← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6978–7017 · переход к 6983.

стр. 6978

وقال مالكٌ: لا يُخرصُ ولكِن يُؤخذُ العُشرُ بعد أن يُعصر، ويبلُغ كيل الزَّيتُونِ خمسةَ أوسُقٍ. وقال أبو حَنِيفةَ والثَّورِيُّ: تُؤخذُ الزَّكاةُ من حبِّهِ. وكان ابن عبّاسٍ يُوجِبُ في الزَّيتُونِ الزَّكاةَ (١). ورُوِي عن عُمرَ (٢)، ولا يصِحُّ عنهُ فيه شيءٌ. وكان الشّافِعيُّ يقولُ بالعِراقِ: في الزَّيتُونِ الزَّكاةُ. ثُمَّ قال بمِصر: لا أعلمُ أنَّ الزَّكاةَ تجِبُ في الزَّيتُونِ (٣). أخبرني قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: سمِعتُ سعِيدَ بن عُثمان يقولُ: سمِعتُ محمد بن عبدِ اللَّه بن عبدِ الحكم (٤) يقولُ: اجتمعَ على هذه المسألةِ ثلاثةٌ، أنا أُخالِفُهُم: مالكٌ، وابنُ القاسم، وأشهبُ، يقولُونَ: إنَّ في الزَّيتِ الزَّكاةَ. ما اجتمَعَ النّاسُ على حبِّهِ، فكيفَ على زيتِهِ. قال أبو عُمر: قدِ احتجَّ الشّافِعيُّ في إيجابِ الزَّكاةِ، بقولِ اللَّه : ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. ونزع مالكٌ بهذه الآيةِ أيضًا، كما صنع الشّافِعيُّ، فدلَّ على أنَّ الآيةَ عِندَهُم مُحكمةٌ غيرُ منسُوخةٍ. واتَّفقا جميعًا، على أنْ لا زكاةَ في الرُّمّانِ. ثُمَّ اضطربَ الشّافِعيُّ في الزَّيتُونِ، وكان يلزمُهُما (٥) إيجابُ الزَّكاةِ في الزَّيتُونِ والرُّمّانِ بهذه الآيةِ، فإن كان الرُّمّانُ

стр. 6979

خرجَ باتِّفاقٍ، فقد بانَ بذلك المرادِ بأنّ الآيةَ (١) ليسَتْ على عُمُومِها وأنَّها موقُوفةٌ على ما أُخِذَ منهُ مِنَ الأموالِ، وما عُفِي عنهُ، فكان الضَّمِيرُ على هذا التَّأوِيلِ عائدًا على النَّخلِ والزَّرع. وقد ذكَرْنا ما أجمعُوا عليه من ذلك، وما اختلفُوا فيه. وأمّا الزَّيتُونُ فواجِبٌ فيه الزَّكاةُ بهذه الآيةِ، وجُمهُورُ العُلماءِ على أنَّ هذه الآيةَ محكمةٌ. ورُوِيَ عنِ ابن عبّاسٍ، أنَّهُ قال في تأوِيلِ قولِ اللَّه : ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: العُشرُ، ونِصفُ العُشرِ (٢). وقال مرَّةً أُخرى: حقُّهُ الزَّكاةُ المفرُوضةُ يومَ يُكالُ، أو يُعلمُ كيلُهُ (٣). ورُوِي عن أنسٍ في قولِهِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: الزَّكاةُ (٤). وبِهذا قال جابرُ بن زيدٍ أبو الشَّعثاءِ (٥)، وسعِيدُ بن المُسيِّبِ، وطاوُوسٌ (٦)، والحسنُ، وقَتادةُ، والضَّحّاكُ (٧)، وزيدُ بن أسلم، وأبو صالح، وعِكرِمةُ (٨). وقال مُجاهِدٌ: حقُّهُ أن يُلقِي إليهم من السُّنبُلِ إذا حصَدَ زرعهُ، ويُلقِي

стр. 6980

إليهم من الشَّمارِيخ (١) إذا جدَّ نخلهُ، فإذا كالهُ زكّاةُ (٢). وهُو قولُ عَطاءٍ، وسعِيدِ بن جُبيرٍ (٣). أوجبُوا عِندَ الصِّرام والحصادِ شيئًا سِوَى الزَّكاةِ، ثُمَّ الزَّكاةَ. ورُوِي عنِ ابن عُمر نحوُهُ، قال: يُعطُونَ منِ اعتَرَّ (٤) بهُمُ الشَّيء (٥). وقال الرَّبِيعُ بن أنسٍ: هُو إلقاءُ السُّنبُلِ (٦). ونحوُهُ عن عليِّ بن الحُسينِ (٧). وهذا كلُّهُ في معنى قولِ مُجاهِدٍ. وقالت طائفةٌ: هذه الآيةُ منسُوخةٌ، نزلت قبلَ نُزُولِ الزَّكاةِ، لأنَّ السُّورةَ مكِّيَّة. قالوا: لم تَنزِل آيةُ الزَّكاةِ إلّا بالمدِينةِ، قولَهُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآيةَ [التوبة: ١٠٣]. وقولَهُ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ونحوَ هذا. ومِمَّن قال: إنَّ الآيةَ منسُوخةٌ بالزَّكاةِ: العُشرُ، أو نِصفُ العُشرِ: محمدُ بن الحنفِيَّةِ، ومحمدُ بن عليِّ بن الحُسينِ، وإبراهيمُ النَّخعِيُّ، والسُّدِّيُّ، وعطِيَّةُ العَوْفِيُّ (٨).

стр. 6981

وأمّا الخُضَرُ والفَواكِهُ، فجُمهُورُ أهلِ العِلم على أنْ لا زكاةَ فيها، وسأذكُرُ ذلك في بابِ الثِّقةِ عِندَ مالكٍ، عن سُليمان بن يسارٍ وبُسرِ بن سعِيدٍ من هذا الكِتابِ، عِند ذِكرِ قولِهِ ﷺ : "فيما سَقَتِ السَّماءُ، والعُيُونُ، والبَعْلُ العُشرُ، وما سُقِي بالنَّضح نِصفُ العُشرِ" (١). ونُبيِّنُ المعنى في ذلك هُنالِك إن شاءَ اللَّه. قال أبو عُمر: أمّا زكاةُ الزَّرع، والثِّمارِ، والحُبُوبِ، فيجِبُ أداؤُها في حِينِ الحَصادِ والجِدادِ، بعدَ الدَّرسِ، والذَّرِّ. ويُعتَبرُ وُجُوبُ ذلك فيمَنْ مات عن زرعِهِ، أو باعهُ، أو عن نَخلِهِ بالإزهاءِ (٢)، وبُدُوِّ الصَّلاخ في الثَّمرِ (٣)، وبالاسْتِحصادِ، واليُبسِ، والاسْتِغناءِ عنِ الماءِ في الزَّرع. وهذا إجماعٌ من العُلماءِ، لا خِلافَ فيه إلّا شُذُوذٌ. وأمّا زكاةُ الإبِلِ والبَقرِ والغنم، فتجِبُ أيضًا بتمام استِكمالِ الحَوْلِ والنِّصابِ. وعلى هذا جماعةُ العُلماءِ، إلّا ما رُوِي عن مالكٍ (٤)، أنَّهُ قال: إنَّما تجِبُ بمُرُورِ السّاعِي، مع تمام الحَوْلِ. وهذا معناهُ عِندَ أهلِ الفَهم، أنَّ السّاعِيَ كان لا يخرُجُ إلّا بعدَ تمام مُرُورِ الحولِ، فكان عَلامةً لاستِكمالِ الحَوْلِ. وأمّا الذَّهبُ والورِقُ، فلا تجِبُ الزَّكاةُ في شيءٍ منها، إلّا بعدَ تمام الحولِ أيضًا. وعلى هذا جُمهُورُ العُلماءِ، والخِلافُ فيه شُذُوذٌ. لا أعلمُهُ إلّا شيئًا رُوِي عنِ ابن عبّاسٍ، ومُعاويةَ، أنَّهُما قالا: من ملكَ النِّصاب من الذَّهبِ والورِقِ، وجبَتْ عليه الزَّكاةُ (٥).

стр. 6982

وهذا قولٌ لم يُعرِّج عليه أحدٌ من العُلماءِ، ولا قال به أحدٌ من أئمَّةِ الفتوى، إلّا رِوايةً عنِ الأوزاعِيِّ، فيمَن باع عبدهُ، أو دارهُ، أنَّهُ يُزكِّي الثَّمن حِينَ يَقعُ في يَد، إلّا أن يكونَ لهُ شهرٌ معلُومٌ، فيُؤَخِّرُهُ حتّى يُزكِّيهُ مع مالِهِ. والذي عليه جُمهُورُ العُلماءِ، مُراعاةُ الحَوْلِ والنِّصابِ، إلّا أنَّ اختِلافهُم في ضمِّ الفَوائدِ بَعضِها إلى بعضٍ في الحَوْلِ، اختِلافٌ يطُولُ ذِكرُهُ، وتتشَعَّبُ فُرُوعُهُ، ولا يلِيقُ بنا في كِتابِنا هذا اجتِلابُهُ. وحدَّثنا سعِيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحيم، قال: حدَّثنا أبو عَرُوبةَ الحرّانِيُّ، قال: حدَّثنا عِمرانُ بن بكّارٍ، قال: حدَّثنا حَيْوةُ بن شُريح الحَضْرمِيُّ، قال: حدَّثنا بقِيَّةُ بن الولِيدِ، عن إسماعيلَ بن عيّاشٍ، عن عُبيدِ اللَّه بن عُمرَ، عن نافع، عنِ ابن عُمرَ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "ليس في مالٍ زكاةٌ، حتّى يحُولَ عليه الحَوْلُ" (١). ورواهُ مالكٌ (٢)، عن نافع، عنِ ابن عُمرَ، موقُوفًا. والنّاسُ عليه، والحمدُ للَّه. ذكرَ الأثرمُ قال: حدَّثنا أبو عبدِ اللَّه، يَعني أحمد بن حنبل، قال: حدَّثنا أبو يزِيد خالدُ بن حَيّان (٣) الخرّازُ، عن جعفرِ بن بُرقان، عن ميمُونِ بن مِهرانَ، عنِ ابن عبّاسٍ، في الرَّجُلِ يَسْتفِيدُ المال، قال: يُزكِّيهِ حِينَ يستفيدُهُ. قال: وقال ابن عُمرَ: ليسَ عليه زكاةٌ، حتّى يحُولَ عليه الحولُ. قال ميمُونٌ: ما اختلَفَ ابن عُمر وابنُ

стр. 6983

عبّاسٍ في شيءٍ، إلّا أخذَ ابن عُمر بأوَثقِهِما، إلّا في هذا الحديث. قال أبو عبدِ اللَّه: هذا حدِيثٌ غرِيبٌ، وخالدُ بن حيّان (١) لم يكُن به بأسٌ (٢). وذكر أبو عبدِ اللَّه، عن وَكِيع، عن سُفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن هُبَيرةَ، قال: كان عبدُ اللَّه يُعطِيني العَطاءَ ويُزكِّيهِ. وليس هذا مذهبَ أبي عبدِ اللَّه. وقال: كان أبو بكرٍ، وعُمرُ، وعُثمانُ، وعليٌّ يسألُونَ: هل عِندكَ من مالٍ وجبَتْ عليكَ فيه الزَّكاةُ؟ وإلى هذا يذهبُ أبو عبدِ اللَّه، ليسَ عِندهُ في مالٍ زكاةٌ حتّى يحُولَ عليه الحولُ، لا الأُعْطِيةُ (٣) ولا غيرُها. قال الأثرمُ: وحدَّثنا القَعْنبيُّ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن بلال، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيهِ، أنَّ عليًّا ﵁ قال: ليسَ في المالِ زكاةٌ، حتّى يحُولَ عليه الحولُ. وصلَّى اللَّهُ على نبيِّه محمدٍ وآلِه وسَلَّم (٤).

стр. 6984

حدِيثٌ رابعٌ لعمرِو بن يحيى مُرسلٌ مالكٌ (١)، عن عَمرِو بن يحيى المازِنِيِّ، عن أبيهِ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "لا ضرَرَ ولا ضِرارَ". لم يُختلَف، عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحدِيثِ وإرسالِهِ هكذا (٢). وقد رواهُ الدَّراوردِيُّ، عن عَمرِو بن يحيى، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٣). ورواهُ كثيرُ بن عَمرِو بن عوفٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . وإسنادُ كثِيرٍ هذا، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ غيرُ صحِيح. وأمّا معنى هذا الحدِيثِ فصحِيحٌ في الأُصُولِ، وقد ثبتَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "حرَّم اللَّه من المُؤمِنِ دَمهُ، ومالهُ، وعِرضهُ، وأن لا يُظنَّ به إلّا الخيرُ" (٤). وقال: "إنَّ دِماءَكُم، وأموالكُم، وأعراضَكُم عليكُم حرامٌ" (٥). يعني من بعضِكُم

стр. 6985

على بعضٍ. وقال حاكِيًا عن ربِّهِ : "يا عِبادِي إنِّي حرَّمتُ الظُّلم على نَفْسِي (١) فلا تظالمُوا" (٢). وقال اللَّه : ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمً﴾ [طه: ١١١]. وأصلُ الظُّلم، وضعُ الشَّيءِ غير مَوْضِعِهِ، وأخذُهُ من غَيرِ وجهِهِ. ومن أضرَّ بأخِيهِ المُسلِم، أو بمن لهُ ذِمَّةٌ فقد ظَلمهُ، والظُّلمُ ظُلُماتٌ يوم القِيامةِ، كما ثبتَ في الأثرِ الصَّحِيح (٣). وقد روى عبدُ الرَّزّاقِ، عن مَعْمرٍ، عن جابرٍ الجُعفِيِّ، عن عِكرِمةَ، عنِ ابن عبّاسٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لا ضررَ ولا ضِرار، وللرّجُلِ (٤) أن يَغْرِزَ خَشَبهُ (٥) في حائطِ (٦) جارِهِ" (٧). قال أبو عُمر: كان شُعبةُ والثَّورِيُّ يُثنِيانِ على جابرٍ الجُعفِيِّ، ويَصِفانِهِ بالحِفظِ والإتقانِ. وكان ابن عُيَينةَ يذُمُّهُ (٨)، ويحكِي عنهُ من سُوءِ مذهبِهِ ما يُسقِطُ رِوايتهُ. واتَّبعهُ على ذلك أصحابُهُ: ابن معِينٍ، وعليٌّ، وأحمدُ، وغيرُهُم. فلهذا قُلتُ: إنَّ هذا الحدِيث لا يَسْتنِدُ من وَجْهٍ صحِيح، واللَّه أعلمُ.

стр. 6986

وأمّا قولُهُ ﷺ : "لا ضرَرَ ولا ضِرارَ". فقيلَ: إنَّهُما لَفْظتانِ بمعنًى واحِدٍ، تكلَّمَ بهما جميعًا على وجهِ التَّأكِيدِ. وقال ابن حبِيبٍ (١): الضَّررُ عِندَ أهلِ العربِيَّةِ: الاسمُ، والضِّرارُ: الفِعلُ. قال: ومعنى "لا ضَررَ": لا يُدخلُ على أحدٍ (٢) ضَررٌ لم يُدخِلهُ على نفسِهِ. ومعنى "لا ضِرارَ": لا يُضارَّ أحدٌ بأحدٍ. هذا ما حَكَى ابن حبِيبٍ. وقال الخُشنِيُّ: الضَّررُ الذي لكَ فيه مَنْفعةٌ، وعلى جارِكَ فيه مَضرَّةٌ. والضِّرارُ: الذي ليسَ لكَ فيه منفعةٌ، وعلى جارِكَ فيه المضرَّةُ. وهذا وجهٌ حسنُ المعنى في الحدِيثِ، واللَّه أعلمُ. أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن يُوسُف، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن إسماعيلَ بن الفرج، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحسنُ بن سُليمان قُبَّيْطَةُ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن مُعاذٍ النَّصِيبِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ الدَّراوردِيُّ، عن عَمرِو بن يحيى بن عُمارةَ، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لا ضَررَ ولا ضِرارَ، من ضارَّ، ضَرَّ اللَّه به، ومن شاقَّ، شقَّ (٣) اللَّه عليه" (٤). وقال غيرُهُ: الضَّررُ والضِّرارُ، مِثلُ القَتْلِ والقِتالِ، فالضَّررُ: أن تضُرَّ بمن لا يضُرُّك، والضِّرارُ أن تَضُرَّ من (٥) قد أضرَّ بكَ من غيرِ جِهةِ الاعتِداءِ بالمِثلِ

стр. 6987

والانتِصارِ بالحقِّ، وهُو نحوُ قولِهِ ﷺ : "أدِّ الأمانةَ إلى منِ ائتمنكَ، ولا تخُن من خانكَ" (١). وهذا معناهُ عِندَ أهلِ العِلم: لا تخُن من خانكَ، بعدَ أنِ انتصرتَ منهُ في خِيانتِهِ لك.

стр. 6988

والنَّهيُ إنَّما وقعَ على الابتِداءِ، أو ما يكونُ في معنى الابتِداءِ، كأنَّهُ يقولُ: ليسَ لكَ أن تخُونهُ، وإن كان قد خانكَ، كما (١) لم يكُن لهُ أن يخُونكَ أوَّلًا. وأمّا من عاقبَ بمِثلِ ما عُوقِبَ به، وأخذ حقَّهُ، فليسَ بخائنٍ، وإنَّما الخائنُ من أخذَ ما ليسَ لهُ، أو أكثر ممّا لهُ. وقدِ اختلَفَ الفُقهاءُ في الذي يجحدُ حقًّا عليه لأحَدٍ، ويمنعُهُ منهُ، ثُمَّ يظفرُ المجحُودُ له بمالٍ للجاحِدِ (٢)، قدِ ائتمنهُ عليه، أو نحو (٣) ذلك. فقال منهُم قائلُون: ليسَ لهُ أن يأخُذَ حقَّهُ من ذلك، ولا يجحدهُ إيّاهُ. واحتجُّوا بظاهِرِ قولِهِ: "أدِّ الأمانةَ إلى منِ ائتمنكَ، ولا تخُن من خانكَ". وقال آخرُونَ: لهُ أن ينتصِفَ منهُ، ويأخُذ حقَّهُ من تحتِ يدِهِ، واحتجُّوا بحدِيثِ عائشةَ في قِصَّةِ هِندٍ مع أبي سُفيان (٤). واختلف قولُ مالكٍ في هذه المسألةِ على الوَجهينِ المذكُورينِ، فرَوَى الرِّوايةَ الأُولى عنهُ ابن القاسم. وروى الأُخرى عنهُ زِيادُ بن عبدِ الرَّحمنِ، وغيرُهُ. وللفُقهاءِ في هذه المسألةِ وُجُوهٌ واعتِلالاتٌ، ليسَ هذا بابَ ذِكرِها، وإنَّما ذكرناها هاهُنا، لما في معنى الضِّرارِ من مُداخلةِ الانتِصارِ بالإضرارِ مِمَّن أضرَّ بكَ. والذي يصِحُّ في النَّظرِ، ويثبُتُ في الأُصُولِ: أنَّهُ ليسَ لأحدٍ أن يضُرَّ بأحَدٍ، سواءٌ أضرَّ به قبلُ أم لا، إلّا أنَّ لهُ أن ينتصِرَ ويُعاقِبَ إن قدرَ، بما أُبِيحُ لهُ من السُّلطانِ، والاعتِداءِ بالحقِّ الذي (٥) هُو مِثلُ ما اعتُدِيَ به عليه.

стр. 6989

والانتِصارُ ليسَ باعتِداءٍ، ولا ظُلم، ولا ضَررٍ، إذا كان على الوَجهِ الذي أباحَتهُ السُّنَّةُ. وكذلك ليسَ لأحدٍ أن يضُرَّ بأحَدٍ، من غيرِ الوجهِ الذي هُو الانتِصافُ من حقِّهِ. ويدخُلُ الضَّررُ في الأموالِ من وُجُوهٍ كثِيرةٍ، لها أحكامٌ مُختلِفةٌ، فمن أدخلَ على أخِيهِ المُسلِم ضَررًا مُنِع منهُ، فإن أدخلَ على أخِيهِ ضررًا بفِعلِ ما كان لهُ فِعلُهُ في مالِه (١)، فأضرَّ فِعلُهُ ذلك بجارِهِ، أو غيرِ جارِهِ، نظرَ إلى ذلك الفِعلِ، فإن كان تركُهُ أكبر ضَررًا من الضَّررِ الدّاخِلِ على الفاعِلِ ذلك في مالِهِ، إذا قطعَ عنهُ ما فعلهُ، قطعَ أكبر الضَّرَرينِ، وأعظمهُما (٢) حُرمةً في الأُصُولِ. مِثالُ ذلك: رجُلٌ فتحَ كُوَّةً يطَّلِعُ منها على دارِ أخِيهِ، وفيها العِيالُ، والأهلُ، ومن شأنِ النِّساءِ في بُيُوتِهنَّ إلقاءُ بَعضِ ثِيابِهِنَّ، والانتِشارُ في حوائجِهِنَّ، ومَعلُومٌ أنَّ الاطِّلاع على العَوْراتِ مُحرَّمٌ، قد وردَ فيه النَّهيُ. ألا تَرَى أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال لرجُلٍ اطَّلعَ عليه من خِلالِ بابِ دارِهِ: "لو علِمتُ أنَّكَ تنظُرُ، لفقأتُ عينكَ، إنَّما جُعِل الاستِئذانُ من أجلِ النَّظرِ" (٣). وقد جعل جماعةٌ من أهلِ العِلم من فُقِئَت عينُهُ في مِثلِ هذا هَدْرًا، للأحادِيثِ الوارِدةِ بمعنى ما ذكرتُ لك، وأبى ذلك آخرُونَ وجَعلُوا فيه القِصاص، منهُم مالكٌ، وغيرُهُ.

стр. 6990

فلِحُرمةِ الاطِّلاع على العَوْراتِ، رأى العُلماءُ أن يُغلِقُوا على فاتِح الكُوَّةِ والبابِ ما فتحَ مما (١) لهُ فيه منفعةٌ وراحةٌ، وفي غَلْقِهِ عليه ضررٌ؛ لأنَّهُم قَصَدُوا إلى قطع أعظم الضَّررينِ، إذا لم يَكُن بُدٌّ من قَطْع أحدِهِما. وكذلك من أحدث بناءً في رحا ماءٍ أو غيرِ رحًا، فيُبطِلُ ما أحدَثهُ على غيرِهِ مَنْفعةً قدِ (٢) استحقَّت، وثَبَتَ مِلْكِها لصاحِبِها: مُنِع من ذلك؛ لأنَّ إدخالهُ المضرَّةَ على جارِهِ بما لهُ فيه منفعةٌ، كإدخالِهِ عليه المضرَّةَ بما لا مَنْفعةَ فيه. ألا تَرَى أنَّهُ لو أرادَ هدم مَنْفعةِ جارِهِ وإفسادَها من غيرِ بناءٍ يبنِيهِ لنفسِهِ، لم يكُن ذلك لهُ؟ فكذلك إذا بَنَى بناءً (٣)، أو فعلَ لنفسِهِ فِعلًا يضُرُّ -به- بجارِهِ، ويُفسِدُ عليه مِلكَهُ، أو شيئًا قدِ استَحقَّهُ وصارَ مالهُ. وهذه أصُولٌ قد بانت عِللُها، فقِس عليها ما كانَ في معناها، تُصِب إن شاءَ اللَّه. وهذا كلُّهُ بابٌ واحِدٌ مُتقارِبُ المعاني مُتداخِلٌ، فاضبُط أصلهُ. ومن هذا البابِ (٤) وجهٌ آخرُ من الضَّررِ، منع منهُ العُلماءُ: كدُخانِ الفُرنِ، والحمّام، وغُبارِ الأندرِ (٥)، والأنتانِ، والدُّودِ المُتولِّدةِ من الزِّبلِ المبسُوطِ في الرِّحابِ، وما كان مِثل هذا كلِّهِ، فإنَّهُ يُقطَعُ منهُ ما بانَ ضَررُهُ، وبَقِي أثرُهُ، وخُشِيَ تمادِيه. وأمّا ما كان ساعةً خفِيفةً، مِثل نفضِ الثيابِ (٦)، والحُصرِ عِندَ الأبوابِ، فإنَّ هذا ممّا لا غِنَى بالنّاسِ عنهُ، وليسَ ممّا يستحِقُّ به شيءٌ يبقى، والضَّررُ في مَنْع مِثلِ هذا أكثرُ وأعظمُ من الصَّبرِ على ذلك ساعةً خفِيفةً.

стр. 6991

وللجارِ على جارِهِ في أدَبِ السُّنَّةِ أن يصبِرَ من أذاهُ على ما يقدِرُ، كما عليه أن لا يُؤذِيهِ وأن يُحسِنَ إليه. ولقد أوْصَى به رسُولُ اللَّه ﷺ ، حتّى كاد أن يُورِّثهُ (١). ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]. ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤١ - ٤٢]. ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. أخبرنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بن صالح بن عُمر المُقرِئُ، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحسنُ بن الطَّيِّبِ الكُوفيُّ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن أبي الرَّبِيع السَّمّانُ البصرِيُّ (٢)، قال: حدَّثنا عَنْبسةُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا فَرْقدٌ السَّبَخِيُّ، عن مُرَّةَ الطَّيِّبِ، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ملعُونٌ من ضارَّ مُسلِمًا أو ماكَرهُ" (٣). حدَّثنا أحمدُ بن فَتْح بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن حامِدٍ البَغدادِيُّ، المعرُوفُ بابنِ ثَرْثالٍ (٤)، قال: حدَّثنا الحسنُ بن الطَّيِّبِ بن حمزةَ الشُّجاعِيُّ

стр. 6992

البَلْخِيُّ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن أبي الرَّبِيع السَّمّانُ، قال: حدَّثنا عَنْبسةُ بن سَعِيدٍ، قال: حدَّثنا فَرْقدٌ السَّبَخِيُّ، عن مُرَّةَ الطَّيِّبِ، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ملعُونٌ من ضارَّ أخاهُ المُسلِم أو ماكَرهُ" (١). وهذا حدِيثٌ في إسنادِهِ رِجالٌ معرُوفُون بضعفِ الحدِيثِ، فليسَ ممّا يُحتجُّ به، ولكِنَّهُ ممّا يُخافُ عُقُوبةُ ما جاءَ فيه. وممّا يدخُلُ في هذا البابِ، مسألةٌ ذكَرَها إسماعيلُ بن أبي أُويسٍ، عن مالكٍ، أنَّهُ سُئلَ عنِ امرأةٍ عرضَ لها، يعني مسًّا من الجِنِّ، فكانت إذا أصابَها زوجُها، أو أجْنَبت (٢)، أو دَنا منها، اشتدَّ ذلك بها، فقال مالكٌ: لا أرَىَ أن يَقْرَبها، وأرَى للسُّلطانِ أن يحُولَ بينهُ وبينها. قال: وقال مالكٌ: من مثَّلَ بامرأتِهِ، فُرِّق بَيْنهُما بتطلِيقةٍ. قال: وإنَّما يُفرَّقُ بينهُما، مخافةَ أن يعُودَ إليها، فيُمثَّلَ بها أيضًا، كالذي فعلَ أوَّل مرَّةٍ (٣)، وإنَّما ذلك في المُثلةِ البيِّنةِ، التي يأتِيها مُتعمِّدًا، مِثلُ فقءِ العينِ، وقَطْع اليدِ، وأشباهِ ذلك. قال: وقد يُفرَّقُ بينَ الرَّجُلِ وامرأتِهِ بما هُو أيسرُ من هذا، وأقلُّ ضَرَرًا، إن شاءَ اللَّه (٤).

стр. 6993

مالكٌ عَن عمرِو بن الحارِثِ المِصرِيِّ حدِيثٌ واحِدٌ وهُو عَمرُو (١) بن الحارِثِ بن يعقُوبَ بن عبدِ اللَّه، مولى سعدِ بن عُبادةَ، وقيل: مولى قيَس بن سعدِ بن عُبادةَ، يُكنَى أبا أُميَّةَ. قال سعِيدُ بن كثِيرِ بن عُفيرٍ (٢) في "تارِيخ أهلِ مِصر": وُلدَ عَمرُو بن الحارِثِ بن يعقُوب، مولى قيسِ بن سعدِ بن عُبادةَ سنةَ اثنتينِ وتِسعِين، وتُوُفِّي سنةَ ثمانٍ وأربعينَ ومئةٍ، ويُكنَى أبا أُميَّةَ، وكان من أحفظِ النّاسِ، وأرواهُم للشِّعرِ، وأبلَغِهِم في رِسالةٍ. قال البُخارِيُّ (٣) في كُنيتِه: أبو أُميَّةَ، وهُو مولى الأنصارِ. وقال مُصعبٌ: أخرجهُ صالحُ بن عليٍّ من المدِينةِ إلى مِصرَ مُؤَدِّبًا لبَنِيهِ. وقال ابن وَهْبٍ: لو بَقِي لنا عَمرُو بن الحارِثِ، ما احْتَجنا إلى مالكِ بن أنسٍ؛ ذكَرهُ العُقيليُّ، عن أحمد بن عليٍّ، عن أحمد بن وزِيرٍ، قال: سمِعتُ ابن وَهْبٍ، فذكره. وذكَرَ الحُلوانيُّ، عن أبي سعِيدٍ (٤) الجُعفِيِّ، عنِ ابن وَهْبٍ، قال: قال لي ابن مهدِيٍّ: انْتَقِ لي من حدِيثِ عَمرو بن الحارِثِ مِئَتي حدِيثٍ، وجِئني بها. قال: فانتقيتُها، ثُمَّ حَملتُها إلى مكَّةَ فحدَّثتُهُ بها. وذكر ابن وَهْبٍ، عنِ ابن زيدٍ، عن ربِيعةَ، أنَّهُ قال: لا يزالُ بذلك المغرِبِ فِقهٌ، ما كان فيه ذلك القَصِيرُ. يعني عَمرو بن الحارِثِ. وقد قيلَ: إنَّ عَمرو بن الحارِثِ تُوُفِّي سنةَ تِسع وأربعينَ ومئةٍ.

стр. 6994

مالكٌ (١)، عن عَمرِو بن الحارِثِ، عن عُبيدِ (٢) بن فيرُوزٍ، عنِ البراءِ بن عازِبٍ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ سُئلَ: ماذا يُتَّقى من الضَّحايا؟ فأشارَ بيدِهِ، وقال: "أربعًا". وكان البراءُ يُشِيرُ بيدِهِ، ويقولُ: يَدِي أقصرُ من يَدِ رسُولِ اللَّه ﷺ : "العَرْجاءُ البيِّنُ ظَلْعُها، والعَوْراءُ البيِّنُ عَوَرُها، والمرِيضةُ البيِّنُ مَرَضُها، والعَجْفاءُ التي لا تُنقِي". هكذا روى مالكٌ هذا الحدِيث عن عَمرِو بن الحارِثِ، عن عُبيدِ بن فيرُوز، لم يختلِفِ الرُّواةُ عن مالكٍ في ذلك (٣). والحدِيثُ إنَّما رواهُ عَمرُو بن الحارِثِ، عن سُليمانَ بن عبدِ الرَّحمنِ (٤)، عن عُبيدِ (٥) بن فيرُوز، عنِ البراءِ بن عازِبٍ، فسقط لمالكٍ ذِكرُ سُليمان بن عبدِ الرَّحمنِ. ولا يُعرَفُ هذا الحدِيثُ إلّا لسُليمان بن عبدِ الرَّحمنِ هذا، ولم يروِهِ غيرُهُ، عن عُبيدِ بن فيرُوز، ولا يُعرَفُ عُبيدُ بن فيرُوز إلّا بهذا الحدِيثِ، وبرِوايةِ سُليمان هذا عنهُ. ورواهُ عن سُليمان جماعةٌ من الأئمَّةِ، منهُم: شُعبةُ (٦)، واللَّيث (٧)، وعَمرُو بن الحارِثِ، ويزِيدُ بن أبي حبِيبٍ (٨)، وغيرُهُم.

стр. 6995

وذكرَ ابن وَهْبٍ هذا الحدِيث عن عَمرِو بن الحارِثِ، واللَّيث بن سعدٍ، وابنِ لهيعةَ، أنَّ سُليمان بن عبدِ الرَّحمنِ حدَّثهُم، عن عُبيدِ بن فيرُوز، مولى بني شَيْبان، عنِ البَراءِ بن عازِبٍ. أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ اللَّه بن خالدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن تمِيم، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسكِينٍ. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح. قالا: حدَّثنا سُحنُونٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن وَهْبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بن الحارِثِ واللَّيثُ بن سعدٍ وابنُ لهيعةَ، أنَّ سُليمانَ بن عبدِ الرَّحمنِ الدِّمشقِيَّ حدَّثهُم، عن عُبيدِ بن فيرُوز مولى بني شَيْبان، عنِ البَراءِ بن عازِبٍ الأنصارِيِّ، قال: سمِعتُ رسُول اللَّه ﷺ ، وأشارَ بأصابعِه (١). قال: وأصابعِي (٢) أقصرُ من أصابع (٣) رسُولِ اللَّه ﷺ ، وهُو يُشِيرُ بإصبُعِهِ (٤) يقولُ: "لا يجُوزُ من الضَّحايا أربعٌ: العَوْراءُ البيِّنُ عَوَرُها، والعَرْجاءُ البيِّنُ عَرَجُها، والمرِيضةُ البيِّنُ مَرَضُها، والعَجْفاءُ التي لا تُنقِي". قال البراءُ بن عازِبٍ: فلقد رأيتُني، وإنِّي لآتي الشّاةَ قد تُرِكت، وأُشِيرُ إليها، فإذا أطرَفَتْ، أخذتُها فضَحَّيتُ بها (٥). حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن روح المدائنيُّ، قال: حدَّثنا شبّابةُ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن سُليمان بن عبدِ الرَّحمنِ، عن عُبيدِ بن فَيرُوزَ، قال: سألتُ البراءَ بن عازِبٍ: ما يُتَّقى من الأضاحِيِّ؟ قال: قامَ فينا رسُولُ اللَّه ﷺ ويَدِي أقصرُ من يَدِهِ، فقال:

стр. 6996

"العَوْراءُ البيِّنُ عَوَرُها، والعَرْجاءُ البيِّنُ ظَلَعُها، والمرِيضةُ البيِّنُ مَرَضُها، والكَسِيرةُ التي لا تُنقِي". يَعني المهزُولةَ. قال: قُلتُ للبراءِ: إنِّي لأكرَهُ أن يكونَ في القَرْنِ نَقصٌ، أو في الأُذُنِ نقصٌ، أو في السِّنِّ نقصٌ. قال: فما كَرِهتهُ فدَعْهُ، ولا تُحرِّمْهُ على أحَدٍ (١). ووجدتُ في أصلِ سماع أبي بخطِّهِ، ﵀، أنَّ محمد بن أحمد بن قاسم بن هِلالٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا نَصرُ بن مَرزُوقٍ، قال: حدَّثنا أسدُ بن موسى، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن سُليمان بن عبدِ الرَّحمنِ، مولى بني أسدٍ (٢)، قال: سمِعتُ عُبيد بن فيرُوزَ مولى بني شيبانَ، قال: سألتُ البراءَ بن عازِبٍ: ما كرِهَ رسُولُ اللَّه ﷺ من الأضاحِيِّ، وما نَهَى عنهُ؟ فقال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ ، ويَدِي أقصرُ من يَدِهِ: "أرْبَعٌ لا يجزِين: العَوْراءُ البيِّنُ عَوَرُها، والعَرْجاءُ البيِّنُ ظَلَعُها، والمرِيضةُ البيِّنُ مَرضُها، والكَسِيرةُ التي لا تُنقِي". قال: قُلتُ (٣): فإنِّي أكرَهُ أن يكونَ في السِّنِّ نَقْصٌ، أو في الأُذُنِ نَقْصٌ، أو في القرنِ نَقْصٌ. قال: إن كرِهتَ شيئًا فدَعهُ، ولا تُحرِّمهُ على أحدٍ (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَير، قال: حدَّثنا عفّانُ وعاصِمُ بن عليٍّ، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، عن سُليمانَ بن عبدِ الرَّحمنِ مولى بني أسَدٍ، قال: سمِعتُ عُبيد بن فَيرُوز مولى بني شيبانَ، قال:

стр. 6997

سألتُ البراءَ بن عازِبٍ: ما كرِهَ رسُولُ اللَّه ﷺ من الأضاحِيِّ، وماذا نَهَى عنهُ؟ فقال: قال النَّبيُّ ﷺ ، ويدِي أقصرُ من يدِ رسُولِ اللَّه ﷺ . ثُمَّ ذكر مِثلهُ (١). ورَوَى هذا الحدِيث عُثمانُ بن عُمرَ، عنِ اللَّيثِ بن سعدٍ، عن سُليمانَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عنِ القاسم مولى يزِيد بن مُعاويةَ، عن عُبيدِ بن فيرُوز (٢). فأدخلَ بين سُليمان، وبين عُبيدِ بن فيرُوز: القاسم، وهذا لم يذكُرهُ غيرُهُ. وقد ذكَرْنا من رِوايةِ شُعبةَ، عن سُليمان بن عبدِ الرَّحمنِ: سمِعتُ عُبيد بن فيرُوز. وشُعبةُ موضِعُهُ من الإتقانِ والبحثِ مَوْضِعُهُ، وابنُ وَهْبٍ أثبتُ في اللَّيثِ من عُثمان بن عُمر، ولم يذكُر ما ذكرَ عُثمانُ بن عُمر، فاسْتَدللنا بهذا، أنَّ عُثمان بن عُمرَ وهِمَ في ذلك، واللَّه أعلمُ (٣). حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ وسعِيدُ بن نصرٍ، قِراءةً مِنِّي عليهما، أنَّ قاسم بن أصبغَ، حدَّثهُما قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الصّائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سابِقٍ، قال: حدَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى بن أبي كثِيرٍ، عن إسماعيل بن (٤) أبي خالدٍ الفَدَكِيِّ، أنَّهُ حدَّثهُ، أنَّ البراءَ بن عازِبٍ سألَ رسُول اللَّه ﷺ عنِ الأضاحِيِّ، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ :

стр. 6998

"أكرَهُ العَوْراءَ البيِّن عَوَرُها، والمرِيضةَ البيِّن مَرضُها، والمهزُولةَ البيِّن هُزالُها، والمكسُورةَ بعضُ قَوائمِها بيِّنٌ كَسرُها" (١). قال أبو عُمر: استدلَّ بعضُ من ذهَبَ إلى إيجابِ الضَّحِيَّةِ فرضًا، بهذا الحدِيثِ، لقولِهِ ﷺ فيه: "أربعٌ لا تُجزِئُ، أو لا تجُوزُ، في الضَّحايا". قالوا: فقولُهُ: "لا تُجزِئُ" دليلٌ على وُجُوبِها؛ لأنَّ التَّطوُّعَ لا يُقالُ فيه: لا يُجزِئُ. قالوا: والسَّلامةُ من العُيُوبِ إنَّما تُراعى في الرِّقابِ الواجِبةِ، وأمّا التَّطوُّعُ فجائزٌ أن يُتقرَّبَ إلى اللَّه فيه بالأعورِ، وغيرِهِ. قالوا: فكذلك الضَّحايا. قال أبو عُمر: ليسَ في هذا حُجَّةٌ؛ لأنَّ الضَّحايا قُربانٌ سَنَّهُ رسُولُ اللَّه ﷺ ، يُتقرَّبُ به إلى اللَّه ، على حسَبِ ما وردَ به الشَّرعُ، وهُو حُكمٌ وردَ به التَّوقِيفُ، فلا يُتعدَّى به سُنَّتهُ ﷺ ، لأنَّهُ مُحالٌ أن يُتقرَّب إليه بما قد نُهي عنهُ، على لِسانِ رسُولِهِ ﷺ . وقد أخَّرنا القولَ في إيجابِ الأُضحِيَّةِ فرضًا، أو سُنَّةً، أو تطوُّعًا، إلى بابِ يحيى بن سعِيدٍ من هذا الكِتابِ، فهُناك مَوْضِعُ القولِ في ذلك، وذكرنا في ذلك البابِ ما للعُلماءِ فيه من الأقوالِ، والمعاني، والاعتِلالِ. واقْتَصرنا (٢) من القولِ هاهُنا على أحكام العُيُوبِ في الضَّحايا، ليَقَعَ في كلِّ بابٍ ما هُو أولى به من مَعانِيهِ، وباللَّه التَّوفِيقُ. قال أبو عُمر: أمّا العُيُوبُ الأربعةُ المذكُورةُ في هذا الحدِيثِ، فمُجتَمعٌ عليها، لا أعلمُ خِلافًا بينَ العُلماءِ فيها، ومَعلُومٌ أنَّ ما كانَ في معناها داخِلٌ فيها، ولا سيَّما إذا كانتِ العِلَّةُ فيها أبيَنَ. ألا ترَى أنَّ العوراءَ إذا لم تَجُز، فالعَمْياءُ أحْرَى ألّا تجُوز. وإذا لم تَجُزِ العَرْجاءُ، فالمقطُوعةُ الرِّجلِ، أوِ التي لا رِجل لها المُقعدَةُ، أحرى ألّا تجُوزَ.

стр. 6999

وهذا كلُّهُ واضِحٌ لا خِلافَ فيه، والحمدُ للَّه. وفي هذا الحدِيثِ دليلٌ على أنَّ المرضَ الخفِيف، يجُوزُ في الضَّحايا. والعرَجَ الخفِيفَ، الذي تلحقُ به الشّاةُ الغنم، لقولِهِ ﷺ : "البيِّنُ مَرَضُها". و"البيِّنُ ظلعُها". وكذلك النُّقطةُ في العينِ، إذا كانت يَسِيرةً، لقولِهِ: "العَوْراءُ البيِّنُ عَوَرُها". وكذلك المهزُولةُ التي ليسَتْ بغايةٍ في الهُزالِ، لقولِهِ: "والعَجْفاءُ التي لا تُنقِي". يريدُ: التي لا شيءَ فيها من الشَّحم، والنَّقيُ: الشَّحمُ. وقد بانَ في نسقِ ما أوردنا من الأحادِيثِ، تفسِيرُ هذه اللَّفظةِ، وقد جاءَ في الحدِيثِ الآخرِ: "البيِّنُ هُزالهُا". وفي لفظِ حدِيثِ شُعبةَ: "والكَسِيرُ التي لا تُنقِي". ومعنى الكسِيرِ: هي التي لا تقُومُ ولا تَنْهضُ من الهُزالِ. ومن العُيُوبِ التي تُتَّقى في الضَّحايا بإجماع: قطعُ الأُذُنِ، أو أكثرِهِ، والعَيْبُ في الأُذُنِ مُراعًى عِندَ جماعةِ العُلماءِ في الضَّحايا. واختَلفُوا في السَّكّاءِ، وهي التي خُلِقَتْ بلا أُذُنٍ. فمَذهبُ مالكٍ (١) والشّافِعيِّ: أنَّها إذا لم تَكُن لها أُذُن خِلقةً، لم تُجْزِ، وإن كانت صغِيرةَ الأُذُنِ أجزأت (٢). وروى بِشْرُ (٣) بن الولِيدِ، عن أبي يُوسُفَ، عن أبي حنِيفةَ مِثل ذلك (٤).

стр. 7000

وذكر محمدُ بن الحسنِ عنهُ، وعن أصحابِهِ: أنَّها إذا لم تكُن لها أُذُنٌ خِلقةً، أجزأت في الضَّحِيَّةِ. قال: والعمياءُ خِلقةً لا تجُوزُ في الضَّحِيَّةِ (١). وقال مالكٌ (٢) واللَّيث: المقطُوعةُ الأُذُنِ، أو جُلِّ الأُذُنِ لا تُجزِئُ (٣). والشَّقُّ للمِيسم (٤) يُجزِئُ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ، وجماعةِ الفُقهاءِ. واختَلفُوا في جَوازِ الأبترِ في الضَّحِيَّةِ. فرُوِي عنِ ابن عُمرَ، وسعِيدِ بن المُسيِّبِ، وسعِيدِ بن جُبيرٍ، والحسنِ، وإبراهيم النَّخعِيِّ: أنَّهُ يُجزِئُ في الضَّحِيَّةِ (٥). وكان اللَّيثُ بن سعدٍ يكرهُ الضَّحِيَّةَ بالأبترِ. وذكرَ ابن وَهْبٍ، عنِ اللَّيثِ، أنَّهُ سمِعَ يحيى بن سعِيدٍ يقولُ: يُكرَهُ ذهابُ الذَّنبِ، والعَوَرُ، والعَجَفُ، وذهابُ الأُذُنِ، أو نِصفِها. وعنِ ابن لهيعةَ، عن خالدِ بن يزيدٍ (٦)، عن عَطاءٍ: أنَّ الأبتَرَ لا يجُوزُ في الضَّحايا. وقد رُوِيَ في الأبترِ حدِيث مرفُوعٌ ليسَ بالقوِيِّ، وفيه نظرٌ. حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن يُوسُف، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن حمّادٍ الدُّولابِيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن الحسنِ، قال:

стр. 7001

حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: حدَّثنا جابرٌ الجُعفِيُّ، قال: سمِعتُ محمد بن قَرَظةَ يُحدِّثُ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّهُ قال: اشْتَريتُ كبشًا لأُضحِّي به، فأكلَ الذِّئبُ (١) من ذنبِهِ. أو قال: أكلَ ذَنَبهُ، فسألتُ عنهُ النَّبيَّ ﷺ ، فقال: "ضحِّ به" (٢). وهذا يحتمِلُ وُجُوهًا، منها: أنَّهُ قُطِع بَعضُ ذنبِهِ. ومنها: أنَّهُ قُطِع كلُّهُ. ومنها: أنَّهُ إذا كان القَطْعُ طارِئًا عليه، ولم يُخلَق أبترَ، فلا بأس به، إذا كان يسِيرًا (٣). ومنها: أنَّهُ لم يخُصَّ خِلْقةً من غيرِها. ومنها: أنَّهُ عرضَ ذلك (٤) لهُ بعدَ أنِ اشتراهُ ضحِيَّةً، فأوجبهُ، على مذهبِ من سوَّى بيَن ذلك، وبين الهديِ. وقد قيل: إنَّهُ لم يسمع محمدُ بن قَرَظةَ من أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ. وقد تكلَّمُوا في جابرٍ الجُعفِيِّ، ولكِنَّ شُعبةَ روى عنهُ، وكان يُحسِنُ الثَّناءَ عليه، وحسبُك بذلك من مِثلِ شُعبةَ. وحدَّثنا أحمدُ بن سعِيدِ بن بِشْرٍ، قال: حدَّثنا مسلمةُ بن قاسم، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدِ بن الحسنِ الأصبهانِيُّ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن حبِيبٍ، قال: حدَّثنا أبو داود الطَّيالِسِيُّ، قال (٥): حدَّثنا شُعبةُ، عن جابرٍ، عن محمدِ بن قرظةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: اشْتَريتُ كبشًا أُضحِّي به، فأكلَ الذِّئبُ ذنبهُ، أو من ذنبِهِ، فسألتُ النَّبيَّ ﷺ ، فقال: "ضحِّ به". وروى مالكٌ (٦)، عن نافع، عنِ ابن عُمرَ: أنَّهُ كان يتَّقِي في الضَّحايا، والبُدنِ:

стр. 7002

التي نقصَ من خَلْقِها، والتي لم تُسْنَن (١). وهذا أصحُّ، عنِ ابن عُمرَ عِندِي، واللَّه أعلمُ، من رِوايةِ من رَوَى عنهُ جواز الأُضحِيَّةِ بالأبْتَرِ. إلّا أنَّهُ يحتملُ أن يكونَ اتَّقاءُ (٢) ابن عُمرَ لمِثلِ ذلك ورعًا، ويحتملُ أن يكونَ اتِّقاؤُهُ كان لما نقَص منها خِلقةً، وحَمْلُ حدِيثهِ على عُمُومِهِ أولى، ولا حُجَّةَ مع ذلك فيه. وذكرَ ابن وَهْبٍ قال: أخبَرني يُونُسُ، عنِ ابن شِهابٍ، أنَّهُ قال: لا يجُوزُ من الضَّحِيَّةِ المجذُوعةُ ثُلُثِ الأُذُنِ، ومن أسفلَ منها، ولا يجُوزُ مَسْلُولةُ الأسنانِ، ولا الثَّرماء (٣)، ولا جَدّاء (٤) الضَّرع، ولا العَجْفاءُ، ولا الجَرْباءُ، ولا المُصَرَّمةُ الأطْباءِ، ولا العَوْراءُ، ولا العرجاءُ البيِّنُ عَرَجُها. والمُصرَّمةُ الأطْباءِ: المقطُوعةُ حَلَمةِ الثَّديِ. قال: وأخبَرني عبدُ الجبّارِ بن عُمرَ، عن ربِيعةَ: أنَّهُ كان يكرهُ كلَّ نَقْصٍ يكونُ في الأُضحية أن يُضحَّى به. قال: وأخبَرني عَمرُو بن الحارِثِ وابنُ لهيعةَ، عن بُكيرِ بن الأشجِّ، عن سُليمان بن يَسارٍ: أنَّهُ كان يكرهُ من الضَّحايا التي بها من العَيْبِ ما يُنقِصُ من ثَمنِها.

стр. 7003

قال: وسمِعتُ مالكًا يكرهُ كلَّ نقصٍ يكونُ في الضَّحايا، إلّا القَرْنَ وحدَهُ، فإنَّهُ لا يَرَى بأسًا أن يُضحَّى بمكسُورةِ القرنِ، ويراهُ بمَنزِلةِ الشّاةِ الجمّاءِ. قال أبو عُمر: على هذا جماعةُ الفُقهاءِ، لا يرونَ بأسًا أن يُضحَّى بالمكسُورِ القَرْنِ، وسواءٌ كان قرنُهُ يُدمِي، أو لا يُدمِي. وقد رُوِي عن مالكٍ: أنَّهُ كرِههُ إذا كان يُدمِي (١). كأنَّهُ (٢) جَعلهُ من المرضِ. وأجمعَ العُلماءُ على أنَّ الضَّحِيَّةَ بالجمّاءِ جائزةٌ. وقالت جماعتُهُم وجُمهُورُهُم: إنَّهُ لا بأسَ أن يُضحَّى بالخَصِيِّ، واسْتَحسنهُ بعضُهُم إذا كان أسمَنَ من غيرِهِ. قال ابن وَهْبٍ: قال لي مالكٌ: العَرْجاءُ إذا لم تَلْحقِ الغنمَ، فلا تجُوزُ في الضَّحايا. قال أبو عُمر: رَوَى قتادةُ، عن جُرَيِّ (٣) بن كليبٍ، عن عليِّ بن أبي طالِبٍ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ نَهَى في الضَّحايا عن عَضْباءِ الأُذُنِ والقَرْنِ. قال قتادةَ: فقُلتُ لسعِيدِ بن المُسيِّبِ: ما عَضْبُ الأُذُنِ والقرنِ (٤)؟ قال: النِّصفُ أو أكثرُ (٥).

стр. 7004

قال أبو عُمر: لا يُوجَدُ ذِكرُ القرنِ في غيرِ هذا الحدِيثِ، وبعضُ أصحابِ قتادةَ لا يَذكُرُ فيه القرنَ، ويقتصِرُ فيه على ذِكرِ الأُذُنِ وحدَها؛ كذلك رَوَى هشامٌ، وغيرُهُ، عن قتادةَ (١). وجُملةُ القَوْلِ أنَّ هذا حدِيثٌ (٢) لا يُحتجُّ بمِثلِهِ، مع ما ذكَرْنا من مُخالفةِ الفُقهاءِ لهُ في القرنِ خاصَّةً. وأمّا الأُذُنُ، فكلُّهُم على القولِ بما فيه في الأُذُنِ. وفي الأُذُنِ عنِ النَّبيِّ ﷺ آثارٌ حِسانٌ: حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا وكِيعٌ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينة، عن سَلَمةَ بن كُهَيل، عن حُجيَّةَ بن عدِيِّ، عن عليٍّ قال: أمَرَنا رسُولُ اللَّه ﷺ أن نَسْتَشرِفَ (٣) العين والأُذُن (٤). وحدَّثنا سعِيدٌ وعبدُ الوارِثِ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابن وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه (٥)، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن شُريح بن النُّعمانِ، عن عليٍّ، قال: أمَرَنا رسُولُ اللَّه ﷺ أن نَسْتشرِفَ

стр. 7005

العينَ والأُذُن، ولا نُضحِّى بمُقابَلَةٍ، ولا مُدابَرةٍ، ولا شَرْقاءَ، ولا خَرْقاءَ. والمُقابلةُ: ما قُطِع طرفُ أُذُنِها، والمُدابرةُ: ما قُطِع من جانِبيِ الأُذُنِ، والشَّرقاءُ: المشقُوقةُ الأُذُنِ، والخرقاءُ: المثقُوبةُ الأُذُنِ (١). قال أبو عُمر: كان بعضُ العُلماءِ يقولُ في قولِ رسُولِ اللَّه ﷺ : "أربَعٌ لا تجُوزُ في الضَّحايا". دليلٌ على أنَّ ما عَدا تلكَ الأربع من العُيُوبِ في الضَّحايا يجُوزُ، واللَّه أعلمُ. وهذا لعَمْرِي، كما زعمَ، إن لم يثبُت عنِ النَّبيِّ ﷺ غيرُ ذلك، وأمّا إذا ثبتَ عنهُ شيءٌ منصُوصٌ بخِلافِ (٢) هذا التَّأوِيلِ، فلا سبِيلَ إلى القَوْلِ به، وما زِيدَ عليه من السُّننِ الثّابِتةِ في غيرِهِ، فمضمُومٌ إليه. وحدِيثُ عليٍّ في اسْتِشرافِ العَيْنِ والأُذُنِ، حدِيثٌ حسنُ الإسنادِ (٣)، ليسَ بدُونِ حدِيثِ البراءِ، وباللَّه التَّوفِيقُ.

стр. 7006

مالكٌ عن عَمرِو بن أبي عمرٍو حدِيثٌ واحِدٌ وهُو عَمرُو (١) بن أبي عَمرٍو، يُكنَى أبا عُثمان، واسمُ أبي عَمرٍو: مَيْسرةُ، وهُو مولى المُطَّلِبِ بن عبدِ اللَّه بن حَنْطبٍ المخزُوميِّ القُرَشيِّ، مدَّنِيٌّ ليس به بأسٌ. روى عن أنسِ بن مالكٍ، وعِكْرِمةَ مولى ابن عبّاسٍ، وعن مولاهُ المُطَّلِبِ بن عبدِ اللَّه بن حنطبٍ، والمُطَّلِبُ مولاهُ يُكنَى أبا الحكم. ورَوَى عن عَمرِو بن أبي عَمرِو: مالكُ بن أنسٍ، وعبدُ العزيزِ الدَّراوردِيُّ. قال عبدُ اللَّه بن أحمد بن حنبل (٢): سألتُ أبي عن عَمرِو بن أبي عَمرٍو، فقال: سمِعَ من أنسٍ، ليسَ به بأسٌ، رَوَى عنهُ مالكُ بن أنسٍ. وقال ابن أبي حاتِم (٣): سألتُ أبي عن عَمرِو بن أبي عَمرٍو، فقال: لا بأس به، روى عنهُ مالكٌ. وسُئل أبو زُرعةَ عن عَمرِو بن أبي عمرٍو، فقال: مدَّنِيٌّ ثِقةٌ. وأمّا ابن مَعِينٍ، فرَوَى عنهُ عبّاس (٤) الدُّورِيُّ أنَّهُ قال: عَمرُو بن أبي عَمرٍو ليسَ بحُجَّةٍ. وقولُ أبي زُرعةَ أوْلَى من قولِ ابن معِينٍ، إن شاءَ اللَّه، لرِوايةِ مالكٍ عنهُ، وكان لا يَروِي عِندَهُم إلّا عن ثِقةٍ (٥).

стр. 7007

مالكٌ (١)، عن عَمرِو بن أبي عَمرٍو مولى المُطَّلِبِ، عن أَنَسِ بن مالكٍ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ طلَعَ لهُ أُحُدٌ، فقال: "هذا جبلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ اللهُمَّ إنَّ إبراهيمَ حرَّم مكَّةَ، وإنِّي أُحرِّمُ ما بينَ لابَتَيها". لم يُختَلَف على مالكٍ في إسنادِ هذا الحدِيثِ ولا في لفظِهِ، فيما علِمتُ، ورواهُ سُفيانُ بن بِشْر (٢)، عن مالكٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ، فأخطأ فيه (٣). حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو عَمرٍو عُثمانُ بن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ بن محمدِ بن عُتبةَ بن أبي سُفيان بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا أبو شَيْبةَ داودُ بن إبراهيمَ البَغْدادِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى بن حمّادٍ، قال: قرأتُ على مالكِ بن أنَسٍ: عن عَمرٍو مولى المُطَّلِبِ، عن أنَسٍ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ طَلَع لهُ أُحُدٌ، فقال: "إنَّ هذا جبل يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ، اللهمَّ إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مكَّةَ، وإنِّي أُحرِّمُ ما بينَ لابَتَيها". يعني المدِينةَ. وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عُمرَ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرِ بن أعْيَنَ. وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا أبو العبّاسِ أحمدُ بن إبراهيمَ بن عليِّ بن محمدٍ الكِندِيُّ ومحمدُ بن عبدِ اللَّه، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمد (٤) بن

стр. 7008

عبدِ العزيزِ البغوِيُّ، قال (١): حدَّثنا عبدُ الأعلى بن حمّادٍ، قال: قرأتُ على مالكِ بن أنَسٍ، عن عَمرِو بن أبي عَمرٍو، عن أنَسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ طلَعَ لهُ أُحُدٌ، فذكَرَهُ. قال أبو عُمر: للنّاسِ في هذا مذهبانِ، أحدُهُما أنَّ ذلك مجازٌ، ومجازُهُ أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كان يَفْرحُ بأُحُدٍ إذا طلَعَ لهُ، استِبشارًا بالمدِينةِ، ومن فيها من أهْلِها (٢)، ويُحِبُّ النَّظر إليه، لقُربِهِ من النُّزُولِ بأهلِهِ، والأوْبةِ من سَفرِهِ، فلِهذا واللَّه أعلمُ، كان يُحِبُّ الجبل. وأمّا حُبُّ الجبلِ لهُ، فكأنَّهُ قال: وكذلك كان يُحِبُّنا، لو كان مِمَّن تَصِحُّ وتُمكِنُ منهُ محبَّةٌ. وقد مَضَى هذا المعنى في بابِ عبدِ اللَّه بن يزِيد واضِحًا، عِندَ قولِهِ ﷺ : "اشْتكتِ النّارُ إلى ربِّها. . . " الحدِيث (٣). والحمدُ للَّه. ومن هذا قولُ عُمر بن الولِيدِ بن عُقبةَ (٤): بكى أُحُدٌ إن فارقَ اليومَ أهلهُ ... فكيفَ بذِي وَجْدٍ من القَوْمِ (٥) آلِفُ وقد قيلَ: معنى قولِهِ: "يُحِبُّنا"، أي: يُحِبُّنا أهلُهُ، يَعني الأنصار السّاكِنِينَ قُربهُ، وكانوا يُحِبُّونَ رسُولَ اللَّه ﷺ ويُحِبُّهُم؛ لأنَّهُم آوَوْهُ، ونَصرُوهُ، وأقامُوا دِينهُ، فخرَجَ قولُهُ ﷺ على هذا التَّأوِيلِ، مخرجَ قولِ اللَّه : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] يُرِيدُ: واسأل (٦) أهلَ القَرْيةِ (٧)، ومثلُه:

стр. 7009

﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ (١) [يوسف: ٨٢]، وهذا معرُوفٌ في لِسانِ العربِ، وقد تكونُ الإرادةُ للجبلِ مجازًا أيضًا، فيكونُ القولُ في حُبِّ الجبلِ، كالقولِ في إرادةِ الجِدارِ أن ينقضَّ سواءً (٢)، ومن حمل ذلك على المجازِ، جعلهُ كقولِ الشّاعِرِ (٣): يُرِيدُ الرُّمحُ صدرَ أبي براءٍ ... ويرغبُ عن دِماءِ بني عَقيلِ وزعمَ أنَّ العرب خُوطِبَتْ من ذلك بما تَعرِفُهُ بينَها من مُخاطَباتِها، ومفهُوم كلامِها، فهذا كلُّهُ مذهبُ من حملَ هذهِ الألفاظ، وما كان مِثلها في الكِتابِ والسُّنَّةِ على المجازِ المعرُوفِ من لِسانِ العربِ. والمذهبُ الآخرُ: أنَّ ذلك حَقِيقةٌ، ومن حملَ هذا على الحقِيقةِ، جعلَ للجِدارِ إرادةً يَفْهمُها من شاءَ اللَّه، وجعلَ لكلِّ شيءٍ تسبِيحًا حَقِيقةً لا يَفْقهُها (٤) النّاسُ، بقولِهِ : ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠]، وقولِهِ: ﴿إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وجعل للسَّماواتِ والأرضِ بُكاءً (٥) وقولًا، في مِثلِ هذا المعنى صحِيحًا. والقولُ في كِلا المذهبينِ يتَّسِعُ، وقد أكثر النّاسُ في هذا المعنى (٦)، وباللَّه التَّوفِيقُ. وأمّا قولُهُ: "إنَّ إبراهيمَ حرَّم مكَّةَ، وإنِّي أُحرِّمُ ما بينَ لابَتَيها"، يعني: المدينة، ففيه تصريحٌ بتحريم المدينة وأنها لا يجوز الاصطياد فيها، وفي ذلك ما يُبطلُ

стр. 7010

قولَ الكوفيِّين ويشهدُ لصحّةِ قول أهل المدينة (١)، وقد رَوَى هذا المعنى أبو هريرةَ، ورافعُ بن خدِيج، عن النَّبيِّ ﷺ . حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٢): حدَّثنا قُتيبةُ بن سَعِيدٍ، قال: حدَّثنا بكرُ بن مُضَر، عن ابن الهادِ، عن أبي بكرِ بن محمدٍ، عن عبدِ اللَّه بن عَمرِو بن عُثمان، عن رافع بن خَدِيج، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مَكَّةَ". وقال أحمدُ بن زُهيرٍ (٣): حدَّثنا مُصعبُ بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن أبي حازِم، عن كثِيرِ بن زيدٍ، عن الولِيدِ بن رباح، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ : "إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مكَّةَ". ورواهُ جابرٌ، وسعدُ بن أبي وقّاصٍ أيضًا كذلك: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٤): حدَّثنا محمد بن عِمْرانَ بن أبي ليلى، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا ابن أبي ليلى،

стр. 7011

عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ ابراهيمَ حرَّمَ مَكَّةَ" (١). أخبَرنا سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي بكرٍ، سَمِع الفُضَيلَ (٢) بنَ سُليمانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي يحيى، عن أبي إسحاقَ، عن عامرِ بن سَعْدِ بن أبي وقّاصٍ، عن أبيهِ قال: قال رَسُولُ اللَّه ﷺ : "ما بينَ لابَتي المدينةِ حرامٌ، كما حرَّمَ إبراهيمُ مكَّةَ، اللَّهُمَّ اجعَلِ البَرَكة فيها بَرَكتينِ، وبارِكْ لهم في صاعِهمْ ومُدِّهم، وإنِّي أحرِّمُ ما بينَ لابَتَيها". يعني المدينةَ (٣). وأمّا ابنُ عبّاسٍ، وأبو شُريح الكَعْبي، فرَوَيا أنَّ اللَّه حرَّمَها، ولم يُحرِّمها النّاسُ (٤). حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ (٥)، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال (٦):

стр. 7012

حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا جرِيرٌ، عن منصُورٍ، عن مُجاهِدٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ يومَ فتح مكَّةَ: "إنَّ هذا البلَدَ حرَّمهُ اللَّه يومَ خلَقَ السَّماواتِ والأرضَ، فهُو حرام بحُرْمةِ اللَّه إلى يَوْم القِيامةِ، لا يُعضَدُ شَوْكُهُ، ولا يُنفَّرُ صَيْدُهُ، ولا يَلْتقطُ لُقَطتَهُ إلّا من عرَّفَها. . . " وذكر تمامَ الحدِيثِ. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال (١): حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا وهبُ بن جرِيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: سمِعتُ يُونُس بن يزِيد يُحدِّثُ، عن الزُّهرِيِّ، عن مُسلِم بن يزِيد أحدِ بني سعدِ (٢) بن بكرٍ، أنَّهُ سمِعَ أبا شُريح الخُزاعِيَّ ثُمَّ الكعبِيَّ يقولُ: ثُمَّ قامَ رسُولُ اللَّه ﷺ فأثْنَى على اللَّه بما هُو أهلُهُ، ثُمَّ قال: "أمّا بعدُ، فإنَّ اللَّه حرَّمَ مكَّةَ ولم يُحرِّمها النّاسُ، وإنَّما أحَلَّها لي ساعَةً من النَّهارِ أمسِ (٣)، وإنَّها اليومَ حرامٌ كما حرَّمها أوَّل مرَّةٍ (٤). قال عبدُ الملكِ بن عبدِ العزيزِ ابنُ الماجِشُونِ: التَّحرِيمُ للصَّيدِ بالمدِينةِ حقٌّ، لقولِ رسُولِ اللَّه ﷺ : "اللهمَّ إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مكَّةَ، وإنِّي أحرِّمُ ما بينَ لابَتَيها".

стр. 7013

قال عبدُ الملكِ: وحدُّ ذلك ما لوِ التَقْتِ الحرَّتانِ عليه، كانتِ البُيُوتُ شاغِلةً منه (١)، وما فوقَ ذلك وأسفَلَ فمُباحٌ. قال: وقال مالكٌ: أكرهُ ما قرُبَ جِدًّا من فَوْقٍ، وأسفَلَ (٢). قال (٣): وبلَغَنا أنَّ سعدًا أخذَ ثوب من فعل ذلك وفأسهُ، فكلِّم فيه، فقال: لا أدعُ ما أعْطانِيهِ رسُولُ اللَّه ﷺ (٤). قال: وبَلَغنا أنَّ عُمر بن الخطّابِ قال لمولًى لقُدامةَ بن مَظْعُونٍ، يُدْعى سالمًا: إذا رأيتَ من يَقْطعُ من الشَّجرِ، يعني من شجَرِ المدِينةِ، شيئًا، فخُذ فأسهُ. قال: وثَوْبهُ يا أمِيرَ المُؤمِنِينَ؟ قال: لا، ولكِن فأسهُ (٥). قال أبو عُمر: لم يختلِفِ العُلماءُ: أنَّهُ لا يجُوزُ أخذُ فأسِ منِ اصْطادَ بالمدِينةِ اليومَ ولا ثوبِهِ، وقدِ احتجَّ بذلك من زعَمَ أنَّ تحرِيم صَيْدِها مَنسُوخٌ بذلك. وهذا ليسَ بشيءٍ؛ لأنَّ الحدِيث عن سعدٍ وعُمر في ذلك ضعِيفُ الإسنادِ، ولا يُحتجُّ به، وقد ثبتَ تحرِيمُها (٦) من الطُّرُقِ الصِّحاح. وليسَ في سُقُوطِ وُجُوبِ الجَزاءِ على منِ اصْطادَ فيها، ما يُسقِطُ تحرِيمها، لما قدَّمناهُ من الحُجَّةِ في ذلك، في بابِ ابن شهابٍ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، وثَمَّ اشْبَعنا القوَلَ في هذه المسألةِ.

стр. 7014

ولم يَكُن في شرِيعةِ إبراهيمَ جزاءُ صَيْدٍ، فيما قال أهلُ العِلم، والنَّبيُّ ﷺ إنَّما حرَّم المدِينةَ، كما حرَّم إبراهيمُ مكَّةَ. ووُجُوبُ الجزاءِ في صَيْدِ الحَرَم شيءٌ ابْتَلَى اللَّه به هذه الأُمَّةَ، ألا تَرَى إلى قولِهِ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ٩٤]. ولم يكُن قبلَ ذلك، واللَّهُ أعلمُ. والصَّحابةُ فَهِمُوا المُرادَ في تحرِيم صَيْدِ المدِينةِ، فتَلقَّوهُ بالوُجُوبِ، دُونَ جَزاءٍ، كذلك قال أبو هريرةَ (١)، وزيدُ بن ثابتٍ (٢)، وأبو سعِيدٍ (٣). ذكرَ إسماعيلُ بن إسحاقَ قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيسٍ، قال: حدَّثني أخِي، عن سُليمانَ بن بلال، عن سعدِ بن إسحاقَ بن كعبِ بن عُجرةَ، عن زينب بنتِ كعبِ بن عُجرةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ حرَّمَ ما بينَ لابَتَيِ المدِينةِ، وأَنَّهُ حرَّمَ شَجَرها أن يُعضَدَ. قالت زينبُ: فكانَ أبو سعِيدٍ يَضْرِبُ بنِيهِ إذا اصطادوا فيها، ويُرسِلُ الصَّيدَ (٤). قال: وحدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بن زِيادٍ، قال: حدَّثنا عاصِمٌ الأحولُ، قال: قُلتُ لأنَسِ بن مالكٍ: حرَّم رسُولُ اللَّه ﷺ المدِينةَ؟ قال: نعم (٥).

стр. 7015

وقد قالت فِرقةٌ: في صيدِ المدِينةِ الجزاءُ (١). واحتجُّوا بأنَّهُ حَرَمُ نبِيٍّ، كما مكَّةُ حَرَمُ نبِيٍّ، واعتلُّوا بقولِهِ: "إنَّ إبراهيمَ حرَّم مكَّةَ، وإنِّي أُحرِّمُ ما بينَ لابَتَيها". والوجهُ (٢): ما قدَّمنا، وهُو قولُ مالكٍ، والشّافِعيِّ، وأبي حنِيفةَ، وأكثرِ أهلِ العِلم. والأصلُ أنَّ الذِّمَّةَ برِيئَةٌ، فلا يجِبُ فيها شيءٌ إلّا بيقِينٍ. وأمّا حرمُ المدِينةِ، وكم يبلُغُ من المسافةِ، ومعنى "لابَتَيها" وهُما الحرَّتانِ، فقد مضى في كِتابِنا هذا، في بابِ ابن شِهابٍ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، والحمدُ للَّه. [آخر المجلد الثاني عشر من هذه الطبعة المحققة، نسأل اللَّه سبحانه عونه على إنجازه].

стр. 7016

مالكٌ عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ وهُو العلاءُ (١) بن عبدِ الرَّحمنِ بن يعقُوب، مولى الحُرَقةِ، والحُرَقةُ: امرأةٌ من جُهَينةَ، وهي فَخِذٌ من أفخاذِ جُهَينةَ، يُنسبُ إليه الحُرَقِيُّون. روى عنهُ جماعةٌ من الأئمَّةِ، منهُم: مالكٌ، وشُعبةُ، والثَّورِيُّ، وابنُ عُيينةَ. وهُو من تابِعِي أهلِ المدِينةِ، سمِع أنس بن مالكٍ. كان ابن معِينٍ لا يرضاهُ، وليسَ قولُهُ فيه بشيءٍ، قال أحمدُ بن زُهَيرٍ (٢): سمِعتُ يحيى بن معِينٍ يقولُ: العلاءُ بن عبدِ الرَّحمنِ ليسَ بذاك، قال (٣): وسمِعتُ يحيى بن مَعِينٍ يقولُ: لم يَزلِ النّاسُ يتَّقُونَ حدِيث العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ. قال أبو عُمر: ليتَ شِعرِي، مَنِ النّاسُ الذين كانوا يتَّقُونَ حَدِيثهُ؟ وقد حدَّث عنهُ هؤُلاءِ الأئمَّةُ الجلَّةُ، وجماعةٌ غيرُهُم كثِيرةٌ. وقال عبدُ اللَّه بن أحمد بن حنبل (٤): سمِعتُ أبي يقولُ: العلاءُ بن عبدِ الرَّحمنِ ثِقةٌ. والعلاءُ من التّابِعِينَ بإدراكِهِ أنَس بن مالكٍ، وأبوهُ من التّابِعِينَ أدركَ أبا هريرةَ وأبا سعِيدٍ، وجدُّهُ يَعْقُوبُ أدركَ عُمر بن الخطّابِ، فهُو من كِبارِ التّابِعِين. وذكرَ ابن إسحاقَ وعبدُ العزيزِ بن أبي حازِم وإسماعيلُ بن جعفرٍ وغيرُهُم، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، ومعنى حدِيثِهِم واحِدٌ، دخل بعضُهُ في

стр. 7017

بعضٍ: أنَّ يعقُوبَ أباهُ كان مُكاتَبًا لأوسِ بن الحَدَثانِ النَّصرِيِّ، فتزوَّج جدُّهُ مولاةً لرجُلٍ من الحُرَقةِ، فولدت لهُ عبد الرَّحمنِ أبا العلاءِ هذا، ثُمَّ إنَّ يعقُوب قَضَى كِتابتهُ بعدما وُلِدَ عبدُ الرَّحمنِ، فقام (١) الحُرَقِيُّ فأخذ بيدِ عبدِ الرَّحمنِ، فقال: مولاي. وقال النَّصرِيُّ: مولاي. فارتَفعا إلى عُثمان بن عفّان، فقَضَى عُثمانُ بأنَّ الوَلاءَ للحُرَقِيِّ، وأنَّ ما ولدت (٢) أمُّ عبدِ الرَّحمنِ، ويعقُوبُ مُكاتبٌ فهو للحُرَقِيِّ، وما ولدَتْ بعدَ عِتقِهِ وأداءِ كِتابتِهِ، فهُو لأوسِ بن الحَدَثانِ النَّصرِيِّ. وروى اللَّيثُ بن سعدٍ، عن يزِيد بن أبي حبِيبٍ، عن أبي النَّضرِ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن يعقُوب مولى الحُرَقةِ معنى ما تقدَّمَ من ولاءِ يَعقُوب وامرأتِهِ، إلّا أَنَّهُ جعلَ مكان الكِتابةِ تدبِيرًا. قال أبو عُمر: لمالكٍ عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ عشرةُ أحادِيث مرفُوعةٍ، أحدُها مقطُوعٌ. وتُوُفِّي العلاءُ في خِلافةِ أبي جعفرٍ، سنةَ سبعٍ (٣) وثلاثِينَ ومئةٍ.
следующие страницы →