← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7328–7367 · переход к 7333.

стр. 7328

وابنُ بكير وابنُ القاسم وغيرُهم: يزيدُ بنُ طلحةَ بن رُكانة. وهو الصواب، وهو يزيدُ بنُ طلحةَ بنِ رُكانة بنِ عبدِ يزيدَ بن هاشم بن المطلب بن عبدِ مَناف. وقد أنكَر يحيى بنُ معين على وكيع في هذا الحديث قوله: عن أبيه. وقال: ليس فيه عن أبيه، هو مرسلٌ (١). وقد رواه محمدُ بنُ سليمانَ الأنباريُّ، عن وكيع، عن مالكِ بنِ أنس، عن سلَمةَ بنِ صفوان، عن ابن رُكانة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ . فذكَره (٢). وهذا يُشبه أن يكونَ مثل روايةِ جماعةِ أصحابِ مالك؛ لأنه لم يقل فيه: عن أبيه. وإن كان لم يُسَمِّه، ولا أعلَمُه يُرْوَى عن النبيِّ ﷺ هذا الحديثُ بغير هذا الإسناد، إلا ما انفَرد به معاويةُ بنُ يحيى، عن الزُّهريِّ، عن أنس، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لكلِّ دينٍ خُلُقٌ، وخُلُقُ الإسلام الحياءُ" (٣). ومعاويةُ بنُ يحيى ضَعيفٌ لا يُحتَجُّ بمِثلِه (٤)، ولا يوثَقُ بنقِله، وقد رُوِيَ من حديث الشاميِّين بإسنادٍ حسن. حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم ﵀، قال: حدَّثنا أبو بكر محمّدُ بنُ الحسين بن صالح السَّبيعيُّ الحلَبيُّ بدمشق، قال: حدَّثنا أبو عمرَ عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بن يحيى الأزديُّ، قال: حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياس العسَقْلانيُّ، عن مَعْنِ بنِ الوليد، عن ثورِ بنِ يزيدَ، عن خالدِ بنِ مَعْدانَ، عن معاذِ بنِ جبل، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لكلِّ دِينٍ خُلُقٌ، وخُلُقُ الإسلام الحياءُ، مَن لا حياءَ له لا دينَ له" (٥).

стр. 7329

وبإسنادِه عن مُعاذِ بنِ جبل، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "زَيِّنوا الإسلامَ بخَصْلَتيْن". قلنا: وما هما؟ فقال: "الحياءُ والسَّماحةُ في اللَّه لا في غيرِه". وأما حديثُ وكيع، فحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الحسن عليُّ بنُ محمدِ بنِ بَديع البغداديُّ المعدَّل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ صالح بنِ ذَرِيح، قال: حدَّثنا هنّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، عن مالكِ بنِ أنس، عن سلمةَ بنِ صَفْوان، عن يزيدَ بنِ رُكانة، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ لكلِّ دِينٍ خُلُقًا، وإنَّ خُلُقَ هذا الدينِ الحياءُ" (١). وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو العباس محمدُ بنُ إسماعيل بن محمدٍ الدَّمِيريُّ، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ محمد بن عيسى، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ موسى (٢) القَطّان، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن مالكِ بنِ أنس، عن سَلَمةَ (٣) بن صَفْوان،

стр. 7330

عن يزيدَ بنِ رُكانة، عن أبيه، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ لكلِّ دِينٍ خُلُقًا، وإنَّ خُلُقَ هذا الدينِ الحَياءُ". وقد رُوِي عن عيسى بن يونسَ، عن مالك، عن الزُّهريِّ، عن أنس، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لكُلِّ دينٍ خُلُقٌ (١)، وخُلُقُ هذا الدين الحَياءُ" (٢). وذلك عندَنا خطأ، وإنما هو لمالكٍ، عن سلمةَ بنِ صَفوانَ، لا عن الزُّهريِّ، عن أنس. وحديثُ عيسى بنِ يونس، إنما هو عن مُعاويةَ بنِ يحيى، عن الزُّهريِّ، عن أنس، لا عن مالك بن أنس. ذكره البزّارُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا نُعَيْمُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا عيسى بنُ يونسَ، عن معاويةَ بنِ يحيى، عن الزُّهريِّ، عن أنس، عن النبيِّ ﷺ ، فذكَره (٣).

стр. 7331

وثبت عنه ﷺ أنه قال: "الحياءُ شعبةٌ من الإيمان". رواه عبدُ اللَّه بنُ دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (١). وروَى ابنُ شهاب، عن سالم (٢)، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "الحياءُ منَ الإيمان". وقد مضَتْ هذه الآثارُ في باب ابنِ شهابٍ عن سالم من هذا الكتاب، والحمدُ للَّه (٣). حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: أخبرنا حمزةُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٤)، أخبَرنا يحيى بنُ حبيبِ بنِ عربيّ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ الحارث، عن ابنِ عجلان، عن عبدِ اللَّه بنِ دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عنِ النبيِّ ﷺ ، قال: "الحياءُ شُعبةٌ منَ الإيمان".

стр. 7332

أبو النَّضْر مولى عُمرَ بنِ عُبيد اللَّه واسمُه سالمُ (١) بنُ أبي أُميّةَ، مولى عمرَ بنِ عُبيدِ اللَّه بنِ معمَرٍ التَّيميِّ، تَيْم قريش، وكان كاتبًا لعمرَ بنِ عُبيدِ اللَّه، وهو أحدُ الثِّقاتِ الأثباتِ من أهل المدينة. روَى عن جماعةٍ من التابعينَ بالمدينة، وقد رأى عبدَ اللَّه بنَ عمرَ، وسمع منه، ويروي عن ابن أبي أوفى والسائبِ بنِ يزيدَ. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا القاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ محمدٍ الفَرْويُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ عمرَ، عن أبي النّضْرِ مولى عمرَ بنِ عُبيدِ اللَّه، قال: كنتُ جالسًا مع عبدِ اللَّه بنِ عمرَ، فجاءَهُ رجلٌ فسلَّم عليه، فرأى بينَ عينيه أثرَ سجدةٍ، فقال: ما هذا؟ صحِبتُ رسولَ اللَّه ﷺ وأبا بكرٍ وعمرَ، فلم أرَ ها هنا شيئًا. ومسَحَ عبدُ اللَّه بينَ عَيْنَيه. ورَوَى عن أبي النّضْرِ جماعةٌ من الأئمّة؛ منهم: مالكٌ، والثّوريُّ، وابنُ عُيينةَ، ومحمدُ بنُ إسحاق، وعُبيدُ اللَّه بنُ عمرَ، وغيرُهم. ونسَبَه محمدُ بنُ إسحاق، فقال: سالمُ بنُ أبي أُميّة (٢). وتوفّي أبو النَّضْرِ سنةَ ثلاثٍ وثلاثينَ (٣). وقيل: سنةَ ثلاثينَ ومئة.

стр. 7333

لمالكٍ عنه في "الموطأ" خمسةَ عشرَ حديثًا؛ منها تسعةٌ متّصلةٌ مسنَدةٌ، ومنها حديثُ ظاهرُه الاتّصال، وليس بمتَّصلٍ، وسائرُها منقطعةٌ ومرسلةٌ. قال عبدُ اللَّه بنُ أحمدَ بن حنبل: سألتُ أبي عن سالم أبي النّضْرِ، فقال: ثقةٌ (١). وقال يحيى بنُ معين: سالمُ أبو النّضْرِ مدنيٌّ ثقةٌ (٢). وقال الحُميديُّ: سُئِل سفيانُ بنُ عُيينةَ عن سالم أبي النّضْر، فقال: ثقةٌ. وكان مالكٌ يصِفُه بالفضْل والعقْلِ والعبادة (٣).

стр. 7334

حديثٌ أوّلُ لأبي النَّضْر مالكٌ (١)، عن أبي النَّضْر مولى عمرَ بنِ عُبيد اللَّه، عن بُسرِ بنِ سعيد، أنَّ زيدَ بنَ خالدٍ أرسلَه إلى أبي جُهيم يسألُه: ماذا سمِع من رسولِ اللَّه ﷺ في المارِّ بين يدي المُصلِّي؟ فقال أبو جُهيم: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لو يعلمُ المارُّ بينَ يدي المُصلِّي ماذا عليه، لكانَ أن يقفَ أربعينَ خيرًا له من أن يمرَّ بين يدَيْه". قال أبو النَّضر: لا أدري أربعينَ يومًا أو شهرًا أو سنةً. قال أبو عُمر: أبو جُهيم هذا هو أبو جُهيم بنُ الحارثِ بنِ الصِّمَّة الأنصاريُّ، وهو ابنُ أختِ أبيٍّ بنِ كعب، وقد قيل فيه: عبدُ اللَّه بنُ جُهيم أبو جُهيم. وقد ذكرناه في "الصحابة" (٢) بما يُغني عن ذكرِه ها هنا، ولم تختلفِ الرُّواةُ عن مالكٍ في شيءٍ من هذا الحديث (٣). وروَى ابنُ عيينةَ هذا الحديث مقلوبًا عن أبي النَّضر، عن بُسرِ بنِ سعيدٍ (٤)،

стр. 7335

جعَل في موضع زيدِ بنِ خالد: أبا جُهيم، وفي موضع أبي جُهيم: زيدَ بنَ خالدٍ، والقولُ عندَنا قولُ مالك، وقد تابعَه الثوريُّ وغيره. أخبَرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (١): حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، عن سفيانَ -يعني الثوريَّ- عن سالم أبي النَّضْر، عن بُسرِ بنِ سعيدٍ، قال: أرسَلني زيدُ بنُ خالد إلى أبي جُهيم أسألُه: ماذا سمِع. فذكَر مثلَ حديث مالك. وأخبَرنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سنجَرَ، قال: حدَّثنا قَبِيصةُ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن سالم أبي النَّضر، عن بُسرِ بنِ سعيد، قال: أرسَلني زيدُ بنُ خالدٍ الجُهنيُّ إلى أبي جُهيم أسأله: ما سمعتَ من رسولِ اللَّه ﷺ يقول في الذي يمرُّ بين يدي المصلِّي؟ قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لأنْ يقومَ الرجلُ مقامَه خيرٌ له من أن يمرَّ بين يدي المصلِّي" (٢). ورواه وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سالم أبي النَّضر، عن بُسْر بن سعيد، عن عبدِ اللَّه بنِ جُهيم، قال: قال ليَ النبيُّ ﷺ . فذكره هكذا (٣)، وهو وهمٌ من

стр. 7336

وكيع (١)، والصحيحُ في ذلك روايةُ مالكٍ ومن تابعَه. وذكَر ابنُ أبي شيبةَ أيضًا، عن وكيع، عن عبد اللَّه (٢) بنِ عبدِ الرحمن بن مَوْهَب، عن عمِّه، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لو يعلمُ أحدُكم ما له في أن يمرَّ بينَ يدي المصلِّي معترضًا، كان لأنْ يقفَ مئةَ عام خيرٌ له من الخطوةِ التي خَطا" (٣). وأما حديثُ ابن عُيينة، فرواه الحُميديُّ (٤) وغيرُه (٥) عنه بمعنًى واحدٍ مقلوبًا كما وصفْنا، وزاد فيه (٦): أو ساعة.

стр. 7337

وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرِ بنِ حرب، قال (١): حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن سالم أبي النَّضْر، عن بُسرِ بنِ سعيدٍ، قال: أرسلني أبو جُهيم إلى زيدِ بنِ خالدٍ ما سمِع من النبيِّ ﷺ في الذي يمُرُّ بين يدي المصلِّي؟ فقال: "لأنْ يقومَ أربعينَ خيرٌ مِن أنْ يمُرَّ بينَ يديه". لا أدري سنةً، أو شهرًا، أو يومًا، أو ساعةً. قال أحمدُ بنُ زهير (٢): سُئِلَ يحيى بنُ معين عن هذا الحديث، فقال: خطأٌ (٣)، إنما هو زيدٌ إلى أبي جُهيم. كما روَى مالكٌ (٤). قال أبو عُمر: لا خِلافَ بينَ العلماء في كراهيةِ المُرورِ بينَ يدي المصلِّي لكلِّ أحدٍ، ويكرهون للمصلِّي أيضًا أن يدَع أحدًا يمُرُّ بينَ يدَيْه، وعليه عندَهم أن يدفَعَه جَهدَه، ما لم يخرُجْ إلى حدٍّ من العمل يُفسِدُ به على نفسِه صلاتَه. وقد مضَى القولُ في درْءِ المصلِّي من يمُرُّ بين يدَيْه، والحكمُ في ذلك مبسوطًا في باب زيدِ بنِ أسلمَ من هذا الكتاب (٥)، والإثمُ على المارِّ بينَ يدَي المصلِّي فوقَ الإثم على الذي يدعُه يمُرُّ بينَ يديْه، وكلاهما عاصٍ إذا كان بالنهي عالمًا، والمارُّ أشدُّ إثمًا إذا تعمَّد ذلك، وهذا ما لا أعلمُ فيه خلافًا، ومع هذا فإنه لا تُقطَعُ صلاةُ مَن مرَّ بينَ يديه على ما قدَّمنا ذكرَه في باب زيدِ بنِ أسلمَ، والحمدُ للَّه.

стр. 7338

حدَّثنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مطرِّف، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عمرَ بنِ لُبابةَ وأيوبُ بنُ سليمان، قالا: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ يزيدَ المُقرئ، قال: حدَّثنا أيوبُ بنُ موسى الغافقيُّ، قال: حدَّثني أبو عمرانَ الغافقيُّ، قال: سمعتُ عبدَ اللَّه بنَ عمرو بن العاص يقول: لأنْ يكونَ الرجلُ رمادًا يُذَرَّى، خيرٌ له من أن يمرَّ بينَ يَدَي رجلٍ يصلِّي متعمِّدًا (١). قال أبو عُمر: قال بعضُ أهل العلم: إن مَن صلَّى إلى غيرِ سُترةٍ لم يحرُمْ على أحدٍ المرورُ بينَ يديْه، ولا يجوزُ له أن يدفعَ من يَمُرُّ (٢) بينَ يديه إذا صلَّى إلى غير سُترة. قال: وإنما المعنى في هذا الباب لمن صلَّى إلى سُتْرة. وغيره يقول: السُّترةُ وغيرُ السُّترة في هذا الباب سواءٌ. ولمالكٍ عن أبي النَّضْر، عن بُسْرِ بنِ سعيدٍ حديثٌ آخَرُ موقوفٌ عند مالكٍ، وقد وصلَه غيرُه من الثِّقات، منهم موسى بنُ عُقبةَ وغيرُه: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا عفّانُ بنُ مسلم، قال:

стр. 7339

حدَّثنا وُهَيبٌ، قال: سمعتُ موسى بنَ عُقبة، قال: سمعتُ أبا النّضْر يُحدِّثُ عن بُسْرِ بنِ سعيدٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ أنّ النبيَّ ﷺ قال: "صلُّوا أيُّها الناسُ في بيوتِكُم، فإنّ أفضلَ صلاة المرءِ في بيتِه إلا الصلاةَ المكتوبةَ". ورواهُ ابنُ جُريج، عن موسى بن عُقبة، عن أبي النّضْر، عن بُسْر، عن زيدٍ مثلَه، عن النبيِّ ﷺ مرفوعًا. وهو حديثٌ ثابتٌ مرفوعٌ صحيحٌ، ومثلُه لا يكونُ رأيًا. وإذا كانت صلاةُ النافلةِ في البيتِ أفضلَ منها في مسجدِ النبيِّ ﷺ ، لأنه عليه خرجَ هذا الخبَرُ، فما ظنَّكَ بها في غير هذا البلد؛ ولهذا قال بعضُ الحكماء: إخفاءُ العمل نجاةٌ، وإخفاءُ العلمِ هلَكَةٌ. والمأمورُ بسَتْرِه من أعمال البِرِّ النّوافِلُ دون المكتوبات، والحمدُ للَّه الذي بنِعْمتِه تتِمُّ الصالحاتُ.

стр. 7340

حديثٌ ثانٍ لأبي النّضْر مالكٌ (١)، عن أبي النَّضْر مولى عمرَ بنِ عُبَيد اللَّه، عن نافع مولى أبي قتادةَ، عن أبي قتادةَ، أنه كان مع رسولِ اللَّه ﷺ (٢)، حتى إذا كانوا ببعض طريق مكة تخلَّف مع أصحاب له مُحْرِمين، وهو غيرُ مُحرِم، فرأى حمارَ وحشٍ، فاستَوَى على فرَسِه، فسأل أصحابَه أن يُناوِلُوه سَوْطَه، فأبَوا، فسألَهم رُمْحَه، فأبوا، فأخَذه ثم شدَّ على الحمار فقتَله، فأكَل منه بعضُ أصحاب النبيِّ ﷺ وأبى بعضُهم، فلما أدرَكوا رسولَ اللَّه ﷺ سألوه عن ذلك، فقال: "إنّما هي طُعمةٌ أطْعَمكموها اللَّه". هذا حديثٌ ثابتٌ صحيحٌ لا يختلفُ أهلُ العلم بالحديثِ في ثبوتِه وصحَّته، وقد رُوِيَ عن أبي قتادةَ من وجوه، وقد رواه جابرٌ أيضًا، عن أبي قتادة. أخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ وحجّاجُ بنُ منهال، قالا: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمة، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أنَّ أبا قتادةَ أصابَ حمارَ وَحْشٍ وهو حلالٌ فأكَلوا منه. قال حمادُ بنُ سلمة: سمِعتُ محمدَ بنَ المُنكَدِر يُحدِّثُ، عن أبي هريرةَ وجابرٍ بمثل هذا الحديث (٣). أخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: أخبرنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بنُ شعيب، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنا الليثُ، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ أبي حَبيبٍ، عن محمدِ بنِ إسحاق، عن عبدِ اللَّه بنِ أبي سلمة، أنه حدَّثه:

стр. 7341

أن نافعًا الأقرعَ مولى بني غِفارٍ حدَّثه، أنَّ أبا قتادةَ حدَّثه، أنه اعتمَر مع رسولِ اللَّه ﷺ . فذكَر الحديثَ نحوًا من حديثِ مالك (١). وروى مالكٌ (٢)، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسار، عن أبي قتادةَ، في الحمارِ الوَحشيِّ مثل حديثِ أبي النَّضْر، إلا أنَّ في حديث زيدِ بنِ أسلمَ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "هل معكم من لَحْمِه شيء؟ ". وأخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل (٣)، قال: حدَّثنا الحميديُّ (٤)، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا صالحُ بنُ كيسان، قال: سمعتُ أبا محمدٍ يقول: سمِعتُ أبا قتادةَ يقول: خرَجْنا مع رسولِ اللَّه ﷺ حتى إذا كنا بالقاحَة (٥)، فمنّا المحرمُ

стр. 7342

وغيرُ المحرم، إذ بَصُرْتُ بأصحابي يَتراءَون شيئًا، فنظَرْت فإذا أنا بحمارِ وَحْش، فأسرَجْتُ فرَسي، وأخَذْتُ رُمْحي، وركِبْتُ فرَسي، فسقَط سَوْطي، فقلت لأصحابي: ناوِلُوني -وكانوا مُحرمين- فقالوا: لا واللَّه، لا نُعينُك عليه بشيء. فتناوَلْتُ سَوْطي، ثم أتيْتُ الحمارَ من خلفِه، وهو وراءَ أكَمَةٍ، فطعَنْتُه برُمْحي فعقَرْتُه، فأتيتُ به أصحابي، فقال بعضُهم: كُلُوه. وقال بعضُهم: لا تأكلوه. قال: وكان النبيُّ ﷺ أمامَنا، فحرَّكْتُ فرَسي، فأدرَكْتُه فسألتُه فقال: "هو حلالٌ فكُلُوه". قال أبو عُمر: يقال: إنَّ أبا قتادةَ كان رسولُ اللَّه ﷺ وجَّهه على طريق البحرِ مخافةَ العدوِّ، فلذلك لم يكنْ مُحرِمًا إذِ اجتمع مع أصحابه؛ لأنَّ مخرَجَهم لم يكن واحدًا، وكان ذلك عامَ الحُديبية أو بعدَه بعام عامَ القَضِيّة، وكان اصطيادُ أبي قتادةَ الحمارَ لنفسِه لا لأصحابه، واللَّه أعلم. وفي حديثِ أبي قتادةَ هذا دليلٌ على أنَّ لحمَ الصيد حلالٌ أكلُه للمحرم، إذا لم يَصِدْه وصادَهُ الحلالُ، وفي ذلك أيضًا (١) دليلٌ على أنَّ قوله : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. معناه الاصطيادُ وقتلُ الصيدِ واكلُه لمن صادَه، وأما مَن لم يَصِدْه، فليس ممن عُني بالآية، واللَّه أعلمُ، وتكونُ هذه الآية على هذا التأويل مثل قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. سواءً؛ لأنّ هذه الآيةَ إنما نُهِيَ فيها عن قتل الصيدِ واصْطِيادِه لا غيرُ، وهذا بابٌ اختلَف فيه السلفُ والخلفُ؛ فكان عطاءٌ، ومجاهدٌ، وسعيدُ بنُ جبير، يَرَوْن للمُحرم أكْلَ كلِّ ما صادَه الحلالُ من الصيدِ ممّا يَحِلُّ للحلال أكلُه. وبه قال أبو حنيفةَ وأصحابُه. وهو قولُ عمرَ بن الخطاب، وعثمانَ بن عفان،

стр. 7343

والزُّبير بن العوام، وأبي هريرة (١). وحجَّةُ مَن ذهَب هذا المذهبَ حديثُ أبي قتادةَ هذا، وحديثُ البَهْزِيِّ (٢)، وسنذكُرُه في باب يحيى بن سعيد من كتابنا هذا إن شاء اللَّه، وحديثُ طلحةَ بنِ عُبَيد اللَّه. أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٣): أخبرَنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد، قال: أخبرنا ابنُ جُريج، قال: حدَّثني محمدُ بنُ المُنكَدِر، عن معاذِ بن عبد الرحمن التَّيميِّ، عن أبيه، قال: كنّا مع طلحةَ بن عبيدِ اللَّه ونحن مُحرِمون، فأُهْدِي لنا طيرٌ وهو راقدٌ، فأكَل بعضُنا، وتورَّع بعضُنا (٤)، فاستَيْقَظ طلحةُ، فوفَّق مَن أكَله (٥) وقال: أكَلْناه مع رسولِ اللَّه ﷺ . وقال آخرون: لحمُ الصيدِ مُحرَّمٌ على المُحْرِمينَ على كلِّ حال، ولا يجوزُ

стр. 7344

لمُحرِم أكلُ لحم صيدٍ البتّة، على ظاهر عُموم قولِ اللَّه : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. قال ابنُ عبَاس: هي مُبْهَمة (١). وكان عليُّ بنُ أبي طالب وابنُ عمرَ، لا يَرَيان أكلَ الصيدِ للمُحرِم ما دام مُحرمًا (٢). وكرِه ذلك طاووس، وجابرُ بنُ زيد (٣). ورُوِيَ عن الثوريِّ، وإسحاقَ، مثلُ ذلك (٤). وحجةُ مَن ذهب هذا المذهبَ حديثُ ابنِ عباس، عن الصَّعب بنِ جثّامةَ، أنه أهْدَى لرسولِ اللَّه ﷺ حمارَ وحشٍ، أو لحمَ حمارِ وحْشٍ وهو (٥) بالأَبواء أو بوَدَّانَ، فردَّه عليه، وقال: "لم نَرُدَّه عليك إلا أنّا حُرُمٌ". وقد ذكَرْنا هذا الحديثَ (٦) في باب ابنِ شهابٍ من هذا الكتاب (٧). وحجتُهم أيضًا حديثُ زيدِ بنِ أرقَم، وابن عباس. حدَّثنا عبدُ الوارث (٨)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد،

стр. 7345

قال: حدَّثنا عفانُ. وحدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا أبو سلمةَ، قالا جميعًا: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمة، قال: أخبرنا قيسُ بنُ سعد المكّيُّ (٣)، عن عطاء، عن ابن عباس، أنه قال لزيد بن أرقَم: يا زيدُ، أما علِمْتَ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أُهْدِيَ له عَضُدُ صَيْدٍ -وقال عفانُ: عُضْوُ صَيْدٍ- فلم يَقْبَله، وقال: "إنّا حُرُمٌ". قال: نعم. وقال عفانُ: بلى. ورُوِيَ عن عليِّ بنِ زيد، عن عبدِ اللَّه بنِ الحارثِ بنِ نوفل، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ معناه في حديث فيه طُولٌ، وفيه عن عثمانَ إجازةُ ذلك (٤). وقال آخرون: ما صادَه الحلالُ للمُحرم أو من أجلِه فلا يجوزُ له أكلُه، وما لم يُصَدْ له ولا من أجلِه فلا بأسَ للمحرم بأكلِه. وهو الصحيحُ عن عثمانَ في هذا الباب (٥). وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُهما (٦)، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْر. ورُوِي أيضًا عن

стр. 7346

عطاءٍ مثلُ ذلك (١). وحجةُ مَن ذهب هذا المذهبَ أنه عليه تَصِحُّ الأحاديثُ في هذا الباب، وأنها إذا حُمِلت على ذلك لم تتضادَّ، ولا تدافَعَت، وعلى هذا يجبُ أن تُحمَلَ السُّننُ، ولا يُعارَضَ بعضُها ببعضٍ ما وُجِد إلى استعمالها سبيلٌ. هذا وجهُ النظر في ذلك. وقد رُوِيَ عن النبىِّ ﷺ حديثٌ مثل ذلك: حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢)، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ عَدِيٍّ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، عن يعقوبَ بنِ عبدِ الرحمن، عن عمرو مولى المطلب أخبرَه، عن المطلبِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ حَنْطَب، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ قال: "لحمُ صَيْدِ البَرِّ لكم حلالٌ وأنتم حُرُمٌ، ما لم تَصْطادُوه، أو يُصْطَد لكم" (٣). أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد (٤)، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيب، قال (٥): حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا يعقوبُ، عن عمرٍو،

стр. 7347

عن (١) المطلب، عن جابر، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "صَيْدُ البرِّ لكم حلالٌ ما لم تَصيدُوه أو يُصَدْ لكم". قال حمزة: قال لنا أبو عبد الرحمن: عمرُو بنُ أبي عمرٍو ليس بالقويِّ في الحديث وإن كان مالكٌ قد روَى عنه. واختُلف عن مالكٍ وطائفةٍ من أهل المدينة فيما صِيْدَ لقوم معيَّنينَ من المُحرِمينَ؛ هل يجوزُ أكلُه لغيرِهم من المُحرِمين؟ فقال بعضُهم: لا يجوزُ. وأجازه بعضُهم على (٢) مذهب عثمانَ ﵁. وقد أتيْنا بما (٣) للعلماء في هذه المسألة وأخواتِها من التَّنازُع والمذاهب في كتاب "الاستذكار" (٤). والحمدُ للَّه. قال أبو عُمر: وفي حديث أبي قتادةَ أنه لمّا استوى على فرسِه سأل أصحابَه أن يُناوِلُوه سَوْطَه أو رُمْحَه فأبَوا. وفي هذا دليلٌ على أنَّ المُحرِمَ إذا أعان الحلالَ على الصيدِ بما قلَّ أو كثُر فقد فعَل ما لا يجوزُ له، وهذا إجماعٌ من العلماء. واختلَفوا في المُحرم يَدُلُّ المُحرِمَ أو الحلالَ على الصيد؛ فأما إذا دلَّ المحرمُ الحلالَ على الصيد؛ فقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُهما: يُكْرَهُ له ذلك، ولا جزاءَ عليه. وهو قولُ ابنِ الماجِشون، وأبي ثَوْر، ولا شيءَ عليه (٥). وقال المُزنيُّ (٦): جائزٌ أن يَدُلُّ المحرمُ الحلالَ على الصيد.

стр. 7348

وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: عليه الجزاء. قال أبو حنيفة: ولو دلَّه في الحَرَم لم يكنْ عليه جزاءٌ (١). وقال زُفَر: عليه الجزاء، في الحلِّ دلَّه عليه أو الحَرَم. وبه قال أحمدُ، وإسحاق (٢). وهو قولُ عليٍّ، وابن عباس، وعَطاء (٣). قال أبو عُمر: القولُ الأولُ أقيَسُ وأصَحُّ في النظر. واختلف العلماءُ أيضًا فيما يجبُ على المحرم يَدُلُّ المحرمَ على الصيدِ فيقتُلُه؛ فقال قوم: عليهما كفّارةٌ واحدةٌ. منهم عطاء، وحمادُ بنُ أبي سليمان (٤). وقال آخرون: على كلِّ واحدٍ منهما كفّارةٌ. رُوِي ذلك عن سعيدِ بنِ جبير، والشَّعبيِّ، والحارثِ العُكْليِّ (٥). وبه قال أبو حنيفةَ وأصحابُه (٦). وعن سعيدِ بنِ جبيرٍ (٧) أنه قال: على كلِّ واحدٍ من القاتل والآمرِ والمشيرِ والدالِّ جزاءٌ (٨). وقال الشافعيُّ، وأبو ثور: لا جزاءَ إلا على القاتل وحدَه (٩).

стр. 7349

واختلَفوا في الجماعة يَشتَركون في قتل الصيد؛ فقال مالك: إذا قتَل جماعةٌ محرِمون صيدًا، أو جماعةٌ مُحِلُّون في الحَرَم صيدًا، فعلى كلِّ واحدٍ منهم جزاءٌ كامل (١). وبه قال الثوريُّ، والحسنُ بنُ حيٍّ. وهو قولُ الحسن البصريِّ، والنخَعيِّ، والشَّعْبيِّ (٢)، وروايةٌ عن عطاء (٣). وقال أبو حنيفة (٤) وأصحابُه: إذا قتَل جماعةٌ مُحرِمون صيدًا، فعلى كلِّ واحدٍ منهم جزاءٌ كاملٌ، وإن قتَل جماعةٌ مُحلُّون صيدًا في الحرَم، فعلى جماعتِهم جزاءٌ واحدٌ. وقال الشافعيُّ (٥): عليهم كلِّهم جزاءٌ واحدٌ، وسواءٌ كانوا مُحرِمين أو مُحلِّين في الحرَم. وهو قولُ عطاء، والزهريِّ (٦). وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور (٧). ورُوِي عن عمرَ، وعبدِ الرحمن بنِ عوف، أنهما حكَما على رجلَيْن أصابا ظَبْيًا بشاة (٨).

стр. 7350

قال أبو عُمر: مَن جعَل على كلِّ واحدٍ منهم جزاءً قاسَه على الكفارة في قتْل النفس، لأنّهم لا يختَلِفون في وُجوبِ الكفّارة على جميع القَتَلة خطأً، على كلِّ واحدٍ منهم كفارةٌ كفارةٌ (١)، ومَن جعَل فيه جزاءً واحدًا قاسَه على الدِّية، ولا يختَلِفون أن مَن قتَل نفسًا خطأً وإن كانوا جماعةً إنما عليهم ديةٌ واحدةٌ يَشتَرِكون فيها. وقد رُوِي عن النبيِّ ﷺ في حديث أبي قتادةَ هذا ما يَدُلَّ على أن المشيرَ المحرمَ لا يجوزُ له أكلُ ما أشار بقتلِه على الحلال. أخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ شُعَيب، قال (٢): أخبرنا محمودُ بنُ غَيْلان، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: أخبرنا شعبةُ، قال: أخبَرني عثمانُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ مَوْهَب، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّه بنَ أبي قتادةَ يُحدِّثُ، عن أبيه، أنهم كانوا في مَسيرٍ لهم، بعضُهم مُحرِمٌ، وبعضُهم ليس بمحرم، قال: فرأيتُ حمارَ وَحْشٍ، فركِبْتُ فرسي، وأخَذْتُ الرُّمحَ، فاستَعَنْتُهم فأبَوْا أن (٣) يُعينوني، فاختَلَسْتُ سوطًا من بعضِهم وشدَدْتُ على الحمارِ فأصَبْتُه، فأكَلوا منه فأشفَقوا (٤). قال: فسُئل عن ذلك النبيُّ ﷺ ، فقال: "هل أشرْتُم أو أعَنْتُم؟ " قالوا: لا. قال: "فكُلوه".

стр. 7351

حديثٌ ثالثٌ لأبي النَّضْر مالكٌ (١)، عن أبي النَّضْر مولى عمرَ بن عبيدِ اللَّه، عن عُمَيرٍ مولى ابن عباس، عن أمِّ الفضل بنتِ الحارث، أنّ ناسًا اختلَفوا عندَها في يوم عرفةَ في رسولِ اللَّه ﷺ ؛ فقال بعضُهم: هو صائمٌ، وقال بعضُهم: ليس بصائم. فأرْسَلَت إليه بقَدَح لبنٍ وهو واقفٌ على بعيرِه، فشرِب. قال أبو عُمر: مَحمَلُ هذا الحديث عندَنا أنَّه كان بعرفة، وقد رُوِيَ ذلك منصوصًا، وإذا كان بعرفةَ فالفطرُ أفضلُ؛ تأسِّيًا برسولِ اللَّه ﷺ ، وقوّةً على الدُّعاء، وقد قال ﷺ : "أفضلُ الدُّعاءِ دُعاءُ يوم عرفةَ" (٢). ونهَى عن صوم يوم عرفةَ بعرفة (٣). وتخصيصُه بعرفةَ دليلٌ على أنَّ غيرَ عرفةَ ليست كذلك، وقد رُوِيَ عنه ﷺ فضلُ صوم يوم عرفة، وأنه يُكَفِّرُ سنتَين (٤)، واللَّهُ أعلم. وقد رُوِيَ عن ميمونةَ في هذا الباب مثلُ حديثِ أمِّ الفضل سواءً: حدَّثناه أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُلَيْم، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا الدَّراوَرْديُّ، عن إبراهيمَ بنِ عقبة، عن كُرَيْب، عن ابنِ عباس، عن ميمونةَ، أنهم تَمارَوا في صيام رسولِ اللَّه ﷺ

стр. 7352

يومَ عرفة، فقالت ميمونة: سأبْعَثُ إليه بشَراب، فإن كان مُفْطِرًا لم يرُدَّه. فبعَثَت إليه بقَدَح لبن، فشرِب والناسُ يَنْظُرون؛ يعني يومَ عرفة (١). وكان مالكٌ والثوريُّ والشافعيُّ، يَختارون الفطرَ يومَ عرفةَ بعرفة. قال إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْس (٢)، عن مالك، أنه كان يأمُرُ بالفطرِ يومَ عرفةَ في الحجِّ، ويَذكُرُ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان ذلك اليومَ مُفْطِرًا. وقال الشافعيُّ: أُحِبُّ صومَ يوم عرفةَ لغيرِ الحاجِّ، فأما مَن حجَّ فأحَبُّ إليَّ أن يُفْطِرَ، ليُقَوِّيَه الفطرُ على الدعاء (٣). قال أبو عُمر: قولُ الشافعيِّ أحسنُ شيءٍ في هذا الباب، وكان ابنُ الزُّبير وعائشةُ يصومان يومَ عرفة (٤). وعن عمرَ بنِ الخطاب وعثمانَ بنِ أبي العاص مثلُ ذلك، إلا أنه قد جاء عن عمرَ أنه لم يَصُمْ يومَ عرفة. وهذا عندي على أنه بعرفة؛ لئلا تَتضادَّ عنه الروايةُ في ذلك.

стр. 7353

وروَى سفيانُ بنُ عيينة، عن عمرِو بن دينار، عن عطاء، عن عبيدِ بنِ عمير، أن عمرَ بنَ الخطاب لم يَصُمْ يومَ عرفة (١). وأما عثمانُ بنُ أبي العاص فكان يصومُه. وذكَر الفاكهيُّ (٢) قال: حدَّثنا حسينُ بنُ حسنٍ ويعقوبُ بنُ حميد، قالا: حدَّثنا المعتمرُ بنُ سليمان، قال: سمِعتُ حميدًا يحدِّثُ عن الحسن، قال: لقد رأيتُ عثمانُ بنَ أبي العاص يُرَشُّ عليه ماءٌ في يوم عرفةَ وهو صائم. وهذا يَحتَملُ أن يكونَ بغير عرفةَ أيضًا. قال (٣): وحدَّثنا يعقوبُ بنُ حميد، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، عن ابن جابر، عن أبيه، عن عطاء، قال: صيامُ يوم عرفةَ كصيام ألفِ يوم. وهذا أيضًا بغير عرفة، واللَّهُ أعلم. وكان إسحاقُ بنُ راهُويَةَ يَميلُ إلى صومِه بعرفةَ وغيرِ عرفة (٤).

стр. 7354

وقال قتادة: لا بأسَ به إذا لم يَضعُفْ عن الدُّعاء (١). وكان عطاءٌ يقول: أصومُه في الشتاء، ولا أصومُه في الصيف (٢). وهذا لئلا يُضْعِفَه صومُه في (٣) الحرِّ عن الدُّعاء. واللَّه أعلم. وكان ابنُ عمرَ يقول: لم يَصُمْه رسولُ اللَّه ﷺ ، ولا أبو بكر، ولا عمرُ، ولا عثمانُ، فأنا لا أصومُه. حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عمر (٥)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حرب، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن ابن عمرَ قال: حجَجْتُ مع النبيِّ ﷺ فلم يَصُمْه، ومع أبي بكرٍ فلم يصُمْهُ، ومع عمرَ فلم يَصُمْه، ومع عثمانَ فلم يَصُمْه، وأنا لا أصومُه، ولا آمُرُ بصيامِه، ولا أنهى عنه (٦).

стр. 7355

وهذا يُوضِحُ لك أنَّ ذلك كان في الحجِّ بعرفة؛ لِما ذكَرْنا. واللَّهُ أعلم. أخبرنا خلفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ (١)، قالا جميعًا: حدَّثنا الحارثُ بنُ عبيدٍ أبو قدامةَ الإياديُّ، قال: حدَّثنا هوذة (٢) بنُ شهابِ بن عبّاد العَصَريُّ، عن أبيه، عن جدِّه قال: مرَّ عمرُ بنُ الخطاب بأبياتٍ بعرفاتٍ فقال: ما هذه الأبيات؟ قلنا: لعبد القيس. فقال لهم خيرًا، ودعا لهم، ونهاهم عن صوم يوم عرفة. قال: وحجَّ أبي وطَليقُ بنُ محمدٍ الخُزاعيُّ، فاختلَفا في صوم يوم عرفة، فقال أبي: بيني وبينَك سعيدُ بنُ المسيِّب. فأتيْناه فقلتُ له: يا أبا محمد، إنا اختلَفْنا في صوم يوم عرفةَ فجعَلْناك بينَنا. فقال: أنا أُخبِرُكم عمَّن هو خيرٌ مني؛ عبدُ اللَّه بنُ عمرَ، كان لا يَصومُه، وقال: حجَجْتُ مع رسولِ اللَّه ﷺ ، ومع أبي بكر، ومع عمرَ، ومع عثمانَ، فكلُّهم كان لا يصومُه، فأنا لا أصومُه.

стр. 7356

قال أبو عُمر: مَحملُ هذا عندي بعرفةَ خاصةً، واللَّه أعلمُ، والآثارُ تدُلُّ على ذلك، ألا ترَى أنَّ في هذا الحديث عن عمرَ أنه مرَّ بأبياتٍ بعرفاتٍ لعبدِ القيس، ومعلومٌ أن عمرَ إنما كان يأتي في خلافتِه عرفةَ في أيام الحجِّ خاصةً، ومثلُ هذا حديثُ ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن ابن عمرَ، أنه سُئِل عن صيام يوم عرفة، فقال: حجَجْتُ مع رسولِ اللَّه ﷺ فلم يصُمْه، وحجَجْتُ مع عمرَ فلم يَصُمْه، وحجَجْتُ مع عثمانَ فلم يَصُمْه، وأنا لا أصومُه، ولا آمُرُ به، ولا أنهى عنه. وهذا يُبيِّنُ أنَّ ذلك في أيام الحجّ، وأنه لا يَصِحُّ النهيُ عن صوم يوم عرفةَ إلا بعرفةَ في أيام الحجِّ، ومثلُ هذا أيضًا حديثُ يحيى بن أبي إسحاق، عن سعيدِ بن المسيِّب، عن ابنِ عمرَ في ذلك. حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ قراءةً منّي عليه، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، قال: حدَّثني يحيى بنُ أبي إسحاق، قال: سألتُ سعيدَ بنَ المسيِّب عن صوم يوم عرفة، فقال: كان ابنُ عمرَ لا يَصُومُه. فقلت: غيرُه؟ فقال: حسبُكَ به شيخًا (١). أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا سليمانُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا حَوْشَبُ بنُ عَقيل، عن مَهْديٍّ

стр. 7357

الهجَريِّ، قال: حدَّثنا عكرمةُ، قال: كنا عندَ أبي هريرةَ في بيتِه، فحدَّثنا أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نهى عن صوم يوم عرفةَ بعرفة. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا حَوْشَبُ بنُ عَقيل، عن مهديٍّ الهجَريِّ، قال: حدَّثنا عكرمةُ قال: كنا عندَ أبي هريرةَ في منزلِه، فحدَّثنا أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نهى عن صوم يوم عرفةَ بعرفة. وروى حمادُ بنُ زيدٍ وإسماعيلُ بنُ عُلَيّة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أفطَر رسولُ اللَّه ﷺ بعرفة، وبعَثَت إليه أمُّ الفضل بلبنٍ فشرِبَه. وفي حديثِ حمادِ بنِ زيد، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباس، قال: حدَّثتني أمُّ الفضل أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أفطَر بعرفة، أتَتْه (١) بلبنٍ فشرِبه. وحدَّثناهُ أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمٌ قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا داودُ بنُ نوح، قال: حدَّثنا حمادٌ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه أفْطَر بعرفة، وأُتِيَ برُمّانٍ فأكلَه، وقال: حدَّثَتني أمُّ الفضل. فذكَره (٢). وحديثُ ابن عُلَيّة ذكَره ابنُ أبي شيبة (٣) عنه.

стр. 7358

وهذا كلُّه يدُلُّ على أنَّ فِطْرَ رسولِ اللَّه ﷺ يومَ عرفةَ في حديثِ أمِّ الفضلِ كان بعرفة. وقد ذهبَت طائفةٌ إلى تركِ صوْمِه بعرفةَ وغيرِ عرفةَ للدُّعاء، وقالوا: دُعاءُ يوم عرفةَ بعرفةَ وغيرِها دعاءٌ مَرْجُوٌّ إجابتُه مرغوبٌ فيه (١). وممن ذهبَ إلى هذا عُبَيدُ بنُ عُمَيْر ومحمدُ بنُ المنكدر (٢). وكان ابنُ عبّاس يقولُ لأصحابه: مَن صحِبَني من ذكَرٍ أو أُنثى فلا يَصُمْ يومَ عرفة (٣). وروَى سفيانُ، عن سالم، عن سعيدِ بنِ جبير، أنه قال: أُفْطِرُ يومَ عرفةَ لأتقَوَّى على الدعاء (٤). وهذا ممكنٌ أن يكونَ بعرفة؛ لأنه موضعُ الاجتهادِ في الدُّعاء مع ما فيه القومُ من النَّصَب والتعَب بالسفَر. وأما ما رُوِيَ في فضْل صوْمِه، وذلك يَدُلُّ على أنه بغيرِ عرفة، واللَّهُ أعلم. فحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُمَيديُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا

стр. 7359

داودُ بنُ شابور، عن أبي قَزَعة، عن أبي الخليل، عن أبي حَرْملة، عن أبي قتادة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "صيامُ يوم عرفةَ يُكَفِّرُ هذه السنةَ والتي تَليها" (١). وهذا حديثٌ (٢) اختُلِف في إسنادِه اختلافًا يطولُ ذكرُه، وأبو الخليل وأبو حَرْملةَ لا يُحتَجُّ بهما، وطائفة تقول: أبو حَرْملة. وطائفةٌ تقول: حَرْملةُ بنُ إياسٍ الشَّيبانيُّ. ولكنه صحيحٌ عن أبي قتادةَ من وجوه: روَى شعبة، عن غَيْلان بن جريرٍ المِعْوليِّ، عن عبدِ اللَّه بن مَعْبد الزِّمّانيِّ، عن أبي قتادة، قال: سُئِل رسولُ اللَّه ﷺ عن صوم عرفةَ (٣)، فقال: "يُكَفِّرُ السنةَ الماضيةَ والباقِية". ذكَره أبو بكر بنُ أبي شيبة، عن شبابة، عن شعبة (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشّار، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن غَيْلانَ بنِ جرير، سمِع عبدَ اللَّه بن مَعْبَد الزِّمّانيَّ، عن أبي قتادةَ الأنصاريِّ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ سُئِل عن صوم يوم عرفة، فقال: "يُكَفِّرُ السنةَ الماضية والباقية". وسُئِل عن صوم يوم عاشوراء، فقال: "يُكَفِّرُ السنةَ الماضية" (٥). وهذا إسنادٌ حسنٌ صحيح، وهو يَعضُدُ ما تقدَّم. حدَّثنا خلفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبد العزيز، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ أحمدَ الواسطيُّ،

стр. 7360

قال: حدَّثنا عمرُ بنُ عبدِ الواحد، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ عبدِ اللَّه، عن عياضِ بنِ عبدِ اللَّه بن أبي سَرح، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن قتادةَ بنِ النعمان، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "صومُ يوم عرفةَ كَفّارةُ سَنَتيْن؛ سنةٍ أمامَه، وسنةٍ خلفَه" (١). قال أبو عُمر: إسحاقُ هذا هو ابنُ أبي فَرْوة، وهو ضعيف، والفضائلُ يُتسامَحُ في أسانيدِها. وذكر الفاكهيُّ (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا المعتمرُ بنُ سليمان، قال: قرأتُ على فُضَيْل، عن أبي حَرِيز، أنه سمِع سعيدَ بنَ جبيرٍ يُحدِّثُ، أنَّ رجلًا سأل ابنَ عمرَ عن صوم يوم عرفة، فقال: كنا ونحن مع رسولِ اللَّه ﷺ نَعْدِلُه بصوم سنة. وهذا يوضِحُ لك ما ذكَرْناه، وبذلك يَصِحُّ استعمالُ الروايات كلِّها عن ابنِ عمرَ وغيرِه في هذا الباب. وأما حديثُ عُقبةَ بن عامر في هذا الباب: فحدَّثناه أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمد، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مَسَرَّة، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا موسى بنُ معاوية وأبو بكر بنُ أبي شيبة (٣)، قالا: حدَّثنا وكيعُ بنُ الجرّاح، عن موسى بن

стр. 7361

عُلَيِّ بن رباحٍ (١)، عن أبيه عن عُقبةَ بن عامرٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنّ يومَ عرفةَ ويومَ النَّحْرِ وأيّامَ التَّشريقِ عيدُنا (٢) أهلَ الإسلام، وهي أيّامُ أكْلٍ وشُرْب". وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (٣)، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مسَرّة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ حيُّونَ، قال: حدَّثنا بِشْرُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ يزيدَ المُقرئ، عن موسى بن عُلَيِّ بنِ رباح (٤)، عن أبيه، عن عُقبةَ بنِ عامرٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٥). قال أبو عُمر: هذا حديثٌ انفردَ به موسى بنُ عُلَيٍّ عن أبيه، وما انفرَدَ به فليس بالقويِّ. وذِكْرُ يوم عرفةَ في هذا الحديث غيرُ محفوظ (٦)، وإنّما المحفوظُ

стр. 7362

عن النبيِّ ﷺ من وُجوهٍ: يومُ الفِطْر، ويومُ النَّحْر، وأيّامُ التّشْريقِ أيّامُ أكْلٍ وشَرْب. وقد أجمعَ العلماءُ على أنّ يومَ عرفةَ جائزٌ صيامُه للمُتمتِّع إذا لم يجِدْ هدْيًا، وأنّه جائزٌ صيامُه بغير مكّةَ، ومَنْ كرِهَ صوْمَه بعرفةَ فإنّما كرِهَه من أجْلِ الضَّعْفِ عن الدُّعاء والعَمل في ذلكَ الموقفِ والنّصَبِ للَّه فيه، فإنّ صيامَهُ قادرًا على الإتيانِ بما كُلِّفَ منَ العمل بعرفةَ بغيرِ حرَجٍ ولا إثم. وفي حديث موسى بن عُلَيٍّ هذا ذِكْرُ عرفةَ وهذا حُكْمُه، وذِكرُ يوم النّحْر، وقد أجمَعُوا على أنه لا يحِلُّ لأحدٍ صومُه، وذِكْرُ أيّام التّشْريقِ وقدِ اختَلفَ العلماءُ في صيامِها للمُتمتِّع وغيرِه على ما يأتي ذِكْرُه في موضعِه من هذا الكتاب إن شاء اللَّه.

стр. 7363

حديثٌ رابعٌ لأبي النَّضْر مالكٌ (١)، عن أبي النَّضْر، عن أبي سَلَمة، عن عائشة، أنها قالت: كان رسولُ اللَّه ﷺ يصومُ حتّى نقول: لا يُفْطِرُ، ويُفطِرُ حتّى نقولَ: لا يصومُ، وما رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ استكمَلَ صيامَ شهرٍ قطُّ إلا رمضانَ، وما رأيتُه في شهرٍ أكثرَ صيامًا منهُ في شعبان. ليس في هذا الحديث معنى يُشكِلُ، ولا للعلماء فيه تنازُعٌ، وصيامُ غير شهرِ رمضانَ نافلةٌ وتطوُّعٌ، والصيامُ جُنّةٌ (٢) وفِعْلُ خيرٍ وعملُ بِرٍّ، فمَنْ شاءَ استقلَّ منه (٣)، ومَنْ شاءَ استكْثَر. وباللَّه التوفيقُ (٤).

стр. 7364

حديثٌ خامسٌ لأبي النَّضْر مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بنِ يزيد، وأبي النَّضْر، عن أبي سلَمة، عن عائشة، أنّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يُصلّي جالسًا فيقرأُ وهو جالسٌ، فإذا بقيَ من قراءَتِه قدْرُ ما يكونُ (٢) ثلاثينَ أو أربعينَ آيةً، قام فقَرأ وهو قائمٌ، ثم ركَعَ وسجَدَ، ثم صنَعَ في الرَّكعةِ الثانيةِ مثلَ ذلك. لا خلافَ فيمَن افتتحَ صلاةَ نافلةٍ قاعدًا أنّ له أنْ يقومَ فيها، واختَلفوا فيمَن افتَتحَها قائمًا ثم قعَدَ، وقد ذكَرْنا ذلك في باب هشام بنِ عُروة (٣). وهذا الحديثُ في الموطّأ لمالكٍ عن عبدِ اللَّه بنِ يزيدَ وأبي النّضْر جميعًا، عن أبي سلَمة، عن عائشة، وقال فيه عُبيد اللَّه بنُ يحيى بن يحيى، عن أبيه، عن مالك، عن عبدِ اللَّه بنِ يزيدَ، عن أبي النّضْر؛ فسقط له الواو، وإنّما هو: وعن أبي النّضْر -هذا ما لا خلافَ بينَ الرُّواة فيه- ولا إشكال (٤)، وروايةُ عُبيدِ اللَّه عن أبيه وهَمٌ واضحٌ لا يُعرَّجُ عليه؛ ولا يُلتفَتُ إليه ولا إلى مثْلِه، واللَّهُ المستعان.

стр. 7365

قال أبو عُمر: ومعنى هذا الحديثِ في النافلة، ولا يجوزُ لأحدٍ أن يُصلِّي في الفريضةِ جالسًا وهو على القيام قادِرٌ، وقد مضى القولُ في هذا المعنى مُكرّرًا في مواضعَ من هذا الكتاب؛ وجائزٌ أن يُصلّي المرْءُ في النافلةِ جالسًا صلاتَه كلَّها وبعضَ صلاتِه -إن شاء- على ما في هذا الحديث وغيرِه، ومَن تطوَّعَ خيرًا فهو خيرٌ له، وهو مخيَّرٌ في النافلةِ كيف شاءَ من (١) قيام وقُعود، وأما الفريضةُ، فإنّه إذا ضعُفَ عن إتمامِها (٢) -قائمًا قعَدَ وبنَى على صلاتِه- كالعُرْيانِ يجدُ ثوبًا في الصّلاةِ فيَستتِرُ (٣) به. ويبْني ما لمْ يطُلْ عملُه في ذلك، وهذا بابٌ ليس هذا موضعَ استيفاءِ القولِ فيه، وباللَّه التوفيق.

стр. 7366

حديثٌ سادسٌ لأبي النَّضْر مالكٌ (١)، عن أبي النَّضْر، عن أبي سَلَمة، عن عائشة، أنها قالت: كنتُ أنامُ بينَ يدَيْ رسولِ اللَّه ﷺ ورجلايَ في قِبْلتِه، فإذا سجَد غمَزني فقبَضْتُ رِجْلَيّ، وإذا قام بسَطْتُهما. قالت: والبيوتُ يومئذٍ ليس فيها مصابيح. هذا من أثبَتِ حديثٍ يُرْوَى في هذا المعنى، وقد روَى القاسمُ عن عائشةَ مثله: حدَّثناه خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بن السَّكَن، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنِ محمدٍ البغويُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بنُ عمرَ القَواريريُّ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ الحارث، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه (٢) بنُ عمرَ، عن القاسم، قال: بلَغ عائشةَ أنَّ أبا هريرةَ يقول: إن المرأةَ تقطَعُ الصلاة. فقالت: كان رسولُ اللَّه ﷺ يُصلِّي، فتقَعُ رِجْلي بينَ يدَيه أو بحِذائِه فيَضْرِبُها فأقْبِضُها. وحدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قالا: حدَّثنا مُسَدَّد، قال: حدَّثنا يحيى، عن عبيدِ اللَّه، قال: سمِعْتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يُحدِّثُ عن عائشةَ، قالت: بئسَما عدَلْتُمونا بالحمار والكلب، لقد رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يُصَلِّي وأنا مُعترضةٌ بينَ يدَيه، فإذا أراد أن يَسْجُدَ غمَز رجلَيَّ فضمَمْتُهما إليَّ، ثم يَسْجُد (٣).

стр. 7367

وفيه من الفقهِ وُجوهٌ؛ منها: أنَّ المرأةَ لا تُبْطِلُ صلاةَ مَن صلَّى إليها، ولا صلاةَ مَن مرَّت بينَ يدَيه، وهذا موضعٌ اختلَفَت فيه الآثارُ واختلَف فيه العلماءُ أيضًا؛ فقالت طائفة: يَقطَعُ الصلاةَ على المُصلِّي إذا مرَّ بينَ يدَيه الكلبُ، والحمارُ، والمرأةُ. وممّن قال هذا أنسُ بنُ مالك (١)، وأبو الأحوص (٢)، والحسنُ البصريُّ (٣)، وحجةُ مَن قال بهذا القول حديثُ حُمَيد بنِ هلال، عن عبدِ اللَّه بنِ الصامت، عن أبي ذَرٍّ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "يَقْطَعُ صلاةَ الرجلِ إذا لم يكُنْ بينَ يدَيه قيدُ آخِرَةِ الرَّحْل (٤) - الحمارُ، والمرأةُ، والكلبُ الأسودُ". فقلت: ما بالُ الأسودِ من الأحمرِ من الأصفرِ من الأبيض؟ فقال (٥): يا ابنَ أخي، سألتُ رسولَ اللَّه ﷺ كما سألْتَني، فقال: "الكلبُ الأسودُ شيطانٌ" (٦). وروَى يحيى بنُ أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس -أحسَبُه عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا صَلَّى أحدُكم إلى غيرِ سُتْرَة، فإنّه يَقطَعُ صلاتَه الكلبُ، والحمارُ، والمجوسيُّ، والمرأةُ، ويُجزئُ إذا مَرَّ بينَ يدَيه على قذفةِ حَجَر" (٧).
следующие страницы →