← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7293–7332 · переход к 7298.

стр. 7293

عليها (١)، وأنه لا يُقالُ للزوج: اغْرَمْ عليها الزكاة، ثم تدخُلُ. وبأنه لو كانت بينَهما لم تجبْ عليها في أربعين شاةً أو خمس ذَوْدٍ زكاةٌ، فلمّا أوجبُوا عليها الزكاةَ في ذلك، عُلِم أنها كلَّها على مِلْكِها. وبهذا القول قال الشافعيُّ وأصحابُه (٢). واعتلُّوا بالإجماع على أن الصَّداقَ إذا قبَضتْه وكان مُعيَّنًا في غير ذمةِ الزوج، وهلَك قبل الدخول، كان منها، وكان له أن يَدخُلَ بها بغير شيءٍ، وبأنها لو كانَ الصَّداقُ أباها، عتَق عليها عَقِبَ العقدِ قبلَ الدخول بلا خلاف. واحتجُّوا أيضًا بقول اللَّه : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]. فأمَر بتسليم الصداق إليها، فوجَب مِلْكُه لها، وشبَّهوا سقوطَه بالطلاق قبلَ الدخول -بعدَ وجوبِه وثُبوته- بالبائع يَرجِعُ إليه عينُ مالِه عندَ فَلَس المُبتاع منه. وطم في ذلك ضُروبٌ من الكلام يكفي منه ما ذكرنا، وهو عينُه، وعليه مدارُه. والحمدُ للَّه. وفيه إجازةُ اتخاذِ خاتَم الحديد، وقد اختلَف العلماءُ في جوازِ لباسِ خاتَم الحديد على ما بيَّنَّا في باب عبدِ اللَّه بنِ دينار (٣). والحمدُ للَّه. وفيه أيضًا دليلٌ على أن تعليمَ القرآن جائزٌ أن يكونَ مَهْرًا، وهذا موضعٌ اختلَف فيه الفقهاء؛ فقال مالكٌ وأبو حنيفةَ وأصحابُهما: لا يكونُ القرآنُ ولا تعليمُ القرآنِ مهْرًا. وهو قولُ الليث (٤). وحُجَّةُ مَن ذهب هذا المذهبَ أن الفُروجَ لا تُستباحُ إلا بالأموال؛ لذكر اللَّه الطَّوْلَ في النكاح، والطَّوْلُ: المال، والقرآنُ ليس

стр. 7294

بمال، وقال اللَّه : ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. والقرآنُ ليسَ بمال، ولأن التعليمَ من المعلِّم والمتعلِّم يختلِفُ ولا يكادُ يُضبطُ، فأشبهَ الشيءَ المجهول. قالوا: ومعنى ما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "قد أنكَحتُكها بما معك من القرآن". فإنما هو على جهةِ التعظيم للقرآنِ وأهلِه، لا على أنه مَهْرٌ، وإنما زوَّجَه إيّاها لكونِه من أهلِ القرآن، كما روَى أنسٌ أنّ النبيَّ ﷺ زوَّج أبا طلحة أُمَّ سُلَيم على إسلامه، والمهرُ مسكوتٌ عنه؛ لأنه معهودُ معلومٌ أنه لا بدَّ منه. أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكر (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرو البزّار، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بنُ سنانٍ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: أخبرَنا حمادُ بنُ سلمة، عن ثابتٍ

стр. 7295

البنانيِّ وإسماعيل (١) بنِ عبدِ اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، أن أبا طلحة أتَى أمَّ سُليم يخطُبُها قبلَ أن يُسلِمَ، فقالت: أتزوَّجُ بك وأنتَ تعبدُ خَشبةً نحتَها عبدُ بني فلان؟ إن أسلمْتَ تزوَّجْتُ بك. قال: فأسلَم أبو طلحة، فتزوَّجَها على إسلامِه. يريدُ لما أسلَم استحَلَّ نكاحَها، وسكَت عن المهر. وكان أحمدُ بنُ حنبل يكرَهُ النكاح على القرآن (٢). وقال الشافعيُّ وأصحابُه (٣): جائزٌ أن يكونَ تعليمُ القرآن أو سورة منه مهرًا. قال: فإن طلَّقها قبلَ الدخول، رجَع عليها بنصفِ أجرِ التعليم. هذه روايةُ المزنيِّ عنه (٤). وذكَر الربيعُ عنه في "البُوَيطيّ": أنه إن طلَّقها قبلَ الدخول، رجَع عليها بنصفِ مهرِ مثلِها؛ لأن تعليمَ النصفِ لا يوقَفُ على حدِّه. قال: فإن وُقِف عليه

стр. 7296

جعَل امرأةً تعلِّمُها (١). ومن الحجَّة لمذهبِ الشافعيِّ في ذلك أنَّ الحديثَ الثابتَ ورَد بأنَّ رسولَ اللَّه ﷺ زوَّج ذلك الرجلَ تلك المرأةَ على تعليمِه إيّاها سورًا سمّاها، ولأن تعليمَ القرآن يصِحُّ أخْذُ الأجرة عليه، فجاز أن يكونَ صَداقًا. قالوا: ولا وجهَ لقول من قال: إن ذلك كان من أجل حُرمة القرآن، ومن أجل كونِه من أهل القرآن؛ لأنَّ في الحديث ما يُبطِلُ هذا التأويل؛ لأنه قال له: "التمِسْ شيئًا". ثم قال له: "التمِسْ ولو خاتمًا من حديد". ثم قال له: "هل معك من القرآن شيءٌ؟ ". فقال: سورةُ كذا. فقال: "قد زوَّجتكَها بما معكَ من القرآن"؛ أي بأن تعلِّمَها تلك السورةَ من القرآن. قال أبو عُمر: دعوى التعليم على الحديث دعوى باطل لا يصحُّ، وتأويلُ الشافعيِّ على ما ذكَرْنا في هذا الباب محتملٌ، فأما دعوى الخصوص، فضعيفٌ لا وجهَ له، ولا دليلَ عليه، وأكثرُ أهل العلم لا يُجيزون ما قال الشافعيُّ، وأولى ما قيل به في هذا الباب قولُ مالكٍ ومَن تابَعه إن شاء اللَّه، واللَّه الموفق للصّواب. وقد أخبرنا أحمدُ بنُ عبد اللَّه بنِ محمد، عن أبيه، عن محمدِ بنِ عمرَ بنِ لُبابة، قال: أخبَرنا مالكُ بنُ عليٍّ القرشيُّ، عن يحيى بن يحيى، أن يحيى بنَ مُضَرَ حدَّثه، عن مالك بن أنس في الذي أمَره النبيُّ ﷺ أن ينكِحَ بما معه من القرآن، أن ذلك في أجرتِه على تعليمِها ما معه (٢).

стр. 7297

حديثٌ سادسٌ لأبي حازم مالكٌ (١)، عن أبي حازم بنِ دينارٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أُتِيَ بشرابٍ فشَرِبَ منه، وعن يَمينِه غلامٌ (٢)، وعن يسارهِ الأشياخُ، فقال للغُلام: "أتأذنُ لي أنْ أُعطِيَ هؤلاء؟ " فقال: لا واللَّه يا رسولَ اللَّه لا أوثِرُ بنَصيبي منكَ أحدًا، قال: فتَلَّهُ (٣) رسولُ اللَّه ﷺ في يدِهِ. روى ابنُ أبي حازمٍ هذا الحديثَ عن أبيه فقال فيه: وعن يسارِه أبو بكر. ثم ساق معنى حديث مالكٍ سواءً (٤). وذِكْرُ أبي بكر في هذا الحديث عندَهم خطأ، وإنما هو محفوظٌ في حديث ابن شهاب، وقد مضَى القولُ في معنى هذا الحديث في باب ابن شهاب، عن أنس (٥). أخبَرنا يحيى بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو عيسى التِّرمذيُّ، قال (٦): حدَّثنا أحمدُ بنُ منيع، قال:

стр. 7298

حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ زيدٍ، عن عمرَ بن أبي حرملة، عن ابن عبّاسٍ، قال: دخلتُ أنا وخالدُ بنُ الوليدِ معَ رسولِ اللَّه ﷺ على ميمونة، فجاءتْنا بإناءٍ من لبنٍ، فشرِبَ رسولُ اللَّه ﷺ وأنا عن يمينِه وخالدٌ عن شماله، فقال لي: "الشَّرْبةُ لكَ، وإنْ شئتَ آثرت بها خالدًا؟ " فقلت: ما كنتُ لأُوثِرَ بسُؤْرِكَ أحدًا. ثم قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ أطعَمَه اللَّهُ طعامًا فليقل: اللهمَّ بارِك لنا فيه، وأطعِمْنا خيرًا منه، ومَنْ سقاهُ اللَّهُ لبنًا فليقل: اللهمَّ بارِكْ لنا فيه وزِدْنا منه". وقال رسول اللَّه ﷺ : "ليس شيءٌ يُجزئُ مكانَ الطعام والشَّرابِ غيرُ اللَّبن". ولا يجوزُ عندي لأحدٍ شَرِبَ ماءً، أو لبنًا، أو غير ذلك من الأشربة الحلال، وحولَه مَن يريدُ أن يَشربَ من ذلك معه ممّن به الحاجةُ إليه، أو ليس به حاجةٌ إليه، إذا وسِعَهم ذلك الشراب، أن يُناوِلَ مَن على يسارِه البتَّةَ بحال، فاضلًا كان أو مفضولًا، حتى يُشاوِرَ مَن على يمينِه، فإنه حقٌّ له بالسُّنة الثابتة في هذا الحديث، فإن أذِن له فعَل، وإلا فهو أحقُّ بالشراب من الذي على يسارِه. وهذا نصٌّ صحيحٌ ثابتٌ، لا يُلتفَتُ إلى ما خالَفه من آراءِ الرجال، وباللَّه التوفيق وهو المستعان. والشرابُ المذكورُ في هذا الحديث كان لبنًا. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بن عبد الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفر، قال: أخبَرني أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: أُتي رسولُ اللَّه ﷺ بقَدَح

стр. 7299

من لبن، وغلامٌ عن يمينِه، والأشياخُ أمامَه وعن يسارِه، فشرِب رسولُ اللَّه ﷺ ، ثم قال للغلام: "يا غلامُ، أتأذَنُ لي أن أسْقي الأشياخَ؟ ". قال: ما أُحِبُّ أن أُوثِرَ بفضل شَرْبتِك على نفسي أحدًا من الناس. فناولَه رسولُ اللَّه ﷺ وترَك الأشياخ (١). والغلامُ المذكورُ في هذا الحديث: هو ابنُ عباس، والأشياخ: خالدُ بنُ الوليد، أو منهم خالدُ بنُ الوليد. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح المقرئ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفر المُنادي، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ محمد الدُّوريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الصَّبّاح البزازُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ زكريا الخُلْقانيُّ أبو زياد، عن سفيان، عن عليِّ بنِ زيد، عن يوسفَ بنِ مِهْران، عن ابن عباس، قال: أُتِي النبيُّ ﷺ بقَعْبٍ من لَبَن، فشرِب منه، وابنُ عباس عن يمينِه، وخالدُ بنُ الوليد عن يسارِه، فقال: "يا ابنَ عباس، إنَّ الشَّربةَ لك، فإن شِئْتَ أن تُؤثِرَ بها خالدًا". فقلت: ما أنا بمُؤثِرٍ بسُؤرِك عليَّ أحدًا (٢). وقد روَى الحميديُّ هذا الحديث عن سفيان، فخالَف في إسنادِه الخُلقانيَّ، والحميديُّ أثبتُ منه:

стр. 7300

حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسم (١)، قال: حدَّثنا الترمذيُّ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (٢): حدَّثنا سفيان، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ زيد بن جُدْعان، عن عمرَ بنِ حَرْملة، عن ابن عباس، قال: دخلتُ مع رسولِ اللَّه ﷺ على خالتي مَيْمونة، ومعنا خالدُ بنُ الوليد، فقالت له ميمونة: ألا نُقدِّمُ إليك يا رسولَ اللَّه شيئًا أهْدَتْه لنا أمُّ عُفَيْق (٣)؟ قال: "بلى". فأتَتْه بضِبابٍ مَشْويّةٍ، فلمّا رآها رسولُ اللَّه ﷺ تفَل ثلاثَ مرات، ولم يأكلْ منها، وأمَرَنا أن نأكلَ، ثم أُتِيَ رسولُ اللَّه ﷺ بإناءٍ فيه لبنٌ، فشرِب وأنا عن يمينِه وخالدٌ عن يسارِه، فقال لي رسولُ اللَّه ﷺ : "الشَّرْبَةُ لك يا غُلام، وإن شِئتَ آثَرْتَ بها خالدًا". فقلت: ما كنتُ لأُوثرَ بسُؤْر رسول اللَّه ﷺ أحدًا. ثم قال: "مَن أطعمَه اللَّهُ طعامًا، فليقل: اللَّهُمَّ بارِكْ لنا فيه، وأبدِلْنا بما هو خيرٌ منه، ومَن سَقاه اللَّه لَبنًا، فليقل: اللَّهُمَّ بارِكْ لنا فيه وزِدْنا منه؛ فإنِّي لا أعلَمُ شيئًا يجزئُ من الطعام والشراب غيرُه".

стр. 7301

ورواه شعبةُ، عن عمرو بن حرملة، عن ابن عباس مثلَه (١). وقال أبو داود الطَّيالسي (٢): كذا قال شعبة، وغيرُه يقول: عمرُ بنُ أبي حَرْملة. وفي هذا الحديث من الفقه: أن مَن وجَب له شيءٌ من الأشياء لم يُدْفَعْ عنه، ولم يُتسوَّرْ عليه فيه إلا بإذنه، صغيرًا كان أو كبيرًا، إذا كان ممن يجوزُ له إذنُه، وليس هذا مَوضِعَ: "كَبِّرْ، كَبِّرْ" (٣)؛ لأن السِّنَّ إنما يُراعى عندَ استِواء المعاني والحقوق، وكلُّ ذي حقٍّ أولى بحقِّه أبدًا، والمناولة على اليمين من الحقوق الواجبة في آدابِ المجالسة. وفي هذا الحديث: دليلٌ على أن الجُلساء شركاءُ في الهدية، وذلك على وجْهِ الأدب والمُروءَة، والفضْل والأُخوّة، لا على الوُجُوب؛ لإجماعهم على أنّ المُطالبةَ بذلك غيرُ واجبةٍ لأحدٍ، وباللَّه التوفيق. وقد رُويَ عن النبيِّ ﷺ : "جُلساؤكُمْ شركاؤُكُم في الهديّة" (٤) بإسنادٍ فيه لين.

стр. 7302

حديثٌ سابعٌ لأبي حازم مالكٌ (١)، عن أبي حازم بن دينار، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، أنه قال: دخلتُ مسجدَ دمشق، فإذا فتًى شابٌّ برّاقُ الثَّنايا (٢)، وإذا الناسُ معه؛ إذا اختلَفوا في شيء أسنَدوه إليه، وصَدَروا عن قوله، فسألتُ عنه، فقيل: هذا معاذُ بنُ جَبَل. فلما كان الغدُ هجَّرْتُ، فوجدْتُه قد سبَقَني بالتَّهجير، ووجَدْتُه يُصَلِّي. قال: فانتَظَرْتُه حتى قضَى صلاتَه، ثم جئتُ من قِبَلِ وجْهِه، فسلَّمْتُ عليه، ثم قلت له: واللَّه إني لأحبُّك في اللَّه. فقال: آللَّه؟ قال: فقلت: آللَّه. فقال: آللَّه؟ فقلت: آللَّه. قال: فأخذ بحُبْوةِ ردائي، فجَبَذَني إليه، وقال: أبْشِرْ، فإنّي سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "قال اللَّهُ ﵎: وَجَبَتْ مَحبَّتي للمتحابِّين فيَّ، وللمُتجالِسين فيَّ، والمتباذِلين فيَّ، والمتزاوِرين فيَّ". قد مضَى القولُ والآثارْ في المتحابِّين في اللَّه في باب أبي طُوالة (٣)، والحمدُ للَّه. وفي هذا الحديث: لقاءُ أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ (٤) لمعاذِ بن جبل وسَماعُه منه، وهو إسنادٌ صحيح، ولكنَّ لقاء أبي إدريسَ هذا لمعاذِ بنِ جَبَل مُختَلَفٌ فيه، فطائفةٌ تَنفِيه (٥)، وطائفةٌ لا تُنْكِره، من أجل هذا الحديث وغيرِه. ومَن نفاه احتجَّ بما رواه معمرٌ (٦) وابنُ عُيَينة (٧)، عن الزهريِّ، قال: سمعتُ

стр. 7303

أبا إدريسَ الخَوْلانيَّ يقول: أدركتُ عُبادةُ بنَ الصامت وفلانًا وفلانًا، وفاتَني معاذُ بنُ جَبَل، فحدَّثني أصحابُ مُعاذٍ عن معاذ، وذكر الحديث. وحدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ قال: أدركتُ عُبادةَ بنَ الصامتِ ووَعَيتُ عنه وأدرَكتُ أبا الدَّرداء ووَعَيتُ عنه، وأدرَكْتُ شَدّادَ بنَ أوسٍ ووَعَيتُ عنه، وفاتَني معاذُ بنُ جَبَل (١). ولهذا الخبر عن الزُّهريِّ زعَم قومٌ أنَّ هذا الحديثَ خطأٌ، فقال قوم: وَهِمَ فيه مالكٌ، وأسقَط من إسنادِه أبا مسلم الخَولانيَّ (٢). وزعَموا أن أبا إدريسَ رواه عن أبي مُسلم، عن معاذ (٣). وقال آخرون: وَهِمَ فيه أبو حازم، وغلِط في قوله: عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ أنه لقي مُعاذَ بن جَبَل (٤). قال أبو عُمر: هذا كلُّه تخرُّصٌ وتظَنُّنٌ لا يُغني من الحقِّ شيئًا، وقد رواه غيرَ مالكٍ جماعةٌ عن أبي حازم، كما رواه مالكٌ سواء. ورُوِي أيضًا عن أبي إدريسَ

стр. 7304

من وُجوهٍ شتّى غير طريق أبي حازم أنه لقي مُعاذُ بن جَبَل وسمع منه، فلا شيءَ في هذا على مالكٍ ولا على أبي حازم عندَ أهل العلم بالحديث والاتِّساع في علمه، وإذا صحَّ عن أبي إدريسَ أنه لقيَ مُعاذُ بنَ جبل، فيَحتملُ ما حكاه ابنُ شهاب عنه من قوله: "فاتَني معاذٌ"، يريدُ فَوتَ لُزوم وطُول مُجالسة، أو: فاتَني في حديث كذا، أو معنى كذا، واللَّه أعلم (١). وعلى هذا يتَّسقُ تخريجُ الأخبار عنه في هذا الباب، واللَّه أعلم. حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى وأحمدُ بنُ فتح، قالا: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ جابرٍ القَطّان، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم (٢)، قال: أخبرنا مالكٌ، قال: حدَّثنا أبو حازم، عن أبي إدريسَ الخَولانيِّ، فذكَر هذا الحديثَ حرفًا بحرف، كما ذكَرناه من "الموطأ"، إلا أنه لم يقل: شابٌّ. وإنما قال: فتًى برّاقُ الثّنايا. ثم ساق الحديثَ إلى آخره، وقال: فأخَذ بحُبْوَتي (٣). ولم يقل: بحُبْوةِ رِدائي.

стр. 7305

قال ابنُ أبي مريم: وأخبرني ابنُ أبي حازم، عن أبيه، عن أبي إدريسَ بنحوه. فهذا ابنُ أبي حازم قد رواه عن أبي حازم كما رواه مالكٌ، وحسبُك برواية مالكٍ مع حفظِه وإتقانِه وثقتِه. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ مرزوق، قال: أخبرنا شعبة، عن يعلَى بن عطاء، عن الوليدِ بنِ عبد الرحمن، عن أبي إدريس، قال: كنتُ في حلقةٍ فيها عشرون من أصحاب النبيِّ ﷺ فيهم رجلٌ أدْعَجُ العينَيْن (١)، أغرُّ الثَّنايا (٢)، حديثُ السنِّ، فإذا اختلَفوا في شيء، فقال قولًا انتهَوا إلى قوله، فإذا به معاذُ بنُ جَبَل (٣). ففي هذا الحديث لقاءُ أبي إدريسَ لمعاذِ بنِ جبل وسماعُه منه من غير رواية أبي حازم، وهذا أيضًا إسنادٌ صحيحٌ ثابت. ووجَدْتُ في أصل سماع أبي ﵀ بخطِّه، أن محمدَ بنَ أحمدَ بنِ قاسم بنِ هلالٍ حدَّثهم، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ الأعْناقيُّ، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ مرزوق، قال: حدَّثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد بنُ بَهْرام، عن شهرِ بنِ

стр. 7306

حَوْشَب، قال حدَّثني عائذُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّه، أنه سمِع معاذَ بنَ جبل يقول: سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ الذين يَتحابّونَ لجلالِ اللَّه في ظلِّ عَرْشِه يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه" (١). وعائذُ اللَّه هذا: هو أبو إدريسَ الخَوْلانيُّ، لا خلافَ بين أحدٍ من العلماء بهذا الشأن في ذلك. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ مَعْروف، قال: أخبرنا ضَمْرةُ، عن ابن عطاء، عن أبيه، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، قال: دخلتُ مسجدَ حمصَ فإذا فيه ثلاثون رجلًا أو نحوُ ذلك في حلقةٍ من أصحاب النبيِّ ﷺ ، كلُّهم يُحدِّثُ عن النبيِّ ﷺ ، وإذا فيهم رجلٌ وَضيءُ الوجه، أكحلُ العينَين، برّاقُ الثَّنايا، وإذا هم يُسنِدون حديثَهم إليه، فإذا هو معاذُ بنُ جبل (٢).

стр. 7307

فهذا عطاءٌ الخُراسانيُّ، وشهرُ بنُ حَوْشب، والوليدُ بنُ عبدِ الرحمن الجُرشيُّ، يقولون عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، ما قال أبو حازم عنه من لقائه مُعاذَ بنَ جَبَل وسماعِه منه، وغيرُ نكير لقاءُ أبي إدريسَ لمعاذٍ؛ لأن أبا إدريسَ الخَوْلانيَّ وُلِد عامَ حُنَين، وولِي قضاءَ دمشقَ والشام بعدَ فَضالةَ بن عُبَيْد، لم يكنْ بينَهما واسطةٌ، وفَضالةُ من الصّحابة، وليَ القضاءَ بعدَ أبي الدَّرداء، واسمُ أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ عائذُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّه، لا يَختلِفون في ذلك، وقد ذكَرْناه في هذا الكتاب في باب ابنِ شهابٍ لروايتِه عنه حديثَ الاستِجْمار بالأحْجار، وحديثَ النهي عن أكل ذي الناب من السِّباع (١). ذكر أبو حاتم محمدُ بنُ إدريسَ الحَنْظليُّ، قال: حدَّثنا أبو اليمان الحكمُ بنُ نافع، قال: حدَّثنا (٢) إسماعيلُ بنُ عياش، عن الوليد بن أبي السائب، عن مكحول: أنه كان إذا ذكَر أبا إدريسَ الخَوْلانيَّ قال: ما رأيتُ مثلَه. وكان مولدُه يومَ حُنَين (٣). وسُئِل الوليدُ بنُ مسلم: هل لقيَ أبو إدريسَ الخَوْلانيُّ معاذَ بنَ جبل؟ فقال: نَظُنُّ أن أبا إدريسَ الخَوْلانيَّ لقي مُعاذًا وأبا عُبيدةَ بنَ الجَرّاح وهو ابنُ عشرِ سنين. ثم قال: قال سعيدُ بنُ عبد العزيز: وُلِد أبو إدريسَ الخَوْلانيُّ أيام غزوةِ حُنَين. قال الوليدُ: ولقي أبو إدريسَ أبا ثعلبةَ، وأبا الدَّرْداء، وشدَّادَ بنَ أوس، وعُبادةَ بنَ الصامت، وغيرَهم (٤).

стр. 7308

أخبرنا عبدُ الوارث (١)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: سمِعتُ يحيى بنَ معين يقول: بلَغَني أن أبا إدريسَ الخَوْلانيَّ وُلد عام حُنَين (٢). وأما معاذُ بنُ جبل فتُوفِّي في طاعون عَمواس بالشام سنةَ ثمان عشرةَ في خلافةِ عُمرَ، وهو ابنُ ثلاث أو أربع وثلاثين سنة، لا يَختلِفون في ذلك. وقد ذكَرْناه في كتابنا في "الصحابة" (٣)، ونسَبْناه، وذكَرْنا أشياءَ من أخبارِه هناك، والحمدُ للَّه. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ العَبْديُّ، قال: حدَّثنا ابنُ المُبارَك، عن يونسَ بنِ يزيد، عن الزهريِّ، عن عبد الرحمن بن كَعْب، قال: كان مُعاذُ بنُ جَبَل شابًّا حليمًا، من أفضل شبابِ قومِه (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: حدَّثنا يحيى بن مَعين، قال (٥): حدَّثنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمَرٌ، عن الزهريِّ، عن عبدِ الرحمن بنِ عبدِ اللَّه بن كعبِ بنِ مالك، عن أبيه، قال: كان معاذُ بنُ جبل رجلًا سَمْحًا، شابًّا جميلًا، من أفضل شبابِ قومِه.

стр. 7309

وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: أخبرنا المدائنيُّ (١)، قال: معاذُ بنُ جبل أبو عبد الرحمن كان أجمل الرجال، لم يُولَدْ له قطُّ، طُوالٌ، حَسَنُ الشعَر، عظيمُ العينين، أبيضُ، جَعْدٌ، قَطَطٌ (٢). وقد رُوِيَ هذا الحديث عن معاذِ بنِ جبل من طرقٍ شتّى، من غير روايةِ أبي إدريسَ بمعنى حديث أبي إدريسَ ومختصرَ المعنى أيضًا. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بن عبد الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادة، قال: حدَّثنا موسى بنُ عُبَيدة، قال: أخبرني عبدُ اللَّه بنُ أبي سليمان، عن أبي بحريّة، قال: قدِمْتُ الشام، فدخَلْتُ المسجد، فإذا أنا بنفرٍ جُلوس في المسجد شُيوخ، فيهم شابٌّ يحدِّثُهم قد أنصَتوا له، فقلت: ألا تسألون مَن هؤلاء؟ قال (٣): هؤلاء أصحابُ رسول اللَّه ﷺ . قلت: مَن الرجلُ الشابُّ الذي يُحدِّثُهم؟ قال (٤): هذا معاذُ بنُ جَبَل. قال: فرُحْتُ إلى الصلاة، فإذا هو قد هجَّر، فقضَى صلاتَه، ثم جلَس، فجلَسْتُ إليه،

стр. 7310

فقلت: واللَّه إني لأحبُّك. فأخَذ بحُبوتي ثم جبَذني، فقال: آللَّه؟ مرتين أو ما شاء اللَّه. قال: قلت: نعم. قال: سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "قال اللَّه : وَجَبَتْ مَحَبَّتي، أو رَحْمَتي، للذين يتَحابُّون فيَّ، ويتباذلُون فيَّ، ويتَجالسون فيَّ، ويتجاوَرون فيَّ" (١). فهذا أبو بَحريّة السَّكونيُّ قد روَى عن معاذ نحو حديثِ أبي إدريسَ سواءً في المعنى، وليس في حديثِه هذا ذكرُ مسجدِ دمشقَ ولا مسجدِ حِمْص. وأخبرنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادة، قال: أخبرني مالكٌ، عن أبي حازم بنِ دينار، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، قال: دخلتُ مسجدَ دمشقَ فإذا أنا بفتًى برّاقِ الثَّنايا، وإذا الناسُ حولَه. فذكَر الحديثَ كما في "الموطأ" سواءً، إلا أنه قال في آخره: سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "قال اللَّهُ ﵎: وجَبَتْ مَحبَّتي للمُتحابِّين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتجاوِرين فيَّ، والمتباذِلين فيَّ" (٢). وقد روَى أبو مسلم الخَوْلانيُّ عن معاذِ بنِ جبل مثلَ ما روَى عنه في هذا الحديث أبو إدريسَ وأبو بَحْرِيّة، إلا أن حديثَه مختصَرُ المعنى عن معاذٍ، وقال: في مسجدِ حمصَ. وألفاظُ هذا الحديث رواها أبو مسلم عن عُبادةَ، وجائزٌ أن يكونَ عُبادةُ ومُعاذٌ وغيرُهما أيضًا سمِعا ذلك من رسولِ رسول اللَّه ﷺ . هذا ممكنٌ غيرُ ممتَنع، على أن أبا مسلم الخَوْلانيَّ، وإن كان فاضلًا، فإنهم يُضَعِّفون نقلَه، وليس ممن يُقاسُ بأبي إدريسَ الخَولانيِّ في فهمِه وعلمِه.

стр. 7311

حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغ. وأخبرنا أحمدُ بنُ محمد (١)، قال: أخبرنا وَهْبُ بنُ مَسرَّةَ، قالا: أخبرنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٢): حدَّثنا وكيعٌ، عن جعفرِ بنِ بُرْقان، عن حبيبِ بنِ أبي مرزوق، عن عطاءِ بنِ أبي رباح، عن أبي مسلم الخَولانيِّ، قال: أتيتُ مسجدَ أهل حِمْصَ فإذا فيه حَلْقةٌ فيها كُهولٌ من أصحاب رسولِ اللَّه ﷺ ، وإذا شابٌّ منهم أكْحَلُ العينَيْن، بَرّاقُ الثَّنايا، كلما اختلَفوا في شيء ردُّوه إلى الفتى، فتّى شابّ. قال: فقلتُ لجليس لي: مَن هذا؟ قال: هذا معاذُ بنُ جَبَل. قال: فجئتُ من العَشيِّ، فلم يَحضُرْ. قال: فغدَوْتُ من الغدِ فلم يجِئْ، فرُحْتُ فإذا أنا بالشابِّ يُصلِّي إلى سارية. قال: فركَعْتُ، ثم تحوَّلْتُ إليه. قال: فسلَّم، فدنَوْتُ منه، فقلت: إنّي لأحبُّك في اللَّه. قال: فمدَّني إليه. قال: كيف قلت؟ قال: قلت: إنّي لأحبُّك في اللَّه. قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "المتَحابُّون في اللَّه على منابرَ من نورٍ في ظلِّ العرش، يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه". قال (٣): وحدَّثنا وكيع، عن جعفرِ بنِ بُرْقان، عن حبيبِ بنِ أبي مَرزوق،

стр. 7312

عن عطاءِ بنِ أبي رباح، عن أبي مسلم الخَولانيِّ، قال: خرجتُ فلقِيتُ عُبادةَ بنَ الصامت، فذكَرْتُ له حديثَ معاذ، فقال: سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يحكي عن ربِّه قال: "حَقَّتْ مَحبَّتي على المتحابِّين فيَّ، وحَقَّتْ مَحبَّتي على المتَزاوِرينَ فيَّ، وحَقَّتْ مَحبَّتي على المتَباذِلين فيَّ، والمتحابُّونَ في اللَّه، على مَنابر من نور في ظلِّ العَرْش يومَ لا ظِلَّ إلّا ظلُّه". فهذا أبو مسلم الخَوْلانيُّ يَروي عن معاذٍ وعُبادةَ جميعًا هذا الحديث، إن كان واحدًا. والحديثان جميعًا عن عُبادةَ كما ترى، وأبو مسلم الخَوْلانيُّ اسمُه عبدُ اللَّه بنُ ثُوَبَ، لا يختلفُ في ذلك أهلُ العلم بالنقل والسِّيَر، وكان فاضلًا عابدًا جليلًا، من كبارِ التابعين وخيارِهم وجِلَّتِهم، له كراماتٌ كثيرةٌ، وأخبارٌ عجيبةٌ مشهورةٌ، ذكَرها ابنُ أبي خَيْثَمة (١) وسعيدُ بنُ أسَدٍ (٢) وغيرُهما، وكان أبو مسلم الخَوْلانيُّ مسلمًا على عهدِ رسول اللَّه ﷺ ، وقدِم المدينةَ حينَ استُخْلِف أبو بكرٍ الصديق، وقد أجرَيْنا ذكرَه في كتاب "الصّحابة" (٣) على شرطِنا. وقد روَى عنه أبو إدريسَ الخَوْلانيُّ حديثًا نَذكُرُه في آخر هذا الباب إن شاء اللَّه. قال أحمدُ بنُ زُهَير: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقول: أبو مسلم الخَوْلانيُّ اسمُه عبدُ اللَّه بنُ ثُوَبَ، سمعتُه من أبي المغيرة (٤). قال أحمدُ بنُ زُهَير: وسألتُ يحيى بنَ مَعين عن أبي مسلم الخَوْلانيِّ، فقال: اسمُه عبدُ اللَّه بنُ ثُوَبَ، شاميٌّ ثقة (٥).

стр. 7313

قال أبو عُمر: قد رُوِيَ عن أبي إدريس الخَوْلانيِّ في هذا الحديث مثل رواية أبي مسلم الخَوْلانيِّ سواءً، عن مُعاذٍ وعن عُبادة، فأما حديثُه عن مُعاذٍ فنحو حديثِ أبي مسلم عنه، فقد ذكَرْناه من رواية أسدٍ (١)، عن عبدِ الحميد بن بَهرامَ، عن شهرِ بنِ حَوْشَب، عن أبي إدريسَ عائذِ اللَّه بن عبد اللَّه، عن معاذ. وأما حديثُ أبي إدريس، عن عُبادة، فمثل حديث أبي مُسلم أيضًا، فذكَره ابنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا غُنْدَرٌ، عن شعبة، عن يَعلى بن عطاء، عن الوليدِ بن عبدِ الرحمن، عن أبي إدريس، قال: حدَّثْتُ عُبادةَ بنَ الصامت فقال: لا أُحَدِّثُ إلا بما سمِعتُ على لسان رسولِ اللَّه ﷺ : "حَقَّتْ مَحبَّتي للمُتحابِّين فيَّ، وحَقَّتْ مَحبَّتي للمُتزاورين فيَّ، أو المتواصِلين" (٢). شكَّ شعبةُ في "المتواصِلين والمتزاوِرين". وقد يمكن أن يكونَ أبو إدريسَ وأبو مسلم الخَوْلانيّان عرض لكلِّ واحدٍ منهما ما رُوِيَ في هذا الباب عنهما مع معاذٍ وعُبادةَ، واللَّه أعلمُ بالصحيح في ذلك، ولا يُقطَعُ على أخبارِ الآحاد. وأما إسنادُ مالكٍ عن أبي حازم فصحيح، وليس في شيء من الأسانيد عن أبي إدريسَ، ولا عن أبي مسلم مثلُه، ولا ما يَلْحَقُ به، وحديثُ أبي مسلم الخَولانيِّ إنما يَدورُ على حبيب بن أبي مرزوق، وليس ممن يُعارَضُ بمثلِه حديثُ مالكٍ عن أبي حازم، وكذلك حديثُ يَعلَى بن عطاءٍ عن الوليدِ أيضًا، ليس بحُجّةٍ على حديِث مالكٍ عن أبي حازم. وقد روَى أبو إدريسَ الخَوْلانيُّ، عن أبي مسلم الخَوْلانيِّ، عن عَوْفِ بنِ مالكٍ الأشْجَعيِّ، عن النبيِّ ﷺ حديثَ "تُبايِعُوني". بتمامه. وهو يدخُلُ في رواية النَّظير عن النَّظير:

стр. 7314

حدَّثناه أحمدُ بنُ فتح (١)، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحسنُ بنُ عبد اللَّه بن الخَضِر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ صالح الدمشقيُّ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمار، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، عن سعيدِ بن عبد العزيز، عن ربيعةَ بنِ يزيدَ، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، عن أبي مسلم الخَوْلانيِّ، قال: حدَّثني الحبيبُ الأمين، أما هو إليَّ فحبيبٌ، وأما هو عندي فأمينٌ؛ عوفُ بنُ مالكٍ الأشْجَعيُّ، قال: كنّا عندَ النبيِّ ﷺ تسعةً أو ثمانية، فقال: "ألا تُبايِعُونَ رسولَ اللَّه؟ ". فبسَطْنا أيدينا فبايَعناه، ثم قال قائل: يا رسولَ اللَّه، عَلامَ نُبايِعُك؟ قال: "على أن تَعبُدُوا اللَّه ولا تشرِكوا به شيئًا، وتُصَلُّوا الصلوات الخمس، وتَسْمَعوا وتُطِيعُوا -وأسَرَّ كلمةً- ولا تسألوا الناسَ شيئًا". فلقد كان بعضُ أولئك النفر يَسقُطُ سَوْطُ أحدِهم فلا يَسألُ أحدًا يَناوِلُه إياه (٢). وهذا حديثٌ مشهورٌ ليس من هذا الباب، ولكني ذكَرْتُه لرواية أبي إدريسَ له، مع جلالتِه، عن أبي مسلم، فإن من الناس مَن جعل أبا مسلم الخَولانيَّ مجهولًا، وهذا جهلٌ بهذا الشأن، وحسبُك برواية أبي إدريس، وهو من أجَلِّ تابعي الشاميِّين عنه. وأما حديثُه في هذا الباب، فمعروفٌ عن معاذٍ وعن عبادةَ أيضًا، وهو عن معاذٍ أشهر، وكلاهما محفوظ.

стр. 7315

وحدَّثناه عبدُ الوارث بن سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قال: حدَّثنا مُسدَّدُ بنُ مُسَرهَد، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، عن الجُرَيريِّ، عن رجل، قال: قلت لمعاذ بن جَبَل: إني أُحِبُّك في اللَّه، أو أُحِبُّك للَّه. فقال لي: انظُرْ ما تقول. قالها ثلاث مرات، ثم قال: إنّي سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ اللَّه يُحِبُّ الذين يتحابُّون في اللَّه، ويُحبُّ الذين يَتقاعَدُون فيه، ويُحبُّ الذين يتَباذَلون فيه، ويحبُّ الذين يَتزاوَرون فيه، ويحبُّ الذين يتجاوَرُون فيه" (١). قال أبو عُمر: قوله: "بَرّاقُ الثَّنايا" أي: أبيضُ الثَّنايا. وقد مضَى في باب أبي طُوالة (٢) في المُتحابِّين في اللَّه ما فيه كفايةٌ، والحمدُ للَّه. ولقد أحسن أبو العتاهية ﵀ في قوله (٣): مَن لم يكنْ في اللَّه يَمْنَحُك الهَوَى ... مزَجَ الهَوَى بمَلالةٍ وثِقالِ

стр. 7316

حديثٌ ثامنٌ لأبي حازم مالكٌ (١)، عن أبي حازم بن دينار، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نهى عن بيع الغَرَر. هكذا هذا الحديث في "الموطأ" بهذا الإسناد مرسَلٌ، لم تختلف الرُّواةُ عن مالكٍ فيه فيما عَلِمْتُ (٢). وقد روَى فيه أبو حُذافة عن مالكٍ إسنادًا منكَرًا، عن نافع، عن ابن عمر: حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ المُطرِّزُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسن بنِ هارون الصَّبّاحيُّ، قال: حدَّثنا أبو حُذافة (٣)، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نهى عن بيع الغَرَر. قال أبو عُمر: هذا مُنكَر الإسناد لا يَصِحُّ، والصحيح فيه عن مالك، ما في "الموطأ" عن أبي حازم، عن سعيدٍ مُرسلًا، وهو حديثٌ يتَّصلُ ويستندُ من حديث أبي هريرة بنقل الثِّقات الأثبات. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يَزيدَ الثَّغريُّ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادة، قال: حدَّثنا شعبة، عن سَيّار (٤)، عن الشعبيِّ، عن أبي هريرة، أن النبيَّ ﷺ نهى عن بيع الغَرَر.

стр. 7317

وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم بن يونُس (١)، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بن يونسَ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي حازم، عن أبيه، عن سهلِ بنِ سعد، عن النبيِّ ﷺ ، مثلَه (٢). قال أبو عُمر: هذا خطأٌ، ولم يَروِ هذا الحديثَ أبو حازم، عن سهل بن سَعْد (٣)، وإنما رواه عن سعيدِ بنِ المسيِّب كما قال مالك، وليس ابنُ أبي حازم في الحديث (٤) ممن يُحتَجُّ به فيما خالفَه غيرُه، وهو عندَهم ليِّنُ الحديث ليس بحافظ، وهذا الحديثُ محفوظٌ من حديث أبي هريرة، ومعلومٌ أنّ سعيدَ بنَ المسيِّب من كبارِ رواة أبي هريرة. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٥)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٦): حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ إدريسَ،

стр. 7318

ويحيى بنُ سعيد، وأبو أسامة، عن عُبيد اللَّه بن عمرَ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن بيع الغَرَر، وعن بيع الحَصاة. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمد، عن عُبيدِ اللَّه بن عمر، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نهى عن بيع الغَرَر، وعن بيع الحَصاة، وقال: "أيُّما رجل اشترَى محفَّلةً فله أن يُمسِكَها ثلاثًا، فإن رَضِيَها أمسَكَها، وإن سَخِطَها رَدَّها وصَاعًا من تمر" (١). قال أبو عُمر: بَيعُ الغَرَر يَجمعُ وُجوهًا كثيرة؛ منها المجهولُ كلُّه في الثمن، والمثّمَّنُ إذا لم يُوقَفْ على حقيقة جملتِه، فبيعُه على هذه الحال من بيعِ الغَرَر، وإن وُقف على أكثر ذلك وحُصِر حتى لا يُشْكِلَ المرادُ منه، فما جُهِل منه من التافهِ اليسير الحقير النَّزْر في جنبِ الصَّفْقة إذا كان مما لا يُمكِنُ الوصولُ إلى معرفة حقيقتِه، فلا يَضُرُّ ذلك، وهو متجاوزٌ عنه، غيرُ مراعًى عندَ جماعةِ العلماء. ومن بُيوع الغَرَر بيعُ الآبق، والجمل الشارد، والإبل الصِّعاب في المَرْعى، وكذلك الرَّمَكُ (٢) والبقرُ الصِّعاب، إذا كان الأغلبُ من أمرِها جهلَ أسنانها وعدمَ تَقليبِها، والحِيتانُ في الآجام (٣)، والطائرُ غيرُ الدَّاجِن (٤)، إذا لم يكن مملوكًا

стр. 7319

مَقبوضًا عليه، والقِمارُ كلُّه من بيعِ الغَرَر، وبيعُ الحَصاة من القمار (١). ومعنى بيع الحَصاةِ عندَهم أن تكون جملةُ ثيابٍ منشورةً أو مطويّةً، فيقول القائل: أيُّ هذه الثياب وقَعَت عليها حَصاتي هذه فقد وجَب فيها البيعُ بيني وبينَك بكذا. دون تأمُّلٍ ولا رُؤية، فهذا أيضًا غَرَر. واسمُ بيع الغَرَر اسمٌ جامعٌ لهذه المعاني كلِّها وما أشبَهَها، إلا أن العلماءَ اختلَفوا في الآبِق يكونُ في يدِ مُشتَريه: فقال مالكٌ: لا يجوزُ بيعُ الآبق إلا أن يكونَ بحيثُ يُقدَرُ على تَسليمِه، ويعرِفُ البائعُ والمشتَري حاله في وقت البيع (٢). وقال الحسنُ بن حيٍّ والشافعيُّ وعُبيدُ اللَّه بنُ الحسن: لا يجوزُ بيعُ الآبق (٣). وقال أبو حنيفة وأصحابُه: لا يجوزُ بيعُ العبدِ الآبق إلّا أن يكونَ في يدِ مُشتَريه (٤). وقال عثمانُ البَتيُّ (٥): لا بأسَ ببيع الآبق والبعيرِ الشارد، وإن هلَك فهو من مال المشتري، وإن اختلَفا في هلاكِه فعلى المشتري البينةُ أنه هلك قبل أن يشتريَه، وإلا أعطاه قيمتَه، وكذلك المبتاعُ إذا تقدّم شراؤُه. قال أبو عُمر: قولُ عثمانَ البتِّيِّ هذا مردودٌ (٦) بالسُّنة المذكورة في هذا الحديث،

стр. 7320

وقول أبي حنيفة في جواز بيعِه -إذا علِمه المشتري دون البائع- ليس بشيء، والصحيح ما قاله مالكٌ فيما ذكرنا عنه، وهو مذهبُ الشافعيِّ وغيرِه أيضًا إذا كان على ما وصَفْنا. والبيعُ الفاسدُ من بيوع الغَرَر وغيرها إذا وقَع فُسِخ إن أُدرك قبل القبض وبعده، فإن فات بعدَ القبض رُدَّ إلى قيمتِه، بالغًا ما بلغ يوم قُبِضَ، لا يومَ وقَعَت صفقَتُه، فإن أُصيب عندَ البائع قبلَ القبض فمُصيبتُه بكلِّ حال منه. ومن هذا الباب بيعُ اللَّبَن في الضَّرع، وبيعُ المُغيَّب تحتَ الأرض من البقول إذا لم تُرَ. ومن ذلك بيعُ الدَّيْن على المُفْلِس وعلى الميت، وبيعُ المَضامين والملاقيح، وحَبَلِ حَبَلةٍ، وقد مضى تفسيرُ ذلك في باب نافع (١). ومن ذلك بيعُ الجنين في بطن أُمِّه، وكلِّ ما لا يَدْري المبتاعُ حقيقة ما يحصُلُ عليه ولا ما يَصيرُ إليه، وفروعُ هذا الباب كثيرةٌ جدًّا، وللعلماء فيها مذاهبُ لو تقصَّيناها لخرَجنا عن تأليفِنا ومقصدِنا. وباللَّه توفيقُنا (٢).

стр. 7321

حديثٌ تاسعٌ لأبي حازم مالكٌ (١)، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعديِّ، قال: ساعتان تفتحُ لهما أبوابُ السماء، وقلَّ داعٍ تُرَدُّ عليه دعوتُه: حضرةُ النداء للصلاة، والصفُّ في سبيل اللَّه. هكذا هو موقوفٌ على سهلِ بنِ سعد الساعديِّ (٢) في "الموطأ" عند جماعةِ الرُّواة (٣)، ومثلُه لا يقال من جهة الرأي. وقد رواه أيوبُ بنُ سُويدٍ ومحمدُ بنُ مخَلَدٍ وإسماعيلُ بنُ عمر (٤)، عن مالكٍ مرفوعًا. كتب إليَّ أبو الفضل أحمدُ بنُ أبي عمرانَ الهَرَويُّ إجازةً بخطِّه، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ عليِّ بنِ عاصم الأصبهانيُّ، قال: حدَّثنا أبو بشرٍ الدُّولابيُّ، قال: حدَّثنا أبو عُمَيْر أحمدُ بنُ عبدِ العزيزِ بن سُوَيدٍ البَلَويُّ (٥)، قال: حدَّثنا

стр. 7322

أيوبُ بنُ سُوَيد، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن أبي حازم، عن سهلِ بنِ سعد، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ساعتانِ تُفتحُ فيهما أبوابُ السماء وقلَّما تردُّ على داع دعوتُه؛ لحضورِ الصلاة، والصَّفِّ في سبيل اللَّه". قال: وحدَّثنا الطبرانيُّ، قال (١): حدَّثنا موسى بن جُمهور، قال: حدَّثنا مُؤمَّلُ بنُ إهاب، قال: حدَّثنا أيوبُ بنُ سُوَيْدٍ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن أبي حازم، عن سهلِ بنِ سعدٍ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ساعتان لا تُردُّ على داعٍ دعوتُه فيهما؛ حين تُقامُ الصلاةُ، والصَّفِّ في سبيل اللَّه". وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد اللَّه بن زكريا، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر الكوفيُّ، قال: حدَّثنا مُؤمَّلُ بنُ إهاب، قال: حدَّثنا أيوبُ بنُ سُويد، قال: حدَّثني مالكٌ. فذكَره بإسنادِه مرفوعًا. وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ بنِ إسحاقَ بن عُتبةَ الرازيُّ وأبو القاسم عليُّ بنُ الحسن بن جعفرٍ ابنُ أخي محمدِ بنِ جعفرٍ الإمامُ بدِمياط، قالا: حدَّثنا بكرُ بنُ سهلٍ الدِّمياطيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مَخلَدٍ الرُّعَينيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ساعاتٌ

стр. 7323

تُفتحُ فيها أبوابُ السماء، قلَّما تُرَدُّ فيهنَّ دعوةٌ؛ حُضورُ الصلاة، وعندَ الصَّفِّ للقتال" (١) (٢). وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لا يُردُّ الدُّعاءُ بين الأذان والإقامة" من وجوه حسان: أخبرنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ السكن (٣)، قال: حدَّثنا يحيى بنُ محمدِ بنِ صاعد، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ عمرٍو الرَّقاشيُّ، قال: حدَّثنا أبو زيادٍ سهلُ بنُ زياد الطَّحانُ، عن سليمانَ التَّيميِّ، عن أنسِ بن مالك، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا نُوديَ بالأذان فُتِحتْ أبوابُ السّماء، واستُجيبَ الدعاءُ" (٤).

стр. 7324

وأخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام الخُشَنيُّ، قال: حدَّثنا بُندارٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، قال: حدَّثنا سفيان، عن زيد، عن أبي إياس، عن أنس بن مالك، قال: لا يُرَدُّ الدعاءُ بين الأذانِ والإقامة (١). وروَى يزيدُ الرَّقاشيُّ، عن أنسِ بنِ مالك، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "عندَ الأذانِ تُفتحُ أبوابُ السماء، وعندَ الإقامةِ لا تُرَدُّ دعوةٌ" (٢).

стр. 7325

وقال عطاءٌ: عندَ نزول الغيث، والتِقاءِ الزَّحْفَين، والأذان، يُستجابُ الدعاء (١). وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا أبو عَميرةَ عبدُ العزيز بنُ أحمدَ بنِ سُويدٍ، قال: حدَّثنا أيوبُ بنُ سُويدٍ الرَّمْليُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن أبي حازم، عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ساعتانِ تُفتحُ لهما أبوابُ السماء، وقلَّما تُرَدُّ على الدَّاعي فيهما دعوتُه؛ حُضورُ الصلاة، والصَّفُّ في سبيل اللَّه" (٢). وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بنُ موسى، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن بُرَيدِ بن أبي مريم، عن أنسِ بنِ مالك، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ الدعاءَ لا يُرَدُّ بين الأذان والإقامة" (٣). وأخبرنا أحمدُ (٤)، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا أبو هشام الرِّفاعيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ يمانٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن زيدٍ

стр. 7326

العمِّيِّ، عن أبي إياس معاويةَ بن قُرَّة، عن أنس بن مالك قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "الدعاءُ لا يُرَدُّ بين الأذان والإقامة" (١). ووقَفَه ابنُ مهديٍّ، عن سفيان: حدَّثنا أحمدُ (٢)، قال: حدثنا أحمد، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشّار، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن (٣)، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن زيدٍ العمِّيِّ، عن أبي إياس، عن أنسِ بنِ مالك قال: لا يُرَدُّ الدعاءُ بينَ الأذان والإقامة. قال: وحدَّثنا ابنُ بشّار وابنُ المثنّى، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، عن سليمانَ التَّيميِّ، عن قتادة، عن أنس قال: إذا أُقيمَت الصلاةُ فُتِحَت أبوابُ السماء، واستجيب الدعاء.

стр. 7327

مالكٌ، عن سلَمةَ بنِ صفْوانَ حديثٌ واحدٌ وهو سلمةُ بنُ صفوانَ بن سلَمة الزُّرَقيُّ (١)، مدنيٌّ ثقةٌ، يروي عن أبي سلَمة (٢) وغيرِه. روى عنه مالكٌ وغيرُه. مالكٌ (٣)، عن سلَمةَ بنِ صَفْوان، عن زيدِ (٤) بنِ طلحةَ بنِ رُكانة، يَرفعُه إلى النبيِّ ﷺ ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لكلِّ دينٍ خُلُقٌ، وخُلُقُ الإسلام الحياءُ". هكذا هذا الحديثُ في "الموطأ" عندَ جمهورِ الرُّواة، عن مالك (٥). ورواه وكيعٌ، عن مالك، عن سلَمةَ بنِ صفوان، عن يزيدَ بنِ طلحةَ بنِ رُكانة، عن أبيه (٦). ولا أعلمُ أحدًا قال فيه: عن أبيه، عن مالك. إلا وكيعٌ، فإن صحَّت روايةُ وَكيع، فالحديثُ مسندٌ من هذا الطريق. وأما معناه، فمتّصِلٌ مسندٌ من وُجوهٍ عن النبيِّ ﷺ . وقال يحيى بن يحيى في هذا الحديث: زيدُ بنُ طلحة. وقال القَعنبيُّ (٧)

стр. 7328

وابنُ بكير وابنُ القاسم وغيرُهم: يزيدُ بنُ طلحةَ بن رُكانة. وهو الصواب، وهو يزيدُ بنُ طلحةَ بنِ رُكانة بنِ عبدِ يزيدَ بن هاشم بن المطلب بن عبدِ مَناف. وقد أنكَر يحيى بنُ معين على وكيع في هذا الحديث قوله: عن أبيه. وقال: ليس فيه عن أبيه، هو مرسلٌ (١). وقد رواه محمدُ بنُ سليمانَ الأنباريُّ، عن وكيع، عن مالكِ بنِ أنس، عن سلَمةَ بنِ صفوان، عن ابن رُكانة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ . فذكَره (٢). وهذا يُشبه أن يكونَ مثل روايةِ جماعةِ أصحابِ مالك؛ لأنه لم يقل فيه: عن أبيه. وإن كان لم يُسَمِّه، ولا أعلَمُه يُرْوَى عن النبيِّ ﷺ هذا الحديثُ بغير هذا الإسناد، إلا ما انفَرد به معاويةُ بنُ يحيى، عن الزُّهريِّ، عن أنس، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لكلِّ دينٍ خُلُقٌ، وخُلُقُ الإسلام الحياءُ" (٣). ومعاويةُ بنُ يحيى ضَعيفٌ لا يُحتَجُّ بمِثلِه (٤)، ولا يوثَقُ بنقِله، وقد رُوِيَ من حديث الشاميِّين بإسنادٍ حسن. حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم ﵀، قال: حدَّثنا أبو بكر محمّدُ بنُ الحسين بن صالح السَّبيعيُّ الحلَبيُّ بدمشق، قال: حدَّثنا أبو عمرَ عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بن يحيى الأزديُّ، قال: حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياس العسَقْلانيُّ، عن مَعْنِ بنِ الوليد، عن ثورِ بنِ يزيدَ، عن خالدِ بنِ مَعْدانَ، عن معاذِ بنِ جبل، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لكلِّ دِينٍ خُلُقٌ، وخُلُقُ الإسلام الحياءُ، مَن لا حياءَ له لا دينَ له" (٥).

стр. 7329

وبإسنادِه عن مُعاذِ بنِ جبل، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "زَيِّنوا الإسلامَ بخَصْلَتيْن". قلنا: وما هما؟ فقال: "الحياءُ والسَّماحةُ في اللَّه لا في غيرِه". وأما حديثُ وكيع، فحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الحسن عليُّ بنُ محمدِ بنِ بَديع البغداديُّ المعدَّل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ صالح بنِ ذَرِيح، قال: حدَّثنا هنّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، عن مالكِ بنِ أنس، عن سلمةَ بنِ صَفْوان، عن يزيدَ بنِ رُكانة، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ لكلِّ دِينٍ خُلُقًا، وإنَّ خُلُقَ هذا الدينِ الحياءُ" (١). وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو العباس محمدُ بنُ إسماعيل بن محمدٍ الدَّمِيريُّ، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ محمد بن عيسى، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ موسى (٢) القَطّان، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن مالكِ بنِ أنس، عن سَلَمةَ (٣) بن صَفْوان،

стр. 7330

عن يزيدَ بنِ رُكانة، عن أبيه، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ لكلِّ دِينٍ خُلُقًا، وإنَّ خُلُقَ هذا الدينِ الحَياءُ". وقد رُوِي عن عيسى بن يونسَ، عن مالك، عن الزُّهريِّ، عن أنس، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لكُلِّ دينٍ خُلُقٌ (١)، وخُلُقُ هذا الدين الحَياءُ" (٢). وذلك عندَنا خطأ، وإنما هو لمالكٍ، عن سلمةَ بنِ صَفوانَ، لا عن الزُّهريِّ، عن أنس. وحديثُ عيسى بنِ يونس، إنما هو عن مُعاويةَ بنِ يحيى، عن الزُّهريِّ، عن أنس، لا عن مالك بن أنس. ذكره البزّارُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا نُعَيْمُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا عيسى بنُ يونسَ، عن معاويةَ بنِ يحيى، عن الزُّهريِّ، عن أنس، عن النبيِّ ﷺ ، فذكَره (٣).

стр. 7331

وثبت عنه ﷺ أنه قال: "الحياءُ شعبةٌ من الإيمان". رواه عبدُ اللَّه بنُ دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (١). وروَى ابنُ شهاب، عن سالم (٢)، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "الحياءُ منَ الإيمان". وقد مضَتْ هذه الآثارُ في باب ابنِ شهابٍ عن سالم من هذا الكتاب، والحمدُ للَّه (٣). حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: أخبرنا حمزةُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٤)، أخبَرنا يحيى بنُ حبيبِ بنِ عربيّ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ الحارث، عن ابنِ عجلان، عن عبدِ اللَّه بنِ دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عنِ النبيِّ ﷺ ، قال: "الحياءُ شُعبةٌ منَ الإيمان".

стр. 7332

أبو النَّضْر مولى عُمرَ بنِ عُبيد اللَّه واسمُه سالمُ (١) بنُ أبي أُميّةَ، مولى عمرَ بنِ عُبيدِ اللَّه بنِ معمَرٍ التَّيميِّ، تَيْم قريش، وكان كاتبًا لعمرَ بنِ عُبيدِ اللَّه، وهو أحدُ الثِّقاتِ الأثباتِ من أهل المدينة. روَى عن جماعةٍ من التابعينَ بالمدينة، وقد رأى عبدَ اللَّه بنَ عمرَ، وسمع منه، ويروي عن ابن أبي أوفى والسائبِ بنِ يزيدَ. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا القاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ محمدٍ الفَرْويُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ عمرَ، عن أبي النّضْرِ مولى عمرَ بنِ عُبيدِ اللَّه، قال: كنتُ جالسًا مع عبدِ اللَّه بنِ عمرَ، فجاءَهُ رجلٌ فسلَّم عليه، فرأى بينَ عينيه أثرَ سجدةٍ، فقال: ما هذا؟ صحِبتُ رسولَ اللَّه ﷺ وأبا بكرٍ وعمرَ، فلم أرَ ها هنا شيئًا. ومسَحَ عبدُ اللَّه بينَ عَيْنَيه. ورَوَى عن أبي النّضْرِ جماعةٌ من الأئمّة؛ منهم: مالكٌ، والثّوريُّ، وابنُ عُيينةَ، ومحمدُ بنُ إسحاق، وعُبيدُ اللَّه بنُ عمرَ، وغيرُهم. ونسَبَه محمدُ بنُ إسحاق، فقال: سالمُ بنُ أبي أُميّة (٢). وتوفّي أبو النَّضْرِ سنةَ ثلاثٍ وثلاثينَ (٣). وقيل: سنةَ ثلاثينَ ومئة.
следующие страницы →