← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7258–7297 · переход к 7263.

стр. 7258

لجاري منذ كذا وكذا، وما عرفتُه هكذا قطُّ. فقال أبو حازم: أما واللَّه لو كنتُ منَ الأغنياءِ لَعرفْتَني منذُ زمان، ولكنّي منَ الفقراء (١). هذا الخبرُ مختلفٌ فيه، قد رُوِيَ عن أبي سهيلٍ (٢) مع الزُّهري، ورُوِيَ لغيره أيضًا، وقصة أبي حازم في خبَرِه الطّويل عند سليمان عليها جرى قولُ الزُّهريِّ فيما روى (٣)، واللَّه أعلم. وأبو حازم القائل: ما الدُّنيا؟ أمّا ما مضى منها فأحلامٌ، وأمّا ما بقيَ فأمانيُّ، وأمّا إبليسُ، واللَّه لقد أُطِيعَ فما نفعَ، ولقد عصي فما ضَرَّ (٤). قال أبو عُمر: وكان أبو حازم هذا أحدَ الفُضلاء الحُكماءِ العلماءِ (٥) الثِّقات الأثباتِ منَ التابعين، وله حِكَمٌ وزُهْديّاتٌ ومواعظُ ورقائقُ ومُقطَّعات يطُولُ الكتابُ بذِكْرها. لمالكٍ عنه في "الموطّأ" من مرفوعاتِه تسعةُ أحاديث، فيها واحدٌ مرسلٌ، وآخَرُ موقوفٌ عند أكثرِ الرُّواة، واللَّه الموفق.

стр. 7259

حديثٌ أول لأبي حازم مالكٌ (١)، عن أبي حازم بن دينار، عن سهلِ بنِ سعد الساعديِّ، أنه قال: كان الناسُ يُؤمَرون أن يضعَ الرَّجلُ يدَه اليمنى على ذِراعه اليُسرى في الصلاة. قال أبو حازم: لا أعلَمُ إلا أنه يَنْمي (٢) ذلك. قال أبو عُمر: "يَنْمي ذلك" يعني: يرفَعُه، يريدُ إلى النبيِّ ﷺ ، وقد مضَى رفْعُ هذا الحديث من طُرقٍ شتّى، ومضَى ما فيه للعلماء في باب عبدِ الكريم أبي أُميّة (٣) من هذا الكتاب (٤)، فلا وجهَ لتكرير ذلك هاهنا. وقد حدَّثنا أحمدُ بنُ فَتح، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسن الرازيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ داودَ المكِّيُّ، قال: حدَّثنا عمارُ بنُ مطر (٥)، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن أبي حازم، عن سهلِ بنِ سعدٍ، قال: أُمِرْنا بأن نضَعَ اليدَ اليُمْنى على الذراع اليسرى في الصلاة (٦).

стр. 7260

حديثٌ ثانٍ لأبي حازم مالكٌ (١)، عن أبي حازم، عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إن كان، ففي الفَرَس والمرأةِ والمسكَن"؛ يعني: الشُّؤْم. ليس في هذا الحديث قَطْعٌ في الشُّؤْم؛ لقوله: "إن كان". وقد مضَى القولُ في معنى هذا الحديث في باب ابنِ شهاب، عن سالم وحمزةَ ابنَي عبدِ اللَّه بنِ عمرَ من هذا الكتاب (٢). وقيل: شُؤْمُ الفَرَس: ألا يُغزَى عليه في سبيل اللَّه، وشُؤْمُ المرأة: ألّا تكونَ وَلُودًا ولا وَدُودًا، وشُؤْمُ الدار: جيرانُها إذا كانوا جيرانَ سوْء.

стр. 7261

حديثٌ ثالثٌ لأبي حازم مالكٌ (١)، عن أبي حازم بن دينار، عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لا يزالُ الناسُ بخَير ما عَجَّلوا الفِطْرَ". قال أبو عُمر: من السُّنة تعجيلُ الفِطرِ وتأخيرُ السُّحور، والتعجيلُ إنما يكونُ بعدَ الاستيقان بمغيبِ الشمس، ولا يجوزُ لأحدٍ أن يُفطِرَ وهو شاكٌّ هل غابتِ الشَّمسُ أم لا؟ لأن الفرضَ إذا لزِمَ بيقينٍ لم يُخرَجُ عنه إلا بيقين، واللَّه يقول: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وأولُ الليل مَغِيبُ الشَّمس كلِّها في الأفُق عن أعينِ الناظرين، ومَن شكَّ لزِمَه التَّمادي حتّى لا يشُكَّ في مَغيبها، قال ﷺ : "إذا أقبَل الليلُ من هاهنا -يعني المشرق- وأدبَر النهارُ من هاهنا -يعني المغربَ- وغرَبتِ الشمسُ، فقد أفطَر الصائم". حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ (٢) ومحمدُ بنُ إسماعيل (٣)، قالا: حدَّثنا الحميديُّ، قال (٤): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، قال: أخبَرني أبي، قال: سمعتُ عاصمَ بنَ عمرَ بنِ الخطاب يُحدِّثُ عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أقبَل الليلُ من هاهنا، وأدبَر النهارُ من هاهنا، وغرَبتِ الشمسُ، فقد أفطَر الصائم". واختلَف الفقهاءُ فيمن أفطَر وهو يظُنُّ أنَّ الشّمسَ قد غرَبت، ثم بدَت له بعدَ إفطارِه:

стр. 7262

فقال مالكٌ والشافعيُّ وأبو حنيفة والثوريُّ والليثُ، فيمَن أكلَ وظنَّه ليلًا، ثم تبيَّن له أنه نهارٌ، أو أفطَر وهو يظُنُّ أنَّ الشمسَ قد غرَبت، فإذا بها لم تغرُبْ، فعليه القضاء (١). وقال مجاهدٌ وجابرُ بنُ زيد: لا قضاءَ عليه في شيء من ذلك كلِّه. وبه قال داود. وقال الشافعيُّ وعُبيدُ اللَّه بنُ الحسن: مَن أكَل وهو شاكٌّ في الفجر فلا شيءَ عليه. وقال الثوريُّ: يتسحَّرُ الرجلُ ما شكَّ حتى يرى الفجر. وقال أبو حنيفة: إن كان أكثرُ ظنِّه في حين أكلِه أنه أكَل بعدَ طلوع الفجر، فأحَبُّ إلينا أن يَقضِي (٢). أخبَرنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مَسَرَّة، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٣): حدَّثنا أبو أسامة، عن هشام بنِ عُروة، عن فاطمةَ بنتِ المنذر، عن أسماءَ بنتِ أبي بكر: أنهم أفطَروا على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ في يوم غيم، ثم طلَعتِ الشمسُ. فقلتُ لهشام: فأُمِروا بالقضاء؟ قال: ومن ذلك بُدٌّ. أخبرنا أحمدُ بنُ محمدِ بن هشام، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيم بن فِراس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم الدَّيبُليُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ زيدٍ الفرائضيُّ، قال:

стр. 7263

حدَّثنا محمدُ بن كثير، عن الأوزاعيِّ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "قال اللَّه : أحَبُّ ما عبادي إليَّ أسرعُهم فِطرًا" (١). قال أبو عُمر: لم يسمعِ الأوزاعيُّ هذا الحديثَ من الزهريِّ؛ بينَهما قُرَّةُ بنُ حَيْويل، كذلك رواه ثقاتُ أصحابِ الأوزاعيِّ، وأما محمدُ بنُ كثير هذا، فكثيرُ الخطأ، ضعيفُ النقل.

стр. 7264

حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن أبي حازم، عن سهل بنِ سعد، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما عجَّلوا الفطر" (١). ورُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ كان لا يصلِّي في رمضانَ حتى يُفطِرَ ولو على شَرْبةٍ من ماءٍ. وقد مضَت آثارُ هذا الباب في بابِ عبدِ الرحمن بن حَرملةَ من هذا الكتاب (٢).

стр. 7265

حديثٌ رابعٌ لأبي حازم مالكٌ (١)، عن أبي حازم بن دينار، عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ الساعديِّ ﵁، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ذهَب إلى بني عَمْرو بن عوفٍ ليُصلِحَ بينَهم وحانتِ الصلاةُ، فجاء المؤذِّنُ إلى أبي بكرٍ الصديق، فقال: أتصلِّي للناس فأُقيم؟ قال: نعم. فصلَّى أبو بكر، فجاء رسولُ اللَّه ﷺ والناسُ في الصلاة، فتخلَّص حتى وقَف في الصفِّ، فصفَّقَ الناسُ، وكان أبو بكرٍ لا يلتفِتُ في صلاتِه، فلمّا أكثرَ الناسُ من التصفيق، التفتَ أبو بكر، فرأى رسولَ اللَّه ﷺ ، فأشار إليه رسولُ اللَّه ﷺ أن امكُثْ مكانَك، فرفَع أبو بكر يدَيْه، فحمِد اللَّهَ على ما أمَره به رسولُ اللَّه ﷺ من ذلك، ثم استَأخَر حتى استَوى في الصفِّ، وتقدَّم رسولُ اللَّه ﷺ ، فصلَّى ثم انصرَف، فقال: "يا أبا بكر، ما منَعك أن تثبُتَ إذْ أمرتُكَ؟ ". فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قُحافةَ أن يُصلِّي بينَ يدَي رسولِ اللَّه ﷺ . فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "ما لي رأيتكم أكثرتُمُ التَّصفيق؟ مَن نابَه شيءٌ في صلاتِه فليُسبِّحْ، فإنّه إذا سبَّحَ التُفِتَ إليه، وإنما التَّصفيحُ للنِّساء". قال أبو عُمر: لم يَخْتلفْ رواةُ "الموطأ" في إسنادِ هذا الحديث (٢)، وانفرَد

стр. 7266

عبدُ اللَّه بنُ محمد بنِ ربيعةَ القُدَاميُّ، عن مالك، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "التَّسبيحُ للرجال، والتَّصفيقُ للنِّساء" (١). ولم يُتابَع عليه. وحديثُ الزُّهريِّ محفوظٌ عند جماعة من أصحابه، وإن اختلَفوا في إسنادِه. وروَى هذا الحديثَ ابنُ عيينة (٢)، وخارجة (٣)، والمسعوديُّ (٤)، عن أبي حازم، عن سهلِ بنِ سعدٍ بمعنى حديث مالك، وقالوا كلُّهم في آخره: "إنّما التَّصفيحُ (٥) للنِّساء، والتَّسبيحُ للرجال".

стр. 7267

والمعنى الذي له خرَج رسولُ اللَّه ﷺ إلى بني عَمْرِو بنِ عوفٍ ليُصلِحَ بينَهم؛ أنَّ رجلَين منهم تشاجَرا. كذا رواه أسدُ بنُ موسى، عن المسعوديِّ، عن أبي حازم، عن سَهْلِ بن سَعْد، قال: كان بينَ رجلين من الأنصار شيءٌ، فانطلَق إليهما رسولُ اللَّه ﷺ ليُصلِحَ بينهما، فذكر الحديث (١). وقال خارجةُ، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد: كان بين بني عَمْرو بن عوفٍ شيءٌ بالمدينة، فاستَبُّوا وتَرامَوا بالحجارة، فبلَغ ذلك رسولَ اللَّه ﷺ ، فانطلَق يُصلِحُ بينهم، والصلاةُ التي شَهِدها رسولُ اللَّه ﷺ هم صلاةُ العَصْر والمؤذِّنُ بلال. كذلك ذكَر جمهورُ الرواة لهذا الحديث عن أبي حازم في الصلاة أنها العصرُ، والمؤذِّن أنه بلال: حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ رَوح، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ. وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ محمد، قالا: حدَّثنا حمادٌ، عن أبي حازم، عن سهلِ بنِ سعد، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أتى بني عمرِو بنِ عوفٍ في لحاءٍ كان بينهم، فحضرَت صلاةُ العصر، فقال بلالٌ لأبي بكر: أأقيمُ الصلاةَ فتُصلِّي بالناس؟ قال: نعم. فأقام بلالٌ، وتقدَّم أبو بكر، فجاء رسولُ اللَّه ﷺ يفرُقُ الصفوف، وصفَّح القوم، وكان أبو بكرٍ لا يكادُ يلتَفتُ، فلما أكثروا التَّصفيقَ التفَتَ، فإذا هو برسولِ اللَّه ﷺ يَفرُقُ الصُّفوفَ، فتأخَّر أبو بكر، وأومَأ

стр. 7268

إليه أن مكانَك. فتأخَّر وتقدَّم النبيُّ ﷺ فصلَّى بهم، فلما قضَى صلاتَه قال: "يا أبا بكر، ما لكَ إذْ أومأتُ إليك لم تقُمْ؟ ". قال: ما كان لابن أبي قُحافةَ أن يؤُمَّ رسولَ اللَّه ﷺ . قال: "يا قومِ، ما بالُكم إذا نابَكم أمرٌ صفَّقْتُم؟ سبِّحوا؛ فإنما التَّصفيقُ للنِّساء" (١). في هذا الحديث من الفقه أنَّ الصلاةَ إذا خُشِيَ فواتُ وقتِها لم يُنتظَرِ الإمامُ مَن كان، فاضلًا كان أو مفضولًا. وفيه: أنَّ الإقامةَ إلى المؤذِّن، هو أوْلى بها، وهذا موضعٌ اختلَف العلماءُ فيه: فذهَب قومٌ إلى أنّ من أذَّن فهو يُقيم، وروَوْا فيه حديثًا عن النبيِّ ﷺ بإسنادٍ فيه لينٌ (٢)، يدورُ على الإفريقيِّ عبدِ الرحمن بنِ زياد. وقال مالكٌ وجماعةٌ غيرُه من العلماء: لا بأسَ بأذانِ مؤذِّنٍ وإقامةِ غيرِه (٣). واستحبَّ الشافعيُّ أن يُقيمَ المؤذِّنُ، فإن أقام غيرُه، فلا بأسَ بذلك عندَه (٤). وفي حديثِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ (٥) ما يدلُّ على أنه لا بأسَ بإقامةِ غيرِ المؤذن، وهو أحسنُ إسنادًا من حديث الإفريقيِّ.

стр. 7269

وفيه: أنَّه لا بأسَ بتَخَلُّل الصُّفوف، ودفْع الناس والتَّخلُّص بينَهم، للرَّجل الذي تليقُ به الصلاةُ في الصفِّ الأول حتى يَصِلَ إليه، ومن شأن الصفِّ الأول أن يكونَ فيه أهلُ الفضل والعلم بحدودِ الصلاة؛ لقوله ﷺ : "لِيَلني (١) منكم أُولُو الأحلام والنُّهَى" (٢). يريد: ليَحفظوا عنه، ويَعُوا ما يكونُ منه في صلاته، وكذلك ينبغي أن يكونَ في الصفِّ مَن يصلُحُ للاستِخْلافِ إن نابَ الإمامَ شيءٌ في صلاتِه ممَّن يعرِفُ إرْقاعَها (٣) وإصلاحَها.

стр. 7270

وفيه: أنَّ التَّصفيقَ لا تَفسُدُ به صلاةُ الرجال إن فعلُوه؛ لأنهم لم يُؤمَروا بإعادة، ولكن قيل لهم: شأنُ الرجال في مثل هذه الحال التَّسبيح. وفيه أنَّ أبا بكر كان لا يلتفِتُ في صلاته، ثم التفتَ إذ أكثرَ الناسُ التَّصفيق. وفيه: أنَّ الالتفاتَ لا يُفسِدُ الصلاة؛ لأنه لو أفسَدها لأمَره رسولُ اللَّه ﷺ باعادتِها، ولقال له: قد أفسَدْتَ صلاتَك بالتفاتِك؛ لأنه ﷺ إنما بُعث آمرًا بالمعروف، وناهيًا عن المنكر، ومعلِّمًا شرائعَ الدين، وقد بلَّغ كلَّ ما أُمِر به ﷺ ، وما أقرَّ عليه مما رآه فهو في حكم ما أباحه قولًا وعملًا، وقد جاءت في النهي عن الالتفاتِ في الصلاةِ أحاديثُ مَحملُها عند العُلماءِ (١) على ما وصَفتُ لك. وأجمع العلماءُ على أنَّ الالتفاتَ في الصلاة مكروهٌ؛ وقال رسولُ اللَّه ﷺ : "الالتفاتُ في الصلاة خُلسة يختَلِسُها الشيطانُ من صلاةِ العبد" (٢). وجمهورُ الفقهاء على أنَّ الالتفاتَ لا يُفسِدُ الصلاةَ إذا كان يسيرًا. وقال أبو ثور: إذا التفَت ببدنِه كلِّه أفسَد صلاته (٣). وقال الحكم: من تأمَّل مَن عن يمينِه أو يسارِه في الصلاة حتى يعرِفَه فليس له صلاة (٤). وأخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد بن يوسف، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد بن عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم بن محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد اللَّه بنِ سليمانَ مُطيَّن، قال: حدَّثنا موسى بن زياد، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، عن

стр. 7271

الأوزاعيِّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن نافع، قال: سُئِل ابنُ عمر: أكان النبيُّ ﷺ يلتفِتُ في الصلاة؟ قال: لا، ولا في غير الصلاة (١) (٢). وفيه: أنَّ الإشارةَ في الصلاة باليد وبالعين وبغير ذلك لا بأس بذلك: حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا زكريا بنُ يحيى السِّجْزيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاق، قال (٣): حدَّثنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن أنس، أنّ النبيَّ ﷺ كان يشيرُ في الصلاة.

стр. 7272

قال إسحاق (١): وأخبرَنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن عبيدِ اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُشيرُ في الصلاة (٢). وفيه: أنَّ رفعَ اليدين حمدًا وشكرًا ودُعاءً في الصلاة لا يضرُّ بها شيءٌ من ذلك كلِّه. وفيه دليلٌ على جواز الاستخلاف في الصلاة إذا أحدَث الإمامُ أو منَعه مانعٌ من تمام صلاتِه؛ لأن الإمامَ إذا أحدَث كان أولى بالاستِخْلاف، وكان ذلك منه أجوزَ من تأخُّر أبي بكر ﵁ من غير حدَث؛ لأن المُحدِثَ لا يجوزُ له أن يَتمادَى في تلك الصلاة، وقد كان لأبي بكر أن يتمادَى لولا موضعُ فضيلةِ رسولِ اللَّه ﷺ ، وأنّه لا يجوزُ التقدُّمُ بينَ يديه بغير إذنِه ﷺ ، وقد كان يجوزُ له أن يَثبُتَ ويتمادَى؛ لإشارةِ رسولِ اللَّه ﷺ أن امكُثْ مكانَك، وليسَ كذلك المُحدِثُ؛ ولهذا يستخْلِفُ عندَ جمهورِ العلماء (٣)، وقد ذكَرْنا ما في هذه المسألة من الاختلاف في باب إسماعيلَ بنِ أبي حكيم (٤)، والحمد للَّه (٥). وأما استئْخارُ أبي بكر عن إمامته، وتقدُّمُ رسولِ اللَّه ﷺ إلى مكانه، وصلاتُه في موضع أبي بكر ما كان بَقِيَ عليه، فهذا موضعُ خصوص عندَ جمهور العلماء،

стр. 7273

لا أعلمُ بينُهم خلافًا أنّ إمامَيْن في صلاةٍ واحدة من غير عُذرِ حدَثٍ يقطعُ صلاةَ الإمام، ويوجِبُ الاستخلاف - لا يجوز، وفي إجماعهم على هذا دليلٌ على خصوص هذا الموضع؛ لفضل رسولِ اللَّه ﷺ ، ولأنّه لا نَظِيرَ له في ذلك، ولأنَّ اللَّهَ قد أمَرهم أن لا يتقدَّموا بينَ يَدَي اللَّه ورسولِه، وهذا على عُمومه في الصَّلاة والفَتْوَى والأمور كلِّها، ألا ترى إلى قول أبي بكر: ما كانَ لابن أبي قُحافةُ أن يتقدَّمَ بين يَدَيْ رسول اللَّه ﷺ ، أو يُصلِّي بين يَدَي رسول اللَّه ﷺ . وفضيلةُ الصَّلاةِ خَلْفَ رسول اللَّه ﷺ لا يجهَلُها مسلم، ولا يلحَقُها أحدٌ، وأما سائرُ الناس فلا ضرورةَ بهم إلى ذلك، لأن الأولَ والثاني سَواءٌ، ما لم يكُنْ عُذرٌ، ولو صَلَّى أبو بكر بهم تمام الصلاة لجازَ؛ لقول رسول اللَّه ﷺ : "ما منعَكَ أن تثبُتَ إذْ أمرتُكَ؟ ". وفي هذا دليلٌ على أنه لولا أنه أمَره ما قال له: "ما منعَكَ أن تَثبُتَ؟ ". وفي هذا ما يدُلُّك على أنهم قد كانوا عرَفوا منه ما يدُلُّ على خُصوصه في ذلك، واللَّه أعلم. وموضعُ الخصوص من هذا الحديث هو استِئخارُ الإمام لغيره من غير حَدَثٍ يقطَعُ عليه صلاتَه، وأما لو تأخَّر بعد حَدَثٍ وقَدَّم غيرَه لم يكن بذلك بأسٌ، بل في هذا الحديث دليلٌ عليه؛ للعلّة التي ذكَرنا، فكذلك كلُّ عِلّة تمنعُ من تَماديه في صلاتِه. وقد روَى عيسى، عن ابن القاسم، في رجل أمَّ قومًا، فصلَّى بهم رَكْعةً، ثم أحدَث، فخرَج وقدَّم رجلًا، ثم توضَّأ، وانصرَف فأخرَج الذي قدَّمه وتقدَّم، هل تُجزئ عنهم صلاتُهم؟ فقال: قد جاء الحديثُ عن النبيِّ ﷺ ، أنه جاء وأبو بكر يصلِّي بالناس، فسبَّح الناسُ بأبي بكر، فتأخَّر وتقدَّم رسولُ اللَّه ﷺ ، فأرى أن يُصلِّي بهم بقيةَ صلاتهم، ثم يجلِسون حتى يُتمَّ هو لنفسه، ثم يُسلِّمُ ويُسلِّمون. قال عيسى: قلت لابن القاسم: فلو ذكَر قبيحَ ما صنَع بعدَ أن صلَّى رَكْعةً؟

стр. 7274

قال: يخرُجُ ويقدِّمُ الذي أخرَج. قلت: فإن لم يجِدْه؟ قال: فليُقدَّم غيرَه ممّن أدرَك الصلاة كلَّها (١). وفيه أن التَّصفيقَ لا يجوزُ في الصلاة لمن نابَه شيءٌ فيها، ولكن يُسبِّحُ، وهذا ما لا خلافَ فيه للرجال؛ وأما النساءُ فإن العلماء اختلَفوا في ذلك؛ فذهب مالكٌ وأصحابُه إلى أن التَّسبيح للرجال والنِّساء جميعًا؛ لقوله ﷺ : "مَن نابه شيءٌ في صلاتِه فليُسبِّحْ". ولم يخُصَّ رجالًا من نساءٍ وتأوَّلوا قولَ النبيِّ ﷺ : "إنّما التَّصفيقُ للنِّساء". أي: إنما التَّصفيقُ من فِعْلِ النِّساءِ، قال ذلك على جهةِ الذَّمّ، ثم قال: "مَنْ نابَهُ شيءٌ في صلاتِه فليُسَبِّحْ". وهذا على العموم للرجال والنِّساء، هذه حجةُ من ذهَبَ هذا المذهب. وقال آخرون؛ منهم الشافعيُّ، والأوزاعيُّ، وعُبيدُ اللَّه بنُ الحسن، والحسنُ بنُ حيٍّ، وجماعة (٢): مَن نابَه من الرجال شيءٌ في صلاتِه سبَّح، ومَن نابَه من النساء شيءٌ في صلاتِها صفَّقَت إن شاءَت؛ لأن رسولَ اللَّه ﷺ قد فرَّق بين حُكْم النساء والرجال في ذلك، فقال: "التَّصفيقُ للنِّساء، ومَنْ نابَهُ شيءٌ في صلاتِه -يعني منكم يا أيُّها الرجال- فليُسبِّحْ". واحتجَّ بحديث أبي هريرة: "التَّسبيحُ للرِّجال، والتَّصفيقُ للنِّساء" (٣). ففرَّق بينَ حكم الرجال والنساء. وكذلك رواه جماعةٌ في حديث سهلِ بنِ سعدٍ هذا، قال الأوزاعيُّ (٤): إذا نادَته أمُّه وهو في الصلاة سبَّح، فإن التَّسبيحَ للرجال، والتَّصفيقَ للنساء سنةٌ.

стр. 7275

حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا عمرُو بنُ عون، قال: أخبرنا حمادُ بنُ زيد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: كان قتالٌ بينَ بني عَمْرو بن عَوْف، فبلَغ ذلك النبيَّ ﷺ ، فأتاهم ليُصلِحَ بينَهم بعدَ الظهر، فقال لبلال: "إذا حَضَرَت الصلاةُ صلاةُ العَصْر، ولم آتِكَ، فمُرْ أبا بكرٍ فلْيُصَلِّ بالنّاس". فلما حضَرَت صلاةُ العصر أذَّن بلالٌ، ثم أقام، ثم أمَر بلال أبا بكر فتقَدَّم. وذكَر الحديث، وقال في آخره: "إذا نابَكُم شيءٌ في الصَّلاة، فليُسَبِّح الرِّجالُ وليُصَفِّح (٢) النِّساء". فهذا قاطعٌ في موضع الخلاف يرفَعُ الإشكال. وكذلك رواه ابنُ عَجْلان، وغيرُه جماعةٌ قد ذكَرْنا بعضَهم في هذا الباب، عن أبي حازم، عن سَهْل بن سَعْد (٣)، بمعنى حديث حَمّادِ بن زيدٍ هذا. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قال: حدَّثنا مسددٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن أبي حازم، عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، أنّ النبيَّ ﷺ قال: "مَنْ نابَه شيءٌ في صلاتِه فليقل: سُبحانَ اللَّه، إنّما التَّصفيقُ للنِّساء، والتَّسبيحُ للرِّجال" (٤).

стр. 7276

وهذا المعنى محفوظٌ من حديث أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ . رواه عن أبي هريرةَ جماعةٌ من أصحابه؛ منهم سعيدُ بنُ المسيِّب (١)، ومحمدُ بنُ سيرين (٢)، وأبو صالح السَّمّان (٣)، وأبو سَلَمة، وأبو نَضْرة (٤)، وغيرُهم. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شَيْبة (٥) وحامد بنُ يحيى. وأخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٦): حدَّثنا قُتيبة بنُ سعيد، قالوا: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن الزهريِّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "التَّسبيحُ للرِّجال، والتَّصفيق للنِّساء".

стр. 7277

وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمد (١)، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا محمودُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا الوليدُ، عن عيسى بن أيوب، قوله: "التَّصفيحُ للنِّساء". تضرب المرأةُ بأصبَعَيْن من يمينِها على كَفِّها الشِّمال. وقال بعضُ أهل العلم: إنما كُرِه التَّسبيحُ للنِّساء، وأُبيح لهن التَّصفيح من أجل أنَّ صوتَ المراة رَخيمٌ في أكثر النساء، وربما شغلَتْ بصوتها الرجالَ المُصلِّين معها. وفي هذا الحديث دليلٌ على جواز الفتح على الإمام؛ لقوله ﷺ : "مَن نابَه شيءٌ في صلاتِه فليُسبِّحْ". فإذا جاز التَّسبيحُ جازَت التِّلاوة. حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بنُ داود، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرَم، قال: حدَّثنا قَبيصةُ بنُ عُقبةَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ (٣)، عن خالدٍ الحذّاء، قال: سمعتُ الحسنَ يقول: إن أهلَ الكوفة يقولون: لا يُفتَحُ على الإمام. وما بأسٌ به، أليس الرجلُ يقول: سبحانَ اللَّه. قال أبو عُمر: ذكَر الطَّحاويُّ (٤) أنَّ الثوريّ، وأبا حنيفة وأصحابه، كانوا يقولون: لا يُفتَحُ (٥) على الإمام. وقالوا: إنْ فُتِحَ عليه لم تَفسُدْ صلاتُه.

стр. 7278

وروى الكَرْخيُّ (١) عن أصحاب أبي حنيفة أنهم لا يكرَهون الفتحَ على الإمام. قال أبو عُمر: قد روَى عطاءُ بنُ السائب، عن أبي عبد الرحمن السُّلَميِّ، عن عليٍّ ﵀، قال: إذا استطْعَمَكم الإمامُ فأطْعِموه (٢). ولا مخالفَ له من الصحابة. وأصلُ هذا الباب قوله ﷺ : "إذا نابَكُم شيءٌ في صلاتِكُم فسبِّحُوا". فلما كان تسبيحُه لما يَنوبُه مُباحًا، كان فتحُه على الإمام أحْرى أن يكونَ مُباحًا، وقد كان أبو حنيفةَ يقول: إذا كان التَّسبيحُ جوابًا قَطَعَ الصَّلاةَ، وإن كان من مُرور إنسانٍ بينَ يديه لم تُقْطَع. وقال أبو يوسف: لا يقطَعُ، وإن كان جوابًا (٣). وهو الصحيحُ؛ لقوله ﷺ : "مَنْ نابَه شيءٌ في صلاتِه فليُسبِّحْ". وجائزٌ أن يُسبِّحَ مَن سُلِّم عليه وهو في الصلاة على عموم هذا الحديث.

стр. 7279

واجتَمَعَ العلماءُ على أنَّ مَن سُلِّم عليه وهو يُصلِّي لا يَرُدَّ كلامًا، وكذلك أجمَعوا على أن مَن رَدَّ إشارةً أجْزَأه، ولا شيءَ عليه؛ ثَبَتَ عن النبيِّ ﷺ من حديث ابنِ عُمر، عن صُهَيب: أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُصلِّي والأنصارُ يدخُلون يُسلِّمون عليه، وكانَ يرُدُّ إشارة (١). ومَن سُلِّم عليه وهو في الصَّلاة فلم يَرُدَّ إشارةً، ردَّ إذا فرَغ منها كلامًا، وأحَبُّ إلى أهل العلم أن يُشيرَ بيدِه إلى مَن سلَّم عليه، وقد كرِه قومٌ السلامَ على المصلِّي، وأجازه الأكثرُ من العلماءِ على حكم ما ذكَرْنا، وباللَّه توفيقنا.

стр. 7280

حديثٌ خامسٌ لأبي حازم مالكٌ (١)، عن أبي حازم بن دينار، عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السّاعدِيِّ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ جاءَته امرأةٌ فقالت: يا رسولَ اللَّه، إني قد وَهَبْتُ نفسي لك. فقامت قيامًا طويلًا، فقام رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّه، زوِّجْنيها إن لم يكن لك بها حاجةٌ. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "هل عندَك من شيءٍ تُصْدِقُها إيّاه؟ ". فقال: ما عندي إلا إزاري هذا. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "إن أعطيتَها إيّاه جلستَ لا إزارَ لك، فالتمِسْ شيئًا (٢) ". فقال: ما أجِدُ شيئًا. قال: "التمِسْ ولو خاتمًا من حديد". فالتمَس فلمْ يجدْ شيئًا، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "هل معكَ من القرآن شيءٌ". قال: نعم، سورةُ كذا وسورةُ كذا. لسُوَرٍ سمّاها، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "قد أنكَحْتُكها بما معك من القرآن". روَى هذا الحديث عن أبي حازم، عن سهل، جماعةٌ (٣)، وأحسنُهم كلِّهم له سياقةً مالكٌ ﵀.

стр. 7281

وهذا الحديثُ يدخلُ في التفسير المسنَد في قوله : ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠]. والموهوبةُ خُصَّ بها رسولُ اللَّه ﷺ وحدَه دونَ سائر أمتِه ﷺ ؛ قال اللَّهُ : ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠]؛ يعني: من الصَّداق، فلا بدَّ لكلِّ مُسلم من صَداق -قلَّ أو كثُر- على حسب ما للعلماء في ذلك من التحديد في قليلِه دونَ كثيره، على ما نُوردُه في هذا الباب إن شاء اللَّه. وخُصَّ النبيُّ ﷺ بأنَّ الموهوبةَ له جائزةٌ دون صَداق. وفي القياس: أنّ كلَّ ما يجوزُ البَدَلُ منه والعوضُ جازت هبتُه، إلا أنَّ اللَّه حرَّم الأبضاعَ من النساء إلا بالمهور -وهي الصَّدُقاتُ المعلومات- قال اللَّه : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]. قال أبو عُبيدة: يعني عن طيب نَفْسٍ بالفريضة التي فَرَضها اللَّه من ذلك (١)، دون جَبْر حكومة. قال (٢): وما أُخِذ بالحكّام فلا يقال له: نِحْلةٌ. وقد قيل: إن المخاطَبَ بهذه الآية الآباء (٣)؛ لأنهم كانوا يستأثِرون بمهورِ

стр. 7282

بناتهم التي فرَضها اللَّه لهنّ. وقال اللَّهُ : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]. يعني: مُهورَهنَّ. وقال في الإماء: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥]. يعني: مُهورَهنّ. وأجمع علماءُ المسلمين أنه لا يجوزُ لأحد أن يطَأَ فَرْجًا وُهِب له وَطؤُه دونَ رَقبتِه بغير صَداق، وأنَّ الموهوبةَ لا تَحِلُّ لأحدٍ غير النبيِّ ﷺ . واختلفوا في عقدِ النِّكاح بلفظِ الهِبَة -مثل أن يقولَ الرجلُ للرجل (١): قد وَهَبْتُ لك ابنتي أو وليَّتي. وسمَّى صَداقًا أو لم يُسَمِّ- فقال الشافعيُّ: لا يَصحُّ النكاحُ بلفظ الهبة، ولا ينعقدُ حتى يقول: قد أنكَحتُكَ. أو: زوَّجتُكَ (٢). وممّن أبطَل النكاحَ بلفظِ الهبة: ربيعةُ، والشافعيُّ، ومالكٌ على اختلافِ عنه، وأبو ثور، وأبو عُبيدٍ، وداودُ، وغيرُهم. وذهَبت طائفةٌ من أصحاب مالكٍ إلى (٣) أن النكاح ينعقِدُ بلفظِ الهبة؛ لأنه لفظٌ يصحُّ للتمليك، والاعتبارُ فيه بالمعنى لا باللفظ (٤). وقال ابنُ القاسم (٥)، عن مالك: لا تحِلُّ الهبةُ لأحدٍ بعدَ النبيِّ ﷺ . قال:

стр. 7283

وإن كانت هبتُه إيّاها ليست على نكاح، إنما وهَبها له ليحضُنَها أو ليكفُلَها، فلا أرَى بذلك بأسًا. قال ابنُ القاسم: وإن وهَب ابنتَه وهو يريدُ إنكاحَها، فلا أحفَظُه عن مالك، وهو عندي جائزٌ كالبيع (١). قال مالكٌ (٢): مَن قال: أهبُ لك هذه السِّلْعةَ على أن تعطِيَني كذا وكذا، فهو بيعٌ. وإلى هذا ذهَب أكثرُ المتأخِّرين من المالكيِّين البغداديِّين، وقالوا: إذا قال رجلٌ لرجل: قد وهَبتُ لكَ ابنتي على دينار، جازَ، وكان نِكاحًا صحيحًا، قياسًا على البيع. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه والثوريُّ والحسنُ بنُ حيٍّ (٣): ينعقِدُ النكاحُ بلفظ الهبةِ إذا كان أشهدَ عليه، ولها المهرُ المسمَّى إن كان سمَّى، وإن كان لم يُسَمِّ لها مهرًا فلها مَهْرُ مثلِها. وممّا احتجَّ به أصحابُ أبي حنيفةَ في هذا، أنَّ الطلاقَ يقعُ بالتصريح وبالكناية، قالوا: فكذلك النكاح. قالوا: والذي خُصَّ به رسولُ اللَّه ﷺ تعَرَّي البُضْع من العِوَض لا النكاحُ بلفظ الهبة. قال أبو عُمر: الصحيحُ أنه لا ينعقِدُ بلفظِ الهبةِ نكاحٌ، كما أنه لا ينعقِدُ بلفظ النكاح هبةُ شيءٍ من الأموال، مع ما ورَدَ به التنزيلُ المُحْكَمُ في المَوْهُوبة أنها للنبيِّ ﷺ خالصةً دونَ المؤمنين، فلمّا لم تصحَّ الهبةُ في ذلك لم يصحَّ بلفظِها نكاحٌ، هذا هو الصحيحُ في النظر، واللَّهُ أعلم.

стр. 7284

ومن جهة النظر أيضًا، أن النكاحَ مفتقِرٌ إلى التصريح لتقَعَ الشهادةُ عليه، وهو ضِدُّ الطلاق، فكيف يُقاسُ عليه؟ وقد أجمَعوا أن النكاحَ لا ينعقِدُ بقوله: قد أربحتُ لكَ. و: قد أحلَلْتُ لكَ. فكذلك الهبةُ. وقال رسولُ اللَّه ﷺ : "استَحلَلتُم فروجَهنَّ بكلمةِ اللَّه" (١)؛ يعنى القرآن، وليس في القرآن عَقدُ النكاح بلفظِ الهبة، وإنما فيه التزويجُ والنكاحُ، وفي إجازة النكاح بلفظ الهبة إبطالُ بعض خصوصيةِ النبيِّ ﷺ ، واللَّه أعلم. وفي هذا الحديث أيضًا من الفقه: إجازةُ أخْذِ الأُجْرةِ على تعليم القرآن، وقد اختلَف في ذلك العلماء؛ فكرِهَه قومٌ؛ منهم أبو حنيفةَ وأصحابه، وأجازه آخرونَ؛ منهم مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَور، وأحمد (٢). والحُجّةُ في جواز ذلك حديثُ هذا الباب، وحديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ ، أنه بعَث سَرِيّةً فنزَلوا بحيٍّ، فسألوهم القِرَى أو الشِّراء، فلم يفعَلوا، فلُدِغ سيِّدُ الحيِّ، فقالوا لهم: هل فيكم من راق؟ فقالوا: لا، حتى تَجعلوا لنا على ذلك جُعْلًا. فجعَلوا لهم قطيعا من غنم، فأتاه رجلٌ منهم، فقرأ عليه "فاتحة الكتاب" فبرَأ، فذبَحوا وشوَوْا وأكلوا، فلما قدِموا على رسول اللَّه ﷺ ذكَروا ذلك له، فقال: "ومن أين علِمتَ أنها رُقْيةٌ؟ مَن أخَذ برُقيَة باطل فلقد أخَذتَ برُقيَة حقٍّ،

стр. 7285

اضرِبوا لي فيها بسهم". رواه أبو المتوكِّل الناجي (١)، وسليمانُ بنُ قَتَّة (٢)، وأبو نَضْرة (٣)، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ. وروَى الشعبيُّ، عن خارجةَ بنِ الصَّلْت، عن عمِّه، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٤). وحُجَّةُ أبي حنيفةَ ومن قال بقوله حديثُ سعدِ بنِ طَريف، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مُعلِّمو صِبيانِكم شِرارُكم؛ أقلُّهم رحمةً باليتيم، وأغلَظُهم على المسكين" (٥). وحديثُ عليِّ بنِ عاصم، عن حمّادِ بنِ سَلَمة، عن أبي جُرْهُم، عن أبي هريرة

стр. 7286

قال: قلت: يا رسولَ اللَّه، ما تقولُ في المعلِّمين؟ قال: "دِرْهَمُهم حرامٌ، وقُوتُهم (١) سُحْتٌ، وكلامُهم رِياءٌ" (٢). وحديثُ المغيرةِ بنِ زياد، عن عُبادةَ بنِ نُسَيٍّ، عن الأسودِ بنِ ثَعلبة، عن عبادةَ بن الصامت، أنه علَّم رجلًا من أهلِ الصُّفَّة، فأهدَى له قَوسًا، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "إن سرَّكَ أن يُطوِّقَكَ اللَّهُ طَوْقًا من نارٍ فاقبَلْه" (٣). ورُوِيَ من حديثِ أُبيِّ بنِ كعب، عن النبيِّ ﷺ مثلُه (٤). وهذ الأحاديثُ منكرةٌ، لا يصحُّ شيءٌ منها عندَ أهل العلم بالنقل. وسعدُ بنُ طَريف متروكُ الحديث، وأبو جُرْهُم مجهولٌ لا يُعرَفُ، ولم يَرْوِ حمّادُ بنُ سَلَمةَ

стр. 7287

عن أحدٍ يقالُ له: أبو جُرْهُم. وإنما رواه عن أبي المهَزِّم، وهو متروك أيضًا، وهو حديثٌ لا أصلَ له. وأما المُغيرةُ بنُ زياد، فمعروفٌ بحمل العلم، ولكنه له مناكير، هذا منها. وأما حديثُ القَوْس، فمعروفٌ عندَ أهل العلم؛ لأنه رُوِيَ عن عُبادةَ من وَجْهين (١). ورُوِيَ عن أُبيِّ بنِ كعب من حديث موسى بنِ عُليٍّ، عن أبيه، عن أُبيٍّ بنِ كعب (٢)، وهو مُنقطِعٌ. وليس في هذا الباب حديثٌ تَجِبُ به حُجّةٌ من جهة النقل، واللَّه أعلم.

стр. 7288

واحتَجُّوا أيضًا بقوله ﷺ : "اقرَؤوا القرآنَ ولا تأكُلوا به، ولا تَستكْثِرُوا" (١). وهذا يحتملُ التأويل، وكذلك حديثُ عُبادةَ وأُبيٍّ يحتملُ التأويلَ أيضًا؛ لأنه جائزٌ أن يكونَ علَّمه للَّه، ثم أخَذ عليه أجرًا، ونحوَ هذا. واختلَف الفقهاءُ أيضًا في حُكم المصلِّي بأُجْرة؛ فروَى أشهبُ، عن مالك، أنه سُئِل عن الصلاةِ خلفَ من استُؤْجِر في رمضانَ يقومُ بالناس، فقال: أرجو ألا يكونَ به بأسٌ، إن كان به بأسٌ فعليه (٢). ورَوَى عنه ابنُ القاسم (٣): أنه كرِهه، وهو أشدُّ كراهيةً له في الفريضة. وقال الشافعي وأصحابُه وأبو ثور: لا بأسَ بذلك، ولا بأسَ بالصلاة خلفَه. وذكَر الوليدُ بنُ مَزْيَد، عن الأوزاعيِّ، أنه سُئِل عن رَجُلٍ أمَّ قومًا فأخَذ عليه أجرًا، فقال: لا صلاةَ له. وكرِهَهُ أبو حنيفةَ وأصحابُه (٤). وهذه المسألةُ مُعلَّقةٌ من التي قبلَها، وأصلُهما واحدٌ. وفي هذه المسألةِ اعتلالاتٌ يطولُ ذكرُها.

стр. 7289

وفيه أيضًا من الفقه: أن الصَّداقَ كلُّ ما وقَع عليه اسمُ شيء مما يصحُّ تملُّكُه، قلَّ أو كثُر، لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يقل له: التمِسْ رُبُعَ دينارٍ فصاعدًا، ولا عشرةَ دراهمَ فصاعدًا. ألا ترَى إلى قوله: "هل عندَك من شيءٍ تُصدِقُها؟ ". ثم قال: "التمِسْ ولو خاتَمًا من حديد"؟ فقال أصحابنا: يريدُ بقوله: "التمِسْ شيئًا" و: "هل عندَك من شيء؟ "؛ أي: من شيء تُقدِّمُه إليها من صَداقِها؛ لأن عادتَهم جرَت بأن يُقدِّموا من الصَّداق بعضَه. وقال الشافعيُّ وأصحابُه: يريدُ شيئًا تُصدقُها إياه، فتقتضي أنَّ كلَّ شيءٍ وجدَه مما يكونُ ثَمَنًا لشيء جازَ أن يكونَ صَدَاقًا، قلَّ أو كثُر. وقد مضَى القولُ في هذا المعنى مُجوَّدًا في باب حُميْدٍ من هذا الكتاب (١). وأما اختلافُ العلماء في مبلَغ أقلِّ الصداق: فذهبَ مالكٌ وأصحابُه إلى أن النكاحَ لا يكونُ بأقلَّ من رُبُع دينار ذهبًا، أو ثلاثةِ دراهمَ كيلًا من وَرِقٍ، أو قيمةِ ذلك من العُروض، قياسًا على قطع اليد؛ لأنه عُضوٌ يُستباحُ بمُقدَّر من المال، فأشبهَ قطعَ اليد، ولم يكنْ بدٌّ من التقدير في ذلك؛ لأن اللَّهَ شرَط عدمَ الطَّوْل في نكاح الإماء، وقلَّما يَعدَمُ الإنسانُ ما يتموَّلُ أو يتملَّكُ. وقد ذكَرْنا الحجّةَ لهذا القول في باب حُميْد الطويل من هذا الكتاب. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا يكونُ المهرُ أقلَّ من عشَرةِ دراهم. قياسًا أيضًا على ما تُقطَعُ اليدُ فيه عندَهم (٢). واحتجُّوا بحديثٍ يُروَى عن جابر، عن

стр. 7290

النبيِّ ﷺ أنه قال: "لا صَداقَ أقلُّ من عَشَرة دراهم" (١). وهو حديثٌ لا يثبُتُ. ورُوِيَ عن الشعبيِّ، عن عليٍّ مثلُه (٢). ولا يَصحُّ أيضًا عن عليٍّ. وقال ابنُ شُبْرُمة: أقلُّ المهرِ خمسةُ دراهم؛ يعني كيلًا، وفي ذلك تُقطَعُ اليدُ عندَه أيضًا (٣). ورُوِيَ عن النَّخَعيِّ ثلاثةُ أقاويل: أحدُها، أنه كَرِه أن يتزوَّجَ بأقلَّ من أربعين درهمًا (٤). ورُوِيَ عنه أنه قال: أكرَهُ أن يكونَ مثلَ مهرِ البغيِّ، ولكن العشَرةَ والعشرين (٥). وكان سعيدُ بنُ جبير يَستحِبُّ أن يكونَ المهرُ خمسين درهمًا (٦).

стр. 7291

وقال الحسنُ البصريُّ وسعيدُ بنُ المسيِّب، وابنُ أبي ليلى، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، وعطاءٌ، وعمرُو بنُ دينار، والشافعيُّ، ومسلمُ بنُ خالدٍ الزَّنْجيُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ، وأبو ثور، واللَّيثُ بنُ سعد، والحسنُ بنُ حيٍّ، والطبريُّ، وداود: يجوزُ النكاحُ بقليلِ المالِ وكثيرِه (١). إلا أن الحسنَ يعجِبُه ألا يكونَ أقلَّ من دينارٍ أو عشَرةِ دراهم، ويُجيزُه بدرهم. وقال الأوزاعيُّ: كلُّ نكاح وقَع بدرهم فما فوقَه لا ينقُضُه قاض. قال: والصَّداقُ ما تَراضى عليه الزوجان من قليل أو كثير. وقال الشافعيُّ: كلُّ ما كان ثمنًا لشيء، أو أُجرةً، جاز أن يكونَ صَداقًا (٢). وقال سعيدُ بنُ المسيِّب: لو أصدَقها سَوْطًا لحلَّت (٣). أخبرنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ شعبان، قال: حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى بن زكريا، قال: حدَّثنا خُشَيْشُ بنُ أصْرَم، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاق، عن معمر، عن الزهريِّ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: النكاح جائزٌ على مَوْزة إذا هي رَضِيَت (٤). قال أبو عُمر: أجمع العلماءُ على أن لا توقيتَ ولا تحديدَ في أكثر الصداق، وذكر اللَّهُ تعالى الصداقَ في كتابه، ولم يَحُدَّ في أكثرِه ولا في أقلِّه حدًّا، ولو كان

стр. 7292

الحدُّ مما يُحتاجُ في ذلك إليه لبيَّنه رسولُ اللَّه ﷺ ، إذ هو المبينُ عن اللَّه مُرادَه ﷺ ، وقد قال ﷺ : "التمِسْ ولو خاتمًا من حديد". والحدودُ لا تصحُّ إلا بكتاب اللَّه، أو سنةٍ ثابتةٍ لا مُعارِضَ لها، أو إجماع يجبُ التسليمُ له. هذه جملةُ ما احتجَّ به مَن ذهب هذا المذهب. وفي هذا الحديث أيضًا: دليلٌ على أنَّ ما يُصْدِقُه الرجلُ امرأته لا يَملِكُ شيئًا منه، وأنه للمرأة دونَه، ألا ترى إلى قوله: "إن أعطيتَها إزارَك جلسْتَ لا إزارَ لك". وفي هذا ما يدُلّ على أن الصداقَ لو كان جاريةً ووَطِئَها الزوجُ حُدَّ، لأنه وَطِئَ مِلْكَ غيرِه، وهذا موضعٌ اختلَف فيه السلفُ والآثار، وأما فقهاءُ الأمصار، فعلى ما ذكرتُ لك، إذا كان بعد الدخوله (١). وهو الصحيح؛ لقول اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧، المعارج: ٢٩ - ٣١]. ومَن وَطِئَ جاريةً قد أمهَرها زوجتَه، وملَكتْها عليه ببُضعِها، فلم يطأْ ملكَ يمينٍ وتعدَّى. واختلَف الفقهاءُ في المهر المسمَّى، هل تَستحقُّ المرأةُ جميعَه بالعقدِ أم لا؟ فالظاهرُ من مذهب مالكٍ أنها لا تستحقُّ بالعقدِ إلا نصفَه، وأما الصَّداقُ إذا كان شيئًا بعينِه فهلَك، ثم طلَّق قبلَ الدخول، لم يكنْ له عليها شيءٌ، وأنه لو سَلِم وطلَّق قبلَ الدخول أخَذ نصفَه، ناميًا أو ناقصًا، والنَّماءُ والنُّقصانُ بينهما. وقد رُوِيَ عن مالك -وقال به طائفةٌ من أصحابه- أنها تستحِقُّ المهرَ كلَّه بالعقد (٢). واستدلَّ قائلُ ذلك بالموتِ قبلَ الدخول، وبوجوبِ الزكاةِ في الماشية بعينِها

стр. 7293

عليها (١)، وأنه لا يُقالُ للزوج: اغْرَمْ عليها الزكاة، ثم تدخُلُ. وبأنه لو كانت بينَهما لم تجبْ عليها في أربعين شاةً أو خمس ذَوْدٍ زكاةٌ، فلمّا أوجبُوا عليها الزكاةَ في ذلك، عُلِم أنها كلَّها على مِلْكِها. وبهذا القول قال الشافعيُّ وأصحابُه (٢). واعتلُّوا بالإجماع على أن الصَّداقَ إذا قبَضتْه وكان مُعيَّنًا في غير ذمةِ الزوج، وهلَك قبل الدخول، كان منها، وكان له أن يَدخُلَ بها بغير شيءٍ، وبأنها لو كانَ الصَّداقُ أباها، عتَق عليها عَقِبَ العقدِ قبلَ الدخول بلا خلاف. واحتجُّوا أيضًا بقول اللَّه : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]. فأمَر بتسليم الصداق إليها، فوجَب مِلْكُه لها، وشبَّهوا سقوطَه بالطلاق قبلَ الدخول -بعدَ وجوبِه وثُبوته- بالبائع يَرجِعُ إليه عينُ مالِه عندَ فَلَس المُبتاع منه. وطم في ذلك ضُروبٌ من الكلام يكفي منه ما ذكرنا، وهو عينُه، وعليه مدارُه. والحمدُ للَّه. وفيه إجازةُ اتخاذِ خاتَم الحديد، وقد اختلَف العلماءُ في جوازِ لباسِ خاتَم الحديد على ما بيَّنَّا في باب عبدِ اللَّه بنِ دينار (٣). والحمدُ للَّه. وفيه أيضًا دليلٌ على أن تعليمَ القرآن جائزٌ أن يكونَ مَهْرًا، وهذا موضعٌ اختلَف فيه الفقهاء؛ فقال مالكٌ وأبو حنيفةَ وأصحابُهما: لا يكونُ القرآنُ ولا تعليمُ القرآنِ مهْرًا. وهو قولُ الليث (٤). وحُجَّةُ مَن ذهب هذا المذهبَ أن الفُروجَ لا تُستباحُ إلا بالأموال؛ لذكر اللَّه الطَّوْلَ في النكاح، والطَّوْلُ: المال، والقرآنُ ليس

стр. 7294

بمال، وقال اللَّه : ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. والقرآنُ ليسَ بمال، ولأن التعليمَ من المعلِّم والمتعلِّم يختلِفُ ولا يكادُ يُضبطُ، فأشبهَ الشيءَ المجهول. قالوا: ومعنى ما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "قد أنكَحتُكها بما معك من القرآن". فإنما هو على جهةِ التعظيم للقرآنِ وأهلِه، لا على أنه مَهْرٌ، وإنما زوَّجَه إيّاها لكونِه من أهلِ القرآن، كما روَى أنسٌ أنّ النبيَّ ﷺ زوَّج أبا طلحة أُمَّ سُلَيم على إسلامه، والمهرُ مسكوتٌ عنه؛ لأنه معهودُ معلومٌ أنه لا بدَّ منه. أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكر (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرو البزّار، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بنُ سنانٍ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: أخبرَنا حمادُ بنُ سلمة، عن ثابتٍ

стр. 7295

البنانيِّ وإسماعيل (١) بنِ عبدِ اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، أن أبا طلحة أتَى أمَّ سُليم يخطُبُها قبلَ أن يُسلِمَ، فقالت: أتزوَّجُ بك وأنتَ تعبدُ خَشبةً نحتَها عبدُ بني فلان؟ إن أسلمْتَ تزوَّجْتُ بك. قال: فأسلَم أبو طلحة، فتزوَّجَها على إسلامِه. يريدُ لما أسلَم استحَلَّ نكاحَها، وسكَت عن المهر. وكان أحمدُ بنُ حنبل يكرَهُ النكاح على القرآن (٢). وقال الشافعيُّ وأصحابُه (٣): جائزٌ أن يكونَ تعليمُ القرآن أو سورة منه مهرًا. قال: فإن طلَّقها قبلَ الدخول، رجَع عليها بنصفِ أجرِ التعليم. هذه روايةُ المزنيِّ عنه (٤). وذكَر الربيعُ عنه في "البُوَيطيّ": أنه إن طلَّقها قبلَ الدخول، رجَع عليها بنصفِ مهرِ مثلِها؛ لأن تعليمَ النصفِ لا يوقَفُ على حدِّه. قال: فإن وُقِف عليه

стр. 7296

جعَل امرأةً تعلِّمُها (١). ومن الحجَّة لمذهبِ الشافعيِّ في ذلك أنَّ الحديثَ الثابتَ ورَد بأنَّ رسولَ اللَّه ﷺ زوَّج ذلك الرجلَ تلك المرأةَ على تعليمِه إيّاها سورًا سمّاها، ولأن تعليمَ القرآن يصِحُّ أخْذُ الأجرة عليه، فجاز أن يكونَ صَداقًا. قالوا: ولا وجهَ لقول من قال: إن ذلك كان من أجل حُرمة القرآن، ومن أجل كونِه من أهل القرآن؛ لأنَّ في الحديث ما يُبطِلُ هذا التأويل؛ لأنه قال له: "التمِسْ شيئًا". ثم قال له: "التمِسْ ولو خاتمًا من حديد". ثم قال له: "هل معك من القرآن شيءٌ؟ ". فقال: سورةُ كذا. فقال: "قد زوَّجتكَها بما معكَ من القرآن"؛ أي بأن تعلِّمَها تلك السورةَ من القرآن. قال أبو عُمر: دعوى التعليم على الحديث دعوى باطل لا يصحُّ، وتأويلُ الشافعيِّ على ما ذكَرْنا في هذا الباب محتملٌ، فأما دعوى الخصوص، فضعيفٌ لا وجهَ له، ولا دليلَ عليه، وأكثرُ أهل العلم لا يُجيزون ما قال الشافعيُّ، وأولى ما قيل به في هذا الباب قولُ مالكٍ ومَن تابَعه إن شاء اللَّه، واللَّه الموفق للصّواب. وقد أخبرنا أحمدُ بنُ عبد اللَّه بنِ محمد، عن أبيه، عن محمدِ بنِ عمرَ بنِ لُبابة، قال: أخبَرنا مالكُ بنُ عليٍّ القرشيُّ، عن يحيى بن يحيى، أن يحيى بنَ مُضَرَ حدَّثه، عن مالك بن أنس في الذي أمَره النبيُّ ﷺ أن ينكِحَ بما معه من القرآن، أن ذلك في أجرتِه على تعليمِها ما معه (٢).

стр. 7297

حديثٌ سادسٌ لأبي حازم مالكٌ (١)، عن أبي حازم بنِ دينارٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أُتِيَ بشرابٍ فشَرِبَ منه، وعن يَمينِه غلامٌ (٢)، وعن يسارهِ الأشياخُ، فقال للغُلام: "أتأذنُ لي أنْ أُعطِيَ هؤلاء؟ " فقال: لا واللَّه يا رسولَ اللَّه لا أوثِرُ بنَصيبي منكَ أحدًا، قال: فتَلَّهُ (٣) رسولُ اللَّه ﷺ في يدِهِ. روى ابنُ أبي حازمٍ هذا الحديثَ عن أبيه فقال فيه: وعن يسارِه أبو بكر. ثم ساق معنى حديث مالكٍ سواءً (٤). وذِكْرُ أبي بكر في هذا الحديث عندَهم خطأ، وإنما هو محفوظٌ في حديث ابن شهاب، وقد مضَى القولُ في معنى هذا الحديث في باب ابن شهاب، عن أنس (٥). أخبَرنا يحيى بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو عيسى التِّرمذيُّ، قال (٦): حدَّثنا أحمدُ بنُ منيع، قال:
следующие страницы →