← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7398–7437 · переход к 7403.

стр. 7398

حدَّثنا عبدُ الوارث (١)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ عبدِ الواحد، قال: حدَّثنا محبوبُ بنُ موسى الفَرّاء (٢)، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ (٣)، عن ابن أبي أُنيْسة، عن عمرِو بنِ شُعَيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: لما كان يومُ الفتح خطَب رسولُ اللَّه ﷺ -وهو مُسنِدٌ ظهرَه إلى جِدار الكعبة، فحَمِد اللَّه، وأثنَى عليه، ثم قال: "المؤمنونَ يَدٌ على مَنْ سِواهم، تَتكافَأُ دِماؤُهم، ويَسْعَى بذمَّتِهم أدْناهم، ويَعقِدُ عليهم أولاهم، ويَرُدُّ عليهم أقْصاهم، ولا يُقتَلُ مؤمنٌ بكافر، ولا ذو عهدٍ في عَهْده" (٤). ورُوِيَ من حديث عليِّ بنِ أبي طالب، عن النبيِّ ﷺ مثلُه (٥). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحميديُّ (٦)، قال:

стр. 7399

حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عَجْلان، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ المَقبُريِّ، عن أبي مُرّةَ (١) مولى عَقيل، عن أمِّ هانئ، قالت: أتاني يومَ الفتح حَمَوان لي فأجَرْتُهما، فجاء عليٌّ (٢) يريدُ قتلَهما، فأتَيتُ رسولَ اللَّه ﷺ -وهو في قُبَّتِه بالأبطَح بأعلى مكة. فذكَر حديثًا فيه: فقلت: يا رسولَ اللَّه، إني أجَرْتُ حَمويْن لي، وإن ابنَ أمِّي عليًّا أراد قتلَهما. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "ليس ذلكَ له، قد أجَرْنا مَن أجَرْتِ، وأمَّنّا مَن أمَّنْتِ". في هذا الخبرِ وخبرِ مالكٍ قبلَه (٣) أنَّ الذي أجارَتْه أمُّ هانئ ولدُ هُبَيرةَ بنِ أبي وَهْبِ بنِ عَمْرو (٤) بنِ عائذِ بنِ عِمرانَ بنِ مخَزوم، واحدًا كان أو اثنين؛ لأنّ في حديثِ أبي النَّضْر ما يَدُلُّ على أنه كان واحدًا، وفي حديثِ المَقبُريِّ اثنان. وهُبَيرةُ بنُ أبي وَهْب زوجُها وولدُه حَموٌ لها، وقد قيل: إن الذي أجارتْه يومئذٍ وأراد عليٌّ قتلَه الحارثُ بنُ هشام، وعبدُ اللَّه بنُ أبي ربيعة، وكلاهما من بني مخزوم. وقيل فيه غيرُ ذلك (٥). وأما قولُ مَن قال: إنه جَعْدةُ بنُ هُبيرةَ، أو أنّ أحدَهما جَعْدةُ بنُ هُبيرة. فما أدْري ما هو؛ لأن جَعْدةَ بنَ هُبيرةَ ابنُها لا حَمُوها، ولم تكن تحتاجُ إلى إجارةِ

стр. 7400

ابنِها، ولا كانت مثلُ تلك المُخاطَبة تَجري بينَها وبينَ أخيها عليٍّ في ابنِها، واللَّهُ أعلم. ولم يَذكُر أهلُ النسَب فيما علِمتُ لهُبيرةَ ابنًا يُسمَّى (١) جَعْدةَ من غير أمِّ هانئ، ولا ذكَروا له بنينَ من غيرِ أمِّ هانئ، واللَّهُ أعلم. وذكر البزارُ (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مِسكين بنِ نُمَيْلَة (٣)، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حسّان، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ بلال، عن كثيرِ بنِ زيدٍ، عن الوليدِ بنِ رَباح، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "يُجيرُ على الناس أدْناهم". وروي عن مالك (٤)، عن عبدِ اللَّه بنِ دينار، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ : "يُرفَعُ لكلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامَة"، الحديث (٥). وقال أبو العباس بنُ سُرَيْج (٦) القاضي: الرَّجلان اللذان أجارَتْهما أمُّ هانئ

стр. 7401

يومَ الفتح؛ جَعْدَةُ بنُ هُبَيرةَ المَخْزوميُّ، ورجلٌ آخرُ معه، وكانا من الشِّرذِمةِ الذين قاتلوا خالدًا، ولم يَقبَلوا الأمان، ولا ألقَوْا السلاح، فأراد عليٌّ قتلَهما، فأجارَتْهما أمُّ هانئ، وكانا من أحمائها، فأجارَ رسولُ اللَّه ﷺ مَن أجارَت. هكذا قال، وقد مضَى القولُ فيه، وأيما كان، فالحديثُ إنما سيق لجوازِ جوارِ المرأةِ لا لغيرِ ذلك. قال أبو عُمر: وعلى جوازِ أمانِ المرأةِ جمهورُ علماءِ المسلمين، أجاز ذلك الإمامُ أو لم يُجِزْه، على ظواهرِ الأخبارِ المذكورة في هذا البابِ عن أمِّ هانئ، وعائشة، وغيرِهما، وممَّن قال ذلك مالكٌ وأصحابُه، إلا عبدَ الملكِ بنَ الماجِشون. وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي حنيفة، وأصحابهما، والثوريِّ، والأوزاعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْر (١). وقال عبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزيز بن أبي سلمةَ الماجِشون: لا يجوزُ أمانُ المرأةِ إلا أن يُجيزَه الإمام. فشذَّ بقولِه ذلك عن هذا الجمهور (٢)، واللَّهُ المُوفِّق للصواب، وهو المُستعانُ، وهو حَسْبي ونِعْمَ الوكيل. أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البزّارُ، قال (٣): حدَّثنا رجاءُ بنُ محمد، قال:

стр. 7402

حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن موسى، قال: حدَّثنا بشيرُ بنُ المهاجِر، عن عبد اللَّه بنِ بُرَيدةَ عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ما نقَضَ قومٌ العهْدَ إلّا كان القتلُ بينهم، ولا ظهَرَتْ فاحشةٌ في قوم إلا سُلِّطَ عليهمُ الموتُ (١)، ولا منَعَ قومٌ الزكاةَ إلّا حبَسَ اللَّهُ عنهمُ القطْرَ". لا يُروى مرفوعًا عن النبيِّ ﷺ هذا الحديثُ إلّا عن بُرَيدةَ بهذا الإسناد (٢)، واللَّهُ أعلم.

стр. 7403

حديثٌ تاسعٌ لأبي النَّضْر مالكٌ (١)، عن أبي النَّضْر، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عُتْبة، أنه دخَل على أبي طَلْحةَ الأنصاريِّ يَعودُه، قال: فوجَدنا عندَه سهلَ بنَ حُنيف. قال: فدعا أبو طلحةَ إنسانًا، فنزَع نَمَطًا (٢) كان تحتَه. فقال له سهلٌ: لِمَ نزعتَه؟ قال: لأن فيه تصاوير، وقد قال رسولُ اللَّه ﷺ فيها ما قد علِمتَ. قال سهلٌ: أوَلم يقل: "إلّا ما كان رَقْمًا (٣) في ثَوب؟ " قال: بلى، ولكنه أطيَب لنفسي. لم يختلفِ الرواةُ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديث ومتنِه في "الموطأ" (٤). وفيه عن عُبيد اللَّه، أنه دخَل علي أبي طلحةَ. فأنكَر ذلك بعضُ أهل العلم، وقال: لم يَلقَ عُبيدُ اللَّه أبا طلحةَ. وما أدري كيف قال ذلك، وهو يَرْوي حديثَ مالكٍ هذا؟ وأظنُّ ذلك، واللَّهُ أعلم، من أجلِ أنَّ بعضَ أهلِ السِّير قال: توفِّي أبو طلحةَ سنةَ أربعٍ وثلاثينَ في خلافةِ عثمانَ، وعُبيدُ اللَّه لم يكنْ في ذلك الوقت ممَّن يَصِحُّ له سَماع. قال أبو عُمر: اختُلِف في وفاة أبي طلحة، وأصحُّ شيء في ذلك ما رَواه أبو زُرعة، قال (٥): سمِعتُ أبا نُعَيم يحدِّثُ، عن حمّادِ بنِ سلمة، عن ثابت، عن

стр. 7404

أنس، قال: سرَد أبو طلحةَ الصومَ بعدَ النبيِّ ﷺ أربعين سنة. فكيف يجوزُ أن يقال: إنه مات سنةَ أربعٍ وثلاثين (١). وهو قد صام بعدَ رسولِ اللَّه ﷺ أربعين سنة؟ وإذا كان ذلك كما ذكرنا، صحَّ أن وفاتَه لم تكنْ إلّا بعدَ خمسينَ سنةً من الهجرة، واللَّهُ أعلم. وأما سهلُ بنُ حُنيف، فلا يَشُكُّ عالمٌ بأن عُبيدَ اللَّه بنَ عبدِ اللَّه لم يَرَه، ولا لقِيه، ولا سمِع منه، وذِكْرُه في هذا الحديث خطأٌ لا شكَّ فيه؛ لأن سهلَ بنَ حُنيف توفِّي سنةَ ثمانٍ وثلاثين، وصلَّى عليه عليٌّ، ﵁، ولا يُدْرِكُه (٢) في الأغلب عُبيدُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّه؛ لصِغَر سنِّه يومئذٍ، والصوابُ في ذلك، واللَّهُ أعلم، عثمانُ بنُ حُنيف، لا سهلُ بنُ حُنيف. وكذلك رواه محمدُ بنُ إسحاق، عن أبي النضر سالم، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه، قال: انصرفتُ مع عثمانَ بنِ حُنيفٍ إلى أبي طلحةَ نعودُه، فوجَدنا تحتَه نَمَطًا (٣).

стр. 7405

وساق الحديثَ بمعنى حديثِ مالك، عن أبي النَّضْر (١). فصحَّ بهذا وَهمُ مالكٍ في سهلِ بنِ حُنيف. وكذلك وَهَمَ أبو النَّضْر في روايتِه له عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه، عن أبي طلحةَ، ولم يُدخِلْ بينَهما ابنَ عباس. والصّحيحُ في هذا الحديث روايةُ الزهريِّ له عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه، عن ابن عباس، عن أبي طلحةَ. كذا قال عليُّ بنُ المدينيِّ وغيرُه، وهو عندي كما قالوه، واللَّهُ أعلم (٢).

стр. 7406

فأما روايةُ ابنِ شهابٍ له، فحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا ابنُ أبي الخصيب (١)، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ الحسن بن أبي شُعيب، قال: حدَّثنا يحيى بنُ

стр. 7407

عبدَ اللَّه، قال: حدَّثنا أبو الحارث محمدُ بنُ عبدِ الرحمن بن أبي ذئبٍ العامريُّ المدينيُّ، عن محمدِ بنِ مسلم بنِ شهابٍ الزهريِّ، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عتبةَ، عن عبدِ اللَّه بنِ عباس، عن أبي طلحةَ صاحبِ رسولِ اللَّه ﷺ ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لا تدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه تَصاويرُ" (١). وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو الطاهر محمدُ بنُ أحمدَ القاضي الذُّهليُّ، قال: حدَّثنا أبو مسلم الكَشِّيُّ (٢)، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ أبي ذئب، عن ابنِ شهاب، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه، عن ابن عباس، عن أبي طلحة، قال: قال رسوُل اللَّه ﷺ : "لا تدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه كلبٌ ولا صورةٌ" (٣). وقد خالَف الأوزاعيُّ ابنَ أبي ذِئب في هذا الحديث: حدَّثنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعد. وحدَّثنا أحمدُ بنُ عمر، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيس، قال: حدَّثنا بحرُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا بِشْرُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: أخبرني الزهريُّ، قال: حدَّثني عُبيدُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّه بنِ عُتبة، قال: حدَّثني أبو طلحةَ الأنصاريُّ،

стр. 7408

أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لا تدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه كلبٌ ولا صورةٌ" (١). قال أبو عُمر: هذا عندَهم خطأٌ من الأوزاعيِّ، وكان في حفظِه شيء، لم يكن بالحافظ (٢). وقد تابَع ابنَ أبي ذئبٍ عبدُ العزيز بنُ أبي سلمةَ الماجِشون ومعمر:

стр. 7409

حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو الطاهر محمدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ اللَّه بن نصرِ بنِ بُجَيْر القاضي الذُّهليُّ، قال: حدَّثنا أبو مسلم الكَشِّيُّ (١)، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ رَجاء (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ الماجِشون، عن ابنِ شهاب، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه، عن ابنِ عباس، عن أبي طلحة، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لا تدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه كلبٌ ولا صورةٌ" (٣). وحديثُ مَعمر رواه عليُّ بنُ المدينيُّ وغيرُه، عن عبدِ الرزاق، عن معمر، عن الزهريِّ، قال: أخبرني عُبيدُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّه، أنه (٤) سمِع ابنَ عباس يقول:

стр. 7410

سمعتُ أبا طلحةَ يقول. فذكَره (١). وقد يحتمِلُ أن يكونَ حديثُ ابنِ شهابٍ في هذا الباب غيرَ حديثِ أبي النَّضْر؛ لأن في حديثِ ابنِ شهابٍ عمومَ الصُّوَر دونَ استثناء شيءٍ منها، وفي حديثِ أبي النَّضْر استثناءُ ما كان رَقْمًا في ثوب، وفيه جمعُ سهلِ بنِ حُنيفٍ في ذلك مع أبي طلحة، فهو غيرُ حديثِ أبي النَّضْر، واللَّهُ أعلم. وقد كان ابنُ شهابٍ يذهبُ في هذا الباب إلى استعمالِ العموم في كراهةِ الصُّوَرِ كلِّها، على ما ذكَرنا عنه في باب إسحاق من هذا الكتاب. وحديثُ نافع، عن القاسم بنِ محمدٍ بمثلِ حديثِ ابنِ شهاب، عامٌّ أيضًا في الثيابِ وغيرِها، وقد ذكَرنا ذلك في بابِ نافع من كتابنا هذا (٢). وقد روَى عبدُ العزيز بنُ عِمران، عن مالكِ بنِ أنس، عن الزهريِّ وأبي النَّضْر جميعًا، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عُتبة، عن أبي طلحة، أن النبيَّ ﷺ نهى عن التصاويرِ في البيوت. وهو غريبٌ لمالكٍ عن الزهريِّ خاصة، تفرَّد به عنه عبدُ العزيز بنُ عِمران، رواه عنه يعقوبُ بنُ محمدٍ الزهريُّ. وللعلماء في هذا الباب أقاويلُ ومذاهبُ؛ منها أنّه لا يجوزُ أن يُمسِكَ الثوبَ الذي فيه تَصاويرُ وتماثيل، سواءٌ كان منصوبًا أو مبسوطًا، ولا يجوزُ دخولُ البيتِ الذي فيه التَّصاويرُ والتماثيلُ في حيطانِه، وذلك مكروةٌ كلُّه؛ لقول رسولِ اللَّه ﷺ : "لا تدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه تصاويرُ" (٣). فإن فعَل ذلك فاعلٌ بعدَ علمِه بالنهي عن ذلك، كان عاصيًا عندَهم، ولم يَحرُمُ عليه بذلك مِلْكُ الثوبِ ولا البيت، ولكنه يَنبغي له أن يَتنزَّهَ عن ذلك كلِّه ويكرَهَه ويُنابِذَه؛ لما ورَد من النهي فيه.

стр. 7411

وحجّةُ مَن ذهب هذا المذهبَ في الثياب وفي حيطانِ البيوتِ وغيرِها؛ حديثُ ابنِ شهابٍ وغيرِه، عن القاسم بنِ محمد، عن عائشة، قالت: دخَل عليَّ رسولُ اللَّه ﷺ وأنا مُستَتِرةٌ لا بقِرام فيه صُوَرٌ (١)، فتلَوَّن وجهُه، وتناوَل السِّترَ فهتَكَه، ثم قال: "إنَّ من أشَدِّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ الذينَ يُشَبِّهون بخَلقِ اللَّه" (٢). وروَى نافعٌ هذا الخبر، عن القاسم بهذا المعنى، وزاد أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ البيتَ الذي فيه الصُّوَرُ لا تَدخُلُه الملائكةُ" (٣). وقد ذكَرنا هذا الخبرَ من طُرقٍ في باب نافع من كتابنا هذا، وذكَرنا هناك اختلافَ ألفاظِ ناقِليه، وأنَّ زيادةَ مَن زاد فيه من الثِّقات الحُفّاظ إباحةَ ما يُتوَسَّدُ من ذلك ويُرتفَقُ به ويُمتهَنُ، يجبُ قبولُها، وإن كان ظاهرُ حديثِ مالكٍ في ذلك كراهيةَ عموم الصورِ على كلِّ حال، وإلى ذلك ذهب ابنُ شهاب، وهو راويةُ الحديثِ والعالمُ بمَخرِجه. ذكر ابنُ أبي شيبة (٤)، عن عبدِ الأعلى، عن مَعمَر، عن الزهريِّ: أنه كان يكرَهُ التَّصاويرَ ما نُصِب منها وما بُسِط. وكان مالكٌ لا يَرى بذلك بأسًا في البُسُط والوَسائِد والثِّياب على حديثِ سهلِ بنِ حُنيف هذا، إلّا ما كان رَقْمًا في ثوب (٥). وقد ذكَرنا مذهبَ مالك في الصورِ والتَّماثيل على كلِّ حال، ومذهبَ سائرِ فقهاءِ الأمصار فيها، في باب إسحاقَ بن أبي طلحةَ من هذا الكتاب (٦)، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهنا، ونذكُرُ هاهنا ما جاء عن السلف من الصحابةِ والتابعين في ذلك مما بلَغَنا عنهم، لتتمَّ فائدةُ الكتاب إن شاء اللَّه:

стр. 7412

حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان على بابي دُرْنُوكٌ (١) فيه الخيلُ ذواتُ الأجنحة، فقال النبيُّ ﷺ : "ألقُوا هذا" (٢). وقال آخرون: إنما يُكرَه من الصُّوَرِ ما كان في الحيطانِ وصُوِّر في البيوت، وأما ما كان رَقمًا في ثوبٍ فلا. واحتَجُّوا بحديثِ سهلِ بنِ حُنيفٍ وأبي طلحة، وهو حديثُ أبي النَّضر المذكورُ في هذا الباب فيه عن النبيِّ ﷺ : "إلّا ما كان رَقمًا في ثوب". فكل صورةٍ مرقُومةٍ في ثوب فلا بأسَ بها على كلِّ حال؛ لأنّ رسولَ اللَّه ﷺ استَثنى الرَّقْمَ في الثوب، ولم يَخُصَّ من ذلك شيئًا ولا نوعًا. وذكَروا عن القاسم، وهو راويةُ حديثِ عائشة، ما رواه ابنُ أبي شيبةَ (٣)، عن أزْهَر، عن ابن عَون، قال: دخلتُ على القاسم، وهو بأعلى مكةَ في بيته، فرأيتُ في بيتِه حَجَلةً فيها تصاويرُ السُّنْدُس (٤) والعنقاء (٥). وقال آخرون: لا يجوزُ استعمالُ شيءٍ من الصُّوَر، رَقمًا كان في ثوبٍ أو غير ذلك، إلّا أن يكونَ الثوبُ يوطَأُ ويُمتهنُ، فأمّا أن يُنصَبَ كالسِّتر ونحوِه فلا.

стр. 7413

قالوا: وفي حديثِ عائشةَ من روايةِ ابنِ شهاب ما يَخصُّ الثيابَ ويُعيِّنُها، وهو يُعارضُ حديثَ سهلِ بنِ حُنيفٍ وأبي طلحة، إلّا أنّا قد رَوَيْنا عن عائشةَ أنَّ ذلك من الثياب فيما يُنصَبُ دونَ ما يُبسَطُ، فبان بذلك وجهُ الحديثَين، وأنهما غيرُ متعارِضَين، وعائشةُ قد عَلِمتَ مخرجَ حديثها، ووقَفْتَ عليه. وذكَروا من الأثرِ ما رواه وكيعٌ وغيره، عن أسامةَ بنِ زيد، عن عبدِ الرحمن بنِ القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ستَرتُ سهوةً (١) لي بسترِ فيه تَصاوير، فلما قدِم النبيُّ ﷺ هتَكَه، فجعَلتُ منه مِنْبذَتَين (٢)، فرأيتُ النبيَّ ﷺ متَّكِئًا على إحداهما (٣). قالوا: ألا تَرى أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كرِه من ذلك ما كان سِترًا منصوبًا، ولم يَكره ما اتَّكأ عليه من ذلك وامتَهَنه؟ قال أبو عُمر: وقد يَحتملُ أن يكونَ السِّترُ لمّا هتَكَه رسولُ اللَّه ﷺ تغَيَّرَت صُوَرُه وتهتَّكَت، فلما صُنِع منه ما يُتَّكأُ عليه لم تَظهَرْ فيه صورةٌ بتمامها، وإذا احتُمِل هذا لم يكنْ في حديثِ عائشةَ هذا حُجَّةٌ على ابنِ شهابٍ ومَن ذهَب مذهبَه، إلّا أنَّ من سَلَفِ العلماءِ جماعةً ذهَبوا إلى أنَّ ما كان من رَقْم الصُّوَرِ فيما يُوطَأُ ويُمتَهَنُ ويُتَّكاُ عليه من الثيابِ لا بأسَ به. ذكَر ابنُ أبي شيبة (٤)، عن حفصِ بنِ غِياث، عن الجَعْد، رجلٍ من أهلِ

стр. 7414

المدينة، قال: حدَّثتني ابنةُ سعد، أنَّ أباها جاء من فارِسَ بوَسائدَ فيها تَماثيل، فكنّا نَبسُطُها. وعن ابنِ فُضَيل، عن ليث، قال: رأيتُ سالمَ بنَ عبدِ اللَّه مُتَّكئًا على وِسادةٍ حمراءَ فيها تَماثيل، فقلت له في ذلك، فقال: إنما يُكرَه هذا لمن يَنصِبُه وَيصنَعُه (١). وعن ابن المبارك، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، أنَّه كان يَتَّكئُ على المرافقِ فيها التماثيلُ؛ الطيرُ والرجالُ (٢). وعن ابن عُلَيّة، عن سَلَمة بن عَلْقمة، عن محمد بن سيرين، قال: كانوا لا يرون ما وطئ وبُسِط من التصاوير مثل الذي نُصِبَ (٣). وعن إسماعيلَ بنِ عُلَيّة أيضًا، عن أيوب، عن عكرمة، أنَّه كان يقول في التَّصاوير في الوسائدِ والبُسُطِ التي تُوطأُ: هو أذَلُّ لها (٤). وعن أبي معاوية، عن عاصم، عن عكرمة، قال: كانوا يَكرهون ما نُصِب من التَّماثيل نَصْبًا، ولا يَرَون بأسًا بما وَطِئَتْه الأقدام (٥). وعن ابنِ إدريس، عن هشام بن حسان، عن ابنِ سيرين: أنه كان لا يَرى بأسًا بما وُطِئ من التَّصاوير (٦).

стр. 7415

وعن ابنِ يَمان، عن عثمانَ بنِ الأسود، عن عكرمةَ بنِ خالد، قال: لا بأسَ بالصورةِ إذا كانت تُوطَأُ (١). وعن (٢) الربيع بنِ المُنذِر، عن سعيدِ بنِ جُبير، قال: لا بأسَ بالصورةِ إذا كانت تُوطَأُ (٣). وعن عبدِ الرحيم بنِ سليمان، عن عبدِ الملك، عن عطاءٍ في التَّماثيل: ما كان مَبسوطًا يُوطَأُ ويُبسَطُ، فلا بأسَ به، وما كان منها يُنصَبُ، فإني أكرَهُها (٤). وعن الحسنِ بنِ موسى الأشْيَب، عن حمادِ بنِ سَلَمة، عن عَمْرِو بنِ دينار، عن سالم بنِ عبدِ اللَّه، قال: كانوا لا يَرونَ بما وُطِئ من التَّصاوير بأسًا (٥). قال أبو عُمر: هذا أعدَلُ المذاهبِ وأوسَطُها في هذا الباب، وعليه أكثرُ العلماء، ومَن حمل عليه الآثارَ لم تَتعارَضْ على هذا التأويل، وهو أوْلى ما اعتُقِد فيه (٦)، واللَّه الموفِّقُ للصواب. وقد ذهب قومٌ إلى أنَّ ما قُطِع رأسُه فليس بصورة: روَى أبو داودَ الطيالسيُّ، قال (٧): حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْب، عن شُعبةَ مولى ابنِ

стр. 7416

عباس، قال: دخَل المِسوَرُ بنُ مَخرمةَ على ابنِ عباسٍ وهو مريض، وعليه ثوبُ إستَبرَق، وبينَ يديه كانونٌ عليه تصاوير، فقال المِسوَر: ما هذا يا ابنَ عباس؟ فقال ابنُ عباس: ما عَلِمتُ به، وما أُرَى رسولَ اللَّه ﷺ نهَى عن هذا إلّا للتَّكبُّر والتَّجبُّر، ولسنا بحمدِ اللَّه كذلك. فلمّا خرَج المسوَرُ أمَر ابنُ عباسٍ بالثوبِ فنُزع عنه، وقال: اقطَعوا رؤوسَ هذه التَّصاوير. وروَى ابن المبارَك قال: أخبرنا يونسُ بنُ أبي إسحاق، قال: حدَّثنا مجاهدٌ، قال: حدَّثنا أبو هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ جبريلَ أتاني البارِحة، فلم يَمنَعْه أن يَدخُلَ إليَّ إلّا أنّه كان في البيتِ تمثالُ رجال (١)، وسِترٌ فيه تَماثيل، وكلبٌ". فأمَر برأسِ التِّمثال أن يُقطَعَ، وبالسِّتْرِ أن يُشَقَّ، ويُجعلَ منه وِسادتان تُوطآن، وبالكلبِ أن يُخرَج (٢). وذكَر ابنُ أبي شيبة (٣)، عن ابنِ عُليّة، عن أيوب، عن عكرمة، قال: إنّما الصورةُ الرأسُ، فإذا قُطِع فلا بأس.

стр. 7417

وعن يحيى بن سعيد، عن سلمةَ أبي بشر، عن عكرمةَ في قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]. قال: أصحابُ التصاوير (١). وذهبَ جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الصورةَ المكروهةَ في صنعتِها واتِّخاذِها ما كان له رُوحٌ. وحجتُهم حديثُ القاسم، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مِن أشَدِّ النّاسِ عذابًا يومَ القيامةِ المصَوِّرونَ، يقالُ لهم: أحيُوا ما خَلَقتُم" (٢). ففي هذا دليلٌ على أنَّ الحياةَ إنَّما قُصِد بذكرِها إلى الحيوانِ ذواتِ الأرواح. وقد حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال: حدَّثنا هَوْذةُ بنُ خَليفة، قال: حدَّثنا عوفٌ، عن سعيدِ بنِ أبي الحسن، قال: كنتُ عندَ ابنِ عباسٍ إذ جاءَه رجل، فقال: إنِّي أردْتُ أن أُنَمِّي مَعيشتي من صَنعةِ يدي، وإنِّي أصنعُ هذه التصاوير. فقال ابنُ عباس: لا أُحدِّثُك إلّا ما سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول، سمِعتُه يقول: "مَن صَوَّرَ صورَةً فإنَّ اللَّهَ مُعذِّبُه يومَ القيامةِ حتى يَنفُخَ فيها الرُّوح، وليس بنافخٍ فيها أبدًا". قال: فكبَا لها الرجلُ كَبوةً شديدة، واصفَرَّ وجهُه، ثم قال: وَيْحَك! إنْ أبيْتَ إلا أن تَصنع، فعليك بهذا الشجر، وكلِّ شيءٍ ليس فيه رُوحٌ (٣).

стр. 7418

وقد كان مجاهدٌ يكْرَهُ صُورةَ الشّجَر. ولا أعلَمُ أحدًا تابعَهُ على ذلك. ذكَر ابنُ أبي شيبةَ (١) عن عبد السّلام، عن ليث، عن مجاهد، أنّه كان يكْرَهُ أن يُصوَّرَ الشّجرُ المُثْمر. وممّا يدلُّ على أنّ الاختلافَ في هذا البابِ قديمٌ، ما ذكَره ابنُ أبي شيبة (٢)، عن ابنِ عُليّة، عن ابنِ عون، قال: كان في مجْلِس محمّد بنِ سِيرينَ وسائدُ فيها تماثيلُ عصافير، فكان أناسٌ يقولون في ذلك؟ فقال محمد: إنّ هؤلاءِ قد أكثَروا علينا، فلو حوّلتُموها. وهذا من وَرَع ابنِ سِيرين ﵀.

стр. 7419

حديثٌ عاشرٌ لأبي النَّضْر مالكٌ (١)، عن أبي النَّضر مولى عمرَ بنِ عُبيدِ اللَّه، عن سليمانَ بنِ يسار، عن المقدادِ بنِ الأسود، أنَّ عليَّ بنَ أبي طالب أمَره أن يسألَ رسولَ اللَّه ﷺ عن الرجل إذا دنا مِن أهلِه فخرَج منه المَذْي، ماذا عليه؟ قال عليٌّ: فإن عندي ابنتَه، وأنا أسْتَحيي أن أسألَه. قال المقداد: فسألتُ رسولَ اللَّه ﷺ عن ذلك، فقال: "إذا وجَد ذلك أحدُكم فلْينضَحْ فرجَه، وليتوضأْ وضوءَه للصلاة". هذا إسنادٌ ليس بمتّصل؛ لأن سليمانَ بنَ يسارٍ لم يسمع من المقداد، ولا من عليٍّ، ولم يرَ واحدًا منهما (٢). ومولدُ سليمانَ بنِ يسارٍ سنةَ أربع وثلاثين، وقيل: سنةَ سبع وعشرين. ولا خلافَ أنَّ المقدادّ توفِّي سنةَ ثلاثٍ وثلاثين (٣). وهو المقدادُ بنُ عَمْرٍو الكِنْديُّ يُكْنَى أبا مَعْبَد، تبنَّاه الأسودُ بنُ عبدِ يغوثَ الزهريُّ، فنُسِب إليه. وقد ذكَرنا أخبارَ المقدادِ وسنَّه ونسَبَه في كتاب "الصحابة" (٤) بما يُغني عن ذكرِه هاهنا، وبين سليمانَ بنِ يسارٍ وعليٍّ في هذا الحديثِ ابنُ عباس (٥)، وسماعُ سليمانَ بنِ يسارٍ من ابنِ عباسٍ غيرُ مدفوع. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ ناصح، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ سعيد (٦)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال:

стр. 7420

أخبَرني مخرمةُ بنُ بُكير، عن أبيه، عن سليمانَ بن يسار، عن ابنِ عباس، قال: قال عليُّ بنُ أبي طالب: أرسلتُ المقدادَ بنَ الأسودِ إلى رسولِ اللَّه ﷺ يسألُه عن المَذي يخرجُ من الإنسان، كيف يفعل؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "توضأ وانضَحْ فرجَك" (١). وقد رُوِي هذا الخبرُ عن ابنِ عباس، عن عليٍّ من غير هذا الوجه: حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينة، عن عمرِو بنِ دينار، عن عطاء، عن ابنِ عباس، أنه سمِع عليَّ بنَ أبي طالب بالكوفة يقول: كنتُ رجلًا أجِدُ من المذي أذًى، فأمَرتُ عمارًا يسألُ رسولَ اللَّه ﷺ ، لأنّ ابنتَه كانت تحتي. فقال: "يكفيك منه الوضوء". هكذا قال: عطاء، عن ابنِ عباس، عن عليٍّ (٢). وخالَفه الحُمَيديُّ وغيرُه، فجعَله عن عطاء، عن عائشٍ البكريِّ، عن عليٍّ. حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل (٣)، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٤): حدَّثنا

стр. 7421

سفيان، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: أخبرني عطاء، قال: سمعتُ عائشَ بنَ أنسٍ يقول: سمعتُ عليًّا على المنبرِ يقول: كنتُ أجدُ من المذي شدّة، فأردتُ أن أسألَ رسولَ اللَّه ﷺ ، وكانت ابنتُه عندي، فاستحيَيتُ أن أسألَه، فأمَرتُ عمارًا فسأله، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنما يكفي منه الوضوءُ". وهكذا رواه معمرٌ عن عمرِو بنِ دينار، [عن عطاء] (١)، عن عائشِ بنِ أنس، عن عليٍّ (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قال: حدَّثنا مسدَّد (٣)، قال: حدَّثنا يحيى، عن ابنِ جريج، قال: أخبَرني عطاء، عن عائشِ بنِ أنسٍ البكريِّ، قال: تذاكَر عليٌّ والمقدادُ وعمارُ بنُ ياسرٍ (٤) المذي، فقال عليٌّ: إني رجلٌ مَذّاءٌ، وأنا أستحيي أن أسألَه من أجل ابنتِه تحتي. فقال لأحدِهما: سلْه. قال عطاء: سمّاه لي عائشٌ، ونَسِيتُ اسمَه. فسأله فقال: "ذلك المذيُ، ليغسلْ ذاك منه". قال عطاء: "ما ذاك منه؟ " قال: ذكَره. "ويتوضأ فيُحسِن وضوءَه -أو يتوضأ مثلَ وضوئِه للصلاة- وينضَحْ فرجَه" (٥).

стр. 7422

ففي هذا الحديث بيانُ أنَّ عليًّا والمقدادَ وعمارَ بنَ ياسر، تذاكَروا المَذْيَ؛ فلذلك ما يجيءُ في بعض الآثار عن عليٍّ: فأمرتُ المقدادَ. وفي بعضها: فأمَرتُ عمارًا. وجائزٌ أن يأمرَ أحدَهما، وجائزٌ أن يأمُرَ كلَّ واحدٍ منهما أن يسألَ له فسأل، فكان الجوابُ واحدًا، فحدَّث به مرّةً عن عمار، ومرّةً عن المقداد، هذا كلُّه غيرُ مدفوع؛ لإمكانِه وصحتِه في المعنى، وحسبُك أنهم ثلاثتَهم قد اشترَكوا في المذاكرةِ بهذا الحديثِ وعلمِه والخبرِ عنه. وذكَر عبدُ الرزاق (١) عن ابنِ جُريج، قال: قال قيسٌ لعطاء: أرأيتَ المذيَ، أكنتَ ماسحَه مسحًا؟ قال: لا، المذيُ أشدُّ من البولِ يُغسَلُ غسلًا. ثم أنشأ (٢) يُحدِّثنا حينئذٍ؛ قال: أخبرني عائشُ بنُ أنسٍ أخو بني سعدِ بنِ ليث، قال: تذاكرَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ وعمارُ بنُ ياسر والمقدادُ بنُ الأسود - المذي، فقال عليٌّ: إني رجلٌ مذّاءٌ، فاسألوا عن ذلك النبيَّ ﷺ ؛ فإني أستحيي أن أسألَه عن ذلك لمكانِ ابنتِه منِّي، ولولا مكانُ ابنتِه منِّي لسألتُه. قال عائش: فسألَه أحدُ الرَّجُلين -عمارٌ أو المقداد، فسمَّى لي عائشٌ الذي سأل النبيَّ ﷺ عن ذلك منهما، فنَسيتُه- فقال النبيُّ ﷺ : "ذلكم المذيُ، إذا وجَده أحدُكم، فلْيغسلْ ذلك منه، ثم ليتوضأ فيُحسِنْ وضوءَه، ثم ليَنْضَح (٣) في فرْجِه". قال ابنُ جُريج: فسألتُ عطاءً عن قولِ النبيِّ ﷺ : "يَغسلْ ذلك منه". قلت: حيثُ المذيُ يَغسِلُ منه، أم (٤) ذَكَرَه كلَّه؟ فقال: بل حيثُ المذيُ منه قطُّ. فقلتُ لعطاء: ارأيتَ إن وجَدتُ مذيًا، فغسَلتُ ذكَري كلَّه، أنضَحُ في ذلك فرجي؟ قال: لا، حسبُك.

стр. 7423

وقال مالكٌ: المذيُ عندَنا (١) أشدُّ من الوَدْي؛ لأن الفرجَ يُغسلُ من المذي، والوديُ عندَنا بمنزلةِ البول. قال مالكٌ: وليس على الرجل أن يغسلَ أُنثيَيه من المذي، إلا أن يظنَّ أنه قد أصابَهما منه شيء (٢). قال مالكٌ: والوديُ يكونُ من الجَمام (٣)، يأتي بإثْرِ البول، أبيضُ خاثرٌ. قال: والمذيُ تكونُ معه شهوةٌ، وهو رقيقٌ إلى الصُّفرة، يكونُ عندَ ملاعبةِ الرجل أهلَه، وعندَ حدوثِ الشهوةِ له (٤). قال أبو عُمر: يحتملُ قولُ مالك: المذيُ عندَنا أشدُّ من الودي (٥). لأن الوديَ يُستنجَى منه بالأحجار، والمذيَ لا بدَّ من غسلِه، ولا تُطهِّرُ منه الأحجارُ، فقد قال بهذا قومٌ من أصحاب مالكٍ وغيرِهم، وقال بعضُهم: تُطهِّرُه الأحجارُ، إلا عندَ وجودِ الماءِ خاصة. وفي هذا القول ضعفٌ (٦)، والأولُ أوْلى بقولِ مالك؛ لأنَّ الفرْجَ يُغسلُ من المذي، ولأنَّ الأصلَ في النجاسات الغسلُ، إلا ما خصَّت السُّنةُ من المعتاداتِ بالاستنجاء (٧)؛ ولمّا لم يُتعدَّ بالأحجارِ إلى غير المخرَج، وجَب ألا يُتعدَّى بها إلى غيرِ المعتادات.

стр. 7424

وقال الشافعيُّ (١): لا يجوزُ الاستنجاءُ من الدم الخارج من الدُّبر، ولا من المذي، كما لا يجوزُ للمستحاضةِ أن تستنجيَ بغيرِ الماء. وأبو حنيفةَ على أصلِه في جوازِ إزالةِ النجاساتِ بكلِّ ما أزالَها (٢). وقال بعضُ أصحابِ مالك (٣): المذيُ يُغسلُ منه الذَّكرُ كلُّه، ولا يُغسلُ من الودي إلا المخرَجُ وحدَه، وما مسَّه. وكلا (٤) الوجهين قد تنازَع فيه العلماء؛ فمَن ذهب إلى غسل الذَّكر كلِّه (٥) جعَله عبادةً تعبَّد بها النبيُّ ﷺ بقوله: "يغسلُ ذَكرَه". ولم يقل: بعضَ ذَكرِه؛ لأنّ عُمومَ هذا اللفظ يُوجبُ غسلَ الذَّكر كلِّه، ما مسَّ منه الأذى، من أجل الأذى، ويكونُ غَسلُ سائرِه عبادةً كسائرِ العباداتِ في الغسل وغيرِه، وسنذكرُ اختلافَ الآثارِ بذلك في آخرِ هذا الباب إن شاء اللَّه. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ المفسِّر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ سعيدٍ القاضي. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر وعبدُ الوارثِ بنِ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قالا: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٦): حدَّثنا وكيعٌ وأبو معاويةَ وهشيمٌ، عن الأعمش، عن

стр. 7425

منذرِ بنِ يعلَى الثوريِّ -يُكنى أبا يعلى- عن ابن الحنفية، عن عليٍّ، قال: كنتُ رجلًا مذّاءً، فكنتُ أستحيي أن أسألَ رسولَ اللَّه ﷺ لمكانِ ابنتِه، فأمَرتُ المقدادَ بنَ الأسود، فسأله فقال: "يغسلُ ذكرَه ويتوضأُ". قال أبو عُمر: هذا حديثٌ مجتمعٌ على صحَّته، لا يختلفُ أهلُ العلم فيه، ولا في القول به، والمذيُ عندَ جميعِهم يوجبُ الوضوء (١)، ما لم يكنْ خارجًا عن علّةِ إبردةٍ (٢) وزَمانة، فإن كان كذلك، فهو أيضًا كالبول عندَ جميعِهم؛ فإن كان سلِسًا لا ينقطعُ، فحُكمُه كحكم سلَسِ البولِ عندَ جميعِهم أيضًا، إلا أنَّ طائفةً توجبُ الوضوءَ على مَن كانت هذه حاله لكلِّ صلاة، قياسًا على المُسْتَحاضةِ عندَهم، وطائفةً تستحبُّه ولا توجبُه. وقد ذكَرنا هذا المعنَى وأوضَحنا القولَ فيه في باب المستحاضة، عندَ ذكرِ حديثِ نافع عن سليمانَ بن يسارٍ من هذا الكتاب (٣). وأما المذيُ المعهودُ المعتادُ المتعارف، وهو الخارجُ عندَ ملاعبةِ الرجل أهلَه، لِما يَجدُه من اللذَّةِ أو لطولِ عُزْبة، فعلى هذا المعنى خرَج السؤالُ في حديثِ عليٍّ هذا، وعليه وقَع الجواب، وهو موضعُ إجماع، لا خلافَ بينَ المسلمين في إيجابِ الوضوءِ منه، وإيجابِ غَسلِه لنجاستِه. أخبرنا سعيدُ بنُ نَصر وعبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٤): حدَّثنا

стр. 7426

هُشيمُ بنُ بشير، عن يزيدَ بنِ أبي زياد، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ أبي ليلى، عن عليٍّ ﵁ قال: سُئِل النبيُّ ﷺ عن المذي، فقال: "فيه الوضوء، وفي المنيِّ الغُسل". وقد روَى سهلُ بنُ حُنيف، عن النبيِّ ﷺ في المذي مثلَ حديثِ عليٍّ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان: أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل (١)، قال: حدَّثنا نعيمُ بنُ حماد (٢)، قال: أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ المباركِ وإسماعيلُ بنُ عُلية، قالا: أخبرنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ عُبيدِ ابنِ السَّبّاق، عن أبيه، عن سهلِ بنِ حُنيف، قال: كنتُ ألقَى من المذي شدة، وكنتُ أغتسلُ، فسألتُ رسولَ اللَّه عن ذلك، فقال: "يُجزئُك من ذلك الوضوء". قلت: يا رسولَ اللَّه، فكيف بما أصاب ثوبي؟ قال: "تأخذُ كفًّا من ماء، فانضحْ به ثوبَك حيثُ ترَى أنه أصابك" (٣).

стр. 7427

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد (١)، قال: حدَّثنا مسددٌ (٢) قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، عن محمدِ بنِ إسحاق، عن سعيدِ بنِ عُبيد، عن أبيه، أنَّ سهلَ بنَ حُنيفٍ سأل رسولَ اللَّه ﷺ عن المَذي، فقال: "يكفيك منه الوضوء". قلت: أرأيتَ ما أصاب ثوبي منه؟ فذكَر الحديثَ مثلَ ما تقدَّم سواء (٣). وأما قوله: "فلينضَحْ فرجَه وليتوضأ". فإن النَّضْحَ عُنيَ به هاهنا الغسل، وقد فسَّرنا ذلك من جهةِ اللغةِ والمعنى في بابِ ابنِ شهاب، عن عبيدِ اللَّه بن عبد اللَّه، من هذا الكتاب (٤)، ومما يدلُّك على أنَّ قولَه في حديثِ مالكٍ ومَن تابَعه في هذا الباب: "فلينضحْ ذَكرَه وليتوضأ". أنه أُريدَ بالنَّضْحِ الغَسْلُ؛ لأنه قد رُوِي منصوصًا: "ليغسِلْ ذلك منه". و"يغسلُ ذَكرَه". وهذا معروفٌ قد أوضَحناه فيما مضَى.

стр. 7428

وفي أمرِه بغَسلِ الفرج من المذي وغَسلِ ما مسَّه منه دليلٌ على أنَّ ذلك لا يجوزُ فيه الاستنجاءُ بالأحجارِ كما يجوزُ في البولِ والغائط؛ لأنَّ الآثارَ كلَّها على اختلافِ ألفاظِها وأسانيدِها ليسَ في شيءٍ منها ذكرُ استنجاءٍ بأحجار، فاستدلَّ بهذا مَن قال: إنَّ الاستنجاءَ بالأحجارِ لا يكونُ إلا في المعتادِ عندَ الغائط -وهو الرَّجِيعُ- والبولُ. وهو استدلالٌ صحيحٌ، واللَّهُ الموفقُ للصواب، فعلى هذا مَن خرَج من أحدِ مخرَجَيه دمٌ أو وَديٌ لم يُجزِئْه إلا الماء، واللَّهُ أعلم. وأما إيجابُ الوضوءِ من المذي، فبالسُّنة المُجْتَمَع عليها، على ما ذكَرنا من حديثِ هذا الباب. وأما معنى غَسلِ الذكرِ من المَذي، فإنه يريدُ غَسلَ مخرجِه وما مسَّ الأذَى منه، وهذا الأصحُّ عندي في النَّظر، واللَّهُ أعلم. وقد قالت طائفةٌ من أصحابنا وغيرهم (١) بوجوبِ غَسلِ الذكَرِ كلِّه من المَذي على ظاهرِ الخبرِ في ذلك اتِّباعًا، وجعَلوا ذلك من بابِ التعبد، وذهب غيرُهم إلى أنَّ قولَه في المَذي: "يَغْسِلُ ذكَرَه ويتوضأُ وضوءَه للصلاة". يحتملُ أن يكونَ أراد: يغسلُ ما مسَّ الأذَى منه. وقالوا: ألا ترَى أنَّ أحدًا لا يقتصرُ على غَسلِ الذكَرِ وحدَه إذا كان المَذيُ قد مسَّ موضعًا من الجسدِ غيرَه؟ فلا بدَّ من غَسلِ كلِّ ما مسَّ المَذيُ منه. وفي هذا ما يُستدلُّ به على أنَّ المرادَ غَسلُ ما مسَّ المَذيُ من الذَكر، واللَّهُ أعلم. ذكَر عبدُ الرزاق (٢)، عن الثوريِّ، عن منصور، عن مجاهد، عن ابنِ عباس في المَذْي والوَدي والمَنيِّ؛ قال: في المنيِّ الغُسلُ، ومن المَذي والوَدي الوضوءُ؛ يغسِلُ حَشَفتَه ويتوضأ.

стр. 7429

وعن الثوريِّ، عن زيادِ بنِ الفيّاض، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ في المَذي (١): يغسلُ حَشفتَه (٢). وعن هُشيم عن أبي حمزة، عن ابنِ عباسٍ في المذي، قال: اغسلْ ذكَرَك وما أصابك ثم توضأ وضوءَك للصلاة. فهذا ابنُ عباس يقولُ في هذا الخبر: اغسلْ ذكَرَك. وقد تقدَّم عنه فيه غسلُ الحَشفة، فدلَّ على أنَّ مرادَه ما وصَفنا، فاعلَمْه (٣)، واللَّه موفقك للصواب إنه ولي الإرشاد (٤).

стр. 7430

حديثٌ حادي عَشَرَ لأبي النَّضْر مالكٌ (١)، عن أبي النَّضْر مولى عمرَ بنِ عبيدِ اللَّه، أنَّ عبدَ اللَّه بنَ أُنيْسٍ الجُهنيَّ قال لرسولِ اللَّه ﷺ : يا رسولَ اللَّه، إني شاسِعُ الدار (٢)، فمُرْني ليلةً أنزلُ لها. فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "انزِلْ ليلةَ ثلاثٍ وعشرين". هذا حديثٌ منقطعٌ أيضًا، ولم يلقَ أبو النضر عبدَ اللَّه بنَ أُنيْسٍ ولا رآه (٣)، ولكنه يتَّصِلُ من وُجوهٍ شتَّى صِحاح ثابتة. ورواه الضَّحّاكُ بنُ عثمان، عن أبي النَّضْر، عن بُسْرِ بنِ سعيد، عن عبدِ اللَّه بنِ أُنيْس. ولكنه جاء بلفظِ حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ، وذلك عندي منكَرٌ في هذا الإسناد. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عمر الواقديُّ، قال: حدَّثنا الضحاكُ بنُ عثمان، عن أبي النَّضْر، عن بُسْر بن سعيد، عن عبدِ اللَّه بن أُنيْس، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "أُرِيتُ ليلةَ القَدْر ثم أُنسِيتُها، ثم أُراني صَبيحتَها أسجُدُ في ماءٍ وطين". فمُطِرْنا ليلةَ ثلاثٍ وعشرين، فصلَّى بنا رسولُ اللَّه ﷺ ، فانصَرَف وأنَّ أثرَ الماءِ والطينِ لفي أنفِه وجَبْهتِه. وكان عبدُ اللَّه بنُ أُنيْس يَنزِلُ ليلةَ ثلاثٍ وعشرين (٤).

стр. 7431

حدَّثنا (١) عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي الأسود، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاق، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ التَّيميِّ، عن ابنِ عبدِ اللَّه بنِ أُنيس الجُهنيِّ، قال: حدَّثني أبي، قال: قلت: يا رسولَ اللَّه، إني أكونُ في باديتي، وأنا بحمدِ اللَّه أُصلِّي فيها، فمُرْني بليلةٍ من هذا الشهرِ أنزِلُها بهذا المسجدِ أُصلِّيها فيه. قال: "انزِلْ ليلةَ ثلاثٍ وعشرين فصلِّها فيه" (٢). ورواه الزهريُّ، عن ضمرةَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أُنيس، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٣).

стр. 7432

ورواه الأسلميُّ، عن داودَ بنِ الحُصين، عن عطيةَ بن عبدِ اللَّه بن أُنيْس، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ مثلَه بمعناه (١). ورواه (٢) العُمريُّ، عن عيسى بن عبدِ اللَّه بنِ أُنيس، عن أبيه مرفوعًا مثلَه (٣). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ الدراوَرْديُّ، عن يزيدَ بنِ الهادِ، عن أبي بكرِ بنِ محمد، عن عبدِ اللَّه بنِ عبدِ الرحمن بنِ كعب، عن عبدِ اللَّه بنِ أُنيْس، قال: كنّا نَتَبَدَّى (٤) في رمضان، فقال قومُنا: إنّه ليَشُقّ (٥) علينا أن ننزِلَ بعيالِنا وثَقَلِنا (٦)، وإنا نخشى عليهم الضَّيعةَ إن نزَلنا وترَكناهم، وإنّا لنَكرَهُ أن تفوتَنا هذه الليلة، فهل لكم أن نُرسِلَ إلى رسولِ اللَّه ﷺ

стр. 7433

نذكُرُ له هذا، ونسألُه أن يأمُرَنا بليلةٍ ننْزِلُها؟ قالوا: نعم. قال عبدُ اللَّه بنُ أُنيس: فأرْسَلوني وكنتُ أحدثَ القوم، فجِئْتُ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فسألتُه أن يأمُرَنا بليلةٍ ننزِلُها، فقال: "انزِلُوا ليلةَ ثلاثٍ وعشرين". فكان عبدُ اللَّه بنُ أُنيْس ينزلُ تلك الليلة، فإذا أصبَح رجَع (١). ورواه يحيى بنُ أيوب، عن يزيدَ بنِ الهادِ، عن أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حزم، عن عبدِ الرحمن بنِ كعبِ بنِ مالك (٢)، عن عبدِ اللَّه بنِ أُنيْسٍ نحوَه بمعناه (٣). كذا قال: عبدُ الرحمن بنُ كعبِ بنِ مالك. ورواه عبدُ اللَّه بنُ قُدامةَ الجُمَحيُّ، عن عبدِ اللَّه بنِ عبدِ الرحمن (٤). فأخطأ فيه، وأظُنُّه لم يسمَعْه منه. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ عبدِ الواحد ومحمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قالا: حدَّثنا سعيدُ بنُ الحكم بنِ

стр. 7434

أبي مريم، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أيوب، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ الهادِ، أنَّ أبا بكر بنَ محمدِ بن عمرِو بنِ حزم أخبَره، عن عبدِ الرحمن بن كعبِ بن مالك، عن عبدِ اللَّه بنِ أُنيس، قال: كنّا بالبادية، فقلنا: إنْ قدِمنا بأهلِنا شقَّ علينا، وإن خلَّفناهم أصابتْهم ضيعة. قال: فبعَثوني -وكنتُ أصغرَهم- إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فذكَرتُ له قولهم، فأمَرنا بليلةِ ثلاثٍ وعشرين. قال ابنُ الهادِ: وكان محمدُ بنُ إبراهيمَ يجتهدُ تلك الليلة (١). وقد روَى عبدُ اللَّه بنُ عباس في هذا الباب -بإسناد صحيح أيضًا- حديثًا يُشبهُ أن يكونَ حديثَ عبدِ اللَّه بنِ أُنيس هذا. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح المقرئ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ البغويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا معاذُ بنُ هشام، قال: حدَّثنا أبي، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابنِ عباس، أنَّ رجلًا أتَى النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللَّه، إني شيخٌ كبيرٌ عليلٌ يَشُقُّ عليَّ القيام، فمُرْني بليلةٍ لعلَّ اللَّهَ يُوفِّقُني فيها لليلةِ القدر. فقال: "عليك بالسابعة" (٢). قال أبو عُمر: يريدُ سابعةً تبقَى، واللَّهُ أعلم، وذلك محفوظٌ في حديثِ ابنِ عباسٍ إذ ذكَر ما خلَق اللَّهُ على سبعٍ من خَلْقِه، ثم قال: وما أُراها إلا ليلةَ ثلاثٍ

стр. 7435

وعشرين لسبع بَقين. وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ بتمامِه في باب حُميد الطويل (١)، وقد مضَى القولُ في ذلك وفي سائر معاني هذا الباب مستوعَبًا ممهَّدًا مبسوطًا هناك، فلا وجهَ لتكريرِ ذلك هاهنا. أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الملك (٢) وعبيدُ بنُ محمد، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ مسرور، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مسكين، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ الوَهْبيُّ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ إسحاق، عن معاذِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ خُبَيْب، عن أخيه عبدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ خُبَيْب (٣) -قال: وكان رجلًا في زمنِ عمرَ بنِ الخطاب- قال: جلَس إلينا عبدُ اللَّه بنُ أُنيْسٍ في مجلس -حسِبتُه قال: في آخرِ رمضان- فقلنا له: يا أبا يحيى، هل سمعتَ من رسولِ اللَّه ﷺ في هذه الليلةِ المباركةِ من شيء؟ قال: جلَسنا مع رسولِ اللَّه ﷺ في آخرِ هذا الشهر، فقلنا له (٤): يا نبيَّ اللَّه، متى نلتمِسُ هذه الليلةَ المباركة؟ قال: "التمِسُوها لمَسَاءِ ثلاثٍ وعشرين"، فقال له (٥) رجلٌ من القوم: فهي إذن أُولَى (٦) ثمان؟ فقال: "إنها ليست بأُولى (٧) ثمانٍ، ولكنَّها أُولَى (٨) سبع؛ إن الشهرَ لا يَتِمُّ" (٩).

стр. 7436

قال ابنُ سَنجر: وحدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ أبي حبيب، عن محمدِ بنِ إسحاق، عن معاذِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ خُبَيْب، عن عبدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ خُبَيْب، عن عبدِ اللَّه بن أُنيْس، أنه سُئِل عن ليلةِ القدر، فقال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "التمِسُوها الليلةَ". وتلك الليلةُ ليلةُ ثلاثٍ وعشرين، فقال رجل: يا رسولَ اللَّه، هي إذن أُولَى ثمانٍ. فقال: "بل، أُولَى سبع، إن الشهرَ لا يَتِمُّ" (١). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنِ أبي شيبة، قال (٢): حدَّثنا أبو الأحوص، عن سِمَاك، عن عِكْرمة، عن ابنِ عباس، قال: بينا أنا نائمٌ في رمضان، فقيل لي: إنَّ

стр. 7437

الليلةَ ليلةُ القدر، فقُمتُ وأنا ناعسٌ، فتعلَّقتُ ببعض أطنابِ (١) فُسطاطِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فأتيتُ النبيَّ ﷺ -وهو يُصلِّي، فنظَرتُ في الليلة، فإذا ليلةُ ثلاثٍ وعشرين. قال: وقال ابنُ عباس: إنَّ الشيطانَ يطلُعُ مع الشمسِ كلَّ يوم إلّا ليلةَ القدر، وذلك أنها تطلُعُ يومئذٍ لا شعاعَ لها. قال أبو عُمر: يقال: إنَّ ليلةَ الجُهنيِّ معروفةٌ بالمدينة؛ ليلةَ ثلاثٍ وعشرين، وحديثُه هذا مشهور عندَ خاصَّتِهم وعامَّتِهم. وروَى ابنُ جُريج هذا الخبرَ لعبدِ اللَّه بنِ أُنيْس، وقال في اَخره: فكان الجُهنيُّ يُمسي تلك الليلة -يعني ليلةَ ثلاثٍ وعشرين- في المسجد، فلا يخرُجُ منه حتى يُصبح، ولا يَشهدُ شيئًا من رمضانَ قبلَها ولا بعدَها ولا يومَ الفطر (٢). وذكر عبدُ الرزاق (٣)، عن ابنِ جريج، عن عبيدِ اللَّه بنِ أبي يزيدَ، قال: كان ابنُ عباسٍ يَنضَحُ على أهلِه الماءَ ليلةَ ثلاثٍ وعشرين. وعن ابن جُريج، قال: أخبَرني يونسُ بنُ يوسف، أنّه سمع سعيدَ بنَ المسيِّب يقول: استقام ملأُ القوم على أنها لثلاثٍ وعشرين (٤). يعني في ذلك العام، واللَّهُ أعلم.
следующие страницы →