← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 748–787 · переход к 753.

стр. 748

هذا اختلافَ الفقهاءِ في صيامِ يومِ الشكِّ على أنّه من رمضانَ، بأتمَّ من ذِكْرِ ذلك هاهنا، لأنّ ذلك الموضعَ أولى به؛ لقول النبيِّ ﷺ في حديث ابن عمر: "فاقدُروا له". واختلف العلماءُ في صومِ آخرِ يومٍ من شعبانَ تطوُّعًا؛ فأجازَه مالكٌ وأصحابُه، والشافعيُّ وأصحابُه، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، وأكثرُ الفقهاء، إذا كان تطوُّعًا ولم يكنْ خوفًا ولا احتياطًا أن يكونَ من رمضانَ، ولا يجوزُ عندَهم صومُه على الشَّكِّ. قال مالكٌ: إن تُيقِّنَ أنّه من شعبانَ جاز صومُه تطوُّعًا. وهو قولُ الشافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُصامُ يومُ الشكِّ إلّا تطوُّعًا. وقال الثوريُّ: لا يُتلوَّمُ (١) يومُ الشكِّ، ولا يصومُ أحدٌ يومَ الشَّكِّ. وسيأتي القولُ فيمن صامَه على الشَّكِّ؛ هل يُجزئُه من رمضانَ؟ عند قوله: "فاقْدُروا له" في باب نافعٍ، إن شاء الله. وقال بعضُ أهل العلم من أهل الحديث: إنّه لا يجوزُ صيامُ يومين قبلَ رمضانَ من آخر شعبانَ، إلّا لمن كان له عادةُ صيام شعبانَ. واحتجُّوا بحديثِ النبيِّ ﷺ : "لا يَتَقَدَّم أحدُكم رمضانَ بيومٍ ولا يومين، إلّا أن يكونَ صومًا كان يصومُه أحدُكم، فليُتِمَّ صومَه". رواه يحيى بن أبي كثيرٍ (٢) ومحمدُ بن عمرٍو (٣)، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ . قالوا: وفي قوله: "ولا يومين" دليلٌ على أن ذلك تطوُّعٌ؛ لأنّه لا يجوزُ أن يكونَ الشكُّ في يومين.

стр. 749

قال أبو عُمر: زعم بعضُ أصحابِنا أنَّ - في صومِ رسولِ الله ﷺ شعبانَ تطوُّعًا - دليلًا على أنَّ نهيَه عن صومِ يومِ الشَّكِّ إنّما هو على الخوفِ أنْ يكونَ من رمضانَ، وأنّ هذا هو المكروهُ. حدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو (١) صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ بن صالح، أنّ عبدَ الله بنَ قيسٍ حدَّثَه، أنّه سمع عائشةَ تقولُ: كان رسولُ الله ﷺ يصومُ شعبانَ ويصِلُه برمضانَ (٢). وروَى سالمُ بن أبي الجعد، عن أبي سَلَمةَ، عن أُمِّ سلمةَ، عن النبيِّ ﷺ أنّه كان يصومُ شعبانَ ويصِلُه برمضان (٣). رواه عن سالمٍ جماعةٌ لم يختلفوا عليه. وروَى يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ، أنّ رسولَ الله ﷺ كان يصومُ شعبانَ كلَّه (٤). قال: وهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على أنّ رسولَ الله ﷺ إنّما كان يصومُ يومَ الشَّكِّ تطوُّعًا، لا خوفًا أن يكونَ من رمضان.

стр. 750

قال أبو عُمر: ليس في صيامِه لشعبان تطوُّعًا دفعٌ لما تأوَّلَه أولئكَ في النَّهي عن صوم يوم الشَّكِّ تطوُّعًا؛ لأنّ في الحديث: "إلّا أن يكونَ في صومٍ يصومُه". وفي ذلك دلالةٌ على أنّ النَّهيَ عن تقدُّمِ رمضانَ بيومٍ أو يومين إنّما هو على ذلك الوجه، والله أعلمُ. وأمّا قولُه ﷺ : "صوموا لرؤيته" فمعناه: صوموا اليومَ الذي يَلِي ليلةَ رُؤيتِه مِن أوّلِه، ولم يُردْ: صُوموا من وقتِ رُؤيتِه؛ لأنّ الليلَ ليس بموضع صيام، وإذا رُئيَ الهلالُ نهارًا فإنّما هو للَّيلة التي تأتي، هذا هو الصحيحُ إن شاء الله. وقد اختلفَتِ الروايةُ في هذه المسألة عن عمرَ ﵁؛ ذكَر عبدُ الرزاق (١)، عن معمرٍ، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، قال: كتَب إلينا عمرُ ونحن بخانِقين (٢): إذا رأيتُم الهلالَ نهارًا فلا تُفطِروا حتى يشهَدَ رجلان أنّهما رأياه بالأمس. ففي هذا الخبر عن عمرَ اعتبارُ شهادةِ رجلين على رُؤية الهلال، ولم يخُصَّ عشيًّا من غير عشّى. وقد ذكَرنا مسألةَ الشَّهادة على الهلال في باب نافع. حدَّثنا أحمدُ بن قاسمٍ المقرئُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمدِ بنِ حَبَابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبد العزيزِ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن الجَعْد، قال (٣): حدَّثنا زُهيرُ بن مُعاوية، عن الأعمش، عن شَقِيق بن سَلَمة، قال: كتَب إلينا عمرُ بن الخطاب ونحن بخانِقينَ: إنّ الأهِلَّة بعضُها أكبرُ من بعض، فإذا رأيتُم الهلالَ نهارًا فلا تُفطِروا حتى يشهَدَ عَدْلانِ أنّهما رَأَياه بالأمس (٤).

стр. 751

ورُوِيَ عن علي بن أبي طالبٍ مثلُ ذلك؛ ذكَره عبدُ الرَّزَّاق (١)، عن الحسن بن عُمارةَ، عن الحكم، عن يحيى بن الجَزّار، عن عليٍّ. وقد رُويَ من حديثِ أبي إسحاق، عن الحارثِ (٢)، أنّ هلالَ الفِطرِ رُئيَ نهارًا، فلم يأمُرْ عليُّ بن أبي طالب الناسَ أن يُفطِروا من يومِهم ذلك. وروَى الزهريُّ، عن سالمٍ، عن ابن عمر، قال: لا تُفطِروا حتى يُرَى من موضعِه (٣). وعن ابن مسعودٍ وأنسِ بن مالكٍ مثلُ ذلك (٤). وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةِ، ومحمدِ بن الحسن، واللَّيث بن سعدٍ، والأوزاعيِّ، وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ. كلُّ هؤلاء يقولُ: إذا رُئيَ الهلالُ نهارًا قبلَ الزوالِ، أو بعدَ الزوالِ، فهو للَّيلةِ المستقبَلةِ. وقال سفيانُ الثوريُّ وأبو يوسُفَ: إن رُئيَ بعدَ الزوال فهو للَّيلةِ التي تأتي، وإن رُئيَ قبلَ الزوالِ فهو للَّيلةِ الماضية. ورُوِي مثلُ ذلك عن عمرَ (٥)؛ ذكَر عبدُ الرَّزَّاق (٦) وغيرُه، عن الثوريِّ، عن مغيرةَ، عن شِبَاكٍ (٧)، عن إبراهيمَ، قال: كتَبَ عمرُ إلى عُتبةَ بن فَرقَدٍ:

стр. 752

إذا رأيتُم الهلالَ نهارًا قبلَ أنْ تزولَ الشمسُ لتمامِ ثلاثين فأفْطِروا، وإذا رأيتُموه بعدَما تزولُ الشمسُ فلا تُفطِروا حتى تُمْسوا. وذكَر أبو بكر بن أبي شيبة (١)، عن أسباطِ بن محمدٍ، عن مُطرِّفٍ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ مثلَ ذلك. ولا يصحُّ في هذه المسألة من جهةِ الإسنادِ شيءٌ عن عليٍّ ﵀. ورُوِيَ عن سلمانَ بن ربيعة (٢) مثلُ قولِ الثوريِّ. وإليه ذهَب عبدُ الملك بن حَبِيبٍ. واختُلف عن عمرَ بن عبد العزيز في هذه المسألة؛ فرُوِي عنه ما يدُلُّ على الوجهينِ جميعًا. والحديثُ عن عمرَ - بمعنَى ما ذهَب إليه مالكٌ والشافعيُّ وأبو حنيفةَ ومَن تابعَهم - متَّصلٌ، والحديثُ الذي رُوي عنه بمذهبِ الثوريِّ وأبي يوسُفَ منقطعٌ، والمصيرُ إلى المتَّصل أولَى، وعليه أكثرُ العلماء. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضَّاح، قال: حدَّثنا هشامُ بن خالد، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مسلم، قال: سألتُ مالكًا والليثَ والأوزاعيَّ عن الهلالِ يُرَى من أوَّلِ النهارِ، فقالوا: هو للَّيلةِ التي تجيءُ. قال الأوزاعيُّ: وكتَب بذلك عمرُ بن الخطاب. وأمّا قولُه ﷺ : "ولا تُفطِروا حتى تروُا الهلالَ" ففيه ردٌّ لتأويلِ مَن تأوَّل قولَه ﷺ : "شَهْرا عيدٍ لا يَنقُصان؛ رمضانُ وذُو الحِجّة" أنّهما لا يَنقُصان من ثلاثينَ

стр. 753

ثلاثينَ يومًا؛ لأنّ قولَه: "ولا تُفطِروا حتى تَروْه، فإن غُمَّ عليكم فأكمِلوا العِدَّة ثلاثينَ"، دليلٌ على جوازِ كونِ رمضانَ من تسعٍ وعشرينَ، ومع هذا الدَّليل فإنَّ المشاهدةَ تُثْبِت ما قلنا، وكفَى بها حُجَّةً لِما ذكَرنا. وأمّا الحديثُ، فحدَّثناه عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا مُسدَّدٌ، أنّ يزيدَ بنَ زُرَيْع حدَّثهم، قال: حدَّثنا خالدٌ الحذَّاءُ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي بَكْرةَ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "شَهْرا عِيدٍ لا يَنقُصانِ؛ رمضانُ وذُو الحِجّةِ" (٢). ورواه حمادُ بن سلمةَ، عن عليِّ بن زيد، عن عبد الرحمنِ بن أبي بَكْرةَ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٣). ورواه سالمٌ أبو عُبيدِ الله بن سالم، عن عبد الرحمن بن أبي بَكْرةَ، [عن أبيه] (٤)، عن النبيِّ ﵇ مثلَه سواءً (٥). وهذا معناه عندَنا، والله أعلمُ، أنّهما لا يَنقُصانِ في الأجرِ وتكفيرِ الخطايا، سواءٌ كانا من تسع وعشرين أو من ثلاثين، وأنّ ما وعَدَ الله صائمَ رمضانَ على لسانِ نبيِّه ﵇ من الأجرِ، فهو مُنجِزُه له، سواءٌ كان شهرُه ثلاثين أو تسعًا وعشرينَ.

стр. 754

وأمّا حديثُ أبي بَكْرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنّه قال: "كلُّ شهرٍ حرامٍ ثلاثونَ يومًا وثلاثونَ ليلةً" (١). فإنّه حديثٌ لا يُحتجُّ بمثلِه، لأنّه يدورُ على عبد الرحمنِ بن إسحاقَ، وهو ضعيفٌ (٢). حدَّثناه خَلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ بن أحمدَ البغداديُّ المعروفُ بابن الحدَّادِ بمصرَ، قال: حدَّثنا زكريا بن يحيى السِّجْزيُّ، قال: حدَّثنا يوسُفُ بن سَلْمانَ، قال: حدَّثنا مروانُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بن إسحاقَ القُرَشيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بن أبي بَكْرةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "كلُّ شهرٍ حرامٍ ثلاثونَ يومًا وثلاثون ليلةً" (٣). قال أبو عُمر: الأشهرُ الحُرُمُ أربعةٌ: ذو القَعدةِ، وذو الحِجَّة، والمُحَرَّمُ، ورجبٌ. وقد حدَّثنا عبد الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا أحمدُ بن مَنيع، عن ابن أبي زائدةَ، عن عيسى بن دينارٍ، عن أبيه، عن عَمْرو بن الحارثِ بن أبي ضِرارٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: لَمَا صُمْنا معَ رسولِ الله ﷺ تسعًا وعشرينَ أكثرُ ممّا صُمْنا معَه ثلاثينَ (٥).

стр. 755

وهذا أيضًا يَدفعُ التأويلَ المذكورَ في قوله: "شَهْرا عيدٍ لا يَنقُصانِ". ويوضِّحُ لك أنَّ رمضانَ قد يكونُ تسعًا وعشرينَ، وفيما يُدرَكُ من ذلك مُعايَنةً ومشاهدةً كفايةٌ، وبالله التوفيقُ. وسيأتي ذكرُ الاختلافِ في الشهادة على رُؤيةِ هلالِ رمضانَ، وذكرُ رُؤية هلالِ رمضانَ وهلالِ الفِطْرِ في بلدٍ دونَ بَلد، في بابِ نافع إن شاء الله.

стр. 756

حديثٌ ثالثٌ لثَوْر بن زَيْد مُرْسلٌ مالكٌ (١)، عن ثورِ بن زَيْدٍ الدِّيليِّ، أنّه بلَغَه، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "أيُّما دارٍ أو أرضٍ قُسِمَت في الجاهلية، فهي على قَسْمِ الجاهليةِ، وأيُّما دارٍ أو أرضٍ أدرَكها الإسلامُ ولم تُقْسَمْ، فهي على قَسْمِ الإسلام". هكذا هذا الحديثُ في "الموطأ"، لم يتجاوَزْ به ثورَ بنَ زيدٍ أنّه بلَغَه، عندَ جماعةِ رُواةِ "الموطأ" (٢)، واللهُ أعلم. ورَوَاه إبراهيمُ بن طَهمانَ، عن مالكٍ، عن ثورِ بن زيدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ (٣). تَفرَّد به عن مالكٍ بهذا الإسناد، وهو ثِقَةٌ (٤). وقد رُوِي هذا الحديثُ مُسنَدًا من حديثِ ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ . رواه محمدُ بن مسلم الطائفيُّ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، عن أبي الشَّعثاء، عن ابن عباس (٥). ورواه ابنُ عُيَينةَ، عن عَمْرٍو، عن النبيِّ ﷺ مرسلًا (٦). أخبَرنا عُبيدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مسرورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسْكين، قال: حدَّثنا ابنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا موسى بن داودَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن

стр. 757

مُسلم الطائفيُّ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، عن أبي الشَّعْثاءِ، عن ابن عباسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "كلُّ قَسْمٍ قُسِم في الجاهليّة، فهو على قَسْمِ الجاهليةِ، وكلُّ شيءٍ أدرَكه الإسلامُ ولم يُقسَمْ، فهو على قَسْمِ الإسلام". وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: أخبَرنا محمدُ بن يحيى (١) بن عُمرَ بن عليِّ بن حَرْبٍ، قال: أخبرنا عليُّ بن حربٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، قال: قال النبيُّ ﷺ : "أيُّما ميراثٍ من مِيراثِ الجاهليّةِ اقْتُسِم في الجاهليّة، فهو على قَسْمِ الجاهليّةِ، وما أدركَ الإسلامُ، فهو على قَسْمِ الإسلام" (٢). أخبَرنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبد الرحيم، قال: حدَّثنا موسى بن داودَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُسلم الطائفيُّ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، عن أبي الشَّعْثاءِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "كلُّ قَسْمٍ قُسِم في الجاهليّة، فهو على ما قُسِم، وكلُّ قَسْمٍ أدرَكَه الإسلامُ ولم يُقْسَمْ، فهو على قَسْمِ الإسلام". قال أبو عُمر: قال المُزَنيُّ: سألت الشافعيَّ عن أهلِ دارِ الحربِ يقتَسِمُون ميراثًا من العَقارِ وغيرِه، وَيمْلِكُ بعضُهم على بعضٍ بذلك القَسْمِ، ثم يُسْلِمُونَ، فيريدُ بعضُهم أنْ يَنقُضَ ذلك القَسْمَ، ويَقْسِمَ على قَسْم الإسلام. فقال: ليسَ ذلك له. فقلتُ له: وما الحُجَّةُ في ذلك؟ فقال: الاستدلالُ بمعنى الإجماعِ والسُّنة. قلتُ: وأين ذلك؟ فذكَر حديثَ مالكٍ، عن ثورِ بن زيدٍ هذا. قال: ونحن نَروِيه مُتَّصِلًا ثابتًا بهذا المعنَى. قال: وأمّا الإجماعُ، فإنّ أهلَ دارِ الحربِ إذا سَبَى بعضُهم بعضًا، وغَصَبَ بعضُهم بعضًا (٣)، وقتل بعضهم بعضًا ثم أسلَموا، أُهدِرتِ

стр. 758

الدِّماءُ، ومَلَك كلُّ واحدٍ منهم ما كان قد ملكه قبلَ الإسلام من الرَّقيقِ الذين استرَقَّهم، وسائرِ الأموال، فما ملَكوه بالقَسْمِ في الجاهليّة أحقُّ وأولَى أن يَثْبُتَ من مِلْكِ الغَصْبِ والاسْتِرْقاقِ لمن كان حُرًّا (١). وقال ابنُ وَهْبٍ: سألتُ مالكًا عن تفسيرِ حديثِ النبيِّ ﷺ : "أيُّما دارٍ أو أرضٍ قُسِمت في الجاهليّةِ، فهي على قَسْمِ الجاهليّةِ". فقال لي: هو كذلك، أيُّما دارٍ في الجاهليّةِ قُسِمت، ثم أسلَم أهلُها، فهم على قِسمَتِهم يومئذٍ، وأيُّما دارٍ في الجاهليّة لم تَزَلْ بأيدي أصحابها لم يَقتَسِموها حتى كان الإسلامُ، فاقتسَموها في الإسلام، فهو على قَسْم الإسلام. فقلتُ لمالكٍ: أرأيتَ النصرانيَّ يموتُ ويترُكُ ولدًا نصرانيًّا، ثم يموتُ، فيُسْلِمُ بعضُ ولَدِه قبلَ قَسْمِ ميراثِهم. فقال مالكٌ: ليس هذا من هذا في شيء، إنّما يَقْسِمُ هؤلاء، مَن أسْلَم منهم ومَن لم يُسلِمْ، على حالِ قَسْمِهم يومَ مات أبوهم (٢). وقال إسماعيلُ بن إسحاقَ في كتاب "الفرائض" له: معنى هذا الحديث، واللهُ أعلم، أنّ أهلَ الجاهليّةِ كانوا يَقتَسِمون المواريثَ على خِلافِ فرائضِنا، فإذا اقتسَموا ميراثًا في الجاهليّةِ، ثم أسلَموا بعدَ ذلك، فهم على ما أسلَمُوا عليه، كما يُسْلِمُ على ما صار في يدِ كُلِّ واحدٍ منهم وحازَه من الغُصوبِ والدِّماء وغير ذلك، فكذلك كلُّ ما اقتسَموا من المواريثِ، فإذا أسلَموا قبلَ أن يُبرِمُوا في ذلك شيئًا، عَمِلوا فيه بأحكامِ المسلمين. وأمّا مواريثُ أهل الإسلام فقد استقرَّ حُكمُها يومَ مات الميِّتُ، قُسِمت أو لم تُقسَمُ، وهم فيها ما (٣) لم تُقْسَم على حسَبِ شَرِكَتِهم وعلى قَدْرِ سِهامِهم.

стр. 759

قال إسماعيلُ: وأحسَبُ أهلَ الجاهليّةِ لم يكونوا يُعطُون الزوجةَ ما نُعطِيها، ولا يُعطُونَ البناتِ ما نُعطِيهنَّ، وربَّما لم تكنْ لهم مواريثُ معلومةٌ يعمَلُون عليها. قال: وقد حدَّثنا أبو ثابتٍ، عن ابن القاسمِ، قال: سألْنا مالكًا عن الحديثِ الذي جاء: "أيُّما دارٍ قُسِمت في الجاهليّة، فهي على قَسْمِ الجاهليّةِ، وأيُّما دارٍ أدرَكها الإسلامُ ولم تُقسَمْ، فهي على قَسْمِ الإسلام". فقال مالكٌ: الحديثُ لغيرِ أهلِ الكتاب، وأمّا النصارى واليهودُ فهم على مَوارِيثِهم، لا يَنقُلُ الإسلامُ مَواريثَهم التي كانوا عليها (١). قال إسماعيلُ: قولُ مالكٍ هذا على أنّ النصارَى واليهودَ لهم مَواريثُ قد تراضَوْا عليها وإن كانت ظُلْمًا، فإذا أسلَموا على ميراثٍ قد مَضَى، فهم كما لو اصطَلَحوا عليه، ثم يكونُ ما يَحدُثُ من مَواريثهم بعدَ الإسلامِ على حُكْمِ الإسلام. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ بن كامل، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحجَّاج، قال: حدَّثنا زيدُ بن البشرِ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: سمِعتُ الليثَ يقولُ في قولِ النبيِّ ﷺ : "ما كان على قَسْم الجاهليّةِ، فهو على قَسْمِ الجاهليّة (٢)، وما كان من قَسْمٍ أدرَكه الإسلامُ قبل أن يُقْسَمَ، فهو على قَسْمِ الإسلام"، أنّ ذلك يكونُ أبدًا في الإسلام، فلو أنّ نصرانيًّا هَلَك وترَك ولَدًا له نصرانيًّا، ثم أسلَموا جميعًا قبلَ القَسْم، قُسِم بينَهم الميراثُ على قَسْم مَواريث المُسلمين، ولو أنَّهم اقتَسَموا قبلَ أن يُسْلِموا لكانت مَوارِيثُهم على قَسْمِ الجاهليّة. قال: وإن أسلَمَ بعضُهم ولم يُسلِمْ بعضٌ، فإنَّ القَسْمَ بينهم على قَسْمِ الجاهليّة؛ لأنّهم إنّما وَرِثوه يومَ مات وهم على دينِهم.

стр. 760

قال أبو عُمر: اختلَف أصحابُ مالكٍ في معنى هذا الحديث، فروَى ابنُ القاسم، عن مالكٍ أنّه قال: إنّما ذلك في مُشرِكي العربِ والمجوسِ فقط، وأما اليهودُ والنَّصارى فهم على قِسْمَتِهم (١). قال أبو عُمر: فالوثنِيُّ والمجوسيُّ ومَن لا كتابَ له عندَه في هذه الروايةِ إذا ماتَ وله وَرَثَةٌ على دينِه فلم يَقتَسِموا ميراثَه حتى أسلَموا، اقتَسَموه على شريعةِ الإسلام؛ لأنّهم في وقتِ القِسمَةِ مسلمون، ولا كتابَ لهم فيَقتَسِمون ما وجَب لهم من ميراثِهم عليه. وأمّا الكِتابيُّ على هذه الرِّوايةِ إذا مات وله وَرَثةٌ على دينِه، فلم يَقتَسِموا ميراثَه حتى أسلَموا، فإنّهم يَقتَسِمونَه على حسَبِ ما وجَب لكلِّ واحدٍ منهم في دينِه وشَريعَتِه في حين موتِ مَوْرُوثِهم؛ لأنّ الميراثَ حينَئذٍ وجَب، واستَحَقَّ كلُّ واحدٍ منهم ما استَحَقَّه بموتِ مَوْرُوثِه، لا يُزَاحُ أحَدٌ منهم عمّا استحَقَّه في دينِه الذي قد أقرَرناه عليه. وروَى ابنُ نافع، وأشهبُ، وعبدُ الملكِ بن عبد العزيز، ومُطَرِّفٌ، عن مالكٍ، أنّ ذلك في الكفار كلِّهم: المجوسِ، ومُشركي العرب، وأهل الكتاب، وجميعِ أهلِ المِلل. وهذا أولَى؛ لما فيه من استعمالِ الحديث على عُمومِه في أهل الجاهليّة، ولأنّ الكُفرَ لا تَفتَرِقُ أحكامُه لاختِلافِ أديانِه، ألَا ترَى أنّ مَن أسلَم من جميعِهم أُقِرَّ على نِكاحِه ولَحِقه وَلدُه؟ وعند مالكٍ وجميع أصحابِه أنَّ أهلَ الكُفرِ كلَّهم سواءٌ، مجوسًا كانوا أو كتابيِّينَ، في مُقاتَلتِهم، وضَربِ الجزيةِ عليهم، وقَبولِها منهم، وإقرارِهم على دينِهم، وقد جمَعهم الله في الوَعيدِ والتَّخليدِ في النار، وشَمِلهم اسمُ الكُفرِ، فلا يُفرَّقُ بينَ شيءٍ من أحكامِهم إلّا

стр. 761

ما قام الدليلُ عليه، فيكونُ مخصوصًا بذلك الدليل الذي خَصَّه كأكْلِ ذبائِح الكتابيِّين ومُناكَحَتِهم دونَ سائرِ أهلِ الكُفر بما نصَّ عليه من ذلك، ومُحالٌ أن يكونوا جماعةً مؤمنين كلَّهم يَقتَسِمونَ ميراثَهم على شَريعةِ الطَّاغُوت ومنهاجِ الكُفْر. وهذا قولُ ابنِ شهابٍ، وجماعةِ أهلِ الحجاز، وجمهورِ أهل العلمِ والحديث. وكلُّ مَن قال بهذا الحديث لم يُفَرِّقْ بين الكِتابيِّينَ وغيرهم إلّا ما ذكرنا. وقد أبَي قومٌ من القولِ به، والحُجَّةُ تَلْزمُهم به؛ لأنّه حديثٌ قد وصَلَه مَن ليسَ به بأسٌ، وهو معمولٌ به عند أهلِ المدينة ومكةَ. وقد روَى أصبغُ، عن ابن القاسِم (١)، أنّه سُئِل عن قولِ رسولِ الله ﷺ : "أيُّما دارٍ قُسِمَت في الجاهليّة، فهي على قَسْمِ الجاهليّة، وأيُّما دارٍ أدرَكها الإسلامُ ولم تُقْسَم، فهي على قَسْمِ الإسلام". قلتُ: أيريدُ بهذا مُشرِكي العرب، أم يكونُ في اليهودِ والنصارى؟ فقال: تفسيرُه عندي أنّ كلَّ وَرَثَةٍ وَرِثُوا دارًا على مجوسيّةٍ، أو يهوديّةٍ، أو نَصرانيّةٍ، فلم يَقْسِموا حتى أسلَموا، فإنّ موارِيثَهم تَرجِعُ في قَسْم الدَّار على سُنَّةِ فرائضِ الإسلام، وإن كانوا قد اقتَسموا وهم على يهوديَّتهم أو مجوسيَّتِهم، مضَى ذلك القَسْمِ ولم يُعَدْ بينَهم؛ اتِّباعًا للحديثِ وأخذًا به. قلتُ له: فإن أسلَم بعضُهم قبلَ أن يقْتَسِموا، فدَعَا مَن أسلَم منهم إلى أن يَقْتَسِموا على فرائضِ الإسلام، ودَعا مَن لم يُسْلِمْ منهم إلى التَّمسُّكِ بفرائضِ أهلِ دينِهم، كيف الحُكمُ بينَهم؟ فقال: يُقَرُّونَ على قَسْمِ أهلِ دينِهم ما بَقِي منهم واحدٌ لم يُسلِمْ، ولا يُجبَرون على غيرِ ذلك إلّا أن يَتراضَوْا على حُكْمٍ من حُكامِ المسلمين، فيحكُمَ بينَهم بكتابِ الله. هكذا ذَكَره، ورَواه مَطْروحُ بن محمدِ بن شاكرٍ، عن أصبغَ.

стр. 762

وروَى ابنُ وَهْبٍ، قال: قلتُ لمالكٍ: النَّصْرانيُّ يموتُ وله وَلَدٌ نَصارَى، فيُسلِمُ بعضُ ولَدِه بعدَ موتِه قبلَ قَسْمِ الميراث. فقال: مَن أسلَم منهم ومَن لم يُسلِمْ على حالٍ واحدةٍ في قِسْمَتِهم يومَ مات أبوهم؛ إن كان للذكرِ في قِسمَتِهم مثلُ حظِّ الأنثى (١)، لم يكنْ لمن أسلَم إلّا ذلك، إنّما يَقْسِمون على قَسْمِ النصرانية، وإن كان قد أسلَم بعضُهم فلا يُقسَمُ لمن أسلَم منهم إلّا ما وجَب له قبلَ أن يُسلِمَ يومَ مات أبوه. قال: وقال مالكٌ في النصرانيِّ يموتُ وله أولادٌ مسلمون ونصارى، فيُسلِمُ النصرانيُّ منهم قبلَ قَسْمِ الميراث، فقال: إنّما يكونُ ميراثُه لمن كان على دينِه يومَ مات، وليس لمن كان مُسلمًا قبلَ موتِه شيءٌ، ولو أسلَم النصرانيُّ وله أولادٌ مسلمونَ ونصارى، ثم مات، فأسلَم ولَدُه النصارى بعدَ موتِه قبلَ القَسْم، لم يكنْ لهم من ميراثِه شيءٌ. فقلتُ لمالكٍ: والعَتَاقَةُ كذلك؟ فقال: نعم، مَن أُعتِق بعدَ الموتِ فلا شيءَ له وإن كان قبلَ القَسْم (٢). قال أبو عُمر: بهذا قال الشافعيُّ وجُمهورُ أهلِ العلم. ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ بن أبي طالبٍ، وسعيدِ بن المسيِّب، وإبراهيمَ النَّخَعيِّ، وسُليمانَ بن يسارٍ، والزُّهريِّ، كلُّهم يقول: مَن أسلَم أو أُعتِق بعدَ الموت، فلا ميراثَ له ولا قَسْمَ؛ لأنّ الميراثَ قد وجَب في حين الموتِ لمن وجَب من عَصَبَةٍ، أو بيتِ مالِ المسلمينِ، أو سائرِ وَرَثتِه، وهو قولُ الكوفيِّين، والحجازيِّين، وجمهورُ العلماء، أنّ الميراثّ إنّما يقّعُ ويجبُ بموتِ المورُوثِ في حين موتِه، كالرجل المُسلمِ يموتُ وله أولادٌ نصارَى، ثم يسلِمونَ بعدُ فلا حَقَّ لهم في ميراثِه، وقد وجَب بموتِه لوارثٍ مسلمٍ إن كان له غيرُهم، وإلّا فلبيتِ مالِ المسلمين، إلّا ما رُوِي عن أبي الشَّعْثاءِ جابرِ بن زيد البصريِّ، وطائفةٍ من فقهاءِ التابعين بالبصرةِ خاصَّةً، فإن

стр. 763

ابن أبي عُمرَ ذكَر عن ابن عُيينةَ، قال: حدَّثنا عَمْرُو بن دينارٍ، قال: سمِعتُ أبا الشَّعثاءِ يقولُ: إذا مات الرجلُ وترَك ابنًا له مملوكًا فأُعتِقَ، أو نصرانيًّا فأسلَمَ، من قبلِ أن يُقتَسمَ ميراثُه، ورِثه (١). قال سفيانُ: سمعتُ عمرَو بن دينارٍ يقولُ: أظُنُّ أبا الشَّعثاءِ أخَذه من قولِ رسول الله ﷺ : "أيُّما ميراثٍ من ميراثِ الجاهليةِ اقتُسِمَ في الجاهلية، فهو على قَسْمِ الجاهليّة، وما أدرَكَ الإسلامُ، فهو على قَسْمِ الإسلام" (٢). قال سفيانُ بن عيينة: حدَّثنا داودُ بن أبي هندٍ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ المسيِّب عن الميراثَ إذا أسلَم أو أُعتِقَ الوارثُ بعدَ الموت، فقال سعيدٌ: يُرَدُّ الميراثُ إلى أهله. يقولُ: لا يرثُ وإن أعْتِقَ قبلَ أن يُقسَمَ الميراثُ لأنّ أباه مات وهو عبدٌ مملوكٌ (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ قِراءةً منِّي عليه، أنّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبد السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرّحمن بن مهديِّ، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: سألتُ الحكَمَ وحمادًا عن رجلٍ أسلَم على ميراثٍ، فقالا: ليس له شيءٌ (٤). وذكَر عبدُ الرَّزاق (٥)، عن ابن جريج، عن عطاءٍ وابن أبي ليلى: إن مات مُسلمٌ وله وَلَدٌ نَصارَى، ثم أسلَموا ولم يُقسَمْ ميراثُه حتى أسلَموا، فلا حقَّ لهم، وقعَتِ المواريثُ قبلَ أن يُسلِموا. قال (٦): وأخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ سمِعه يقولُ: إذا وَقَعتِ المواريثُ، فمَن أسلَمَ على ميراثٍ فلا شيءَ له.

стр. 764

ومن حديثِ شعبةَ، قال: أخبَرني حُصَيْنٌ، قال: رأيتُ شيخًا يَتوكَّأُ على عَصًا، فقيل لي: هذا وارثُ صفيةَ بنتِ حُيَيِّ بن أخطبَ، أسلَمَ على ميراثِها بعدَ موتِها قبلَ أن يُقْسَمَ فلم يُورَّثْ (١). قال أبو عُمر: على هذا مذهَبُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، والثوريِّ، والأوزاعيِّ، والليثِ، ومَن قال بقولِهم. وقد جاءَ عن عمرَ وعثمانَ ﵄ في هذا الباب شيءٌ مُوافِقٌ لقولِ أبي الشعثاء، ليس عليه العملُ عندَ الفقهاء فيما عَلِمتُ، وهو حديثٌ حدَّثناه أحمدُ بن فتح، قال: حدَّثنا ابنُ أبي رافع، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا حجَّاجٌ، قال: حدَّثنا حمادُ بن زيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن حسَّانَ بن بلالٍ المُزنيِّ، عن يزيدَ بن قتادةَ، أنَّ إنسانًا مات من أهلِه وهو على غيرِ دينِ الإسلام، قال: فورِثَته ابنتُه دوني، وكانت على دينِه، ثم إنّ جَدِّي أسلَم وشَهِد مع رسول الله ﷺ حُنَينًا، فتُوفِّي وترك نَخْلًا فأسلَمْت، فخاصَمتني في الميراثِ إلى عثمانَ بن عفانَ، فحدَّث عبد الله بن الأرقَم أنّ عُمرَ قضَى أنّه مَن أسلَم على ميراثٍ قبلَ أن يُقسَمَ، فإنّه يُصيبُه. فقضَى له عثمانُ، فذَهَبَت بالأُولى، وشارَكَتْني في الآخِرَة (٢). قال إسماعيلُ: هذا حُكمٌ لا يُحتمَلُ فيه على مثل حسّانَ بن بلالٍ ويزيدَ بن قتادةَ؛ لأنّ فقهاءَ الأمصارِ من أهلِ المدينةِ والكوفةِ على خلافِه، ولأنّ ظاهرَ القرآنِ يدُلُّ على أن الميراثَ يجبُ لأهلِه في حين موتِ الميت. قال أبو عُمر: كان عثمانُ ﵀ يقولُ في هذا الباب بما عليه الفقهاءُ اليومَ حتى حدَّثه عبدُ الله بن أرقمَ، عن عمرَ بن الخطاب، أنّه وَرَّث قومًا أسلَموا

стр. 765

قبلَ قَسْمِ الميراثِ وبعدَ موتِ الموروث، فرجَع إلى هذا القول، وقال به، وتابَعه على ذلك ثلاثةٌ من فقهاءِ التابعين بالبصرة؛ وهم: الحسنُ، وجابرُ بن زيدٍ، وقتادةُ. وقال الحسنُ: فإن قُسِم بعضُ الميراثِ ثم أسلَم، وَرِث ممّا لم يُقْسَمْ ولم يَرِثْ ممّا قُسِمَ. وحُجَّةُ مَن قال هذا القولَ حديثُ هذا الباب. وقد رَواه سعيدُ بن أبي عروبةَ، عن قتادةَ، عن حسَّانَ بن بلالٍ، عن يزيدَ بن قتادةَ العَنَزيِّ (١)، عن عبد الله بن الأرقَم كاتب عمرَ أنّ عمرَ بن الخطاب قال: مَن أسلم على ميراثٍ قبلَ أن يُقْسَمَ، صار الميراثُ له بإسلامِه واجبًا. وروَى عبدُ الوارث، عن كثيرِ بن شِنْظيرٍ، عن عطاءٍ، أنّ رجلًا أسلَم على ميراثٍ على عهدِ النبيِّ ﵇، قبلَ أن يُقْسَمَ، فأعطاه رسولُ الله ﷺ نَصيبَه منه. وروَى يزيدُ بن زُريع، عن خالدٍ الحذَّاء، عن أبي قلابةَ، عن يزيدَ بن قتادةَ، قال: تُوفِّيت أُمُّنا مُسْلِمةً ولي إخوَةٌ نَصارى، فأسلَموا قبلَ أن يُقسَمَ الميراثُ، فدخَلنا على عثمانَ، فسأل: كيف قَضَى في ذلك عمرُ؟ فأُخْبِر، فأشْرَك بينَنا (٢). وروَى وُهَيبٌ، عن يونسَ، عن الحسن، قال: مَن أسلَم على ميراثٍ قبلَ أن يُقْتسَم، فهو أحَقُّ به (٣). قال أبو عُمر: حُكمُ مَن أُعتق عندهم قبلَ القَسْمِ كحُكْمِ من أسلَمَ، واختُلِفَ في ذلك عن الحسن (٤)؛ فقال مرّةً: هو بمنزلةِ مَن أسلَم. وقال مرةً أُخرى: مَن

стр. 766

أسلَم وَرِث، ومَن أُعتِق لم يَرِثْ؛ لأنّ الحديثَ إنّما جاء فيمَن أدرَك الإسلامُ. وهو قولُ إياس بن معاويةَ، وحُميدٍ. وروَى أبو زُرعةَ الرَّازيُّ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن حُميدٍ، عن الحسن، قال: العبدُ إذا أُعتِق على ميراثٍ قبلَ أن يُقسَمَ، فهو أحقُّ به. وبه قال أبو زُرعة فيمَن أسلَم على ميراثٍ قبلَ أن يُقسَمَ، أنّه له. وخالَفه أبو حاتمٍ، فقال: ليس له من الميراثِ شيءٌ. وروَى أبو نعيمٍ، عن محمدِ بن راشدٍ، عن مكحولٍ في المملوكِ يموتُ ذو قَرابتِه، ثم يُعْتَقُ قبلَ أن يُقسَمَ الميراثُ، فإنّه يرِثُه. وروَى ابنُ أبي شيبةَ (١)، عن عبدِ الأعلى، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، في العبدِ يُعْتَقُ على الميراثِ، قال ليس له شيءٌ. وروَى حمّادُ بن سلَمة، عن حُميدٍ، قال: كان إياسُ بن معاويةَ يقولُ: أمّا النّصرانيُّ يُسلِمُ فنعم، وأمّا العبدُ يُعْتَقُ فلا. قال: وبه قال حميدٌ فيمَن أُعتِق أو أسلَم على ميراثٍ قبلَ أن يُقسَمَ. يعني أنّه فَرَّق بينَ العِتْقِ والإسلامِ في ذلك. قال أبو عُمر: لا حُجَّةَ في هذا الحديثِ لمن قال بقولِ جابرِ بن زيدٍ؛ لأنّه إنّما ورَد في كيفيّة قِسْمَةِ مَن أسلَم على ميراثٍ، لا في تَوْريثِ مَن لا يجبُ له ميراثٌ، وقد قال ﷺ : "لا يرِثُ المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ" وعلى هذا الحديثِ العملُ عندَ جماعةِ الفقهاءِ بالحجاز، والعراق، والشّام، والمغرب. وسيأتي ذِكرُ هذا الحديث في باب ابن شهابٍ، عن عليِّ بن حسينٍ من هذا الكتاب إن شاء الله. وذكَر إسماعيلُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن المِنْهال، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن أبي مَعْشرٍ، عن إبراهيمَ، قال: مَن أسلَم على ميراثٍ قبلَ

стр. 767

أن يُقسَمَ، أو أُعتِقَ على ميراثٍ قبلَ أن يُقسَمَ، فليس لواحدٍ منهما شيءٌ، وجَبتِ الحقوقُ لأهلِها حيثُ مات (١). قال: وحدَّثنا حجَّاجُ بن منهالٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُريعٍ، قال: حدَّثنا داودُ، عن سعيدِ بن المسيِّبِ، قال: إذا مات الميِّتُ يُرَدُّ الميراثُ لأهلِه (٢). قال أبو عُمر: وحُكمُ العَينِ والمتاع وسائرِ الأموالِ حُكمُ العَقارِ المذكورِ في حديثِ مالكٍ؛ الدارِ والأرضِ؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ قال في غيرِ حديثِ مالكٍ ممّا قد ذكَرناه في هذا الباب: "وأيُّما شيء"، و: "أيُّما ميراثٍ من ميراثِ الجاهليّة". وذلك عامٌّ في كلِّ ما وقَع عليه اسمُ شيءٍ واسمُ ميراثٍ، وهذا لا خِلافَ فيه بينَ العلماء، فأغنَى ذلك عن الكلام فيه (٣).

стр. 768

حديثٌ رابعٌ لثَوْر بن زَيْد مُرْسلٌ شَرِكهُ فيه حُميد بن قيس مالكٌ (١)، عن حُميدِ بن قَيْسٍ وثَوْرِ بن زَيْدٍ، أنّهما أخبَراه عن رسولِ الله ﷺ وأحدُهما يزيدُ في الحديث على صاحبه، أنّ رسولَ الله ﷺ رأى رَجُلًا قائمًا في الشَّمْسِ (٢)، فقال: "ما بالُ هذا؟ ". قالوا: نذَر ألّا يتكلَّمَ، ولا يستظِلَّ، ولا يجلِسَ، ويصومَ. فقال رسولُ الله ﷺ : "مُرُوه فليتكلَّمْ وليستظِلَّ، وليجلِسْ وليُتمَّ صيامَه". قال مالكٌ: ولم أسمَعْ أنّ رسولَ الله ﷺ أمَرَه بكفّارةٍ، وقد أمَره أنْ يُتمَّ ما كان لله طاعةً، وأنْ يترُكَ ما كان لله معصيةً. قال أبو عُمر: هذا الحديثُ يتَّصلُ عن النبيِّ ﷺ من وُجوه؛ منها حديث جابرٍ وابن عباسٍ، ومن حديث قيس بن أبي حازمٍ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ ، ومن حديثِ طاوسٍ، عن أبي إسرائيلَ رجل من أصحاب النبيِّ ﵇ (٣). وأظنُّ، والله أعلمُ، أنّ حديثَ جابرٍ هو هذا؛ لأنّ مجاهدًا رواه عن جابرٍ، وحميدُ بن قيسٍ صاحبُ مجاهدٍ.

стр. 769

وفيه دليلٌ على أنَّ السُّكوتَ عن المُباحِ، أو عن ذكرِ الله، ليس من طاعةِ الله، وكذلك الجلوسُ للشمسِ، وفي معناه كلُّ ما يتأذَّى به الإنسانُ ممّا لا طاعةَ فيه بنصِّ كتابِ أو سُنَّةٍ، وكذلك الحفاءُ وغيرُه ممّا لم تردِ الشريعةُ بعملِه، لا طاعةَ لله فيه ولا قُربةَ، وإنّما الطاعةُ ما أمَر الله به ورسولُه بالتقرُّبِ بعملِه إلى الله تباركَ اسمُه. وقد جاءَ عن مالكٍ في هذا الباب مسألةٌ ذكَرَها في "مُوطَّئِه" (١)، في الرجل يقولُ للرجل: أنا أحمِلُكَ إلى بيتِ الله. قال: إن نوَى أنْ يحمِلَه على رقبتِه، يريدُ بذلك المشقَّةَ، فليس ذلك عليه، وليمشِ على رجليْهِ وليُهدِ، وإن لم يكنْ نوَى شيئًا من ذلك، فليحُجَّ وليركَبْ، وليحُجَّ به معه إنْ أطاعَه، وأن أبَى فلا شيءَ عليه. وقد أنكَر قومٌ على مالكٍ إيجابَ الهَدْيِ في هذه المسألةِ على الذي نوَى أنْ يحمِلَه على رقبتِه، وقالوا: ليس هذا أصلَه فيمَن ترَك الوفاءَ بما لا طاعةَ فيه من نذرِه أن يُكفِّرَ بهَدْيٍ أو غيرِه؛ لأنّ حملَه على رقبتِه ليس لله فيه طاعة، وهو يُشبِهُ نذرَ الذي نذَر أن لا يتكلَّمَ ولا يستظلَّ، وقد سُئلَ إسماعيلُ القاضي عن هذا فقال: لو قدَرَ أنْ يحمِلَه لكان طاعةً. قال: ومن هنا وجَب عليه الهَدْيُ عندَ مالكٍ، ولم يجعَلْه كالمستظلِّ والمتكلِّمِ بعدَ نذرِه ألا يستظلَّ ولا يتكلَّمَ. قال أبو عُمر: أصلُ مالكٍ الذي لم يُخالفْه فيه أحدُ من أصحابِه، أنّ مَن نذَر ما فيه لله طاعةٌ بما لا طاعةَ فيه، لزِمَه الوفاءُ بما فيه طاعةٌ وتركُ ما سواه، ولا شيءَ عليه لتركِه، وذلك كمن نذَر أنْ يمشِيَ إلى بيتِ المقدسِ للصلاةِ فيه، فينبغي له أن يقصِدَ بيتَ المقدِس؛ لِما في ذلك من الطاعةِ، وليسَ عليه قصدُه ماشيًا، إذ المشيُ لا طاعةَ فيه، ولا هَدْيَ عليه، وهذا يقضي على المسألة الأولى، ويقضي على أنّ مَن نذَرَ المشيَ إلى الكعبةِ حافيًا، أنّه ينتعِلُ، ولا شيءَ عليه، وإن كان مالكٌ في هذه كان يستحسِنُ الهَدْيَ أيضًا، وليس بشيءٍ.

стр. 770

حدَّثني أحمدُ بن محمد بن أحمدَ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن الفضل الخفَّاف، قال: حدَّثنا محمدُ بن جرير، قال: حدَّثنا محمدُ بن حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بن الفضلِ، عن ابن إسحاقَ، عن أبانِ بن صالحٍ، عن مجاهدٍ، عن جابر بن عبد الله، قال: كان أبو إسرائيلَ رجلًا من بني فِهْرٍ، فنذَرَ لَيقومَنَّ في الشمسِ حتى يُصلِّيَ النبيُّ ﷺ الجُمُعة، ولَيصومَنَّ ذلك اليومَ، فرآه النبيُّ ﷺ فقال: "ما شأنُه؟ ". فأخبَرُوه خبرَه، فأمَره أنْ يجلِسَ، ويستظلَّ، ويصومَ، ولم يأمُرْه بكفَّارةٍ (١). وهذا الحديثُ يدُلُّ على أنّ كلَّ ما ليس لله بطاعةٍ حُكمُه حُكمُ المعصيةِ في أنّه لا يلزَمُ الوفاءُ ولا الكفَّارةُ عنه. فإنْ ظنَّ ظانٌّ أنّ إيجابَ الكفَّارة بالهدي أو غيرِه احتياطٌ، قيل له: لا مدخَلَ للاحتياطِ في إيجابِ شيءٍ لم يُوجِبْه الله في ذمَّةٍ بريئةٍ، بل الاحتياطُ الكفُّ عن إيجابِ ما لم يأذنِ الله بإيجابِه. وفي هذا الحديث أيضًا دليلٌ على فسادِ قول مَن قال: إنّ مَن نذرَ معصيةً كان عليه مع تركِها كفَّارةُ يمينٍ. فإن احتجَّ مُحتجٌ بحديثِ عمرانَ بن حصين، وحديثِ أبي هريرةَ، جميعًا عن النبيِّ ﷺ ، أنّه قال: "لا نذرَ في معصيةِ الله، وكفارتُه كفَّارةُ يمين". قيل له: هذان حديثان مُضطربان لا أصلَ لهما عندَ أهل الحديث؛ لأنّ حديثَ أبي هريرة إنّما يدورُ على سُليمانَ بن أرقمَ، وسليمانُ بن أرقمَ متروكُ الحديث، وحديثَ عِمْرانَ بن حُصينٍ يدورُ على زُهيرِ بن محمدٍ، عن أبيه، وأبوه مجهولٌ لم يروِ عنه غيرُ ابنِه زُهيرٍ، وزهيرٌ أيضًا عندَه مناكيرُ. وقد بيَّنّا العلَّةَ في هذين الحديثين في باب طلحةَ بن عبد الملك من كتابَنا هذا.

стр. 771

ويدُلُّ هذا الحديثُ أيضًا على صحَّة قول مَن ذهَب إلى أن مَن نذَر أن ينحَرَ ابنَه، أنّه لا شيءَ عليه من كفارةٍ ولا غيرِها. وقد قاله مالكٌ على اختلافٍ عنه، وهو الصحيحُ إن شاء الله؛ لأنّه لا معصيةَ أعظمُ من إراقةِ دم امرئ مسلمٍ بغيرِ حقٍّ، ولا معنَى لإيجابِ كفَّارة يمينٍ على مَن نذَرَ ذلك، ولا للاعتبارِ في ذلك بكفارةِ الظِّهارِ في قول المنكَرِ والزُّور؛ لأنّ الظِّهارَ ليس بنذرٍ، والنذرُ في المعصيةِ قد جاء فيه نصٌّ عن النبيِّ ﷺ قولًا وعملًا؛ فأمّا العملُ فهو ما في حديثِ (١) جابرٍ هذا، وأمّا القولُ فحديثُ عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "مَن نذَر أن يُطيعَ اللهَ فليُطعْه ومَن نذَر أن يعصيَ اللهَ فلا يعصِه". وقد ذكرناهُ في كتابِنا هذا في باب طلحةَ بن عبد الملك. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ الجُهَنيُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن السَّكن، قال: حدَّثنا محمدُ بن يوسفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ البخاريُّ، قال (٢): حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا وُهيبٌ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قال: بَيْنا النبيُّ ﷺ يخطُبُ إذا هو برجلٍ قائم، فسأَل عنه، فقالوا: يا رسول الله، أبو إسرائيلَ نذَرَ أن يقومَ ولا يقعُدَ، ولا يستظِلَّ، ولا يتكلَّمَ، ويصومَ. فقال النبيُّ ﷺ : "مروه فليتكلَّمْ، وليستظلَّ، وليقعُدْ، وليُتمَّ صومَه". قال البخاريُّ: وقال عبدُ الوهاب: حدَّثنا أيُّوبُ، عن عكرمةَ، عن النبيِّ ﷺ . قال أبو عُمر: سيأتي في باب طلحةَ بن عبد الملكَ ما ينضافُ إلى هذا الباب ويليقُ به، إن شاء الله.

стр. 772

باب الجيم جعفر بن محمد بن عليّ بن حُسين بن عليّ بن أبي طالب (١) ﵃ يُكْنَى أبا عبد الله، وأمُّه فَرْوة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدِّيق، وهو جعفر المعروف بالصادق، وكان ثقةً مأمونًا عاقلًا حكيمًا ورعًا فاضلًا، وإليه تُنْسب الجَعْفرية، وتدعيه من الشيعةِ الإماميةُ، وتكذِب عليه الشيعةُ كثيرًا، ولم يكن بذاك في الحفظ؛ ذكر ابنُ عيينة أنّه كان في حفظه شيء. توفي بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومئة، في خلافة أبي جعفر؛ هذا قول الواقدي والمدائني (٢). وروى علي بن الجَعْد عن زُهير بن محمد، قال: قال أبي لجعفر بن محمد: إن لي جارًا يزعم أنك تتبرأ من أبي بكر وعُمر. فقال: برئ الله من جارك، والله إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر، ولقد اشتكيتُ شكاة فأوصيت إلى خالي عبد الرحمن بن القاسم. ومن كلامه، وكان أكثرُ كلامِه حكمة: أوفرُ الناس عَقْلًا أقلهم نسيانًا لأمر آخرته. وهو القائل: أسرع الأشياء انقطاعًا مودةُ الفاسق. وذكر مُصعب الزُّبيري، عن مالك ﵀، قال: اختلفتُ إلى جعفر بن محمد زمانًا، وما كنتُ أراه إلّا على ثلاث خصال؛ إما مُصَلٍّ، وإما صائم، وإما يقرأ القرآن، وما رأيته يحدِّث عن رسول الله ﷺ إلّا على طَهَارة، وكان لا يتكلم

стр. 773

فيما لا يعنيه، وكان من العلماء العُباد الزهاد الذين يَخْشونَ اللهَ، ولقد حججتُ معه سنةً، فلما أتى الشَّجَرة أحرم، فكلما أراد أن يهل كادَ يُغْشَى عليه، فقلت له: لا بُد لك من ذلك - وكان يُكْرمني وينبسط إليَّ - فقال: يا ابن أبي عامر، إني أخشَى أن أقول: لبيكَ اللهُمَّ لبيك، فيقول: لا لبيك ولا سعديك. قال مالك: ولقد أحرم جده عليُّ بنُ حُسين، فلما أرادَ أن يقول: لبيك اللهم لبيك، أو قالها، غُشِيَ عليه وسقطَ من ناقته، فهشم وجهه، ﵃ أجمعين. قال أبو عُمر: لمالك عن جعفر بن محمد في "الموطأ" من حديثِ النَّبي ﷺ تسعة أحاديث، منها خمسةٌ مُتصلة، أصلُها حديثٌ واحد؛ وهو حديثُ جابر الحديثُ الطويلُ في الحج، والأربعةُ مُنْقطعة تتصلُ من غيرِ رواية مالك من وجوه.

стр. 774

حديث أول لجعفر بن محمد مالكٌ (١)، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرِ بن عبد الله، أنّه قال: "رأيتُ رسولَ الله ﷺ رَمَلَ من الحَجَرِ الأسودِ حتى انتهَى إليه ثلاثةَ أشواطٍ". قال أبو عُمر: يعني من الأشواطِ السَّبْعةِ في طوافِ الدخولِ، وهذا ما لا خلافَ فيه أنّ الرَّمَلَ، وهو الحَرَكةُ والزيادةُ في المَشْي، لا يكونُ إلّا ثلاثةَ أشواط. حدَّثنا خلفُ بن قاسمٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جعفرِ بن الوردِ، قال: حدَّثنا يوسفُ بن يزيدَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عبدِ الحَكَمِ، قال: أخبَرنا مالكٌ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرِ بن عبد الله، قال: كان رسولُ الله ﷺ يَرْمُلُ من الحَجَرِ الأسودِ حتى يَنتهيَ إليه ثلاثةَ أطوافٍ. في هذا الحديث أنّ الطائفَ بالبيت يبتدئُ طوافَه من الحَجَر، وهو ما لا خلافَ فيه أيضًا. وإذا بدَأ من الحَجَرِ مضَى على يمينِه، وهو أيضًا ما لا خلافَ فيه، فإنْ لم يمضِ على يمينِه كان الطوافُ منكوسًا، وكان عليه إعادتُه عندَنا. فإذا مضَى على يَمينِه جعَل البيتَ عن يسارِه؛ وذلك أن الداخلَ من بابِ بني شيبةَ، أو من غيرِه، أولُ ما يبدَأُ به أن يأتيَ الحَجَرَ؛ يقصِدُه فيقبِّلُه إن استطاع، أو يمسَحُه بيمينِه ويُقَبِّلُها، فإن لم يقدِرْ قام بحيالِه فكَبَّر، ثم أخذ في طوافِه؛ يمضي على يمينِه، ويكونُ البيتُ عن يسارِه متوجِّهًا ما يلي البابَ - بابَ الكعبَةِ - إلى الركنِ الذي لا يُستلَمُ، ثم الذي يَليه مثلُه، إلى الركنِ الثالث، وهو اليَماني الذي يلي الأسودَ من جهة اليمين، ثم إلى الحَجَرِ الأسودِ. يفعَلُ ذلك ثلاثةَ أشواطٍ يرمُلُ فيها، ثم أربعةً لا يرمُلُ فيها. وهذا كلُّه إجماعٌ من العلماء، فإنْ لم يطُفْ

стр. 775

كما وصَفْنا كان مُنَكِّسًا لطوافِه، وإذا أخَذ عن يسارِه إلى الركنِ اليَمانيِّ وجعَل البيتَ عن يمينِه لم يُجْزِئْه ذلك الطوافُ عندَنا. واختلَف الفقهاءُ فيمن طاف الطوافَ الواجبَ مَنكُوسًا على ضِدِّ ما وصَفْنا؛ بأنْ يَمْضِيَ على يَسَارِه إذا اسْتلَم الحَجَرَ، ولم يُعِدْه حتى خرَج من مكةَ وأبْعَدَ؛ فقال مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُهما: لا يُجزِئُه الطوافُ منكوسًا، وعليه أن ينصرِفَ من بلادِه فيطوفَ؛ لأنّه كمَنْ لم يَطُفْ. وهو قولُ الحميديِّ وأبي ثورٍ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: يُعيدُ الطوافَ ما دام بمكةَ، فإذا بلَغ الكوفةَ، أو أبعَدَ، كان عليه دمٌ ويُجْزِئُه. وكلُّهم يقول: إذا كان بمكةَ أعادَ. وكذلك القولُ عندَ مالكٍ والشافعيِّ فيمن نسِي شوطًا واحدًا من الطوافِ الواجبِ، أنّه لا يُجْزِئُه، وعليه أن يرجعَ من بلادِه على بقيةِ إحرامِه فيطوفَ. وقال أبو حنيفة في هذه: إنْ (١) بلَغ بلدَه لم ينصرِفْ، وكان عليه دمٌ. قال أبو عُمر: حُجَّةُ مَن لم يُجِزِ الطَّوافَ مَنكوسًا، أنَّ رسولَ الله لمّا استَلم الركنَ أخَذ عن يمينِه، فمَنْ خالَف فعلَه فليس بطائفٍ، ويَعْضُدُ ذلك قولُه ﷺ : "من أحدَث في أمرِنا ما ليس منه فهو رَدٌّ" (٢). يعني مَردودًا. وقال: "خُذُوا عني مناسكَكم" (٣). أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبرنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن شعيبٍ (٤)، قالا: أخبَرنا عمدُ الأعلي بن واصلِ بن عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا

стр. 776

يحيى بن آدم، عن سفيانَ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، قال: "لمّا قدِم رسولُ الله ﷺ مكةَ دخَل المسجدَ، فاستلَم الحَجَرَ ومضَى على يمينِه، فرمَل ثلاثًا، ومشَى أربعًا، ثم أتَى المقامَ، فقال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] ". فصلَّى رَكْعتين والمقامُ بينَه وبينَ البيت، ثم أتَى البيتَ بعدَ الرَّكْعتين، فاستلَم الحَجَرَ، ثم خرَج إلى الصَّفا. قال أبو عُمر: وأما الرَّمَلُ فهو المَشْيُ خَبَبًا يشتَدُّ فيه دونَ الهَرْولةِ قليلًا، وأصلُه أن يحرِّكَ الماشي مَنْكبَيْه لشدةِ الحركةِ في مشيِه. هذا حكمُ الثلاثةِ الأشواطِ في الطوافِ بالبيتِ. وأما الأربعةُ الأشواطِ في الطواف تتمةُ الأسبوع (١) فحكمُها المشيُ المعهودُ بالرفق، وهذا أمر مُجتَمع عليه أنّه كذلك ينبغي للحاجِّ والمُعتمِرِ أن يفعَلَه في طوافِه بالبيت؛ يرمُلُ ثلاثةً، ويمشي أربعةً. إلّا أنّهم اختَلَفوا في الرَّمَل؛ فقال قومٌ: الرَّمَلُ سُنَّةٌ من سننِ الحجِّ لا يجوزُ تركُها. رُوِيَ ذلك عن عمرَ بن الخطاب، وعبدِ الله بن مسعودٍ، وعبدِ الله بن عمرَ (٢)، واختُلِف فيه عن ابن عباسٍ. وهو قولُ مالكٍ وأصحابه، والشافعيِّ وأصحابه، وأبي حنيفةَ وأصحابه، والثوريِّ، وأحمدَ بن حنبلٍ، وإسحاقَ بن راهُويَة، وجماعةِ فقهاءِ الأمصار. وقال قومٌ: إن شاءَ رمَل، وإنْ شاء لم يرمُلْ. قالوا: وليس الرَّمَلُ سُنّةً؛ قال ذلك جماعةٌ من كبارِ التابعين؛ منهم: عطاءٌ، ومجاهدٌ، وطاوسٌ، والحسنُ، وسالمٌ، والقاسمُ، وسعيدُ بن جبيرٍ (٣). وحُجَّتُهم على ما ذهبوا إليه من ذلك ما رُوِي عن ابن عباسٍ؛ قال أبو الطُّفيل: قلتُ لابن عباسٍ: زعَم قومُكَ أنَّ رسولَ الله ﷺ

стр. 777

رمَل بالبيت، وأنَّ ذلك سُنَّةٌ. قال: صدَقوا وكذَبوا (١). قلتُ: ما صدَقوا، وما كذَبوا؟ قال: صدَقُوا؛ قد رمَل رسولُ الله ﷺ حينَ طاف بالبيتِ، وكذَبوا؛ ليس ذلك بسُنَّةٍ، إنَّ قريشًا قالت زمنَ الحُدَيْبية: إنّ به وبأصحابِه هُزْلًا. وقَعَدوا على قُعَيْقِعَانَ (٢) ينظرون إليهم، فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ ، فقال لأصحابه: "ارْمُلُوا أَرُوهم أنّ بكم قوةً". فكان رسولُ الله ﷺ يَرْمُلُ من الحَجَرِ الأسودِ إلى الركن اليَماني، فإذا توارَى عنهم مشَى. هكذا حدَّث به فِطْرٌ (٣)، عن أبي الطفيل. ورواه أبو عاصمٍ الغَنَويُّ (٤)، وابنُ أبي حُسينٍ (٥)، عن أبي الطفيل نحوَه. واحتجُّوا أيضًا بما رواه حمادُ بن زيدٍ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ قال: قدِم رسولُ الله ﷺ وأصحابُه مكةَ، فقال المشركون: إنّه يقدَمُ عليكم قومٌ قد وهَنَتْهم حُمَّى يثربَ. فلمّا قدِموا قعَد المشركون ممّا يلي الحِجْرَ، فأمر النبيُّ ﷺ أصحابَه أن يرمُلُوا الثلاثةَ، وأن يمشُوا ما بينَ الرُّكنين. قال ابن عباس: ولم يمنَعْه أن يرمُلُوا الأشواطَ كلَّها إلّا إبقاءٌ عليهم (٦). وبما رواه فُضيْلُ بن عياضٍ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ وعطاءٍ، عن ابن عباسٍ

стр. 778

قال: إنّما رمَل رسولُ الله بالبيت، وبين الصَّفَا والمَرْوة؛ لأنّ المُشْركين رأوا أنّ بأصحابه جَهْدًا، فرمَل ليريَهم أنّ بهم قوةً (١). وبما رواه الحجَّاجُ بن أرطاةَ، عن أبي جعفرٍ وعكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما اعتمَر رسولُ الله ﷺ بلَغ أهلَ مكةَ أنّ بأصحابه هُزْلًا، فلمّا قدِم مكةَ قال لأصحابه: "شُدُّوا مَيَازِرَكُم وارمُلُوا؛ حتى يرى قومُكم أنّ بكم قوةً". ثم حَجَّ رسولُ الله ﷺ فلم يرمُلْ (٢). قال أبو عُمر: أما مَن زعَم أنّ الرَّمَلَ ليس بسُنَّةٍ، واحتجَّ بقول ابن عباسٍ هذا، فمُغَفَّلٌ فيما اختارَه، وقد ظنَّ في ذلك ظنًّا ليس كما ظنَّ، والدليلُ على ذلك ما رواه ابنُ المبارك، عن عُبيدِ الله بن أبي زيادٍ، عن أبي الطفيل، عن ابن عباسٍ قال: رمَل رسولُ الله ﷺ من الحَجَرِ إلى الحَجَرِ (٣). وروَى حمادُ بنُ سَلَمة، عن عبد الله بن عثمانَ بن خُثَيْم، عن أبي الطُّفيل، عن ابن عباسٍ، أنّ رسولَ الله ﷺ اعتمَر من الجِعِرّانة، فرمَل بالبيتِ ثلاثًا، ومشَى أربعةَ أشواطٍ (٤). ففي هاتين الروايتين أنّ رسولَ الله ﷺ رمَل الأشواطَ الثلاثةَ كلَّها، وقد كان في بعضِها حيثُ لا يَراه المشركون، وفي ذلك دليلٌ على أنّه ليس من أجلِهم رَمَل.

стр. 779

وبعدُ، فلو كان رَمَل من أجل المشركين في عُمرتِه، كما قال ابنُ عباس، ما منَع ذلك من أن يكونَ الرَّمَلُ سُنّةً؛ لأنّ الرَّمَلَ مأخوذٌ عنه، محفوظٌ في حَجَّتِه التي حَجَّها، وليس بمكةَ مشركٌ واحدٌ يومئذٍ، فرمَل رسولُ الله ﷺ في حَجَّتِه ثلاثةَ أشواطٍ كَمَلًا (١)، ومشَى أربعًا في حَجَّةِ الوداع، ولا مشركٌ ينظُرُ إليه حينئذٍ. فصحَّ أنّ الرَّمَلَ سُنَّةٌ. روَى مالكٌ، وإسماعيلُ بن جعفَرٍ (٢)، ويَزيدُ بن الهَادِ (٣)، وحاتمُ بن إسماعيلَ (٤)، ويحيى القطانُ (٥)، وغيرُهم، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابر، أنّ رسولَ الله ﷺ طاف في حجَّة الوداعِ سبعًا؛ رَمَلَ منها ثلاثةً، ومشَى أربعًا. وهذا في حديث جابرٍ، الحديثِ الطويل الذي وصَف فيه حَجَّةَ رسولِ الله ﷺ من حين خُروجِه إليها إلى انقِضاءِ جميعها، رواه عن جعفرِ بن محمدٍ جماعةٌ من العلماء في وَقتِهم، وقد حَكَى عبدُ الله بن رجاءٍ أنّ مالكًا سَمِعَه بتمامه من جعفر بن محمدٍ. ويَدُلُّ على صحَّةِ قوله أنّ مالكًا قَطَّعَه في أبوابٍ من "موطئه"، وأتى منه بما احتاج إليه في أبوابه. رَوَيْنا عن عبد الله بن رجاءٍ، أنّه قال: حضَرتُ عبدَ الملك بنَ جُريج، وعبيدَ الله وعبدَ الله العُمَريَّيْن، وسفيانَ الثوريَّ، وعليَّ بن صالح، ومالكَ بن أنسٍ، عند جعفرِ بن محمدٍ يسألونه عن حديثِ الحَجِّ، فحدَّثهم به، ورَوَوْه عنه.

стр. 780

ورواه أيضًا عن جعفرِ بن محمدٍ: محمدُ بنُ إسحاق (١)، وعبدُ الرحمنِ بن زيدِ بن أسلمَ، وعبدُ الله بن عَمْرِو بن عَلْقمةَ المَكِّيُّ، وحاتمُ بنُ إسماعيل، وسلّامٌ القارئُ، وجماعةٌ يطولُ ذكرُهم. ولمّا ثبَت هذا الحديثُ عن النبيِّ ﵇ بعدَ عَدَمِ المشركين في الأشواط الثلاثةِ، عَلِمْنا أنّ ذلك من سُنَّةِ الطَّوافِ عندَ القُدُوم، وأنه لا يَنْبَغي لأحدٍ من الرجالِ تركُه إذا كان قادرًا عليه، وهو قولُ فقهاءِ الأمصار؛ كلُّهم يقولون بحديث جابرٍ؛ لأنّه الثابتُ في ذلك، والعلَّةُ التي حكَاها ابنُ عباس مرتفعةٌ، فبطَل تأويلُ ابن عباسٍ إنْ صَحَّ عنه، وبطَل أنْ يكونَ في قولِه حُجَّةٌ على السُّنَّة الثابتة. وقد روَى عطاءٌ، عن يَعْلَى بن أمية، قال: لمّا حجَّ عمرُ رمَل ثلاثًا، ومشَى أربعًا (٢). وروَى هشامُ بن سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيه، عن عُمرَ، أنّه قال في الرَّمَل: لا نَدَعُ شيئًا صنَعْناه مع رسولِ الله ﷺ (٣). وروَى منصورٌ، عن شقيقٍ، عن مسروقٍ، عن ابن مسعودٍ، أنّه اعتمَر فرمَل ثلاثًا، ومشَى أربعًا (٤).

стр. 781

وروَى نافعٌ، عن ابن عمرَ مثلَه في حجِّه وعمرتِه (١). وقد ثبت الرَّمَلُ عن النبيِّ ﷺ ، وعن أصحابِه، فصارَ سُنَّةً. وأمّا ما رواه الحجَّاجُ بن أرطاةَ، عن أبي جعفرٍ وعكرمةَ، عن ابن عباسٍ في الحديث الذي ذكرناه عنه، قال فيه: ثم حَجَّ رسولُ الله ﷺ فلم يرمُلْ. فهذا يدُلُّك على ضعفِ روايةِ الحجَّاج، وأنّ ما قال أهلُ الحديث فيه أنّه ضعيفٌ مُدَلِّسٌ لا يُحتَجُّ بحديثه؛ لضَعفِه وسُوءِ نقلِه عندَهم - حقٌّ، وقد ثبَت عن النبيِّ ﷺ أنّه رمَل في حَجَّتِه، فبطَل ما خالَفه. ولو كان ما حكَاه الحجَّاجُ في روايتِه عن ابن عباسٍ صحيحًا لم يكنْ فيه حُجَّةٌ؛ لأنّه نافٍ، والذي حَكَى أنّ رسولَ الله ﷺ رمَلَ، وأخبَر أنّه عايَنَه يصْنَعُ ذلك، مُثْبِتٌ، والمُثْبِتُ أولى من النافي في وجه الشهاداتِ والأخبارِ عند أهل العلْم. قال أبو عُمر: فإن احتجَّ بعضُ مَن لا يَرى الرَّمَلَ سُنَّةً من سننِ الحجِّ بما روَاه العلاءُ بن المسيَّبِ، عن الحَكَمِ، عن مجُاهِدٍ، عن ابن عمر، أنّ رسولَ الله ﷺ رمَل في العُمرة، ومشَى في الحَجِّ (٢). قيل له: هذا حديث لا يَثْبُتُ؛ لأنّه رواه الحفاظُ موقوفًا على ابن عمرَ، ولو كان مرفوعًا كان قد عارَضه ما هو أثْبَتُ منه، وهو ما ذكرنا من حديث عُبيد الله بن عمرَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ (٣). وأخبرنا أحمدُ بن عبد الله، قال: حدَّثنا الميمونُ بن حمزةَ الحُسينيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمد بن سلامةَ الطحاويُّ، قال (٤): حدَّثنا المُزَنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، ﵀، قال: حدَّثنا أنسُ بن عياضٍ، عن موسى بن عقبةَ، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن رسول الله ﷺ أنّه رَمَلَ ثلاثةً، ومَشَى أربعةً.

стр. 782

قال الطَّحاويُّ (١): وحدَّثنا يزيدُ بن سنانٍ، قال: حدَّثنا أبو بكر الحنفيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمرَ، أنّ رسول الله ﷺ رمَل ثلاثةً، ومشَى أربعةً حينَ قَدِمَ في الحجِّ، وفي العُمْرَة حينَ كان اعتَمَرَ. وهذه الآثار كلُّها عن ابن عمرَ تَدْفَعُ حديثَ العلاء بن المُسَيِّب. وقد ذكَرَ حمّادُ بن سلَمَةَ، عن أيُّوبَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنّه كان إذا قَدِمَ مكّةَ رمَلَ بالبيت، ثم طافَ بين الصَّفا والمَروة، وإذا لبَّى من مكة لم يَرْمُلْ بالبيت، وأخَّرَ الطَّوافَ بين الصَّفا والمَروَة إلى يومِ النَّحْرِ (٢). ومالكٌ، عن نافع، عن ابن عمرَ نحوَه. ففي هذا الحديث عن ابن عمرَ، أنّه كان يَرمُلُ في الحَجَّةِ إذا كان إحرامُه بها من غير مكّةَ، وكان لا يَرْمُلُ في حَجَّتِه إذا أحرَمَ بها من مكةَ، وهذا إجماعٌ من العلماء أنّ مَن أحرَمَ بالحَجِّ من مكّةَ، لا رَمَلَ عليه إنْ طافَ بالبيتِ قبلَ خُروجِه إلى منًى، وعلى هذا يَصِحُّ حديثُ مجاهِدٍ لو كان موقوفًا، وكانت حَجَّةُ ابن عمرَ فيه مَكِّيّةً. وأمّا مرفوعًا فلا يَصِحُّ؛ لدَفْع الآثارِ الصِّحاحِ له في أنَّ رسولَ الله ﷺ رَمَلَ في حَجَّتِه، ولم تكُنْ له حَجَّة غيرُها ﷺ . واختَلفَ قولُ مالكٍ وأصحابِه فيمَنْ تَرَكَ الرَّمَلَ في الطَّوافِ، والهَرَوْلَة في السَّعْي، ثم ذكَرَ ذلك وهو قريبٌ؛ فمرَّةً قال: يُعيدُ، ومرَّةً قال: لا يُعيدُ. وبه قال ابنُ القاسم. واختَلفَ قولُ مالكٍ أيضًا فيما حكاه ابنُ القاسم عنه؛ هل عليه دَمٌ مع حالِه هذه إذا لم يُعِدْ، أم لا شيءَ عليه؟ فمرَةً قال: لا شيء عليه. ومرَّةً قال: عليه دَمٌ.

стр. 783

وقال ابنُ القاسم: هو خفيفٌ، ولا نَرى فيه شيئًا. وكذلك روَى ابنُ وَهْبٍ في "موطَّئه" عن مالكٍ، أنّه استَخَفَّه، ولم يَرَ فيه شيئًا. وروَى مَعْنُ بن عيسى، عن مالكٍ، أنّ عليه دَمًا. وقال ابنُ القاسم: رَجَعَ عن ذلك. وقال عبدُ المَلكِ بن الماجِشُون: عليه دَمٌ. وهو قولُ الحَسَنِ البَصْريِّ وسُفيانَ الثَّوْريِّ (١). وذكَرَ ابن حَبيبٍ عن (٢) مُطَرِّفٍ وابن القاسم أنّ عليه في قليل ذلك وكثيرِه دَمًا. والحُجَّةُ لِمَا حَكاه ابنُ حَبيبٍ قولُ ابن عباسٍ: مَن ترَكَ من نُسُكِه شيئًا فعليه دَمٌ. ومن جعَلَه نُسُكًا حكَمَ فيه بذلك. والحُجَّةُ لمَن اسْتَخَفَّ ذلك أنّه شيءٌ مختَلَفٌ فيه؛ هل هو سُنّةٌ أم لا؟ وإيجابُ الدم عليه إيجابُ فَرضٍ وإخراجُ مالٍ من يَدِه، وهذا لا يجبُ إلّا بيقينٍ لا شَكَّ فيه. وقد جاءَ عن ابن عباسٍ نصًّا فيمنْ ترَكَ الرَّمَلَ، أنّه لا شيءَ عليه. وهو قولُ عطاءٍ (٣)، وابن جُرَيْج، والشافعيِّ فيمَن اتَّبعَه، وقولُ الأوزاعيِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِه، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، كلُّهم يقولُ: لا شيءَ عليه في تَرْكِ الرَّمَل. وهو أوْلَى ما قيلَ به في هذا الباب لِمَا ذكَرْنا، ولأنّه ليس بإسْقاطِ نَفْسِ عَمَلٍ، إنّما هو سُقُوطُ هيئة عَمَلٍ. وأجْمَعُوا أنْ ليس على النِّساءِ رَمَلٌ في طَوَافِهنَّ بالبيتِ، ولا هَرْولةٌ في سَعْيِهِنَّ بين الصَّفا والمَرْوَةِ.

стр. 784

حديث ثانٍ لجعفر بن محمد مُسْند مالكٌ (١)، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، قال: سمعتُ رسولَ الله يقولُ حين خرَجَ من المَسْجدِ وهو يريدُ الصَّفَا، وهو يقولُ: "نبدأُ بما بدَأ الله به". فبدَأ بالصَّفَا. قال أبو عُمر: في هذا الحديث أنّ الخروجَ إلى الصَّفا من المسجدِ؛ لأنّ الحاجَّ أو المُعتَمِرَ إذا دخَل أحدُهما مكةَ، أولُ شيءٍ يبدأُ به إذا لم يكن الحاجُّ مُراهَقًا يخشَى فوتَ الوقوف بعرفَة، أولُ ما يبدأُ به الطّوافُ بالبيت؛ يبدأُ بالحَجَر فيستلِمُه، ثم يطوفُ منه بالبيت سَبْعًا، فإذا طافَ به سبعًا صلَّى في المسجد عندَ المقامِ أو حيثُ أمكَنَه رَكْعتين بأثر أُسبوعِه، ثم يخرُجُ من باب الصَّفا، إن شاءَ، إلى الصَّفا فيرقَى عليها، ثم يبتدئُ السَّعيَ منها بين الصَّفا والمروة، لا بدَّ من ذلك. وهذا كلُّه منصوصٌ في حديث جابرٍ عن النبيِّ ﷺ ، وبعضُ الناس أحسنُ سياقةً له من بعض. حدَّثنا خلفُ بن قاسمٍ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ أحمدُ بن محمدِ بن يزيدَ الحَلَبيُّ القاضي، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاذ بن المُستَهِلِّ بن أبي جامعٍ البَصْريُّ؛ يُعرَفُ بدُرَّانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلَمةَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابرٍ، أنّ النبيَّ ﷺ طافَ بالبيت فرَمَلَ من الحجَرِ الأسودِ حتى انتهَى إليه ثلاثًا، ومشَى أربعةً، ثم صَلَّى رَكْعتين، فقرأ فيهما بـ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. ثم خَرجَ يُريدُ الصَّفا والمروةَ، فقال: "نبدأُ بما بدأ الله به". فبدأ بالصَّفا، فَرقَى عليه، فكبَّرَ ثلاثًا، وأهلَّ واحدةً، ثم هبَطَ، فلمّا انصَبَّتْ قدَماه سَعَى حتى ظهَرَ من طريق المَسِيل (٢).

стр. 785

وفي هذا الحديث دليلٌ على أنّ النَّسَقَ بالواو جائزٌ أنْ يُقالَ فيه: قبلُ وبعدُ؛ لقوله ﷺ : "نبدأُ بما بدأ الله به". فقد أخبرَ أنَّ اللهَ بدَأ بذِكْرِ الصَّفا قبلَ المروة، وعَطْفُ المروةِ عليها إنّما كان بالواو، وإذا كان الابتداءُ بالصَّفا قبل المروةِ سُنَّةً مسنونةً وعملًا واجبًا، فكذلك كلُّ ما رَتَّبه الله ونَسَقَ بعضَه على بعضٍ بالواو في كتابه من آيةِ الوضوء. وهذا موضعٌ اختلَف فيه العلماءُ وأهلُ الأمصارِ وأهلُ العربية؛ فمذهبُ مالكٍ في أكثر الروايات عنه وأشهَرِها أنّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّعقيبَ ولا تُعطى رُتبَةً. وبذلك قال أصحابُه، وهو قولُ أبي حنيفةَ وأصحابه، والثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، واللَّيث بن سعدٍ، والمُزنيِّ صاحبِ الشافعيِّ، وداودَ بن عليٍّ. قالوا فيمن غَسَلَ ذراعَيْه أو رجلَيْه قبل أن يغسِلَ وجهَه، أو قَدَّمَ غَسْلَ رجليه قبل غَسْلِ يدَيه، أو مَسَح برأسِه قبلَ غَسْلِ وجهِه: إنّ ذلك يُجزِئُه. إلّا أنّ مالكًا يَستَحِبُّ لمَن نكَّسَ وضُوءَه ولم يُصَلِّ أنْ يَستَأنِفَ الوضوءَ على نَسَقِ الآية، ثم يستأنفَ صلاتَه، فإن صلَّى لم يأمُرْه بإعادةِ الصلاة، لكنَّه يَستَحِبُّ له استنئافَ الوضوءِ على النَّسَقِ لمَا يستَقْبِلُ، ولا يَرى ذلك واجبًا عليه. هذا هو تحصيلُ مذهب مالكٍ. وقد روَى عليُّ بنُ زيادٍ، عن مالكٍ قال: مَن غَسَلَ ذراعَيه، ثم وجهَه، ثم ذكَرَ مكانَه، أعادَ غَسلَ ذراعيه، وإن لم يذكُرْ حتى صلَّى أعادَ الوضوءَ والصلاةَ. قال عليٌّ: ثم قال بعدَ ذلك: لا يُعيدُ الصلاةَ، ويُعيدُ الوضوءَ لِمَا يستَقبِلُ. وذكَرَ أبو مُصعَبٍ، عن مالكٍ وأهل المدينة، أنّ من قدَّمَ في الوضوءِ يدَيه على وجهِه، ولم يتوضَّأْ على ترتيبِ الآية، فعليه الإعادةُ لما صلَّى بذلك الوضوء. وكلُّ من ذكرناه من العلماءِ مع مالكٍ يَسْتَحِبُّ أن يكونَ الوضوءُ نَسَقًا، والحُجَّةُ لمالكٍ ومَن ذكَرنا من العلماء أنّ سِيبُويَةَ وسائرَ البَصريِّين من النَّحويِّين

стр. 786

قالوا - في قول الرَّجُل: أَعطِ زيدًا وعَمْرًا دينارًا -: إنّ ذلك إنّما يُوجِبُ الجمعَ بينهما في العطاء، ولا يُوجِبُ تَقدِمةَ زيدٍ على عمرٍو، فكذلك قولُ الله : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. إنّما يُوجِبُ ذلك الجمعَ بين الأعضاءِ المذكورة في الغَسل، ولا يوجبُ النَّسَقَ، وقد قال الله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فبدَأ بالحجِّ قبلَ العُمرة، وجائزٌ عندَ الجميع أنْ يعتَمِرَ الرَّجُلُ قبل أنْ يحُجَّ، وكذلك قولُه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠، النساء: ٧٧، النور: ٥٦، المزمل: ٢٠]. جائزٌ لِمَن وجبَ عليه إخراجُ زكاةِ مالِه في حين وقتِ صلاةٍ أن يبدَأ بإخراج الزكاةِ، ثم يُصلِّي الصلاةَ في وقتها عندَ الجميع، وكذلك قولُه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]. لا يختلفُ العلماءُ أنّه جائزٌ لمَن وجَب عليه في قتلِ الخَطإ إخراجُ الدَّية وتحريرُ الرقبةِ أن يُخْرِجَ الدِّيةَ ويُسلِّمَها قبلَ أن يُحرِّرَ الرَّقبةَ. وهذا كلُّه منسُوقٌ بالواو، ومثلُه كثيرٌ في القرآن، فدلَّ على أنَّ الواوَ لا تُوجِبُ رُتبةً. وقد رُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالبٍ (١)، وعبدِ الله بن مسعودٍ (٢)، أنهما قالا: ما أُبالي بأيِّ أعضائي بدَأْتُ في الوضوء إذا أتمَمْتُ وضوئي، وهم أهلُ اللِّسان، ولم يَبِنْ لهم من الآية إلّا معنَى الجَمع لا معنَى التَّرتيب، وقد أجمَعوا أنّ غَسلَ الأعضاءِ كلِّها مأمورٌ به في غُسْلِ الجَنابةِ، ولا ترتيبَ في ذلك عندَ الجميع، فكذلك غُسلُ أعضاءِ الوضوء لأنّ المعنى في ذلك الغَسلُ لا التَّبديةُ، وقد قال الله

стр. 787

عزَّ وجلَّ: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. ومعلومٌ أنّ السجودَ بعدَ الركوع، وإنّما أرادَ الجمعَ لا الرُّتبة. هذا جُملةُ ما احتجَّ به من احتَجَّ للقائلين بما ذكَرنا. وأما الذين ذهَبوا إلى إبطال وُضوءِ مَن لم يأت بالوُضوء على ترتيب الآية، وإبطالِ صلاتِه إنْ صلَّى بذلك الوُضوء المنكُوسِ - منهم الشافعيُّ وسائرُ أصحابِه والقائلين بقوله إلّا المُزنيَّ، ومنهم أحمدُ بن حنبلٍ، وأبو عبيدٍ القاسمُ بن سلّامٍ، وإسحاقُ ابن راهويَة، وأبو ثَورٍ، وإليه ذهَب أبو مصعبٍ صاحبُ مالكٍ، ذكَره في "مختصَرِه" وحكَاه عن أهل المدينة ومالك معهم - فمن الحُجَّةِ لهم أنّ الواو تُوجِبُ الرُّتبةَ والجمعَ جميعًا. وحكَى ذلك بعضُ أصحابِ الشافعيِّ، في كتاب "الأصول"، له، عن نحويِّي الكوفةِ: الكِسائيِّ، والفَرَّاء، وهشام بن معاويةَ، أنّهم قالوا في واو العطف: إنّها تُوجِبُ الجَمْعَ، وتدُلُّ على تَقدِمة المُقدَّم في قولهم: أَعْطِ زيدًا وعَمْرًا، قالوا: وذلك زيادةُ بيانٍ (١) في فائدة الخطاب مع الجمع. قالوا: ولو كانت الواوُ تُوجِبُ الرُّتبةَ أحيانًا ولا تُوجِبُها أحيانًا، ولم يكنْ بُدٌّ من بيان مُرادِ الله في الآية على ما زعَمَ مُخالفُونا، لكانَ في بيانِ رسول الله ﷺ لذلك بفعلِه ما يُوجِبُه؛ لأنه مُذ بعَثَه الله إلى أن ماتَ لم يَتوضَّأ إلّا على الترتيب، فصارَ ذلك فرضًا؛ لأنّه بيانٌ لمرادِ الله فيما احتملَ التَّأويلَ من آيةِ الوضوء، كتَبيينه عددَ الصلوات، ومقدارَ الزَّكوات، وغيرَ ذلك من بيانِه للفرائضِ المُجمَلاتِ التي لم يُختلَفْ أنّها مفروضاتٌ، فمَن توضَّأ على غير ما كان يفعَلُه رسولُ الله ﷺ لم يُجْزِئْه؛ بدليلِ قوله ﷺ : "كلُّ عملٍ ليس عليه أمرُنا (٢)
следующие страницы →