← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7468–7507 · переход к 7473.

стр. 7468

حديثٌ أوّلُ لسُهَيْل بن أبي صالح مالكٌ (١)، عن سُهَيل بن أبي صالح السَّمّان، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إذا أحَبَّ اللَّهُ العبدَ قال لجبريل: يا جِبريل، قد أحببتُ فلانًا فأحِبَّه. فيُحبُّه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إنَّ اللَّهَ قد أحَبَّ فلانًا فأحِبُّوه. فيُحبُّه أهلُ السماء، ثم يُوضَعُ له القَبولُ في الأرض. وإذا أبغَضَ العبدَ". قال مالكٌ: لا أحسَبُه إلا قال في البُغْض مثلَ ذلك. لم يَختلفِ الرُّواة -فيما علمتُ- عن مالك في هذا الحديث (٢)، وقد رواه عن سُهَيل جماعةٌ، فبعضُهم لم يشُكُّوا وقطَعوا في البُغْض بمثل ذلك، وممَّن رواه كذلك عن سُهَيل بإسنادِه هذا، وذكَر البُغْضَ من غير شكٍّ: مَعمَر (٣)، وعبدُ العزيز بنُ المختار، وحمادُ بنُ سَلَمة، قالوا في آخره: "وإذا أبغَضَ" بمثل ذلك، ولم يشُكُّوا. ورواه ابنُ أبي سَلَمة، عن سُهَيل، فلم يذكُرِ البُغضَ أصلًا. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٤)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، عن

стр. 7469

عبدِ العزيزِ بنِ أبي سَلَمة، عن سُهَيل بنِ أبي صالح، عن أبيه، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقول: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا أحَبَّ اللَّهُ عبدًا قال: يا جبريلُ، إنِّي أُحِبُّ فُلانًا فأحِبُّوه. فينادي جبريلُ في السماء: إنَّ اللَّهَ يُحبُّ فلانًا فأحِبُّوه. فإذا أحَبَّه أهلُ السماءِ أحَبَّه أهلُ الأرض" (١). وقد روَى نافعٌ مولى ابنِ عُمر، عن أبي هريرةَ الحديثَ بمثلِ ذلك، لم يَذكُرِ البُغْض: حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبد الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادة، قال: حدَّثنا ابنُ جريج، قال: أخبَرنا موسى بنُ عُقبة، عن نافع، أنَّ أبا هريرةَ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا أحَبَّ اللَّهُ العبدَ نادَى جبريلَ ﵇: إنَّ اللَّهَ قد أحَبَّ فلانًا فأحِبَّهُ، فيُحِبُّه جبريل، ثم ينادي جبريلُ في أهل السماء: إنَّ اللَّهَ قد أحَبَّ فلانًا فأحِبُّوه. فيُحبُّه أهلُ السماء، ثم يُوضَعُ له القَبولُ في الأرض" (٢). وذكر سُنيدٌ (٣)، عن حَجّاج، عن ابن جُريج، بإسنادِه، مثلَه إلى آخرِه سواء (٤).

стр. 7470

في هذا الحديث من العلم والفقهِ: أنّ اللَّهَ في السماءِ ليس في الأرض، وأن جبريلَ أقربُ الملائكةِ إليه وأحظاهم عندَه، ﷺ . وفيه: أنّ الوُدَّ والمحبةَ بينَ الناس اللَّهُ يَبتَدِئُها ويَبسُطُها، والقرآنُ يَشهَدُ بذلك، قال اللَّهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]. قال المفسِّرون: يُحبُّهم ويُحبِّبُهم إلى الناس. ذكر سُنَيدٌ، عن حَجّاج، عن ابنِ جُريج، عن مجاهدٍ -في قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ - قال: يُحبُّهم ويُحبِّبُهم إلى الناس (١). قال: وحدَّثنا عليُّ بنُ هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن الحَكَم، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابن عباس، قال: يُحِبُّهم وُيحَبِّبُهم (٢). وقال فيما يُعدِّدُ من نِعمتِه على موسى نبيِّه ورسولِه وكليمِه ﵇: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]. ذكَر ابنُ أبي شَيْبة (٣)، عن حسينِ بنِ عليٍّ، عن موسى بن قيس، عن سَلَمةَ بنِ كُهيل: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾، قال: حبَّبْتُك إلى عبادي. وذكر سُنَيْدٌ، قال: حدَّثنا حَجّاجٌ، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أَنَس، قال: إذا أحَبَّ اللَّهُ عبدًا ألقَى له مودّةً في قلوبِ أهلِ السماء، ثم ألقَى له مودةً في قلوبِ أهلِ الأرض.

стр. 7471

قال: وحدَّثنا حمادُ بنُ زيد، عن هشام، عن حفصةَ بنتِ سيرين، عن ربيعِ بنِ زياد، عن كعب، قال: واللَّهِ ما استَقرَّ لعبدٍ ثناءٌ في أهلِ الدُّنيا حتى يَستَقرَّ له في السماء (١). قال: وحدَّثني شيخٌ، عن حمادِ بنِ سَلَمة، عن ثابت البُنانيِّ، عن عبدِ اللَّه بنَ رَبَاح، عن كعبٍ، قال: قرأتُ في التوراة: أنه لم تكنْ محبَّةٌ لأحدٍ من أهلِ الأرض إلا كان بَدؤُها من اللَّه، يُنزِلُها على أهلِ السماء، ثم يُنزِلُها على أهلِ الأرض، ثم قرأتُ القرآن، فوجدتُ فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جَرير، قال: حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا غُندَرٌ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عَمْرِو بنِ مُرَّةَ، عن ابن أبي ليلى، قال: كتب أبو الدرداءِ إلى مَسلَمةَ بنِ مَخْلَدٍ، وهو أميرٌ على مصر: أمّا بعدُ، فإنّ العبدَ إذا عمِل بطاعةِ اللَّه أحبَّه اللَّه، فإذا أحبَّه اللَّهُ حبَّبه إلى خلقِه، وإذا عمِل بمعصيةِ اللَّه أبغَضَه اللَّهُ، وإذا أبْغَضَه اللَّهُ بغَّضه إلى خلقِه (٣).

стр. 7472

قال أبو عُمر: هذا كلامٌ خرجَ على العموم ومعناه الخُصوص، أي: حبَّب أهلَ الطاعة إلى أهلِ الإيمان، وبغَّض إليهم أهلَ النِّفاق والعِصيان، ودليلُ ذلك قولُه ﷺ : "القلوبُ أجنادٌ مجُنَّدةٌ، ما تعارفَ منها ائتلَف، وما تَناكَرَ منها اختلَف". وقال سعيدُ بنُ أبي عَروبة وشَيْبانُ، عن قتادة، قال: قال هرِمُ بنُ حيّان: ما أقْبَل عبدٌ بقلبِه إلى اللَّه، إلا أقبَل اللَّهُ بقلوبِ أهلِ الإيمان عليه حتى يَرْزُقَه مودتَهم ورحمتَهم (١). وقال عبدُ اللَّه بنُ مسعود: لا تسألَنَّ أحدًا عن وُدِّه إيّاك، ولكنِ انظُرْ ما في نفسِك له، فإنّ في نفسِه مثلَ ذلك، إنّ الأرواحَ جنودٌ مجنَّدةٌ، فما تعارَف منها ائتلَف، وما تناكَر منها اختلَف (٢). حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصْر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٣)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ مخلَد، قال: حدَّثنا موسى بنُ يعقوب، قال: حدَّثنا سُهيلُ بنُ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "الأرواحُ جنودٌ مجنَّدةٌ تطوفُ بالليل، فما تعارَف منها ائتلَف، وما تناكَر منها اختلَف" (٤).

стр. 7473

حديثٌ ثانٍ لسُهيل مالكٌ (١)، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رجلًا من أسلمَ قال: ما نِمْتُ الليلةَ، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "ولِمَ؟ "، قال: لدَغَتْني عَقربٌ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أما إنك لو قلتَ حينَ أمسَيتَ: أعوذُ بكلماتِ اللَّه التامّاتِ مِن شرِّ ما خلَق، لم يضُرَّك إن شاء اللَّه". وروَى ابنُ وَهْب هذا الحديثَ عن مالكٍ بإسنادِه مثلَه، إلا أنه قال في آخرِه: "لم يضُرَّك شيءٌ" (٢). قال ابنُ وَهْب: وحدَّثني سعيدُ بنُ عبدِ الرحمن الجُمَحيُّ، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللَّه ﷺ بنحوِ ذلك. قال: وقال سُهيل: فواللَّه لربّما قلتُها فضربَتْني، فما يمنَعُني ذلك من حضورِ العشاء. قال سعيد: وبلَغني أنه مَن قال حينَ يُمسي: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩]. لم تلدَغْه عقربٌ (٣). وفي هذا الحديثِ من الفقهِ أيضًا: أن كلامَ اللَّه غيرُ مخلوق، وعلى ذلك أهلُ السُّنة أجمَعون، وهم أهلُ الحديثِ والرأي في الأحكام، ولو كان كلامُ

стр. 7474

اللَّه أو كلماتُ اللَّه مخلوقةً ما أمَر رسولُ اللَّه ﷺ أحدًا أن يستعيذَ بمخلوقٍ؛ دليلُ ذلك قولُ اللَّه : ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]. وفيه: إباحةُ الرُّقَى بكتابِ اللَّه أو ما كان في معناه من ذكر اللَّه، وفي ذلك دليلٌ على إباحةِ المعالجةِ والتطبُّبِ والرُّقَى، وقد مهَّدنا هذا المعنى في بابِ زيدِ بنِ أسلم (١)، وتكرَّر في مواضعَ من هذا الكتاب، والحمدُ للَّه.

стр. 7475

حديثٌ ثالثٌ لسُهيل بن أبي صالح مالكٌ (١)، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح السَّمّان، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إذا رأيتَ الرجلَ يقول: هلَك الناسُ فهو أهلكُهُم". هذا معناه عندَ أهلِ العلم أن يقولَها الرَّجلُ احتقارًا للناس وإزراءً عليهم وإعجابًا بنفْسِه، وأمّا إذا قال ذلك تأسُّفًا وتحزُّنًا وخوفًا عليهم؛ لقَبِيحِ ما يَرى من أعمالِهم، فليس ممّن عُنِيَ بهذا الحديث. والفرقُ بين الأمرَين: أن يكونَ في الوجه الأول راضيًا عن نفسِه مُعجَبًا بها، حاسدًا لمَنْ فوقَه، محتقِرًا لمَنْ دونَه، ويكونَ في الوجه الثاني ماقتًا لنفسِه، موبِّخًا لها، غيرَ راضٍ عنها. رَوَيْنا عن أبي الدّرداء ﵀، أنه قال: لن يَفقهَ الرَّجلُ كلَّ الفقهِ حتّى يمقُتَ الناسَ كلَّهم في ذاتِ اللَّه، ثم يعودَ إلى نفسِه فيكونَ لها أشدَّ مقتًا (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا عبدُ الجبارِ بنُ يحيى الرمليُّ، قال: حدَّثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعة، عن صدقةَ بنِ يزيدَ، عن صالح بنِ خالد، قال: إذا أردتَ أن تعملَ من الخيرِ شيئًا فأنزلِ الناسَ منزلةَ البقر، إلا أنك لا تحقِرُهم (٣).

стр. 7476

قال أبو عُمر: معنى هذا، واللَّهُ أعلم، أي: لا تلتمِسْ من أحدٍ فيه شيئًا غيرَ اللَّه، وأخلِصْ عملَك له وحدَه، كما أنك لو اطَّلع عليك البقرُ وأنت تعمَلُه لم ترْجُ منها عليه شيئًا، فكذلك لا ترجو من الآدميِّين. ثم بيَّن لك المعنَى فقال: إلا أنك لا تحْقِرُهم. وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جَرير، قال: حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا حَكّامٌ، عن أبي سِنان، عن حَبيبِ بنِ أبي ثابت، عن يحيى بن جَعدةَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ في حديثٍ ذكَره: "إنما الكِبرُ مَن غَمِصَ الحقَّ، وحقَر النّاسَ". هكذا قال: "وحقَر النّاسَ" (١). وذكر ابنُ المبارك، عن عبدِ اللَّه بنِ مُسْلم بنِ يَسار، عن أبيه، قال: إذا لبِستَ ثوبًا فظنَنت أنكَ في ذلك الثوبِ أفضلُ منك في غيرِه، فبئسَ الثوبُ هو لكَ (٢). وقال مُسلمُ بنُ يسار: كفَى بالمرء من الشرِّ أن يرَى أنه أفضلُ من أخيه.

стр. 7477

حديثٌ رابعٌ لسُهيل مالكٌ (١)، عن سُهَيل بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "مَن حلَفَ على يمينٍ فرَأى غيرَها خيرًا منها، فلْيُكفِّرْ عن يمينِه، ولْيفعَلِ الذي هو خيرٌ". لم يختلفِ الرواةُ عن مالكٍ في شيءٍ من هذا الحديث (٢)، ولا اختُلِفَ على سُهَيلٍ في ذلك أيضًا. وقد روَى هذا المعنى عن النبيِّ ﷺ جماعةٌ من أصحابه؛ منهم: عبدُ الرحمن بنُ سَمُرة، وأبو موسى الأشعريُّ، وعَدِيُّ بنُ حاتم (٣)، وأبو هريرة، إلا أنهم اختُلِفَ عن جميعِهم في هذا الحديث في الكفارةِ قبلَ الحِنْث، أو الحِنْث قبلَ الكفارة: فرُوِيَ عن كلِّ واحدٍ منهم الوجهان جميعًا. واختَلفَ الفقهاءُ في جوازِ الكفار قبلَ الحِنْثِ -على ما نذكُرُه في هذا الباب بعدَ ذكرِ ما حضَرني من الآثارِ فيه- وأجمَعوا على أنَّ الحِنْثَ قبلَ الكفارةِ مباحٌ حسنٌ جائزٌ، وهو عندَهم أوْلى.

стр. 7478

حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسم ﵀، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ جعفرِ بنِ الوَرْد، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بنُ محمدٍ العُمَريُّ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قالا: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ الزُّبيريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمدٍ الدَّراوَرْديُّ، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عُمر، عن يونُسَ بنِ عُبيد، عن الحَسَنِ البصريِّ، عن عبدِ الرحمن بنِ سَمُرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "يا عبدَ الرحمنِ بنَ سَمُرةَ، لا تَسَلِ الإمارةَ، فإنَّك إنْ تُعْطَها عن مسألةٍ لا تُعانُ عليها، وإن تُعْطَها عن غيرِ مسألةٍ تُعانُ (١) عليها، وإذا حلَفْتَ على يمينٍ فرأيتَ خيرًا منها فكفِّرْ عن يمينِك وائْتِ الذي هو خيرٌ منها" (٢). فهذا على مثلِ ما في حديثِ سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ جوازِ تقديم الكفارةِ على الحِنْث. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ جعفرِ بنِ إبراهيمَ الزيّاتُ أبو أحمد، قال: حدَّثنا يوسُفُ بنُ يزيد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا

стр. 7479

هُشَيمٌ، قال: أخبرنا يونسُ ومنصورٌ وحميدٌ، عن الحسن، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سَمُرةَ القُرشيِّ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "يا عبدَ الرحمنِ بنَ سَمُرة، إذا آليتَ على يمينٍ فرأيتَ غيرَها خيرًا منها، فائْتِ الذي هو خيرٌ, وكفِّرْ عن يمينِك". قال: "ولا تسألنَّ الإمارة، فإنَّك إنْ أُعطِيتَها عن مسألةٍ وُكِلْتَ إليها -أو: وُكِلْتَ فيها إلى نفسِك- وإنْ أُعطيتَها عن غيرِ مسألةٍ أُعنتَ عليها" (١). ففي هذا الحديثِ عن عبدِ الرحمن بنِ سَمُرةَ خلافُ ما تقدَّمَ، وأظنُّ ذلك -واللَّهُ أعلمُ- لأنَّ الحديثَ الأولَ من روايةِ أهلِ المدينةِ عن أهلِ البصرة، فجاؤوا به على مذهبِهم في ذلك، والحديثَ الثانيَ من روايةِ أهلِ البصرةِ بعضِهم عن بعض، فجاؤوا به على مذهبِهم أيضًا، وروايةُ أهلِ المدينةِ في هذا أثبتُ وأكثرُ، وما أظنُّ حديثَ هُشَيم هذا إلا وهمًا؛ لأنَّ عُبيدَ اللَّه بنَ عُمرَ أثبتُ منه. وقد روَى حمادُ بنُ سلَمةَ عن يونُس، عن الحسنِ، خلافَ ما رواه هُشَيمٌ عن يونسَ، وروايةُ حمادِ بنِ سلمةَ توافقُ روايةَ عبيدِ اللَّه بنِ عُمر: وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا حَجّاجُ بنُ مِنْهال، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلَمة، عن يونسَ وحميدٍ وثابتٍ وحبيبٍ، عن الحسن، عن عبدِ الرحمن بنِ سَمُرة، أنَّ

стр. 7480

النبيَّ ﷺ قال: "يا عبدَ الرحمن بنَ سَمُرة، إذا حلَفتَ على يمينٍ فرأيتَ غيرَها خيرًا منها، فكفِّرْ عن يمينِك، وائْتِ الذي هو خيرٌ" (١). فهؤلاء كلُّهم على تقديم الكفارةِ قبلَ الحِنْث، وكذلك رواه قتادةُ، عن الحسن، عن عبدِ الرحمن بنِ سَمُرة؛ ذكَره أبو داود (٢)، عن يحيى بنِ خلَف، عن عبدِ الأعلى، عن سعيد، عن قتادة. وكذلك رواه سليمانُ التَّيْميُّ، عن الحسن، عن عبدِ الرحمن بن سَمُرة، حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُضَرُ (٣)، قال: حدَّثنا أُميّةُ بنُ بِسطام، قال: حدَّثنا المعتمِرُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ أبي (٤). وكذلك رواه قُرَّةُ بنُ خالد، عن الحسن، عن عبدِ الرحمن بنِ سَمُرة، حدَّثناه عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا قُرَّةُ (٥). وكذلك رواه حمادُ بنُ زيد، عن يونُس وهشام وسماكِ بنِ عطيّة، عن الحسن، عن عبدِ الرحمن بنِ سَمُرة؛ حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيان،

стр. 7481

قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبيد، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد (١). ورواه ابنُ عون، عن الحسن، عن عبدِ الرحمن بنِ سَمُرة، فجعَل الحِنْثَ قبلَ الكفّارة (٢). وأمّا روايةُ أبي موسى الأشعريِّ، فأحسنُ ما فيها وأصحُّه تقديمُ الكفّارةِ قبلَ الحِنْث. حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا سُليمانُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا حمّادُ، قال: حدَّثنا غَيْلانُ بنُ جرير، عن أبي بُردةَ بن أبي موسى، عن أبيه، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنِّي واللَّه، إن شاءَ اللَّهُ، لا أحلِفُ على يمينٍ فأرى غيرَها خيرًا منها، إلا كفَّرتُ عن يميني وأتيتُ الذي هو خيرٌ"، أو قال: "أتيتُ الذي هو خير وكفّرتُ عن يميني". قال أبو داود (٤): أحاديثُ أبي موسى الأشعريِّ، وعَدِيِّ بن حاتم، وأبي هريرة، كذا رُوِيَ عن كلِّ واحدٍ منهم في بعض الرواياتِ الكفّارةُ قبلَ الحِنْث، وفي بعض الرواياتِ الحِنْثُ قبلَ الكفارة.

стр. 7482

قال أبو داود (١): وسمِعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقول: إنْ شاءَ كفَّرَ بعدَ الحِنْث، وإن شاءَ كفَّرَ قبلَ الحنث. قال أبو عُمر: وعلى هذا مذهبُ مالك والشافعيِّ وأصحابِهما، وهو الثابتُ في حديثِ عبدِ الرحمن بنِ سَمُرةَ وأبي هريرة، وليس في هذا الباب أعلى منهما، ولا تُقدَّمُ الكفارةُ إلا في اليمينِ باللَّه خاصة. وقال مالكٌ وجمهورُ أصحابِه إلا أشهبَ: من كفَّرَ عن غيرِه بأمرِه أو بغيرِ أمرِه أجزأَه (٢). وقال أشهب: لا يُجزئُه إذا كفَّرَ عنه بغيرِ أمرِه؛ لأنّه لا نيةَ للحالفِ في تلك الكفارةِ. واختاره الأبهريُّ (٣)؛ لأنَّ الكفارةَ فرضٌ لا يتأدَّى إلا بنيةٍ إلى أدائه. وهذا قولُ الشافعيِّ وأكثرِ الفقهاء، وقد ذكَرنا هذه المسألةَ في تكفيرِ الرجلِ عن غيرِه في بابِ ربيعةَ من هذا الكتاب (٤). وكان أبو حنيفةَ وأصحابُه لا يُجيزون الكفّارةَ قبلَ الحِنْث، لأنّها إنما تجِبُ بالحِنْث (٥)، والعَجَبُ لهم أنهم لا تجبُ الزكاةُ عندَهم إلا بتمام مرورِ الحَوْل، ويُجيزون تقديمَها قبلَ الحَوْل من غيرِ أنْ يَرْووا في ذلك مثلَ هذه الآثار، ويأبَون

стр. 7483

من تقديم الكفارةِ قبلَ الحِنْثِ معَ كثرةِ الروايةِ بذلك. والحُجّةُ في السُّنة، ومن خالَفها محجوجٌ بها، واللَّهُ المستعان. وأمّا الأَيْمانُ؛ فمنها ما يُكفَّرُ بإجماع، ومنها ما لا كفّارةَ فيه بإجماع، ومنها ما اختُلف في الكفّارة فيه؛ فأما التي فيها الكفّارة بإجماع من علماءِ المسلمين، فهي اليمينُ باللَّه على المستقبَل من الأفعال؛ وهي تنقسمُ قسمين: أحدُهما: أن يحلفَ باللَّه لَيفعَلَنَّ، ثم لا يفعَلُ. والآخر: أن يحلفَ ألَّا يفعَلَ في المستقبل أيضًا، ثم يفعَلَ. وأمّا التي لا كفّارةَ فيها بإجماع فاللغوُ، إلا أنَّ العلماءَ اختَلفوا في مرادِ اللَّه من لغوِ اليمينِ التي لا يؤاخِذُ اللَّهُ عبادَه بها ولم يُوجِبِ الكفّارةَ فيها؛ فقال قوم: هو أن يحلِفَ الرجلُ على الماضي في الشيء، يظنُّ أكثرَ ظنِّه أنه كما حلَف عليه، وأنه صادقٌ في يمينِه، ثم ينكشفُ له بخلافِ ذلك. هذا قولٌ رُوِيَ معناه عن جماعةٍ من السلف: أخبرنا عبدُ الوارث (١)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا دُحَيْم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ نافع، قال: حدَّثنا أبو مَعشَر، عن محمدِ بنِ قيس، عن أبي هريرة، قال: إذا حلَف الرجلُ على الشيءِ لا يظنُّ إلا أنه إيّاه، فإذا ليس هو، فهو اللَّغوُ، وليس فيه كفّارة (٢).

стр. 7484

وروَى ابنُ المبارك، عن الحجّاج (١)، عن الوليدِ بنِ العَيْزار، عن عكرمةَ، عن ابن عبّاس -في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]- قال: هو الرجلُ يحلِفُ على الأمرِ يرى أنّه كذلك وليس كذلك. وجاء عن الحسن، وإبراهيم، وسليمانَ بنِ يسار (٢)، ومجاهد، وأبي مالك، وزُرارةَ بنِ أوفى، مثلُ ذلك. وإليه ذهَب مالكٌ وأصحابُه، والأوزاعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه، إلا أنَّ مالكًا وأصحابَه يقولون: إنَّ اللغوَ: أن يحلِفَ على الشيءِ الماضي يوقنُ أنه كما حلَفَ عليه، ولا يشُكُّ فيه، فإنْ شكَّ فيه، فهي عندَهم يمينٌ غَموسٌ حنيئذٍ، لا كفّارةَ فيها؛ لعِظَم إثمِها كاليمينِ الغموسِ الكاذبةِ سواءً (٣). وقال آخرون: اللغوُ قولُ الرجل: لا واللَّه، وبلى واللَّه، وهو غيرُ معتقدٍ لليمين، ولا مريدٍ لها. هذا قولُ عائشة (٤) وجماعةٍ من التابعين، وفقهاءِ المسلمين، منهم الشافعيُّ (٥). واختُلفَ عن ابنِ عباس في ذلك؛ فرُوِيَ عنه كقولِ أبي هريرة (٦)، ورُوِي عنه

стр. 7485

كقولِ عائشة (١)، وهو قولُ عطاء، والشَّعبيِّ، والقاسم بنِ محمد، وعِكرمةَ، والحسنِ البصريِّ (٢). وقد رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ في اللَّغو قولٌ ثالث -إن صحَّ عنه- قال: لغوُ اليمين: أن تحلِفَ وأنت غضبان (٣). وقال مسروق: اللغوُ من اليمين: كلُّ يمينٍ في معصيةٍ وليس فيها كفّارة (٤). وقال سعيدُ بنُ جُبير: هو تحريمُ الحلال، مثلَ أن يحلِفَ فيما لا ينبغي له، أو يحرِّمَ شيئًا هو له حَلال، فلا يؤاخذُه اللَّهُ بتركِه، ويؤاخذُه إنْ فعَلَهُ (٥).

стр. 7486

وأما التي اختُلف في الكفّارة فيها، فهي اليمينُ الغَموسُ، وهي: أنْ يحلِفَ الرجلُ على الشيء الماضي وهو يعلمُ أنه كاذبٌ في يمينِه، يتعمَّدُ ذلك (١)؛ فذهَب الأكثرُ من العلماء إلى أنْ لا كفّارةَ فيها على ما ذكَرنا في باب العلاءِ من كتابِنا هذا (٢). وذهَب قومٌ -منهم الشافعيُّ والأوزاعيُّ (٣) - إلى أنَّ فيها الكفّارةَ. وقال ابنُ خَوَيْزمَنْداد حاكيًا عن أصحابِ مالكٍ ومذهبِه: الأيمانُ عندَنا ثلاثة؛ لغوٌ، وغَموسٌ لا كفّارةَ فيهما، ويمينٌ معقودةٌ فيما يُستقبَلُ، فيها الاستثناءُ والكفّارة. قال: وصفةُ اللَّغوِ أنْ يحلِفَ الرجلُ على الماضي أو الحالِ في الشيءِ يظنُّ أنه صادق، ثم ينكشِفُ له بخلافِ ذلك، فلا كفّارةَ عليه. قال: والغَموسُ هو: أن يعمِدَ للكذبِ في يمينِه على الماضي. قال: ولا لغوَ في عتقٍ ولا طلاق، وإنما اللغوُ في اليمينِ باللَّه، وفيها الاستثناء. قال: وقال أبو حنيفة والثوريُّ والليثُ والطبريُّ بقولنا؛ أنْ لا كفارةَ في الغَموس. قال: وقال الأوزاعيُّ والشافعيُّ: في الغموسِ الكفّارةُ (٤). وقال الشافعيُّ: اللَّغوُ: سبقُ اللسانِ باليمينِ من غيرِ قصدٍ ولا اعتقادٍ، وذلك سواءٌ في الماضي والمستقبَل. قال الشافعيُّ: ولو عقَد اليمينَ على شيءٍ يظنُّه

стр. 7487

صِدقًا، فانكشَفَ له خلافُ ذلك، فإنَّ عليه الكفّارةَ، وسواءٌ في ذلك الماضي والمستقبَل (١). قال أبو عُمر: اختلافُ السلفِ في اللغوِ على أربعةِ أقاويل: أحدُها: قولُ مالكٍ ومَنْ قال بقوله في الرَّجل يحلِفُ على الشيءِ يرَى أنّه كذلك وليسَ كذلك، على ما تَقَدَّم. وقال بعضهم: هي اليمينُ في الغَضَب. وقال بعضُهم: هي اليمينُ في المَعْصية. وقال بعضُهم: هو قولُ الرجل: لا واللَّه، وبلى واللَّه من غيرِ اعتقادِ يمين، وهو قولُ عائشةَ وابنِ عباس في رواية، وإليه ذهَب الشافعيّ. وقال الثوريُّ في "جامعه" -وذكَره المَرْوزيُّ (٢) عنه أيضًا-: قال سفيانُ الثوريُّ: الأيمانُ أربعةٌ؛ يمينان تُكفَّران، وهو أن يقولَ الرجل: واللَّه لا أفعَلُ فيفعَلُ، أو يقول: واللَّه لأفعَلَنَّ ثم لا يفعَلُ. ويمينان لا تُكفَّران؛ أن يقول: واللَّه ما فعَلتُ، وقد فعَل، أو يقول: واللَّه لقد فعَلتُ، وما فعَل. قال المَرْوَزيُّ: أمّا اليمينان الأولتان، فلا اختلافَ فيهما بينَ العلماء أنه على ما قال سفيانُ، وأما اليمينان الآخرتان، فقد اختَلف أهلُ العلم فيهما؛ فإنْ كان الحالفُ على أنه لم يفعَلْ كذا وكذا، أو أنه قد فعَل كذا وكذا، عندَ نفسِه صادقًا يرى أنه على ما حلَف عليه -فلا أثمَ عليه (٣) في قول مالك، وسفيان، وأصحاب الرأي. وكذلك قال أحمدُ، وأبو عبيد، وأبو ثور. وقال الشافعيُّ: لا إثمَ عليه، وعليه الكفّارةُ. قال المَرْوَزيُّ: وليس قولُ الشافعيِّ في هذا بالقويّ.

стр. 7488

قال: وإنْ كان الحالفُ على أنه لم يفعَلْ كذا (١)، وقد فعَل كذا، متعمِّدًا للكذب، فهو آثمٌ ولا كَفّارةَ عليه في قولِ عامةِ العلماء؛ مالك، وسفيان، وأصحاب الرأي، وأحمدَ بنِ حنبل، وأبي ثور، وأبي عُبيد، وكان الشافعيُّ يقول: يكفِّرُ. قال: وقد رُوِيَ عن بعضِ التابعين مثلُ قولِ الشافعيّ. قال المَرْوَزيُّ: أميلُ إلى قولِ مالك (٢)، وسفيان، وأحمد. قال: وأمّا يمينُ اللغوِ التي اتَّفقَ عامةُ العلماء على أنها لغوٌ، فهو قولُ الرجل: لا واللَّه، وبلى واللَّه في حديثِه وكلامِه غيرَ معتقدٍ لليمينِ ولا مُريدِها. قال أبو عُمر: قد مضَى من قولِه وحكايتِه عن مالك، وسفيان، وأصحاب الرأي، وأحمد، وأبي عبيد، وأبي ثور، في معنى اللغوِ غيرُ هذا، والذي حكاه في الوجهين جميعًا في اللغوِ صحيحٌ، والذي عليه أكثرُ العلماءِ ما ذُكِر آخِرًا، وهو قولُ عائشةَ وابنِ عباس. وقد مضَى في اليمينِ الغموسِ من كشفِ مذهبِ الشافعيِّ وسائرِ العلماءِ في ذلك ما فيه كفايةٌ وبيان، في بابِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمن من كتابِنا هذا (٣)، فلا معنى لتكريرِ ذلك ها هنا، وباللَّه التوفيقُ والرشادُ لا شريكَ له. وذكَر ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يونُس، عن ابن شهاب، أنَّ عُروةَ بنَ الزُّبير حدَّثه أنَّ عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ قالت: أيمانُ اللغوِ ما كان في المراءِ والهزلِ في المزاحةِ والحديثِ الذي لا يَعْقِدُ عليه القلبُ، وأيمانُ الكفّارةِ كلُّ يمينٍ حلفَ

стр. 7489

فيها على وجهٍ من الأمر في غضبٍ أو غيرِه؛ ليفعَلَنَّ أو ليترُكنَّ. فذلك عقدُ الأيمانِ التي فرَض اللَّهُ فيها الكفّارة (١). قال ابنُ شهاب: قال اللَّه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. وسئل عن الأيمانِ: ما توكيدُها؟ فقال: توكيدُها ما حلَف عليه الرجلُ أن يفعَلَه جادًّا، ففي تلك الكفّارة، وما كان من يمينٍ لغو، فإنَّ اللَّهَ قد عفا عنها. وذكَر بقيٌّ، عن وَهْب، عن خالد، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ: لغوُ اليمين أن يقولَ: لا واللَّه، وبَلَى واللَّه؛ صِلةَ الحديث (٢). قال: وحدَّثنا هنّادٌ، عن أبي الأحوص، عن مغيرة، عن الشعبيِّ، قال: اللغوُ قولُ الرجل: لا واللَّه، وبَلَى واللَّه؛ يصلُ بها كلامَه، ما لم يكنْ شيءٌ يعقِدُ عليه قلبَه (٣). وهو قولُ عكرمة، وأبي صالح، وأبي قلابة، وطائفة (٤). وكان (٥) سعيدُ بنُ جبيرٍ يذهبُ إلى أنَّ اللغوَ أن يحلِفَ الرجلُ فيما لا ينبغي

стр. 7490

له أن يحلفَ عليه؛ مثلَ: أن يحرِّم شيئًا هو له حلال، فلا يؤاخذُه اللَّه بتركِه، ولكن يؤاخذُه إنْ فعلَه. رواه شعبةُ عن أبي بشرٍ عنه (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ يعقوبَ بن جَهْوَر، قال: حدَّثنا أبو أميّةَ محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه ابنِ كُناسَة، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان أبي لا يحنَثُ حتى نزَلتْ كفّارةُ اليمين (٢). واختلفوا في الكفّارة إذا ماتَ الحالفُ؛ فقال الشافعيُّ وأبو ثور: كفّاراتُ الأيمانِ تُخرَجُ من رأسِ مالِ الميِّت (٣). وقال أبو حنيفة: تكونُ في الثُّلُث. وكذلك قال مالكٌ إنْ أوْصَى بها (٤).

стр. 7491

حديثٌ خامسٌ لسُهيل مالكٌ (١)، عن سُهَيل بن أبي صالح السَّمّان، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ سعدَ بنَ عبادةَ قال لرسول اللَّه ﷺ : أرأيتَ لو أنّي (٢) وجَدتُ مع امرَأتي رجلًا، أأُمهِلُه حتى آتي بأربعةِ شهداء؟ قال: "نعم". قال أبو عُمر: في هذا الحديث النهيُ عن قتلِ مَن هذه حالُه، تعظيمًا للدم، وخوفًا من التطرُّق إلى إراقةِ دماءِ المسلمين بغير ما أباحَها اللَّهُ به من البيِّنات أو الإقرارِ الذي يقامُ عليه، وسدًّا لبابِ الافتِئاتِ على السلطانِ في الحدودِ التي جُعلتْ في الشريعةِ إليه، وأُمِر فيها بإقامةِ الحقِّ على الوجوه التي ورَد التوقيفُ بها، وقد مضَى في غيرِ موضع من كتابِنا هذا ذكرُها. وثبَت عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لو أُعطِيَ قومٌ بدعواهم، لادَّعى أقوامٌ دماءَ أقوام وأموالَهم" (٣). وروَى مالكٌ (٤) ﵀، عن يحيى بن سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أن رجلًا من أهلِ الشام يُدعَى: ابنَ خَيْبَريٍّ، وجَد مع امرأتِه رجلًا، فقتَله، أو قَتَلَها، فأشكَل على معاويةَ القضاءُ فيه، فكتَب إلى أبي موسى الأشعريِّ يسألُ له عليَّ بنَ أبي طالب، فسأل أبو موسى عن ذلك عليَّ بنَ أبي طالب، فقال له عليُّ بنُ أبي طالب:

стр. 7492

إنَّ هذا لشيءٌ ما هو بأرضي، عزَمتُ عليك لَتُخبِرَنِّي، فقال أبو موسى: كتَب إليَّ معاويةُ بنُ أبي سفيانَ: أسألُك عن ذلك. فقال عليٌّ: أنا أبو الحسن، إن لم يأتِ بأربعةِ شهداءَ فليُعطَ برُمَّتِه (١). فأدخل مالكٌ في "موطئه" قولَ عليٍّ هذا بأثَرِ حديثِه المسنَدِ عن سُهيلٍ تفسيرًا له، وكشفًا عن معناه، وعملًا به، ولم يَزِدْ على ذلك في بابه، وهو كافٍ على ما وصَفنا، وعلى ذلك جمهورُ العلماء. وزعَم أبو بكرٍ البزّارُ أن مالكًا انفرَد بحديثه عن سُهيلٍ في هذا الباب، وأنه لم يَروِه غيرُه، ولا تابَعه أحدٌ عليه. وأظنُّه لما رَأى حمادَ بنَ سلمةَ قد أرسَله وأسنَده مالكٌ، ظنَّ أنه انفَرد به، وليس كما ظنَّ البزّارُ. وقد رواه سليمانُ بنُ بلال، عن سُهيلٍ مسنَدًا، عن أبيه، عن أبي هريرةَ كما رواه مالكٌ، ورواه الدَّراوَرْديُّ أيضًا عن سُهيل بإسنادِه نحوَ روايةِ سليمانَ بن بلال: حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ مَخلد، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ بلال، قال: حدَّثني سهيلُ بنُ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال سعدُ بنُ عبادةَ لرسولِ اللَّه ﷺ : لو وجَدتُ رجلًا مع أهلي لم أقْتُلْه حتى آتيَ بأربعةِ شهداءَ؟ قال رسولُ اللَّه ﷺ : "نعم". قال: لا، والذي بعَثك بالحقِّ،

стр. 7493

إن كنتُ لأُعاجِلُه بالسيفِ قبلَ ذلك. قال رسولُ اللَّه ﷺ : "اسمَعوا إلى ما يقولُ سيدُكم، إنه لَغيورٌ، ولأنا أغيَرُ منه، واللَّهُ أغيرُ منّي" (١) (٢). وذكر مسلمُ بنُ الحجّاج (٣)، قال: حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز، يعني الدَّراوَرْديَّ، عن لمُمهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ سعدَ بنَ عبادةَ الأنصاريَّ قال: يا رسولَ اللَّه، أرأيتَ الرجلَ يجِدُ مع امرأتِه رجلًا، أيقتُلُه؟ قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا"، قال سعد: بلى والذي أكرَمكَ بالحقِّ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "اسمَعوا إلى ما يقولُ سيدُكم". وذكر مسلمٌ (٤) أيضًا حديثَ مالكٍ وحديثَ سليمانَ بنِ بلال، عن سُهيل، على حَسب ما ذكَرناهما ها هنا. وأما حديثُ حمّادِ بنِ سَلَمة، فأخبرناه خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّف (٥)، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عبدِ اللَّه البالسيُّ،

стр. 7494

قال: حدَّثنا الهيثمُ بنُ جميل، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمة، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن سعدِ بنِ عُبادة، أنه قال: يا رسولَ اللَّه، أرأيتَ لو رأيتُ رجلًا مع امرأتي لا أُحَرِّكُه حتى أدعُوَ أربعةً من الشهداء؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "نعم". فقال: والذي أنزَل عليك الكتاب، إذنْ لأُعجِلنَّه بالسيف. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "إن سعدًا لَغيورٌ، وإني لأغيَرُ منه، وإنّ اللَّه لأغيَرُ منا" (١). قال أبو عُمر: يريد، واللَّه أعلم، أن الغيرةَ لا تُبيحُ للغيورِ ما حُرِّم عليه، وأنه يلزَمُه مع غَيرتِه الانقيادُ لحكم اللَّه ورسولِه، وألّا يتعدَّى حدودَه، فاللَّهُ ورسولُه أغيَرُ. ولا خلافَ عَلِمتُه بينَ العلماءِ فيمَن قتَل رجلًا ثم ادَّعى أنه إنما قتَله لأنه وجَده مع امرأتِه بينَ فخِذَيها، أو نحوَ ذلك من وجوهِ زِناه بها، ولم يُعلَمْ ما ذكَر عنه إلا بدَعواه، أنه لا يُقبَلُ منه ما ادَّعاه، وأنه يُقتَلُ به، إلا أن يأتيَ بأربعةِ شهداءَ يشهَدون أنهم رأوا وَطْأَه لها، وإيلاجَه فيها، ويكونَ مع ذلك محصَنًا مسلمًا بالغًا، أو مَن يَحِلُّ دمُه بذلك (٢). وفي حديث مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن عليٍّ، في قصةِ ابنِ خَيْبَريٍّ الذي قدّمنا، بيانُ ما وصَفنا، وقد رواه عن يحيى بنِ سعيدٍ كما رواه مالكٌ سواء: معمرٌ، والثوريُّ، وابنُ جريج؛ ذكَره عبدُ الرزاق (٣) عنهم.

стр. 7495

وذكَر عبدُ الرزاق (١)، عن مَعْمَر، عن الزُّهريِّ، قال: سأل رجلٌ النبيَّ ﷺ ، فقال: رجُلٌ يجدُ مع امرأتِه رجلًا، أيقتُلُه؟ فقال النبيُّ ﷺ : "لا، إلا بالبيِّنة". فقال سعدُ بنُ عبادة: وأيُّ بينةٍ أبينُ من السيف؟ فقال النبيُّ ﷺ : "ألا تسمَعون ما يقولُ سيدُكم؟ ". قالوا: لا تلُمْه يا رسولَ اللَّه؛ فإنه رجلٌ غيورٌ، واللَّه ما تزوَّج امرأةً قطُّ إلا بِكْرًا، ولا طلَّق امرأةً قطُّ، فاستَطاع أحدٌ منّا أن يتزوَّجَها. فقال النبيُّ ﷺ : "يأبَى اللَّهُ إلّا بالبيِّنة". قال (٢): وأخبرنا مَعْمَر، عن كثيرِ بنِ زياد، عن الحسنِ، في الرجل يجدُ مع امرأتِه رجلًا، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "كفى بالسيف شا"، يريدُ أن يقول: شاهدًا فلم يُتِمَّ الكلمةَ حتى قال: "إذن يَتَتايعَ فيه السَّكرانُ والغَيرانُ". فسَّر أبو عُبيدٍ (٣) التتايُعَ؛ قال: التهافُتُ وفعلُ الشيء بغيرِ تثبُّت. وذكر عبدُ الرزاق (٤)، عن معمَر، عن أيوب، عن عكرمةَ، قال: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]، قال سعدُ بنُ عبادة: أي لُكَعُ، إن تفخَّذها رجلٌ فذهَبتُ أن أجمعَ الشهداء، لم أجمَعْهم حتى يقضيَ حاجتَه! فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "ألا تسمَعون إلى قول سيِّدِكم؟ ". وذكَر معنى حديثِ ابنِ شهابٍ إلى آخرِه، وقال: فقال النبيُّ ﷺ : "لا، إلا بالبيِّنةِ التي ذكَر اللَّه". وقد روَى أهلُ العراق في هذه المسألةِ، عن عمرَ بنِ الخطاب، أنه أهدَر دمَه (٥). ولم يصحَّ، وإنما يصحُّ عن عمرَ أنه أهدَر دمَ الذي أراد اغتصابَ الجاريةِ

стр. 7496

الهُذَليةِ نفسِها، فرمَتْه بحجر، ففضَّتْ كبِدَه، فمات، فارتفَعوا إلى عمر، فقال: ذلك قتيلُ اللَّه، واللَّه لا يُودَى أبدًا (١). ذكَره معمرٌ، عن الزهريِّ، عن القاسم بنِ محمد، عن عُبيدِ بنِ عُمير. قال الزهريُّ: ثم قضَت القضاةُ بعدُ بأن يُودَى (٢). قال أبو عُمر: ففي هذا جاء عن عمرَ أنه أهدَر دمَه؛ لأنها دفَعته عن نفسِها، فأتَى دفعُها على رُوحِه، لا في الذي وجَد مع امرأتِه رجلًا. وقد روَى الثوريُّ، عن مغيرةَ بنِ النعمان، عن هانئ بنِ حَرام، أنَّ رجلًا وجَد مع امرأتِه رجلًا فقتَلَهما، فكتَب عمرُ بكتابٍ في العلانيةِ أن أقِيدُوه، وكتابٍ في السِّرِّ أن أعطُوه الديةَ (٣). وهذا لا يصِحُّ مثلُهَ عن عمر، واللَّه أعلم، ولم تكنْ في أخلاقِه المداهنةُ في دينِ اللَّه (٤). وقد روَى هذا الحديثَ قَبِيصةُ بنُ عقبة، عن الثوريِّ، عن المغيرةِ بنِ النعمان، عن مالكِ بنِ أنس (٥)، عن هانئ بنِ حَرَام (٦). وهانئُ بنُ حَرام أو حِزام مجهولٌ، وحديثُه هذا لا حُجَّةَ فيه؛ لضعفِه.

стр. 7497

وذكَر وكيعٌ، عن أبي عاصم (١)، عن الشعبيِّ، قال: كان رجلان أخَوان من الأنصار يقالُ لأحدهما: أشعَثُ، فغزا في جيشٍ من جيوشِ المسلمين. قال: فقالت امرأةُ أخيه لأخيه: هل لك في امرأةِ أخيك، معها رجلٌ يحدِّثُها؟ فصعِد، فأشرَف عليه وهو معها على فراشِها، وهي تنتِفُ له دجاجةً، وهو يقول: وأشعَثَ غرَّه الإسلامُ مني ... خلوتُ بعِرسِه ليلَ التِّمامِ (٢) أبِيتُ على حشاياها ويُمسي ... على دهماءَ لاحِقةِ الحزامِ (٣) كأنَّ مواضعَ الرَّبَلاتِ (٤) منها ... فِئامٌ قد جُمِعْنَ إلى فئامِ قال: فوثَب إليه الرجلُ فضرَبه بالسيفِ حتى قتَله، ثم ألقاه، فأصبَح قتيلًا بالمدينة، فقال عُمر: أنشُدُ اللَّهَ رجلًا كان عندَه من هذا عِلمٌ إلا قام به. فقام رجلٌ، فأخبَره بالقصة، فقال: سُحْقٌ وبُعْدٌ (٥). قال أبو عُمر: هذا خبرٌ منقطعٌ، وليس فيه شهادةٌ قاطعةٌ على معاينةِ القتل، ولا إقرارِ القاتل، فلا حجةَ فيه، وقد روَى هذا الخبرَ ابنُ جريج، عن عبدِ اللَّه بنِ عُبيدِ بنِ عُمير، فجعَله في غير هذه القصة، وأنشَد الأبياتَ:

стр. 7498

وأشعَثَ غرَّه الإسلامُ مني ... لهوتُ بعِرسِه ليلَ التِّمامِ أبِيتُ على ترائبِها ويَطوِي ... على حمراءَ مائلةِ الحزامِ كأنَّ مواضعَ الرَّبَلاتِ منها ... فِئامٌ يَرجِعون إلى فئامِ (١) وقد ذكَر عبدُ الرزاق (٢)، عن ابن جُريج، [قال: أخبرني ابنُ أبي نَجيح] (٣)، عن مجاهد، أنه كان ينكِرُ أن يكونَ عمرُ أهدَر دمَه إلا بالبيِّنة. قال ابنُ جريج: وقال عطاء: لا، إلا بالبيِّنة. وقد جاء عن عمرَ -في رجلٍ وجَد رجلًا في دارِه ملفوفًا في حصيرٍ بعدَ العَتَمة- أنه ضرَبه مئةَ جلدة (٤). وأصَحُّ ما في هذا ما قاله عليٌّ ﵁: إن لم يأتِ بأربعةِ شهداءَ فليُعْطَ برُمَّتِه (٥)، وهو معنى حديثِ النبيِّ ﷺ وقولِه في ذلك: "لا، إلا بالبيِّنة". وعلى هذا جمهورُ الفقهاء. وقد قال ابنُ القاسم في هذه المسألة: لو كان المقتولُ بِكرًا حدُّه الجلد، فقتَله، ثم أتَى بأربعةِ شهداءَ أنهم رأوا ذلك كالمِروَدِ في المُكْحُلة، قال ابنُ القاسم: يُستحَبُّ في هذا أن تكونَ الدِّيةُ على القاتلِ في مالِه، يؤدِّيها إلى أولياءِ المقتول. وغيرُه يرَى عليه في ذلك القَوَد؛ لأنه قتَل مَن لم يجِبْ عليه القتل.

стр. 7499

وذكَر عبدُ الرزاق (١) عن الثّوريِّ، قال: إذا قطَعَ رجلٌ يدَ السارق، أو قتَلَ الزانيَ قبلَ أنْ يبلُغَ السُّلطانَ؛ فعلَيه القِصاصُ. وليس على الزاني والسارقِ غيرُ ذلك، قد أُخِذَ منهُما الذي كان عليهما، قال: وإذا قُتِلَ المُرتَدُّ قبلَ رفْعِه إلى السُّلطان، فليس على قاتِلِه شيءٌ. وقال مَعمَرٌ، عن الزُّهريِّ، فيمَن افْتَأَتَ على السُّلطانِ في حدٍّ: عليه العُقوبةُ ولا يُقتَل (٢). قال أبو عُمر: قولُ مالكٍ وأصحابِه وأكثرِ الفقهاءِ في هذا كقول الزُّهريِّ، وليس هذا البابُ موضِعَ ذِكْرِ هذه المسألة، وقد ذكرْنا منها ما فيه -والحمدُ للَّه- كفايةٌ وشفاءٌ، وقد مضى القولُ في أحكام اللِّعان ممَهَّدًا في باب ابنِ شهاب، وباب نافعٍ من هذا الكتاب، والحمدُ للَّه (٣).

стр. 7500

حديثٌ سادسٌ لسُهَيل مالكٌ (١)، عن سهيلِ بنِ أبي صالح السَّمّان، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إذا توضَّأ العبدُ المسلمُ -أو المؤمنُ- فغسَل وجهَه خرجَتْ من وجْهِه كلُّ خطيئةٍ نظَر إليها بعينَيْه مع الماء -أو: مع آخرِ قَطْرِ الماء، أو نحوَ هذا- فإذا غسَل يدَيْهِ خرجَتْ من يدَيْه كلٌّ خطيئةٍ بطَشتهُما يداهُ معَ الماء -أو: مع آخرِ قَطْرِ الماء- حتى يخرُجَ نقيًّا من الذُّنوب". هكذا هو في "الموطأ" في هذا الحديث: "بطَشتْهما يداهُ" ليحيى وغيرِه جماعة، بتثنيةِ الضميرِ المتصلِ بالفعلِ وهو ضميرُ الخطيئة، والخطيئةُ مفردةٌ، وليس بالجيد؛ لأنَّ التثنيةَ إنما هي لليدين لا للخطيئة، ويقال: إنه في روايةِ ابنِ وَهْبٍ (٢) عن مالك كذلك أيضًا. قال أبو عُمر: في روايةِ ابنِ وَهْبٍ عن مالك، في هذا الحديث، زيادةٌ ليست لغيرِه من الرواة عن مالك، وذلك أنّه زاد في هذا الحديثِ ذِكْرَ الرِّجلين، فقال: "إذا غسَل رِجْليه خرَجتْ كلُّ خطيئةٍ مشَتْهما رجلاه مع الماء، أو: مع آخرِ قَطْرِ الماء"، وهكذا قال: "مشَتْهما"، فثنّى أيضًا، ولم يقلْ في شيءٍ من الحديث: "أو نحوَ هذا" (٣). وسائرُ الرواة قالوا في هذا الحديث كما قال يحيى.

стр. 7501

وأما قولُه: "العبدُ المسلمُ - أو: المؤمن " فهو شكٌّ من المحدِّث مَن كان؛ مالكٌ أو غيرُه. وقولُه: "مع الماء، أو: مع آخرِ قَطْرِ الماء" شكٌّ أيضًا من المحدِّث، ولا يجوزُ أن يكونَ ذلك شكًّا من النبيِّ ﷺ (١)، ويُحملُ على الشكِّ في مثل هذه الألفاظِ التَّحرِّي في الإتيانِ بلفظِ الحديث دونَ معناه (٢)، وهذا شيءٌ قد اختلَف فيه السلف، وقد ذكَرنا ما جاء عنهم في ذلك في كتاب "العلم"، والحمدُ للَّه. وفيه من الفقه: تكفيرُ الخطايا بالوضوء، وقد مضى القولُ في هذا المعنَى ممهَّدًا في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ عن عطاءِ بنِ يسار، عن الصُّنابحيِّ (٣)، فلا معنَى لتكريرِ ذلك هاهنا، ومعاني هذا الحديثِ كلُّها قد مضَى القولُ فيها هناك، وباللَّه التوفيق.

стр. 7502

حديثٌ سابعٌ لسُهَيل مالكٌ (١)، عن سُهَيل بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "تُفتَحُ أبوابُ الجنةِ يومَ الاثنين ويومَ الخميس، فيُغفَرُ لكلِّ عبدٍ مُسلم لا يُشرِكُ باللَّه شيئًا، إلَّا رجلًا كانت بينَه وبينَ أخيه شحناءُ، فيقال: أنظِروا هذينِ حتى يَصطلِحا، أنظِروا هذَينِ حتّى يَصطلِحا". في هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الجنةَ مخلوقة، وأنَّ لها أبوابًا، وقد جاءَ في الآثارِ الصِّحاحِ أنَّ لها ثمانيةَ أبواب. وقد ذكَرنا ذلك في بابِ ابنِ شهاب، عن حميدِ بنِ عبدِ الرحمن، من هذا الكتابِ من طُرقٍ شتّى (٢)، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهنا. وفيه: أنَّ المغفرةَ لا تكونُ إلا للعبدِ المُسلم الذي لا يُشرِكُ باللَّه شيئًا، قال اللَّهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وفيه: أنَّ المُهاجَرةَ والعداوةَ والشحناءَ والبغضاءَ من الذُّنوب العِظام، والسيِّئاتِ الجِسام، وإن لم تكنْ في الكبائر مذكورة، ألا ترَى أنه استثنَى في هذا الحديثِ غُفرانَها وخصَّها بذلك؟ وقد بيّنّا الوجهَ في الهجرة، وما يجوزُ منها وما لا يجوز، وكيف المخرَجُ والتوبةُ منها، في بابِ ابنِ شهاب، عن أنسٍ، وغيرِه من هذا الكتاب (٣). وفيه: أنَّ الذنوبَ إذا كانت بينَ العبادِ فوقَعت بينَهم فيها المغفرةُ والتجاوزُ والعفو، سقَطَت المطالبةُ بها من قبلِ اللَّه ، ألا ترَى إلى قوله: "حتى

стр. 7503

يَصطلِحا؟ " فإذا اصْطلَحا غُفِر لهما ذلك وغيرُه من صغائرِ ذنوبِهما بأعمالِ البِرِّ؛ من الطهارة، والصلاة، والصيام، والصدقة. وفيه: دليلٌ على فضلِ يوم الاثنينِ والخميسِ على غيرِهما من الأيام، وكان رسولُ اللَّه ﷺ يصومُهما ويَندُبُ أمَّتَه إلى صيامِهما، وكان يَتحرَّاهما بالصيام (١). وأظنُّ هذا الخبرَ إنما توجَّه إلى أُمّةٍ وطائفةٍ كانت تصومُهما تأكيدًا على لزوم ذلك، واللَّهُ أعلم. ووُلِد رسولُ اللَّه ﷺ يومَ الاثنين، وتُنُبَّئ يومَ الاثنين، ودخَل المدينةَ يومَ الاثنين، وتوفِّي يومَ الاثنين ﷺ (٢).

стр. 7504

حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عبد اللَّه وأبو عَوانة قالا: حدَّثنا سُهيلُ بنُ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "تُفتَح أبوابُ الجنّةِ كلَّ يوم اثنينِ وخميسٍ فيُغفَرُ لكلِّ عبدٍ لا يُشركُ باللَّه شيئًا، إلّا رجلًا كانت بينَه وبينَ أخيهِ شحناءُ، فيقال: انظِروا هذَين حتّى يصْطَلِحا".

стр. 7505

حديثٌ ثامنٌ لسُهَيل مالكٌ (١)، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ضافَه ضيفٌ كافر، فأمَر له رسولُ اللَّه ﷺ بشاةٍ فحُلِبَتْ فشَرِب حِلابَها، ثم أُخرى فشرِبَه، ثم أُخرى فشرِبَه، حتّى شرِبَ حِلابَ سبعِ شِياه، ثم إنه أصبَح فأسلَم، فأمَر له رسولُ اللَّه ﷺ بشاةٍ فحُلِبَتْ فشرِبَ حِلابَها، ثم أمَر بأُخرى فلمْ يَستَتِمَّها، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ المُسلمَ (٢) يشرَبُ في مِعًى واحد، والكافرُ يشرَبُ في سبعةِ أمعاء". هذا الحديثُ ظاهرُه العموم، والمرادُ به الخصوص، وهو خبرٌ خرَج على رجلٍ بعينِه كافرٍ ضافَ رسولَ اللَّه ﷺ فعَرض له معه ما ذُكِر في هذا الحديث، فأخبَر رسولُ اللَّه ﷺ عنه بأنه إذ كان كافرًا كان يأكُلُ في سبعةِ أمعاء، ولمّا أسلَم أكَل في مِعًى واحد. والمعنَى في ذلك أنه كانَ إذ كان كافرًا رجلًا أكُولًا أجوفَ لا يقومُ به شيءٌ في أكْلِه، فلمّا أسلَم بُورِك له في إسلامِه، فنزَع اللَّهُ من جوفِه ما كان فيه من الكَلَب (٣) والجُوع وشدةِ القوةِ على الأكل، فانصَرفتْ حالُه إلى سُبُع ما كان يأكُلُ إذ كان كافرًا، فكأنه إذ كان كافرًا يأكُلُ سبعةَ أمثالِ ما كان يأكلُ بعدَ ذلك إذ أسلَم، واللَّهُ أعلم. وقد رُوِيَ أنَّ هذا الرجلَ الذي أضاف رسولَ اللَّه ﷺ وعرَض له معه ما ذُكِر في هذا الحديث، هو جَهْجاهُ بنُ سعيدٍ الغِفاريُّ، وقد ذكَرناه وذكَرنا خبرَه في كتاب "الصحابة" (٤).

стр. 7506

ومن طُرق حديثه ما حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (١): حدَّثنا زيدُ بنُ الحُباب، قال: حدَّثنا موسى بنُ عُبيدة، قال: حدَّثنا عبيدُ اللَّه بنُ أبي عبدِ اللَّه الأغَرُّ، عن عطاءِ بنِ يسار، عن جَهْجاهٍ الغِفاريِّ، أنه قدِم في نفرٍ من قومِه يُريدون الإسلام، فحضَروا مع رسولِ اللَّه ﷺ المغربَ، فلمّا سلَّم قال: "يأخُذُ كلُّ رجلٍ منكم بيَدِ جليسِه"، فلم يَبقَ في المسجدِ غيرُ رسولِ اللَّه ﷺ وغيري، وكنتُ رجلًا عظيمًا طُوالًا لا يُقْدِمُ عليَّ أحدٌ، فذهَب بي رسولُ اللَّه ﷺ إلى منزلِه، فحلَب لي عنزًا فأتَيتُ عليها، حتى حلَب لي سبعةَ أعنُزٍ فأتَيتُ عليها، ثم أُتِيتُ بصَنِيع (٢) بُرمَةٍ فأتَيتُ عليها، فقالت أمُّ أيمن: أجاعَ اللَّهُ مَن أجاعَ رسولَ اللَّه ﷺ هذه الليلة، فقال: "مَهْ يا أُمَّ أيمن، أكَل رِزقَه، ورِزقُنا على اللَّه". فأصبَحوا قُعودًا، فاجتَمع هو وأصحابُه، فجعَل الرجلُ يُخبِرُ بما أتى عليه، فقال جَهْجاهٌ: حُلِبت لي سبعةُ أعنُزٍ فأتيتُ عليها، وصَنِيعُ (٣) بُرْمَةٍ فأتَيتُ عليها، فصلَّوا مع رسولِ اللَّه ﷺ المغربَ فقال: "ليأخُذْ كلُّ رجلٍ منكم جليسَه"، فلم يَبقَ في المسجدِ غيرُ رسولِ اللَّه ﷺ وغيري، وكنتُ رجلًا عظيمًا طويلًا لا يُقْدِمُ عليَّ أحدٌ، فذهَب بي رسولُ اللَّه ﷺ إلى منزلِه، فحُلِبت لي عنزٌ فتروَّيتُ وشبِعتُ، فقالت أمُّ أيمن: يا رسولَ اللَّه، أليس هذا ضيفَنا؟ قال: "بلى"، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنه أكَل في مِعَى مؤمنٍ الليلة، وأكَل قبلَ ذلك في مِعَى كافر، والكافرُ يأكُلُ في سبعةِ أمعاء، والمؤمنُ يأكُلُ في مِعًى واحد".

стр. 7507

قال أبو عُمر: يَحتملُ أنَّ الإشارةَ بالألف واللام (١) في: "الكافر"، و: "المؤمن" في هذا الحديث إلى ذلك الرَّجل بعينِه (٢)، وإنما يحمِلُنا على هذا التأويل؛ لأن المُعاينة، وهي أصَحُّ علوم الحواسِّ، تدفَعُ أن يكونَ ذا عُمومًا في كلِّ كافرٍ ومؤمنٍ، ومعروفٌ من كلام العرب الإتيانُ بلفظِ العُموم والمرادُ به الخصوص، ألا ترى إلى قولِ اللَّه : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. وهذه الإشارةُ في: "النّاسِ" إنّما هي إلى رجل واحدٍ أخبَر أصحابَ محمدٍ ﷺ أنَّ قريشًا جمَعت لهم، وجاءَ اللفظُ كما ترَى على العُموم؟ ومثلُه: ﴿تُدَمِّرُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، و ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ﴾ [الذاريات: ٤٢]، ومثلُ هذا كثيرٌ لا يجهَلُه إلا مَن لا عنايةَ له بالعلم. وقد قيل: إنّه في كلِّ كافر، وإنه -لموضع التسميةِ- يقِلُّ أكلُه، وهذا تدفَعُه المشاهدةُ وعلمُ الضرورة، فلا وجهَ له. وأمّا قولُه في هذا الإسناد: "عُبيد اللَّه الأغرُّ" فليس عُبيد اللَّه يُعرف بالأغرِّ، وإنّما يُعرَف بالأغرِّ أبوه، وهو عُبيدُ اللَّه بنُ سلمانَ الأغرِّ، وهو عُبيد اللَّه بنُ أبي عبدِ اللَّه الأغرِّ، وأبو عبد اللَّه الأغرُّ اسمُه: سلمانُ، واللَّهُ المُستعان.
следующие страницы →