← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7223–7262 · переход к 7228.

стр. 7223

عنها: كان رسولُ اللَّه ﷺ يوترُ بتسع، فلما أسنَّ أوتَر بسبع (١). ويحيى ابنُ الجَزّار، عن عائشة مثل ذلك، على اختلاف عنه (٢). وروَى ابنُ نُمَير (٣)، ووُهَيْب (٤)، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسولُ اللَّه ﷺ يُصلِّي من الليل ثلاثَ عشرة ركعةً؛ يوترُ منها بخمس،

стр. 7224

لا يجلسُ في شيء من الخمس حتى يجلسَ في الآخرة فيسلِّم. ورواه مالكٌ، عن هشام على غير هذا (١). وروى يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يُصلِّي من الليل ثلاثَ عَشْرةَ ركعةً كان يُصلِّي ثمانَ رَكَعات، وأربعَ ركعات، يوترُ برَكْعة (٢). وروَى الدَّراوَرْديُّ، عن محمد بن عَمْرٍو، عن أبي سلمة، عن عائشة: أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُصلِّي من الليل ثلاثَ عشرةَ ركعةً؛ تسعًا قائمًا، واثنتين جالسًا، واثنتين قاعدًا واثثتين بين النِّداءَين (٣). وقد روَى الأوزاعيُّ وابنُ أبي ذئب ويونس، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يصلِّي من الليل إحدى عشرةَ ركعةً، يسلِّمُ في كلِّ ركعتين (٤). قال أبو عُمر: فلّما اختلفَتِ الآثارُ عن عائشة في كيفيةِ صلاةِ النبيِّ ﷺ بالليل هذا الاختلاف، وتدافَعَت، واضطربَت، لم يكن في شيء منها حُجَّةٌ على غيره، وقامت الحجةُ بالحديث الذي لم يُختلَفْ في نقله ولا في متنه، وهو حديث

стр. 7225

ابن عمرَ، رواه عنه جماعةٌ من التابعين، كلُّهم بمعنًى واحد، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "صلاةُ الليل مثنى مثنى" (١). وقد ذكَرنا حديثَ ابن عمرَ وطُرقَه في باب نافع من هذا الكتاب، ومضَى حديثُ ابنِ عمرَ بأنّ روايةَ من روَى عن عائشة في صلاة الليل: أن رسولَ اللَّه ﷺ كان يُسلِّمُ منها في كلِّ ركعتين - أصحُّ وأثبت، لقوله: "صلاةُ الليل مثنَى مثنَى"، وباللَّه التوفيق. وأما قولُها في هذا الحديث: أتنامُ قبلَ أن تُوتِرَ؟ فإنه لا يُوجَدُ إلا في هذا الإسناد، وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ؛ لأنه في هذا الحديث بعدَ ذكر الوتر، ومعناه أنه كان ينامُ قبلَ أن يُصلِّي الثلاثَ التي ذكرت. وهذا يدُلُّ على أنه كان يقوم، ثم ينام، ثم يقوم فينام، ثم يقوم فيوتر؛ ولهذا ما جاء في هذا الحديث: أربعًا، ثم أربعًا، ثم ثلاثًا. أظنُّ ذلك، واللَّهُ أعلم، من أجل أنه كان ينامُ بينهن، فقالت: أربعًا، ثم أربعًا، يعني بعدَ نوم، ثم ثلاثًا بعدَ نوم. ولهذا ما قالت له: أتنامُ قبل أن توتِر؟ وإذا كان هذا على ما ذكرنا لم يَجُزْ لأحدٍ أن يتأوّلَ أنَّ الأربعَ كنَّ بغير تسليم، لا سيَّما مع قوله ﷺ : "صلاةُ الليل مثنَى مثنَى". وأما روايةُ مَن روى أنَّ رسول اللَّه ﷺ كان يضطَجِعُ بعدَ الوتر. ومن روَى أنه كان يضطَجِعُ بعدَ ركعتَي الفجر. فقد ذكرنا ذلك في باب ابن شهاب، عن عُروةَ من هذا الكتاب (٢)، وذكرنا عن العلماء ما صحَّ عندَهم، وما ذهبوا إليه في ذلك، والحمدُ للَّه، هنالك. وأما قوله: "إنّ عينيَّ تنامان، ولا ينامُ قلبي". فهذه جبلَّتُه ﷺ التي طُبع عليها.

стр. 7226

وقد رُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "إنّا معشرَ الأنبياء تنامُ أعينُنا، ولا تنامُ قلوبُنا" (١). ولهذا قال ابنُ عباس وغيرُه من العلماء: رؤيا الأنبياء وحيٌّ (٢). وقد ذكرنا أقسامَ الوحي في باب إسحاقَ بن أبي طلحة (٣)، وذكَرْنا في باب زيدِ بنِ أسلم (٤) معنى نومِه عن الصلاة في سفرِه حتى ضرَبه حرُّ الشمس بما يُغني عن إعادته هاهنا. ذكر عبد الرزاق (٥)، وأبو سفيان جميعًا، عن معمَر، عن أيوب، عن أبي قِلابة،

стр. 7227

قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "قيل لي: لتَنَمْ عينُك، وليَعقِلْ قلبُك، ولتَسمَعْ أُذُنك. فنامت عَيني، وعقلَ قلبي، وسمِعتْ أُذُني". وذكر الحديث. ورُوِيَ عنه ﷺ أنه كان ينامُ حتى ينفُخَ وَيغِطَّ، ثم يقوم فيصلِّي ولا يتوضَّأ (١)؛ لأن قلبه لم يكن ينام، وإنما يجبُ الوضوءُ على مَن غلب النومُ على قلبه، وغمَر نفسه. وكان ﷺ مخصوصًا دون سائر أمته بأن تنامَ عينُه ولا ينامَ قلبُه، صلواتُ اللَّه عليه وسلامه. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو بكر عبدُ اللَّه بنُ محمد الخَصِيبيُّ القاضي، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ الحسن بن أبي شُعيب، قال: حدَّثنا عبيدُ اللَّه بنُ عائشة، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نام حتى سُمِع غَطيطُه، ثم صلَّى، ولم يتوضَّأ. قال عكرمة: كان رسولُ اللَّه ﷺ محفوظًا (٢).

стр. 7228

حديثٌ خامسٌ لسعيد بن أبي سعيد مالكٌ (١)، عن سعيدِ بن أبي سعيد المقبُريِّ، عن عُبيد بن جُريج أنه قال لعبدِ اللَّه بنِ عُمر: يا أبا عبد الرحمن، رأيتُك تصنعُ أربعًا لم أرَ أحدًا من أصحابك يصنعُها؟ قال: ما هنَّ يا ابنَ جُريج؟ قال: رأيتُك لا تَمَسُّ من الأركان إلا اليَمانِيَيْن، ورأيتُك تَلبَسُ النِّعالَ السِّبتيَّة، ورأيتُك تصبُغُ بالصُّفرة، ورأيتُك إذا كنت بمكة أهلَّ الناسُ إذا رأوا الهلال، ولم تُهلَّ أنت حتى كان يومُ التَّرْوِية. فقال عبدُ اللَّه بنُ عمر: أما الأركانُ فإني لم أرَ رسولَ اللَّه ﷺ يَمَسُّ إلا اليَمانِيَيْن، وأمّا النِّعالُ السِّبتِيةُ فإني رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يلبَسُ النِّعالَ التي ليس فيها شعَرٌ، ويتوضَّأ فيها، فأنا أُحِبُّ أن ألبَسَها، وأما الصُّفْرة فإني رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يَصبُغُ بها، فأنا أُحِبُّ أن أصبُغَ بها، وأما الإهلالُ فإنِّي لم أرَ رسولَ اللَّه ﷺ يُهِلُّ حتى تنبعِثَ به راحلتُه. عُبيدُ بنُ جريج من ثقات التابعين (٢)، ذكر الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال حدَّثني أبو صخر، عن ابن قُسَيْط، عن عُبيدِ بنِ جُريج، قال: حجَجْتُ مع عبد اللَّه بن عمرَ بينَ حجِّ وعُمْرة اثنتَي عشرةَ مرة (٣).

стр. 7229

قال أبو عُمر: في هذا الحديث دليلٌ على أنَّ الاختلافَ في الأفعال والأقوال والمذاهب كان في الصحابة موجودًا (١). فينما وقَع الاختلافُ بين الصحابة، واللَّهُ أعلم، بالتأويل (٢) المحتمل فيما سمِعوه ورأوْه، أو فيما انفرَد بعلمِه بعضُهم دون بعض، أو فيما كان منه ﵇ على طريق الإباحة في فعلِه لشيئَيْن مختلفَيْن، وقد بيَّنّا العللَ في اختلافهم في غير هذا الكتاب (٣). وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ الحجّةَ عندَ الاختلاف السُّنة، وأنها حُجّةٌ على مَن خالَفها، وليس مَن خالَفها حُجّةً عليها، ألا ترى أنَّ ابنَ عمرَ لما قال له عُبيدُ بنُ جُريج: رأيتُك تصنَعُ أشياءَ لا يَصنَعُها أحدٌ من أصحابك. لم يَستَوْحِشْ من مفارقةِ أصحابه، إذ (٤) كان عندَه في ذلك علمٌ من رسول اللَّه ﷺ ، ولم يقل له ابنُ جُريج: الجماعةُ أعلمُ برسول اللَّه ﷺ منك، ولعلك وهِمْتَ. كما يقولُ اليومَ مَن لا علمَ له، بل انقاد للحقِّ إذ سمِعَه، وهكذا يَلزَمُ الجميع، وباللَّه التوفيق. وأما قوله: "رأيتُك لا تَمَسُّ من الأركان إلا اليَمانِيَيْن" فالسُّنةُ التي عليها جمهورُ الفقهاء أنَّ ذَينِك الرُّكنَين يُستَلَمان دون غيرهما. وأمّا السّلَفُ فقد اختلفوا في ذلك؛ فرُوِيَ عن جابر، وأنس، وابن الزُّبير، والحسن، والحُسين أنهم كانوا يَستلِمون الأركانَ كلَّها. وعن عُروةَ مثلُ ذلك (٥).

стр. 7230

واختُلِف عن معاوية، وابن عباس، في ذلك؛ فقال أحدُهما: ليس من البيت شيءٌ مهجور (١). والصحيحُ عن ابن عباس أنه كان لا يَستلِمُ إلا الركنين الأسودَ واليماني، وهما المعروفان باليمانِيَين، وهي السُّنة. وعلى ذلك جماعةُ الفقهاء؛ منهم مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفة، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْر، وداودُ، والطبريُّ (٢). وحجتُهم حديثُ ابن عمر هذا وما كان مثله عن النبيِّ ﷺ في ذلك: حدَّثنا خلفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبد اللَّه بنُ محمد بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبد العزيز، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبد اللَّه بن يونس. وحدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا أبو الوليد الطيالسيُّ، قال: حدَّثنا الليثُ بنُ سعد، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر قال: لم أرَ رسولَ اللَّه ﷺ يمسحُ من (٤) البيت إلا الرُّكنين اليَمانِيَيْن. ورواه ابنُ وَهْب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه مثله (٥).

стр. 7231

وأخبرنا عبدُ اللَّه بن محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا مَخلدُ بن خالد، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاق، قال (٢): أخبرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن سالم، عن ابن عمر، أنه أُخبِر بقول عائشة: أنَّ الحِجرَ بعضُه من البيت. فقال ابنُ عمر: واللَّه إني لأظُنُّ عائشةَ إن كانت سمعت هذا من رسول اللَّه ﷺ ، إني لأظُنُّ رسولَ اللَّه ﷺ لم يترُك استلامَهما إلا أنهما ليسا على قواعد البيت، ولا طاف الناسُ من وراء الحِجْر إلا لذلك. وأما قولُه: "رأيتُك تلبسُ النِّعال السّبتية" فهي النِّعالُ السُّودُ التي لا شعرَ لها. كذلك فسَّره ابنُ وَهْب صاحبُ مالك (٣). وقال الخليل في "العين" (٤): السِّبْتُ: الجلدُ المدبوغُ بالقَرَظ. وكذلك قال الأصمعيُّ. وهو الذي ذكر ابنُ قتيبة (٥). وقال أبو عمرو (٦): هو كلُّ جلدٍ مدبوغ.

стр. 7232

وقال أبو زيد (١): السِّبتُ جلودُ البقر خاصّة، مدبوغةً كانت أو غيرَ مدبوغة، ولا يقال لغيرها: سَبتٌ، وجمعُها سُبوتٌ. وقال غيره: السِّبتُ نوعٌ من الدِّباغ يَقلَعُ الشَّعر. والنِّعال السِّبتيةُ من لباس وجوه الناس وأشراف العرب، وهي معروفة عندَهم، قد ذكرَها شُعراؤهم، قال عنترةُ يمدحُ رجلًا (٢): بطَلٌ كأنَّ ثيابَه في سَرحةٍ (٣) ... يُحْذَى نعالَ السِّبْتِ ليس بتَوْأَمِ يعني أنه لم يولَدْ توأمًا (٤). وقال كُثيِّر (٥): كأن مَشافرَ النجْداتِ منها ... إذا ما قارفَتْ قَمعَ (٦) الذبابِ بأيْدي مأتمٍ مُتساعداتٍ (٧) ... نعالُ السِّبْتِ أو عَذَبُ الثيابِ

стр. 7233

شبَّه اضطرابَ مَشافرِ الإبل وهي تَنْفي الذُّباب عنها، بنِعال السِّبْتِ في أيدي المأتم، والمأتم: النِّساء اللَّواتي يَبكين ويَنُحْنَ على الميت. وقوله: "أو عذَبُ الثياب" يريدُ خِرَقًا يحبِسُها النساءُ بأيديهنَّ عند النِّياح، ويحبِسْنَ أيضًا النعال بأيديهنَّ، كان هذا من فعل المأتَم في الجاهلية. ولا أعلمُ خلافًا في جواز لباس النِّعال السِّبتيّة في غير المقابر، وحسبُك أنَّ ابنَ عمر يروي عن رسول اللَّه ﷺ أنَّه كان يلبَسُها، وفيه الأُسوةُ الحسنةُ ﷺ . وقد رُوِيَ عنه أنه رأى رجلًا يلبَسُهما في المَقْبُرة فأمَره بخلعِهما. وقد يجوزُ أن يكون ذلك لأذًى رآه فيهما، أو لما شاء اللَّه، فإنَّه حديثٌ مُختَلَف فيه، وقد رُوِيَ عنه ما يُعارضه: والحديثُ حدَّثناه عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سليمان بنِ داودَ المِنْقَرِيُّ البَصريُّ بمصر، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا الأسودُ بنُ شيبان، قال: أخبرني خالدُ بنُ سمير، قال: أخبرني بَشيرُ بنُ نَهيك، قال: أخبرني بَشيرُ بنُ الخَصاصِيَة -وكان اسمُه في الجاهلية زَحْمًا، فسمّاه رسولُ اللَّه ﷺ بَشيرًا- قال بشير: بينما أنا أمشي بينَ المقابر وعليَّ نعلان، فإذا رجلٌ يُنادي من خَلْفي: " يا صاحبَ السِّبْتيَّتَيْن، يا صاحبَ السِّبْتيَّتَيْن". فالتفتُّ فإذا رسولُ اللَّه ﷺ ، فقال لي: "إذا كنتَ في مثل هذا الموضع فاخلَعْ نعلَيْك". قال: فخلَعْتُهما (١). هكذا قال، إنه كان اللابسَ لهما والمأمورَ فيهما. وأخبرنا عبدُ اللَّه بن محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود،

стр. 7234

قال (١): حدَّثنا سهلُ بنُ بكّار، قال: حدَّثنا الأسودُ بنُ شَيْبان، عن خالدِ بنِ سُمَيرٍ السَّدوسيِّ، عن بَشير بن نَهيك، عن بَشيرٍ -قال: وكان اسمُه في الجاهلية زَحْمَ بنَ مَعْبد. فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "بل أنتَ بَشيرٌ"- قال: بينما أنا أُماشي رسولَ اللَّه ﷺ مَرَّ بقبورِ المشركين، فقال: "لقد سبَق هؤلاء خيرًا كثيرًا". ثلاثًا. ثم مرَّ بقبورِ المسلمين، فقال: "لقد أدركَ هؤلاء خيرًا كثيرًا". وحانَت من رسول اللَّه ﷺ نظرةٌ فإذا رجلٌ يمشي في القبورِ وعليه نَعْلان، فقال: "يا صاحب السِّبْتيَّتَيْن، ويْحَكَ ألقِ سبْتِيَّتَيْكَ". فنظر الرجلُ، فلما عرَف رسولَ اللَّه ﷺ خلَعهما فرمَى بهما. وذهب قومٌ إلى أنه لا يجوزُ لأحد المشيُ بالنِّعال والحذاء بينَ القبور لهذا الحديث. وقال آخرون: لا بأسَ بذلك. واحتجُّوا بما حدَّثناه عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر بن داسَة، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا محمدُ بنُ سليمان الأنباريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهاب -يعني ابن عطاء- عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إنَّ العبد إذا وُضعَ في قبره وتولَّى عنه أصحابُه إنّه ليَسمَعُ قَرعَ نِعالهم". وقال الأثرم: سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل يُسألُ عن المشي بينَ القُبور في النّعلَين،

стр. 7235

فقال: أما أنا فلا أفْعَلُه، أخلَعُ نَعْلَيَّ على حديث بشير. قال: وقد تأوَّل بعضُ الناس: "إنّه ليسمَعُ خَفْقَ نِعالهم". وقال أبو عبد اللَّه: الأسودُ بنُ شيبانَ ثقةٌ، وبشيرُ بنُ نَهيكٍ ثقةٌ روى عنه عدّةٌ (١). قلت له: روى عنه النضرُ بنُ أنس، وأبو مِجْلَز (٢)، وبرَكة؟ (٣) قال: نعم. قال الأثرم: حدَّثنا عفّانُ (٤) وسليمانُ بنُ حرب -وهذا لفظ عفان- قال: حدَّثنا الأسودُ بنُ شيبان، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سُمَيْر، قال حدَّثني بشيرُ بنُ نَهيك، عن بشيرٍ، قال: بينما أنا أُماشي رسولَ اللَّه ﷺ ، وأنا على قبور المسلمين، فقال: "لقد أدرَك هؤلاء خيرًا كثيرًا". ثم حانَت من رسول اللَّه ﷺ نظرةٌ، فإذا برجلٍ يَمشي في القبور عليه نَعْلاه، فناداه رسولُ اللَّه ﷺ : "يا صاحب السِّبْتيَّتَيْن، ويْحَكَ ألقِ سبْتِيَّتَيْكَ". فنظر الرجلُ، فلما عرف رسولَ اللَّه ﷺ خلَع نعليه فرمَى بهما (٥). قال: وحدَّثنا عفان، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمةَ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنه ليسمَعُ خَفْقَ نِعالِهم إذا وَلَّوا" (٦). قال: ورأيتُ أبا عبد اللَّه عندَ المقابر مُعلِّقًا نعْلَيهِ بيدِه.

стр. 7236

وأما قوله: "رأيتُك تصبُغُ بالصُّفْرة" وقول ابن عمر: "رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يصبُغُ بها" فإن العلماءَ اختلَفوا في تأويل هذا الحديث؛ فقال قوم: أراد الخِضابَ للِّحيةِ بالصُّفْرة. واحتَجُّوا بما حدَّثناه عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: حدَّثني أبي (١)، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدَّثني سعيدٌ المَقْبُريُّ، عن عُبيدِ بنِ جُريج، قال: قلتُ لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيتُك تُصفِّرُ لحيتَك. قال: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يُصَفِّرُ بالوَرْس، فأنا أُحِبُّ أن أصَفِّرَ به كما كان يَصنَع (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارث (٣)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمة، عن عُبيد اللَّه بن عمر، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ المقبريِّ، عن ابن جُريج -كذا قال- قال: رأيتُ ابنَ عمرَ يُصَفِّرُ لحيتَه، فقلت: أراك تُصَفِّرُ لحيتَك. قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ يُصَفِّرُ لحيتَه (٤).

стр. 7237

ورواه يحيى القطّان، عن عُبيد اللَّه بن عمر، عن سعيد المقبُريِّ، عن ابن جُريج، وفي حديثه أنه قال: رأيتُك تُصَفِّرُ لحيتَك (١) (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا عيسى بنُ إبراهيم، قال: أخبرنا عبدُ الواحد بنُ زياد، قال: حدَّثنا الحجّاجُ، عن عطاء قال: رأيتُ ابنَ عمرَ ولحيتُه صفراء (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد اللَّه الرُّزِّيُّ (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الزِّبْرِقان أبو هَمّام الأهْوازيُّ، عن مروانَ بنِ سالم، عن عبد اللَّه بن هَمّام، قال: قلت: يا أبا الدَّرداء، بأي شيءٍ كان رسولُ اللَّه ﷺ يَخضِبُ؟ قال يا ابنَ أخي -أو: يا بنيَّ- ما بلغ منه الشَّيْبُ ما كان يَخضبُ، ولكنه قد كان منه هاهنا شعَراتٌ بِيضٌ، وكان يَغسِلُه بالحِنّاء والسِّدْر (٥). قال (٦): وحدَّثنا ابنُ الأصبَهاني (٧)، قال: أخبَرنا شَريكٌ، عن عمانَ بن مَوْهَب، قال: رأيتُ شعرَ النبيِّ ﷺ عندَ بعض نسائِه أحمر.

стр. 7238

قال: وحدَّثنا موسى بنُ إسماعيل (١)، قال: حدَّثنا سلّام بنُ أبي مُطيع، عن عثمانَ بن عبدِ اللَّه بن موهَبٍ، قال: دخلتُ على أمِّ سلمةَ زوج النبيِّ ﷺ ، فأخرجَت إلينا شعرَ النبيِّ ﷺ مخضوبًا بالحِنّاء والكَتَم. قال: وحدَّثنا ابنُ الأصْبَهانيِّ، قال: أخبرنا شَريكٌ، عن سَديرٍ الصَّيْرَفيِّ، عن أبيه، قال: كان عليٌّ لا يَخضِبُ، فذكَرْتُ ذلك لمحمدِ بنِ عليٍّ (٢)، قال: قد خضَب مَن هو خيرٌ منه رسول اللَّه ﷺ (٣). قال: وحدَّثنا هارون بن معروف، قال: حدَّثنا ضَمْرةُ، عن عليِّ بن أبي حَمَلةَ (٤) قال: كان رجاءُ بنُ حَيوةَ لا يُغيِّرُ الشَّيْبَ، فحجَّ، فشهد عندَه أربعةٌ أنَّ النبيَّ ﷺ غيَّر. قال: فغيَّر في بعض المياه (٥).

стр. 7239

وذكر البخاريُّ (١)، عن ابن بُكَير، عن الليث، عن خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن، قال: سمعتُ أنسًا يصفُ النبيَّ ﷺ ، فقال: كان رَبْعةً من القوم، ليس بالطويل، وذكَر الحديث إلى قوله: وليس في رأسِه ولحيتِه عشرون شعَرةً بيضاء. قال ربيعة: فرأيتُ شعَرًا من شعَرِه، فإذا هو أحمرُ، فسألتُ، فقيل: احمرَّ من الطِّيب. وقد ذكَرنا في باب حُمَيد الطويل (٢) إجازة أكثر السلف للباسِ الثياب المزَعْفَرة على ما قال مالك ﵀، فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يَخضِبُ بالحِنّاء، ويُصَفِّرُ شيبَه، على أنهم مُجمِعون أنه إنما شاب منه عَنْفَقتُه (٣) وشيءٌ في صُدْغَيْه لا غير ﷺ . وقال آخرون: معنى حديث مالك، عن سعيدٍ المقبُريِّ، عن عُبيد بنِ جُريج، عن ابن عمر: رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يصبُغُ بالصُّفْرة. أراد أنه كان يُصَفِّرُ ثيابَه، ويلبسُ ثيابًا صُفْرًا، وأما الخضابُ فلم يكن رسولُ اللَّه ﷺ يَخضِبُ. واحتجُّوا من الأثرِ بحديثِ ربيعة، عن أنس، وما كان مثلَه. وقد ذكَرْنا حديثَ ربيعةَ في بابه من هذا الكتاب (٤). وبما حدَّثنا عبدُ الوارث (٥)، قال: حدَّثنا قاسمٌ قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: حدَّثنا خلفُ بنُ الوليد، قال: حدَّثنا إسرائيل، عن سماك، عن جابرِ بنِ سَمُرة،

стр. 7240

قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ قد شَمِط مُقدَّمُ رأسِه ولحيتِه، فإذا ادَّهَن وامتَشَط لم يتَبيَّنْ شيبُه، فإذا شعِث رأيتَه متبيِّنًا، وكان كثيرَ شعَر الرأس واللحية (١). وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا معاذُ بنُ هشام، قال: حدَّثنا أبي، عن قتادة، قال: سألتُ سعيدَ بنَ المسيِّب: أخضَب رسولُ اللَّه ﷺ ؟ قال: لم يبلُغْ ذلك (٢). قال: وحدَّثنا عاصمُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا محمّدُ بنُ راشد، عن مكحول، عن موسى بن أنس، عن أبيه، قال: لم يبلُغِ النبيُّ ﷺ من الشيب ما يَخضِب (٣). قال: وحدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْد، قال (٤): حدَّثنا زُهَيرُ بنُ معاوية، عن حُمَيد الطويل قال: سُئل أنسٌ عن الخِضاب، فقال: خضَب أبو بكر بالحِنّاء والكَتَم، وخَضَب عمرُ بالحِنّاء وحدَه. قيل له: فرسولُ اللَّه ﷺ ؟ قال: لم يكن في لحيتِه عشرون شعرةً بيضاء. وأصغَى حُمَيد إلى رجل عن يمينِه فقال: كنَّ سبعَ عشرةَ شعَرة.

стр. 7241

وذكر مالك في "الموطأ" (١)، عن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني محمدُ بنُ إبراهيم التَّيميُّ، عن أبي سلمةَ بن عبد الرحمن، أنَّ عبدَ الرحمن بنَ الأسود بنِ عبدِ يَغوثَ -قال: وكان جليسًا لهم، وكان أبيضَ الرأس واللحية- قال: فغدا عليهم ذاتَ يوم وقد حمَّرهما، قال: فقال له القوم: هذا أحسن. فقال: إنَّ أُمِّي عائشة زوجَ النبيِّ ﷺ أرسلَت إليَّ البارحةَ جاريتَها نُخيلة، فأقسَمت عليَّ لأصبُغَنَّ، وأخبَرتني أنّ أبا بكرٍ الصديق كان يصبُغ. قال مالك (٢): في هذا الحديث بيانُ أنَّ رسول اللَّه ﷺ لم يصبُغْ، ولو صبَغ رسولُ اللَّه ﷺ لأرسلَت بذلك عائشةُ إلى عبد الرحمن بن الأسود. وقال مالك (٣) في صَبْغ الشعَر بالسَّواد: لم أسمع في ذلك شيئًا معلومًا، وغير ذلك من الصبغ أحَبُّ إليَّ. قال (٤): وترْكُ الصَّبْغ كلِّه واسعٌ إن شاء اللَّه، ليس على الناس فيه ضيقٌ. قال أبو عُمر: فضَّل جماعةٌ من العلماء الخِضابَ بالصُّفرة والحُمْرة على بَياضِ الشَّيْب وعلى الخِضاب بالسَّواد، واحتَجُّوا بحديثِ الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ وسليمانَ بن يَسار جميعًا، عن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ اليهودَ والنصارى لا يصبُغُون فخالِفوهم". رواه سفيانُ بنُ عيينةَ وجماعة عن الزهريِّ (٥).

стр. 7242

ومن حديث ابن عيينةَ وغيره أيضًا، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشة، أنَّ أبا بكر خضَب بالحنّاء والكَتَم (١). فاحتَجُّوا بهذا أيضًا. وجاء عن جماعة من السلفِ من الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين أنهم خضَبوا بالحُمْرةِ والصُّفْرة. وجاء عن جماعةٍ كثيرةٍ منهم أنم لم يَخضِبوا، وكلُّ ذلك واسعٌ كما قال مالكٌ، والحمدُ للَّه. وممّن كان يخضِبُ لحيتَه حمراءَ قانية: أبو بكر، وعمر، ومحمدُ بنُ الحنفية، وعبدُ اللَّه بنُ أبي أوفَى، والحسنُ بنُ عليٍّ، وأنسُ بنُ مالك، وعبدُ الرحمن بنُ الأسود، وخضَب عليٌّ مرةً ثم لم يعُدْ (٢). وممّن كان يُصَفِّرُ لحيتَه: عثمانُ بنُ عفان ﵁، وأبو هريرة، وزيدُ بنُ وَهْب، وابنُ عباس، وابنُ عمر، وعبدُ اللَّه بنُ بُسْر، وسَلَمةُ بنُ الأكوع، وقيسُ بنُ أبي حازم، وأبو العالية، وأبو السَّوَّار، وأبو وائل، وعطاء، والقاسم، والمغيرةُ بنُ شعبة، والأسود، وعبدُ الرحمن بنُ يزيد، ويزيدُ بنُ الأسود، وجابرُ بنُ عبد اللَّه، وجابرُ بنُ سَمُرة (٣). ورُوِي عن عليٍّ، وأنس، أنهما كانا يُصَفِّران لِحاهما (٤). والصحيح عن عليٍّ ﵁ أنه كانت لحيتُه بيضاءَ وقد ملأت ما بين منكِبَيْه. ذكر وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيِّ، قال: رأيتُ عليَّ بنَ أبي طالب أبيضَ الرأسِ واللِّحية، قد ملأت ما بينَ مَنكِبَيْه (٥).

стр. 7243

وقال أبو إسحاق السَّبيعيُّ (١): رأيتُ عليًّا أصلَع، أبيضَ الرأس واللحية (٢). وكان السائبُ بنُ يزيد، وجابرُ بنُ زيد، ومجاهدٌ، وسعيدُ بنُ جبير، لا يَخضِبون (٣). ذكَر الربيعُ بنُ سليمان، قال: كان الشافعيُّ يَخضِبُ لحيتَه حمراءَ قانية. وأخبرنا أحمدُ بنُ عبد اللَّه بن محمد، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيْس، قال: حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا يحيى بن يحيى، قال: رأيتُ الليثَ بنَ سعدٍ يَخضِبُ بالحِنّاء. قال: ورأيتُ مالك بن أنس لا يُغيِّرُ الشيبَ، وكان نقيَّ البشرة، ناصعَ بياض الشيب، حسنَ اللحية، لا يأخُذُ منها من غير أن يَدَعها تطول. قال: ورأيتُ عثمانَ بنَ كِنانة، ومحمدَ بنَ إبراهيم بن دينار، وعبدَ اللَّه بن نافع، وعبدَ الرحمن بن القاسم، وعبدَ اللَّه بنَ وَهْب، وأشهَبَ بنَ عبد العزيز، لا يُغيِّرون الشيبَ، ولم يكن شيبُهم بالكثير؛ يعني: ابن القاسم، وابنَ وَهْب، وأشهَب. وذكر الحسنُ بنُ عليٍّ الحلوانيُّ، قال: حدَّثنا أبو مسلم، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: كان عمرُو بنُ دينار، وأبو الزُّبير، وابنُ أبي نَجيح، لا يَخضِبون. وأخبرنا أحمدُ بنُ عبد اللَّه، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيْس، قال: حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية البغداديُّ، قال: حدَّثنا الليثُ بنُ سعد، عن أبي عُشّانة، قال: رأيتُ عقبةَ بنَ عامر يَخضِبُ بالسَّواد، ويقول:

стр. 7244

نُسوِّدُ أعلاها وتَأبى أُصولُها (١) قال أبو عُمر: هو بيتٌ محفوظ له: نُسَوِّدُ أعْلاها وتَأْبَى أُصولُها ... ولا خيرَ في الأعلى إذا فسَد الأصلُ قال أبو عُمر: قد رُوِيَ عن الحسن والحسين ومحمّد بن الحنفية، أنهم كانوا يَخضِبون بالوَسِمة (٢). وعن موسى بن طلحة وأبي سلمة ونافع بن جبير (٣)، أنهم خضَبوا بالسَّواد. وكان إبراهيم (٤) والحسنُ ومحمدُ بنُ سيرين، لا يَرَون به بأسًا (٥). وممّن كرِه الخضابَ بالسَّواد: عطاء، ومجاهد، ومكحول، والشعبيُّ، وسعيدُ بنُ جبير (٦).

стр. 7245

وذكر أبو بكر (١)، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدم، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، عن أيوبَ، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ جُبير وسُئِل عن الخِضاب بالوَسِمة، قال: يكسُو اللَّهَ العبدَ في وجهِه النور، فيُطفِئُه بالسَّواد! قال أبو عُمر: ومما يدلُّ على أنَّ الصَّبغَ بالصُّفْرة المذكورَ في هذا الحديث هو صَبْغُ الثِّياب لا تَصفيرُ اللحية، ما ذكره مالك (٢)، عن نافع، أنَّ عبدَ اللَّه بنَ عُمر كان يلبَسُ الثوبَ المصبوغَ بالمِشْق، والمصبوغَ بالزَّعفران. قال أبو عُمر: فحديثُ مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يلبَسُ الثوبَ المصبوغَ بالمِشْق والزَّعْفران، مع روايتِه عن النبيِّ ﷺ أنه كان يَصبُغُ بالصُّفْرة، دليلٌ على أنَّ تلك الصُّفْرة كانت منه في لباسِه، واللَّهُ أعلم. وإلى هذا ذهب مالكٌ على ما ذكَرناه في باب حميدٍ الطويل (٣). وأما غيرُه من العلماء فإنهم لا يُجيزون للرجلِ أن يلبَسَ ثوبًا (٤) مصبوغًا بالزَّعفران، لحديث عبدِ العزيز بن صهيب، عن أنس، أنَّ النبيَّ ﷺ نهى أن يتزَعْفَر الرّجُل (٥). وهو معناه عندَ مالك وأكثرِ العلماء، تخليقُ الجسدِ وتَزَعْفُرُه. وقد ذكَرنا هذا المعنى بأشبَعَ من ذكرِنا له هاهنا في باب حميدٍ الطويل من كتابنا هذا (٦)، والحمدُ للَّه. وقد رُوِيَ أنَّ تلك الصُّفرةَ كانت في ثيابِه نصًّا دون تأويل. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الحميد، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ بلال،

стр. 7246

عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن ابن عمرَ، أنه كان يصبُغُ ثيابَه بالصُّفْرة حتى عِمامتَه. وذكَر ابنُ عمرَ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يصبُغُ بالصُّفْرة (١). وذكَره ابنُ وَهْب، عن عمرَ بن محمد، عن زيدِ بن أسلمَ مرسلًا (٢). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ مَسلَمة بنِ قَعْنَب، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ زيدِ بن أسلم، عن أبيه، أنَّ ابنَ عمرَ كان يصبُغُ ثيابَه بالزَّعْفران، فقيل له، فقال: كان رسولُ اللَّه ﷺ يَصبُغُ به، ورأيتُه يُحبُّه. أو: رأيتُه أحبَّ الصَّبغ إليه (٣).

стр. 7247

وفي "الموطأ" (١): سُئِل مالك، عن الملاحفِ المعَصْفَرة في البيوتِ للرجال وفي الأفْنية، فقال: لا أعلَمُ من ذلك شيئًا حرامًا، وغيرُ ذلك من اللباس أحَبُّ إليَّ. وأما قوله في الحديث: "ورأيتُكَ إذا كنتَ بمكة أهلَّ الناسُ إذا رأوا الهلال، ولم تُهِلَّ أنت حتى كان يومُ التَّروية. فقال ابنُ عمر: لم أرَ رسولَ اللَّه ﷺ يَهِلُّ حتى تنبَعِثَ به راحلتُه" فإن ابنَ عمرَ قد جاء بحُجّة قاطعةٍ نزَع بها، وأخَذ بالعموم في إهلالِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ولم يَخُصَّ مكةَ من غيرها، وقال: لا يُهِلُّ الحاجُّ إلا في وقتٍ يَتَّصِلُ له عملُه وقصدُه إلى البيت ومواضع المناسِك والشعائر؛ لأن رسولَ اللَّه ﷺ أهَلَّ واتَّصَل له عملُه. وقد تابَع ابنَ عمرَ على قوله هذا في إهلال المكِّيِّ ومَن بمكة من غير أهلِها جماعةٌ من أهل العلم. ذكر عبدُ الرزاق، قال (٢): أخبَرنا معمرٌ، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لا يُهِلُّ أحدٌ من مكةَ بالحجِّ حتى يريدَ الرَّواح إلى منًى. قال ابنُ طاووس: وكان أبي إذا أراد أن يُحرِمَ من المسجدِ استلَم الركنَ ثم خرج. قال عبدُ الرزاق: وأخبرنا ابنُ جريج، قال: قال عطاء: وجهُ إهلال أهل مكةَ أن يُهِلَّ أحدُهم حينَ تتوجَّهُ به دابتُه نحوَ منًى، فإن كان ماشيًا فحين يتوجَّهُ نحوَ منًى (٣). قال ابنُ جريج: قال لي عطاء: أهلَّ أصحابُ رسولِ اللَّه ﷺ إذْ دخَلوا في حجتِهم مع النبيِّ ﷺ عَشِيّة التَّرْويةِ حينَ توجَّهوا إلى منًى. قال ابنُ جريج: وقال لي ابنُ طاووس ذلك أيضًا.

стр. 7248

قال ابنُ جريج: وأخبَرني أبو الزُّبير، أنه سمِع جابرَ بنَ عبد اللَّه وهو يُخبرُ عن حجةِ النبيِّ ﷺ . قال: فأمرَنا بعدَما طُفْنا أن نُحِلَّ. وقال: "إذا أرَدتُم أن تَنطَلِقوا إلى منًى فأهِلُّوا". قال: فأهلَلْنا من البَطحاء (١). وفي هذه المسألة وهذا الباب مذهبٌ آخرُ لعمرَ بن الخطاب، تابَعه عليه أيضًا جماعةٌ من العلماء. ذكَر مالك في "الموطأ" (٢)، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أنَّ عمرَ بن الخطاب قال: يا أهل مكة، ما شأنُ الناس يأتون شُعْثًا وأنتم مدَّهنون! أهِلُّوا إذا رأيتُم الهلال. ومالكٌ (٣)، عن هشام بن عُروة، أنَّ عبدَ اللَّه بن الزُّبير أقام بمكة تسعَ (٤) سنين يُهِلُّ بالحجِّ لهلال ذي الحجَّة، وعُروةُ بنُ الزُّبير معه يفعَلُ ذلك. قال مالكٌ (٥): مَن أهَلَّ بمكةَ من أهلِها، ومَن كان مُقيمًا بها من أهل المدينة وغيرهم، فليؤخِّر الطَّوافَ الواجبَ بالبيتِ والسَّعيَ بين الصفا والمروةِ حتى يَرجعَ من منًى، ويكونُ إهلالُه من جوفِ مكة، لا يخرُجُ إلى الحرم، وكذلك فعَل ابنُ عمرَ وأصحابُ رسول اللَّه ﷺ الذين أهَلُّوا من مكةَ أخَّروا الطوافَ والسَّعيَ حتى رجَعوا من منًى. قال مالكٌ (٦): ومَن أهَلَّ بعُمرةٍ من مكةَ فليخرُجْ إلى الحِلِّ.

стр. 7249

وذكر عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن هشام بن عُروة، قال: أقام عبدُ اللَّه بنُ الزُّبير تسع (١) سنين يُهِلُّ بالحجِّ إذ ا رأى هلالَ ذي الحِجَّة، ويطوفُ بينُ الصفا والمروة قبل أن يخرُجَ إلى منًى. قال: وأخبَرنا هشامُ بنُ حسان، قال: كان عطاءُ بنُ أبي رباح يُعجِبُه إذا توجَّه إلى منًى أن يُهِلَّ، ثم يمضي على وجهِه. وقال عطاء: إذا أحرم عشيَّة التَّروية، فلا يَطُفْ بالبيت حتى يروحَ إلى منًى. قال هشام: وقال الحسن: أيَّ ذلك فعل فلا بأس به، إن شاء أهَلَّ حين يتوجَّهُ إلى منًى، وإن شاء قبل ذلك، وإن أهَلَّ قبل يوم التَّرْوية فإنه يطوفُ بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة. قال أبو عُمر: ليس يريدُ الطَّوافَ الواجب؛ لأنَّ الطوافَ الواجبَ لا يكون إلا بعدَ رَمْي جمرةِ العَقبة، ولكنه يَطوفُ ما بدا له بالبيت، ويركَعُ إن شاء. وهو قول مالك أيضًا. قال أبو عُمر: قد رُوِيَ عن ابن عمر في هذا الباب أنه فعل فيه أيضًا بقول أبيه، وهو كله واسعٌ جائز لمن فعله، لا يختلف الفقهاء في جواز ذلك: ذكر عبدُ الرزاق، عن عبد العزيز بن أبي روّاد، عن نافع، قال: أهلَّ ابنُ عمر مرةً بالحجِّ حين رأى الهلال، ومرةً أخرى بعد الهلال من جوف الكعبة، ومرةً أخرى حين راح منطلقًا إلى منًى. قال: وأخبرنا عُبيدُ اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنه أهلَّ بالحجِّ من مكة ثلاث مرات. فذكر مثله. قال: وأخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابن عمرَ مثله. وعن معمرٍ وابن جريج، عن خُصَيف، عن مجاهد، عن ابن عمرَ نحوه (٢).

стр. 7250

قال مجاهد: فقلت لابن عمر: قد أهلَلْت فينا إهلالًا مختلفًا. قال: أما أول عام الأول فأخذْتُ بأخذِ أهل بلدي، ثم نظرْتُ فإذا أنا أدخلُ على أهلي حرامًا وأخرجُ حرامًا، وليس كذلك كنّا نصنَعُ، إنما كنّا نُهِلُّ ثم نقبِلُ على شأننا. قلت: فبأيِّ ذلك تأخذ؟ قال: نحرِمُ يومَ التَّرْوية (١). قال: وأخبَرنا ابنُ عُيينة، عن ابن جُريج، عن عطاء قال: إن شاءَ المكيُّ ألا يُحرِمَ بالحجِّ إلا يومَ منًى فعل. قال: وكذلك إن كان أهلُه دون الميقات، إن شاء أهَلَّ من أهله، وإن شاء من الحَرَم. قال أبو عُمر: قد ذكَرنا إهلالَ من كان مسكنُه دونَ المواقيت إلى مكةَ في باب نافع من هذا الكتاب (٢)، والحمدُ للَّه. وفي "الموطّأ" أيضًا: مالكٌ (٣) عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة أنه كان يقول: "غُسْلُ الجمعة واجبٌ على كل مُحْتَلِم كغُسْل الجَنابة". وهذا قد جاءَ عن رجلٍ لا يُحتج به عن عُبيد اللَّه بن عُمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ . وقد رُوِيَ عن أبي هُريرة، عن عُمر، عن النَّبيِّ ﷺ في الغُسْل يوم الجمعة. وقد أوردنا الآثارَ في ذلك، وأوضَحْنا معانِيها في باب ابن شِهاب عن سالم، وفي باب صَفْوان بن سُلَيْم أيضًا ذُكِرَ من ذلك، والحمدُ للَّه.

стр. 7251

وروى مالك (١) عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة أنه نهى أن يُتبع بنار. وهذا مجتمع عليه، وقد رويت الكراهية في ذلك من حديث ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ (٢).

стр. 7252

مالكٌ، عن سعيدِ بن عمرِو بن شُرَحبيلَ حديثٌ واحدٌ وهو سعيدُ (١) بنِ عَمْرو بنِ شُرَحبيلَ بنِ سعيدِ بن سعدِ بن عُبادةَ الأنصاريُّ الخَزْرجيُّ. قد ذكَرْنا نسَبَ جدِّه سَعْد بن عُبادة في كتاب الصّحابة (٢) بما يُغني عن ذِكْره ها هنا. وسعيدٌ هذا ثقةٌ عدْلٌ فيما نقل، وحديثُ مالكٍ عنه في الموطأ: مالكٌ (٣)، عن سعيدِ بنِ عمرِو بنِ شُرَحبيلَ بنِ سعيدِ بنِ سعدِ بنِ عُبادة، عن أبيه، عن جدِّه، أنه قال: خرَجَ سعدُ بنُ عُبادةَ مع رسولِ اللَّه ﷺ في بعض مغازِيه، فحضَرَتْ أمَّه الوفاةُ بالمدينة، فقيل لها: أوْصي، فقالت: فيْمَ أُوصِي؟ وإنّما المالُ مالُ سعدٍ، فتُوفِّيتْ قبلَ أن يقدَمَ سعدٌ. فلمّا قدِمَ ذُكر ذلك له، فقال سعدٌ: يا رسولَ اللَّه، هل ينفَعُها أنْ أتصَدَّقَ عنها؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "نعَمْ"، فقال سعدٌ: حائطُ كذا وكذا صدقةٌ عنها. لحائطٍ سماه. هكذا قال يحيى: سعيدُ بنُ عمرو. وعلى ذلك أكثر الرواة، منهم ابنُ القاسم (٤)، وابنُ وَهْب (٥)، وابن بُكَير، وأبو المُصعَب (٦).

стр. 7253

وقال فيه القعنبيُّ (١): سعدُ بنُ عمرو. وكذلك قال ابنُ البرقيِّ: سعدُ بنُ عمرِو بنِ شُرَحْبيل. كا قال القعنبيُّ. والصواب فيه: سعيدُ بنُ عمرو. واللَّه أعلم. وعلى ذلك أكثرُ الرواة. وهذا الحديثُ مسندٌ؛ لأن سعيدَ بنَ سعد بن عُبادةَ له صُحْبة، قد روَى عنه أبو أُمامةَ بنُ سهل بنِ حُنَيف وغيرُه، وشرَحْبيل ابنُه غيرُ نَكير أن يلقَى جدَّه سعدَ بنَ عُبادة (٢). على أن حديثَ سعدِ بنِ عُبادة هذا في قصة أمِّه قد رُوِي مسنَدًا من وُجوه، ومقطوعًا أيضًا، بألفاظٍ مختلفة، وقد ذكَرْناها في أبواب سلَفَت من كتابنا هذا، منها بابُ ابن شهاب، عن عُبَيد اللَّه (٣)، ومنها بابُ عبد الرحمن بن أبي عَمْرة (٤)، وقد يُشبِهُ أن يكونَ حديثُ هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة،

стр. 7254

من رواية مالكٍ (١) وغيره في صدقةِ الحيِّ عن الميت، هو حديث سعد بن عُبادة هذا، واللَّهُ أعلم. وأما معنى هذا الحديث فمُجتمعٌ عليه في جوازِ صدقةِ الحيِّ عن الميت، لا يختلفُ العلماءُ في ذلك، وأنها مما ينتفعُ الميتُ بها، وكفَى بالاجتماع حُجَّة، وهذا من فضل اللَّه على عبادِه المؤمنين أن يُدْرِكَهم بعدَ موتهم عملُ البرِّ والخير بغير سبَبِ منهم، ولا يلحَقَهم وِزْرٌ يعمَله غيرُهم، ولا شرٌّ، إن لم يكن لهم فيه سببٌ يُسَبِّبونَه أو يَبتَدِعونَه، فيُعمل به بعدَهم. حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبد العزيز بن أبي عُبَيد اللُّؤلؤيُّ البغداديُّ بمكة، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حرب (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ عبدِ العزيز بن أبي سلَمة، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن سعيدِ بنِ عمرِو بنِ شُرَحْبيل، عن أبيه، عن جدِّه، عن سعد بنِ عُبادة، أنه خرَج مع رسول اللَّه ﷺ في بعض مغازِيه، وحضَرَت أمَّه الوفاةُ، فقيل لها: أوْصي. فقالت: بمَ أُوصي؟ إنّما المالُ كلُّه لسعد. قال: فلمّا قدِمْتُ أُخبِرتُ بذلك، فقلتُ للنبيِّ ﷺ : أينْفَعُها أن أتصَدَّقَ عنها؟ قال: "نعم". وهذا الإسنادُ عن مالك يدُلُّ على الاتِّصال، وهو الأغلبُ منه، واللَّه أعلم. وكذلك حديثُ الدَّراوَرْديِّ في ذلك:

стр. 7255

أخبرنا أحمدُ بنُ عبد اللَّه، أنَّ أباه أخبَره، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ يونس، قال: حدَّثنا بَقِيُّ بنُ مَخْلَد، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الحميد، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمد، عن سعيدِ بنِ عمرِو بنِ شُرَحْبيل، عن سعيدِ بنِ سعدِ بنِ عُبادة، عن أبيه، أنَّ أُمَّه توفِّيت وهو غائبٌ، فسأل النبيَّ ﷺ : أينْفَعُها أن أتصَدَّق عنها؟ قال: "نعم" (١). وقد رُوِيَ متصلًا من حديث أنس: حدَّثناه أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمد، قال: حدَّثني أبي (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ يونس، قال: حدَّثنا بَقِيٌّ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ حُميد بنِ كاسب، قال: حدَّثنا مروانُ، قال: حدَّثنا حُميدٌ الطّويل، عن أنس، قال: قال سعدُ بنُ عُبادة: يا رسولَ اللَّه، إنَّ أمَّ سعدٍ كانت تُحبُّ الصدقة، أفيَنْفَعُها أن أتصَدَّقَ عنها؟ قال: "نعم، وعليك بالماء" (٣).

стр. 7256

قال (١): وحدَّثنا يحيى بنُ عبد الحميد، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمد، عن عُمارةَ بنِ غَزِيّة، عن حُميدِ بن أبي الصَّعبة، عن سعيد بن سعدِ بنِ عُبادة، أنَّ النبيَّ ﷺ أمَر سعدَ بنَ عُبادةَ أن يَسْقى عنها الماء. وسُئلَ ابن عباس: أيُّ الصَّدقة أفضلُ؟ فقال: الماءُ، ألَمْ ترَوْا إلى أهل النار حينَ استغاثوا بأهل الجنّة ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠] (٢).

стр. 7257

أبو حازم سلَمَة بن دينار الحَكيم (١) حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (٢): سمعتُ مصعبَ بنَ عبدِ اللَّه يقول: اسمُ أبي حازم سلَمةُ بنُ دينار، وأصلُه فارسيٌّ، مولًى لبني ليثٍ، وأمُّه رُوميّةٌ، وكان أشقرَ أفزَرَ (٣) أحوَلَ. قال أحمدُ بنُ زُهير (٤): وسألتُ يحيى بنَ معين، عن أبي حازم، فقال: سلمةُ بنُ دينار، مشهورٌ مدنيٌّ ثقةٌ. وسمعت يحيى بن معين يقول: مات أبو حازم المدنيُّ سنةَ أربعينَ ومئة (٥). وقيل غير ذلك (٦)، وهذا أصحُّ، إن شاء اللَّه. وذَكَر الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ قال: حدَّثنا مُطرِّفٌ، قال: أخبَرني ابنُ أبي حازم، عن أبيه، أنّه حدّث بحديثٍ عندَ هشام، وهو عاملُ المدينة، وابنُ شهابٍ حاضرٌ، فقال ابنُ شهاب: ما سمِعتُ بهذا عن النبيِّ ﷺ . فقال أبو حازم: أكُلَّ حديثِ رسولِ اللَّه ﷺ سمعتَه؟ قال: لا. قال فنِصْفَه؟ قال: أرى ذلك. قال: فاجعَلْ هذا في النِّصف الذي لم تسمع. فقال ابن شهاب: أصلحَكَ اللَّهُ، واللَّه إنّه

стр. 7258

لجاري منذ كذا وكذا، وما عرفتُه هكذا قطُّ. فقال أبو حازم: أما واللَّه لو كنتُ منَ الأغنياءِ لَعرفْتَني منذُ زمان، ولكنّي منَ الفقراء (١). هذا الخبرُ مختلفٌ فيه، قد رُوِيَ عن أبي سهيلٍ (٢) مع الزُّهري، ورُوِيَ لغيره أيضًا، وقصة أبي حازم في خبَرِه الطّويل عند سليمان عليها جرى قولُ الزُّهريِّ فيما روى (٣)، واللَّه أعلم. وأبو حازم القائل: ما الدُّنيا؟ أمّا ما مضى منها فأحلامٌ، وأمّا ما بقيَ فأمانيُّ، وأمّا إبليسُ، واللَّه لقد أُطِيعَ فما نفعَ، ولقد عصي فما ضَرَّ (٤). قال أبو عُمر: وكان أبو حازم هذا أحدَ الفُضلاء الحُكماءِ العلماءِ (٥) الثِّقات الأثباتِ منَ التابعين، وله حِكَمٌ وزُهْديّاتٌ ومواعظُ ورقائقُ ومُقطَّعات يطُولُ الكتابُ بذِكْرها. لمالكٍ عنه في "الموطّأ" من مرفوعاتِه تسعةُ أحاديث، فيها واحدٌ مرسلٌ، وآخَرُ موقوفٌ عند أكثرِ الرُّواة، واللَّه الموفق.

стр. 7259

حديثٌ أول لأبي حازم مالكٌ (١)، عن أبي حازم بن دينار، عن سهلِ بنِ سعد الساعديِّ، أنه قال: كان الناسُ يُؤمَرون أن يضعَ الرَّجلُ يدَه اليمنى على ذِراعه اليُسرى في الصلاة. قال أبو حازم: لا أعلَمُ إلا أنه يَنْمي (٢) ذلك. قال أبو عُمر: "يَنْمي ذلك" يعني: يرفَعُه، يريدُ إلى النبيِّ ﷺ ، وقد مضَى رفْعُ هذا الحديث من طُرقٍ شتّى، ومضَى ما فيه للعلماء في باب عبدِ الكريم أبي أُميّة (٣) من هذا الكتاب (٤)، فلا وجهَ لتكرير ذلك هاهنا. وقد حدَّثنا أحمدُ بنُ فَتح، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسن الرازيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ داودَ المكِّيُّ، قال: حدَّثنا عمارُ بنُ مطر (٥)، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن أبي حازم، عن سهلِ بنِ سعدٍ، قال: أُمِرْنا بأن نضَعَ اليدَ اليُمْنى على الذراع اليسرى في الصلاة (٦).

стр. 7260

حديثٌ ثانٍ لأبي حازم مالكٌ (١)، عن أبي حازم، عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إن كان، ففي الفَرَس والمرأةِ والمسكَن"؛ يعني: الشُّؤْم. ليس في هذا الحديث قَطْعٌ في الشُّؤْم؛ لقوله: "إن كان". وقد مضَى القولُ في معنى هذا الحديث في باب ابنِ شهاب، عن سالم وحمزةَ ابنَي عبدِ اللَّه بنِ عمرَ من هذا الكتاب (٢). وقيل: شُؤْمُ الفَرَس: ألا يُغزَى عليه في سبيل اللَّه، وشُؤْمُ المرأة: ألّا تكونَ وَلُودًا ولا وَدُودًا، وشُؤْمُ الدار: جيرانُها إذا كانوا جيرانَ سوْء.

стр. 7261

حديثٌ ثالثٌ لأبي حازم مالكٌ (١)، عن أبي حازم بن دينار، عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لا يزالُ الناسُ بخَير ما عَجَّلوا الفِطْرَ". قال أبو عُمر: من السُّنة تعجيلُ الفِطرِ وتأخيرُ السُّحور، والتعجيلُ إنما يكونُ بعدَ الاستيقان بمغيبِ الشمس، ولا يجوزُ لأحدٍ أن يُفطِرَ وهو شاكٌّ هل غابتِ الشَّمسُ أم لا؟ لأن الفرضَ إذا لزِمَ بيقينٍ لم يُخرَجُ عنه إلا بيقين، واللَّه يقول: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وأولُ الليل مَغِيبُ الشَّمس كلِّها في الأفُق عن أعينِ الناظرين، ومَن شكَّ لزِمَه التَّمادي حتّى لا يشُكَّ في مَغيبها، قال ﷺ : "إذا أقبَل الليلُ من هاهنا -يعني المشرق- وأدبَر النهارُ من هاهنا -يعني المغربَ- وغرَبتِ الشمسُ، فقد أفطَر الصائم". حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ (٢) ومحمدُ بنُ إسماعيل (٣)، قالا: حدَّثنا الحميديُّ، قال (٤): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، قال: أخبَرني أبي، قال: سمعتُ عاصمَ بنَ عمرَ بنِ الخطاب يُحدِّثُ عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أقبَل الليلُ من هاهنا، وأدبَر النهارُ من هاهنا، وغرَبتِ الشمسُ، فقد أفطَر الصائم". واختلَف الفقهاءُ فيمن أفطَر وهو يظُنُّ أنَّ الشّمسَ قد غرَبت، ثم بدَت له بعدَ إفطارِه:

стр. 7262

فقال مالكٌ والشافعيُّ وأبو حنيفة والثوريُّ والليثُ، فيمَن أكلَ وظنَّه ليلًا، ثم تبيَّن له أنه نهارٌ، أو أفطَر وهو يظُنُّ أنَّ الشمسَ قد غرَبت، فإذا بها لم تغرُبْ، فعليه القضاء (١). وقال مجاهدٌ وجابرُ بنُ زيد: لا قضاءَ عليه في شيء من ذلك كلِّه. وبه قال داود. وقال الشافعيُّ وعُبيدُ اللَّه بنُ الحسن: مَن أكَل وهو شاكٌّ في الفجر فلا شيءَ عليه. وقال الثوريُّ: يتسحَّرُ الرجلُ ما شكَّ حتى يرى الفجر. وقال أبو حنيفة: إن كان أكثرُ ظنِّه في حين أكلِه أنه أكَل بعدَ طلوع الفجر، فأحَبُّ إلينا أن يَقضِي (٢). أخبَرنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مَسَرَّة، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٣): حدَّثنا أبو أسامة، عن هشام بنِ عُروة، عن فاطمةَ بنتِ المنذر، عن أسماءَ بنتِ أبي بكر: أنهم أفطَروا على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ في يوم غيم، ثم طلَعتِ الشمسُ. فقلتُ لهشام: فأُمِروا بالقضاء؟ قال: ومن ذلك بُدٌّ. أخبرنا أحمدُ بنُ محمدِ بن هشام، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيم بن فِراس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم الدَّيبُليُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ زيدٍ الفرائضيُّ، قال:
следующие страницы →