← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7503–7542 · переход к 7508.

стр. 7503

يَصطلِحا؟ " فإذا اصْطلَحا غُفِر لهما ذلك وغيرُه من صغائرِ ذنوبِهما بأعمالِ البِرِّ؛ من الطهارة، والصلاة، والصيام، والصدقة. وفيه: دليلٌ على فضلِ يوم الاثنينِ والخميسِ على غيرِهما من الأيام، وكان رسولُ اللَّه ﷺ يصومُهما ويَندُبُ أمَّتَه إلى صيامِهما، وكان يَتحرَّاهما بالصيام (١). وأظنُّ هذا الخبرَ إنما توجَّه إلى أُمّةٍ وطائفةٍ كانت تصومُهما تأكيدًا على لزوم ذلك، واللَّهُ أعلم. ووُلِد رسولُ اللَّه ﷺ يومَ الاثنين، وتُنُبَّئ يومَ الاثنين، ودخَل المدينةَ يومَ الاثنين، وتوفِّي يومَ الاثنين ﷺ (٢).

стр. 7504

حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عبد اللَّه وأبو عَوانة قالا: حدَّثنا سُهيلُ بنُ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "تُفتَح أبوابُ الجنّةِ كلَّ يوم اثنينِ وخميسٍ فيُغفَرُ لكلِّ عبدٍ لا يُشركُ باللَّه شيئًا، إلّا رجلًا كانت بينَه وبينَ أخيهِ شحناءُ، فيقال: انظِروا هذَين حتّى يصْطَلِحا".

стр. 7505

حديثٌ ثامنٌ لسُهَيل مالكٌ (١)، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ضافَه ضيفٌ كافر، فأمَر له رسولُ اللَّه ﷺ بشاةٍ فحُلِبَتْ فشَرِب حِلابَها، ثم أُخرى فشرِبَه، ثم أُخرى فشرِبَه، حتّى شرِبَ حِلابَ سبعِ شِياه، ثم إنه أصبَح فأسلَم، فأمَر له رسولُ اللَّه ﷺ بشاةٍ فحُلِبَتْ فشرِبَ حِلابَها، ثم أمَر بأُخرى فلمْ يَستَتِمَّها، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ المُسلمَ (٢) يشرَبُ في مِعًى واحد، والكافرُ يشرَبُ في سبعةِ أمعاء". هذا الحديثُ ظاهرُه العموم، والمرادُ به الخصوص، وهو خبرٌ خرَج على رجلٍ بعينِه كافرٍ ضافَ رسولَ اللَّه ﷺ فعَرض له معه ما ذُكِر في هذا الحديث، فأخبَر رسولُ اللَّه ﷺ عنه بأنه إذ كان كافرًا كان يأكُلُ في سبعةِ أمعاء، ولمّا أسلَم أكَل في مِعًى واحد. والمعنَى في ذلك أنه كانَ إذ كان كافرًا رجلًا أكُولًا أجوفَ لا يقومُ به شيءٌ في أكْلِه، فلمّا أسلَم بُورِك له في إسلامِه، فنزَع اللَّهُ من جوفِه ما كان فيه من الكَلَب (٣) والجُوع وشدةِ القوةِ على الأكل، فانصَرفتْ حالُه إلى سُبُع ما كان يأكُلُ إذ كان كافرًا، فكأنه إذ كان كافرًا يأكُلُ سبعةَ أمثالِ ما كان يأكلُ بعدَ ذلك إذ أسلَم، واللَّهُ أعلم. وقد رُوِيَ أنَّ هذا الرجلَ الذي أضاف رسولَ اللَّه ﷺ وعرَض له معه ما ذُكِر في هذا الحديث، هو جَهْجاهُ بنُ سعيدٍ الغِفاريُّ، وقد ذكَرناه وذكَرنا خبرَه في كتاب "الصحابة" (٤).

стр. 7506

ومن طُرق حديثه ما حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (١): حدَّثنا زيدُ بنُ الحُباب، قال: حدَّثنا موسى بنُ عُبيدة، قال: حدَّثنا عبيدُ اللَّه بنُ أبي عبدِ اللَّه الأغَرُّ، عن عطاءِ بنِ يسار، عن جَهْجاهٍ الغِفاريِّ، أنه قدِم في نفرٍ من قومِه يُريدون الإسلام، فحضَروا مع رسولِ اللَّه ﷺ المغربَ، فلمّا سلَّم قال: "يأخُذُ كلُّ رجلٍ منكم بيَدِ جليسِه"، فلم يَبقَ في المسجدِ غيرُ رسولِ اللَّه ﷺ وغيري، وكنتُ رجلًا عظيمًا طُوالًا لا يُقْدِمُ عليَّ أحدٌ، فذهَب بي رسولُ اللَّه ﷺ إلى منزلِه، فحلَب لي عنزًا فأتَيتُ عليها، حتى حلَب لي سبعةَ أعنُزٍ فأتَيتُ عليها، ثم أُتِيتُ بصَنِيع (٢) بُرمَةٍ فأتَيتُ عليها، فقالت أمُّ أيمن: أجاعَ اللَّهُ مَن أجاعَ رسولَ اللَّه ﷺ هذه الليلة، فقال: "مَهْ يا أُمَّ أيمن، أكَل رِزقَه، ورِزقُنا على اللَّه". فأصبَحوا قُعودًا، فاجتَمع هو وأصحابُه، فجعَل الرجلُ يُخبِرُ بما أتى عليه، فقال جَهْجاهٌ: حُلِبت لي سبعةُ أعنُزٍ فأتيتُ عليها، وصَنِيعُ (٣) بُرْمَةٍ فأتَيتُ عليها، فصلَّوا مع رسولِ اللَّه ﷺ المغربَ فقال: "ليأخُذْ كلُّ رجلٍ منكم جليسَه"، فلم يَبقَ في المسجدِ غيرُ رسولِ اللَّه ﷺ وغيري، وكنتُ رجلًا عظيمًا طويلًا لا يُقْدِمُ عليَّ أحدٌ، فذهَب بي رسولُ اللَّه ﷺ إلى منزلِه، فحُلِبت لي عنزٌ فتروَّيتُ وشبِعتُ، فقالت أمُّ أيمن: يا رسولَ اللَّه، أليس هذا ضيفَنا؟ قال: "بلى"، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنه أكَل في مِعَى مؤمنٍ الليلة، وأكَل قبلَ ذلك في مِعَى كافر، والكافرُ يأكُلُ في سبعةِ أمعاء، والمؤمنُ يأكُلُ في مِعًى واحد".

стр. 7507

قال أبو عُمر: يَحتملُ أنَّ الإشارةَ بالألف واللام (١) في: "الكافر"، و: "المؤمن" في هذا الحديث إلى ذلك الرَّجل بعينِه (٢)، وإنما يحمِلُنا على هذا التأويل؛ لأن المُعاينة، وهي أصَحُّ علوم الحواسِّ، تدفَعُ أن يكونَ ذا عُمومًا في كلِّ كافرٍ ومؤمنٍ، ومعروفٌ من كلام العرب الإتيانُ بلفظِ العُموم والمرادُ به الخصوص، ألا ترى إلى قولِ اللَّه : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. وهذه الإشارةُ في: "النّاسِ" إنّما هي إلى رجل واحدٍ أخبَر أصحابَ محمدٍ ﷺ أنَّ قريشًا جمَعت لهم، وجاءَ اللفظُ كما ترَى على العُموم؟ ومثلُه: ﴿تُدَمِّرُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، و ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ﴾ [الذاريات: ٤٢]، ومثلُ هذا كثيرٌ لا يجهَلُه إلا مَن لا عنايةَ له بالعلم. وقد قيل: إنّه في كلِّ كافر، وإنه -لموضع التسميةِ- يقِلُّ أكلُه، وهذا تدفَعُه المشاهدةُ وعلمُ الضرورة، فلا وجهَ له. وأمّا قولُه في هذا الإسناد: "عُبيد اللَّه الأغرُّ" فليس عُبيد اللَّه يُعرف بالأغرِّ، وإنّما يُعرَف بالأغرِّ أبوه، وهو عُبيدُ اللَّه بنُ سلمانَ الأغرِّ، وهو عُبيد اللَّه بنُ أبي عبدِ اللَّه الأغرِّ، وأبو عبد اللَّه الأغرُّ اسمُه: سلمانُ، واللَّهُ المُستعان.

стр. 7508

حديثٌ تاسعٌ لسُهَيل مالكٌ (١)، عن سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنه قال: كان الناسُ إذا رأَوْا أولَ الثمَرِ جاؤوا به إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فإذا أخَذه رسولُ اللَّه ﷺ قال: "اللَّهُمَّ بارِكْ لنا في ثمرِنا، وبارِكْ لنا في مدينتِنا، وبارِكْ لنا في صاعِنا، وبارِكْ لنا في مُدِّنا، اللَّهُمَّ إنّ إبراهيمَ عبدُكَ وخليلُكَ ونبيُّك، وإنّي عبدُك ونبيّك، وإنّه دعاكَ لمكّةَ، وإنّي أدعُوكَ للمدينةِ بمثلِ ما دعاكَ به لمكّةَ ومثلِه معَه". ثم يدْعُو أصغَرَ وليدٍ يراهُ، فيُعطِيه ذلك الثَّمر. وقد ذكَر البخاريُّ (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ الحَسن، عن ابنِ عَوْن، عن نافع، عن ابنِ عُمر، عن النبيِّ ﷺ قال: "اللَّهُمَّ بارِكْ لنا في شامِنا ويَمَنِنا"، قالوا: وفي نجدِنا، قال: "اللَّهُمَّ بارِكْ لنا في شامِنا ويَمَنِنا"، قالوا: وفي نَجدِنا، قال: "هناك الزلازلُ والفِتَنُ، وبها يطلُعُ قَرنُ الشيطان". في هذا الحديثِ: اختصاصُ الرئيسِ وانتخابُه بأولِ ما يُطِلُّ من الفاكهة، إمّا هديةً وجلالةً وتعظيمًا ومحبّةً، وإما تبرُّكًا بدعائِه، والذي يغلِبُ عليَّ أنَّ ذلك إنّما كان من الصحابةِ رضوانُ اللَّه عليهم ليدعوَ لهم رسولُ اللَّه ﷺ بالبركة، وسياقُ هذا الحديثِ يدُلُّ على ذلك، والمعْنيانِ جميعًا مُحتَمِلان. وأما دعاءُ رسولِ اللَّه ﷺ فمُجابٌ لا محالة. وقد ظنَّ قومٌ أنَّ هذا الحديثَ يدُلُّ على أنَّ المدينةَ أفضلُ من مكّة؟ لدُعاءِ رسولِ اللَّه ﷺ لها بمثلِ دعاءِ إبراهيمَ لمكّةَ ومثلِه معه. وهذا يُحْتَمَلُ لموضع دعاءِ رسولِ اللَّه ﷺ وموضعِ التضعيفِ في ذلك،

стр. 7509

إلا انه قد جاءت في مكّة آثارٌ كثيرةٌ تدُلُّ على فضلِها، وقد اختلَف العلماءُ قديمًا وحديثًا في الأفضل منهما، وقد بيَّنا الصّحيحَ من ذلك عندَنا في بابِ خُبَيبِ بنِ عبدِ الرحمن من كتابِنا هذا (١)، وقد ثبَت عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "بُنيَ الإسلامُ على خَمْس"، فذكَر منها حجَّ البيتِ الحرام، وجعَل الإلحادَ فيه من الكبائر، وجعله قِبلةَ الأحياءِ والأموات، ورضِيَ عن عبادِه فحطَّ أوزارَهم بقصْدِ القاصدِ له مرةً من دهْرِه، وقال ﷺ -وهو بالحَزْوَرَةِ: "واللَّه إنّي لَأعلَمُ أنكِ خيرُ أرضِ اللَّه وأحبُّها إلى اللَّه، ولولا أنَّ أهلَكِ أخرَجوني منكِ ما خرَجتُ". وقد مضَى من هذا المعنى ما يكفي في بابِ خُبَيبٍ (٢) وباب زيدِ بنِ رباح (٣)، وباللَّه التوفيق. وفي قولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّهَ حرَّم مكَّةَ يومَ خلَق السّماوات والأرض" (٤)، وقولِه: "إن اللَّهَ حرَّم مكةَ ولم يحرِّمْها الناسُ" (٥) دليلٌ على فضلِها على سائرِ ما حرَّمه الناسُ، وأنَّ دعاءَ إبراهيمَ لمكّةَ كان كما قال عنه: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ الآية [البقرة: ١٢٦]. ولو كان الدعاءُ بالبركةِ في صاعِ المدينةِ ومُدِّها يدُلُّ على فضلِها على مكة، لكان كذلك دعاءُ رسولِ اللَّه ﷺ بالبركةِ في الشام واليمن تفضيلًا منه لهما على مكّة، وهذا لا يقولُه أحدٌ، وأمّا دعاءُ

стр. 7510

إبراهيمَ ﵇ فهو معنى قولِ اللَّه : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. ذكر الفريابيُّ، قال: حدَّثنا قيسُ بنُ الربيع، عن خُصيف، عن سعيدِ بنِ جبير ومجاهدٍ في قوله: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾، قالا: سأل الرزقَ لمَن آمَن. وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ حكم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية (١)، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمّار، قال: حدَّثنا حاتمُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا حُميدٌ، عن عمّارٍ الدُّهْنيِّ، عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عباس -في قوله: ﴿اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ - قال: كان إبراهيمُ يحْجِرُها على المؤمنينَ دونَ الناس، ومَنْ كفَر أيضًا، فإنّي أرزُقُه كما أرزقُ الؤمنين، أأخلُقُ خلْقًا لا أرزُقُهم، أُمتِّعُهم قليلًا ثم أضطرُّهم إلى عذابٍ غليظ. قال: ثم قرأ ابنُ عبّاس: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠] (٢). وفي هذا الحديثِ منَ الآداب وجَمِيلِ الأخلاق: إعطاءُ الصّغير منَ الولْدانِ وإتحافُه بالطُّرَف، وذلك يدلُّ على أنه أوْلى بذلكَ منَ الكبير؛ لقِلَّةِ صبْرِه وفرَحِه بذلك، وفي رسول اللَّه ﷺ أُسوَةٌ حسَنةٌ في كلِّ حال.

стр. 7511

حديثٌ عاشرٌ لسُهَيل بن أبي صالح مرسلٌ يتصل من وجوه مالكٌ (١)، عن سُهَيل بن أبي صالح السَّمّان، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّهَ يرضَى لكم ثلاثًا، ويسخَطُ لكم ثلاثًا: يرضَى لكم أن تعبُدُوه ولا تُشرِكوا به شيئًا، وأن تعتصِموا بحبلِ اللَّه جميعًا، وأن تُناصِحوا مَن ولّاه اللَّهُ أمرَكم، ويسخَطُ لكم: قيلَ وقالَ، وإضاعةَ المال، وكثرةَ السُّؤال". هكذا روَى يحيى هذا الحديثَ مرسلًا لم يَذكُرْ أبا هريرة، وتابعَه ابنُ وَهْب (٢) من روايةِ يونُسَ بنِ عبدِ الأعلى عنه، والقعنبيُّ (٣)، ومطرِّفٌ (٤)، وابنُ نافع (٥). وأسندَه عن ابنِ وَهْب؛ أحمدُ بنُ صالح (٦)، والربيعُ بنُ سليمان، ذكَرا فيه أبا هريرة (٧). وكذلك رواه ابنُ بُكير (٨)، وأبو المصعَب (٩)، ومصعبٌ الزُّبَيريُّ، وعبد اللَّه بنُ

стр. 7512

يوسفَ التِّنِّيسيُّ (١)، وسعيدُ بنُ عُفَير، وابنُ القاسم، ومَعْنُ بنُ عيسى، وأبو قُرّةَ موسى بنُ طارق، والأُوَيسيُّ (٢)، وابنُ عبدِ الحكَم، والحُنَينيُّ (٣). وأكثرُ الرواة، عن مالك، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ مسنَدًا. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ محمدِ بنِ القاسم ومحمدُ بنُ أحمدَ بنِ كامل ومحمدُ بنُ أحمدَ بنِ المسوَر، قالوا: حدَّثنا بكرُ بنُ سهل، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ يوسُف، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه قال: "إنَّ اللَّهَ يرضَى لكم ثلاثا، ويكرَهُ لكم ثلاثًا، يرضَى لكم أن تعبُدوه ولا تُشرِكوا به شيئًا، وأن تعتصِموا بحبلِ اللَّه جميعًا، وأن تُناصِحوا مَن ولّاه اللَّهُ أمرَكم. ويكرَهُ لكم قيل وقال، وإضاعةَ المال، وكثرةَ السُّؤال" (٤). والحديثُ مسنَدٌ محفوظٌ لمالكٍ وغيرِه، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ كذلك رواهُ حمادُ بنُ سَلَمةَ وغيرُه، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ (٥). وليس لهذا الحديث في "الموطأ" غيرُ هذا الإسناد. وعند مالكٍ فيه إسنادٌ

стр. 7513

آخر، رواه عنه عبدُ العزيز بنُ أبي روّاد (١)، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. وأخشَى أن يكونَ هذا الإسنادُ غيرَ محفوظ، وأن يكونَ خطأً؛ لأن ابنَ أبي روّادٍ هذا قد روَى عن مالكٍ أحاديثَ أخطَأ فيها، أشهَرُها خطأً أنه روَى عن مالك، عن زيدِ بنِ أسلَم، عن عطاءِ بنِ يَسار، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إنما الأعمالُ بالنِّيّات". الحديثَ. وهذا خطأٌ لا شكَّ فيه عندَ أحدٍ من أهلِ العلم بالحديث، وإنما حديثُ: "الأعمالُ بالنِّيّات" عندَ مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن علقمةَ بنِ وقاص، عن عمر (٢). ليس له غيرُ هذا الإسناد، وكذلك رواه الناسُ عن يحيى بنِ سعيد.

стр. 7514

وأما حديثُ ابنِ أبي روّادٍ في هذا الباب، فحدَّثناه أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمد، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا حاجبُ بنُ سليمان، قال: حدَّثنا ابنُ أبي رَوّاد، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "يُحِبُّ اللَّهُ لكم ثلاثًا، ويسخَطُ لكم ثلاثًا، يُحِبُّ لكم أن تعبُدوا اللَّهَ ولا تُشركوا به شيئًا، وأن تعتصِموا بحبلِ اللَّه جميعًا ولا تفرَّقوا، وأن تنصَحوا لوُلاةِ الأمر، ويسخَطُ لكم ثلاثًا؛ قيل وقال، وكثرةَ السُّؤال، وإضاعةَ المال". قال أبو عُمر: أما حديثُ سُهيلٍ فمحفوظٌ، ولعلَّ حديثَ أبي الزِّنادِ أن يكونَ له أصلٌ، واللَّهُ أعلم. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أيوبَ بنِ بادي. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطرِّفُ بنُ عبدِ الرحمن، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ اللَّه بنِ بُكير. وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ جعفرِ بنِ الورد، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أيوبَ وأحمدُ بنُ حماد، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ اللَّه بنِ بُكَير، عن مالك، عن سُهَيل بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إنَّ اللَّهَ يرضَى لكم ثلاثًا، ويسخَطُ لكم ثلاثًا؛ يرضَى لكم أنَّ تعبُدوه ولا تُشرِكوا به شيئًا، وأن تعتصِموا بحبلِ اللَّه جميعًا، وأن تُناصِحوا مَن ولّاه اللَّهُ أمرَكم، ويسخَطُ لكم قيل وقال، وإضاعةَ المال، وكثرةَ السُّؤال" (١). في هذا الحديثِ ضروبٌ من العلم، منها: أنَّ اللَّهَ يحبُّ من عبادِه الإخلاصَ في عبادتِه في التوحيدِ وسائرِ الأعمالِ كلِّها التي يُعبَدُ بها، وفي الإخلاص طرحُ

стр. 7515

الرياءِ كلِّه، لأن الرياءَ شِركٌ أو ضَربٌ من الشِّرك. قال أهلُ العلم بالتأويل: إن قولَ اللَّه : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، نزَلت في الرياء. ويدخُلُ في الإخلاصِ أيضًا التوكُّلُ على اللَّه، وأنه لا يضُرُّ ولا ينفَعُ، ولا يُعطي ولا يمنَعُ، على الحقيقة غيرُه؛ لأنه لا مانعَ لِمَا أعطَى، ولا مُعطيَ لما منَع، لا شريكَ له. وفيه: الحضُّ على الاعتصام والتمسُّكِ بحبلِ اللَّه في حالِ اجتماعٍ وائتلاف، وحبلُ اللَّه في هذا الموضعِ فيه قولان، أحدُهما: كتابُ اللَّه، والآخرُ: الجماعةُ، ولا جماعةَ إلا بإمام. وهو عندي معنًى متداخِلٌ متقاربٌ، لأن كتابَ اللَّه يأمُرُ بالأُلفَةِ وينْهَى عن الفرقة، قال اللَّهُ : ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ الآيةَ [آل عمران: ١٠٥]، وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. رَوَى يزيدُ بنُ زُرَيع، عن سعيد، عن قتادةَ في قول اللَّه : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ الآيةَ. قال: حبلُ اللَّه الذي أمَر أن يُعتصَمَ به: القرآنُ. وقال قتادةُ: إنَّ اللَّهَ قد كرَّه إليكم الفرقة، وقدَّم إليكم فيها، وحذَّرَكُموها، ونهاكُم عنها، ورضيَ اللَّهُ السّمعَ والطاعةَ، والأُلفةَ والجماعة، فارضُوْا لأنفسِكم بما رضيَ اللَّه لكم (١)، فقد ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهَ ﷺ كان يقول: "مَنْ فارَق جماعةَ المسلمين قِيْدَ شِبْرٍ فقد خلَع رِبْقَةَ الإسلام من عنقِه".

стр. 7516

ورَوَى معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. قال: بعهدِ اللَّه وأمرِه (١). ورَوَى ابنُ عُيينة، عن جامعِ بنِ أبي راشد، عن أبي وائل، عن عبدِ اللَّه بنِ مسعود: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. قال: القرآنُ (٢). وابنُ عيينةَ أيضًا، عن إبراهيمَ الهَجَريِّ، عن أبي الأحوص، عن عبدِ اللَّه، قال: حبلُ اللَّه هو القرآنُ (٣).

стр. 7517

وقيسُ بنُ الربيع، عن منصور، عن أبي وائل، عن ابن مسعود: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. قال: حبلُ اللَّه وصراطُ اللَّه المستقيمُ: كتابُ اللَّه (١). وأبو معاوية، عن الهَجَريِّ، عن أبي الأحوص، عن عبدِ اللَّه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ هذا القرآنَ هو حبلُ اللَّه" (٢). فهذا قول، والقولُ الثاني: روى بقيٌّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الحميد، قال: حدَّثنا هُشَيم، عن العَوّام بنِ حَوْشب، عن الشعبيِّ، عن عبدِ اللَّه بن مسعود: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. قال: حبلُ اللَّه: الجماعة (٣). قال بقيٌّ: وحدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسن الأسَديُّ، عن هُشَيم، عن العَوّام بنِ حَوْشَب، عن الشعبيِّ، عن عبدِ اللَّه -في قولِه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ الآيةَ- قال: الحبلُ الذي أيَّد اللَّهُ به الجماعة.

стр. 7518

قال: وحدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ عياش، عن أبي حَصِين، عن الشعبيِّ، عن ثابتِ بن قُطْبَة، قال: قال عبدُ اللَّه بنُ مسعودٍ في خُطبته: أيُّها الناسُ، عليكم بالطاعةِ والجماعة، فإنها حبلُ اللَّه الذي أمَر به، وإن ما تكرَهون في الجماعةِ خيرٌ مما تحبُّون في الفُرقة (١). وروَى الوليدُ بنُ مسلم، عن الأوزاعيِّ، عن حسانَ بن عطيّة، عن عبدِ الرحمن بنِ سابط، عن عَمْرِو بنِ ميمون، قال: قال عبدُ اللَّه بنُ مسعود: الجماعةُ: القائلُ بالحقِّ وإن كان وحدَه (٢). وفيما أجاز لنا أبو ذرٍّ الهَرَويُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمرَ بنِ محمدِ بنِ شاذانَ السُّكَّرِيُّ (٣)، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللَّه بنُ عُمر، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، قال: حدَّثنا مجالدٌ، عن الشَّعبيِّ، عن ثابتِ بن قُطْبَة، قال: خطَبنا ابنُ مسعودٍ خطبةً لم يخطُبْنا قبلَها ولا بعدَها، فقال: أيُّها الناسُ، اتَّقوا اللَّه، وعليكم بالطاعةِ والجماعة، فإنهما حبلُ اللَّه الذي أمَر به، وإن ما تكرَهون في الجماعةِ خير مما تحبُّون في الفُرقة، وإنّ اللَّهَ لم يخلُقْ شيئًا من الدنيا إلا جَعَل له نهايةً ينتهي إليه، وإنّ الإسلامَ بدأ يَنْبُتُ، ويوشِكُ أن يَنْقُص ويُدْبِرَ إلى يوم القيامة، وآيةُ ذلك أن تقطَعوا أرحامَكم، وأن تَفشُوَ فيكم الفاقةُ حتى لا يخافَ الغنيُّ إلا الفقر، وحتى لا يجِدَ الفقيرُ مَن يعطِفُ عليه، حتى يرى الرجلُ أخاه وابنَ عمِّه فقيرًا لا

стр. 7519

يعطِفُ عليه، وحتى يقومَ السائلُ يسألُ فيما بين الجمُعتين فلا يوضعَ في يدِه شيءٌ، فبينما الناسُ كذلك إذ خارت الأرضُ خورةً مثلَ خُوارِ البقرة، يحسَبُ كلُّ قوم أنها خارت من ساحتِهم، ثم يكونُ رجوع، ثم تخورُ الثانيةَ بأفلاذِ كبِدها. قيل: وما أفلاذُ كبدِها؟ قال: أمثالُ هذه السواري من الذهبِ والفضة، فمن يومئذٍ لا ينفَعُ الذهبُ والفضةُ إلى يوم القيامة، حتى لا يجِدَ الرجلُ مَن يقبَلُ منه مالَه صدقة (١). قال أبو عُمر: الظاهرُ في حديثِ سهيل هذا في قوله: "ويرضَى لكم أن تعتصِموا بحبل اللَّه جميعًا" أنه أراد الجماعة، واللَّهُ أعلمُ، وهو أشبَهُ بسياقةِ الحديث. وأما كتابُ اللَّه، فقد أمَر اللَّهُ بالتمسكِ والاعتصام به في غيرِ ما آيةٍ وغيرِ ما حديث، غيرَ أنَّ هذا الحديثَ المرادُ به، واللَّهُ أعلم، الجماعةُ على إمام يُسمَعُ له ويُطاعُ، فيكونُ وليَّ مَن لا وليَّ له في النكاح وتقديم القضاةِ للعقدِ على الأيتام وسائرِ الأحكام، ويقيمُ الأعيادَ والجمُعات، وتأمَنُ به السُّبُل، وينتصِفُ به المظلوم، ويجاهدُ عن الأمّةِ عدوَّها، ويقسِمُ بينَها فَيْئَها؛ لأنّ الاختلافَ والفُرقةَ هلَكة، والجماعةَ نجاةٌ. قال ابنُ المبارَك ﵀: إنّ الجماعةَ حبلُ اللَّه فاعتصِموا ... منه بعُروتِه الوُثقى لِمَن دانا كم يَدْفعُ اللَّهُ بالسُّلطانِ مَظلِمَةً ... في دينِنا رحمةً منه ودُنْيانا لولا الخلافةُ لم تأمَنْ لنا سبلٌ ... وكان أضعفُنا نَهْبًا لأقوانا (٢)

стр. 7520

وروَى شعبةُ، عن عمرَ بنِ سُليمانَ بنِ عاصم بنِ عمرَ بنِ الخطاب، عن عبدِ الرحمن بنِ أبانِ بنِ عثمان، عن أبيه، عن زيدِ بنِ ثابت، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ في حديثٍ ذكَره: "ثلاثٌ لا يَغِلُّ (١) عليهن قلبُ امرئ مسلم: إخلاصُ العملِ للَّه، ومناصَحةُ وُلاةِ الأمر، ولزومُ الجماعة، فإنّ دعوتَهم تحيطُ مِن ورائِهم". وهذا حديثٌ ثابتٌ في معنى حديثِ سُهيلٍ في هذا الباب، وهو يفسِّرُه، وقد رواه عن النبيِّ ﷺ جماعة، منهم: جبيرُ بنُ مطعم، وعبدُ اللَّه بنُ مسعود، وأنسُ بنُ مالك (٢)، وقد ذكَرنا طُرُقَه في كتاب "العلم" (٣). حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤):

стр. 7521

حدَّثنا شعبة، عن عمرَ بنِ سليمان، قال: سمِعتُ عبدَ الرحمن بنَ أبانَ يحدِّثُ، عن أبيه، قال: خرَج زيدُ بنُ ثابتٍ من عندِ مروانَ نصفَ النهار، قلت: ما بعَث فيه هذه الساعةَ إلا لشيءٍ سأله عنه، فسألتُه فقال: سألَنا عن أشياءَ سمِعناها من رسولِ اللَّه ﷺ ، سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "نضَّر اللَّهُ امرَأً سمِع منا حديثًا فبلَّغه، فرُبَّ حاملِ فقهٍ إلى مَن هو أفقَهُ منه، ورُبَّ حاملِ فقهٍ ليس بفقيه، ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهن قلبُ مسلم؛ إخلاصُ العملِ للَّه، ومناصَحةُ وُلاةِ الأمر، ولزومُ الجماعة، فإنّ دعوتَهم تحيطُ مِن ورائِهم، ومَن كانت الدُّنيا نيتَه، فرَّق اللَّهُ عليه أمرَه، وجعَل فقرَه بينَ عينَيه، ولم يأتِه من الدُّنيا إلا ما كُتِب له، ومَن كانت الآخرةُ نيتَه، جمَع اللَّهُ أمرَه، وجعَل غِناه في قلبِه، وأتَته الدُّنيا وهي راغمة". وسألَنا عن الصلاة الوسطى، وهي الظهر. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عمر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن محمدِ بنِ جُبيرِ بنِ مطعم، عن أبيه، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يخطُبُ بخَيفِ مِنًى، فقال: "نضَّر اللَّهُ عبدًا سمِع مقالتي فوعاها، ثم أدّاها إلى مَن لم يسمَعْها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ لا فقهَ له، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى مَن هو أفقَهُ منه، ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهنَّ قلبُ مؤمن؛ إخلاصُ العملِ للَّه، ولزومُ الجماعة، ومناصَحةُ وُلاةِ الأمر، فإنّ دعوةَ المسلمين من ورائِهم مُحيطة" (١).

стр. 7522

ورواه عيسى بنُ يونس، عن محمدِ بنِ إسحاقَ بإسنادِه مثلَه (١). ألا ترى أنه ﷺ دعا لِمَن حفِظ مقالتَه هذه فوعاها ثم أدّاها، تأكيدًا منه في حِفظِها وتبليغِها، وهي قولُه: "ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهِنَّ قلبُ مسلم: إخلاصُ العملِ للَّه، ولزومُ الجماعة، ومُناصَحةُ أُولي الأمر"؟ فأما قولُه: "ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهن قلبُ مؤمن"، فمعناه: لا يكونُ القلبُ عليهِنَّ ومعهُنَّ غَليلًا أبدًا، يعني: لا يكونُ فيه مرضٌ ولا نفاقٌ إذا أخلَص العملَ للَّه، ولزِم الجماعة، وناصَح أُولي الأمر. وأمّا قولُه: "فإنّ دعوتَهم تُحيطُ مِن ورائِهم"، أو: "هي مِن ورائهم محيطةٌ"، فمعناه عندَ أهلِ العلم: أن الجماعةَ في مصرٍ من أمصارِ المسلمين إذا مات إمامُهم ولم يكنْ لهم إمامٌ، فأقام أهلُ ذلك المصْرِ الذي هو حضرةُ الإمام وموضِعُه إمامًا لأنفُسِهم اجتمَعوا عليه ورضُوه، فإنّ كلَّ مَن خلفَهم وأمامَهم من المسلمين في الآفاقِ يلزَمُهم الدُّخولُ في طاعةِ ذلك الإمام إذا لم يكن معلنًا معروفًا بالفسقِ والفساد؛ لأنها دعوةٌ محيطةٌ بهم يجبُ إجابتُها، ولا يسَعُ أحدًا التخلفُ عنها؛ لِما في إقامةِ إمامَينِ من اختلافِ الكلمةِ وفسادِ ذاتِ البَين. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ وأحمدُ بنُ زُهير -واللفظُ للترمذيِّ- قالا: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٢): حدَّثنا سفيان، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ عُميرٍ غيرَ مرَّة، عن عبدِ الرحمنِ بنِ

стр. 7523

عبدِ اللَّه بنِ مسعود، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "نضَّر اللَّهُ عبدًا سمِع مقالَتي". فذكَر الحديث، وفيه: "ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهن قلبُ مسلم؛ إخلاصُ العمل للَّه، ومناصَحةُ المسلمين، ولزومُ جماعتِهم؛ فإنّ دعوتَهم تُحيطُ مِن ورائِهم". هكذا قال: "ومُناصحةُ المسلمين (١) ". وإنما المحفوظُ في هذا الحديث خاصة: "ومُناصحةُ وُلاةِ المسلمين"، وإن كانت مُناصحةُ المسلمين قد ورَدت في غيرِ ما حديث. حدَّثنا محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال (٢): حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى الجَوْزيُّ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ رُشيد، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، عن ثورِ بنِ يزيد، عن خالدِ بنِ مَعدان، عن عبدِ الرحمن بنِ عمرٍو السُّلَميِّ وحُجْرٍ الكَلاعيِّ، قالا: دخَلنا على العِرباضِ بنِ سارية -وهو الذي نزل فيه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ الآيةَ [التوبة: ٩٢]- وهو مريضٌ، فقلنا: إنّا جئناك زائرِين وعائدِين ومُقْتَبِسين، فقال عرباضٌ: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ صلَّى صلاةَ الغَداة، ثم أقبَل علينا، فوعَظنا

стр. 7524

بموعظةٍ بليغة، ذرَفت منها العيونُ، ووَجِلَت منها القلوب، فقال قائل: يا رسولَ اللَّه، إنَّ هذه لمَوعظةُ مودِّع، ففي تعهَدُ إلينا؟ قال: "أُوصِيكم بتقوى اللَّه، والسَّمْع والطاعةِ وإن كان عَبْدًا حَبَشيًّا، فإنه مَن يعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدِين المهديِّين، عَضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإياكم ومُحدَثاتِ الأمور، فإن كلَّ محدَثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ". وروى الحارثُ الأشعريُّ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "آمُرُكم بخمسٍ أمَرني اللَّهُ بهنَّ: الجماعةُ، والسمعُ، والطاعةُ، والهجرةُ، والجهاد"، حدَّثناه قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ منصور، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَر، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا أبانٌ، قال: حدَّثنا يحيى -يعني: ابنَ أبي كثير- أنَّ زيدًا حدَّثه، أنَّ أبا سلّام حدَّثه، أنَّ الحارثَ الأشعريَّ حدَّثه، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إنَّ اللَّهَ أمَر يحيى بنَ زكريّا بخمسِ كلماتٍ يعمَلُ بهنَّ، ويأمُرُ بني إسرائيلَ أن يعمَلوا بهنَّ، وإنه كانَ يُبطئُ بها، وأنَّ عيسى ابنَ مريم قال له: إنَّ اللَّهَ أمَرك بخمسِ كلماتٍ تعمَلُ بهنَّ وتأمُرُ بني إسرائيلَ أن يعمَلوا بهنَّ، فإما أن تأمُرَهم، وإما أن نأمُرَهم. قال: يا أخي، إنك إن تسبِقْني بهنَّ خشِيتُ أن أُعذَّبَ أو يُخسَفَ بي. فجمَع الناسَ في بيتِ المقدس حتى امتلأ وقعَد الناسُ على الشُّرَف (١)، فقال: إنَّ اللَّهَ أمَرني بخمسِ كلماتٍ أن أعمَلَ بهنَّ وآمُرَكم أن تعمَلوا بهنَّ: أن تعبُدوا اللَّهَ ولا تُشرِكوا به شيئًا، وإنَّ مَثَلَ مَن أشرَك باللَّه كمثل رجلٍ اشترى عبدًا من خالصِ مالِه بذهَبٍ أو وَرِق، فقال: هذه داري، وهذا عملي، فاعمَلْ وأدِّ إليَّ. فجعَل العبدُ يعمَلُ ويؤدِّي إلى غيرِ سيدِه، فأيُّكم يسُرُّه أن يكونَ عبدُه كذلك؟ وإنَّ اللَّهَ خلَقكم ورزَقكم، فلا تُشرِكوا به شيئًا، وأمَرَكم بالصلاة، فإذا صلَّيتم فلا تَلتفِتوا، فإن اللَّهَ ينصِبُ وجهَه لعبدِه ما لم يلتفِتْ في صلاتِه، وإنَّ اللَّهَ

стр. 7525

أمَركم بالصيام، وإنَّ مَثلَ الصيام كمَثلِ رجلٍ معه صُرَّةٌ فيها مِسْكٌ في عصابةٍ كلُّهم يُعجِبُه أن يجِدَ ريحَها، وإنَّ الصيامَ عندَ اللَّه أطيبُ من ريحِ المسك، وأمَرَكم بالصدقة، وإنَّ مَثلَ ذلك كمثلِ رجلٍ أسَره العدوُّ فأوثَقوه إلى عُنُقِه، وقرَّبوه ليضرِبوا عُنقَه، فقال لهم: هل لكم أن أفدِيَ نفسي منكم؟ فجعَل يُعطيهم القليلَ والكثيرَ حتى فدَى نفسَه منهم، وأمَرَكم بذكرِ اللَّه كثيرًا، وإنَّ مَثَلَ ذلك كرجُلٍ أصابه العدوُّ سِراعًا في أثَرِه حتى أتى على حِصْنٍ حصينٍ فأحرَز نفسَه فيه، وكذلك العبدُ لا يُحرِزُ نفسَه من الشيطانِ إلا بذكرِ اللَّه". فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "وأنا آمُرُكم بخمسٍ أمَرني اللَّهُ بهنَّ: الجماعةُ، والسمعُ، والطاعةُ، والهجرةُ، والجهادُ في سبيلِ اللَّه، فمَن فارَق الجماعةَ قِيْدَ شِبْرٍ فقد خلَع رِبْقَةَ الإسلام من رأسِه إلا أن يرجِعَ، ومَن دعَا بدعوى الجاهليةِ فإنه من حُثاءِ جَهنم". قال رجلٌ: وإن صام وصلَّى؟ قال: "وإن صام وصلَّى، ادْعُوا بدعوى اللَّه الذي سمَّاكم المؤمنين عبادَ اللَّه" (١). قال أبو عُمر: كذا قال: "حُثاءِ جَهنم"، وغيرُه يرويه: "جُثاءِ جَهنم"، بالجيم، وذلك كلُّه خطأٌ عندَ أهلِ العلم باللغة، وقد أنكَره أبو عُبَيدة وغيرُه، وقال أبو عبيد: إنما هو من: "جُثِيِّ جَهنَّم". وهو كما قال أبو عبيد (٢).

стр. 7526

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنِ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الصائغ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ مَعِين بمكةَ، قال: حدَّثنا غُنْدَرٌ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن حَبيبِ بنِ الزُّبير، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّه بنَ أبي الهُذَيل، قال: كان عمرُو بنُ العاص يَتَخوَّلُنا، فقال رجلٌ من بكرِ بنِ وائل: لئن لم تَنْتَهِ قريشٌ لنَضَعَنَّ هذا الأمرَ في جمهورٍ من جماهيرِ العربِ غيرِهم. فقال عمرُو بنُ العاص: كذَبْتَ، سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "قُريشٌ وُلاةُ الناسِ في الخيرِ والشرِّ إلى يوم القيامة" (١). ورُوِيَ من حديث أبي ذَرٍّ (٢)، وأبي هريرة (٣)، وابن عباس (٤)، بمعنًى واحد،

стр. 7527

عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "مَن خَرَج من الطَّاعةِ، وفارَقَ الجَماعة، فمات، فمِيتَتُه جاهليّة". وروَى ابنُ عمر، عن النبيِّ ﷺ أنه سمِعه يقولُ: "مَن نزَع يدًا من طاعةٍ، فلا حُجَّةَ له، ومَن مات ولا طاعةَ عليه، كان مِيتَتُه ضَلالة" (١). وروَى أبو إدْريسَ الخَوْلانيُّ، عن حذيفةَ، قال: قال لي رسولُ اللَّه ﷺ : "الزَمْ جَماعةَ المسلمين وإمامَهم"، قلت: فإن لم تكنْ جماعةٌ ولا إمامٌ؟ قال: "تَعتَزِلُ تلك الفِرَقَ كلَّها، ولو أن تَعَضَّ على شَجَرِة حتى يُدْرِكَك الموتُ وأنت كذلك" (٢). وروَى النُّعمانُ بنُ بَشِير، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "الجماعةُ رَحمةٌ، والفُرْقَةُ عذابٌ" (٣). والآثارُ المرفوعةُ عن النبيِّ ﷺ في هذا البابِ كثيرةٌ جدًّا، وكذلك عن الصحابةِ أيضًا.

стр. 7528

وروَى أبو صادق، عن عليِّ بن أبي طالب، أنَّه قال: إنَّ الإسلامَ ثلاثُ أثافيَّ (١): الإيمانُ، والصلاةُ، والجماعةُ، فلا تُقبَلُ الصلاةُ إلا بإيمان، ومَن آمن صلَّى وجامَع، ومَن فارَقَ الجماعةَ قِيدَ شِبْرٍ فقد خلَع رِبْقهَ الإسلام مِن عنقِه (٢). حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير (٣)، قال: حدَّثنا صَبيحُ بنُ عبدِ اللَّه الفَرْغانيُّ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن الأوزاعيِّ، قال: كان يقال: خمسٌ كان عليها أصحابُ محمدٍ ﷺ والتابعونَ لهم بإحسانٍ: لزومُ الجماعة، واتِّباعُ السُّنَّة، وعِمارةُ المساجد، وتِلاوةُ القرآن، والجهادُ في سبيلِ اللَّه". قال أبو عُمر: الآثارُ المرفوعةُ في هذا الباب كلُّها تدُلُّ على أنَّ (٤) مُفارقةَ الجماعة، وشقَّ عصا المسلمين، والخلافَ على السلطان المجتَمَع عليه، يُريقُ الدمَ ويُبيحُه، ويُوجِبُ قتالَ مَن فعَل ذلك.

стр. 7529

فإن قيل: قد قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أُمِرْتُ أن أُقاتِلَ الناسَ حتى يقولوا: لا إلهَ إلّا اللَّهُ، فإذا قالوها فقد عَصَموا دِماءَهم وأموالَهم إلا بحقِّها، وحِسَابُهم على اللَّه" (١). فمَن قال: لا إلهَ إلا اللَّه: حرُم دمُه. قيل لقائل ذلك: لو تدَبَّرْتَ قولَه في هذا الحديث: "إلا بحقِّها" لَعلِمْتَ أنه خلافُ ما ظنَنْتَ، ألا ترَى أنَّ أبا بكرٍ الصِّديقَ قد ردَّ على عُمرَ ما نزَع به من هذا الحديث، وقال: مِن حقِّها الزكاةُ، ففهِم عمرُ ذلك من قوله، وانصَرَف إليه، وأجمَع الصَّحابةُ عليه، فقاتَلوا مانعي الزكاة، كما قاتَلوا أهلَ الرِّدَّة، وسمّاهم بعضُهم أهلَ رِدَّةٍ على الاتِّساع، لأنهم ارتَدُّوا عن أداءِ الزكاة، ومعلومٌ مشهورٌ عنهم أنهم قالوا: ما ترَكْنا دينَنا، ولكن شحَحْنا على أموالِنا. فكما جاز قتالُهم عندَ جميعِ الصحابة على منْعِهم الزكاةَ، وكان ذلك عندَهم في معنى قوله ﵇: "إلّا بحَقِّها"، فكذلك مَن شقَّ عصَا المسلمين، وخالَف إمامَ جَماعتِهم، وفرَّق كلمتَهم؛ لأنّ الفرضَ الواجبَ اجتماعُ كلمةِ أهلِ دينِ اللَّه المسلمين على مَن خالَف دينَهم من الكافرين، حتى تكونَ كلمتُهم واحدةً، وجماعتُهم غيرَ مُفتَرقة. ومن الحقوقِ المُريقةِ للدِّماء، المُبيحةِ للقتال: الفسادُ في الأرض، وقتلُ النفس، وانتهابُ الأهلِ والمال، والبَغيُ على السُّلطان، والامتِناعُ مِن حُكمِه. هذا كلُّه داخلٌ تحتَ قوله ﷺ : "إلّا بحقِّها"، كما يَدخُلُ في ذلك الزاني المُحْصَنُ، وقاتلُ النفس بغيرِ حقٍّ، والمُرتَدُّ عن دييه. وقد أمَر اللَّهُ بقتالِ الفئةِ الباغيةِ بقوله: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]. وفي قوله: ﴿فَقَاتِلُوا﴾ دليلٌ على أنَّ الباغيَ إذا انهزَم عن القتال، أو ضعُف عنه بما لحِقه من الآفاتِ المانعةِ للقتال، حرُم دمُه، لأنَّه غيرُ مقاتِل، ولم نُؤْمَرْ بقتالِه إلا إذا قاتَل؛ لأنّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَقَاتِلُوا﴾. ولم يقل: فاقْتُلوا. والمقاتَلةُ إنما تكونُ لِمَن قاتَل، واللَّهُ أعلمُ؛ لأنها تقومُ من اثنين، وعلى هذا كان حكمُ عليٍّ ﵁ فيمَن

стр. 7530

بغَى عليه، وتلك كانت سيرتَه فيهم، ﵁، وعلى هذا جُمهورُ العلماء، وللكلام في هذه المسألةِ موضعٌ غيرُ هذا إن شاء اللَّه. وقال نُعَيْمُ بنُ حمّاد: قلتُ لسفيانَ بنِ عُيَيْنةَ: أرأيْتَ قولَه: "مَن ترَك الجماعةَ فقد خَلَع رِبْقةَ الإسلام من عُنُقه"؟ فقال: مَن فارَق الجماعةَ خلَع طاعةَ اللَّه والاستسلامَ لأمرِه، وللرسولِ ولأُولي الأمر. قال: ولا أعلَمُ أحدًا عُوقِب بأشدَّ من عُقوبتِهم. ثم قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآيةَ [المائدة: ٣٣]. هذا في أهلِ الإسلام. وأما قولُه: "وأن تُناصِحُوا مَن ولّاه اللَّهُ أمرَكم". ففيه: إيجابُ النَّصيحةِ على العامّة لوُلاةِ الأمر، وهم الأئمّةُ والخُلفاء، وكذلك سائرُ الأُمراء، وقال ﷺ : "الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ" ثلاثًا، قيل: لِمَن يا رسولَ اللَّه؟ قال: "للَّه ، ولكتابه، ولرسُوله، ولأئمّة المسلمين، وعامّتهم". وهذا حديثٌ رواه مالكٌ، عن سُهَيْل بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ؛ كذلك رواه كلُّ مَن رواه عن مالك (١). وزعَم ابنُ الجارودِ وغيرُه أنَّ مالكًا وَهَم في إسنادِه، لأن سفيانَ بنَ عُيَينةَ رواه عن سُهَيل بن أبي صالح، عن عطاءِ بنِ يزيدَ، عن تمَيم الداريّ (٢).

стр. 7531

حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا حامدُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا سُهَيلُ بنُ أبي صالح، قال: أخبَرني عطاءُ بنُ يزيدَ الليثيُّ -صديقًا كان لأبي من أهل الشام- أنه سمِع تميمًا الداريَّ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ"، قالوا: لمَن يا رسولَ اللَّه؟ قال: "للَّه، ولكتابه، ولنبِيّه، ولأئمَّة المسلمين، وعامَّتِهم". قال سفيان: وكان عمرُو بنُ دينارٍ حدَّثناه أولًا عن القَعْقاع بنِ حَكيم، عن أبي صالح، فلقِيتُ سُهَيْلًا، فسألْتُه ليُحدِّثَنيه عن أبيه، فأكونَ أنا وغيري فيه سواء، فقال سُهَيل: أنا سمِعتُه من الذي سمِعه منه. أي: أخبَرنيه عطاءُ بنُ يزيدَ الليثيُّ؛ صديقًا كان لأبي من أهلِ الشام (١). قال أبو عُمر: وكذلك رواه سفيانُ الثَّوريُّ (٢)، وحمادُ بنُ سَلَمة (٣)، والضَّحاكُ بنُ عثمان (٤)، وغيرُهم، عن سُهَيل، عن عطاءِ بنِ يزيدَ الليثيِّ، عن تميم الداريِّ. والحديثُ عندي صحيحٌ من الوجهَين؛ لأنّ محمدَ بنَ عَجْلانَ قد رواه عن القَعْقاعِ بنِ حَكيم، وزيدِ بنِ أسلم، وعُبَيدِ اللَّه بنِ مِقْسَم، كلُّهم عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ .

стр. 7532

رواه الليثُ، عن محمدِ بنِ عَجْلان، عن زيدِ بنِ أسلمَ والقَعْقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (١). ورواه سليمانُ بنُ بلال، عن محمدِ بنِ عَجْلان، عن القَعْقاع وعُبَيْدِ اللَّه بنِ مِقْسَم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (٢). وهذا كلُّه يَعضُدُ روايةَ مالك، عن سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هريرة. واللَّهُ أعلم (٣).

стр. 7533

ففي هذا الحديثِ: أنَّ من الدين النصيحةَ لأئمةِ المسلمين، وهذا أوجَبُ ما يكونُ، فَعَلى مَن واكَلَهم وجالَسَهم، وكلِّ مَن أمْكَنه نصحُ السلطانِ لزِمه ذلك إذا رجا أن يُسمَعَ منه. وروَى معمرٌ، عن الزهريِّ، عن السائبِ بنِ يزيد، قال: قال رجلٌ لعمرَ بنِ الخطاب: ألّا أخافَ في اللَّه لَومةَ لائم خير لي، أم أُقْبِلَ على أمري؟ فقال: أمّا مَن وليَ من أمرِ المسلمين شيئًا، فلا يَخَفْ في اللَّه لومةَ لائم، ومَن كان خِلْوًا (١) فليُقبِلْ (٢) على نفسِه، وليَنْصَحْ لأميرِه (٣). وسُئِل مالكُ بنُ أنس: أيأتي الرجلُ إلى السلطانِ فيَعِظُه، ويَنْصَحُ له، ويَنْدُبُه إلى الخير؟ فقال: إذا رجا أن يَسمَعَ منه، وإلا فليس ذلك عليه. قال أبو عُمر: إنما فرَّ مَن فرَّ مِن الأمراء؛ لأنه لا يُمكِنُه أن يَنصَحَ لهم، ولا يُغيِّر عليهم، ولا يَسلَمَ من مُتابَعتِهم.

стр. 7534

روَى كعبُ بنُ عُجْرةَ وغيرُه، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "سيكونُ بعدي أُمراءُ، فمَن دَخَل عليهم، وصَدَّقهم بكَذِبهم، وأعانَهم على ظُلْمهم، فليس منِّي، ولستُ منه، ولا يَرِدُ عَلَيَّ الحوضَ، ومَن لم يُصَدِّقْهم بكَذِبهم، ولم يُعِنْهم على ظُلْمِهم، فهو منِّي، وأنا منه، وسيَرِدُ عَلَيَّ الحوضَ" (١). وروى أبو سعيدٍ الخدريُّ، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "إنَّ أفضَلَ الجهادِ كَلِمةُ حَقٍّ -أو قال: كَلِمةُ عَدْلٍ- عندَ ذي سُلطانٍ جائر". رواه ابنُ عيينةَ وغيرُه (٢)، عن عليِّ بنِ زيد، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد. وأخبرنا أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ حَبَابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ البَغَويُّ، قال (٣): حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْد، قال: أخبرنا حمادُ بنُ سَلَمة، عن أبي غالب، عن أبي أُمامة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "أفْضَلُ الجِهادِ مَن قال كَلِمةَ حَقٍّ عندَ ذي سلطانٍ جائر". وقد ذكَرْنا خبرَ بلالِ بنِ الحارثِ في بابِ محمدِ بنِ عمرٍو من هذا الكتاب، وهو في معنى الكلام عندَ السلطانِ على حسَبِ ما فسَّرْناه هناك، وقد كان الفُضَيْلُ ابنُ عِياضٍ يُشدِّدُ في هذا، فيقول: ربّما دخَل العالمُ على السلطانِ ومعه دينُه،

стр. 7535

فيخرُجُ وما معه منه شيءٌ. قالوا: كيف ذلك؟ قال: يَمَدُحه في وجْهِه، ويُصَدِّقُه في كَذِبه (١). وذكر أحمدُ بنُ حنبل، عن ابنِ المُبارَك قال: لا تَأتِهم، فإن أَتَيْتَهم فاصدُقْهم. قال: وأنا أخافُ ألّا أصْدُقَهم (٢). قال أبو عُمر: إن لم يَتَمكّن نُصْحَ السلطان، فالصبرُ والدعاء، فإنَّهم كانوا يَنْهَوْن عن سبِّ الأمراء. أخبرنا محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين البغداديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ الحميد، قال: حدَّثنا أبو هشام الرِّفاعيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ يَمان، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ وَهْب، عن أنسِ بنِ مالك، قال: كان الأكابرُ من أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ يَنْهَوْنَنا عن سبِّ الأمراء (٣). وحدَّثنا محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي داود، قال: حدَّثنا عيسى بنُ محمدٍ أبو (٤) عُمَيْرٍ الرمليُّ، عن ضَمْرةَ،

стр. 7536

عن رَجاءِ بنِ أبي سَلَمة، عن عُبادةَ بنِ نُسَيٍّ، قال: وقَف أبو الدَّرْداء على بابِ معاويةَ فحجَبه لشُغْلٍ كان فيه، فكأن أبا الدَّرْداءِ وجَد في نفسِه، فقال: مَن يَأتِ أبوابَ السلطانِ قام وقعَد، ومَن يَجِدْ بابًا مغلقًا يجدْ إلى جنبِه بابًا رَحْبًا فُتُحًا (١)، إن سأل أُعْطِيَ، وإنِ استَعاذ أُعِيذ، وإنَّ أولَ نفاقِ المَرْءِ طَعْنُه على إمامِه (٢). وحدَّثنا محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: حدَّثنا أبو بكر عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ الحميدِ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا أبو هشام الرِّفاعيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ يَمان، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، قال: ما سبَّ قومٌ أميرَهم إلا حُرِموا خيرَه (٣). أخبرنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بِشْر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ حَزْم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد (٤)، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ نصرُ بنُ مُهاجر، قال: حدَّثنا الفَيْضُ بنُ إسحاق، عن زُهَيْر بنِ مُعاوية، عن الأعمش، قال: قال

стр. 7537

حذيفة: إذا كان والي القوم خيرًا منهم لم يزالوا في علياء، وإذا كان واليهم شرًّا منهم -أو قال: شرَّهم- لم يَزْدادوا إلا سَفالًا. وذكر البخاريُّ (١) من حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "إذا وُسِّد الأمرُ إلى غيرِ أهلِه فانتظِرِ الساعة، وحينئذٍ تُرفَعُ الأمانة". قال أبو عُمر: ويَجبُ على الإمام من النُّصْحِ لرعيَّتِه كالذي يَجبُ عليهم له، قال ﷺ : "كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه، فالإمامُ الذي على النّاسِ راعٍ عليهم، وهو مسؤولٌ عنهم" الحديثَ. رواه ابنُ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ (٢). وروَى ابنُ عباس، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "ما مِن أميرٍ يُؤمَّرُ على عَشَرةٍ إلّا يُسألُ عنهم يومَ القيامة" (٣). وروَى الحسن، عن مَعْقِلِ بن يَسار، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "مَن استَرْعاه اللَّهُ رعِيَّةً ومات وهو لها غاشٌّ، حَرَّمَ اللَّهُ عليه الجنَّة"؛ حدَّثناه أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْد (٤)، قال: أخبَرنا أبو الأشهَب، عن الحسن؛ فذكَره.

стр. 7538

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْر والحارثُ بنُ أبي أسامة، قالا: حدَّثنا هَوْذَةُ، قال: حدَّثنا عوفٌ، عن الحسن، قال: مرِض مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ مرضًا ثقُل فيه، فأتاه ابنُ (١) زيادٍ يَعودُه، فقال: إني مُحدِّثُك حديثًا سمِعتُه من رسولِ اللَّه ﷺ ، سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "مَن اسْتُرعيَ رَعِيّةً فلم يُحِطْهم بنَصيحَة، لم يَجِدْ ريحَ الجنّة، ورِيحُها يوجَدُ من مَسيرةِ خمسِ مئةِ عام" (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين (٣)، قال: حدَّثنا ابنُ شاهين، قال: حدَّثنا أبو هشام محمدُ بنُ يزيدَ الرفاعيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ سهل، عن المغيرةِ بنِ مسلم، عن قتادة، عن أبي الدّرداء، قال: لا إسلامَ إلّا بطاعة، ولا خيرَ إلّا في الجماعة، والنُّصحُ للَّه، وللخليفة، وللمؤمنين عامةً (٤). وأمّا قولُه: "ويَكرَهُ لكم قيل وقال، وكثرةَ السُّؤال". فمعنى: "قيل وقال" -واللَّهُ أعلم- الحديثُ بما لا معنى لهُ ولا فائدةَ فيه من أحاديثِ الناس التي أكثَرُها

стр. 7539

غِيبةٌ ولَغَطٌ وكذِبٌ، ومَن أكثر من القيلِ والقالِ مع العامةِ لم يسلَمْ من الخوضِ في الباطل، ولا من الاغتياب، ولا من الكذِب. واللَّهُ أعلم. وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "كفَى بالمرءِ كذِبًا أن يحدِّثَ بكلِّ ما يسمَعُ" (١). ومكتوب في حكمةِ داودَ وفي صُحُفِ إبراهيم: مَن عدَّ كلامَه من عملِه، قلَّ كلامُه إلا فيما يَعنيه. وفي المثل السائر: التقيُّ مُلْجَمٌ (٢). وقد مضَى قولُه ﷺ : "مَن كان يؤمِنُ باللَّه واليوم الآخرِ فليقلْ خيرًا أو ليسكُتْ" في باب سعيدِ بنِ أبي سعيد (٣)، ومضَى هناك في الصمتِ وحفظِ اللسانِ بعضُ ما يكفي إن شاء اللَّه. وأمّا قولُه: "وكثرةَ السُّؤال". فمعناه عندَ أكثرِ العلماء: التكثيرُ في السُّؤال من المسائل النوازل والأُغْلوطات (٤)، وتشقيقُ المولَّدات (٥). وقد أوضحنا هذا البابَ وبسَطْناه، وأشبعنا القولَ فيه من جهة الأثرِ في كتاب العلم. وقال مالك: أمّا نهيُ رسول اللَّه ﷺ عن كثرة السُّؤال، فلا أدري أهو الذي أنهاكم عنه من كثرةِ المسائل، فقد كره رسول اللَّه ﷺ المسائل وعابها، أم هو مسألة الناس؟

стр. 7540

قال أبو عُمر: الظاهر في لفظ هذا الحديث: كراهة السُّؤال عن المسائل إذا كان ذلك على الإكثار، لا على الحاجة عند نزول النازلة؛ لأن السُّؤال في مسألة الناس إذا لم يجز، فليس ينهى عن كثرته دون قلَّته، بل الآثارُ في ذلك آثارُ عموم لا تفرِّقُ بين القلة والكثرة لمن كُره له ذلك؛ وقد مضى في معنى السُّؤال وما يجوز منه ولمن يجوز أبوابٌ كافية في هذا الكتاب. وأمّا حديثُ هذا الباب فمعناه -واللَّه أعلم-: ما ذكرنا، على أنه قد اختُلف فيه على ما وصفنا؛ وكان الأصلُ في هذا أنهم كانوا يسألون رسُولَ اللَّه ﷺ عن أشياءَ ويُلحُّون فيها فينزلُ تحريمُها، قال اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١]. ثبت عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "أعْظَمُ المُسلمينَ في المُسلمين جُرمًا مَن سَألَ عمّا لم يُحرَّمْ، فحُرِّمَ على النّاسِ مِنْ أجْلِ مَسْألتِه". ورُوِيَ عن الزُّهريِّ، ومجاهد، وقتادةَ، وعكرمةَ، بمعنًى واحد، أنهم قالوا: كانوا يسألون رسُولَ اللَّه ﷺ ، فسألوه يومًا فأكثَروا عليه، فقام مُغضَبًا وقال: "سلُوني، فواللَّه لا تسألُوني -أو: لا يسألُني أحدٌ- عن شيءٍ في مقامي هذا إلا أخبَرتُه، ولو سألني عن أبيه لأخبَرتُه"، فقام عبدُ اللَّه بنُ حُذافة فقال: مَن أبي؟ فقال: "أبوك حُذافة". قال الزُّهريُّ: فقالت أمُّه: ما رأيتُ ولدًا أعقَّ منك! أكنتَ تأمَنُ أن تكونَ أمُّك قارَفت ما قارَف أهلُ الجاهلية فتفضَحَها؟ وقام رجلٌ فقال: الحجُّ واجبٌ في كلِّ عام، أم مرةً واحدةً؟ فقال: "بل مرةً واحدةً، ولو قلتُها لوَجَبت". وقام سعدٌ مولى شيبةَ فقال: مَن أنا يا رسولَ اللَّه؟ قال: "أنتَ سعدٌ مولَى شيبةَ بنِ ربيعةَ". وقام رجلٌ من بني أسدٍ فقال: أين أنا يا رسولَ اللَّه؟ قال: "أنتَ في النار". فقام عمرُ فقال: رضِينا باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينا، وبمحمَّدٍ نبيًّا، نعوذُ باللَّه من

стр. 7541

غضبِ اللَّه وغضبِ رسولِه. فنزَلت عندَ ذلك هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآيةَ (١). ونَهى رسولُ اللَّه ﷺ عن قيلَ وقال، وكثرةِ السُّؤال، وإضاعةِ المال. وقال ابنُ جُريج، عن عطاءٍ وعمرِو بنِ دينار، عن عُبيدِ بنِ عُمير: إنَّ اللَّهَ حرَّم أشياءَ وأحلَّ أشياءَ، فما حرَّم فاجتنِبوه، وما أحلَّ فاستحِلُّوه، وما سكَت عنه فهو عفوٌ فلا تسألوا عنه (٢). وقال آخرون: معنى نَهْي النبيِّ ﷺ عن كثرةِ السُّؤال، أراد سؤالَ المال والإلحاحَ فيه على المخلوقين. واستدلُّوا بعطفِه على ذلك قولَه ﷺ : "وإضاعةَ المال"، وبما رواه المغيرةُ بنُ شعبةَ وعمارُ بنُ ياسر، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إنّ اللَّهَ كرِه لكم قيلَ وقالَ، وكثرةَ السُّؤال، وإضاعةَ المال، ومنْعَ وهات، ووأْدَ البنات، وعُقوقَ الأُمّهات" (٣). قالوا: فقولُه: "ومنع وهات" هو من باب السُّؤال، والمنعُ في المال لا في العلم. قالوا: فكذلك نهيُه عن كثرةِ السؤال. واللَّهُ أعلم.

стр. 7542

حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حمدان، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثني أبي (١)، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا غيرُ واحدٍ منهم مُغيرةُ، عن الشعبيِّ، عن وَرّادٍ كاتبِ المغيرةِ بنِ شعبة، أنَّ معاويةَ كتَب إلى المغيرة: اكتُبْ إليَّ بحديثٍ سمعتَه من رسولِ اللَّه ﷺ . فكتَب إليه المغيرةُ: إنّي سمعتُه يقولُ عندَ انصرافِه من الصلاة: "لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ" ثلاثَ مرات، وكان ينهَى عن قيلَ وقالَ، وكثرةِ السُّؤال، وإضاعةِ المال، ومنْعَ وهات، وعقوقِ الأمهات، ووأدِ البنات. قال أبو عُمر: قد مضَى فيما يَحِلُّ من السُّؤالِ وما لا يَحِلُّ أبوابٌ كافيةٌ فيما سلفَ من هذا الكتاب، والسؤالُ إذا لم يَحِلَّ فلا يَحِلُّ منه التكثيرُ ولا التقليل، وإذا كان جائزًا حلالًا فلا بأسَ بالإكثارِ منه حتى يبلُغَ إلى الحدِّ المنهيِّ عنه. واللَّهُ أعلم. وقد كان رسولُ اللَّه ﷺ يكرَهُ كثرةَ السائل ويعيبُها، والانفكاكُ عندي من هذا المعنى والانفصالُ من هذا السُّؤالِ والإدخال، أن السُّؤالَ اليومَ لا يُخافُ منه أن ينزِلَ تحريمٌ ولا تحليلٌ من أجلِه، فمَن سأل مستفهِمًا راغبًا في العلم ونفيِ الجهل عن نفسِه، باحثًا عن معنًى يجبُ الوقوفُ في الديانةِ عليه، فلا بأسَ به، فشفاءُ العِيِّ السُّؤال، ومَن سأل مُعنِتًا غيرَ متفقِّهٍ ولا متعلِّم، فهذا لا يَحِلُّ قليلُ سؤالِه ولا كثيرُه. وقد أوضَحنا هذه المعانيَ كلَّها في كتاب "العلم" (٢) بما لا سبيلَ إلى ذكرِه هاهنا. وأمّا قولُه: "وإضاعةَ المال"، فللعلماءِ في تأويلِ معناه ثلاثةُ أقوال:
следующие страницы →