← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7153–7192 · переход к 7158.

стр. 7153

وبإسنادِه، قال: قال النبيُّ ﷺ : "تَهادَوا، فإنَّ الهديّةَ تُذهِبُ السَّخيمةَ". قيل: وما السَّخيمةُ؟ قال: "الحِنَةُ (١) تكون في الصَّدر". أخبرنا محمدٌ (٢)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمر الحافظ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ المصريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الرحمن بن بَحِير، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهاب، عن أبي سَلَمة بنِ عبدِ الرحمن، عن معاويةَ بنِ الحكم، أنه قال: سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "تَهادَوا، فإنه يُضاعِفُ الوُدَّ، ويَذهَبُ بغَوائل الصَّدر". قال أبو الحسن: تفرَّد به ابنُ بَحِير، عن أبيه، عن مالك، ولم يكن بالرَّضِيِّ، ولا يَصِحُّ عن مالكٍ ولا عن الزُّهري (٣). وحدَّثنا أحمدُ بنُ فتح، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى بنِ شيبةَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ معين، قال: حدَّثنا يحيى بن بُكَير، عن ضِمام بنِ إسماعيل المَعافريِّ، عن موسى بنِ وَردانَ، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "تَهادَوا تَحابُّوا" (٤). قال أبو عُمر: كان رسولُ اللَّه ﷺ يَقبَلُ الهديّةَ، وندَب أُمَّتَه إليها، وفيه الأُسوةُ الحسنةُ ﷺ . ومن فَضْل الهديّةِ مع اتباعِ السنةِ أنها تُورِثُ المودةَ، وتُذهِبُ العداوةَ، على ما جاء في حديثِ مالكٍ وغيرِه مما في معناه. حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بن

стр. 7154

إبراهيم الدَّيبُليُّ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ الحسن المَروزيُّ، قال (١): حدَّثنا ابنُ المبارك، قال: أخبرنا أبو مَعْشَر، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ المسيِّب (٢) يُحدِّثُ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: تَهادَوا، فإنَّ الهديّةَ تُذهِبُ وَحَرَ الصُّدُور، ولا تَحقِرنَّ جارَةٌ لجارَتها ولو فِرْسِنَ شاةٍ". ولقد أحسن القائل: هدايا الناس بعضِهمُ لبعضٍ ... تُولِّدُ في قُلوبِهمُ الوصالَا وتَزرَعُ في الضميرِ هَوًى ووُدًّا ... وتَكْسُوهم إذا حضَروا جَمالَا (٣) وقال غيرُه: إنَّ الهَدايا لها حَظٌّ إذا ورَدَت ... أحْظَى مِن الابنِ عندَ الوالدِ الحَدِبِ (٤)

стр. 7155

حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ الخَصيبِ القاضي بمصر، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يعقوب، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي بكر، قال: حدَّثنا فُضَيلُ بنُ سُليمان، عن أبي مالكٍ الأشْجَعيِّ، عن رِبْعيٍّ، عن حُذيفة، عن النبيِّ ﷺ قال: "المعروفُ كلُّه صَدَقةٌ" (١). ورُوِيَ عن النبيِّ ﷺ : "كُلُّ مَعروفٍ صَدَقةٌ" من حديث جابر (٢)، وابنِ عباس (٣)، وابن مسعود (٤)،

стр. 7156

وابنِ عمرَ (١)، وغيرهم. وفي حديث ابن مسعودٍ وابنِ عمر: "كلُّ معروفٍ صَنعتَه إلى غنيٍّ أو فقير، فهو صَدَقةٌ". حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّيْبُليُّ، قال: حدَّثنا أبو يونسَ (٢) المدنيُّ، قال: حدَّثني هارونُ بنُ يحيى الحاطبيُّ، قال: حدَّثني عثمانُ بنُ عثمانَ بنِ خالدِ بنِ الزبير، عن أبيه، عن عليِّ بنِ حُسين، عن أبيه، عن عليِّ بن أبي طالب، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّما تكون الصَّنيعةُ إلى ذي دِينٍ أو ذي حَسَب، وجهادُ الضعيفِ الحجُّ، وجهادُ المرأةِ حُسنُ التَّبعُّل لزوجِها، والتَّودُّدُ نصفُ الدِّين، وما عالَ امرُؤٌ على اقتصاد، واستَنزِلوا الرِّزقَ بالصدقة، أبي اللَّهُ أن يرزُقَ عبادَه المؤمنين من حيث يَحتَسبون" (٣).

стр. 7157

وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ أحمدَ الحلبيُّ ببيت المقدس، قال: حدَّثنا أحمدُ بن داودَ الحرّانيُّ، قال: حدَّثنا أبو مُصعَب، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدِّه، قال: اجتَمع عليُّ بن أبي طالب، وأبو بكر، وعمرُ وأبو عبيدة بنُ الجرّاح، فتمارَوا في أشياء، فقال لهم عليُّ بنُ أبي طالب: انطَلِقوا بنا إلى رسولِ اللَّه ﷺ نسألُه، فلمّا وقَفوا على النبيِّ ﷺ قالوا: يا رسولَ اللَّه، جئنا نسألُك. قال: "إن شئتُم سألتُموني، وإن شئتُم أخبرتُكم بما جئتُم له". قالوا: أخبِرْنا يا رسولَ اللَّه. قال: "جئتُم تسألوني عن الصَّنيعَة لمن تكون؟ ولا ينبغي أن تكونَ الصَّنيعةُ إلّا لذي حَسَب أو دِين، وجئتُم تسألوني عن الرِّزق يجلبُه اللَّهُ على العبد، اللَّهُ يَجلِبُه عليه، فاستَنزِلوه بالصدقة، وجئتُم تسألوني عن جهادِ الضعيف، وجهادُ الضعيفِ الحجُّ والعُمرةُ، وجِئتُم تسألوني عن جهادِ المرأة، وجهادُ المرأةِ حُسْنُ التَّبعُّل لزوجِها، وجئتُم تسألوني عن الرِّزق من أين يأتي، وكيف يأتي؟ أبي اللَّهُ أن يرزُقَ عبدَه المؤمنَ إلّا من حيثُ لا يَحتَسِبُ" (١). قال أبو عُمر: هذا حديثٌ غريبٌ من حديث مالك، وهو حديثٌ حسنٌ، ولكنه منكَرٌ عندَهم عن مالك، ولا يصحُّ عنه، ولا له أصل في حديثِه (٢). آخر باب العين والحمد للَّه رب العالمين (٣).

стр. 7158

باب القاف مالك عن قَطَن بن وَهْب بن عُوَيْمر بن الأجْدَع، أحد بني سعْد بن ليث، وهو مدنيٌّ ثقةٌ، روى عنه مالك وغيرُه. لمالك عنه حديث واحد. مالكٌ (١)، عن قَطَنِ بنِ وَهْبِ بنِ عُويمرِ بن الأجدَع، أن يُحَنَّسَ مولى الزبير بنِ العوّام أخبرَه، أنَّه كان جالسًا عندَ عبدِ اللَّه بنِ عمرَ في الفتنة، فأتته مولاةٌ له تُسلِّم عليه، فقالت: إني أردْتُ الخروجَ يا أبا عبد الرحمن، اشتدَّ علينا الزَّمانُ. فقال لها عبدُ اللَّه بنُ عُمر: اقعُدي لُكَعُ (٢)، فإنِّي سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لا يصبِرُ على لأْوائِها وشِدَّتِها أحدٌ إلّا كنتُ له شفيعًا أو شهيدًا يومَ القيامة". هكذا روَى يحيى بنُ يحيى هذا الحديثَ عن مالك، فقال فيه: عن قَطَنِ بن وَهْبِ بنِ عُوَيْمِر بنِ الأجدَع. وكذلك رواه ابنُ بُكَيرٍ (٣) وأكثرُ الرُّواة (٤). ورواه ابنُ القاسم (٥)، عن مالك، عن قَطَنِ بنِ وَهْب، عن عُوَيْمِرِ بنِ الأجدع، أن يُحَنَّسَ.

стр. 7159

والصحيحُ ما رواه يحيى ومَن تابَعه، وكذلك نسَبه ابن البَرقيِّ (١). وقال فيه القعنبيُّ، عن مالك (٢): عن قَطَنِ بنِ وَهْب، أن يُحَنَّسَ مولى الزبير. وروايةُ القعنبيِّ (٣) تشهدُ لصحة ما روَى يحيى ومَن تابَعه، واللَّهُ أعلم. وكذلك رواه (٤) أبو مصعب، عن مالك، عن قَطَن بنِ وَهْب، أن يُحَنَّسَ. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشِيق، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ رُزَيق بنِ جامع، قال: حدَّثنا أبو مصعب، قال (٥): حدَّثنا مالكٌ، عن قَطَنِ بنِ وَهْب، أن يُحَنَّسَ مولى الزبير أخبَره، أنه كان جالسًا مع عبدِ اللَّه بنِ عمرَ في الفتنة، فذكَر الحديثَ. وكذلك حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم أيضًا، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أبي المَوْت، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز (٦)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه الرَّقاشيُّ البصريُّ أبو عبد اللَّه، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن قَطَن بنِ وَهْب، عن يُحَنَّسَ مولى الزبير، أنه أخبَره عن ابنِ عمر، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا يَصبِرُ على لأْوائِها -يعني المدينة- وشِدَّتِها أحدٌ إلّا كنتُ له شفيعًا أو شهيدًا يومَ القيامة". قال أبو عُمر: قوله: "على لأوائِها وشِدَّتِها"؛ يعني المدينة. والشدةُ: الجوع، واللأواءُ: تعذُّرُ المكسَب وسوءُ الحال.

стр. 7160

وأما قوله: لُكَعُ. فإنه أراد: يا ضعيفةَ الرأي. وأصلُ هذه اللفظة الخِسَّةُ والدَّناءةُ والضعف، ويقالُ للرجل: لُكَعُ. وللمرأة أيضًا: لُكَعُ. وقد يقالُ للمرأة: لَكاعِ. مبني على الكسر مثل حَذامِ وقَطامِ (١). ورُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "يأتي على الناسِ زمانٌ أسعدُ الناس فيه بالدُّنيا لُكَعُ ابنُ لُكَعَ" (٢). وفي هذا الحديث فضلُ المدينة، وفضلُها غيرُ مجهول، ومَخرجُ حديث ابنِ عمرَ هذا يعمُّ الأوقاتَ كلَّها. وقد قيل: إن ذلك إنما ورَد فيمن صبَر على لأْوائِها وشدَّتها ذلك الوقتَ مع رسولِ اللَّه ﷺ ؛ بدليل خُروج الصَّحابة عنها بعدَه. وقد بينّا هذا المعنى في غير موضع من كتابنا هذا، والحمدُ للَّه. وقد أخبرنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحَيْم. وحدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّيْبُليُّ، قال:

стр. 7161

حدَّثنا أبو عُبيد اللَّه (١) المخزوميُّ سعيدُ بنُ عبد الرحمن، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، قال: حدَّثنا موسى بن أبي عيسى، أنه سمع أبا عبد اللَّه القَرّاظَ يقول: سمعتُ أبا هريرة قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أيُّما جبّارٍ أراد أهلَ المدينة بسوءٍ أذابَهُ اللَّهُ كما يذوبُ الملحُ في الماء، ولا يصبِرُ (٢) على لأوائِها وشدَّتِها أحدٌ إلّا كنتُ له شهيدًا أو شفيعًا يومَ القيامة" (٣). والقول في هذا الحديث كالقول في حديث (٤) قَطَنِ بنِ وَهْب، وقد تقدَّم فضلُ المدينة في مواضِعَ من هذا الكتاب، والحمدُ للَّه. وقد روَى أبو مَعشَرٍ المدَنيُّ، عن عبدِ السلام بنِ محمدِ بنِ أبي الجَنُوب، عن الحسن، عن مَعقِل بن يَسار، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "المدينةُ مُهاجَري ومَضجَعي من الأرض، وحَقٌّ على أُمَّتي أن يُكرِمُوا جيراني ما اجتَنبوا الكبائرَ، فمن لم يفعَلْ سقَاه اللَّه من طينةِ الخَبال؛ عُصارةِ أهلِ النار" (٥). وهذا إسنادٌ فيه لينٌ وضعفٌ ليس مما يُحتجُّ به، والفضائلُ يُتسامحُ فيها قديمًا، واللَّهُ المستعان.

стр. 7162

حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ جعفر بن الوَرْد وعبدُ اللَّه بنُ عمرَ بنِ إسحاق، قالا: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن جابرٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: حدَّثنا مالكٌ (١)، عن قَطَنِ بنِ وَهْب بن عُوَيْمِرِ بنِ الأجدع، أن يُحَنَّسَ مولي الزبير أخبَره، أنه كان جالسًا عندَ عبد اللَّه بن عمرَ في الفتنة، فأتته مولاةٌ له تُسلِّم عليه، فقالت: يا أبا عبدِ الرحمن، إني أردتُ الخروج، اشتدَّ علينا الزمن. فقال لها: اقعُدي لُكَعُ، فإني سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لا يصبِرُ أحدٌ على لأْوائِها وشدَّتِها إلّا كنتُ له شفيعًا أو شهيدًا يومَ القيامة".

стр. 7163

باب السين مالكٌ، عن سعيدِ بنِ إسحاقَ ، ويقال: سَعْدٌ حديثٌ واحدٌ وهو سعدُ (١) بنُ إسحاقَ بنِ كعبِ بنِ عُجْرةَ، صاحبِ رسولِ اللَّه ﷺ ، وقد ذكرْنا جدَّه كعبَ بنَ عُجْرةَ في كتاب "الصَّحابة" (٢) بما يُغني عن ذكْرِه هاهنا، وهو من بَلِيّ، حليفٌ لبني سالم منَ الأنصار. وسعدُ بنُ إسحاقَ هذا ثقةٌ لا يُختلف في ثقتِه وعدالتِه. روى عنه مالك، ومعمرٌ، والثوريُّ، والقطّانُ، وشعبةُ. وكان من ساكني المدينةِ وبها كانت وفاتُه سنةَ أربعينَ ومئةٍ، وروى عنه من الجُلَّةِ: ابنُ شهابٍ، ويحعى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، وعبدُ اللَّه بنُ أبي بكرِ بنِ محمّدِ بنِ عمرِو بن حزم. وقد قيل: إنّ هذا الحديث رواه ابنُ شهابٍ عن مالكٍ فقال فيه: حدَّثني رجلٌ من أهل المدينة يُقال له: مالكُ بنُ أنس، عن سعدِ بنِ إسحاقَ بنِ كعبِ بنِ عُجْرة، عن عمَّتِه زينبَ بنتِ كعبِ، عن الفُرَيعةَ بنتِ مالكِ بنِ سنانٍ، فذكَرَ الحديث؛ رواه أحمدُ بنُ شَبيبٍ، عن أَبيه، عن يونسَ بنِ يزيدَ، عن ابن شهاب (٣)؛

стр. 7164

كتبناهُ عن خَلَف بنِ قاسمٍ من وُجوه، وأحمدُ (١) بنُ شبيبٍ عن أبيه شبيبِ بنِ سعيدٍ متروك (٢).

стр. 7165

مالكٌ (١)، عن سعيدِ بنِ إسحاقَ بنِ كعبِ بنِ عُجْرة، عن عمَّته زينبَ بنتِ كعبِ بنِ عُجْرة، أن الفُرَيعةَ بنتَ مالكِ بنِ سنان، وهي أختُ أبي سعيدٍ الخدريِّ، أخبَرتْها أنها جاءَت إلى رسولِ اللَّه ﷺ تسألُه أن ترجعَ إلى أهلِها في بني خُدْرةَ، فإن زوجَها خرَج في طلب أعْبُدٍ له أبَقُوا، حتى إذا كانوا بطرَف القَدُوم (٢) لحِقهم فقتَلوه. قالت: فسألتُ رسولَ اللَّه ﷺ أن أرْجعَ إلى أهلي في بني خُدْرة؛ فإن زوجي لم يَترُكني في مسكنٍ يملِكُه ولا نَفَقة. قالت: فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "نعم". قالت: فانصَرَفْتُ، حتى إذا كنتُ في الحُجْرة ناداني رسولُ اللَّه ﷺ ، أو أمر بي فنُوديتُ له، فقال: "كيف قلت؟ ". فردَّدْتُ عليه القصةَ التي ذكَرْتُ من شأنِ زوجي، فقال: "امْكُثي في بيتِك حتّى يَبلُغَ الكتابُ أجلَه". قالت: فاعتدَدْتُ فيه أربعةَ أشهرٍ وعشْرًا. قالت: فلما كان عثمان، أرسَل إليَّ فسألني عن ذلك، فأخبَرْتُه، فاتَّبعه وقضى به. هكذا قال يحيى: سعيدُ بنُ إسحاق. وتابَعه بعضُهم، وأكثرُ الرواة يقولون فيه: سعدُ بنُ إسحاق. وهو الأشهر (٣)، وكذلك قال شعبةُ (٤) وغيرُه. وقال عبدُ الرزاق في هذا الحديث، عن الثوريِّ، ومَعْمَر: عن سعيدِ بن إسحاق. كما قال يحيى، كذلك في كتاب الدَّبَريّ.

стр. 7166

أخبرنا خلفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيم الدَّبَريُّ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال (١): أخبرنا مَعْمَر، عن الزُّهري، عن ابنٍ لكعبِ بنِ عُجْرة، قال: حدَّثتْني عمَّتي -وكانت تحت أبي سعيدٍ الخُدريِّ- أنّ فُريْعة حدَّثتْها أن زوجَها خرَج في طلب أعْلاج أُبّاق، حتى إذا كان بطرفِ القَدُوم -وهو جبل- أدرَكهم فقتَلوه. قالت: فأتَتْ رسولَ اللَّه ﷺ ، فذكَرتْ له أن زوجَها قُتِل، وأنه ترَكها في مسكَنٍ ليس له، واستأذنتْه في الانتقال، فأذِن لها، فانطلَقت حتى إذا كانت بباب الحجرة أمَر بها، فردَّت، وأمَرها أن تُعيدَ عليه حديثَها، ففعلتْ، فأمَرها ألّا تَبرَحَ حتى يَبْلُغَ الكتابُ أجلَه (٢). قال (٣): وأخبرنا مَعْمَر، عن سعيدِ بنِ إسحاق -قال أحمدُ بنُ خالد: كذا قرأ علينا الدَّبريُّ: سعيدُ بنُ إسحاق. وإنما أعرِفُه سعدَ بنَ إسحاق، فقرأ علينا عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن سعيدِ بنِ إسحاقَ بنِ كعبِ بن عُجْرة- أنه حدثَّه، عن عمَّته زينبَ ابنةِ كعب، عن فُرَيعةَ بهذا الحديث. وزاد معمرٌ: فلما كان في زمن عثمانَ أتت امرأةٌ تسألُه عن ذلك، فقالت فُرَيعة: فذُكِرْتُ له، فأرسَل إليَّ، فسألني فأخبَرتُه، فأمَرها ألا تخرُجَ من بيتِها حتى يبلُغَ الكتابُ أجلَه.

стр. 7167

قال (١): وأخبرنا الثوريُّ، عن سعيد بن إسحاق -هكذا قال: سعيدِ بنِ إسحاق (٢) - بنِ كعبِ بنِ عُجْرة، عن عمَّته زينبَ ابنةِ كعبِ بنِ عُجْرة، عن فُرَيعةَ ابنةِ مالك، أن زوجَها قُتِل بالقَدُوم، وقالت: فأتتِ النبيَّ ﷺ ، فقالت له إن لها أهلًا فأمَرها أن تَنتقلَ، فلما أدْبَرت دعاها، فقال: "امْكُثي في بَيتكِ حتّى يَبلُغَ الكتابُ أجلَه؛ أربعةَ أشْهُر وعَشْرًا". قال (٣): وأخبَرنا ابنُ جُريْج، قال: أخبَرني عبدُ اللَّه بنُ أبي بكر، أن سعدَ (٤) بنَ إسحاقَ بنِ كعبِ بنِ عُجْرةَ أخبَره، عن عمَّتِه زينبَ ابنة كعبِ بنِ عُجْرة، أن فُرَيعةَ بنتَ مالكٍ أختَ أبي سعيد الخُدْريِّ أخبَرتْها أن زوجًا لها خرَج، حتى إذا كان من المدينة على ستةِ أميالٍ عندَ طرَفِ جبل يُقال له: القَدُوم، تعادَى عليه اللصوصُ فقتَلوه، وكانت فُرَيعةُ في بني الحارث بن الخزرج في مسكنٍ لم يكُنْ لبَعْلها، إنما كان سُكْناها، فجاءها إخوتُها، فيهم أبو سعيدٍ الخُدريُّ، فقالوا: ليس

стр. 7168

بأيدينا سَعَةٌ فنُعطيَك ونُمسِكَ، ولا يُصلِحُنا إلا أن نكونَ جميعًا، ونَخْشى عليك الوَحْشة، فسَلي النبيَّ ﷺ ، فأتت النبيَّ ﷺ ، فقصَّت عليه ما قال إخوتُها والوحشةَ، واستَأْذَنته في أن تَعتَدَّ عندَهم، فقال: "افْعَلي إنْ شِئْتِ". قالت: فأدْبَرتُ حتى إذا كنتُ في الحُجْرة قال: "تعالَيْ، عُودي لما قلتِ". فعادَت، فقال: "امْكُثي في بيتِك حتّى يبلغَ الكتابُ أجلَه". ثم إن عثمانَ بعثَت إليه امرأةٌ من قومِه تسألُه أن تنتقلَ من بيتِ زوجِها، فتعتَدَّ في غيرِه، فقال: افعَلي. ثم قال لمَن حولَه: هل مضَى من النبيِّ ﷺ أو من (١) صاحبيَّ في مثل هذا شيء؟ فقالوا: إن فُرَيعةُ تُحدِّثُ عن رسولِ اللَّه ﷺ . فأرسلَ إليها، فأخبرَتْه فانتهى إلى قولها، وأمَر المرأةَ ألّا تخرُجَ من بيتِها. قال ابنُ جُرَيج: وأُخبِرتُ أن هذه المرأةَ التي أرسلَت إلى عثمانَ أمُّ أيوبَ بنتُ مَيْمون بنِ عامرٍ الحَضْرميِّ، وأن زوجَها عمرانُ بنُ طلحةَ بنِ عُبيد اللَّه. هكذا قال عبدُ اللَّه بنُ أبي بكر: سعدَ بنَ إسحاق. وكذلك قال يحيى القطّان. حدَّثنا عبدُ الرحمن بن يحيى، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يوسفَ. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مسعود، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ (٢) القطّان، قال: حدَّثني سعدُ بنُ اسحاق، قال: حدَّثتْني زينبُ بنتُ كعب، عن فُرَيعةَ بنتِ مالك، قالت: خرَج زوجي في طلب أعْلاج، فأدْرَكهم بطرَفِ القَدُوم فقتَلوه، فأتَى نَعْيُه، وإنا في دارٍ شاسعةٍ من دُورِ أهلي، فأتيْتُ النبيَّ ﷺ ، فقلتُ له: إني أتاني نعيُ زوجي، وأنا في دارٍ شاسعةٍ من دُورِ أهلي، ولم يَدَعْ لي نفقةً ولا مالًا ورِثْتُه، وليس المسكنُ لي، فلو تحوَّلْتُ إلى إخوتي وأهلي كان أرْفَقَ بي

стр. 7169

في بعض شأني، فقال: "تَحَوَّلي". فلما خرجْتُ من المسجدِ أو الحُجرةِ دعاني أو أمَر من دعاني، فدُعيتُ له، فقال: "امْكُثي في بيتكِ حتّى يبلُغَ الكتابُ أجلَه". فاعتدَدْتُ أربعةَ أشهُرٍ وعَشْرًا، فأرسلَ إليَّ عثمانُ، فأتيْتُه (١) فحدَّثتُه، فأخَذ به (٢). أخبرنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرو بنِ منصور، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ سَنْجَر، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ نُمَيْر، قال: حدَّثني يحيى بنُ سعيد (٣)، عن سعدِ بنِ إسحاقَ بن كعبِ بنِ عُجْرة، عن عمَّتِه زينبَ بنتِ كعب، أنها سمِعَت فُرَيْعةَ ابنةَ مالكِ بنِ سنان تُحدِّثُ أن زوجَها قُتِل بمكانٍ بالمدينةِ يُسَمَّى طرفَ القَدُوم، وأن فُرَيعة ذكَرَت ذلك لرسولِ اللَّه ﷺ ، وهي تُريدُ أن تنتقلَ من بيتِ زوجِها إلى أهلِها، فذكَرَتْ أن رسولَ اللَّه ﷺ رخَّص لها في ذلك فقامَتْ (٤)، ثم دعا بها رسولُ اللَّه ﷺ فقال: "امْكُثي في بيتِكِ حتّى يَبلُغَ الكتابُ أجلَه" (٥).

стр. 7170

في (١) هذا الحديث إيجابُ العمل بخبرِ الواحد، ألا تَرى إلى عملِ (٢) عثمانَ بنِ عفانَ به وقضائه باعتدادِ المتوفَّى عنها زوجُها (٣) في بيتِها من أجلِه في جماعةِ الصَّحابة من غير نَكير. وفي هذا الحديث، وهو حديثٌ مشهورٌ معروفٌ عندَ علماء الحجاز والعراق، أن المتوفَّى عنها زوجُها عليها أن تَعتدَّ في بيتِها، ولا تخرُجَ عنه، وهو قولُ جماعةِ فقهاءِ الأمصارِ بالحجازِ والشام والعراق ومصر؛ منهم مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهم، والثَّوريُّ، والأوزاعيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ (٤). وهو قولُ عمرَ، وعثمانَ، وابنِ عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وغيرهم (٥). وكان داودُ وأصحابه يذهَبون إلى أن المتوفَّى عنها زوجُها ليس عليها أن تَعتدَّ في بيتِها، وتَعتدُّ حيثُ شاءَت؛ لأن السُّكنَى إنما ورَد به القرآنُ في المطلَّقات (٦)، ومن حجتِه أن المسألةَ مسألةُ خلاف، قالوا: وهذا الحديثُ إنما تَرْويه امرأةٌ غيرُ معروفة بحمل العلم، وإيجابُ السُّكْنى إيجابُ حُكْم، والأحكامُ لا تَجِبُ إلا بنصِّ كتابٍ أو سنةٍ ثابتةٍ أو إجماع. قال أبو عُمر: أما السُّنة فثابتةٌ بحمدِ اللَّه، وأما الإجماعُ فمُستغنًى عنه مع السُّنة؛ لأن الاختلافَ إذا نزل في مسألة، كانت الحُجّةُ في قول مَن وافقَته السُّنة، وباللَّه التوفيق. وأما الاختلافُ في هذه المسألة، فذكَر عبدُ الرزاق، قال (٧): أخبرَنا ابنُ

стр. 7171

جريج، قال: أخبرني عطاءٌ، عن ابن عباس، قال: إنما قال اللَّه: تَعتدُّ أربعةَ أشهر وعشرًا. ولم يقل: في بيتِها. قال (١): وأخبَرني عطاءٌ أن عائشةَ حجَّت واعتمرَت بأختِها بنتِ أبي بكر في عدَّتها، وكان قُتِل عنها زوجُها طلحةُ بنُ عُبيد اللَّه. قال عطاء: ولا يضُرُّ المتوفَّى عنها أين اعتَدَّت (٢). قال ابنُ جُرَيج: وأخبَرني ابنُ شهاب، عن عُروةَ (٣)، عن عائشة، أنها أمُّ كُلثوم (٤). قال عبدُ الرزاق (٥): وأخبرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، قال: خرجت عائشةُ بأختِها أمِّ كُلثوم حينَ قُتل عنها زوجُها طلحةُ بنُ عُبيد اللَّه إلى مكةَ في عُمرة. قال عُروة: وكانت عائشةُ تُفتي المتوفَّى عنها زوجُها بالخروج في عدَّتها. قال (٦): وأخبَرنا الثوريُّ، عن عُبيدِ اللَّه بن عمرَ، أنه سمع القاسمَ بنَ محمدٍ يقول: أبي الناسُ ذلك عليها. وعن الثوريِّ وغيره، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالد، عن الشعبيِّ، عن عليٍّ ﵁، أنه انتقل ابنتَه أمَّ كُلثوم في عدَّتها، وقُتِل عنها عمرُ ﵀ (٧).

стр. 7172

قال (١): وأخبرنا معمرٌ، عن الزُّهريِّ، قال: أخذ المُترخِّصون في المتوفَّى عنها بقول عائشة، وأخذَ أهلُ العَزْم والوَرَع بقول ابنِ عمر. قال (٢): وأخبَرنا معمرٌ (٣) وابنُ جُريج، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، قال: لا تَنتقلُ المتوفَّى عنها إلا أن يَنتَويَ أهلُها منزلًا (٤)، فتَنتويَ معهم. وهو قولُ ابن شهاب: وأمّا إذا كان المسكَنُ بكِراءٍ، فقال مالكٌ: هي أحقُّ بسُكْناهُ من الورثةِ والغُرَماء من رأسِ مالِ المتوفَّى إلا أن لا يكون فيه عقدٌ لزوجها وأراد أهلُ المسكنِ إخراجَها، وإذا كان المسكَنُ لزوجها لم يُبَعْ في دَيْنِه حتى تنقضي عدَّتُها. وهذا كلُّه قولُ الشافعيِّ وأبي حنيفة وجمهور العلماء (٥)، وباللَّه التوفيق.

стр. 7173

سعيد بن أبي سعيد المقبُري يُكْنى بأبي سعدٍ (١)، واسمُ أبيه أبي سعيدٍ كيسانُ، وهو مولى لبني جُنْدَع من بني ليثِ بن بكرِ بنِ عبدِ مناة، كان مكاتَبًا لرجلٍ منهم، فأدَّى كتابتَه في زمنِ عمرَ بنِ الخطابِ وعَتَقَ، ولهما جميعًا روايةٌ عن أبي هريرةَ وغيرِه من الصّحابة، ويقال: إنَّهما قد سَمِعا من سعدِ بنِ أبي وقّاص، وسماعُهما واحدٌ ممّن سَمِعا منه، أو قريبٌ بعضُه من بعضٍ، وكانا ثِقَتين، وسعيدٌ في الرِّواية أشهرُ من أبيه. روى عنه من الأئمّة جماعة، منهم: مالكٌ، وابنُ أبي ذئبٍ، وابنُ عُيينة، والليث. وقيل: إنه اختَلَط قبل وفاتِه بأربع سنينَ، وسماعُ ابنِ أبي ذئبٍ منه قبلُ الاختلاط، وكذلك مالك. واختُلف في وفاةِ سعيدِ بنِ أبي سعيد، فقيل: كانت وفاتُه بالمدينة، وكان بها سُكْناه. قبل سنة ثلاثٍ وعشرين ومئة في خلافة هشام قبلَ موتِ الزُّهري بعام، وقيل: سنة خمس وعشرين. وقيل: سنة ست وعشرين ومئة. وتوفي أبوه أبو سعيد في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقيل: في خلافة الوليد بنِ عبدِ الملك، وكان يقال له: المقبُريُّ، لأنه كان يسكن على المقبرة، وفي المقبرة لغتان مَقْبُرةٌ ومَقْبَرةٌ بالضم والفتح. لمالكٍ عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ خمسةُ أحاديثَ؛ أحدها موقوفٌ، يستند مرفوعًا من وجوهٍ ثابتة.

стр. 7174

حديث أول لسعيد بن أبي سعيد مالك (١)، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي شُريح الكَعْبيِّ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "مَن كان يؤمنُ باللَّه واليوم الآخر فليقُلْ خيرًا أو ليصمُتْ، ومَن كان يُؤمنُ باللَّه واليوم الآخرِ فليُكرِمْ جارَه، ومَن كان يُؤمنُ باللَّه واليوم الآخرِ فليُكرِمْ ضيفَه، جائزتُه يومٌ وليلة، وضيافتُه ثلاثةُ أيام، فما كان بعدَ ذلك فهو صدقة، ولا يَحلُّ له أن يَثْوي (٢) عندَه حتى يُحْرِجَه". لم يختلف الرواةُ لـ "الموطأ" في هذا الحديث عن مالك (٣)، وهو حديثٌ صحيح، وقد رواه عن سعيد بن أبي سعيد جماعة، أجلُّهم يحيى بن أبي كثير (٤)؛ لأنه في درجةٍ واحدةٍ (٥) مع سعيدِ بنِ أبي سعيد في أبي سَلَمة وغيرِه، وقد سمع أبو سعيدٍ من أبي شُريح الكَعْبيِّ هذا الحديثَ وغيرَه (٦).

стр. 7175

وفي هذا الحديث آدابٌ وسننٌ؛ منها التأكيدُ في لزوم الصمت، وقولُ الخيرِ أفضلُ من الصمت؛ لأن قولَ الخير غَنيمةٌ، والسكوتَ سلامة، والغَنيمةُ أفضلُ من السلامة، وكذلك قالوا: قلْ خيرًا تَغنَمْ، واسْكُتْ عن شرٍّ تسْلَم. قال عمّارٌ الكَلْبيُّ (١): وقُلِ الخَيْرَ وإلّا فاصْمُتنْ ... إنَّه مَن لزِم الصمتَ سلِمْ وقال آخر: ومَن لا يَمْلِكُ الشَّفَتَيْن يَسْخُو ... بسوءِ اللفظِ مِن قالٍ وقيلِ (٢) (٣) فمَن كانت هذه حالَه هو المأمورُ بالصمت، لا قائلَ الخيرِ وذاكرَ اللَّه، وقد ذكَرْنا هذا المعنى وكثيرًا مما قيل فيه من النَّظْم والنَّثر في كتاب "العلم" (٤)، وتقصَّيتُه في كتاب "بهجة المجالس" (٥)، والحمدُ للَّه. ورُوِي عن ابن مسعودٍ أنه قال: ما الشُّؤْمُ إلا في اللسان، وما شيءٌ حَقَّ بطول السجنِ منه (٦).

стр. 7176

وحدَّثنا أحمدُ بن فتح (١)، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ أحمدَ بن حامدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الطيب، قال: حدَّثنا داودُ بنُ بلال، قال: حدَّثنا عبدُ السلام بنُ هاشم، عن خالدِ بنِ فِزْر، عن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَن ردَّ غَيظَه دَفَعَ اللَّهُ عنه عذابَه، ومَن حَفِظَ لسانَه سَتَر اللَّهُ عَورتَه، ومَن اعتَذَر إلى اللَّه قَبِل عُذْرَه" (٢). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٣): حدَّثنا أبو الأحوص، عن أبي حَصِين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَن كان يُؤمنُ باللَّه واليوم الآخرِ فليقُلْ خيرًا أو ليَسكُتْ". حدَّثنا محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي داود، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح المصريُّ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: حدَّثنا ابنُ لهيعةَ وعمرُو بنُ الحارث، عن يزيدَ بن عمرٍو المَعافريِّ، عن أبي عبد الرحمن الحُبُليّ، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَن صَمَتَ نَجا" (٤).

стр. 7177

وقال الحسنُ ﵀: أربعٌ لا مثلَ لهن: الصَّمتُ وهو أولُ العبادة، والتَّواضعُ، وذكرُ اللَّه، وقلةُ الشيء (١). وقد اختلَف العلماءُ فيما يُكتبُ على المرء من كلامه؛ فذكر سُنيدٌ، قال: حدَّثنا مُعتمِرُ بنُ سليمان، عن طلحةَ بن عمرو، عن عطاء في قوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. قال: يُكتَبُ كلُّ شيء حتى ما يُعلِّلُ به الرجلُ صَبيَّه، والمرأةُ صبيَّها. قال: وحدَّثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد في قوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]. قال: كاتبُ الحسناتِ عن يَمينِه، وكاتبُ السَّيئاتِ عن شماله؛ ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٢). قال: وحدَّثنا خالدُ بنُ عبد اللَّه، عن عبدِ الملك بن أبي سليمان، عن أبي عُبيد اللَّه، عن مجاهد في قوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. قال: يُكتبُ كلُّ شيء حتى أنينُه في مرضِه (٣).

стр. 7178

قال: وحدَّثنا مُعتَمر، عن ليث، عن طلحةَ بنِ مُصرِّف، قال: ما ظَفِرتُ من أيوبَ بشيء إلا بأنينِه. قال ليث: فحدَّثتُ به طاووسًا وهو مريض، فما أنَّ حتى مات (١). فقال بهذا قوم، وخالَفهم آخرون فقالوا: لا يُكتبُ إلا الخيرُ والشر. ذكر أبو بكر محمدُ بن إبراهيم بن المنذر، قال (٢): حدَّثنا أبو حاتم محمدُ بنُ إدريسَ الرّازي، قال: حدَّثنا الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا هشام بنُ حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. قال: يا غلام، اسقِني الماء، وأسْرِج الفَرس، لا يُكتَبُ إلا الخيرُ والشرُّ. قال (٣): وحدَّثنا أبو سعيد الهَرَويُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ المجيد، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال أخبرنا النَّضرُ بنُ شُمَيْل، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ حسان، قال: سمعتُ عكرمةَ يحدِّث، عن ابن عباس قال: يُكتبُ عن الإنسان ما يتكلَّم به من خيرٍ وشرٍّ، وما سوى ذلك فلا يُكتَب. قال (٤): وحدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا أبو النُّعمان، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، عن يزيدَ بن حازم، عن عكرمة، قال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. قال: لا يُكتَبُ عليه إلا ما يُؤجَرُ فيه ويُؤزَرُ فيه. قال: لو قال رجلٌ لامرأته: تعالي حتى نفعلَ كذا وكذا. أكان يُكتبُ عليه؟

стр. 7179

قال حمادُ بن شعيب: وسمعتُ الكلبيَّ يقول: يُكتبُ كلُّ شيء، فإذا كان يومُ الاثنين والخميس، ألقي منه: أطْعِمْني واسْقِني، وكتب البقية. وذكَر عن الأحنف وجهًا رابعًا، قال: صاحبُ اليمين يكتبُ الخير، وهو أمينٌ على صاحب الشمال، فإذا أصاب العبدُ الخطيئة، قال: أمْسِك. فإن استَغفَر اللَّهَ نهاه أن يَكتُبها، وإن أبي إلا أن يُصِرَّ عليها كتَبها (١). وقال عطاء: كانوا يَكرَهون فُضولَ الكلام. وقال شُفَيٌّ الأصْبَحيُّ: مَن كثُر كلامُه، كثُر خطاياه (٢). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٣): حدَّثنا غُنْدَر، عن شعبة، عن عمرو بنِ مُرّة، عن عبدِ اللَّه بنِ الحارث، عن أبي كثير، عن عبدِ اللَّه بن عمرو، عن النبيِّ ﷺ قال: "إيّاكم والظُّلمَ، فإنَّ الظُّلمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامة، وإيَّاكم والفُحْشَ، فإنَّ اللَّهَ لا يُحبُّ الفُحْشَ والتَّفحُّش، وإيَّاكم والشُّحَّ، فإنّه أهلكَ من كان قبلكم، أمَرهم بالقَطيعة فقَطعوا، وأمَرهم بالبُخل فبَخِلوا، وبالفُجورِ ففَجَروا". فقام رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّه، أيُّ الإسلام أفضلُ؟ قال: "أن يَسلَمَ المسلمون من لسانِك ويَدِك". وذكَر تمام الحديث.

стр. 7180

وذكر مالكٌ (١)، عن زيدِ بنِ أسلم، عن أبيه، أنَّ عمرَ بنَ الخطاب رأى أبا بكرٍ الصديقَ وهو آخِذٌ بلسانِه يَمُدُّه وهو يقول: ها، إنّ ذا أوْرَدني الموارد. ورواه الدَّراوَرْدي (٢)، عن زيدِ بنِ أسلم، عن أبيه مثلَه، وزاد فيه: وقال: "ليس شيءٌ من الجسد إلا وهو يَشْكو اللسانَ إلى اللَّه". وروَى حمادُ بنُ زيدٍ، عن أبي الصَّهْباء، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ يَرفَعُه، قال: "إذا أصبَحَ ابنُ آدم، أصبَحتِ الأعضاءُ تستعيذُ من شرِّ اللِّسان وتقول: اتَّقِ اللَّهَ فينا، فإنَّك إنِ استَقمتَ استَقَمنا، وإن اعوَجَجتَ اعوَجَجنا". حدَّثناه أحمدُ بنُ فتح، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ أحمدَ بن حامد بن ثَرَثال البغداديُّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الطيبِ بنِ حمزةَ البَلْخيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ

стр. 7181

عُبَيد بنِ حِساب (١)، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيد، قال: حدَّثنا أبو الصَّهْباء، عن سعيدِ بن جبير، عن أبي سعيد الخُدريِّ يرفَعُه، فذكَره (٢) (٣). وأخبرنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ المبارك، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أحمدَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّورَقيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، عن أبي الصَّهْباء، عن سعيدِ بنِ جُبَير، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النبيِّ ﷺ . فذكره بمعناه مرفوعًا. قال ابن مهدي: رأيتُ سفيانَ الثوريَّ حاثيًا بين يَدَي حمادِ بنِ زيدٍ يكتُبُ هذا الحديث (٤). قال أبو يوسفَ يعقوبُ بنُ المبارك: هكذا وجدتُه في كتابي؛ عن أبي يعقوبَ الكاغَديِّ (٥)، وحدَّثناه يحيى بنُ زكريا، عن يعقوبَ الدَّوْرقيِّ، فلم يَجُزْ به أبا سعيدٍ الخُدْريّ.

стр. 7182

قال: وحدَّثناه إسحاقُ بنُ أبي إسرائيل، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، عن أبي الصَّهْباء، عن سعيدِ بنِ جبير، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ موقوفًا (١). وروَى شعبةً، عن الأعمش، عن صالح بنِ خَبّاب، عن حُصَيْن بنِ عقبةَ، عن سلمانَ، قال: ما من شيء أحقُّ بطولِ السِّجن من اللسان (٢). وروى الحكم، عن أبي وائل، عن ابن مسعودٍ مثله (٣). ومن هاهنا أخذ (٤) القائل قوله: وما شيء إذا فكَّرت فيه ... أحقَّ بطولِ سَجنٍ من لسان (٥) ومن الآداب أيضًا والسُّنن في هذا الحديث الحضُّ على برِّ الجار وإكرامِه؛ بقوله ﷺ : "ومَن كان يُؤمِنُ باللَّه واليوم الآخرِ فلْيُكرِمْ جارَه". وقد ثبَت عن النبيِّ ﷺ من حديثِ مالكٍ وغيرِه، أنَّه قال: "ما زال جبريلُ يُوصيني بالجارِ حتى ظَنَنْتُ

стр. 7183

أنّه سيُورِّثُه" (١). واللَّه قد أوْصَى بالجارِ ذي القُربى والجار الجُنُب (٢). قالوا: الجارُ ذو القُربى: جارُك من قَرابتِك. والجارُ الجُنُبُ قالوا: الجارُ المجانِبُ. وقالوا: الجارُ من غيرِ قَرابتِك من قوم آخَرين. وروَى الأوزاعيُّ، عن الزُّهريِّ قال: جاء رجلٌ يَشكُو جارَه، فأمَر النبيُّ ﷺ مُناديًا يُنادي: "ألا إنَّ أربعين دارًا جار، فلا يَدخُلُ الجنةَ مَن خاف جارُه بَوائِقَه". قال الزهريُّ: أربعين دارًا يمينًا وشمالًا، وبينَ يدَيه ومن خلفِه. ذكَره سُنَيدٌ، عن محمدِ بنِ كثير، عن الأوزاعيِّ (٣). قال سُنَيد: وأخبرنا حجاجٌ، عن ابن أبي ذئب، عن سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي شُرَيح الكَعبيِّ، أن النبيَّ ﷺ قال: "واللَّه لا يُؤمِنُ، واللَّه لا يُؤمِنُ، واللَّه لا يُؤمِنُ". قالها ثلاثًا، قالوا: وما ذاك يا رسولَ اللَّه؟ قال: "الجارُ الذي لا يأمَنُ جارُه بوائِقَه". قالوا: وما بَوائِقُه؟ قال: "شرُّه" (٤).

стр. 7184

وفيه الحضُّ على إكرام الضَّيف وإجازته، وفي ذلك دليلٌ على أن الضِّيافةَ ليست بواجبة، وأنها مستحبةٌ مندوبٌ إليها غيرُ مفترَضة؛ لقوله ﷺ : "جائِزتُه". والجوائز لا تجبُ فرضًا؛ لأنها إتحافُ الضيف بأطيبِ ما يُقدَرُ عليه من الطعام. قال ابنُ وَهْب: وسمِعتُ مالكًا يقول في تفسير: "جائزتُه يومٌ وليلة". قال: يُحسِنُ ضيافتَه ويُكرِمُه. وروَى ابنُ لهيعة، عن يزيدَ بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبةَ بن عامر، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا خيرَ فيمَن لا يُضيفُ". رواه ابنُ وَهْب (١)، وقُتيبة، والوليدُ بن مسلم، عن ابن لهيعة. وروَى أبو تَوْبة الربيعُ بنُ نافع، عن بقيّة (٢)، عن الأوزاعيِّ، أنه قال له: يا أبا عمرو، الضيفُ ينزلُ بنا، فنُطعِمُه الزَّيتون والكامَخ (٣)، وعندَنا ما هو أفضلُ منه، العسلُ والسمن؟ فقال: إنما يفعلُ هذا مَن لا يُؤمنُ باللَّه واليوم الآخر. قال أبو عُمر: لا أعلَمُ خلافًا بينَ العلماء في مدح مُضِيف الضَّيْف وحمدِه والثناءِ بذلك عليه، وكلُّهم يندُبُ إلى ذلك، ويجعَلُه من مكارم الأخلاق وسُنن المُرسَلين؛ لأنه ثبَت أنّ إبراهيمَ ﵇ أولُ مَن ضيَّف الضيف (٤)، وحضَّ رسولُ اللَّه ﷺ على الضِّيافة، وندَب إليها.

стр. 7185

واختلَف العلماءُ في وجوبها فرضًا؛ فمنهم مَن أوجَبها، ومنهم مَن لم يُوجبها، وكلُّ مَن لم يُوجبْها يَندُبُ إليها ويَسْتَحبُّها. وممن أوجَبها الليثُ بنُ سعد، قال ابنُ وَهْب (١): سألتُ الليثَ عن عبدٍ مملوكٍ تمُرُّ به فيقدِّمُ إليك طعامًا، لا تَدري هل أمَرَه سيدُه أم لا؟ فقال الليثُ: الضِّيافةُ حقٌّ واجبٌ، وأرجو ألّا يكونَ به بأسٌ. وقال مالكٌ: لا تجوزُ هبةُ العبد المأذون له، ولا دعوتُه، ولا عاريّتُه، ولا يجوز له إخراجُ شيء من مالِه بغير عِوَض إلا أن يأذَن له سيدُه (٢). وهو قول الشافعيِّ والحسن بن حيٍّ. وقال الليث: لا بأسَ بضيافتِه (٣). وقد روَى الربيع، عن الشافعيِّ أنه قال: الضيافةُ على أهل الباديةِ والحاضرة، حقٍّ واجبٌ في مكارم الأخلاق. وقال مالكٌ: ليس على أهل الحَضَر ضيافةٌ. وقال سُحنون: إنما الضِّيافة على أهل القرى، وأما الحَضرُ فالفندقُ ينزلُ فيه المسافر. ومن حجة من ذهَب هذا المذهب ما حدَّثناه عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بن يوسف، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ محمدِ بنِ العلاءِ القُشَيريُّ القاضي، قال: حدَّثنا أبو مسلم الكَشِّيُّ (٤)، قال: حدَّثنا إبراهيم بنُ عبدِ اللَّه ابن أخي

стр. 7186

عبدِ الرّزاق، قال: حدَّثنا عبدُ الرّزاق، عن سفيان، عن عُبَيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الضيافةُ على أهل الوَبَر، وليست على أهل المدر" (١). قال أبو عُمر: هذا حديثٌ لا يصحُّ، وإبراهيمُ ابنُ أخي عبد الرزاق متروكُ الحديث، منسوبٌ إلى الكذب، وهذا مما انفرد به، ونُسِب إلى وضعِه. ومما احتجَّ به بعضُ مَن ذهب مذهبَ الليث في الضِّيافة حديثُ شعبة، عن منصور، عن الشعبيِّ، عن المِقْدام أبي كريمة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ليلةُ الضَّيف حقٌّ واجبٌ على كلِّ مسلم، فإن أصبحَ بفنائِه، فإنّه دَينٌ، إن شاء اقتضاه، وإن شاء ترَكَه" (٢). وروى الليثُ، عن يزيدَ بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبةَ بنِ عامرٍ، قال: قلنا: يا رسولَ اللَّه، إنك تبعثُنا، فنمُرُّ بقوم لا يقرُوننا، فما ترى؟ فقال لنا رسولُ اللَّه ﷺ : "إن نزلتُم بقوم فأمَرُوا لكم بما ينبغي للضَّيف فاقبَلوا، فإن لم يفعَلوا فخُذُوا منهم حقَّ الضيفِ الذي ينبغي". حدَّثناه محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحسين، قال: حدَّثنا موسى بن هارون، قال: حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا الليث، فذكره (٣).

стр. 7187

وروَى عبدُ الرحمن بن أبي عوف الجُرَشيُّ، عن المِقْدام بن مَعْدي كَرِبَ، أن رسولَ اللَّه ﷺ قال: "أيُّما رجلٍ أضاف قومًا فلم يَقْرُوه، كان له أن يُعقِبَهم بمثلِ قِرَاه" (١). وروَى معاويةُ بنُ صالح، عن أبي طلحة (٢)، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٣). وروَى المثنَّى بنُ الصَّبّاح، عن عطاء (٤)، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ مثلَه. وحدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ اللَّه بنِ أبي مَطَر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ مروان، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حرب أبو أيوب، قال: حدَّثنا الوليد، قال: حدَّثنا حريزُ بنُ عثمانَ

стр. 7188

الرَّحبيُّ، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي عوفٍ الجُرشيِّ، عن المقدام بن مَعْدي كَرِبَ الكنديِّ، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَن نَزَل بقوم فعليهم أنْ يَقْرُوه" (١). فاحتجَّ بهذه الآثار مَن ذهَب مذهبَ الليث في وُجوب الضِّيافة. واحتجُّوا أيضًا بما رُوِي في تأويل قوله : ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]. قال مجاهد: ذلك في الضِّيافة إذا لم يُضَفْ، فقد رُخِّص له أن يقول فيه. ذكَره وكيعٌ، عن ابنِ عيينة، عن ابنِ أبي نَجيح، عن مجاهد (٢). وقال ابنُ جريج، عن مجاهد: نزلت في رجل ضاف رجلًا بفَلاةٍ من الأرض، فلم يُضِفْه، فنزلت: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. ذكَر أنه لم يُضِفْه، لا يزيدُ على ذلك (٣). قالوا: فهذه الآية تدلُّ على أن ذلك ظلمٌ، والظلمُ ممنوعٌ منه، فدلَّ على وجوبِ الضِّيافة. واحتجَّ الآخَرون بحديث سعيد بن أبي سعيدٍ هذا، عن أبي شُرَيْح الكعبيِّ العَدَويِّ، عن النبيِّ ﷺ المذكور في أول هذا الباب. وقد رواه الليثُ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد، كما رواه مالكٌ سواء (٤). وفيه دليلٌ على أن الضِّيافة إكرامٌ وبرٌّ وفضيلةٌ لا فريضةٌ.

стр. 7189

ومما يدلُّ على ذلك أيضًا ما رواه عبدُ الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدَّثنا المِقدادُ بنُ الأسود، قال: جئتُ أنا وصاحبٌ لي، قد كادَت تذهبُ أبصارُنا وأسماعُنا من الجوع، فجعَلْنا نتعرَّضُ للناس، فلم يُضِفْنا أحد، فأتينا النبيَّ ﷺ ، فقلنا: يا رسولَ اللَّه، أصابَنا جوعٌ شديدٌ، فتعرَّضْنا للناس، فلم يُضِفْنا أحدٌ، فأتيناك. فذهَب بنا إلى منزله، وعندَه أربعةُ أعْنُز، فقال: "يا مِقْدادُ، احلُبْهنَّ، وجَزِّئ اللَّبنَ لكلِّ اثنَين جزءًا" (١). ففي هذا الحديث أنَّ المقْدادَ وصاحبَه قد استَضافا، فلم يُضَيَّفا، ولم يأمُرْهما النبيُّ ﷺ أن يأخُذا ممّن استَضافا قَدْرَ ضيافتِهما مع شدةِ حاجتِهما، فدلَّ ذلك أن الضِّيافةَ غيرُ واجبةٍ جملةً، أو كانت واجبةً في بعض الأوقاتِ فنُسِخَت، وأهلُ العلم يأمُرون بالضِّيافة، ويَندُبون إليها ويَستَحبُّونها، وهي عندَهم على أهل البَوادي أوكد (٢). وقولهم: ليس على أهل الحَضَر ضيافةٌ، يدُلُّ على تأكيدِ سُنَّتها على أهلِ البادية، ومنهم مَن سوَّى بين البادلة والحاضرةِ في ذلك. وأما اختلافُهم في إيجابها فرضًا، فعلى ما تقدَّم ذكرُه، وأما الآيةُ فقد مضى عن مجاهدٍ فيها في هذا الباب ما ذكَرْنا. وقال سعيد، عن قتادةَ في قوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ الآية [النساء: ١٤٨]. قال: عذَر اللَّهُ المظلوم، كما تَسمَعون، أن يَدعوَ على مَن ظلَمه (٣).

стр. 7190

وقال ابنُ جُرَيْج، عن عبد اللَّه بن كثير: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. قال: إلّا مَن أثَر ما قيل له (١). فلم يقل هؤلاء: إنَّ الآيةَ نزلَت في الضِّيافة. ولا في قولهم شيءٌ يدُلُّ على أنّ الآية لم تنزِلْ في الضِّيافة. وقال الطَّحاويُّ (٢): الضِّيافة من كَرامةِ الضيفِ على حديثِ أبي شُرَيْح الكَعبيِّ، وفيه دليلٌ على انتفاءِ وجوبِها. قال: وجائزٌ أنْ تكونَ كانت واجبةً عند الحاجة إليها، لقلةِ عددِ أهل الإسلام في ذلك الوقت، وتَباعُدِ أوطانهم، وأمّا اليوم فقد عمَّ الإسلام، وتقارَب أهلُه في الجوار. قال: وفي حديث أبي شُريح: "جائزتُه يومٌ وليلةٌ". قال: والجائزةُ مِنْحةٌ، والمنحةُ إنما تكونُ عن اختيار، لا عن وجوب، وباللَّه التوفيق. ومما يدلُّ على أن الضِّيافةَ ليست بواجبةٍ فرضًا، قولُ رسول اللَّه ﷺ : "مَن كان يُؤمنُ باللَّه واليوم الآخرِ فليُكرِمْ جارَه، ومَن كان يُؤمنُ باللَّه واليوم الآخرِ فليُكرِمْ ضيفَه". وقد أجمَعوا أنَّ إكرامَ الجارِ ليس بفرض، فكذلك الضيف. وفي هذا الحديث وما كان مثلَه دليلٌ على أن الضِّيافةَ من مكارم الأخلاق في الحاضرةِ والباديةِ. ويجوزُ أن يَحتَجَّ بهذا مَن سوَّى بين الضِّيافةِ في الباديةِ والحاضرة، إلّا أنَّ أكثرَ الآثارِ في تأكيدِها إنَّما وردَت في قوم مسافرين مُنِعوها (٣).

стр. 7191

ومما يدُلُّ على أنها ليست بواجبةٍ فرضًا ما حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عاصم، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ القَلانسيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ يونس، قال: حدَّثنا سفيانُ، وهو الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوص، عن أبيه، قال: قلت: يا رسولَ اللَّه، إني مرَرْتُ برجل فلم يُضِفْني، ولم يَقْرِني، أفأجازِيه؟ قال: "لا، بل اقْرِه" (١). حدَّثنا يونسُ بنُ عبد اللَّه، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا أبو كُرَيْب (٢)، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ مَخلَد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرِ بن أبي كثير، قال: حدَّثنا العلاءُ بنُ عبدِ الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "حَقُّ الضَّيفِ ثلاثُ ليال، وما سِوَى ذلك فهو صدَقةٌ". وروَى أبو صالح، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٣). وروَى شريكٌ (٤)، عن أبي إسحاق، عن حارثةَ بن مُضَرِّبٍ، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطاب يقول: إكرامُ الضيفِ يومٌ وليلةٌ، والضِّيافةُ ثلاثةُ أيام، فإنْ أصابَه بعدَ ذلك مرضٌ أو مطرٌ فهو دَينٌ عليه.

стр. 7192

قال أبو عُمر: ينبغي له أن يَتنزَّهَ عمّا كان من الضِّيافة صدقة، كما ينبَغي له التَّنزُّهُ عن الصدقة، وليست صدقةُ التطوع بمحرَّمةٍ على أحد، إلّا أنّ السؤالَ مكروهٌ على ما بيَّنا فيما سلف من هذا الكتاب (١)، والحمدُ للَّه. حدَّثنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثنا الحسنُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ جابر، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أحمدَ القطّانُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عُمر، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ الخَزّاز، عن نافع، قال: كان ابنُ عمرَ إذا قدِم مكةَ نزَل على أصهارِه، فيأتيه طعامُه من عند دار خالدِ بنِ أسيدٍ، فيأكُلُ من طعامِهم ثلاثةَ أيام، ثم يقول: احْبِسوا عنا صدقتكم. ويقول لنافع: أنْفِقْ من عندِك. وقوله ﷺ : "لا يَحِلُّ له أن يَثْويَ عندَه حتى يُحرِجَه". يريدُ: أن يُقيمَ عندَه حتى يُحرِجَه، والثَّواء: الإقامة. قال عنترة (٢): طالَ الثَّواءُ على رسومِ المنزِلِ وقال الحارثُ بنُ حِلِّزة (٣): آذنَتْنا ببَيْنِها أسماءُ ... رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ منه الثَّواءُ وقال كُثَيِّر (٤): أُريدُ الثَّواءَ عندَها وأظُنُّها ... إذا ما أطَلْنا عندَها المُكْثَ مَلَّتِ وقوله ﷺ : "حتى يُحرِجَه"؛ أي: يُضَيِّقَ عليه بإقامتِه عندَه حتى يَحْرَجَ وتَضيقَ نفسُه، هذا لا يَحِلُّ له.
следующие страницы →