← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7363–7402 · переход к 7368.

стр. 7363

حديثٌ رابعٌ لأبي النَّضْر مالكٌ (١)، عن أبي النَّضْر، عن أبي سَلَمة، عن عائشة، أنها قالت: كان رسولُ اللَّه ﷺ يصومُ حتّى نقول: لا يُفْطِرُ، ويُفطِرُ حتّى نقولَ: لا يصومُ، وما رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ استكمَلَ صيامَ شهرٍ قطُّ إلا رمضانَ، وما رأيتُه في شهرٍ أكثرَ صيامًا منهُ في شعبان. ليس في هذا الحديث معنى يُشكِلُ، ولا للعلماء فيه تنازُعٌ، وصيامُ غير شهرِ رمضانَ نافلةٌ وتطوُّعٌ، والصيامُ جُنّةٌ (٢) وفِعْلُ خيرٍ وعملُ بِرٍّ، فمَنْ شاءَ استقلَّ منه (٣)، ومَنْ شاءَ استكْثَر. وباللَّه التوفيقُ (٤).

стр. 7364

حديثٌ خامسٌ لأبي النَّضْر مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بنِ يزيد، وأبي النَّضْر، عن أبي سلَمة، عن عائشة، أنّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يُصلّي جالسًا فيقرأُ وهو جالسٌ، فإذا بقيَ من قراءَتِه قدْرُ ما يكونُ (٢) ثلاثينَ أو أربعينَ آيةً، قام فقَرأ وهو قائمٌ، ثم ركَعَ وسجَدَ، ثم صنَعَ في الرَّكعةِ الثانيةِ مثلَ ذلك. لا خلافَ فيمَن افتتحَ صلاةَ نافلةٍ قاعدًا أنّ له أنْ يقومَ فيها، واختَلفوا فيمَن افتَتحَها قائمًا ثم قعَدَ، وقد ذكَرْنا ذلك في باب هشام بنِ عُروة (٣). وهذا الحديثُ في الموطّأ لمالكٍ عن عبدِ اللَّه بنِ يزيدَ وأبي النّضْر جميعًا، عن أبي سلَمة، عن عائشة، وقال فيه عُبيد اللَّه بنُ يحيى بن يحيى، عن أبيه، عن مالك، عن عبدِ اللَّه بنِ يزيدَ، عن أبي النّضْر؛ فسقط له الواو، وإنّما هو: وعن أبي النّضْر -هذا ما لا خلافَ بينَ الرُّواة فيه- ولا إشكال (٤)، وروايةُ عُبيدِ اللَّه عن أبيه وهَمٌ واضحٌ لا يُعرَّجُ عليه؛ ولا يُلتفَتُ إليه ولا إلى مثْلِه، واللَّهُ المستعان.

стр. 7365

قال أبو عُمر: ومعنى هذا الحديثِ في النافلة، ولا يجوزُ لأحدٍ أن يُصلِّي في الفريضةِ جالسًا وهو على القيام قادِرٌ، وقد مضى القولُ في هذا المعنى مُكرّرًا في مواضعَ من هذا الكتاب؛ وجائزٌ أن يُصلّي المرْءُ في النافلةِ جالسًا صلاتَه كلَّها وبعضَ صلاتِه -إن شاء- على ما في هذا الحديث وغيرِه، ومَن تطوَّعَ خيرًا فهو خيرٌ له، وهو مخيَّرٌ في النافلةِ كيف شاءَ من (١) قيام وقُعود، وأما الفريضةُ، فإنّه إذا ضعُفَ عن إتمامِها (٢) -قائمًا قعَدَ وبنَى على صلاتِه- كالعُرْيانِ يجدُ ثوبًا في الصّلاةِ فيَستتِرُ (٣) به. ويبْني ما لمْ يطُلْ عملُه في ذلك، وهذا بابٌ ليس هذا موضعَ استيفاءِ القولِ فيه، وباللَّه التوفيق.

стр. 7366

حديثٌ سادسٌ لأبي النَّضْر مالكٌ (١)، عن أبي النَّضْر، عن أبي سَلَمة، عن عائشة، أنها قالت: كنتُ أنامُ بينَ يدَيْ رسولِ اللَّه ﷺ ورجلايَ في قِبْلتِه، فإذا سجَد غمَزني فقبَضْتُ رِجْلَيّ، وإذا قام بسَطْتُهما. قالت: والبيوتُ يومئذٍ ليس فيها مصابيح. هذا من أثبَتِ حديثٍ يُرْوَى في هذا المعنى، وقد روَى القاسمُ عن عائشةَ مثله: حدَّثناه خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بن السَّكَن، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنِ محمدٍ البغويُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بنُ عمرَ القَواريريُّ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ الحارث، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه (٢) بنُ عمرَ، عن القاسم، قال: بلَغ عائشةَ أنَّ أبا هريرةَ يقول: إن المرأةَ تقطَعُ الصلاة. فقالت: كان رسولُ اللَّه ﷺ يُصلِّي، فتقَعُ رِجْلي بينَ يدَيه أو بحِذائِه فيَضْرِبُها فأقْبِضُها. وحدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قالا: حدَّثنا مُسَدَّد، قال: حدَّثنا يحيى، عن عبيدِ اللَّه، قال: سمِعْتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يُحدِّثُ عن عائشةَ، قالت: بئسَما عدَلْتُمونا بالحمار والكلب، لقد رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يُصَلِّي وأنا مُعترضةٌ بينَ يدَيه، فإذا أراد أن يَسْجُدَ غمَز رجلَيَّ فضمَمْتُهما إليَّ، ثم يَسْجُد (٣).

стр. 7367

وفيه من الفقهِ وُجوهٌ؛ منها: أنَّ المرأةَ لا تُبْطِلُ صلاةَ مَن صلَّى إليها، ولا صلاةَ مَن مرَّت بينَ يدَيه، وهذا موضعٌ اختلَفَت فيه الآثارُ واختلَف فيه العلماءُ أيضًا؛ فقالت طائفة: يَقطَعُ الصلاةَ على المُصلِّي إذا مرَّ بينَ يدَيه الكلبُ، والحمارُ، والمرأةُ. وممّن قال هذا أنسُ بنُ مالك (١)، وأبو الأحوص (٢)، والحسنُ البصريُّ (٣)، وحجةُ مَن قال بهذا القول حديثُ حُمَيد بنِ هلال، عن عبدِ اللَّه بنِ الصامت، عن أبي ذَرٍّ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "يَقْطَعُ صلاةَ الرجلِ إذا لم يكُنْ بينَ يدَيه قيدُ آخِرَةِ الرَّحْل (٤) - الحمارُ، والمرأةُ، والكلبُ الأسودُ". فقلت: ما بالُ الأسودِ من الأحمرِ من الأصفرِ من الأبيض؟ فقال (٥): يا ابنَ أخي، سألتُ رسولَ اللَّه ﷺ كما سألْتَني، فقال: "الكلبُ الأسودُ شيطانٌ" (٦). وروَى يحيى بنُ أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس -أحسَبُه عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا صَلَّى أحدُكم إلى غيرِ سُتْرَة، فإنّه يَقطَعُ صلاتَه الكلبُ، والحمارُ، والمجوسيُّ، والمرأةُ، ويُجزئُ إذا مَرَّ بينَ يدَيه على قذفةِ حَجَر" (٧).

стр. 7368

ورُوِيَ عن عائشة، أنها قالت: لا يَقطعُ الصلاةَ إلا الكلبُ الأسودُ (١). وبه قال أحمدُ بنُ حنبل، وقال: في نفسي من المرأةِ والحمارِ شيءٌ (٢). وكان ابنُ عباسٍ وعطاءُ بنُ أبي رباح يقولان: يَقطعُ الصلاةَ الكلبُ الأسودُ، والمرأةُ الحائض (٣). وحُجةُ مَن قال هذا القول ما حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤)، حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا يحيى، عن شعبة،

стр. 7369

قال: حدَّثنا قتادة، قال: سمعتُ جابرَ بنَ زيدٍ يُحدِّثُ عن ابنِ عباس -رفَعه شعبةُ- قال: "يَقطعُ الصلاةَ المرأةُ الحائض، والكلب". وقال جمهورُ العلماء: لا يَقطعُ الصلاةَ شيءٌ. وهو قولُ مالك، والشافعيِّ، وأبي حنيفة، وأصحابهم، والثوريِّ، وأبي ثور، وداود، والطبريِّ، وجماعة من التابعين (١). قال أبو عُمر: الآثارُ المرفوعةُ في هذا الباب كلُّها صحاحٌ من جهة النقل، غيرَ أن حديثَ أبي ذَرٍّ وغيرِه في المرأة، والحمار، والكلبِ منسوخٌ ومُعارَضٌ (٢)، فممّا عارَضه أو نسَخه عندَ أكثر العلماء حديثُ عائشةَ المذكورُ في هذا الباب.

стр. 7370

وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بن عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عمرَ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حرب، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن عُروة، عن عائشة، قالت: كان النبيُّ ﷺ يُصلِّي صلاتَه من الليل، وأنا مُعترضةٌ بينَه وبينَ القِبْلة كاعتراضِ الجِنازة (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبد اللَّه، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حسان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمار، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثنا عطاءُ بنُ أبي رباح والزهريُّ، قالا: حدَّثنا عُروةُ بنُ الزبير، عن عائشة، قالت: كان رسولُ اللَّه ﷺ يُصلِّي من الليل وأنا معترضةٌ فيما بينَه وبينَ القبلة (٢). فسقَط بهذا الحديث أن تكونَ المرأةُ تَقطعُ الصلاة، وكيف تَقطعُ الصلاةَ بمُرورِها، وفي هذا الحديثِ أن اعتِراضَها في القبلةِ نفسِها لا يَضُرُّ؟

стр. 7371

وروى شعبةُ، عن سعدِ بنِ إبراهيم، عن عُروة، عن عائشة، قالت: كنتُ بينَ النبيِّ ﷺ وبينَ القبلة. قال شعبةُ: وأحسَبُها قالت: وأنا حائضٌ (١). قال أبو داود (٢): رواه الزهريُّ، وعطاءٌ، وأبو بكر بنُ حفص (٣)، وهشامُ بنُ عُروة (٤)، وعراكُ بنُ مالك (٥)، وأبو الأسود (٦)، وتَميمُ بنُ سلمة (٧)، كلُّهم عن عُروةَ، عن عائشةَ، ولم يذكُروا فيه: وأنا حائضٌ. قال أبو داود: ورواه أيضًا إبراهيمُ عن الأسود عن عائشة (٨)، وأبو

стр. 7372

الضُّحَى عن مسروق عن عائشة (١)، والقاسم (٢) وأبو سلمة (٣)، عن عائشة، ولم يذكروا: وأنا حائضٌ. أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرٌ، قالا: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عُبَيد اللَّه، قال: سمعتُ القاسمَ يُحدِّثُ عن عائشة، قالت: بئسَما عدَلْتمونا بالحمار والكلب، لقد رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يصلِّي وأنا معترضةٌ بينَ يدَيه، فإذا أراد أن يَسجُدَ غمز رجلَيَّ، فضمَمْتُهما إليَّ، ثم يسجُدُ (٤). وأما الحمارُ، ففي روايةِ الزُّهريِّ، عن عُبيد اللَّه، عن ابن عباس، قال: جئتُ على حمارٍ، فمرَرْتُ بين يدَي الصُّفوف. وهذا الأغلبُ منه أنه مرَّ بينَ يدَي رسولِ اللَّه ﷺ ولم يذكُرْ سُتْرة. ولهذا سِيقَ الحديث، ولو مرَّ خلفَ السُّتْرة ما احتَجَّ بالحديث مَن ساقه لذلك. واللَّهُ أعلم. وكذا رواه ابنُ عُيينةَ وغيرُه، عن الزُّهريِّ، وقال فيه مالكٌ، عن الزهريِّ بإسنادِه: أقبَلتُ راكبًا على أتان، فمرَرْتُ بينَ يدَي بعض الصفِّ، فلم يُنكِرْ ذلك عليَّ أحدٌ (٥).

стр. 7373

وقد روَى الليثُ، عن يحيى بن أيوبَ، عن محمدِ بنِ عمرَ بنِ عليٍّ، عن عباسِ بنِ عُبيدِ اللَّه بنِ عباس، عن الفضلِ بنِ عباس، قال (١): أتانا رسولُ اللَّه ﷺ ونحن في بادية- ومعه عباسٌ، فصلَّى في صحراءَ ليس بينَ يدَيه سُتْرَةٌ، وحمارةٌ لنا وكلبةٌ تَعْبَثان بينَ يدَيه، فما بالى بذلك. ذكَره أبو داود (٢)، عن عبدِ الملك بنِ شُعيبِ بنِ الليث، عن أبيه، عن جدِّه. ففي هذا الحديث ما يدُلُّ على أن الحمارَ والكلبَ لا يَقطَعان الصلاة، ومن جهةِ النظَر لا يجبُ أن يُحكَمَ بقطع الصلاة لشيءٍ من الأشياء إلا بما لا تنازُعَ فيه، وقد تعارَضَت الآثارُ في هذا الباب واضطَرَبت، والأصلُ أن الحُكْم لا يجبُ إلّا بيقين. وقد روَى مُجالدٌ، عن أبي الودّاك، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا يقطَعُ الصَّلاةَ شيءٌ، وادْرَؤوا ما استطعْتم، فإنما هو شيطانٌ" (٣). وقد ذكَرْنا أخبارَ هذا الباب مُستَوعَبَة، وذكَرْنا ما للعلماء في ذلك في باب ابنِ شهابٍ من هذا الكتاب (٤). وأما قوله في حديثِنا في هذا الباب: "ورِجلايَ في قِبْلتِه، فإذا سجَد غمزَني فقبَضْتُ رِجليَّ" وفي حديث القاسم، عن عائشة: "غمَز رجْليَّ فضمَمْتُهما إليَّ". ففيه دليلٌ على أنَّ المُلامَسة لا تنقُضُ الطَّهارة، ما لم يكُنْ معها اللَّذة، وهذا مما نزَع به واستدَلَّ جماعةٌ من أصحابِنا في باب المُلامَسة.

стр. 7374

قرَأتُ على أبي عمرَ أحمدَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ محمد، أنَّ أباه أخبَرَه قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عمرَ بنِ لُبابة، قال: حدَّثني قاسمُ بنُ محمد. قال: وحدَّثني محمد بن قاسم بن محمد، قال (١): حدَّثنا أبي، قال: قال لي المُزَنيُّ: من أين قال مالكُ بنُ أنس: إنه مَن لمَس لشَهْوةٍ انتَقَض وُضوؤه، ومَن لمَس لغيرِ شهوةٍ لم ينتَقِضْ عليه وُضوؤه؟ فقلت له: قال اللَّهُ : ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ الآية [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]. فكان واجبًا بظاهرِ الآيةِ انتِقاضُ وُضوءِ كلِّ مُلامِسٍ كيف لامَس، فدلَّت السُّنةُ على أنَّ الوضوءَ على بعض الملامسِينَ دونَ بعض. فقال: وأين السُّنة؟ فقلت له: حديثُ عائشة: فقَدْتُ رسولَ اللَّه ﷺ فطلَبْتُه، فوضَعْتُ يدِي على قدَميه، وهو ساجدٌ يقول: "أعوذُ برِضاكَ من سخطِكَ، وبعَفْوِكَ من عقُوبَتِكَ، وبكَ منكَ، لا أُحْصي ثناءً عليك، أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ" (٢). قال قاسم: فلمّا وضَعَت يدَها على قدَمِه وهو ساجدٌ، وتمَادَى في سجُودِه -كان دليلًا على

стр. 7375

أن الوُضوءَ لا يَنتقِضُ إلا على بعضِ المُلامِسينَ دونَ بعض. قال المُزنيُّ: فإني أقول: إنه كان على قدَمِه حائلٌ، شيءٌ كالثوبِ يَسْتُرُها أو نحوِه. قال قاسم: فقلتُ له: القدمُ قدمٌ بلا حائل حتى يثبُتَ الحائل (١). قال أبو عُمر: ما أدري كيف يجوزُ على مثل المُزَنيِّ -مع جلالتِه وفقهِه وسَعةِ فهمِه- مثلُ هذا الإدخالِ والاحتجاج، والأغلبُ أنَّ النائمَ مُشتَمِلٌ في ثوبِه مُلتَحِفٌ به، وإذا أمكن ذلك، وهو الأغلبُ، لم يجِبْ أن يُقطَعَ بمُلامَسةٍ فيها مباشرةٌ إلّا بيقين، ولا يقينَ في هذا الحديث؛ لإمكانِ سَترِ القدم واحتمالِه، وإذا احتمَلَ لم تكنْ فيه حجّةٌ؛ لأن الحُجّة ما لا تَنازُعَ فيه، ولا يَحتمِلُ تأويلَ الخصْم. وحديثُ هذا الباب أولى من الحديث الذي احتجَّ به قاسمٌ؛ لأنّ في حديثنا في هذا الباب أنّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يَغْمِزُ رجلَ عائشةَ أو رجلَيها، فهو الملامِسُ في هذا الحديث، لو ثبَت أنه باشَرها أو شيئًا من جسدِها بالمُلامَسة؛ لأنه قد كان (٢) يَحتمِلُ أن يَغمِزَها على الثوب، أو يَضرِبَ رجلَها (٣) بكُمِّه، ونحو هذا. والحديثُ الذي احتَجَّ به قاسمٌ يَرْويه مالكٌ، عن يحيى بن سعيد، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ التَّيميِّ، عن عائشة، وهو مُنقطِعٌ من هذا الوجه، ولكنه يَستنِدُ من طرقٍ صحيحة، سنذكُرُها في باب يحيى بنِ سعيدٍ من كتابِنا هذا إن شاء اللَّه. وأما اختلافُ العلماء في المُلامَسة التي تنقُضُ الطَّهارةَ وتُوجِبُ الوضوءَ على مَن أراد الصلاة - فاختلافٌ قديمٌ وجَدْناه عن (٤) السلَفِ والخلَف، ونحن نُورِدُ منه من وُجوه أقاويلِهم فيها ها هنا ما فيه كفايةٌ إن شاء اللَّه:

стр. 7376

قال سفيانُ الثوريُّ وأبو حنيفة والأوزاعيُّ وأكثرُ أهل العراق وطائفةٌ من أهل الحجاز: المُلامَسةُ التي ذكَر اللَّهُ في كتابه في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. أو "لَمَسْتم" (١)، على ما قُرِئَ من ذلك كلِّه -هي الجماعُ نفسُه الموجبُ للغسل، وأدْنى ذلك مسُّ الختانِ الختانَ، وأما ما كان دونَ ذلك من القُبْلةِ والجسَّةِ وغيرِها، فليس من المُلامَسة، ولا يَنقُضُ الوُضوء. وهو مذهبُ ابن عباس، ومَسْروق، وعطاء، والحسن، وطاووس، ورُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالب مثل ذلك (٢). وقال الثوريُّ: من قبَّل امرأتَه وهو على وُضوءٍ لم أرَ عليه وُضوءًا (٣). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمدٌ: مَن قبَّل امرأتَه أو لمَسها (٤) أو باشَرها لشهوةٍ أو لغيرِ شهوةٍ، فلا وُضوءَ عليه إلا أن يَنتَشِرَ، ومَن قصَد مسَّها لشهوةٍ ليس بينَهما ثوب، فمسَّها وانتشَر، فإنْ كان هذا انتقَض وضوؤُه عندَ أبي حنيفةَ وأبي يوسف (٥). وقال محمدٌ: لا ينتَقِضُ وضوؤه إلا أن يَخرُجَ منه مَذْيٌ أو غيرُه (٦). وقد قال الأوزاعيُّ في الذي يُقبِّلُ امرأتَه: إن جاء يسألُني قلت: يتوضأ،

стр. 7377

وإن لم يتوضَّأ لم أعِبْ عليه. وقال في الرَّجل يُدخِلُ رِجْلَيه في ثيابِ امرأتِه فيمَسُّ فرجَها أو بطَنْها: لا ينقِضُ ذلك وضوءَه (١). قال أبو عُمر: كأنّه (٢) ذهب إلى أن اللَّمسَ (٣) باليدِ لا بالرِّجل؛ لقول اللَّه : ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧]. والمُباشرةُ عندَ مالكٍ بالجسدِ كاللمسِ باليد؛ يُراعون فيه اللَّذَّةَ على ما يأتي بعدُ واضحًا إن شاء اللَّه. وقال أبو ثور: لا وُضوءَ على مَن قبَّل امرأتَه أو باشَرها أو لمَسها. قال أبو عُمر: فمما احتجَّ به من ذهب هذا المَذْهب أن قال: المُلامَسَةُ واللَّمس نظيرها في كتاب اللَّه المَسِيس والمَس والمماسة مثل المُلامسة، قال اللَّه : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وقد أجمَعوا على أنَّ رجلًا لو تزَوَّج امرأةً فمسَّها بيدِه، أو قبَّلها في فمِها أو جسدِها (٤)، ولم يَخْلُ بها، ولم يُجامِعْها أنه لا يَجبُ عليه إلا نصفُ الصَّداق، كمَن لم يصنَعْ شيئًا من ذلك، وأن المَسَّ والمَسيسَ عُنيَ به ها هنا الجِماع، فكذلك اللَّمْسُ والمُلامَسة. قالوا: وكذلك قال ابنُ عباس: إن اللَّه حَيِيٌّ كريم، يَكني عن الجماعِ بالمَسيس، وبالمُباشرة، وباللَّمس، وبالرَّفَث، ونحو ذلك. وذكَروا ما حدَّثناه إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عثمان، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثنا أبو صالح الفَرّاء، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن أبي إسحاقَ الشَّيبانيِّ، عن بُكَيرِ بنِ الأخنس، عن سعيدِ بنِ جُبَير، عن ابن عباس، قال: إنّ

стр. 7378

اللَّهَ حَيِيٌّ كريمٌ يَكني؛ قال: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. فهذا بابٌ من الجماع، وقد كنَى، وقال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فهذا بابٌ من الجماع، وقد كنَى، وقال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فهذا بابٌ من الجماع، وقد كنَى. وقال ﵎: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. فهذا بابٌ من الجماع، وقد كنَى (١). وحدَّثناه عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ (٢) بنُ عبد الواحد البزّاز، قال: حدَّثنا أبو صالح محبوبُ بنُ موسى الفَرّاء، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفزاريُّ. فذكَره إلى آخرِه. وحدَّثناه عبدُ الوارث أيضًا، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ حبيبٍ المصِّيصيُّ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، فذكرَه. واحتَجُّوا من الأثرِ المرفوع بما رواه وكيعٌ وغيرُه، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عُروة، عن عائشة، أن النبيَّ ﷺ قبَّل امرأةً من نسائه، ثم خرَج إلى الصلاةِ ولم يَتوضَّأ. قال: قلت: مَن هي إلا أنت؟! فضحِكَتْ (٣).

стр. 7379

ووكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي رَوْقٍ، عن إبراهيمَ التَّيميِّ، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قبَّلها ولم يَتوضَّأ (١).

стр. 7380

قالوا: ولا معنَى لطَعْنِ مَن طعَن على حديثِ حبيبِ بنِ أبي ثابت، عن عُروةَ في هذا الباب؛ لأن حبيبًا ثقةٌ، ولا يُشَكُّ أنه أدْرَك عُروةَ وسمِع ممّن هو أقْدَمُ من عُروة، فغيرُ مُسْتنكَرٍ أن يكونَ سمِع هذا الحديثَ من عُروة (١)، فإن لم يكنْ سمِعه منه، فإن أهلَ العلم لم يزالوا يَرْوُون المُرسَل من الحديثِ والمُنقَطِع، ويَحتَجُّون به إذا تقارَب عصرُ المُرْسِلِ والمُرْسَلِ عنه، ولم يُعرَف المُرسِلُ بالرِّواية عن الضُّعفاء والأخذِ عنهم؛ ألا ترَى أنهم قد أجمَعوا على الاحتِجاج بحديثِ ابنِ عباس، عن النبيِّ ﷺ , وجُلُّه مَراسيل، والقولُ في روايةِ إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن عائشةَ مثلُ ذلك؛ لأنه لم يَلْقَ عائشةَ، وهو ثقةٌ فيما يُرسِلُ ويُسنِدُ. قالوا: وقد رُوِيَ هذا الخبر، عن عائشةَ من وجوه، وإن كان بعضُها مُرسَلًا، فإن الطُّرقَ إذا كثُرَت قوَّى بعضُها بعضًا (٢).

стр. 7381

وذكَروا ما روَى شعبةُ وغيرُه، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبير، قال: ذكَروا اللمسَ؛ فقال ناسٌ من الموالي: ليس الجِماعَ. وقال ناسٌ من العرب: اللمسُ: الجماعُ. فأتَيْتُ ابنَ عباس، فقلت: إن ناسًا من الموالي والعرب اختلَفوا في اللَّمْس، وأخبرْتُه بقولهم، فقال: مع أيِّ الفريقَيْن كنتَ؟ قلت: مع الموالي. قال: غُلِب فريقُ الموالي؛ إنَّ اللمسَ والمُباشرةَ الجِماعُ، ولكن اللَّهَ يَكْنِي بما شاء (١). قالوا: والكتابُ والسُّنةُ والقياسُ والنظر، كلُّ ذلك يدُلُّ على أن المُلامسةَ المقصودَ إلى ذكرِها في آية الوضوءِ هي الجِماع. قالوا: فأما الكتاب، فقولُ اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾. يريد: وقد أحدَثْتم قبلَ ذلك، ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية. فأوْجَب غسلَ الأعضاء التي ذكرَها بالماء، ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. يريدُ الاغتسالَ بالماء، ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. يريدُ الجِماعَ الذي يوجبُ الجنابة، ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ تتوضأون به من الغائط، أو تَغتسِلون به من الجنابة كما أمرتُكم في أول الآية ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]. قالوا: فإنما أوْجَب في آخر الآية التيممَ على مَن كان أوْجَب عليه الوضوءَ والاغتسالَ بالماءِ في أولِها. قالوا: وقولُ مَن خالَفنا: إنَّ اللَّهَ لما ذكَر طهارةَ الجُنُب في أول الآيةِ ثم ذكَر المُلامَسةَ في اَخرِ الآيةِ موصولًا بذكرِ الغائط. استدلُّوا بذلك على أنه غيرُ الجنابة، فليس كما قالوا، وإنما كان يكونُ ما قالوا دليلًا لو كان إنما أوْجَب على

стр. 7382

المُلامِس في آخرِ الآيةِ الطَّهارةَ التي أوْجَبها على الجُنُب في أولها، فكان يكونُ دليلًا على أنّ اللمسَ غيرُ الجنابة؛ لأنه قد أوْجَب الطهارةَ من الجنابةِ في أولِ الآية، فلم يكنْ لإعادةِ إيجابِ الطهارةِ منها في آخرِها معنًى يَصِحُّ ولكنه إنما أوْجَب عليه في أولِ الآيةِ الاغتسالَ بالماء، وأوْجَب عليه في آخرِها التيمُّمَ بدلًا من الماء، إذا كان مسافرًا لا يجِدُ الماءَ أو مريضًا. قالوا: فهذا المعنى أصحُّ وأشبهُ بالتأويل مما ذهَب إليه مَن خالَفنا. قال أبو عُمر: وقال أكثرُ أهل الحجاز وبعضُ أهل العراق: اللمسُ: ما دونَ الجماع؛ مثلُ القُبْلة، والجَسّة، والمُباشرةِ باليد، ونحو ذلك مما دونَ الجماع. وهو مذهبُ مالك وأصحابه، والأوزاعيِّ، والشافعيِّ وأصحابِه، وأحمدَ بنِ حَنْبل، وإسحاق (١)، إلا أنهم اختَلَفوا في معنى اعتبارِ اللَّذَّةِ على ما نذكُرُه بعدُ في هذا الباب إن شاء اللَّه. وممّن رُوِيَ عنه أنَّ اللمسَ ما دونَ الجماع: عمرُ، وابنُ مسعود، وابنُ عمرَ، وجماعةٌ من التابعين بالمدينةِ والكوفة والشام (٢). وروَى مالكٌ (٣)، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، أنه كان يقول: قُبلةُ الرجل امرأتَه وجَسُّها بيدِه من الملامَسة، فمَن قبَّلها أو جسَّها بيدِه وجبَ عليه الوضوء. ورواه الدَّراوَرْديُّ، عن ابن أخي ابن شهاب، عن ابن شهاب، عن سالم،

стр. 7383

عن أبيه، عن (١) عمرَ، قال: القُبْلةُ من اللَّمَم، فتوضَّؤوا منها (٢). وهذا عندَهم خطأً، وإنما هو عن ابن عمر صحيح (٣) لا عن عمر. وروَى الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي عُبيدة بن عبدِ اللَّه بن مسعود، قال: قال عبدُ اللَّه بنُ مسعود: القُبْلةُ من اللَّمس، ومنها الوضوءُ، واللَّمسُ ما دونَ الجِماع (٤). وذكر عبد الرزاق (٥)، عن مَعْمَر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عَبيدةَ مثلَه، وعن سعيدِ بنِ المسيبِ مثلَه. وحكى ابنُ وَهْب، عن مالكٍ، والليث، وعبدِ العزيز بنِ أبي سلمة: في قُبلة الرجل امرأتَه الوضوء (٦). وحكَى الزَّعفَرانيُّ والربيعُ والمُزنيُّ، عن الشافعيِّ، أنه قال: مَن لمَس امرأتَه أو قبَّلها وجبَ عليه الوضوء (٧). قال الزَّعْفرانيُّ عنه: ولو ثبَت حديثُ مَعبَدِ بنِ نُباتةَ في القُبْلةِ لم أرَ فيها شيئًا، ولا في اللَّمس؛ فإن مَعْبدَ بنَ نُباتةَ يروي عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ عطاء، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ ، أنه كان يُقبِّلُ ولا يَتوضَّأ. ولكن لا أدري

стр. 7384

كيف معبَدُ بنُ نُباتة هذا؟ فإن كان ثقةً فالحجّةُ فيما روَى عن النبيِّ ﷺ (١). قال أبو عُمر: قد استَدَل أصحابُنا على صحة ما ذهَبوا إليه في أن المُلامَسةَ ما دونَ الجماع بأدلةٍ يطُولُ ذكرُها؛ منها أن قالوا: المُلامسةُ لم يُرِدِ اللَّهُ بذكرِها في آية الوضوء الجِماع؛ لأنه أفرَدها من ذكرِ الجنابة بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. فجاء بالشّرطِ وجوابِه، ثم استأنَف فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. فجاء بالشّرْط وجوابِه، فدلَّ ذلك على أنّ الملامسةَ غيرُ قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾. وانتَفى بذلك أن تكونَ المُلامسةُ الجماعَ، ودخلَت في باب الحدَث الموجبِ للوُضوءِ والتَّيمُّم؛ لأنه جمَعها في الذِّكر مع الغائط، وجاء بجوابٍ واحدٍ لذلك الشرط، كما جاء في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. فجاء بالشرط وجوابه، ثم استأنَف ذكرَ الجماع بحكم مفرَد، فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. فجاء بالشرطِ وجوابِه تامًّا. قالوا: وهذا هو المفهومُ من كلام العرب. قالوا: ولهذا كان ابنُ مسعودٍ وعمرُ يذهبان إلى أن الجُنُب لا يَتيَمَّم؛ لأنه أُفرِد بحُكْم الغُسْل، ولم يَريا الجِماعَ من المُلامسة. وقد ذكَرْنا وجْهَ قولهما، وما يردُّه من السُّنة في باب عبدِ الرحمن بنِ القاسم من كتابنا هذا (٢)، والحمدُ للَّه.

стр. 7385

وتقديرُ الآية في مذهب مَن أنكَر أن تكونَ المُلامسةُ الجِماعَ ممَّن يَرى التيمُّمَ للجُنُب، أن يكونَ فيها تقديمٌ وتأخيرٌ (١)، كأنه قال : يا أيُّها الذين آمنوا إذا قُمتُم إلى الصلاة من النوم، أو جاء أحدٌ منكم من الغائطِ أو لامَسْتُم النساءَ فاغْسِلوا وُجوهَكم وأيديَكم إلى المرافق، وأرجلَكم إلى الكعبين، وامسَحُوا برؤوسِكُم، وإن كنتُم جنبًا فاطَّهروا، وإن كنتم مَرْضَى أو على سفَر ولم تَجِدوا ماءً فتيَمَّموا صعيدًا طيِّبًا، فامسَحوا بوجوهِكم وأيديكم منه (٢). فدخَل في التيمُّم الجُنبُ وغيرُه على هذا الترتيب من التقديم والتأخير. قالوا: والتقديمُ والتأخيرُ في كتاب اللَّه كثيرٌ لا يُنكِرُه عالم. قال أبو عُمر: ثم اختلَف القائلون بأن اللَّمْسَ ما دونَ الجِماع؛ فقال بعضُهم: إنّما اللَّمسُ الذي يجبُ منه الوضوءُ أن يلمِسَ الرجلُ المرأةَ لشهوة، فإن لمَسها لغيرِ شهوةٍ فلا وُضوءَ عليه. هذا مذهبُ مالكٍ وأصحابه، وبه قال أحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ بنُ راهُوية (٣)، ورُوِيَ ذلك عن النَّخعيِّ، والشَّعبيِّ (٤). ورواه شعبةُ، عن الحكم وحمادٍ (٥) , واحتج إسحاقُ فقال: أخبرنا محمدُ بنُ بكر، قال: أخبَرنا ابنُ جُريج، قال: أخبرنا عبدُ الكريم، أنه سمِع الحسنَ يقول: كان النبيُّ ﷺ

стр. 7386

جالسًا في مسجدٍ في الصلاة، فقبَض على قدم عائشةَ غيرَ متلَذِّذ (١). وضعَّف حديثَ حبيبِ بنِ أبي ثابت، عن عُروة، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ ، أنه كان يُقَبِّلُها ولا يَتوَضَّأ. وقال: ليس بصحيح، ولا نظُنُّ (٢) أن حبيبًا لقيَ عُروةَ. قال: وقد يُمكِنُ أن يُقَبِّلَ الرجلُ امرأتَه لغير شهوةٍ بِرًّا بها وإكرامًا لها ورحمةً، ألا تَرى إلى ما جاء عن النبيِّ ﷺ أنه قدِم من سفر، فقبَّل فاطمة. وهذا (٣) حديثٌ يَرويه الفضلُ بنُ موسى، عن الحسين بنِ واقد، عن يزيدَ النحْويِّ، عن عكرمة (٤). قال: فالقبلةُ تكونُ لشهوةٍ ولغير شهوة. وروَى عيسى بنُ دينار، عن ابن القاسم، عن مالك في المريض تَغْمِزُ امرأتُه رجلَيه أو رأسَه: لا وُضوءَ فيه إلا أن يَلتَذَّا. قال: ولا وُضوءَ عليهما وإن تمَاسّا، إلّا أن يَلتَذّا. قال: والجسّةُ من فوق الثوبِ ومن تحتِه سواءٌ إن كان للذَّة. وقال عليُّ بنُ زياد، عن مالك: إن كان الثوبُ كثيفًا فلا شيءَ عليه، وإن كان خفيفًا فعليه الوضوء. وجملةُ مذهب مالك أن مَن التَذَّ من الملامسَين فعليه الوضوءُ؛ المرأةُ والرجلُ في ذلك سواء (٥). وقال عبدُ الملك بنُ الماجشون: مَن تعمَّد مسَّ امرأتِه بيدِه لمُلاعبةٍ فليتوضَّأ التذَّ أم لم يلتَذَّ.

стр. 7387

وقد قال الشافعيُّ (١) بمصر: إذا أفْضَى الرجلُ بيدِه إلى امرأته، أو ببعض جسدِه، لا حائلَ بينَها وبينَه لشهوةٍ ولغيرِ شهوةٍ وجَب عليه الوضوء، وكذلك إن لَمَستْه هي وجَب عليها وعليه الوضوء، وسواءٌ في ذلك أيُّ بدَنَيْهما أفضَى إلى الآخرِ إذا مسَّت البشرةُ البشرةَ إلا الشَّعَرَ خاصةً، فلا وضوءَ على مَن مسَّ شعَرَ امرأتِه؛ لشهوةٍ كان أو لغيرِ شهوةٍ، والشَّعرُ مُخالفٌ للبشرة، ولو احْتاط فتوضَّأ إذا مسَّ شعرَها كان حسنًا، ولو مسَّها بيدِه أو مسَّته بيدِها من فوقِ الثوب فالتَذَّا لذلك أم لا يَلتَذَّا لم يكنْ عليهما شيءٌ حتى يُفضِيا إلى البشرة. قال: ولا معنى للذةٍ من فوق الثوبِ ولا من تحتِه، ولا معنى للشهوةِ في القُبْلة، وإنما المعنى للفعل. قال أبو عبدِ اللَّه محمدُ (٢) بنُ نصْر المَرْوَزيُّ: فهذا مذهبُ الشافعيِّ فيمن وافَقَه من أصحابه. وهو قولُ مكحول، والأوزاعيِّ، وسعيدِ بنِ عبدِ العزيز، وجماعة (٣). هكذا حكَى المَرْوَزيُّ عنهم. وأما الطبريُّ، فذكَر عن الأوزاعيِّ ما تقدَّم ذكرُنا له، وكذلك ذكَر الطَّحاوي (٤) أيضًا عن الأوزاعيِّ، كما حكى الطبريُّ أن لمسَ المرأةِ لا وُضوءَ فيه على حال. وقال المروزيُّ في (٥) قول الشافعيِّ هذا: هو أشبَهُ بظاهرِ الكتاب؛ لأن اللَّهَ قال: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. وأ يقل: لشهوةٍ ولا من غيرِ (٦) شهوةٍ. قال: وكذلك الذين أوجَبوا في ذلك الوضوءَ من أصحابِ النبيِّ ﷺ لم يشتَرِطوا الشهوة. قال: وكذلك عامةُ التابعين. قال: وقد احتَج بعضُ مَن ذهَب هذا المذهبَ بأن قال: قد اجْتمَعَتِ الأمةُ أنَّ رجلًا لو استَكْرَه امرأةً فمسَّ ختانُه ختانَها، وهي لا تَلتَذُّ بذلك،

стр. 7388

أو كانت نائمة، فلم تَلْتَذَّ ولم تَشْتَه - أن الغُسلَ واجبٌ عليهما. قالوا: فكذلك مَن مسَّ امرأتَه لشهوةٍ أو لغيرِ شهوة، أو قبَّلها لشهوةٍ أو لغيرِ شهوةٍ، انتقَضَت طهارتُه، ووجَب عليه الوضوءُ؛ لأن المعنى في الجسَّةِ واللَّمْس والقُبْلةِ للفعلِ لا للَّذَّة. قال أبو عُمر: القولُ الصحيحُ في هذا الباب ما ذهَب إليه مالكٌ والقائلون بقوله، واللَّهُ أعلم؛ لأن الصحابةَ ﵃ لم يَأتِ عنهم في معنى المُلامَسة إلا قولان؛ أحدُهما، الجِماعُ. والآخر، ما دونَ الجماع. والقائلون منهم بأنه ما دونَ الجماع (١) إنما أرادوا ما يَلتَذُّ به مما ليس بجماع، ولم يُريدوا من اللَّمسِ اللَّطمَ واللَّمسَ بغيرِ لذَّةٍ؛ لأن ذلك ليس من جنس (٢) الجِماع، ولا يُشبِهُه، ولا يؤولُ إليه، ولمّا لم يَجُزْ أن يقال: إن اللَّمسَ أُريد به اللَّطمُ وغيرُه. لتبايُن ذلك من الجماع، لم يَبْقَ إلا أن يقال: إنه ما وقَع به الالتذاذُ؛ لإجماعِهم على أنَّ من لطمَ امرأتَه، أو داوَى جُرحَها، أو المرأةُ تُرضِعُ ولدَها، أن (٣) لا وُضوءَ على هؤلاء، واللَّهُ أعلم. قال أبو عبد اللَّه بنُ نصر: فأما ما ذهَب إليه مالكٌ من مراعاةِ الشهوةِ واللذةِ لمن لمَس امرأتَه من فوق الثوب، وتَلذَّذ بمسِّها (٤) أنه قد وجَب عليه الوضوء، فقد وافقَه على ذلك الليثُ بنُ سعد. قال المَروَزيُّ: ولا نَعلَمُ أحدًا قال ذلك غيرَهما. قال: ولا يَصِحُّ ذلك في النظر؛ لأن مَن فعَل ذلك فهو غيرُ لامِسٍ لامرأتِه، وغيرُ مماسٍّ لها في الحقيقة، إنما هو لامِسٌ لثوبها. وقد أجمَعوا أنه لو تلَذَّذ واشتَهَى دونَ أن يلمِسَ لم يجِبْ عليه وضوءٌ، فكذلك مَن مس من فوق (٥) الثوب؛ لأنه غيرُ لامسٍ للمرأة. هذا (٦) جملةُ ما احتَج به

стр. 7389

المَروَزيُّ لمذهبِ الشافعيِّ الذي اختارَه في ذلك. وفي المسألة نظرٌ، ومَن تدبَّر ما أورَدْناه اكتَفى بما وصَفنا (١)، واللَّهُ الموفِّقُ للصَّواب، والهادي إليه لا شَريكَ له. وفي هذا الحديث ما كانوا عليه من ضيقِ العيش والإقلال، ألا تَرى أنهم كانت يومئذٍ بيوتُهم دونَ مصابيح (٢)، وفي قول عائشة رحمها اللَّه: والبيوتُ يومئذٍ ليس فيها مصابيح. دليلٌ على انها إذ حدَّثَت بهذا الحديث كانت بيوتُهم فيها المصابيح، وذلك أنَّ اللَّهَ فتَح عليهم بعدَ النبيِّ ﷺ من الدُّنيا، فوسَّعوا على أنفسِهم، إذ وسَّع اللَّهُ عليهم، وقولها: "يومئذ" تريد: حينئذٍ؛ لأنّا لو جعلْنا اليومَ النَّهارَ على المعهود، استَحال أن تكونَ المصابيحُ نهارًا في بيوتهم، فعلِمْنا أنها أرادَت بقولها: "يومئذٍ" أي: حينئذٍ. وهذا مشهورٌ في لسان العرب أنها كانت تُعبِّرُ باليوم عن الحين والوقت، كما تُعبِّرُ به عن النهار، واليومُ هو النهارُ كما قال الشاعر: أجدي (٣) هذا الليلُ لا يتردَّدُ ... وأيُّ نَهارٍ لا يكونُ له غدُ (٤) يقولُ إذا طال عليه الليل: أجِدًّا أن يكونَ ليلٌ لا يتردَّدُ، أو أن يكونَ يومٌ لا يكونُ له غدٌ، أو ليلٌ لا يكونُ له غدٌ؟! وهذا أشهرُ عندَهم من أن يُحتاجَ فيه إلى الاستِشهاد (٥).

стр. 7390

حديثٌ سابعٌ لأبي النَّضْر مالكٌ (١)، عن محمدِ بنِ المُنكَدِرِ وأبي النَّضْر، عن عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقاص، عن أسامةَ بنِ زيد، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "الطاعونُ رَجْزٌ أُرْسِل على طائفةٍ من بني إسرائيل". مثلَ حديثِ محمدِ بنِ المُنكَدِر سواءً، إلّا أنَّ في حديث أبي النضر: "إذا وقَع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرُجوا منها، لا يُخرِجُكم إلا فرارًا منه". هكذا في "الموطأ": "إلا فرارًا". في حديث أبي النَّضْر، وقد جعله جماعةٌ من أهل العلم لحنًا وغلَطًا. والوجهُ فيه عندَ أهل العربية أنّ دخولَ "إلا" في هذا الموضع إنما هو لإيجابِ بعض ما بقي (٢) بالجملة، كأنه قال: لا تخرُجوا منها إذا لم يكن خُروجُكم إلا فرارًا، أي: إذا كان خُروجُكم فرارًا فلا تخرُجوا. والنصبُ ها هنا بمعنى الحال لا بمعنى الاستثثاء، واللَّهُ أعلم (٣).

стр. 7391

وفي ذلك إباحةُ الخروج في (١) ذلك الوقتَ من موضع الطاعون للسفر على الجاري من العاداتِ إذا لم يكن القصدُ الفرارَ من الطاعون. وقد كان بعضُ شيوخِنا وشيوخ شيوخِنا يَروُونه في هذا الحديث: "لا يُخرِجُكم إلا فرارٌ منه". بالرفع. وهذا إن صحَّ فمعنى (٢) قوله: "فلا تَخرُجوا منها، لا يُخرِجُكم إلا فرارٌ منه". أي: فلا تَخرُجوا منها الخروجَ الذي يُخرِجُكموه إلا فرارٌ منه. وقد كان بعضُ الشيوخ ممّن رواه بالرفع يَرويه: "لا يُخرِجُكم الإفرارُ منه". على المصدر. وهذا ينكِرُه أهلُ النحو في مصدر الفِرار (٣). وأجازه بعضُ أهلُ اللغة على لغةٍ شاذّةٍ في الفِرار، واللَّهُ أعلم. وهذا المصدرُ خطأٌ عندَ أهل النحو واللغة، وغيرُ معروفٍ في الرواية. ورواه ابنُ بُكَير، عن مالك، عن أبي النَّضْر، عن عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقاص، عن أسامةَ بنِ زيد، عن النبيِّ ﷺ مثلَ حديثِ ابنِ المنكدِر، إلا أنَّ في حديث أبي النَّضْر: "فإذا وقَع بأرضٍ وأنتم بها فلا تَخرُجوا منها إلا فِرارًا منه". وهذا لا وجهَ له إلا أن يُحملَ على ما ذكَرنا. وروَى القعنبيُّ، عن مالكٍ حديثَ محمدِ بنِ المنكدِر، وليس عندَه حديثُ

стр. 7392

أبي النَّضْر (١). وأكثرُ رُواة "الموطأ" جمَعوا في هذا الحديثِ عن مالكٍ أبا النضرِ ومحمدَ بنَ المنكدِر جميعًا. ورواه ابنُ أبي مريم (٢)، وأبو مُصعب (٣)، عن مالك، كما رواه يحيى سواءً، عن محمدِ بنِ المنكدر وأبي النضرِ جميعًا، عن عامرِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، أنه سمِعه يسألُ أسامةَ بنَ زيد. وقالا في آخرِه: قال أبو النَّضْر: "فلا تَخْرُجوا منها لا يُخرِجُكم إلا الفرارُ منه". وهذا معناه كمعنى رواية يحيى سواءً في رواية مَن رواه بالرفع، وهذا أبينُ بالألف واللام، والمعنى سواءٌ، واللَّهُ أعلم. وأما ابنُ وَهْبٍ فجوَّده، ذكَر ابنُ وَهْب في "الموطأ"، عن مالك، عن أبي النَّضْر، عن عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقّاص، أنه سمِع أباه يسألُ أسامةَ بنَ زيد: أسمِعتَ رسولَ اللَّه ﷺ يذكُرُ الطاعون؟ فقال: نعم. فقال: كيف سمعتَه؟ قال: سمعتُه يقول: "هو رِجْزٌ سُلِّطَ على بني إسرائيل، أو على قوم، فإذا سَمِعتُم به بأرض فلا تقدَموا عليه، وإذا وقَع بأرضٍ وأنتم بها فلا تَخرُجوا فرارًا منه" (٤). هكذا قال ابنُ وَهْب، عن مالك، في حديث أبي النَّضر مفرَدًا: "لا تَخرُجوا فِرارًا منه". ولم يعطِفْه (٥) على حديث ابن المنكدر، بل ساقَه عن مالك، عن أبي النضر من أوله إلى آخرِه، وقال في آخرِه: "فلا تَخرُجوا فِرارًا منه". وهذا هو الصوابُ المعروفُ الذي لا إشكالَ فيه.

стр. 7393

وقال ابنُ وَهْب أيضًا: أخبَرني عمرُو بنُ الحارث، أنَّ أبا النضر حدَّثه، عن عامرِ بنِ سعدِ بن أبي وقّاص (١)، أنه سمِع أسامةَ بنَ زيدٍ يُخبِرُ سعدَ بنَ أبي وقّاص، وسأله عن الوجَع، فقال أُسامة: ذُكِر عندَ رسولِ اللَّه ﷺ فقال: "هو رِجزٌ سُلِّطَ على مَن كان (٢) قبلكم، أو على بني إسرائيل، فإذا سَمِعتم به ببلدةٍ فلا تَدخُلوا عليه فيها، وإذا وقَع وأنتم بها فلا يُخرِجنّكم منها فرارٌ". أو قال: "منه فرارًا" (٣). وروايةُ ابنِ وَهْبٍ صحيحةُ المعنى مجتمعٌ عليها. وفي هذا الحديث إباحةُ الخبر عن الأمم الماضية من بني إسرائيلَ وغيرهم، ورُوِيَ عن عبدِ اللَّه بنِ مسعود أنه قال: ما زال رسولُ اللَّه ﷺ يُحدِّثنا عمَّن خلا من الأمم، حتى لو مرَّت عُقابٌ تُقلِّبُ جناحَها فسألتُمونا عنها لأخبَرناكم. وقد مضَى تفسيرُ معنى الطاعون في مواضع من هذا الكتاب (٤)، والحمد للَّه (٥).

стр. 7394

حديثٌ ثامنٌ لأبي النَّضْر مالكٌ (١)، عن أبي النَّضْر مولى عمرَ بن عُبَيد اللَّه، أنَّ أبا مُرّة مولى عَقيل بن أبي طالب أخبَره، أنه سمِع أمَّ هانئ بنتَ أبي طالب تقول: ذهبتُ إلى رسولِ اللَّه ﷺ عامَ الفتح، فوجَدْتُه يَغتَسِلُ وفاطمةُ ابنتُه تستُرُه بثوب. قالت: فسلَّمتُ. قال: "مَنْ هذه؟ ". فقلت: أنا أمُّ هانئ بنتُ أبي طالب. فقال: "مرحَبًا بأمِّ هانئ". فلما فرَغ من غُسْلِه قام فصلَّى ثماني رَكعاتٍ مُلتَحفًا في ثوب واحد، ثم انصرَف، فقلت: يا رسولَ اللَّه، زعَم ابنُ أُمِّي عليٌّ أنه قاتلٌ رجلًا أجَرْتُه، فلانُ ابنُ هُبَيرة. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "قد أجَرْنا مَنْ أجَرْتِ يا أمَّ هانئ". قالت أمُّ هانئ: وذلك ضُحًى. وقد ذكَرْنا أبا مُرّة فيما سلف من كتابنا هذا (٢)، وهو الذي يقال له: مولى أمِّ هانئ، اسمُه كثير (٣)، وهو، إن شاء اللَّه، أصحُّ ما قيل فيه، وهو مَدَنيٌّ ثقة. وذكَرْنا أمَّ هانئ في كتاب "الصحابة" (٤) بما يُغني عن ذكرِها ها هنا، واسمُها هند، ويقال: بل اسمُها فاختة. وفي هذا الحديث صلاةُ الضُّحى، وقد مضى القولُ فيها مُستوعَبًا بما في ذلك من الأثر في باب ابن شهاب، عن عُروةَ من هذا الكتاب (٥)، ومضَى القولُ

стр. 7395

أيضًا في معان من هذا الحديث مُجوَّدةً (١) من إسنادِه ومتنِه في باب موسى بنِ مَيْسرةَ من هذا الكتاب (٢). وأما قوله: "قد أجَرْنا مَنْ أجَرْتِ يا أمَّ هانئ". فقد استدلَّ به قومٌ على جوازِ أمانِ المرأة، وقالوا: جائزٌ أمانُها على كلِّ حال. وقال آخرون: أمانُها موقوفٌ على جواز الإمام، فإن أجازَه جاز، وإن ردَّه رُدَّ. واحتَجَّ مَن قال هذه المقالةَ بأنَّ أمانَ أمِّ هانئ لو كان جائزًا على كلِّ حالٍ دونَ إذن الإمام، ما كان عليٌّ ليريدَ قتلَ مَن لا يجوزُ قتلُه؛ لأمانِ مَن يجوزُ أمانه. وفي قوله: "قد أجَرْنا مَن أجَرْت". دليلٌ على ذلك؛ لأنه لو كان أمانُ المرأة غيرَ محتاج إلى إجازةِ الإمام لقال لها: مَن أمَّنْتِه أنتِ أو غيرُكِ فلا (٣) سبيلَ إلى قتلِه، وهو آمِنٌ. ولما قال لها: "قد أمَّنّا مَن أمَّنْتِ، وأجَرْنا مَن أجَرْت" كان دليلًا على أنَّ أمانَ المرأة موقوفٌ على إجازةِ الإمام. فهذه (٤) حُجّةُ مَن ذهَب هذا المذهب. قالوا: وهذا هو الظاهر في معنى هذا الحديث، واللَّهُ أعلم. حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمّد (٥)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٦): حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني عِياضُ بنُ

стр. 7396

عبد اللَّه، عن مَخْرَمة بنِ سُليمان، عن كُرَيْب، عن ابن عباس، قال: حدَّثَتْني أمُّ هانئ بنتُ أبي طالب أنها أجارَت رجلًا من المشركين يومَ الفتح، وأتت النبيَّ ﷺ فذكَرَتْ ذلك له، فقال: "أجَرْنا مَن أجَرْتِ، وأمَّنّا مَن أمَّنْت". وأما مَن قال بجواز أمانِ المرأة على كلِّ حالٍ بإذنِ الإمام وبغيرِ إذنِه، فمن حجتِهم قولُه ﷺ : "المسلمون تَتكافأُ دِماؤُهم، ويَسعَى بذِمَّتِهم أدْناهم، وهم يَدٌ على مَنْ سِواهم" (١). قالوا: فلما قال: "أدناهم". جاز بذلك أمانُ العبد، وكانت المرأةُ الحرةُ أحْرَى بذلك. واحتجوا أيضًا بما حدَّثناه عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَينة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: إن كانت المرأةُ لتُجيرُ على المسلمين فيجوز. ورواه (٣) الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: إن كانت المرأةُ لتُجيرُ على المسلمين (٤). ومن حجتِهم أيضًا ما حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ البَزّاز (٥)، قال: حدَّثنا محبوبُ بنُ موسى،

стр. 7397

قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن أبي سعد، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ مُرَّة، عن أبي البَخْتَريِّ، عن عائشة، قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ذِمّةُ المسلمين واحدةٌ، وإن أجارَتْ عليهم جاريةٌ فلا تَخْفِرُوها (١)، فإنَّ لكلِّ غادرٍ لواءً يومَ القيامة يُعرَفُ به" (٢). فهذه الآثارُ كلُّها تدلُّ على جوازِ أمانِ المرأةِ على كلِّ حال. وقد اختلَف العلماءُ أيضًا في أمانِ العبد؛ فقال مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُهما والثوريُّ والأوزاعيُّ والليثُ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثور وداودُ بنُ عليٍّ: أمانُه جائزٌ، قاتَل أو لم يُقاتِل (٣). وهو قولُ محمدِ بنِ الحسن. وقال أبو حنيفة: أمانُه غيرُ جائزٍ إلا أن يُقاتِل. وهو قولُ أبي يوسف (٤)، ورُوِيَ عن عمرَ معناه:

стр. 7398

حدَّثنا عبدُ الوارث (١)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ عبدِ الواحد، قال: حدَّثنا محبوبُ بنُ موسى الفَرّاء (٢)، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ (٣)، عن ابن أبي أُنيْسة، عن عمرِو بنِ شُعَيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: لما كان يومُ الفتح خطَب رسولُ اللَّه ﷺ -وهو مُسنِدٌ ظهرَه إلى جِدار الكعبة، فحَمِد اللَّه، وأثنَى عليه، ثم قال: "المؤمنونَ يَدٌ على مَنْ سِواهم، تَتكافَأُ دِماؤُهم، ويَسْعَى بذمَّتِهم أدْناهم، ويَعقِدُ عليهم أولاهم، ويَرُدُّ عليهم أقْصاهم، ولا يُقتَلُ مؤمنٌ بكافر، ولا ذو عهدٍ في عَهْده" (٤). ورُوِيَ من حديث عليِّ بنِ أبي طالب، عن النبيِّ ﷺ مثلُه (٥). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحميديُّ (٦)، قال:

стр. 7399

حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عَجْلان، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ المَقبُريِّ، عن أبي مُرّةَ (١) مولى عَقيل، عن أمِّ هانئ، قالت: أتاني يومَ الفتح حَمَوان لي فأجَرْتُهما، فجاء عليٌّ (٢) يريدُ قتلَهما، فأتَيتُ رسولَ اللَّه ﷺ -وهو في قُبَّتِه بالأبطَح بأعلى مكة. فذكَر حديثًا فيه: فقلت: يا رسولَ اللَّه، إني أجَرْتُ حَمويْن لي، وإن ابنَ أمِّي عليًّا أراد قتلَهما. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "ليس ذلكَ له، قد أجَرْنا مَن أجَرْتِ، وأمَّنّا مَن أمَّنْتِ". في هذا الخبرِ وخبرِ مالكٍ قبلَه (٣) أنَّ الذي أجارَتْه أمُّ هانئ ولدُ هُبَيرةَ بنِ أبي وَهْبِ بنِ عَمْرو (٤) بنِ عائذِ بنِ عِمرانَ بنِ مخَزوم، واحدًا كان أو اثنين؛ لأنّ في حديثِ أبي النَّضْر ما يَدُلُّ على أنه كان واحدًا، وفي حديثِ المَقبُريِّ اثنان. وهُبَيرةُ بنُ أبي وَهْب زوجُها وولدُه حَموٌ لها، وقد قيل: إن الذي أجارتْه يومئذٍ وأراد عليٌّ قتلَه الحارثُ بنُ هشام، وعبدُ اللَّه بنُ أبي ربيعة، وكلاهما من بني مخزوم. وقيل فيه غيرُ ذلك (٥). وأما قولُ مَن قال: إنه جَعْدةُ بنُ هُبيرةَ، أو أنّ أحدَهما جَعْدةُ بنُ هُبيرة. فما أدْري ما هو؛ لأن جَعْدةَ بنَ هُبيرةَ ابنُها لا حَمُوها، ولم تكن تحتاجُ إلى إجارةِ

стр. 7400

ابنِها، ولا كانت مثلُ تلك المُخاطَبة تَجري بينَها وبينَ أخيها عليٍّ في ابنِها، واللَّهُ أعلم. ولم يَذكُر أهلُ النسَب فيما علِمتُ لهُبيرةَ ابنًا يُسمَّى (١) جَعْدةَ من غير أمِّ هانئ، ولا ذكَروا له بنينَ من غيرِ أمِّ هانئ، واللَّهُ أعلم. وذكر البزارُ (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مِسكين بنِ نُمَيْلَة (٣)، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حسّان، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ بلال، عن كثيرِ بنِ زيدٍ، عن الوليدِ بنِ رَباح، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "يُجيرُ على الناس أدْناهم". وروي عن مالك (٤)، عن عبدِ اللَّه بنِ دينار، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ : "يُرفَعُ لكلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامَة"، الحديث (٥). وقال أبو العباس بنُ سُرَيْج (٦) القاضي: الرَّجلان اللذان أجارَتْهما أمُّ هانئ

стр. 7401

يومَ الفتح؛ جَعْدَةُ بنُ هُبَيرةَ المَخْزوميُّ، ورجلٌ آخرُ معه، وكانا من الشِّرذِمةِ الذين قاتلوا خالدًا، ولم يَقبَلوا الأمان، ولا ألقَوْا السلاح، فأراد عليٌّ قتلَهما، فأجارَتْهما أمُّ هانئ، وكانا من أحمائها، فأجارَ رسولُ اللَّه ﷺ مَن أجارَت. هكذا قال، وقد مضَى القولُ فيه، وأيما كان، فالحديثُ إنما سيق لجوازِ جوارِ المرأةِ لا لغيرِ ذلك. قال أبو عُمر: وعلى جوازِ أمانِ المرأةِ جمهورُ علماءِ المسلمين، أجاز ذلك الإمامُ أو لم يُجِزْه، على ظواهرِ الأخبارِ المذكورة في هذا البابِ عن أمِّ هانئ، وعائشة، وغيرِهما، وممَّن قال ذلك مالكٌ وأصحابُه، إلا عبدَ الملكِ بنَ الماجِشون. وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي حنيفة، وأصحابهما، والثوريِّ، والأوزاعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْر (١). وقال عبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزيز بن أبي سلمةَ الماجِشون: لا يجوزُ أمانُ المرأةِ إلا أن يُجيزَه الإمام. فشذَّ بقولِه ذلك عن هذا الجمهور (٢)، واللَّهُ المُوفِّق للصواب، وهو المُستعانُ، وهو حَسْبي ونِعْمَ الوكيل. أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البزّارُ، قال (٣): حدَّثنا رجاءُ بنُ محمد، قال:

стр. 7402

حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن موسى، قال: حدَّثنا بشيرُ بنُ المهاجِر، عن عبد اللَّه بنِ بُرَيدةَ عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ما نقَضَ قومٌ العهْدَ إلّا كان القتلُ بينهم، ولا ظهَرَتْ فاحشةٌ في قوم إلا سُلِّطَ عليهمُ الموتُ (١)، ولا منَعَ قومٌ الزكاةَ إلّا حبَسَ اللَّهُ عنهمُ القطْرَ". لا يُروى مرفوعًا عن النبيِّ ﷺ هذا الحديثُ إلّا عن بُرَيدةَ بهذا الإسناد (٢)، واللَّهُ أعلم.
следующие страницы →