِي من حدِيثِ ابن أبي صَعْصعةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ (٤)، وقد مَضَى ذِكرُ العِلَّةِ فيه بهذا الإسنادِ. وقد وجَدْناهُ من حدِيثِ أبي هريرةَ بإسنادٍ حَسنٍ:

стр. 6954

حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاحٌ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا عليُّ بن إسحاقَ، عنِ ابن المُباركِ، عن مَعْمرٍ، قال: حدَّثني سُهَيلُ بن أبي صالح، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "ليسَ فيما دُونَ خَمْسةِ أوساقٍ صَدَقةٌ، وليسَ فيما دُونَ خمسِ أواقٍ صَدَقةٌ، وليسَ فيما دُونَ خَمْسِ ذودٍ صَدَقةٌ". ورَوَى أبو البَخْترِيِّ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "ليسَ فيما دُونَ خمسةِ أوساقٍ زَكاةٌ". رواهُ وكِيعٌ، وغيرُهُ، عن إدرِيسَ الأودِيِّ، عن عَمرِو بن مُرَّةَ، عن أبي البَخْترِيِّ (٢). ويقولُونَ: إنَّ أبا البَخْترِيِّ لم يَسْمع من أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ (٣). قال أبو عُمر: قد رَوَى أبو البخترِيِّ عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ أحادِيث غيرَ هذا، وسِنُّهُ فوقَ إدراكِ أبي سَعِيدٍ. وهذه (٤) سُنّةٌ جليلةٌ تلقّاها الجميعُ بالقبول، ولم يَرْوِها أحَدٌ عن النَّبيِّ ﷺ من وجهٍ ثابتٍ محفوظٍ عن أبي سعيد الخُدريّ.

стр. 6955

وقد رُوي (١) عن جابرٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ مِثلُ ذلك، ولكِنَّهُ غريبٌ غيرُ محفُوظٍ، حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتِيُّ، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ موسى بن مسعُودٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُسلِم الطّائفِيُّ، عن عَمرِو بن دِينارٍ، قال: كان جابرُ بن عبدِ اللَّه يقولُ: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لا صَدَقةَ في شيءٍ من الزَّرع، أوِ النَّخلِ، أوِ الكرم، حتّى يكونَ خمسةَ أوسُقٍ، ولا في الرِّقَّةِ حتّى تبلُغَ مِئَتي دِرهم" (٢). قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ: "ليسَ فيما دُونَ خمسِ ذَوْدٍ صدقةٌ". فالذَّودُ، واحِدٌ من الإبِلِ، فكأنَّهُ قال: ليسَ فيما دُون خمسٍ من الإبِلِ، أو خمسِ إبِل، أو خمسِ جِمال، أو خمسِ نُوقٍ صدقةٌ. والذَّودُ واحِدٌ من هذه كلِّها (٣)، ومنهُ قيل: الذَّودُ إلى الذَّودِ إبِلٌ. وقد قيل: إنَّ الذَّود: القِطعةُ من الإبِلِ ما بينَ الثَّلاثِ إلى العَشْرِ، والأوَّلُ أكثرُ وأشهرُ، قال الحُطيئَةُ (٤): ونحنُ ثلاثةٌ وثلاثُ ذودٍ ... لقد عالَ الزَّمانُ على عِيالِي أي: مال عليهم.

стр. 6956

والصَّدقةُ: الزَّكاةُ المعرُوفةُ، وهي الصَّدقةُ المفرُوضةُ، سمّاها اللَّه صدقةً، وسمّاها زكاةً، قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآيةَ [التوبة: ٦٠] يعني الزَّكواتِ. وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠، والنساء: ٧٧، والنور: ٥٦، والمزمل: ٢]. وقال: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٧]. فهي الصَّدقةُ، وهي الزَّكاةُ، وهذا ما لا تَنازُع فيه، ولا اختِلافَ. ففي هذا الحدِيثِ دليلٌ على أنَّ ما كانَ دُونَ خمسٍ من الإبِلِ، فلا زكاةَ فيه. وهذا إجماعٌ أيضًا من عُلماءِ المُسلِمِين، فإذا بلَغَت خمسًا، ففيها شاةٌ. واسمُ الشّاةِ يَقعُ على واحِدةٍ من الغَنم، والغنمُ: الضَّأنُ، والمعزُ جميعًا. وهذا أيضًا إجماعٌ من العُلماءِ، أنَّهُ ليسَ في خمسٍ من الإبِلِ إلّا شاةٌ واحِدةٌ، وهي فرِيضتُها، إلى تِسع، فإذا بلغتِ الإبِلُ عشرًا ففيها شاتانِ، وهي فرِيضتُها إلى أربع عشرةَ، فإذا بلغت خمس عَشْرةَ ففيها ثلاثُ شِياهٍ، وهي فرِيضتُها إلى عِشرِينَ، فإذا بلغت عِشرِينَ ففيها أربعُ شِياهٍ، وهي فرِيضتُها إلى أربع وعِشرِينَ، فإذا بلغت خمسًا وعِشرِينَ، ففيها ابنةُ مخاضٍ، وهي ابنةُ حَوْلٍ كامل، فإن لم تكُن بنت مخاضٍ، فابنُ لبُونٍ ذكرٌ. وقد وصفنا أسنان الإبِلِ كلَّها، من أوَّلِها إلى آخِرِها، ما يُؤخذُ منها في الصَّدقاتِ وفي الدِّياتِ، في بابِ عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ من هذا الكِتابِ، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهُنا. وابنةُ مخاضٍ، أوِ ابن لبُونٍ، إن لم تُوجَدِ ابنةُ مخاضٍ فرِيضةُ خمسٍ وعِشرِينَ من الإبِلِ إلى خمسٍ وثلاثِين منها، فإذا كانت سِتًّا وثلاثِينَ، ففيها ابنةُ لبُونٍ، وهي فَرِيضتُها إلى خمسٍ وأربعينَ، فإذا كانت سِتًّا وأربعينَ، ففيها حِقَّةٌ، وهي فرِيضتُها حتّى

стр. 6957

تبلُغَ سِتِّين، فإذا كانت إحْدَى وسِتِّينَ، ففيها جَذَعةٌ، وهي فَرِيضتُها إلى خمسٍ وسبعِينَ، فإذا كانت سِتًّا وسبعِينَ، ففيها ابنتا لبُونٍ، وهي فَرِيضتُها إلى تِسعِينَ، فإذا كانت إحْدَى وتِسعِينَ، ففيها حِقَّتانِ، وهي فَرِيضتُها إلى عِشرِينَ ومئةٍ، فإذا كانت إحْدَى وعِشرِينَ ومئةً، فهذا موضِعُ اختِلافٍ بين العُلماءِ، وكلُّ ما قدَّمتُ لكَ إجماعٌ لا خِلاف فيه. وأمّا اختِلافُهُم في هذا الموضِع. فإنَّ مالكًا (١) قال: إذا زادتِ الإبِلُ على عِشرِينَ ومئةٍ واحِدةً، فالمُصدِّقُ بالخِيارِ، إن شاءَ أخذَ ثلاث بناتِ لبُونٍ، وإن شاءَ أخذ حِقَّتينِ. قال ابن القاسم (٢): وقال ابن شِهابٍ: إذا زادَتْ واحِدةً على عِشرِينَ ومئةٍ، ففيها ثلاثُ بناتِ لبُونٍ، إلى أن تبلُغَ ثلاثِين ومئةً، فيكونُ فيها حِقَّةٌ، وابنتا لبُونٍ. قال ابن قاسم: يتَّفِقُ ابن شِهابٍ ومالكٌ في هذا، ويختلِفانِ فيما (٣) بينَ واحِدٍ وعِشرِينَ ومئةٍ، إلى تِسع وعِشرِينَ ومئةٍ. قال ابن القاسم: ورأيِي على قولِ ابن شِهابٍ. وذكرَ ابن حبِيبٍ: أنَّ عبد العزيزِ بن أبي سَلَمةَ، وعبد العزيزِ بن أبي حازِم، وابن دِينارٍ، يقولُونَ بقولِ مالكٍ: إنَّ السّاعِي مُخيَّرٌ إذا زادتِ الإبِلُ على عِشرِينَ ومئةٍ في حِقَّتينِ، أو ثلاثِ بناتِ لبُونٍ. كما قال مالكٌ. وذكر أنَّ المُغِيرةَ المخزُومِيَّ كان يقولُ: إذا زادتِ الإبِلُ على عِشرِينَ ومئةٍ، ففيها حِقَّتانِ لا غيرَ، إلى ثلاثِين ومئةٍ، وليس السّاعِي في ذلك مُخيَّرًا. قال: وأخذ عبدُ الملكِ بن الماجِشُونِ بقولِ المُغِيرةِ في ذلك.

стр. 6958

قال أبو عُمر: إذا بلغتِ الإبِلُ ثلاثِين ومئةً، ففيها حِقَّةٌ وابنَتا لبُونٍ، بإجماع من العُلماءِ؛ لأنَّ الأصل في فرائضِ الإبِلِ المُجتمع عليها: في كلِّ خمسِينَ حِقَّةٌ، وفي كلِّ أربعينَ بنتُ لبُونٍ، فلمّا احتَملَتِ (١) الزِّيادةُ على عِشرِينَ ومئةٍ الوَجْهينِ (٢) جميعًا، وقعَ الاختِلافُ كما رأيتَ، للاحتِمالِ في الأصلِ. وقال الشّافِعيُّ، والأوزاعِيُّ: إذا زادتِ الإبِلُ على عِشرِينَ ومئةٍ، ففيها ثلاثُ بناتِ لبُونٍ، وفي كلِّ خمسِينَ حِقَّةٌ، وفي كلِّ أربعينَ بنتُ لبُونٍ (٣). وقال أبو حنِيفةَ، وأصحابُهُ، والثَّورِيُّ: إذا زادتِ الإبِلُ على عِشرِين ومئةٍ، استقبل الفرِيضةَ. وهذا الذي ذكرتُ لك أنَّهُ إجماعٌ من العُلماءِ في هذا البابِ هُو الثّابِتُ عنِ النَّبيِّ ﷺ بنقلِ الكافَّةِ، ونقلهُ الآحادُ الثِّقاتُ (٤) أيضًا في كِتابِ عَمرِو بن حزم وغيرِهِ، وفي كِتابِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، وعُمر الفارُوقِ إلى العُمّالِ، وهُو المعمُولُ به عِندَ جماعةِ العُلماءِ في جميع الآفاقِ. والأحادِيثُ في ذلك كثِيرةٌ، قد ذكَرَها المُصنِّفُون، وكثَّرُوا فيها، وما ذكَرْنا وحكينا يُغني عنها، وأحسنُ شيءٍ منها: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا المُطَّلِبُ بن شُعَيب، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني يُونُسُ، عنِ ابن شِهابٍ في الصَّدَقاتِ، قال ابن شِهابٍ: هذه نُسخةُ كِتابِ

стр. 6959

رسُولِ اللَّه ﷺ في الصَّدقةِ، وهي عِندَ آلِ عُمر بن الخطّابِ. قال يُونُسُ: حدَّثني ابن شِهابٍ قال: أقْرَأنِيها سالمٌ، فوَعَيتُها على وَجْهِها، وهي التي انتسَخَ عُمرُ بن عبدِ العزيزِ من عبدِ اللَّه وسالم ابني عبدِ اللَّه بن عُمر، وأمرَ عُمّالهُ بالعَملِ بها، ولم يزلِ الخُلفاءُ يعملُونَ بها. وهذا كِتابُ تَفْسِيرِها: لا يُؤخذُ في شيءٍ من الإبِلِ صدقةٌ، حتّى تبلُغَ خمسَ ذودٍ، فإذا بلغَتْ خمسًا، ففيها شاةٌ، حتّى تبلُغَ عشرًا، فإذا بلغت عشرًا، ففيها شاتانِ، حتّى تبلُغَ خمس عشرةَ، فإذا بلغت خمسَ عشرةَ، ففيها ثلاثُ شِياهٍ، حتّى تبلُغَ عِشرِينَ، فإذا بلغَتْ عِشرِينَ، ففيها أربعُ شِياهٍ، حتّى تبلُغَ خمسًا وعِشرِينَ، فإذا بلغَتْ خمسًا وعِشرِينَ افترضت، فكان فيها فرِيضةُ ابنةِ مخاضٍ، فإن لم تُوجَدِ ابنةُ مخاضٍ، فابنُ لبُونٍ ذكرٌ، حتّى تبلُغ خمسًا وثلاثِينَ، فإذا كانت سِتًّا وثلاثِينَ، ففيها ابنةُ لبُونٍ، حتّى تبلُغَ خمسًا وأربعينَ، فإذا كانت سِتًّا وأربعينَ، ففيها حِقَّةٌ طَرُوقةُ الجملِ (١) حتّى تبلُغ ستِّينَ، فإذا كانت إحْدَى وسِتِّينَ، ففيها جَذَعةٌ، حتّى تبلُغ خمسًا وسبعِينَ، فإذا بلغت سِتًّا وسبعِينَ، ففيها ابنتا لبُونٍ، حتّى تبلُغَ تِسعِين، فإذا كانت إحْدَى وتِسعِينَ، ففيها حِقَّتانِ طرُوقتا الجملِ، حتّى تبلُغ عِشرِينَ ومئةً، فإذا كانت إحْدَى وعِشرِينَ ومئةً، ففيها ثلاثُ بناتِ لبُونٍ، حتّى تبلُغ تِسعًا وعِشرِينَ ومئةً، فإذا كانت ثلاثِينَ ومئةً، ففيها حِقَّةٌ وابنتا لبُونٍ، حتّى تبلُغ تِسعًا وثلاثِين ومئةً، فإذا كانت أربعِيَن ومئةً ففيها حِقَّتانِ، وابنةُ لبُونٍ، حتّى تبلُغ تِسعًا وأربعين ومئةً، فإذا كانت خمسِينَ ومئةً، ففيها ثلاثُ حِقاقٍ، حتّى تبلُغَ تِسعًا وخمسِينَ ومئةً، فإذا كانت ستِّينَ ومئةً، ففيها أربعُ بناتِ لَبُونٍ، حتّى تبلُغَ تِسعًا وسِتِّينَ ومئةً، فإذا بلغت سبعِينَ ومئةً، ففيها حِقَّةٌ، وثلاثُ بناتِ لبُونٍ،

стр. 6960

حتّى تبلُغَ تِسعًا وسبعِينَ ومئةً، فإذا بلغَتْ ثمانِين ومئةً، ففيها حِقَّتانِ وابنتا لبُونٍ، حتّى تبلُغ تِسعًا وثمانِين ومئةً، فإذا كانت تِسعِينَ ومئةً ففيها ثلاثُ حِقاقٍ، وابنةُ لبُونٍ حتّى تبلُغَ تِسعًا وتِسعِينَ ومئةً، فإذا كانت مِئَتينِ ففيها أربعُ حِقاقٍ، أو خمسُ بناتِ لبُونٍ، أيُّ السِّنِين وُجِدت أُخِذت. ولا تُؤخَذُ من الغنم صدقةٌ، حتّى تبلُغَ أربعينَ، فإذا بلغت أربعينَ، ففيها شاةٌ، حتّى تبلُغَ عِشرِينَ ومئةً، فإذا كانت إحْدَى وعِشرِينَ ومئةً، ففيها شاتانِ، حتّى تبلُغ مِئَتي شاةٍ، فإذا كانت مِئَتي شاةٍ وشاةً، ففيها ثلاثُ شِياهٍ، حتّى تبلُغ ثلاث مئةٍ، فإذا زادت على ثلاثِ مئةِ شاةٍ، ففي كلِّ مئة شاةٌ فليسَ فيها إلّا ثلاثُ (١) شِياهٍ، حتّى تبلُغ أربع مئةِ شاةٍ، ففيها أربعُ شِياهٍ، حتّى تكونَ خمس مئةٍ، ففيها خمسُ شِياهٍ. ثُمَّ ذكَرَها هكذا إلى ألفٍ (٢)، فيكونُ فيها عشرُ شِياهٍ، في كلِّ مئةِ شاةٍ شاةٌ. قال: ثُمَّ كلَّما زادت مئةً، ففيها شاةٌ. وليسَ في الوَرِقِ، صدقةٌ حتّى تبلُغ مِئَتي دِرهم، فإذا بلذت مِئَتي دِرهم، ففيها خمسةُ دراهِم، ثُمَّ في كلِّ أربعينَ دِرهمًا زادَ على مِئَتي دِرهم دِرهمٌ، وليسَ في الذَّهبِ صَدَقةٌ، حتّى يبلُغ صَرْفُها مِئَتي دِرهم، فإذا بلغَ صرفُها مِئَتي دِرهم، ففيها خمسةُ دراهِمَ، ثُمَّ في كلِّ شيء (٣) يبلُغُ صرفُهُ أربعينَ دِرهمًا، دِرهمٌ حتّى تبلُغَ أربعينَ دِينارًا، فإذا بلغَتْ أربعينَ دِينارًا، ففيها دِينارٌ، ثُمَّ ما زادَ على ذلك من الذَّهَبِ، ففي صرفِ أربعينَ دِرهمًا دِرهمٌ، وفي كلِّ أربعينَ دِينارًا، دِينارٌ.

стр. 6961

وليسَ في السَّواني (١) من الإبِلِ، والبَقرِ، ولا بَقَرِ الحرثِ صَدَقةٌ، من أجلِ أنَّها سواني (٢) الزَّرع، وعوامِلُ الحَرْثِ. وفي كلِّ ثلاثِينَ بقرةً تبِيعٌ ذكرٌ، وفي كلِّ أربعينَ بَقَرةً، بقرةٌ (٣). قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ في زكاةِ الذَّهبِ، وبَقرِ الحرثِ، والسَّواني (٤)، وعوامِلِ الإبِلِ، فليسَ ذلك في شيءٍ من الأحادِيثِ المرفُوعةِ، إلّا في هذا الحدِيثِ. وهُو من رأيِ ابن شِهابٍ محفُوظٌ، وكثيرًا ما كان يُدخِلُ في أواخِرِ الأحادِيثِ رأيَهُ، فيَظُنُّ السّامِعُ أنَّ ذلك في الحدِيثِ. وكلُّ ما في هذا الحدِيثِ، فإجماعٌ من العُلماءِ، إلّا في زكاةِ الذَّهَبِ، فإنَّ الجُمهُورَ على خِلافِ ابن شِهابٍ في ذلك، والخِلافُ فيه على ما نَذكُرُهُ بعدُ في هذا البابِ، وكذلك الخِلافُ في مَوْضِع واحِدٍ من زكاةِ الغنم، وفي زكاةِ العَوامِلِ من الإبِلِ، والبقرِ. فأمّا اختِلافُهُم في زكاةِ الإبِلِ العَوامِلِ، والبقرِ العوامِلِ: فذهَبَ مالكٌ، إلى أنَّ الزَّكاةَ فيها واجِبةٌ، كغيرِ العَوامِلِ سواءً (٥). وهُو قولُ مَكحُول، وقَتادةَ، ورِوايةٌ عنِ اللَّيثِ، رواها ابن وَهْبٍ عنهُ. وقال الثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ وسعِيدُ بن عبدِ العزيزِ والشّافِعيُّ (٦) وأبو حنِيفةَ (٧)

стр. 6962

وأصحابُهُما والحسنُ بن صالح وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثورٍ وأبو عُبيدٍ وداودُ والطَّبرِيُّ: ليسَ في العَوامِلِ من الإبِلِ، والبَقرِ صدقةٌ (١). ورُوِي ذلك عن عليٍّ، ومُعاذٍ، وجابرِ بن عبدِ اللَّه. ولا مُخالِف لهم من الصَّحابةِ (٢). ورَوَى عبدُ اللَّه بن صالح، عنِ اللَّيثِ مِثل ذلك. وهُو قولُ جماعةِ التّابِعِين بالحِجازِ، والعِراقِ. وحُجَّةُ من أوجبَ الزَّكاةَ في العوامِلِ من الإبِلِ، والبَقَرِ، ظاهِرُ الأحادِيثِ في الإبِلِ والبَقَرِ: في كلِّ ثلاثِين بَقَرةً تبِيعٌ، وفي كلِّ أربعينَ مُسِنَّةٌ. لم يخُصَّ عامِلًا عن غيرِ عامِلٍ. وحُجَّةُ من أسقطَ عنها الزَّكاةَ، حدِيثُ بهزِ بن حكِيم، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، قال: سمِعتُ رسُول اللَّه ﷺ يقولُ: "في كلِّ إبِلٍ سائمةٍ من كلِّ أربعينَ بنتُ لبُونٍ. . . " الحدِيثَ (٣). قالوا: والسّائمةُ هي الرّاعِيةُ التي يُطلَبُ نماؤُها في نَسْلِها ورِسْلِها (٤). قالوا: وفي ذِكرِ السّائمةِ، نفيٌ للزَّكاةِ عنِ العامِلةِ.

стр. 6963

وبين أصحابِ مالكٍ وبين مُخالِفيهم في زكاةِ العوامِلِ من جِهةِ النَّظرِ والمُقايساتِ ما رغِبتُ عن ذِكرِهِ. قال أبو عُمر: وأمّا الموضِعُ الذي اختَلَفُوا فيه من زكاةِ الغنم، فهُو: إذا زادت على ثلاثِ مئةِ شاةٍ؛ فإنَّ الحسن بن صالح بن حيٍّ قال: إذا كانتِ الغنمُ ثلاث مئةِ شاةٍ وشاةً ففيها أربعُ شياهٍ، وإذا كانت أربع مئةِ شاةٍ وشاةً، ففيها خمسُ شِياهٍ، ثُمَّ هكذا كلَّما زادت، في كلِّ مئةٍ شاةٌ. ورُوِيَ عن منصُورٍ، عن إبراهيمَ نحوهُ (١). وقال مالكٌ (٢) والثَّورِيُّ وأبو حنِيفةَ والشّافِعيُّ (٣) وسائرُ الفُقهاءِ: في مِئَتي شاةٍ وشاةٍ ثلاثُ شِياهٍ، ثُمَّ لا شيءَ فيها زائدًا إلى أربع مئةٍ، فيكون فيها أربعُ شِياهٍ، ثُمَّ كلَّما زادت مئةً، ففيها شاةٌ. اتِّفاقًا وإجماعًا (٤). والآثارُ المروِيَّةُ عنِ النَّبيِّ ﷺ كلُّها تدُلُّ على ما قالَ مالكٌ وسائرُ الفُقهاءِ، دُونَ ما قال الحسنُ بن حيٍّ؛ لأنَّ في جَميعِها في صدقةِ الغنم: فإذا زادت على ثلاثِ مئةٍ، ففي كلِّ مئةٍ شاةٌ. وهذا يَقْتضِي ما قال الفُقهاءُ، وجماعةُ العُلماءِ، دُونَ ما قال الحسن بن حيّ، وهذه مَسْألةٌ وهِمَ فيها ابن المُنذِرِ (٥)، وحَكَى فيها عنِ العُلماءِ الخطأ، وخَلَط وأكثرَ الغلط. وأمّا قولُ رسُولِ اللَّه ﷺ في حدِيثِ هذا البابِ: "وليسَ فيما دُونَ خمسِ أواقٍ صَدَقةٌ". فإنَّهُ إجماعٌ من أهلِ العِلم أيضًا.

стр. 6964

وفي هذا القولِ مَعنيانِ: أحدُهُما نفيُ الزَّكاةِ عمّا دُونَ خمسِ أواقٍ. والمعنى الثّانِي: إيجابُها في ذلك المِقدارِ، وفِيما زادَ عليه بحِسابِهِ. هذا ما يُوجِبُهُ ظاهِرُ هذا الحدِيثِ، لعدَم النَّصِّ عنِ العفوِ (١) عمّا بعدَ الخمسِ الأواقي، حتّى تُبلُغَ مِقدارًا ما، فلمّا عُدِمَ النَّصُّ في ذلك، وجبَ القولُ بإيجابِها في القليلِ والكثِيرِ، بدلالةِ العفوِ عمّا دُونَ الخمسِ الأواقي، وعلى هذا أكثرُ العُلماءِ. وسَنذكُرُ القائلِينَ به، والخِلاف فيه في هذا البابِ بعدُ، إن شاءَ اللَّه. والأُوقِيَّةُ عِندَهُم: أربعُون دِرهمًا كيلًا، لا خِلافَ في ذلك، والأصلُ في الأُوقِيَّةِ، ما ذكرَ أبو عُبيدٍ في كِتابِ "الأموالِ" (٢)، قال: كانتِ الدَّراهِمُ غير مَعلُومةٍ إلى أيّام عبدِ الملكِ بن مروان، فجَمَعها وجعلَ (٣) كلَّ عَشَرةٍ من الدَّراهِم، وزن سبعةِ مثاقيل. قال: وكانتِ الدَّراهِمُ يومئذٍ من ثمانِيةِ دوانِق زَيْفٍ، ودِرهمٌ من أربعةِ دوانِق جيِّدة. قال: فاجتمعَ رأيُ عُلماءِ ذلك الوقتِ لعبدِ الملكِ، على أن جَمعُوا الأربعةَ الدَّوانِق إلى الثَّمانِيةِ، فصارتِ اثني عشر دانِقًا، فجعلُوا الدَّراهمَ سِتَّةَ دوانِق، وسمَّوهُ كيلًا، واجتمعَ لهم في ذلك أنَّ في كلِّ مِئَتي دِرهم زكاةً، وأنّ أربعينَ دِرهمًا أُوقِيَّةٌ، وأنَّ في الخمسِ الأواقِي، التي قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ليسَ فيما دُونها صدقةٌ". مِئَتي دِرهم لا زِيادةَ، وهي نِصابُ الصَّدقةِ. قال أبو عُمر: ما حَكاهُ أبو عُبيدٍ يَسْتحِيلُ، لأنَّ الأُوقِيَّةَ على عَهدِ رسُولِ اللَّه ﷺ لم يجُز أن تكونَ مجهُولةَ المبلغ من الدَّراهِم في الوَزنِ، ثُمَّ يُوجِبُ الزَّكاةَ عليها، وهي لا يُعلَمُ مبلغُ وَزْنِها. ووزنُ الدِّينارِ دِرهمانِ، أمرٌ مُجتمعٌ عليه في البُلدانِ، وكذلك درهمُ الورق اليومَ أمرٌ مجتَمعٌ عليه، معرُوفٌ في الآفاقِ عِندَ جماعةِ أهلِ الإسلام.

стр. 6965

إلّا أنَّ الوزنَ عِندنا بالأندلُسِ مُخالِفٌ لوزنِهِم، فالدِّرهمُ الكيلُ عِندَهُم، هُو عِندنا بالأندلُسِ دِرهم وأربعةُ أعشارِ دِرهم، لأنَّ دَراهِمنا مبنِيّةٌ على دَخْلِ أربعينَ ومئةٍ في مئةٍ كيلًا، هكذا أجمعَ الأُمراءُ والنّاسُ عليها عِندَنا بالأندلُسِ في جَميع نواحِيها، فعلى ما ذكَرْنا في الدِّرهم المعهُودِ عِندَنا أنَّهُ دِرهمٌ وخُمسانِ، تكونُ المئتا دِرهم كيلًا، مئتَي دِرهم وثمانين دِرهمًا. وقيل: إنَّ الدِّرهم المعهُود بالمشرِقِ، وهُو الدِّرهمُ الكيلُ المذكُورُ، هُو بوَزنِنا اليومَ بالأندلُسِ دِرهمٌ ونصِفٌ، وأظُنُّ ذلك بمِصرَ وما والاها، وأمّا أوزانُ العِراقِ، فعلى ما ذكرتُ لك، لم يُختلَف عليها أنَّ دِرهمهُم دِرهمٌ وأربعةُ أعشارِ دِرهم بوَزنِنا. وقد حكى الأثرمُ، عن أحمد بن حنبل، أنَّهُ ذكرَ اختِلافَ الدِّينارِ والدِّرهم باليمنِ وناحِيةِ عَدَن، فقال: قدِ اصطلَحَ النّاسُ على دَراهِمِنا، وإن كان بينهُم في ذلك اختِلافٌ. قال: وأمّا الدَّنانِيرُ، فليسَ فيها اختِلافٌ، فجُملهُ النِّصابِ ومَبْلغُهُ عِندَنا اليوم بوَزينا ودخلِنا، على حسَبِ ما وصفنا: خمسةٌ وثلاثُون دِينارًا دراهِم، حِسابُ الدِّينارِ ثمانِيةُ دَراهِم بدَراهِمِنا التي هي دخلُ أربعينَ ومئةٍ في مئةٍ كيلًا، وهذا على حِسابِ الدِّرهم، الكيلُ دِرهمٌ وأربعةُ أعشارِ دِرهم، وعلى حِسابِ الدِّرهم دِرهمٌ ونِصفٌ، يكونُ سبعةً وثلاثِين دِينارًا دراهِم، وأربعةَ دراهِم، فإذا ملكَ الحُرُّ المُسلِمُ وزن المِئَتي دِرهم المَذكُورةِ من فِضَّةٍ، مَضرُوبةً أو غيرَ مضرُوبةٍ، وهي الخمسُ الأواقي المنصُوصةُ في الحدِيثِ، حولًا كامِلًا، فقد وجبَتْ عليه صدقتُها، وذلك رُبعُ عُشرِها: خمسةُ دراهِم للمَساكِينِ والفُقراءِ، ومن ذُكِر في آيةِ الصَّدقاتِ، إلّا المُؤَلَّفةَ قُلُوبُهُم، فإنَّ اللَّه قد أغْنَى الإسلام وأهلهُ اليومَ عن أن يُتألَّف عليه.

стр. 6966

وسائرُ الأصنافِ المذكُوراتِ، مَن وَضَع زكاتَهُ في صِنفٍ منها: أجْزَأ، إلّا في العامِلِينَ على الصَّدقاتِ، فإنَّما لهم بقَدرِ عُمالتِهِم (١). وقد ذكَرْنا ما للعُلماءِ في قسمة الصَّدقاتِ على الأصنافِ المذكُورِين في الآيةِ من التَّنازُع في غيرِ هذا الموضِع، وما ذكَرتُ لك هاهُنا، فهُو المُعتَمدُ عليه، المعمُولُ به. وما زادَ على المِئَتي دِرهم من الوَرِقِ، فبِحِسابِ ذلك، في كلِّ شيءٍ منهُ رُبعُ عُشرِهِ، قلَّ أو كثُر. هذا قولُ مالكٍ (٢)، والليث، والشّافِعيِّ (٣)، وأكثرِ أصحابِ أبي حنِيفةَ (٤)، وابنِ أبي ليلى، والثَّورِيِّ، والأوزاعِيِّ، وأحمد بن حنبل، وأبي ثورٍ، وإسحاق، وأبي عُبيدٍ (٥). ورُوِي ذلك عن عليٍّ، وابنِ عُمر (٦). وقالت طائفةٌ من أهلِ العِلم: لا شيءَ فيما زادَ على المِئَتي دِرْهم، حتّى تبلُغَ الزِّيادةُ أربعينَ دِرهمًا، فإذا بَلَغتها، كان فيها دِرهمٌ، وذلك رُبعُ عُشْرِها. هذا قولُ سعِيدِ بن المُسيِّبِ، والحسنِ، وعَطاءٍ، وطاوُوسٍ، والشَّعبِيِّ، وابنِ شِهابٍ الزُّهْرِيِّ، ومكحول، وعَمرِو بن دِينارٍ (٧)، والأوزاعِيِّ، وأبي حنِيفةَ.

стр. 6967

وأمّا زكاةُ الذَّهَبِ، فأجمعَ العُلماءُ على أنَّ الذَّهبَ إذا كان عِشرينَ (١) دِينارًا، قِيمتُها مئتا دِرْهم، فما زادَ، أنَّ الزَّكاةَ فيها واجِبةٌ. إلّا رِوايةً جاءَت عنِ الحسَنِ (٢)، وعن الثَّورِيِّ، مالَ إليها بَعضُ أصحابِ داود بن عليٍّ، أنَّ الذَّهبَ لا زكاةَ فيه، حتّى يبلُغ أربعينَ دِينارًا. والدِّينارُ من الذَّهبِ، هُو المِثقالُ الذي وزنُهُ دِرهمانِ عَدَدًا بدراهِمِنا، لا كيلًا. وهذا أمرٌ مُجتَمعٌ عليه، لا خِلافَ فيه، إلّا ما كان من اختِلافِ الأوزانِ بينَ أهلِ البُلدانِ. وقد رُوِي عن جابرِ بن عبدِ اللَّه، باسنادٍ لا يصِحُّ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الدِّينارُ أربعةٌ وعِشرُونَ قِيراطًا" (٣). وهذا الحدِيثُ وإن لم يصِحَّ إسنادُهُ، ففي قولِ جماعةِ العُلماءِ به، وإجماع النّاسِ على معناهُ، ما يُغني عنِ الإسنادِ فيه. والقِيراطُ وزنُهُ، ثلاثُ حبّاتٍ من حُبُوبِ الشَّعِيرِ المُمتلِئَةِ غيرِ الخارِجةِ عنِ المعهُودِ من مقادِيرِ الحُبُوبِ، وذلك اثنتانِ وسبعُونَ حبَّةً وزنُ جَميعِها دِرهمانِ بدراهِمِنا اليوم، والحمدُ للَّه. وأجمعُوا على أنْ لا زكاةَ فيما دُونَ عِشرِينَ مِثقالًا، إذا لم تَبْلُغ قِيمتُها مِئَتي دِرهم. واختلفُوا في العِشرِينَ دِينارًا، إذا لم تبلُغ قِيمتُها مِئَتي دِرهم، وفِيما يُساوِي من الذَّهَبِ مِئَتي دِرهم، وإن لم يَكُن وزنُهُ عِشرِينَ دِينارًا.

стр. 6968

فالذي عليه جُمهُورُ أهلِ العِلم: أنَّ الذَّهَبَ تجِبُ فيه الزَّكاةُ على من مَلَكهُ حولًا، إذا كانَ وزنُهُ عِشرِينَ دِينارًا فصاعدًا، يجِبُ فيه رُبعُ عُشرِهِ. وسَواءٌ ساوَى مِئَتي دِرهم كيلًا، أم لم يُساوِ، وما زادَ على العِشرِينَ مِثقالًا، فبِحِسابِ ذلك في القَليلِ والكثِيرِ، وما نقصَ من عِشرِينَ دِينارًا، فلا زكاةَ فيه، سَواءٌ كانت قِيمتُهُ مِئَتي دِرهم أو أكثر، والمُراعاةُ فيه وزنُهُ في نفسِهِ، من غيرِ قيمةٍ. هذا مذهبُ مالكٍ (١)، والشّافِعيِّ (٢)، وأصحابِهِما، واللَّيثِ بن سعدٍ، والثَّورِيِّ في أكثرِ الرِّواياتِ عنهُ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثورٍ، وأبي عُبيدٍ (٣). وهُو قولُ عليِّ بن أبي طالِبٍ، وجماعةٍ من التّابِعِين بالعِراقِ، والحِجازِ، منهُم: عُروةُ بن الزُّبيرِ، وعُمرُ بن عبدِ العزيزِ، وابنُ سِيرِينَ، والنَّخعِيُّ، والحكمُ (٤). وهُو قولُ أبي حنِيفةَ، وأبي يُوسُف، ومحمدٍ، إلّا أنَّ أبا حنِيفةَ قال: لا شيءَ فيما زادَ على العِشرِينَ مِثقالًا، حتّى يبلُغ أربعةَ مثاقيل (٥). وهُو قولُ الأوزاعِيِّ. وقال آخرُونَ: ليسَ في الذَّهَبِ زكاةٌ، حتّى يبلُغَ صرفُها مِئَتي دِرهم، فإذا بلغَ صَرْفُها مِئَتي دِرهم، ففيها رُبعُ العُشرِ، وإن كان وزنُها أقلَّ من عِشرِينَ دِينارًا، ولو كانت عِشرِينَ دِينارًا، أو أزيدَ، ولم يبلُغ صرفُها مِئَتي دِرهم، لم تجِب فيها زكاةٌ، حتى تبلُغَ أربعينَ دِينارًا، فإذا بلغَتْ أربعين دِينارًا، ففيها دِينارٌ. ولا يُراعى فيها الصَّرفُ والقِيمةُ إذا بلغت أربعينَ دِينارًا. هذا قولُ الزُّهرِيِّ، وقد رواهُ يُونُسُ عنهُ، في الحدِيثِ المذكُورِ عن سالم وعبدِ اللَّه ابني عبدِ اللَّه بن عُمرَ، في ذلك الكِتابِ.

стр. 6969

والصَّحِيحُ عِندِي، واللَّهُ أعلمُ، أنَّهُ من رأي ابن شِهابٍ، كذلك ذكرهُ عنهُ مَعْمرٌ، وغيرُهُ (١). وهُو قولُ عطاءٍ، وطاوُوسٍ. وبه قال أيُّوبُ السَّختِيانِيُّ، وسُليمانُ بن حربٍ (٢). وقالت طائفةٌ: ليسَ في الذَّهبِ شيءٌ، حتّى يبلُغَ أربعينَ دِينارًا، فإذا بلغت أربعينَ دِينارًا، ففيها رُبعُ عُشرِها دِينارٌ، ثُمَّ ما زادَ فبِحِسابِ ذلك. هذا قولُ الحسنِ (٣). ورِوايةٌ عنِ الثَّورِيِّ. وبه قال أكثرُ أصحابِ داود بن عليٍّ. ولا خِلافَ بين عُلماءِ المُسلِمِينَ، أنَّ في كلِّ أربعينَ دِينارًا من الذَّهبِ دينارًا، يجِبُ إخراجُهُ زكاةً على مالكِها حَوْلًا كامِلًا، تاجِرًا كانَ أو غيرَ تاجِرٍ، ما لمَ يكُن حُلِيًّا مُتَّخذًا للُبسِ النِّساءِ. فإن كان حُلِيًّا، من ذهَبٍ أو فِضَّةٍ قدِ اتُّخِذَ للُبسِ النِّساءِ، أو كانَ خاتم فِضَّةٍ لرجُل، أو حِلْيةَ سيفٍ أو مُصحفٍ من فِضَّةٍ لرجُل، أو ما أُبِيحَ لهُ اتِّخاذُهُ من غيرِ الآنِيةِ، فإنَّ العُلماءَ اختَلفُوا في وُجُوبِ الزَّكاةِ فيه. فذهب مالكٌ (٤) وأصحابُهُ، إلى أن لا زكاةَ فيه. وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وأبو عُبيدٍ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ بالعِراقِ، ووقفَ فيه بعد ذلك بمِصرَ، وقال: أستخِيرُ اللَّه فيه (٥).

стр. 6970

ورُوِي عنِ ابن عُمرَ، وعائشةَ، وأسماءَ، وجابرٍ، ﵃: أن لا زكاةَ في الحُليِّ (١). وعن جماعةٍ من التّابِعِين بالمدِينةِ، والبَصْرةِ مِثلُ ذلك (٢). وقال الثَّورِيُّ وأبو حنِيفةَ (٣) وأصحابُهُ والأوزاعِيُّ: في ذلك كلِّهِ الزَّكاةُ. ورُوِي ذلك عن عُمرَ، وابنِ مسعُودٍ، وابنِ عبّاسٍ، وعبدِ اللَّه بن عَمرو (٤)، وهُو قولُ جماعةِ أصحابِ (٥): ابن عبّاسٍ، وسعِيدِ بن المُسيِّبِ، والزُّهرِيِّ (٦). ورُوِي عن النَّبيِّ ﷺ (٧) بإسنادٍ لا يُحتجُّ بمِثلِهِ (٨). وقال اللَّيثُ: ما كان منهُ يُلبسُ، ويُعارُ، فلا زكاةَ فيه، وما صُنِعَ ليفِرَّ به من الصَّدقةِ، ففيه الصَّدقةُ. وأمّا قولُهُ ﷺ : "ليسَ فيما دُونَ خمسةِ أوسُقٍ صَدَقةٌ". ففيه معنيانِ: أحدُهُما: نفيُ وُجُوبِ الزَّكاةِ عمّا كان دُونَ هذا المِقدارِ، كما أنَّ قولهُ: "ليس فيما دُونَ خمسِ أواقٍ من الوَرِقِ صَدَقةٌ". قد نفى وُجُوب الزَّكاةِ فيما دُون ذلك.

стр. 6971

والمعنى الآخرُ: وُجُوبُ الزَّكاةِ في هذا المِقدارِ فما فوقهُ. والوَسَقُ سِتُّونَ صاعًا بإجماع من العُلماءِ بصاع النَّبيِّ ﷺ ، والصّاعُ أربعةُ أمدادٍ بمُدِّهِ ﷺ ، ومُدُّهُ زِنتُهُ رِطلٌ وثُلُثٌ وزِيادةُ شيءٍ. هذا قولُ عامَّةِ العُلماءِ بالحِجازِ والعِراقِ، فهي ألفُ مُدٍّ، ومئتا مُدٍّ، وهي بالكيلِ القُرْطُبِيِّ عِندَنا بالأندلُسِ خمسةٌ وعِشرُونَ قفِيزًا، على حِسابِ كلِّ قَفِيزٍ ثمانِيةٌ وأربعُونَ مُدًّا، وإن كان القَفِيزُ اثنينِ وأربعينَ مُدًّا، كما زعمَ جماعةٌ من الشُّيُوخ عِندَنا، فهي ثمانِيةٌ وعِشرُونَ قفِيزًا ونِصفُ قفِيزٍ، أو أربعةُ أسباع قَفِيزٍ، ووزنُ جميعِها ثلاثةٌ وخمسُونَ رُبعًا وثُلُثُ رُبع (١)، كلُّ رُبع منها من ثلاثِينَ رِطلًا. فهذا هُو المِقدارُ الذي لا تجِبُ الزَّكاةُ فيما دُونهُ، وتجِبُ فيه وفِيما فوقهُ كيلًا؛ لأنَّ الحدِيثَ إنَّما نبَّه على الكيلِ، وهذا إجماعٌ من العُلماءِ، أنَّ الزَّكاةَ لا تجِبُ فيما دُونَ خمسةِ أوسُقٍ، إلّا أبا حنِيفةَ (٢)، وزُفَر، ورِوايةً عن بعضِ التّابِعِين، فإنَّهُم قالوا: الزَّكاةُ في كلِّ ما أخرجتهُ الأرضُ، من قليلِ ذلك وكثِيرِهِ، إلّا الطَّرفاءَ (٣)، والقَضْب (٤) الفارِسِيَّ، والحَشِيش، والحَطَب. وخالفهُ أصحابُهُ، فصارُوا إلى ما عليه جماعةُ العُلماءِ من الصَّحابةِ والتّابِعِين، وفُقهاءِ المُسلِمِين بالحِجازِ، والعِراقِ، والشّام، ومصرَ، في اعتِبارِ الخمسةِ الأوسُقِ المذكُورةِ في هذا الحدِيثِ.

стр. 6972

وأجمعَ العُلماءُ كلُّهُم من السَّلفِ والخَلَفِ على أنَّ الزَّكاةَ واجِبةٌ في الحِنْطةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمرِ، والزَّبِيبِ. واختلفُوا فيما سِوَى ذلك من الحُبُوبِ: فقال مالكٌ (١): الحُبُوبُ التي تجِبُ فيها الزَّكاةُ: الحِنطةُ، والشَّعِيرُ، والسُّلتُ (٢)، والذُّرةُ، والدُّخْنُ (٣)، والأُرزُ، والحِمَّصُ، والعدسُ، والجُلبانُ (٤)، واللُّوبِيا، وما أشبه ذلك من الحُبُوبِ، والقطانِيِّ (٥) كلِّها. قال: وفي الزَّيتُونِ الزَّكاةُ. وقال الشّافِعيُّ (٦): كلُّ ما يزرعُهُ الآدمِيُّونَ، ويُيَبَّسُ ويُدَّخرُ، ويُقتاتُ مأكُولًا، خُبزًا، وسوِيقًا، وطحِينًا، وطبِيخًا، ففيه الصَّدقةُ. قال: والقَطانِيُّ كلُّها فيها الصَّدقةُ. قال: وليس في الأبزارِ، والقَتِّ (٧)، والقِثّاءِ، ولا حُبُوبِ البَقلِ، ولا الشُّونِيزِ (٨) صدقةٌ. قال: ولا يُؤخذُ في شيءٍ من ثَمرِ الشَّجرِ صَدَقةٌ، إلّا في النَّخلِ، والعِنَبِ. واختلَفَ قولُهُ في الزَّيتُونِ، وآخِرُ ما رجعَ إليه: أن لا زكاةَ فيه، لأنَّهُ إدامٌ.

стр. 6973

وقال أبو يُوسف ومحمدُ بن الحسنِ: لا شيءَ فيما تُخرِجُهُ الأرضُ، إلّا ما كان لهُ ثمرةٌ باقِيةٌ، تبلُغُ مكِيلتُها خمسةَ أوسُقٍ، ولا تجِبُ الزَّكاةُ فيما دُونَ خمسةِ أوسُقٍ. وقال الثَّورِيُّ، وابنُ أبي ليلى: ليسَ في شيءٍ من الزَّرع والثِّمارِ زكاةٌ، إلّا التَّمر، والزَّبِيب، والبُرَّ والشَّعِير. وهُو قولُ الحسنِ بن حيٍّ (١). وقولُ الطَّبريِّ في هذا البابِ كلِّهِ كقولِ الشّافِعيِّ، ولا زكاةَ عِندهُ في الزَّيتُونِ. وقال أبو ثورٍ: الزَّكاةُ في الحِنطةِ، والشَّعِيرِ، والأُرزِ، والحِمَّصِ، والعَدْسِ، والذُّرة وجميع الحُبُوبِ ممّا يُدَّخرُ ويُؤكلُ. قال: وفي السُّلتِ والدُّخْنِ، واللُّوبِيا، والقِرْطِم (٢)، وما أشبه ذلك الزَّكاةُ. وقال عطاءٌ: الصَّدقةُ في النَّخلِ، والعِنبِ، والحُبُوبِ كلِّها، وهُو قولُ أحمد، ورُوِي عن أحمد أيضًا: أنَّ (٣) كلَّ شيءٍ يُدَّخرُ، ويَبْقى، ففيه الزَّكاةُ. وقال إسحاقُ: كلُّ ما وقعَ عليه اسمُ الحبِّ، وهُو ممّا يبقى في أيدِي النّاسِ، ويصِيرُ في بعضِ الأزمنةِ عِندَ الضَّرُورةِ طعامًا قُوتًا لقَوم، فهُو حبٌّ يُؤخَذُ منهُ العُشرُ. واختَلفُوا في ضمِّ هذه الحُبُوبِ بعضِها إلى بعضٍ: فذهبُ مالكٌ (٤): أنَّ البُرَّ، والشَّعِير، والسُّلت، صِنفٌ واحِدٌ، يُضمُّ بعضُ ذلك إلى بعضٍ في الزَّكاةِ، ولا يجُوزُ فيها التَّفاضُلُ. قال: وتُضمُّ القَطانِيُّ كلُّها بعضُها إلى بعضٍ في الزَّكاةِ. وهي عِندهُ أصنافٌ مُختلِفةٌ في البُيُوع، يجُوزُ فيها التَّفاضُلُ دُون النَّساءِ.

стр. 6974

والقَطانِىُّ عِندَهُ: الفُولُ، والحِمَّصُ، واللُّوبِيا، والجُلبانُ، والعدسُ. قال: وما يعرِفُهُ النّاسُ من القَطانِيِّ. فإذا بلغ جميعُ ذلك خَمْسةَ أوسُقٍ، أُخِذ من كلٍّ واحِدٍ بحِصَّتِهِ. والدُّخْنُ عِندهُ صِنفٌ على حِدَةٍ، وكذلك الذُّرةُ صِنفٌ، والأُرزُ صِنفٌ، ولا يُضمُّ شيءٌ منها إلى صاحِبِهِ في الزَّكاةِ. وقال الشّافِعيُّ (١) والثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ وأبو يُوسُف ومحمدٌ (٢): لا يُضمُّ شعِيرٌ إلى حِنطةٍ، ولا يُضمُّ جِنسٌ ولا نوعٌ إلى غيرِهِ، إذا خالفهُ في الاسم، واللَّونِ. ولا يُضمُّ من القَطانِيِّ كلِّها وغيرِها شيءٌ إلى غيرِهِ، ويُعتَبرُ من كلِّ واحِدٍ خَمْسةُ أوسُقٍ. وذكر ابن وَهْبٍ، عنِ اللَّيثِ، قال: السُّلتُ، والذُّرةُ، والدُّخْنُ، والأُرزُ، والقَمحُ، والشَّعِيرُ صِنفٌ واحِدٌ، كلُّه يُضمُّ بعضُهُ إلى بعض، وتُؤخذُ منهُ الزَّكاةُ، ولا يبتاعُ صِنفٌ منهُ بالآخرِ، إلّا مِثلًا بمِثل، يدًا بيدٍ. والقَطانِيُّ كلُّها عِندَهُ صِنفٌ واحِدٌ في الزَّكاةِ، ومُختلِفةُ الأجناسِ في البيع. وعنِ الحسنِ، والزُّهرِيِّ، في ضمِّ الأصنافِ بَعضِها إلى بعضٍ في هذا البابِ، نحوُ قولِ مالكٍ. وعن عَطاءٍ، ومكحول (٣)، والحسن بن صالح، وشرِيكٍ في ذلك، مِثل قولِ الشّافِعيِّ. وبه قال أبو عُبيدٍ، وأحمدُ، وأبو ثورٍ. وأجمعُوا أنَّهُ لا يُضافُ التَّمرُ إلى الزَّبِيبِ، ولا إلى البُرِّ، ولا البُرُّ إلى الزَّبِيبِ، ولا الإبِلُ إلى البَقرِ، ولا البَقرُ إلى الغنم.

стр. 6975

والغنمُ: الضَّأنُ والمعزُ، يُضافُ بعضُها إلى بعضٍ بإجماع (١). واختَلفُوا في ضمِّ الذَّهبِ والوَرِقِ بعضِها إلى بعضٍ في الزَّكاةِ: فقال مالكٌ (٢) والأوزاعِيُّ وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُ (٣) والثَّورِيُّ: يُضمُّ أحدُهُما إلى الآخرِ، فيكمُلُ به النِّصابُ. إلّا أنَّ أبا حنِيفةَ قال: يُضمُّ بالقِيمةِ، وكذلك قال الثَّورِيُّ، إلّا أنَّهُ قال: يُضمُّ القليلُ إلى الكثِيرِ بقِيمةِ الأكثرِ. وتفسِيرُ ضَمِّها بالقِيمةِ، أن يُقوَّمَ أحدُهُما بالآخرِ، فإن بلغَتْ قِيمتُهُ ما تجِبُ فيه الزَّكاةُ من ذلك الصِّنفِ، جَعلهُما كأنهما صِنفٌ واحِدٌ، وزكّاهُما زكاةَ ذلك الصِّنفِ. وقال أبو حنِيفةَ: فإن كانت قِيمةُ كلِّ واحِدٍ من الصِّنفينِ تبلُغُ مع الصِّنفِ الآخرِ المِقدار الذي تجِبُ فيه الزَّكاةُ منهُ، نظرَ ما فيه الحظُّ للمَساكِينِ، فجعلَ الصِّنفينِ كأنَّهُما من ذلك الصِّنفِ، وجعل فيهما جميعًا زكاةَ ذلك الصِّنفِ (٤)، وإن كان في التَّقوِيم بأحدِهِما دُون الآخرِ زكاةٌ، قُوِّم بالذي يجِبُ بالتَّقوِيم فيه الزَّكاةُ. وقد رُوِي عنِ الثَّورِيِّ مِثلُ هذا أيضًا. وقال أبو يُوسُف ومحمدٌ ومالكٌ والأوزاعِيُّ: تُضمُّ بالأجزاءِ، ويُحسبُ الدِّينارُ بعشرةِ دراهِمَ، على ما كانت في الزّمنِ الأوَّلِ، فمن كانت لهُ عشرةُ دنانِير ومئةُ دِرهم، وجبت عليه الزَّكاةُ، وأخرجَ من كلِّ واحِدٍ بحِسابِهِ منهُ. وهُو قولُ الحسنِ، وقتادةَ (٥). ومن تفسِيرِ الضَّمِّ بالأجزاءِ، أن تكونَ عِندهُ من كلِّ واحِدٍ من الصِّنفينِ:

стр. 6976

الذَّهبِ والورِقِ، نِصفُ كلِّ صِنْفٍ (١) منهُما، أو يكون عِندهُ ثُلُثُ أحدِهِما، ومن الآخرِ ثُلُثاهُ على هذا المعنى، فإن كانتِ الأجزاءُ على هذا المعنى غيرَ مُتكامِلةٍ فلا زكاةَ، فإن تكاملَتْ بأقلِّ الأجزاءِ، مِثل أن تكون عِندَهُ تِسعُون ومئةُ دِرهم ودِينارٌ، أو تِسعةَ عشر دِينارًا وعشرةُ دراهِم، وجبَتْ فيهما جميعًا الزَّكاةُ. وقال ابن أبي ليلى والحسنُ بن صالح وشرِيكٌ والشّافِعيُّ (٢) وأصحابُهُ وأبو ثورٍ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو عُبيدٍ والطَّبريُّ وداودُ بن عليٍّ: لا يُضمُّ شيءٌ منهُما إلى صاحِبِهِ. ويعتبِرُونَ تمام النِّصابِ في كلِّ واحِدٍ منهُما (٣). وهو قولٌ صحِيحٌ في النَّظرِ، ومعنى الأثرِ، وباللَّه التَّوفِيقُ. قال أبو عُمر: أمّا التَّمرُ، فقد ثبتَ عنِ النَّبيِّ ﷺ من نقلِ الآحادِ الثِّقاتِ، أنَّهُ قال: "ليسَ فيما دُون خمسةِ أوسُقٍ من التَّمرِ صدقةٌ". من رِوايةِ مالكٍ (٤)، عن محمدِ بن عبدِ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ. وقد ذكرناهُ في بابِ محمدٍ من هذا الكِتابِ (٥)، وذكرنا هُناك من رَوَى مِثل رِوايتِهِ، وما الصَّحِيحُ من ذلك. وذكرنا في هذا البابِ من حدِيثِ إسماعيل بن أُميَّةَ، عن محمدِ بن يحيى بن حَبّان، عن يحيى بن عُمارةَ، عن أبي سعِيدٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "ليسَ فيما دُونَ خمسةِ أوساقٍ من حَبٍّ وتمرٍ صَدَقةٌ" (٦). وأمَرَ النَّبيُّ ﷺ بخرصِ التَّمرِ للزَّكاةِ. وقد ذكَرْنا طُرُق حدِيثهِ بذلك، في بابِ ابن (٧) شِهابٍ من هذا الكِتابِ.

стр. 6977

وأمّا البُرُّ، فقد ذكَرْنا في هذا (١) البابِ من رِوايةِ رَوْح بن القاسم، عن عَمرِو بن يحيى، عن أبيهِ، عن أبي سعِيدٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "لا يجِبُ، أو يحِلُّ، في البُرِّ والتَّمرِ زكاةٌ، حتّى تبلُغَ خمسةَ أوسُقٍ" (٢). وذكَرْنا حدِيث جابرٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "لا صَدَقةَ في شيءٍ من الزَّرع، أوِ النَّخلِ، أوِ الكَرْم، حتّى يكونَ خمسةَ أوسُقٍ". ورَوَى عبدُ الرَّحمنِ بن إسحاقَ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن عتّابِ بن أسِيدٍ، قال: أمَرَني رسُولُ اللَّه ﷺ أن أخرُصَ العِنَبَ، وآخُذَ زكاتهُ زبِيبًا، كما تُؤخذُ زكاةُ التَّمْر تمرًا (٣). فهذا ما في الأحادِيثِ من ذِكرِ الحُبُوبِ، والتَّمرِ، والزَّبِيبِ. وحدِيثُ إسماعيل بن أُميَّةَ يجمعُ كلَّ حبٍّ. وقد أجمعَ العُلماءُ على أخذِ الزَّكاةِ من البُرِّ، والشَّعِيرِ، والتَّمرِ، والزَّبِيبِ، كما ذكرنا، واختلفُوا فيما سِوى ذلك، على ما وصفنا، وباللَّه توفِيقُنا. وأمّا اختِلافُهُم في زكاةِ الزَّيتُونِ: فقال الزُّهرِيُّ (٤) ومالكٌ (٥) والأوزاعِيُّ واللَّيثُ بن سعدٍ وسُفيانُ الثَّورِيُّ وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ (٦) وأبو ثَوْرٍ: فيه الزَّكاةُ. قال الزُّهرِيُّ والأوزاعِيُّ واللَّيثُ: يُخرصُ زيتُونًا، ويُؤخَذُ زيتًا صافِيًا.

стр. 6978

وقال مالكٌ: لا يُخرصُ ولكِن يُؤخذُ العُشرُ بعد أن يُعصر، ويبلُغ كيل الزَّيتُونِ خمسةَ أوسُقٍ. وقال أبو حَنِيفةَ والثَّورِيُّ: تُؤخذُ الزَّكاةُ من حبِّهِ. وكان ابن عبّاسٍ يُوجِبُ في الزَّيتُونِ الزَّكاةَ (١). ورُوِي عن عُمرَ (٢)، ولا يصِحُّ عنهُ فيه شيءٌ. وكان الشّافِعيُّ يقولُ بالعِراقِ: في الزَّيتُونِ الزَّكاةُ. ثُمَّ قال بمِصر: لا أعلمُ أنَّ الزَّكاةَ تجِبُ في الزَّيتُونِ (٣). أخبرني قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: سمِعتُ سعِيدَ بن عُثمان يقولُ: سمِعتُ محمد بن عبدِ اللَّه بن عبدِ الحكم (٤) يقولُ: اجتمعَ على هذه المسألةِ ثلاثةٌ، أنا أُخالِفُهُم: مالكٌ، وابنُ القاسم، وأشهبُ، يقولُونَ: إنَّ في الزَّيتِ الزَّكاةَ. ما اجتمَعَ النّاسُ على حبِّهِ، فكيفَ على زيتِهِ. قال أبو عُمر: قدِ احتجَّ الشّافِعيُّ في إيجابِ الزَّكاةِ، بقولِ اللَّه : ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. ونزع مالكٌ بهذه الآيةِ أيضًا، كما صنع الشّافِعيُّ، فدلَّ على أنَّ الآيةَ عِندَهُم مُحكمةٌ غيرُ منسُوخةٍ. واتَّفقا جميعًا، على أنْ لا زكاةَ في الرُّمّانِ. ثُمَّ اضطربَ الشّافِعيُّ في الزَّيتُونِ، وكان يلزمُهُما (٥) إيجابُ الزَّكاةِ في الزَّيتُونِ والرُّمّانِ بهذه الآيةِ، فإن كان الرُّمّانُ

стр. 6979

خرجَ باتِّفاقٍ، فقد بانَ بذلك المرادِ بأنّ الآيةَ (١) ليسَتْ على عُمُومِها وأنَّها موقُوفةٌ على ما أُخِذَ منهُ مِنَ الأموالِ، وما عُفِي عنهُ، فكان الضَّمِيرُ على هذا التَّأوِيلِ عائدًا على النَّخلِ والزَّرع. وقد ذكَرْنا ما أجمعُوا عليه من ذلك، وما اختلفُوا فيه. وأمّا الزَّيتُونُ فواجِبٌ فيه الزَّكاةُ بهذه الآيةِ، وجُمهُورُ العُلماءِ على أنَّ هذه الآيةَ محكمةٌ. ورُوِيَ عنِ ابن عبّاسٍ، أنَّهُ قال في تأوِيلِ قولِ اللَّه : ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: العُشرُ، ونِصفُ العُشرِ (٢). وقال مرَّةً أُخرى: حقُّهُ الزَّكاةُ المفرُوضةُ يومَ يُكالُ، أو يُعلمُ كيلُهُ (٣). ورُوِي عن أنسٍ في قولِهِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: الزَّكاةُ (٤). وبِهذا قال جابرُ بن زيدٍ أبو الشَّعثاءِ (٥)، وسعِيدُ بن المُسيِّبِ، وطاوُوسٌ (٦)، والحسنُ، وقَتادةُ، والضَّحّاكُ (٧)، وزيدُ بن أسلم، وأبو صالح، وعِكرِمةُ (٨). وقال مُجاهِدٌ: حقُّهُ أن يُلقِي إليهم من السُّنبُلِ إذا حصَدَ زرعهُ، ويُلقِي

стр. 6980

إليهم من الشَّمارِيخ (١) إذا جدَّ نخلهُ، فإذا كالهُ زكّاةُ (٢). وهُو قولُ عَطاءٍ، وسعِيدِ بن جُبيرٍ (٣). أوجبُوا عِندَ الصِّرام والحصادِ شيئًا سِوَى الزَّكاةِ، ثُمَّ الزَّكاةَ. ورُوِي عنِ ابن عُمر نحوُهُ، قال: يُعطُونَ منِ اعتَرَّ (٤) بهُمُ الشَّيء (٥). وقال الرَّبِيعُ بن أنسٍ: هُو إلقاءُ السُّنبُلِ (٦). ونحوُهُ عن عليِّ بن الحُسينِ (٧). وهذا كلُّهُ في معنى قولِ مُجاهِدٍ. وقالت طائفةٌ: هذه الآيةُ منسُوخةٌ، نزلت قبلَ نُزُولِ الزَّكاةِ، لأنَّ السُّورةَ مكِّيَّة. قالوا: لم تَنزِل آيةُ الزَّكاةِ إلّا بالمدِينةِ، قولَهُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآيةَ [التوبة: ١٠٣]. وقولَهُ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ونحوَ هذا. ومِمَّن قال: إنَّ الآيةَ منسُوخةٌ بالزَّكاةِ: العُشرُ، أو نِصفُ العُشرِ: محمدُ بن الحنفِيَّةِ، ومحمدُ بن عليِّ بن الحُسينِ، وإبراهيمُ النَّخعِيُّ، والسُّدِّيُّ، وعطِيَّةُ العَوْفِيُّ (٨).

стр. 6981

وأمّا الخُضَرُ والفَواكِهُ، فجُمهُورُ أهلِ العِلم على أنْ لا زكاةَ فيها، وسأذكُرُ ذلك في بابِ الثِّقةِ عِندَ مالكٍ، عن سُليمان بن يسارٍ وبُسرِ بن سعِيدٍ من هذا الكِتابِ، عِند ذِكرِ قولِهِ ﷺ : "فيما سَقَتِ السَّماءُ، والعُيُونُ، والبَعْلُ العُشرُ، وما سُقِي بالنَّضح نِصفُ العُشرِ" (١). ونُبيِّنُ المعنى في ذلك هُنالِك إن شاءَ اللَّه. قال أبو عُمر: أمّا زكاةُ الزَّرع، والثِّمارِ، والحُبُوبِ، فيجِبُ أداؤُها في حِينِ الحَصادِ والجِدادِ، بعدَ الدَّرسِ، والذَّرِّ. ويُعتَبرُ وُجُوبُ ذلك فيمَنْ مات عن زرعِهِ، أو باعهُ، أو عن نَخلِهِ بالإزهاءِ (٢)، وبُدُوِّ الصَّلاخ في الثَّمرِ (٣)، وبالاسْتِحصادِ، واليُبسِ، والاسْتِغناءِ عنِ الماءِ في الزَّرع. وهذا إجماعٌ من العُلماءِ، لا خِلافَ فيه إلّا شُذُوذٌ. وأمّا زكاةُ الإبِلِ والبَقرِ والغنم، فتجِبُ أيضًا بتمام استِكمالِ الحَوْلِ والنِّصابِ. وعلى هذا جماعةُ العُلماءِ، إلّا ما رُوِي عن مالكٍ (٤)، أنَّهُ قال: إنَّما تجِبُ بمُرُورِ السّاعِي، مع تمام الحَوْلِ. وهذا معناهُ عِندَ أهلِ الفَهم، أنَّ السّاعِيَ كان لا يخرُجُ إلّا بعدَ تمام مُرُورِ الحولِ، فكان عَلامةً لاستِكمالِ الحَوْلِ. وأمّا الذَّهبُ والورِقُ، فلا تجِبُ الزَّكاةُ في شيءٍ منها، إلّا بعدَ تمام الحولِ أيضًا. وعلى هذا جُمهُورُ العُلماءِ، والخِلافُ فيه شُذُوذٌ. لا أعلمُهُ إلّا شيئًا رُوِي عنِ ابن عبّاسٍ، ومُعاويةَ، أنَّهُما قالا: من ملكَ النِّصاب من الذَّهبِ والورِقِ، وجبَتْ عليه الزَّكاةُ (٥).

стр. 6982

وهذا قولٌ لم يُعرِّج عليه أحدٌ من العُلماءِ، ولا قال به أحدٌ من أئمَّةِ الفتوى، إلّا رِوايةً عنِ الأوزاعِيِّ، فيمَن باع عبدهُ، أو دارهُ، أنَّهُ يُزكِّي الثَّمن حِينَ يَقعُ في يَد، إلّا أن يكونَ لهُ شهرٌ معلُومٌ، فيُؤَخِّرُهُ حتّى يُزكِّيهُ مع مالِهِ. والذي عليه جُمهُورُ العُلماءِ، مُراعاةُ الحَوْلِ والنِّصابِ، إلّا أنَّ اختِلافهُم في ضمِّ الفَوائدِ بَعضِها إلى بعضٍ في الحَوْلِ، اختِلافٌ يطُولُ ذِكرُهُ، وتتشَعَّبُ فُرُوعُهُ، ولا يلِيقُ بنا في كِتابِنا هذا اجتِلابُهُ. وحدَّثنا سعِيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحيم، قال: حدَّثنا أبو عَرُوبةَ الحرّانِيُّ، قال: حدَّثنا عِمرانُ بن بكّارٍ، قال: حدَّثنا حَيْوةُ بن شُريح الحَضْرمِيُّ، قال: حدَّثنا بقِيَّةُ بن الولِيدِ، عن إسماعيلَ بن عيّاشٍ، عن عُبيدِ اللَّه بن عُمرَ، عن نافع، عنِ ابن عُمرَ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "ليس في مالٍ زكاةٌ، حتّى يحُولَ عليه الحَوْلُ" (١). ورواهُ مالكٌ (٢)، عن نافع، عنِ ابن عُمرَ، موقُوفًا. والنّاسُ عليه، والحمدُ للَّه. ذكرَ الأثرمُ قال: حدَّثنا أبو عبدِ اللَّه، يَعني أحمد بن حنبل، قال: حدَّثنا أبو يزِيد خالدُ بن حَيّان (٣) الخرّازُ، عن جعفرِ بن بُرقان، عن ميمُونِ بن مِهرانَ، عنِ ابن عبّاسٍ، في الرَّجُلِ يَسْتفِيدُ المال، قال: يُزكِّيهِ حِينَ يستفيدُهُ. قال: وقال ابن عُمرَ: ليسَ عليه زكاةٌ، حتّى يحُولَ عليه الحولُ. قال ميمُونٌ: ما اختلَفَ ابن عُمر وابنُ
следующие страницы →