← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7188–7227 · переход к 7193.

стр. 7188

الرَّحبيُّ، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي عوفٍ الجُرشيِّ، عن المقدام بن مَعْدي كَرِبَ الكنديِّ، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَن نَزَل بقوم فعليهم أنْ يَقْرُوه" (١). فاحتجَّ بهذه الآثار مَن ذهَب مذهبَ الليث في وُجوب الضِّيافة. واحتجُّوا أيضًا بما رُوِي في تأويل قوله : ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]. قال مجاهد: ذلك في الضِّيافة إذا لم يُضَفْ، فقد رُخِّص له أن يقول فيه. ذكَره وكيعٌ، عن ابنِ عيينة، عن ابنِ أبي نَجيح، عن مجاهد (٢). وقال ابنُ جريج، عن مجاهد: نزلت في رجل ضاف رجلًا بفَلاةٍ من الأرض، فلم يُضِفْه، فنزلت: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. ذكَر أنه لم يُضِفْه، لا يزيدُ على ذلك (٣). قالوا: فهذه الآية تدلُّ على أن ذلك ظلمٌ، والظلمُ ممنوعٌ منه، فدلَّ على وجوبِ الضِّيافة. واحتجَّ الآخَرون بحديث سعيد بن أبي سعيدٍ هذا، عن أبي شُرَيْح الكعبيِّ العَدَويِّ، عن النبيِّ ﷺ المذكور في أول هذا الباب. وقد رواه الليثُ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد، كما رواه مالكٌ سواء (٤). وفيه دليلٌ على أن الضِّيافة إكرامٌ وبرٌّ وفضيلةٌ لا فريضةٌ.

стр. 7189

ومما يدلُّ على ذلك أيضًا ما رواه عبدُ الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدَّثنا المِقدادُ بنُ الأسود، قال: جئتُ أنا وصاحبٌ لي، قد كادَت تذهبُ أبصارُنا وأسماعُنا من الجوع، فجعَلْنا نتعرَّضُ للناس، فلم يُضِفْنا أحد، فأتينا النبيَّ ﷺ ، فقلنا: يا رسولَ اللَّه، أصابَنا جوعٌ شديدٌ، فتعرَّضْنا للناس، فلم يُضِفْنا أحدٌ، فأتيناك. فذهَب بنا إلى منزله، وعندَه أربعةُ أعْنُز، فقال: "يا مِقْدادُ، احلُبْهنَّ، وجَزِّئ اللَّبنَ لكلِّ اثنَين جزءًا" (١). ففي هذا الحديث أنَّ المقْدادَ وصاحبَه قد استَضافا، فلم يُضَيَّفا، ولم يأمُرْهما النبيُّ ﷺ أن يأخُذا ممّن استَضافا قَدْرَ ضيافتِهما مع شدةِ حاجتِهما، فدلَّ ذلك أن الضِّيافةَ غيرُ واجبةٍ جملةً، أو كانت واجبةً في بعض الأوقاتِ فنُسِخَت، وأهلُ العلم يأمُرون بالضِّيافة، ويَندُبون إليها ويَستَحبُّونها، وهي عندَهم على أهل البَوادي أوكد (٢). وقولهم: ليس على أهل الحَضَر ضيافةٌ، يدُلُّ على تأكيدِ سُنَّتها على أهلِ البادية، ومنهم مَن سوَّى بين البادلة والحاضرةِ في ذلك. وأما اختلافُهم في إيجابها فرضًا، فعلى ما تقدَّم ذكرُه، وأما الآيةُ فقد مضى عن مجاهدٍ فيها في هذا الباب ما ذكَرْنا. وقال سعيد، عن قتادةَ في قوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ الآية [النساء: ١٤٨]. قال: عذَر اللَّهُ المظلوم، كما تَسمَعون، أن يَدعوَ على مَن ظلَمه (٣).

стр. 7190

وقال ابنُ جُرَيْج، عن عبد اللَّه بن كثير: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. قال: إلّا مَن أثَر ما قيل له (١). فلم يقل هؤلاء: إنَّ الآيةَ نزلَت في الضِّيافة. ولا في قولهم شيءٌ يدُلُّ على أنّ الآية لم تنزِلْ في الضِّيافة. وقال الطَّحاويُّ (٢): الضِّيافة من كَرامةِ الضيفِ على حديثِ أبي شُرَيْح الكَعبيِّ، وفيه دليلٌ على انتفاءِ وجوبِها. قال: وجائزٌ أنْ تكونَ كانت واجبةً عند الحاجة إليها، لقلةِ عددِ أهل الإسلام في ذلك الوقت، وتَباعُدِ أوطانهم، وأمّا اليوم فقد عمَّ الإسلام، وتقارَب أهلُه في الجوار. قال: وفي حديث أبي شُريح: "جائزتُه يومٌ وليلةٌ". قال: والجائزةُ مِنْحةٌ، والمنحةُ إنما تكونُ عن اختيار، لا عن وجوب، وباللَّه التوفيق. ومما يدلُّ على أن الضِّيافةَ ليست بواجبةٍ فرضًا، قولُ رسول اللَّه ﷺ : "مَن كان يُؤمنُ باللَّه واليوم الآخرِ فليُكرِمْ جارَه، ومَن كان يُؤمنُ باللَّه واليوم الآخرِ فليُكرِمْ ضيفَه". وقد أجمَعوا أنَّ إكرامَ الجارِ ليس بفرض، فكذلك الضيف. وفي هذا الحديث وما كان مثلَه دليلٌ على أن الضِّيافةَ من مكارم الأخلاق في الحاضرةِ والباديةِ. ويجوزُ أن يَحتَجَّ بهذا مَن سوَّى بين الضِّيافةِ في الباديةِ والحاضرة، إلّا أنَّ أكثرَ الآثارِ في تأكيدِها إنَّما وردَت في قوم مسافرين مُنِعوها (٣).

стр. 7191

ومما يدُلُّ على أنها ليست بواجبةٍ فرضًا ما حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عاصم، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ القَلانسيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ يونس، قال: حدَّثنا سفيانُ، وهو الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوص، عن أبيه، قال: قلت: يا رسولَ اللَّه، إني مرَرْتُ برجل فلم يُضِفْني، ولم يَقْرِني، أفأجازِيه؟ قال: "لا، بل اقْرِه" (١). حدَّثنا يونسُ بنُ عبد اللَّه، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا أبو كُرَيْب (٢)، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ مَخلَد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرِ بن أبي كثير، قال: حدَّثنا العلاءُ بنُ عبدِ الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "حَقُّ الضَّيفِ ثلاثُ ليال، وما سِوَى ذلك فهو صدَقةٌ". وروَى أبو صالح، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٣). وروَى شريكٌ (٤)، عن أبي إسحاق، عن حارثةَ بن مُضَرِّبٍ، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطاب يقول: إكرامُ الضيفِ يومٌ وليلةٌ، والضِّيافةُ ثلاثةُ أيام، فإنْ أصابَه بعدَ ذلك مرضٌ أو مطرٌ فهو دَينٌ عليه.

стр. 7192

قال أبو عُمر: ينبغي له أن يَتنزَّهَ عمّا كان من الضِّيافة صدقة، كما ينبَغي له التَّنزُّهُ عن الصدقة، وليست صدقةُ التطوع بمحرَّمةٍ على أحد، إلّا أنّ السؤالَ مكروهٌ على ما بيَّنا فيما سلف من هذا الكتاب (١)، والحمدُ للَّه. حدَّثنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثنا الحسنُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ جابر، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أحمدَ القطّانُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عُمر، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ الخَزّاز، عن نافع، قال: كان ابنُ عمرَ إذا قدِم مكةَ نزَل على أصهارِه، فيأتيه طعامُه من عند دار خالدِ بنِ أسيدٍ، فيأكُلُ من طعامِهم ثلاثةَ أيام، ثم يقول: احْبِسوا عنا صدقتكم. ويقول لنافع: أنْفِقْ من عندِك. وقوله ﷺ : "لا يَحِلُّ له أن يَثْويَ عندَه حتى يُحرِجَه". يريدُ: أن يُقيمَ عندَه حتى يُحرِجَه، والثَّواء: الإقامة. قال عنترة (٢): طالَ الثَّواءُ على رسومِ المنزِلِ وقال الحارثُ بنُ حِلِّزة (٣): آذنَتْنا ببَيْنِها أسماءُ ... رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ منه الثَّواءُ وقال كُثَيِّر (٤): أُريدُ الثَّواءَ عندَها وأظُنُّها ... إذا ما أطَلْنا عندَها المُكْثَ مَلَّتِ وقوله ﷺ : "حتى يُحرِجَه"؛ أي: يُضَيِّقَ عليه بإقامتِه عندَه حتى يَحْرَجَ وتَضيقَ نفسُه، هذا لا يَحِلُّ له.

стр. 7193

حديثٌ ثانٍ لسعيدِ بن أبي سعيد مالكٌ (١)، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤمنُ باللَّه واليوم الآخرِ تُسافرُ مسيرةَ يوم وليلةٍ إلّا مع ذي مَحرَم منها". هكذا رواه جماعةُ الرواة لـ "الموطأ" عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبي هريرة (٢). ورواه بِشرُ بنُ عمر، عن مالك، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة (٣). وكان سعيدُ بن أبي سعيد، فيما يقولون، قد سمِع من أبي هريرة، وسمع من أبيه عن أبي هريرة؛ كذا قال ابنُ مَعين (٤) وغيرُه، فجعلها كلَّها أحيانًا عن أبي هريرة. قال أبو عُمر: في هذا الحديث من الفقه: أنَّ المرأةَ لا يجوزُ لها أن تُسافرَ هذه المسافة فما فوقَها إلا مع ذي مَحرَم أو زوج. وقد اختلَفَت ألفاظُ أحاديث هذا الباب في مقدارِ المسافة، وسنذكرُ ذلك والمعنى فيه في آخر هذا الباب إن شاء اللَّه.

стр. 7194

واختلَف الفقهاءُ من هذا المعنى في ذي المَحرَم للمرأة؛ هل هو من السبيل الذي ذكر اللَّه في الحجّ أم لا؟ فقالت طائفة: المَحرَم من السبيل الذي قال اللَّه : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. فمَن لم يكن لها من النساء ذو محَرَم فتخرُج معه، فليست ممّن استطاع إلى الحج سبيلًا، لنهي رسول اللَّه ﷺ أن تُسافرَ المرأةُ إلا مع ذي محرم منها. وممّن ذهبِ إلى هذا إبراهيمُ النَّخعيُّ، والحسنُ البصريُّ (١)، وأبو حنيفةَ وأصحابه، وأحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ، وأبو ثَوْر (٢). وقال الأثرم: سمعتُ أحمدَ بن حنبل يُسألُ عن الرجل هل يكونُ مَحرَمًا لأمِّ امرأتِه يُخرجُها إلى الحجّ؟ فقال: أما في حجةِ الفريضة فأرجو؛ لأنها تخرُجُ إليها مع النساء ومع كل مَن أمِنَته، وأما في غيرِها فلا (٣). وكأنه ذهَب إلى أنه لم يُذكَر في القرآن. قال أبو عُمر: يعني في قول اللَّه : ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية كلها [النور: ٣١]. قال الأثرم: قيل لأحمد: فيحُجُّ الرجلُ بأختِ امرأتِه؟ قال: لا، لأنها ليست منه بمَحرَم؛ لأنها قد تَحلُّ له. قيل له: فالأخُ من الرَّضاعة يكونُ مَحرَمًا؟ قال: نعم. قيل له: فيكونُ الصبيُّ مَحرَمًا؟ قال: لا، حتى يَحتلِم؛ لأنه لا يقومُ بنفسِه، فكيف تخرُجُ معه امرأةٌ في سفر؟ لا، حتى يَحتلِم وتجبَ عليه الحدود، أو يبلُغَ خمسَ عشرةَ سنة (٤). وقال آخرون: جائزٌ للمراة أن تحُجَّ حجةَ الفريضة إذا كانت مع ثقاتٍ من ثقاتِ المسلمات والمسلمين.

стр. 7195

فأما مالكٌ والشافعيُّ فقالا: تخرُجُ مع جماعة النساء. قال الشافعيُّ: وإذا خرَجَت مع حُرَّة مسلمةٍ ثقةٍ فلا شيء عليها. وقال الأوزاعيُّ: تخرُجُ مع قوم عُدول، وتتَّخذُ سُلَّمًا تصعَدُ عليه وتنزلُ، ولا يَقرَبُها رجلٌ إلا أن يأخُذَ برأسِ البعير وتضعُ رجلَها على ذراعِه. وقال ابنُ سيرين: تخرُجُ مع رجل من المسلمين لا بأسَ به (١). وروَى أيوب، عن محمد، أنه كان إذا سُئِل عن المرأة لم تحجَّ، وليس لها مَحرَمٌ؟ فربما قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. ويقول: رُبَّ مَن ليس بمَحرَم أوثَقُ من مَحرَم. ذكَره عبدُ الرزاق، عن مَعْمَر وابنِ التَّيميِّ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرين. قال أبو عُمر: ليس المَحرَمُ عند هؤلاء من شرائطِ الاستطاعة، ومن حجَّتِهم الإجماعُ في الرجل يكونُ معه الزادُ والراحلة، وفيه الاستطاعة، ولم يمنَعْه فسادُ طريق ولا غيرُه، أنَّ الحجَّ عليه واجب. قالوا: فكذلك المرأة؛ لأنَّ الخطابَ واحد، والمرأةُ من الناس. وفي هذا الحديث أيضًا: دليلٌ على صحةِ ما ذهبَ إليه مالكٌ والشافعيُّ وأصحابهما، في تقدير المسافة التي يجوزُ فيها للمُسافر قصْرُ الصَّلاة وتحديدِها؛ لأنهم قالوا: لا تُقصَرُ الصلاةُ في مسافة أقلَّ من يوم وليلة. وقدّروا ذلك بثمانيةٍ وأربعين ميلًا، وهي أربعةُ بُرُد (٢). وهو قول ابن عباس وابنِ عمر (٣). والأصل في ذلك حديثُ أبي هريرة هذا عن النبيِّ ﷺ بما ذكَرنا.

стр. 7196

واستدلُّوا من هذا الحديث بأن كلَّ سَفَرٍ يكونُ دونَ يوم وليلة فليس بسفرٍ حقيقة، وأنَّ حُكْمَ مَن سافَره حكمُ الحاضر؛ لأنَّ في هذا الحديث دليلًا على إباحة السفرِ للمرأةِ فيما دونَ هذا المقدار مع غير ذي محرم، فكان ذلك في حُكْمِ خُروج المرأةِ في حوائجِها إلى السوق، وما قرُب من المواضع المأمون عليها فيها في البادية والحاضرة، وأما اليومُ والليلةُ فظَعْنٌ وسفرٌ وانتقال يكون فيه الانفراد، وتعترضُ فيه الأحوال، فكان في حُكْم الأسفار الطِّوال، لأنَّ كلَّ ما زاد على اليوم والليلة من المدة في نوع اليوم والليلة، وفي حكمها، واللَّه أعلم. وقد اختلف الفقهاء في هذا الباب، واختلفت فيه الآثار؛ فقال مالكٌ والشافعيُّ ما ذكرنا عنهما، وهو قول ابن عباس وابن عمرَ على ما وصفنا، وبه قال أحمد، وإسحاق (١). وحجَّتُهم الاستدلال بحديث هذا الباب على حسبما اجتلَبنا، وهو حديثُ مالك المذكور، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ . وكذلك رواه ابن أبي ذِئْب بمَعْنَى رواية مالك في تحديد مَسِيرِ يوم وليلة، وربما قال: مسيرةَ يوم فما فوقَه. إلا أنه قال فيه: عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ، عن أبيه (٢). كما قال بشرُ بنُ عمر، عن مالك (٣). وكذلك رواه شيبانُ، عن يحيى بن أبي كثير، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٤) (٥).

стр. 7197

ورواه سُهيلُ بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ مثله (١)، على اختلاف عن سُهيل في ذلك: وقد رُوِيَ هذا الحديث عن سُهيل بن أبي صالح، عن سعيدِ بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا تسافرِ امرأةٌ بَريدًا إلا مع زوج أو ذي مَحرم" (٢). ورواه ابنُ عَجْلان، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُريِّ، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لا تسافرِ امرأةٌ إلّا ومعها ذو مَحْرَم" (٣). لم يقل يومًا ولا غيرَه. والألفاظُ عن سُهيل في هذا الحديث مضطربةٌ لا تقومُ بها حجةٌ من روايتِه (٤). وقالت طائفة: لا تُقصَرُ الصلاةُ إلا في مسيرةِ يومين، وكلُّ سفر يكونُ دون ليلتين فللمراة أن تُسافِرَ بغير مَحْرَم. هذا قولُ الحسن البصريِّ والزهريِّ.

стр. 7198

ومن حجَّتهم ما رواه شعبةُ وغيرُه، عن عبد اللك بن عُمير، عن قَزَعة مولَى زيادٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لا تسافرِ المرأةُ مسيرةَ ليلتين إلّا مع زوج أو ذي مَحْرَم" (١). ورواه مِسعَرٌ، عن عبد الملك بن ميسرة، عن قَزَعة، عن أبي سعيد، عن النبيِّ ﷺ : "لا تسافرِ امرأةٌ فوقَ يومين إلّا ومعها زوجُها أو ذو مَحْرَم منها" (٢). وقال آخرون: لا يَقصُرُ المسافرُ الصلاةَ إلا في مسيرة ثلاثةِ أيام فصاعدًا، وكلُّ سفر يكون دون ثلاثة أيام فللمرأة أن تُسافرَه بغير محرم. هذا قول الثوريِّ، وأبي حنيفة وأصحابه، وهو قولُ ابن مسعود. قال أبو حنيفة: ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل ومَشْيِ الأقدام (٣). ومن حجَّتِهم ما رواه عُبيدُ اللَّه بنُ عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لا يَحلُّ لامرأةٍ أن تُسافرَ مسيرةَ ثلاثة أيام إلّا مع مَحْرَم" (٤). ورواه عمرُو بنُ شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٥). وروى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ :

стр. 7199

"لا تسافر المرأةُ سفرًا ثلاثةَ أيام فصاعِدًا إلّا ومعَها زوجُها، أو ابنُها، أو ذو مَحْرَم منها" (١). وبعضُ أصحاب الأعمش يقول فيه بإسناده: "فوقَ ثلاث". وروى سُهيل: عن أبيه وسعيد المقبُريِّ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، مثلَه سواء. هذه روايةُ وُهَيب، عن سُهيل (٢). وروَى رَوْحُ بنُ القاسم، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا مثله بمعناه (٣). والروايةُ الأولى عن سُهيل رواها حمادُ بنُ سلمة (٤) وعبدُ العزيز بن المختار (٥)، عن سُهيل. وروَى بكرُ بنُ خُنَيس، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا تسافر امرأةٌ في الإسلام مسيرةَ بَريدٍ إلّا مع زوج أو ذي مَحرَم" (٦) فحصَل حديثُ سُهيل في هذا الباب مضطرِبًا في إسنادِه ومتنِه.

стр. 7200

وقد روَى سفيانُ بنُ حمزة، عن كثير بن زيدٍ، عن سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي هريرة، أنّ النبيَّ ﷺ قال: "يا نساءَ المؤمنات، لا تخرُج امرأةٌ مسيرةَ ليلة إلّا ومعها ذو مَحرَم". وقد اضطَربتِ الآثارُ المرفوعةُ في هذا الباب كما ترَى في ألفاظِها، ومحملُها عندي، واللَّه أعلم، أنها خرَجت على أجوبة السائلين، فحدَّث كلُّ واحدٍ بمعنى ما سمع، كأنه قيل له ﷺ في وقت ما: هل تسافرُ المرأةُ مسيرةَ يومٍ بلا مَحرم؟ فقال: لا. وقيل له في وقت آخر: هل تسافرُ المرأةُ مسيرةَ يومين بغير مَحرَم؟ فقال: لا. وقال له آخر: هل تسافرُ المرأةُ مسيرةَ ثلاثة أيام بغير مَحرَم؟ فقال: لا. وكذلك معنى الليلة، والبريد، ونحو ذلك، فأدَّى كلُّ واحدٍ ما سمع على المعنى، واللَّهُ أعلم. ويجمعُ معاني الآثار في هذا الباب، وإن اختلَفَت ظواهرُها، الحظرُ على المرأة أن تسافرَ سفرًا يخافُ عليها الفتنةُ بغيرِ مَحرَم؛ قصيرًا كان أو طويلًا، واللَّه أعلم. ومن حجَّة مَن ذهَب في هذه المسالة مذهبَ أبي حنيفة، أنَّ الثلاثةَ الأيام سفرٌ مجتمعٌ على تقصيرِ الصلاة فيه، والأصلُ في الصلاة التَّمامُ باليقين، فالواجبُ ألا تُقصَرَ إلا بيقين، واليقينُ ما أجمَعوا عليه في الثلاثة الأيام؛ لأنَّ ما دون ذلك مُخْتَلَفٌ فيه. وهو قول ابن عُليّة، وهذا وإن كان نظرًا واحتياطًا، فليس بجيّد من طريق الاتِّباع، وأولى ما قيل في هذا الباب من طريق الاتِّباع مذهبُ ابن عمر، وابن عباس، وأهل المدينة، والشافعيِّ، واللَّه الموفق للصّواب. وقال الأوزاعيُّ: عامّةُ العلماءِ يقولون: يقْصُر المسافرُ في مسيرةِ اليوم التامِّ. قال: وبه نأخُذُ. وفي هذا الباب شُذوذٌ ترَكْنا حكايتَه تعلَّق به داودُ (١).

стр. 7201

حديثٌ ثالثٌ لسعيد بن أبي سعيد مالكٌ (١)، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد المَقبُريِّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: خمسٌ من الفطرة: تَقليمُ الأظْفار، وقصُّ الشارب، وحلقُ العانة، ونتفُ الإبْط، والاخْتِتان. هذا الحديث في "الموطأ" موقوفٌ عندَ جماعةِ الرُّواة (٢)، إلا أنَّ بشرَ بنَ عمرَ رواه عن مالك، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، فرفَعه وأسنَده، وهو حديثٌ محفوظٌ عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، مُسندًا صحيحًا؛ رواه ابنُ شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ . ولصحَّته مرفوعًا ذكَرناه (٣)، والحمدُ للَّه. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عمر، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن سعيدٍ المَقْبُريِّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خمسٌ من الفِطْرة؛ تقليمُ الأظفار، وقَصُّ الشارِب، ونَتْفُ الإبْط، وحَلْقُ العانَة، والاخْتِتان" (٤).

стр. 7202

وكذلك ذكَره ابنُ الجارود، عن عبد الرحمن بن يوسف، عن بُنْدار ويحيى بن حكيم، جميعًا عن بشرِ بنِ عمرَ، عن مالك، عن سعيدِ بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ . ورواه محمدُ بن يحيى الذُّهليُّ، عن بشرِ بنِ عمرَ، عن مالك، عن سعيدٍ المَقْبُريِّ، عن أبيه، عن أبي هريرة موقوفًا، لم يَتجاوَزْ به أبا هريرة، وهو الصحيح في رواية مالك إن شاء اللَّه. وقد رُوِيَ عن مالك مرفوعًا من غيرِ رواية بشرِ بنِ عمر: حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ بنِ إسحاقَ بنِ عُتْبةَ الرازيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالح بنِ صَفْوانَ السَّهميُّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا ابنُ لَهيعةَ، عن عيسى بنِ موسى بنِ حُميد بنِ أبي الجَهْم العَدَويِّ، عن مالكِ بنِ أنس، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد، عن أبي هريرة يأثُرُه، قال: "الفطرةُ قصُّ الشارِب، وتقليمُ الأظْفار، ونَتْفُ الإبْط، وحلقُ العانة، والختان" (١). وأما روايةُ الزهريِّ، فصحيحٌ رفعُه فيها. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَينة. وأخبرنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصائغ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ داود، قال: أخبرنا إبراهيمُ بنُ سعد، جميعًا: عن ابن شهاب،

стр. 7203

عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "الفطْرَةُ خمسٌ؛ الختانُ، والاسْتِحْدادُ، وقصُّ الشارِب، وتقليمُ الأظْفار، ونَتْفُ الإبْط" (١). وكذلك رواه أبو داود الطيالسيُّ (٢)، عن زَمعةَ بن صالح، عن الزهريِّ بإسنادِه مثله. وقد رُوِيَ أنَّ قصَّ الشارب والختان ممّا ابتُليَ به إبراهيم الخليلُ ﵇. ذكَر سُنَيدٌ، عن ابن عُليّة، عن أبي رجاء، أنه سأل الحسنَ عن قوله : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]. قال: ابتَلاه بالكوكب فرضيَ، وابتلاه بالقمر فرضي، وابتلاه بالشمس فرضي، وابتلاه بالنار فرضي، وابتلاه بالهجرة فرضي، وابتلاه بالختان (٣). وذُكِر عن أبي سفيان، عن معمر، عن الحسن مثله (٤). قال مَعمر: وقال قتادة: قال ابنُ عباس: ابتلاه اللَّهُ بالمناسك (٥). قال: وقال آخرون: ابتلاه اللَّهُ بالطُّهْرِ وقصِّ الشارِب.

стр. 7204

قال أبو عُمر: قصُّ الشارب والختانُ من ملَّةِ إبراهيمَ لا يختلفون في ذلك. ذكر مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب، أنه قال: كان إبراهيمُ أولَ من ضيَّف الضيف، وأولَ الناس اخْتَتَن، وأولَ الناس قصَّ شاربَه، وأولَ الناس رأى الشَّيبَ، فقال: يا ربِّ ما هذا؟ فقال اللَّه: وَقارٌ يا إبراهيم. فقال: ربِّ زِدْني وَقارًا. وروَى الأوزاعيُّ، عن يحيى بن سعيد، عن سعيدِ بنِ المُسَيِّب، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "اختَتَن إبراهيمُ وهو ابنُ عشرين ومئةِ سنة، ثم عاش بعدَ ذلك ثمانين سنة" (٢). وروَى هذا الحديث غيرَ الأوزاعيِّ جماعة، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيد، عن أبي هريرة موقوفًا (٣). وهو مرفوعٌ من حديث ابنِ عَجْلان، عن أبيه، عن أبي هريرة (٤).

стр. 7205

ومن حديث المُغيرة الحِزاميِّ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ (١). وأجمع العلماءُ على أنَّ إبراهيمَ أولُ من اخْتَتن، وقال أكثرهم (٢): الخِتانُ من مُؤكِّدات سُنَن المرسلين (٣)، ومن فِطرة الإسلام التي لا يَسَعُ تركُها في الرجال. وقالت طائفة: ذلك فرضٌ واجبٌ؛ لقول اللَّه : ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]. قال قتادة: هو الاخْتِتان (٤). قال أبو عُمر: ذهب إلى هذا بعضُ أصحابنا المالكيِّين، إلا أنه آكدُ عندهم في الرجال، وقد يَحتملُ أن تكون ملّةُ إبراهيمَ المأمورُ باتِّباعها التوحيد، بدليل قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. وقد روَى أبو إسحاق، عن حارثةَ بن مُضَرِّب، عن عليٍّ: أنَّ سارَةَ لما وهَبَت هاجَرَ لإبراهيمَ فأصابها، غارَت سارَةُ، فحلَفَت لتُغيِّرَنَّ منها ثلاثة أشياء، فخشِي إبراهيمُ أن تَقطَعَ أُذنَيْها وتجدَعَ أنفَها، فأمَرها أن تَخفِضَها وتَثقُبَ أُذنَيْها (٥). ورُوِيَ عن أمِّ عطيةَ أنها كانت تَخفِضُ نساءَ الأنصار (٦).

стр. 7206

وروَى حجاجُ بنُ أرطاة، عن ابن أبي المَليح، عن أبيه، عن شدّاد بن أوس، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "الخِتانُ سنّةٌ للرجال، مَكرُمةٌ للنساء" (١). واحتَجَّ من جعَل الخِتانَ سنّةً بحديث أبي المَليح هذا، وهو يدورُ على حَجاج بن أرطاة، وليس ممَّن يُحتجُّ بما انفرَد به، والذي أجمع المسلمون عليه الختانُ في الرجال على ما وصَفْنا. وذكر ابنُ إسحاق وغيرُه (٢)، عن ابن شهاب، عن عبيدِ اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس، عن أبي سفيان بن حرب، في حديث هِرَقْل، أنه أصبَح مهمومًا يُقلِّبُ طَرفَه إلى السماء، فقال له بطارقته: لقد أصبَحْتَ أيُّها الملكُ مهمومًا. فقال لهم: إني رأيتُ الليلةَ حين نظَرْتُ في النجوم مُلْكَ (٣) الخِتان قد ظهر. قالوا: لا يُهمَّنَّكَ، إنّا لا نَعرِفُ أُمّةً تَختَتنُ إلا اليهود، وهم في سُلطانِك وتحتَ يديك، فابعَثْ إلى كلِّ مَن لك عليه سلطانٌ في بلادك، فليَضرِبْ أعناقَ مَن تحتَ يديه من اليهود، واستَرِحْ من هذا الغَمّ. فبينا هم على أمرِهم ذلك، إذ أُتِيَ هرقلُ برجل أرسَل به ملكُ غسّان يُخبِرُ عن خبر رسول اللَّه ﷺ ، فلمّا استَخْبَره هرقلُ قال: اذهبوا فانظُروا أمُختَتِنٌ هو أم لا؟ فنظَروا إليه فإذا هو مُخْتَتِنٌ، فسأله عن القوم، فقال: هم يَخْتَتِنُون. فقال هرقل: هذا مُلْكُ هذه الأمة قد ظهَر. في حديث طويل.

стр. 7207

وتواتَرت الرِّوايات عن جماعة العلماء أنهم قالوا: ختَن إبراهيمُ إسماعيلَ لثلاثَ عشرةَ سنةً، وختَن ابنَه (١) إسحاقَ لسبعة أيام (٢). ورُوِي عن فاطمةَ ﵂ أنها كانت تَختِنُ ولدَها يومَ السابع (٣). وقال الليثُ بنُ سعد: يُختَنُ الصبيُّ ما بين سبع سنين إلى عشْر. وقال أحمدُ بنُ حنبل: لم أسمَعْ في ذلك شيئًا. وقال الميموني (٤): قلت لأبي عبد اللَّه -يعني أحمدَ بنَ حنبل-: مسألةٌ سُئِلتْ عنها؛ خَتّانٌ ختَن صبيًّا فلم يَستَقْص؟ قال: إذا كان الختانُ جاوَز نصفَ الحَشَفة إلى فوق فلا يُعيدُ؛ لأن الحَشَفةَ تَغلُظُ، وكلَّما غلُظَت ارتفع الخِتان، فأما إذا كان الختانُ دونَ النصف، فكنتُ أرى أن يُعيدَ. قلت: فإن الإعادةَ شديدةٌ جدًّا، وقد يُخافُ عليه من الإعادة. فقال: لا أدري. ثم قال لي أحمد: فإن هاهنا رجلًا وُلِد له ابنٌ مَختونٌ، فاغتَمَّ لذلك غَمًّا شديدًا، فقلت له: إذا كان اللَّهُ قد كفاك المؤونة، فما غَمُّك بهذا؟ قال أبو عُمر: في هذا الباب حديثٌ مسندٌ غريبٌ، حدَّثناه أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أيوبَ بنِ بادي العَلّاف، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي السَّريِّ العَسْقلانيُّ، قال: حدَّثني الوليدُ بنُ مسلم، عن شُعيب -يعني ابنَ أبي حمزة- عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن عكرمة، عن ابن عباس،

стр. 7208

أنَّ عبدَ المطلب ختَن النبيَّ ﷺ يومَ سابعه، وجعَل له مأدبةً، وسماه محمدًا. قال يحيى بنُ أيوب: طلَبْتُ هذا الحديث، فلم أجِدْه عندَ أحدٍ من أهل الحديث ممّن لقيتُه إلا عندَ ابن أبي السَّريّ (١). وكرِه جماعة من العلماء الخِتانَ يومَ السابع، فرُوِيَ عن الحسن أنه قال: أكرَهُه خلافًا على اليهود (٢). وقال ابنُ وَهْب: قلت لمالك: أتَرى أن يُختَنَ الصبيُّ يومَ السابع؟ فقال: لا أرى ذلك، إنما ذلك من عمل اليهود، ولم يكن هذا من عمل الناس إلا حديثًا. قلت لمالك: فما حدُّ ختانِه؟ قال: إذا أُدِّب على الصلاة. قلت له: عشرُ سنين أو أدنى من ذلك؟ قال: نعم. وقال: الختانُ من الفطرة (٣). وقال ابنُ القاسم: قال مالك: من الفطرة ختانُ الرجالِ والنساء. قال مالك: وأُحبُّ للنساء من قصِّ الأظْفار وحلقِ العانةِ مثلَ ما هو على الرجال. ذكره الحارثُ بنُ مسكين، وسُحنونٌ، عن ابن القاسم. وقال سفيانُ بنُ عُيَينة: قال لي سفيانُ الثوريُّ: أتَحفَظُ في الختان وقتًا؟ قلت: لا. قلت: وأنت لا تَحفظُ فيه وقتًا؟ قال: لا. واستحبَّ جماعة من العلماء في الرجل الكبير يسلم: أن يَختَتِن، ذكر يونسُ عن ابن شهاب، قال: كان الرَّجل إذا أسلمَ أُمِرَ بالخِتان، وإن كان كبيرًا (٤).

стр. 7209

وكان عطاء يقول: لا يتمُّ إسلامه حتى يَختَتِن وإن بلغَ ثمانين سنة (١). ورُوِيَ عن ابن عباس، وجابر بن زيد، وعكرمة أنّ الأغْلَفَ (٢) لا تُؤكلُ ذبيحتُه، ولا تجوزُ شهادتُه (٣)؛ ورُوِيَ عن الحسن أنه كان يُرخص للشَّيخ الذي يسلم ألا يَختَتِن، ولا يرى به بأسًا، ولا بشهادتِه وذبيحتِه وحجِّه وصلاتِه (٤). وعامةُ أهل العلم على هذا، ولا يرون بذبيحتِه بأسًا. قال أبو عُمر: حديث [ابنة] (٥) يزيد في حجِّ الأغلف لا يثبت، والصواب فيه ما عليه جماعة العلماء، فهذا ما بلغنا عن العلماء في الخِتان، وأما قصّ الشّارِب، فيذكر فيه أيضًا ما روينا عنهم في ذلك، وباللَّه عوننا لا شريكَ له.

стр. 7210

اختلفَ الفقهاء في قصِّ الشّارب وحَلقِه: فذهبَ قومٌ إلى حَلقِه واستئصالِه، لقول النبيِّ ﷺ : "أحْفوا الشَّوارب" في حديث ابن عمر. وقد حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال (١): حدَّثنا عبدة، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال لنا رسولُ اللَّه ﷺ : "أنهَكوا الشَّوارِب، وأعْفُوا اللِّحى". وذهب آخرون إلى قصِّه، لحديث أبي هريرة المذكور في هذا الباب، ولما رُوِيَ أنَّ إبراهيمَ ﵇ أول مَن قصَّ شاربَه (٢). وقد أمَر اللَّهُ نبيَّه ﷺ أن يَتَّبعَ ملَّة إبراهيمَ حنيفًا. وقد أجمعوا أنه لا بدَّ للمسلم من قصِّ شاربِه أو حلقِه، روى زيدُ بنُ أرقم، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ لم يأخُذْ من شاربِه فليس منّا". حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد بن بِشر، قال: حدَّثنا مَسلَمةُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بن زيادٍ الأعرابيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى المدائنيُّ، قال: حدَّثنا شعيبُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ صُهَيب، عن حبيبِ بنِ يَسار، عن زيدِ بنِ أرْقَم، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ لم يأخُذْ من شاربِه فليس منّا" (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ قراءةً مني عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قال: حدَّثنا مسدَّد، قال: حدَّثنا يحيى، يعني القطّان،

стр. 7211

عن يوسفَ بن صُهَيب، عن حبيبِ بنِ يَسار، عن زيدِ بن أرقم، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ لم يأخُذْ مِن شاربِه فليس منّا" (١). وروى الحسنُ بنُ صالح، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يقُصُّ شاربَه (٢)، ويذكُرُ أنَّ إبراهيمَ كان يَقُصُّ شاربَه (٣). وروَته طائفة، منهم زائدة، عن سِمَاك، عن عِكْرمة، عن ابن عباس موقوفًا. وأما اختلافُ الفقهاء في قصِّ الشارب وحَلْقه؛ فقال مالك في "الموطأ" (٤): يؤخَذُ من الشارب حتى يبدُو طَرفُ الشِّفَة، وهو الإطار، ولا يَجُزُّه فيمثِّلَ بنفسه. وذكر ابنُ عبد الحكم عنه، قال: وتُحْفَى الشَّواربُ وتُعْفَى اللِّحى، وليس إحفاءُ الشارب حلقَه، وأرى أن يُؤدَّبَ مَن حلَق شاربه (٥). وقال ابنُ القاسم عنه: إحْفاءُ الشوارب عندي مُثلةٌ. قال مالك: وتفسيرُ حديث النبيِّ ﷺ في إحْفاءِ الشارب، إنما هو الإطار. وكان يكرَهُ أن يُؤخذَ من أعلاه (٦).

стр. 7212

وذكَر أشهبُ عن مالك، أنه قال في حلق الشارب: هذه بِدَعٌ، وأرى أن يُوجَعَ ضربًا مَن فعَله. وقال مالك: كان عمرُ بنُ الخطاب إذا كرَبه أمرٌ نفَخ، فجعَل رجلٌ يُرادُّه وهو يَفتِلُ شاربَه (١). وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمد، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيس، قال: حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أصبغُ بنُ الفرج، قال: حدَّثنا عيسى بنُ يونسَ، عن عبدِ العزيز بنِ عمرَ بنِ عبدِ العزيز، عن أبيه، قال: السنةُ في الشاربِ الإطار. قال الطحاويُّ (٢): ولم نجدْ عن الشافعيِّ شيئًا منصوصًا في هذا، وأصحابُه الذين رأيناهم؛ المُزنيُّ والربيع، كانا يُحفِيان شواربَهما، ويدلُّ ذلك على أنهما أخَذا ذلك عن الشافعيِّ. قال (٣): وأما أبو حنيفة، وزُفَرُ، وأبو يوسف، ومحمدٌ، فكان مذهبُهم في شعر الرأس والشارب أنَّ الإحفاءَ أفضلُ من التَّقصير. وذكر ابنُ خُوَيْزمنداد عن الشافعيِّ أن مذهبَه في حلق الشارب كمذهب أبي حنيفةَ سواء. وقال الأثرم: رأيتُ أحمدَ بن حنبل يُحْفي شاربَه شديدًا، وسمعتُه يُسألُ عن السنّة في إحفاءِ الشَّوارب فقال: يُحْفي كما قال النبيُّ ﷺ : "أحفُوا الشوارِب" (٤).

стр. 7213

وذكر ابنُ وَهْب، عن الليث بن سعدٍ، قال: لا أحبُّ لأحدٍ أن يَحلِقَ شاربَه جدًّا حتى يبدُوَ الجلدُ، وأكرَهُه، ولكن يُقصِّرُ الذي على طرفِ الشارب، وأكرَهُ أن يكونَ طويلَ الشاربَيْن (١). قال أبو عُمر: روَت عائشةُ وأبو هريرة، عن النبيِّ ﷺ : "عَشْرٌ من الفِطْرة". منها قَصُّ الشَّارب، وفي إسنادَيهما مقالٌ. وكذلك حديثُ عمارِ بنِ ياسر (٢) في ذلك أيضًا: وأحسنُ ذلك ما حدَّثناه عبدُ اللَّه بن محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا يحيى بن معين، قال: حدَّثنا وكيع، عن زكريا بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبةَ، عن طَلْق بن حبيب، عن أبي الزبير، عن عائشة، قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "عَشْرٌ من الفِطْرة: قصُّ الشارب، وإعفاءُ اللحية،

стр. 7214

والسِّواكُ، والاستنشاقُ بالماء، وقصُّ الأظفار، وغَسْلُ البراجم، ونَتْفُ الإبْط، وحَلْقُ العانة، وانتقاصُ الماء". يعني الاستنجاءَ بالماء. قال زكريا: قال مصعب: نسيتُ العاشرة، إلا أن تكونَ المضمضة. قال الطحاويُّ (١): وروَى المغيرةُ بنُ شعبة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أخَذ من شاربِه على سواك. وهذا لا يكونُ معه إحْفاء. وروَى عِكرمةُ، عن ابن عباس، قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ يَجُزُّ شاربَه. قال: وهذا الأغلبُ فيه الإحفاء (٢)، وهو محتملُ الوجهين. وروَى نافع، عن ابن عمر، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أحفُوا الشوارِب، وأعفُوا اللِّحى" (٣).

стр. 7215

وروَى العلاءُ بنُ عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "جُزُّوا الشَّوارِب، وأرْخُوا اللِّحى" (١). قال: وهذا يحتملُ الإحفاءَ أيضًا. وقد روَى عمرُ بنُ أبي سلَمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ أنه قال (٢): "أحْفُوا الشَّوارِب، وأعْفُوا اللِّحى" (٣). فبان بهذا أن الجَزَّ في حديثِه الآخَر الإحْفاء. وذكر الطحاويُّ (٤) هذه الآثارَ كلَّها بأسانيدِها من طرق، وذكَر أيضًا بالأسانيد، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، وأبي أُسَيْد، ورافع بن خَديج، وسهل بن سعد، وعبدِ اللَّه بنِ عمر، وجابرِ بنِ عبد اللَّه، وأبي هريرة، أنهم كانوا يُحْفون شواربَهم. وقال إبراهيمُ بنُ محمد بن حاطب: رأيتُ ابنَ عمرَ يُحْفي شاربَه كأنه يَنْتِفُه (٥)، وقال بعضهم (٦): حتى يُرى بياضُ الجلد.

стр. 7216

وقال الطحاوي (١): لما كان التَّقصيرُ مسنونًا عند الجميع في الشارب، كان الحلقُ فيه أفضلَ قياسًا على الرأس. قال: وقد دعا رسولُ اللَّه ﷺ للمُحلِّقين ثلاثًا، وللمُقَصِّرين واحدة (٢)، فجعل حلقَ الرأس أفضلَ من تقصيره، فكذلك الشارب. وما احتجَّ به مالكٌ أنَّ عمرَ كان يفتِلُ شاربَه إذا غضِب أو اهتمَّ، فجائزٌ أن يكونَ كان يترُكُه حتى يمكنَ فتْلُه، ثم يحلِقُه كما ترَى كثيرًا من الناس يفعَلُه. قال أبو عُمر: إنما في هذا الباب أصلان: أحدُهما: قوله ﷺ (٣): "أحفُوا الشَّوارِب" (٤). وهو لفظ مجملٌ محتملٌ للتأويل. والثاني: قصُّ الشارب، وهو مفسِّرٌ، والمفسِّرُ يقضي على المجمل، مع ما رُوِيَ فيه أنَّ إبراهيمَ أولُ من قصَّ شاربَه (٥). وقال رسولُ اللَّه ﷺ : "قصُّ الشَّارب من الفِطْرَة" (٦). يعني فطرةَ الإسلام، وهو عملُ أهل المدينة، وهو أولى ما قيل به في هذا الباب، واللَّه الموفِّق للصواب. وقد كان أبو بكرٍ محمدُ بنُ أحمد بن الجهم يقول: الشاربُ إنما هو أطرافُ الشَّعَر الذي يُشرَبُ به الماء. قال: وإنما اشتُقَّ له لفظُ شاربٍ لقُرْبِه من موضع شُرْب الماء. وذكَر خبرَ سِماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ يقصُّ من شاربِه، وكان إبراهيمُ خليلُ اللَّه يقصُّ شاربَه، أو من شاربِه.

стр. 7217

وهذا الحديث حدَّثناه سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (١): حدَّثنا يحيى بنُ آدم، عن حسن بن صالح، عن سماك، فذكره. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن مِسعَرٍ، قال: حدَّثني أبو صَخْرة، عن المغير بنِ عبد اللَّه الثَّقفيِّ، عن المغيرةِ بنِ شعبة، قال: ضِفْتُ رسولَ اللَّه ﷺ ذاتَ ليلة، فأمَر بجَنْب فشُوِي، ثم أخَذ الشَّفْرة، فجعل يَجُزُّ منها، فجاء بلالٌ فآذَنه بالصلاة، فألقَى الشَّفرة، فقال: "ما له، تَربَتْ يَداه؟ ". وكان شاربي قد وفَى بعضُه، فقصَّه لي على سِواك (٢). وروَى ابنُ وَهْب، عن حُييٍّ بنِ عبدِ اللَّه المَعافريِّ، عن أبي عبدِ الرحمن الحُبُليِّ، عن عبد اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص، أنَّ إبراهيمَ أولُ رجلٍ اختَتَن، وأولُ رجلٍ قصَّ شاربَه، وقلَّم أظفارَه، واستَنَّ، وحلَق عانتَه. وذكر عبدُ الرزاق (٣)، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]. قال: ابتلاه اللَّهُ بالطَّهارة، خمسٍ في الرأس، وخمسٍ في الجسد: قصُّ الشارب، والمضمضةُ، والاستنشاقُ، والسواكُ، وفرقُ الرأس، وفي الجسد: تقليمُ الأظفار، وحلقُ العانة، والاختِتان، ونتفُ الإبط، وغسلُ مكان الغائط والبول بالماء. وذكر مَطرٌ، عن أبي العالية، قال: ابتُليَ إبراهيمُ بعشَرة أشياء، هنَّ في الإنسان

стр. 7218

سُنّة: الاستنشاقُ، وقصُّ الشارب، والسواكُ، ونتفُ الإبْط، وتقليمُ الأظفار، وغسلُ البراجم، والخِتانُ، وحلقُ العانة، وغسلُ الدُّبُر والفرج (١). فهذا ما انتهى إلينا في قصِّ الشارب وحَلْقه. وقد روى هُشَيْم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس، أنه قال: من السُّنة قصُّ الأظفار، والأخذُ من الشارب، وحلقُ العانة، ونتفُ الإبْط، وأخذُ العارضَيْن (٢). ولم أجدْ أخذَ العارضَيْن إلا في هذا الخبر، وسيأتي ذكرُ إعفاءِ اللحيةِ والحكمُ في ذلك في باب أبي بكر بن نافع من هذا الكتاب إن شاء اللَّه (٣). وأما قصُّ الأظفار وحلقُ العانة، فمجتمعٌ على ذلك أيضًا، إلا أنَّ من أهل العلم مَن وَقَّت في حَلْق العانة أربعين يومًا، وأكثرُهم على أن لا توقيتَ في شيء من ذلك، وباللَّه التوفيق. ومن وقَّت ذهبَ إلى حديث حدَّثناه أحمدُ بنُ فتح، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ

стр. 7219

أحمدَ بنِ حامدِ بنِ ثَرْثال، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الطيب، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عمرَ بن شقيق الجرميُّ وقَطَنُ بنُ نُسير (١)، قالا: حدَّثنا جعفرُ بنُ سليمان، عن أبي عمرانَ الجَونيِّ، عن أنس بن مالك، قال: وقَّت لنا رسولُ اللَّه ﷺ في حلق العانة، وقصِّ الشارب، وتقليم الأظفار، ونتفِ الإبْط، في كلِّ أربعين يومًا (٢). وهذا حديثٌ ليس بالقويِّ من جهة النقل، ولكنه قد قال به قوم. وذكَره سُنيد (٣)، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ سليمان، عن أبي عِمْران الجَونيِّ، عن أنس بن مالك، قال: وُقِّت لنا. فذكَره سواء، ولم يقل: "رسولُ اللَّه ﷺ ". حدَّثنا عبدَ الوارث بن سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: حدَّثنا أبو معاوية الغَلابيُّ غسّانُ بنُ المفَضّل، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ عليِّ بنِ مُقدَّم، قال: قال سفيانُ بن حُسين: أتَدْري ما السَّمْتُ الصالح؟ ليس هو بحَلْقِ الشارب، ولا تشميرِ الثّوب، وإنّما هو لزومُ طريقِ القوم، إذا فعَل ذلك، قيل: قد أصابَ السَّمْت. وتَدْري ما الاقتصادُ؟ هو الشَّيء (٤) الذي ليس فيه غُلُوٌّ ولا تقصيرٌ.

стр. 7220

حديثٌ رابعٌ لسعيدِ بنِ أبي سعيد مالكٌ (١)، عن سعيد بن أبي سعيد المقبُريِّ، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن بن عَوْف، أنه سألَ عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ : كيفَ كانت صلاةُ رسولِ اللَّه ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كانَ رسولُ اللَّه ﷺ يزيدُ في رمضان ولا في غيره على إحدَى عَشْرةَ ركعة؛ يصلِّي أربعًا، فلا تسألْ عن حُسنِهنّ وطولهنّ، ثم يصلِّي أربعًا، فلا تسألْ عن حُسنِهنّ وطولهنّ، ثم يصلِّي ثلاثًا. قالت عائشة: فقلت: يا رسولَ اللَّه، أتنامُ قبل أن توترَ؟! فقال: "يا عائشة، إنّ عينيَّ تنامان، ولا ينامُ قلبي". قال أبو عُمر: هكذا هو في "الموطأ" عند جماعة الرواة، فيما علمت (٢)، وقد رواه محمدُ بنُ معاذ بن المُستهلِّ، عن القعنبيِّ، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن عائشة. والصواب ما في "الموطأ" في هذا الحديث أنَّ صلاةَ رسولِ اللَّه ﷺ في رمضانَ وغيره كانت واحدة.

стр. 7221

وقد مضى القول في قيام رمضان، وما الأصل فيه، وكيف كان بدُوُّ أمره، في باب ابن شهاب (١) من هذا الكتاب. وأكثر الآثار على أنَّ صلاتَه كانت بالوتر إحدى عشرةَ ركعة، وقد رُوِيَ: ثلاثَ عَشْرة ركعة. فمنهم من قال: فيها ركعتا الفجر. ومنهم من قال: إنها زيادة حفِظَها من تُقبَلُ شهادتُه (٢) بما نقل منها، ولا يضُرُّها تقصيرُ من قصَّر عنها. وكيف كان الأمرُ، فلا خلافَ بين المسلمين أنَّ صلاةَ الليل ليس فيها حدٌّ محدود، وأنها نافلة، وفعلُ خَيْر، وعَمَلُ برٍّ، فمن شاء استقلَّ، ومن شاء استكثَر. وأما قوله: يصلِّي أربعًا، ثم يصلِّي أربعًا، ثم يصلِّي ثلاثًا. فذهب قوم إلى (٣) أنّ الأربعَ لم يكن بينها سلام. وقال بعضهم: ولا جلوسَ إلّا في آخرها. وذهب فقهاءُ الحجاز وجماعةٌ من أهل العراق إلى أنَّ الجلوسَ كان منها في كلِّ مثنى والتسليم أيضًا. ومن ذهب هذا المذهب كان معنى قوله في هذا الحديث عنده: أربعًا؛ يعني: في الطُّول والحُسْنِ وترتيبِ القراءة ونحو ذلك، ودليلُهم على ذلك قوله ﷺ : "صلاةُ الليل مثنى متنى" (٤)؛ لأنه مُحالٌ أن يأمرَ بشيءٍ، ويفعلَ خلافَه ﷺ ، وقد مَضَى ما للعلماء من المذاهب والأقوال في صلاة الليل، وما نزعُوا به في ذلك من الآثار والاعتلال في باب ابن شهاب ونافع (٥) من هذا الكتاب،

стр. 7222

ومضى في باب نافع أيضًا اختلافُهم في الوتر بواحدةٍ وبثلاث، وبما زاد، فلا معنى لتكرير ذلك هاهنا. واختصارُ اختلافهم في صلاة التطوع بالليل: أنَّ مالكًا، والشافعيَّ، وابن أبي ليلى، وأبا يوسف، ومحمدًا، والليثَ بنَ سعد، قالوا: صلاةُ الليل مثنى مثنى تقتَضي الجلوسَ والتَّسليم في كلِّ اثنتين، ألا ترَى أنَّه لا يقال: صلاةُ الظهر مثنى. لما كانت الأُخرَيان مضمَّنتين بالأوليين، ولأنه قد رُوِيَ في حديث عائشة هذا من رواية عُروة عنها: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يُسلِّمُ في كلِّ ركعتين منها. وقد ذكَرنا من روَى ذلك في باب ابن شهاب (١). وقال أبو حنيفة في صلاة الليل: إن شئتَ ركعتين، أو أربعًا، أو ستًّا، أو ثمانيًا (٢). وقال الثوريُّ والحسنُ بنُ حيٍّ: صلِّ بالليل ما شئتَ بعدَ أن تقعُدَ في كل اثنتين، وتُسلِّم في آخرهنّ (٣). وحجَّةُ هؤلاء ظواهرُ الأحاديث عن عائشة؛ مثل هذا الحديث، ومثلُ ما رواه الأسود، عن عائشة، أنها قالت: كان رسولُ اللَّه ﷺ يصلِّي من الليل تسعَ ركعات، فلما أسَنَّ، صلَّى سبعَ ركعات (٤). وقال فيه مسروق

стр. 7223

عنها: كان رسولُ اللَّه ﷺ يوترُ بتسع، فلما أسنَّ أوتَر بسبع (١). ويحيى ابنُ الجَزّار، عن عائشة مثل ذلك، على اختلاف عنه (٢). وروَى ابنُ نُمَير (٣)، ووُهَيْب (٤)، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسولُ اللَّه ﷺ يُصلِّي من الليل ثلاثَ عشرة ركعةً؛ يوترُ منها بخمس،

стр. 7224

لا يجلسُ في شيء من الخمس حتى يجلسَ في الآخرة فيسلِّم. ورواه مالكٌ، عن هشام على غير هذا (١). وروى يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يُصلِّي من الليل ثلاثَ عَشْرةَ ركعةً كان يُصلِّي ثمانَ رَكَعات، وأربعَ ركعات، يوترُ برَكْعة (٢). وروَى الدَّراوَرْديُّ، عن محمد بن عَمْرٍو، عن أبي سلمة، عن عائشة: أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُصلِّي من الليل ثلاثَ عشرةَ ركعةً؛ تسعًا قائمًا، واثنتين جالسًا، واثنتين قاعدًا واثثتين بين النِّداءَين (٣). وقد روَى الأوزاعيُّ وابنُ أبي ذئب ويونس، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يصلِّي من الليل إحدى عشرةَ ركعةً، يسلِّمُ في كلِّ ركعتين (٤). قال أبو عُمر: فلّما اختلفَتِ الآثارُ عن عائشة في كيفيةِ صلاةِ النبيِّ ﷺ بالليل هذا الاختلاف، وتدافَعَت، واضطربَت، لم يكن في شيء منها حُجَّةٌ على غيره، وقامت الحجةُ بالحديث الذي لم يُختلَفْ في نقله ولا في متنه، وهو حديث

стр. 7225

ابن عمرَ، رواه عنه جماعةٌ من التابعين، كلُّهم بمعنًى واحد، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "صلاةُ الليل مثنى مثنى" (١). وقد ذكَرنا حديثَ ابن عمرَ وطُرقَه في باب نافع من هذا الكتاب، ومضَى حديثُ ابنِ عمرَ بأنّ روايةَ من روَى عن عائشة في صلاة الليل: أن رسولَ اللَّه ﷺ كان يُسلِّمُ منها في كلِّ ركعتين - أصحُّ وأثبت، لقوله: "صلاةُ الليل مثنَى مثنَى"، وباللَّه التوفيق. وأما قولُها في هذا الحديث: أتنامُ قبلَ أن تُوتِرَ؟ فإنه لا يُوجَدُ إلا في هذا الإسناد، وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ؛ لأنه في هذا الحديث بعدَ ذكر الوتر، ومعناه أنه كان ينامُ قبلَ أن يُصلِّي الثلاثَ التي ذكرت. وهذا يدُلُّ على أنه كان يقوم، ثم ينام، ثم يقوم فينام، ثم يقوم فيوتر؛ ولهذا ما جاء في هذا الحديث: أربعًا، ثم أربعًا، ثم ثلاثًا. أظنُّ ذلك، واللَّهُ أعلم، من أجل أنه كان ينامُ بينهن، فقالت: أربعًا، ثم أربعًا، يعني بعدَ نوم، ثم ثلاثًا بعدَ نوم. ولهذا ما قالت له: أتنامُ قبل أن توتِر؟ وإذا كان هذا على ما ذكرنا لم يَجُزْ لأحدٍ أن يتأوّلَ أنَّ الأربعَ كنَّ بغير تسليم، لا سيَّما مع قوله ﷺ : "صلاةُ الليل مثنَى مثنَى". وأما روايةُ مَن روى أنَّ رسول اللَّه ﷺ كان يضطَجِعُ بعدَ الوتر. ومن روَى أنه كان يضطَجِعُ بعدَ ركعتَي الفجر. فقد ذكرنا ذلك في باب ابن شهاب، عن عُروةَ من هذا الكتاب (٢)، وذكرنا عن العلماء ما صحَّ عندَهم، وما ذهبوا إليه في ذلك، والحمدُ للَّه، هنالك. وأما قوله: "إنّ عينيَّ تنامان، ولا ينامُ قلبي". فهذه جبلَّتُه ﷺ التي طُبع عليها.

стр. 7226

وقد رُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "إنّا معشرَ الأنبياء تنامُ أعينُنا، ولا تنامُ قلوبُنا" (١). ولهذا قال ابنُ عباس وغيرُه من العلماء: رؤيا الأنبياء وحيٌّ (٢). وقد ذكرنا أقسامَ الوحي في باب إسحاقَ بن أبي طلحة (٣)، وذكَرْنا في باب زيدِ بنِ أسلم (٤) معنى نومِه عن الصلاة في سفرِه حتى ضرَبه حرُّ الشمس بما يُغني عن إعادته هاهنا. ذكر عبد الرزاق (٥)، وأبو سفيان جميعًا، عن معمَر، عن أيوب، عن أبي قِلابة،

стр. 7227

قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "قيل لي: لتَنَمْ عينُك، وليَعقِلْ قلبُك، ولتَسمَعْ أُذُنك. فنامت عَيني، وعقلَ قلبي، وسمِعتْ أُذُني". وذكر الحديث. ورُوِيَ عنه ﷺ أنه كان ينامُ حتى ينفُخَ وَيغِطَّ، ثم يقوم فيصلِّي ولا يتوضَّأ (١)؛ لأن قلبه لم يكن ينام، وإنما يجبُ الوضوءُ على مَن غلب النومُ على قلبه، وغمَر نفسه. وكان ﷺ مخصوصًا دون سائر أمته بأن تنامَ عينُه ولا ينامَ قلبُه، صلواتُ اللَّه عليه وسلامه. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو بكر عبدُ اللَّه بنُ محمد الخَصِيبيُّ القاضي، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ الحسن بن أبي شُعيب، قال: حدَّثنا عبيدُ اللَّه بنُ عائشة، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نام حتى سُمِع غَطيطُه، ثم صلَّى، ولم يتوضَّأ. قال عكرمة: كان رسولُ اللَّه ﷺ محفوظًا (٢).
следующие страницы →