← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7538–7577 · переход к 7543.

стр. 7538

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْر والحارثُ بنُ أبي أسامة، قالا: حدَّثنا هَوْذَةُ، قال: حدَّثنا عوفٌ، عن الحسن، قال: مرِض مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ مرضًا ثقُل فيه، فأتاه ابنُ (١) زيادٍ يَعودُه، فقال: إني مُحدِّثُك حديثًا سمِعتُه من رسولِ اللَّه ﷺ ، سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "مَن اسْتُرعيَ رَعِيّةً فلم يُحِطْهم بنَصيحَة، لم يَجِدْ ريحَ الجنّة، ورِيحُها يوجَدُ من مَسيرةِ خمسِ مئةِ عام" (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين (٣)، قال: حدَّثنا ابنُ شاهين، قال: حدَّثنا أبو هشام محمدُ بنُ يزيدَ الرفاعيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ سهل، عن المغيرةِ بنِ مسلم، عن قتادة، عن أبي الدّرداء، قال: لا إسلامَ إلّا بطاعة، ولا خيرَ إلّا في الجماعة، والنُّصحُ للَّه، وللخليفة، وللمؤمنين عامةً (٤). وأمّا قولُه: "ويَكرَهُ لكم قيل وقال، وكثرةَ السُّؤال". فمعنى: "قيل وقال" -واللَّهُ أعلم- الحديثُ بما لا معنى لهُ ولا فائدةَ فيه من أحاديثِ الناس التي أكثَرُها

стр. 7539

غِيبةٌ ولَغَطٌ وكذِبٌ، ومَن أكثر من القيلِ والقالِ مع العامةِ لم يسلَمْ من الخوضِ في الباطل، ولا من الاغتياب، ولا من الكذِب. واللَّهُ أعلم. وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "كفَى بالمرءِ كذِبًا أن يحدِّثَ بكلِّ ما يسمَعُ" (١). ومكتوب في حكمةِ داودَ وفي صُحُفِ إبراهيم: مَن عدَّ كلامَه من عملِه، قلَّ كلامُه إلا فيما يَعنيه. وفي المثل السائر: التقيُّ مُلْجَمٌ (٢). وقد مضَى قولُه ﷺ : "مَن كان يؤمِنُ باللَّه واليوم الآخرِ فليقلْ خيرًا أو ليسكُتْ" في باب سعيدِ بنِ أبي سعيد (٣)، ومضَى هناك في الصمتِ وحفظِ اللسانِ بعضُ ما يكفي إن شاء اللَّه. وأمّا قولُه: "وكثرةَ السُّؤال". فمعناه عندَ أكثرِ العلماء: التكثيرُ في السُّؤال من المسائل النوازل والأُغْلوطات (٤)، وتشقيقُ المولَّدات (٥). وقد أوضحنا هذا البابَ وبسَطْناه، وأشبعنا القولَ فيه من جهة الأثرِ في كتاب العلم. وقال مالك: أمّا نهيُ رسول اللَّه ﷺ عن كثرة السُّؤال، فلا أدري أهو الذي أنهاكم عنه من كثرةِ المسائل، فقد كره رسول اللَّه ﷺ المسائل وعابها، أم هو مسألة الناس؟

стр. 7540

قال أبو عُمر: الظاهر في لفظ هذا الحديث: كراهة السُّؤال عن المسائل إذا كان ذلك على الإكثار، لا على الحاجة عند نزول النازلة؛ لأن السُّؤال في مسألة الناس إذا لم يجز، فليس ينهى عن كثرته دون قلَّته، بل الآثارُ في ذلك آثارُ عموم لا تفرِّقُ بين القلة والكثرة لمن كُره له ذلك؛ وقد مضى في معنى السُّؤال وما يجوز منه ولمن يجوز أبوابٌ كافية في هذا الكتاب. وأمّا حديثُ هذا الباب فمعناه -واللَّه أعلم-: ما ذكرنا، على أنه قد اختُلف فيه على ما وصفنا؛ وكان الأصلُ في هذا أنهم كانوا يسألون رسُولَ اللَّه ﷺ عن أشياءَ ويُلحُّون فيها فينزلُ تحريمُها، قال اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١]. ثبت عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "أعْظَمُ المُسلمينَ في المُسلمين جُرمًا مَن سَألَ عمّا لم يُحرَّمْ، فحُرِّمَ على النّاسِ مِنْ أجْلِ مَسْألتِه". ورُوِيَ عن الزُّهريِّ، ومجاهد، وقتادةَ، وعكرمةَ، بمعنًى واحد، أنهم قالوا: كانوا يسألون رسُولَ اللَّه ﷺ ، فسألوه يومًا فأكثَروا عليه، فقام مُغضَبًا وقال: "سلُوني، فواللَّه لا تسألُوني -أو: لا يسألُني أحدٌ- عن شيءٍ في مقامي هذا إلا أخبَرتُه، ولو سألني عن أبيه لأخبَرتُه"، فقام عبدُ اللَّه بنُ حُذافة فقال: مَن أبي؟ فقال: "أبوك حُذافة". قال الزُّهريُّ: فقالت أمُّه: ما رأيتُ ولدًا أعقَّ منك! أكنتَ تأمَنُ أن تكونَ أمُّك قارَفت ما قارَف أهلُ الجاهلية فتفضَحَها؟ وقام رجلٌ فقال: الحجُّ واجبٌ في كلِّ عام، أم مرةً واحدةً؟ فقال: "بل مرةً واحدةً، ولو قلتُها لوَجَبت". وقام سعدٌ مولى شيبةَ فقال: مَن أنا يا رسولَ اللَّه؟ قال: "أنتَ سعدٌ مولَى شيبةَ بنِ ربيعةَ". وقام رجلٌ من بني أسدٍ فقال: أين أنا يا رسولَ اللَّه؟ قال: "أنتَ في النار". فقام عمرُ فقال: رضِينا باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينا، وبمحمَّدٍ نبيًّا، نعوذُ باللَّه من

стр. 7541

غضبِ اللَّه وغضبِ رسولِه. فنزَلت عندَ ذلك هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآيةَ (١). ونَهى رسولُ اللَّه ﷺ عن قيلَ وقال، وكثرةِ السُّؤال، وإضاعةِ المال. وقال ابنُ جُريج، عن عطاءٍ وعمرِو بنِ دينار، عن عُبيدِ بنِ عُمير: إنَّ اللَّهَ حرَّم أشياءَ وأحلَّ أشياءَ، فما حرَّم فاجتنِبوه، وما أحلَّ فاستحِلُّوه، وما سكَت عنه فهو عفوٌ فلا تسألوا عنه (٢). وقال آخرون: معنى نَهْي النبيِّ ﷺ عن كثرةِ السُّؤال، أراد سؤالَ المال والإلحاحَ فيه على المخلوقين. واستدلُّوا بعطفِه على ذلك قولَه ﷺ : "وإضاعةَ المال"، وبما رواه المغيرةُ بنُ شعبةَ وعمارُ بنُ ياسر، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إنّ اللَّهَ كرِه لكم قيلَ وقالَ، وكثرةَ السُّؤال، وإضاعةَ المال، ومنْعَ وهات، ووأْدَ البنات، وعُقوقَ الأُمّهات" (٣). قالوا: فقولُه: "ومنع وهات" هو من باب السُّؤال، والمنعُ في المال لا في العلم. قالوا: فكذلك نهيُه عن كثرةِ السؤال. واللَّهُ أعلم.

стр. 7542

حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حمدان، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثني أبي (١)، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا غيرُ واحدٍ منهم مُغيرةُ، عن الشعبيِّ، عن وَرّادٍ كاتبِ المغيرةِ بنِ شعبة، أنَّ معاويةَ كتَب إلى المغيرة: اكتُبْ إليَّ بحديثٍ سمعتَه من رسولِ اللَّه ﷺ . فكتَب إليه المغيرةُ: إنّي سمعتُه يقولُ عندَ انصرافِه من الصلاة: "لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ" ثلاثَ مرات، وكان ينهَى عن قيلَ وقالَ، وكثرةِ السُّؤال، وإضاعةِ المال، ومنْعَ وهات، وعقوقِ الأمهات، ووأدِ البنات. قال أبو عُمر: قد مضَى فيما يَحِلُّ من السُّؤالِ وما لا يَحِلُّ أبوابٌ كافيةٌ فيما سلفَ من هذا الكتاب، والسؤالُ إذا لم يَحِلَّ فلا يَحِلُّ منه التكثيرُ ولا التقليل، وإذا كان جائزًا حلالًا فلا بأسَ بالإكثارِ منه حتى يبلُغَ إلى الحدِّ المنهيِّ عنه. واللَّهُ أعلم. وقد كان رسولُ اللَّه ﷺ يكرَهُ كثرةَ السائل ويعيبُها، والانفكاكُ عندي من هذا المعنى والانفصالُ من هذا السُّؤالِ والإدخال، أن السُّؤالَ اليومَ لا يُخافُ منه أن ينزِلَ تحريمٌ ولا تحليلٌ من أجلِه، فمَن سأل مستفهِمًا راغبًا في العلم ونفيِ الجهل عن نفسِه، باحثًا عن معنًى يجبُ الوقوفُ في الديانةِ عليه، فلا بأسَ به، فشفاءُ العِيِّ السُّؤال، ومَن سأل مُعنِتًا غيرَ متفقِّهٍ ولا متعلِّم، فهذا لا يَحِلُّ قليلُ سؤالِه ولا كثيرُه. وقد أوضَحنا هذه المعانيَ كلَّها في كتاب "العلم" (٢) بما لا سبيلَ إلى ذكرِه هاهنا. وأمّا قولُه: "وإضاعةَ المال"، فللعلماءِ في تأويلِ معناه ثلاثةُ أقوال:

стр. 7543

أحدُها: أنه أراد بذكرِ المالِ هاهنا الحيوانَ من مِلك اليمين؛ أن يُحسَنَ إليهم، ولا يُضَيَّعون فيهلِكون. وهذا قولٌ رواه السَّرِيُّ بنُ إسماعيل، عن الشعبيّ (١). واحتجَّ مَن ذهَب هذا المذهبَ بحديث أنس (٢) وأمِّ سَلَمة (٣)، أنَّ عامّةَ وصيةِ رسولِ اللَّه ﷺ حينَ حضَرته الوفاةُ كانت قولَه: "الصَّلاةَ الصَّلاةَ وما ملَكت أيمانُكم". والقولُ الثاني: إضاعةُ المالِ تَرْكُ إصلاحِه والنظرُ فيه وكسبِه. واحتجَّ مَن قال هذا بقولِ قيسِ بنِ عاصم لبَنيهِ حينَ حضَرته الوفاةُ: يا بَنيَّ، عليكم بالمالِ واصطناعِه، فإنَّ فيه منبَهةً للكريم (٤)، ويُستغنَى به عن اللئيم (٥). وبقول عَمْرِو بنِ

стр. 7544

العاص في خطبتِه حيث قال: يا معشَرَ الناس، إيَّايَ وخِلالًا أربعًا، فإنها تَدْعو إلى النصَبِ بعدَ الراحة، وإلى الضيقِ بعدَ السَّعَة، وإلى المذلةِ بعدَ العزِّ؛ إيَّايَ وكثرةَ العيال، وإخفاضَ الحال، والتضييعَ للمال، والقيلَ والقالَ في غيرِ دَرَكٍ ولا نَوال (١). والقولُ الثالث: إضاعةُ المال: إنفاقُه في غير حقِّه؛ من الباطلِ والإسرافِ والمعاصي، لا جعَلنا اللَّه ممّن يستعينُ بنعمِه على معاصيه، آمينَ برحمتِه. حدَّثنا عبدُ الرحمن (٢)، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سُحنونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ نَشيط، قال: سألتُ عمرَ مولَى غُفْرةَ عن الإسرافِ ما هو؟ قال: كلُّ شيءٍ أنفَقتَه في غيرِ طاعةِ اللَّه فهو سَرَفٌ وإضاعةٌ للمال (٣). أخبرنا أحمدُ بنُ عبد اللَّه بن محمد، أنّ أباهُ حدَّثَه، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ يونس، قال: حدَّثنا بَقيُّ بنُ مخْلَد، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٤): حدَّثنا يعلى بنُ عُبيد، عن محمدِ بنِ سُوقةَ، عن سعيدِ بنِ جُبير، أنَّه سألَهُ رجلٌ عن إضاعةِ المال، فقال: أن يرزُقَكَ اللَّهُ رزقًا فتُنفِقَهُ فيما حرَّم اللَّهُ عليك. وهكذا قال مالكٌ (٥).

стр. 7545

سُمَيٌّ مَوْلَى أبي بكرٍ (١) هو سُمَيٌّ مولى أبي بكر بنِ عبدِ الرّحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشام المخزوميِّ، مدنيٌّ ثقةٌ ثَبْتٌ، روَى عنه جماعة من الأئمّة، ولا يختلفون في عدالتِه وأمانتِه، إلّا أنّ عليَّ بنَ المدينيِّ قال: قلتُ ليحيى بنَ سعيد: أسُمَيٌّ أثبتُ عندك أو القعْقاعُ بنُ حَكيم؟ قال: القعْقاعُ أحبُّ إليَّ منه (٢). وقال عبدُ اللَّه بنُ أحمدَ بنِ حنبل: سألتُ أبي عن سُمَيٍّ، فقال: ثقة (٣). روَى عنه مالك. وقُتل سُمَيٌّ ﵀ بقُدَيد، وكانت غزوةُ قُديدٍ في صفَرٍ سنة ثلاثينَ ومئة (٤). أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: أخبَرنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: قال سفيان: أتيتُ المدينةَ فسألتُ عن سُمَيٍّ، قالوا: خرجَ إلى الغزو. قيل لسفيان: كأنّ سُمَيًّا قُتِل؟ قال: زَعَموا أنّ الخوارجَ قتلتْه (٥). قال أبو عُمر: لمالكٍ عنه ثلاثةَ عشَرَ حديثًا، أحدُها مرسلٌ، وفي حديثٍ واحدٍ منها ثلاثةُ أحاديثَ، فتصيرُ خمسةَ عشرَ حديثًا.

стр. 7546

حديثٌ أولُ لسُمَيٍّ مالكٌ (١)، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي صالح السمّان، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "بينما رجل يمشي بطريقٍ إذ اشتدَّ عليه العطَش، فوجَد بئرًا فنزَل فيها (٢) فشَرِبَ فخرَج، فإذا كلبٌ يلهَثُ يأكلُ الثَّرى من العَطَش، فقال الرجلُ: لقد بلَغَ هذا الكلبَ من العَطَش مثلُ الذي بَلَغ منِّي. فنزل البئرَ فملأ خُفَّه، ثم أمسَكَهُ بفيه حتّى رقيَ فسقَى الكَلْبَ، فشكَر اللَّهُ له، فغفَر له". فقالوا: يا رسولَ اللَّه، وإنَّ لنا في البهائم لأجرًا؟ قال: "في كلِّ كبدٍ رَطبةٍ أجرٌ". في هذا الحديث دليل على أنَّ الإساءةَ إلى البهائم والحيوان لا يجوزُ ولا يَحِلُّ، وأن فاعلَها يأثمُ فيها، لأنَّ النصَّ إذا ورد بأنّ في الإحسان إليهنَّ أجرًا وحسنات، قام الدليلُ بأنّ في الإساءة إليهن وِزرًا وذُنوبًا، واللَّهُ يعصِمُ مَن يشاء، وهذا ما لا شكَّ فيه ولا مَدفعَ له. وقد روَى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "دخَلتِ امرأةٌ النارَ في هِرَّةٍ ربَطتْها، فلا هي أطعَمتْها، ولا هي أطلَقتْها تأكلُ من خَشاشِ الأرض (٣)، حتى ماتت، فعُذِّبت في ذلك" (٤). فهذا يُبينُ لك ما قلنا، وهو أمرٌ لا تنازُع بينَ العلماء فيه. وفي هذا الحديث دليلٌ على وجوبِ نفقاتِ البهائم المملوكةِ على مالكيها، وهذا ما لا خلافَ فيه أيضًا، ولا في القضاء به. والحمدُ للَّه. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبد الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: حدَّثنا مهديُّ بنُ

стр. 7547

ميمون، عن محمدِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي يعقوب، عن الحسن بن سَعْد، عن عبدِ اللَّه بنِ جعفر، قال: أردَفني رسولُ اللَّه ﷺ ذاتَ يوم خلفَه، فأسَرَّ إليَّ حديثًا لا أُخبرُ به أحدًا أبدًا، وكان رسولُ اللَّه ﷺ أحبُّ إليه ما استتَر به في حاجتِه هدفًا أو حائشَ نَخْل، فدخَل يومًا حائطًا من حيطانِ الأنصار، فإذا جملٌ قد أتاه فجَرجَر (١)، وذرَفَت عيناه، فمسَح رسولُ اللَّه ﷺ سَراتَه وذِفْراه فسَكَن، فقال: "مَن صاحبُ الجمل؟ " فجاء فتًى من الأنصار فقال: هو لي يا رسولَ اللَّه. فقال: "أما تتَّقي اللَّهَ في هذه البهيمةِ التي ملَّكك اللَّهُ؟ إنه شكا إليَّ أنك تُجيعُه وتُدْئبُه" (٢). ورُوِي هذا الخبرُ من حديث يعلى بن مُرَّة، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ بمعنى حديثِ عبدِ اللَّه بنِ جعفر، وفيه: "فاستوصِ به خيرًا". قال: فقال صاحبُه: لا جرَمَ واللَّه، لا أُكرِمُ مالًا كرامتَه أبدًا (٣). وأمّا قولُه: "ذَرَفتْ عيناه" فمعناه: قطَرت دموعُهما قَطْرًا ضعيفًا، و"السَّراةُ": الظَّهرُ. و"الذِّفْرَى": ما وراءَ الأُذنين عن يمينِ النُّقرةِ وشمالها، تُثَنَّى: الذِّفْريان، وتُجمعُ: الذَّفارَى. قال ذو الرُّمَّة (٤):

стр. 7548

والقُرْطُ في حُرَّةِ الذِّفْرَى مُعَلَّقةٌ ... تَباعَدَ الحَبْلُ منهُ فهْوَ يضطرِبُ والحائشُ: حائطُ النخل، والحديقةُ (١) منه. أخبرنا محمد (٢)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمر، قال: حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّه النيسابوريُّ صاحبُنا، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدِ بنِ إسحاقَ الإسفَرايينيُّ، قال: حدَّثني خالي أبو عَوانةَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ الإسفَرايينيُّ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ أحمدُ بنُ بَكْرُويةَ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ الحُبَاب، عن مالك، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ بنِ الزُّبير، عن سُراقةَ بنِ مالكِ بنِ جُعشُم، أنه أتى النبيَّ ﷺ في وجَعِه، فقال: يا رسولَ اللَّه، أرأيتَ الضالَّةَ تَرِدُ على حوضِ إبلي، هل لي فيها من أجرٍ إن سقَيتُها؟ قال: "نعم، في الكَبدِ الحرَّى (٣) أجرٌ" (٤). قال أبو الحسن: هذا غريبٌ عن مالك، وإنما يَرويه أصحابُ الزُّهريِّ، عن الزُّهريِّ، عن عبدِ الرحمن بنِ مالكِ بنِ جُعْشُم (٥)، عن أبيه، عن أخيه سُراقةَ بن جُعْشُم؛ كذلك رواهُ موسى بنُ عُقبةَ ومحمدُ بنُ إسحاقَ وغيرُهما، عن الزُّهريِّ (٦).

стр. 7549

حديثٌ ثانٍ لسُمَيٍّ مالكٌ (١)، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "بينما رجل يمشي بطريقٍ إذ وجَد غُصنَ شَوكٍ على الطريقِ فأخَّره، فشكَر اللَّهُ له، فغفَر له". وقال: "الشُّهداءُ خمسة: المَطْعُونُ، والمَبْطُونُ، والغَرِقُ، وصاحبُ الهَدْم، والشهيدُ في سبيل اللَّه". وقال: "لو يعلمُ الناسُ ما في النداءِ والصفِّ الأول، ثم لم يجِدُوا إلا أن يَستهِمُوا عليه لاستَهمُوا، ولو يعلَمون ما في التهجير (٢) لاستبَقُوا إليه، ولو يعلَمون ما في العتَمَةِ والصُّبْحِ لأَتَوْهُما ولو حَبْوًا". قال أبو عُمر: هذه ثلاثةُ أحاديثَ في واحد، كذلك يَرويها جماعةٌ من أصحاب مالك (٣)، وكذلك هي محفوظةٌ عن أبي هريرة: أحدُها: حديثُ الذي نزَع غُصْنَ الشوكِ عن الطريق. والثاني: حديثُ الشهداء. والثالث: قولُه: "لو يعلَمُ الناسُ ما في النداء" إلى آخر الحديث. وهذا القسمُ الثالثُ سقَط ليحيى من باب، وهو عندَه في بابٍ آخر منها ما كان ينبغي أن يكونَ في بابِ العَتَمةِ والصبح. وقولُه: "ولو يعلَمُ الناسُ ما في النداء" إلى قوله: "ولو حَبْوًا"

стр. 7550

فلم يروِه عنه ابنُه عُبيدُ اللَّه في ذلك الباب، ورواه ابنُ وَضّاح، عن يحيى، وهو عند جماعةِ الرُّواة "للموطأ" (١) عن مالك، لا يختلفون في ذلك فيما علمتُ. وفي هذا الحديث من الفقه: أنّ نزْعَ الأذى من الطُّرق من أعمال البرِّ، وأن أعمالَ البرِّ تُكفِّرُ السَّيئات، وتُوجِبُ الغُفرانَ والحسنات. ولا ينبغي للعاقل المؤمن أن يحتقِرَ شيئًا من أعمالِ البرِّ، فربما غُفِر له بأقلِّها؛ ألا ترى إلى ما في هذا الحديث من أنَّ اللَّهَ شكَر له إذ نزَعَ غُصنَ الشَّوك عن الطريق فغفَر له ذنوبَه؟ وقد قال ﷺ : "الإيمانُ بضْعٌ وسبعونَ شعبةً، أعلاها لا إلهَ إلا اللَّه، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان" (٢). وقال اللَّه : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. وقال الحكيم:

стр. 7551

ومتى تفعلُ الكثيرَ من الخيـ ... ـرِ إذا كنتَ تاركًا لأقلِّهْ (١) حدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عثمان، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ خُمير وسعيدُ بنُ عثمان، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبد اللَّه بن صالح، قال: حدَّثنا النضرُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا عكرمةُ بنُ عمار، قال: حدَّثنا أبو زُميل، عن مالكِ بنِ مَرثد، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "تبسُّمُك في وجهِ أخيك صدقةٌ، وأمرُك بالمعروفِ ونهيُك عن المنكر صدقة، وإرشادُكَ الرجلَ في أرضِ الضلالةِ صدقةٌ، ونظَرُك للرجل الرديء البصرِ صدقةٌ، وإماطتُك الحجرَ والشوكةَ والعَظْمَ عن الطريقِ صدقةٌ، وإفراغُك من دَلوِكَ في دَلوِ أخيكَ صدقةٌ لك" (٢). أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البزّارُ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ بنِ سابق، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "حُوسِبَ رجلٌ فلم يُوجَدْ له من الخيرِ إلا غُصْنُ شوكٍ نحّاه عن الطريق، فغُفِرَ له". هكذا رواه أبو معاويةَ عن هشام بهذا الإسناد، وخالَفه فيه غيرُه من أصحاب هشام.

стр. 7552

وأمّا قولُه: "الشهداءُ خمسة". فهكذا جاء في الحديث، وقد جاء في غيرِه ما قد ذكَرناه في باب عبدِ اللَّه بنِ جابرِ (١) بنِ عَتِيكٍ من كتابنا هذا، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "الشهداءُ سبعةٌ سِوى القتل في سبيلِ اللَّه" (٢). وهذه زيادةٌ، وقد مضَى القولُ في ذلك كلِّه ومعانيه في ذلك الباب من هذا الكتاب. والحمدُ للَّه. أخبَرني خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ جعفر بنِ محمدِ بنِ عيسى البغداديُّ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا قُتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "الشهداءُ خمسةٌ؛ المطعونُ، والمبطونُ، والغريقُ، وصاحبُ الهدْم، والشهيدُ في سبيل اللَّه" (٣). وروى مالكٌ (٤)، عن عبدِ اللَّه بنِ عبد اللَّه بنِ جابرِ بنِ عَتِيك، عن عتيكِ (٥) بنِ الحارثِ بنِ عَتيك، عن جابرِ بنِ عَتيك، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "الشهداءُ سبعةٌ

стр. 7553

سِوى القتل في سبيل اللَّه؛ المطعونُ، والغَرِقُ، وصاحبُ ذات الجَنْب، والمبطونُ، والحَرِقُ، والذي يموتُ تحتَ الهدْم، والمرأةُ تموتُ بجُمْع". يعني: كلُّهم شهيدٌ. وقد تقدَّم تفسيرُ معاني هذا الباب مُمهَّدًا في بابِ عبدِ اللَّه بن جابرٍ (١) من هذا الكتاب فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهنا، والحمدُ للَّه. وفي هذا الحديث أيضًا: فضلُ النداءِ، وهو الأذانُ، وفضلُ الصفِّ الأول، وفضلُ البُكُور بالهاجرةِ إلى الصلاةِ في المسجدِ في الجمُعةِ وغيرِها، ولا أعلمُ خلافًا بين العلماءِ أنّ مَن بكَّر وانتظَر الصلاة -وإن لم يُصَلِّ في الصفِّ الأول- أفضلُ ممن تأخَّر ثم تخطَّى إلى الصفِّ الأول، وفي هذا ما يُوضِّحُ لك معنى فضل الصفِّ الأول أنَّه ورَد من أجلِ البُكُور إليه والتقدُّم -واللَّهُ أعلم- وفضْل شهودِ العَتَمة والصُّبح في جماعة، وقد مضَت هذه المعاني مكرَّرةً في غيرِ موضع من كتابِنا هذا، فلا معنى لتكريرِها بعدُ هاهنا. وفي هذا الحديثِ أيضًا: جوازُ تسميةِ العِشاءِ بالعَتَمة، وهو موضعُ اختلافٍ بينَ أهلِ العلم، فمَن كرِهَ ذلك احتجَّ بأنّ اللَّهَ سمّاها العِشاءَ بقوله: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]، واحتُجَّ أيضًا بحديثِ أبي سَلَمة، عن ابنِ عمر، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لا تَغلِبنَّكم الأعرابُ على اسم صلاتِكم هذه، إنما هي العِشاءُ، وإنما يُسمُّونها العَتَمة لأنهم يُعتِمون بالإبل" (٢). ومَن أجازَ

стр. 7554

تسميةَ العشاءِ بالعَتَمة، فحُجَّتُه حديثُ سُمَيٍّ المذكورُ في هذا الباب، واللَّهُ الموفِّقُ للصواب. وأما قولُه ﷺ : "لو يعلمُ الناسُ ما في النداءِ والصفِّ الأول ثم لم يجدُوا إلا أن يَستهِموا عليه لاستَهَموا"، فإنما أراد: الاستهامَ على الصفِّ الأول لا على الأذان، وعليه رجَع الضميرُ في "عليه". وقال ابنُ حبيب: إنما ذلك في الموضع الذي لا يُؤذِّنُ فيه إلا واحدٌ، كالمغرب والجمُعة، مع كثرةِ المؤذِّنين. قال أبو عُمر: يحُضُّهم على ذلك لئلا يُزهَدَ في الأذان، فتبطُلَ السُّنةُ فيه بالتواكُلِ وقلَّةِ الرغبة، وقد روَى أبو حمزةَ السُّكَّريُّ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "الإمامُ ضامنٌ، والمؤذِّنُ مؤتَمَنٌ، اللهمَّ أرْشِدِ الأئمّةَ، واغفِرْ للمؤذِّنين"، قالوا: يا رسولَ اللَّه، لقد تَركْتَنا بعدَكَ نتَنافَسُ في الأذان، فقال: "إنّ بعْدَكُم قومًا سفِلتهُم مؤذِّنوهُم" (١). وهذا حديثٌ انفردَ به أبو حمزةَ هذا، وليس بالقويِّ (٢)، وباللَّه التوفيق (٣).

стр. 7555

حديثٌ ثالثٌ لسُمَيٍّ مالكٌ (١)، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر بنِ عبد الرحمن، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إذا قالَ الإمامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، فإنّه مَنْ وافقَ قولُه قولَ الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِه". هكذا هذا الحديثُ في "الموطأ" عندَ جماعةِ رُواتِه بهذا الإسناد (٢). وروَى ابنُ وَهْب فيه، عن مالك، إسنادًا آخرَ: عن نُعيم بنِ عبدِ اللَّه المُجْمِر، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إذا قال الإمامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، فإنه مَن وافقَ قولُه من أهل الأرض قولَ أهل السماء غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِه". في هذا الحديث دليلٌ على أن الإمامَ لا يقولُ: آمين، وأن المأمومَ يقولُها دونَه، وهذا الحديثُ يُفسِّرُ عندَ أصحابنا قولَه ﷺ : "إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنُوا" (٣).

стр. 7556

يريد: إذا دعا بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، إلى آخر السورة؛ لأنَّ الداعيَ يُسمَّى مؤمِّنًا، كما يُسمَّى المؤمِّنُ داعيًا، واستدَلُّوا بقول اللَّه لموسى وهارون: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]، وإنما كان هارونُ مؤمِّنًا وموسى الداعي، فيما قال أهلُ العلم بتأويل القرآن. وقال بعضُ مَن يقولُ بأنّ الإمامَ يقول: آمين إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: لم يُرِدْ رسولُ اللَّه ﷺ بما جاء عنه في هذا الحديث أنَّ الإمامَ لا يقول: آمين؛ لأنه قد صحَّ عنه قولُه: "إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنُوا"، وصحَّ عنه أنَّه كان إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمين" ورفَع بها صوتَه (١)، وإنما أراد بما جاء عنه في حديث سُمَيٍّ هذا أن يُعرِّفَهم بالموضع الذي يقولونَ فيه: آمين، وهو إذا قال الإِمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، ليكونَ قولُهما معًا، ولا يتقدَّموه بقول: آمين. واللَّهُ أعلم. واحتجُّوا بقول بلال: يا رسولَ اللَّه، لا تَسبِقْني بآمين. وقد مضَى هذا الخبرُ فيما سلَف من هذا الكتاب في باب أبي الزِّناد، وباب ابنِ شهاب، ومَضَى من القول في معنى هذا الحديث هناك ما فيه كفايةٌ، والحمدُ للَّه (٢). وفي هذا الحديث: دلالةٌ على أنّ المأمومَ لا يقرأُ خلفَ الإِمام إذا جهَر؛ لا بـ: "أُمِّ القرآن" ولا بغيرِها؛ لأنَّ القراءةَ بها لو كانت عليهم لأمَرهم إذا فرَغوا من "فاتحة الكتاب" أن يُؤمِّنَ كلُّ رَجُلٍ منهم بعدَ فراغِه من قراءتِه؛ لأنَّ السُّنة فيمَن قرأ بـ "أُمِّ القرآن" أن يُؤمِّنَ عندَ فراغِه منها، ومعلومٌ أن المأمومينَ إذا اشتغَلُوا بالقراءةِ خلفَ الإِمام، لم يكادوا يسمَعون فراغَه من قراءةِ "فاتحة الكتاب"، فكيف يُؤمَرون بالتأمين عندَ قول الإِمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ويُؤمَرون بالاشتغال عن استماع ذلك؟ هذا ما لا يَصحّ.

стр. 7557

وقد أجمعَ العلماءُ على أنّه لا يُقرأُ مع الإِمام فيما جهَرَ فيه بغير فاتحةِ الكتاب، والقياسُ أنّ فاتحةَ الكتاب وغيرَها سواءٌ في هذا الموضع؛ لأنّ عليهم - إذا فرَغَ إمامُهم منها أن يُؤمِّنُوا، فوجَبَ عليهم أن لا يشتَغِلُوا بغير الاستماع، واللَّهُ أعلم. وأجمعَ العلماءُ على أنّ مرادَ اللَّه من قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] يعني: في الصّلاة، وقد مضى القولُ في معنى هذا الحديث كلِّه، واختلافُ العلماء في تأمينِ الإِمام وحُجَّةُ كلِّ فريقٍ منهم من جهة الأثرِ والنّظرِ في ذلك ممهَّدًا مبسوطًا في باب ابنِ شهاب عن سعيد وأبي سَلَمةَ من هذا الكتاب (١)، فلا معنى لتكرير ذلك هاهنا.

стр. 7558

حديثٌ رابعٌ لسُمَيٍّ مالكٌ (١)، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر بنِ عبد الرحمن، عن أبي صالح السمّان، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "مَن قال: سبحانَ اللَّه وبحمدِه في يوم مئةَ مرّة، حُطَّتْ خطاياهُ، وإن كانت مثلَ زَبَدِ البحْر". هذا من أحسنِ حديثٍ يُروَى عن النبيِّ ﷺ في فضائل الذِّكر، والآثارُ في هذا الباب كثيرةٌ جدًّا بمعانٍ مُتقاربة، وبركتُها وفائدتُها العملُ بها، ورَحِم اللَّهُ الشّعبيَّ حيث قال: كُنا نَسْتعينُ على حفظِ الحديث بالعمل به (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمن ومحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيد، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ سُليمانَ المَرْوزيُّ أبو بكر، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو معْشَر، عن مسلم بنِ أبي مريم، عن صالح مولى وَجْزةَ، عن أُمِّ هانئ بنت أبي طالبِ قالت: جئتُ إلى رسولِ اللَّه ﷺ فقلت: يا رسولَ اللَّه، إنّي امرأةٌ قد ثقُلْتُ، فَعلِّمْني شيئًا أقولُه وأنا جالسةٌ، قال: "قولي: اللَّهُ أكبرُ مئةَ مرّة، فهو خيرٌ لكِ من مئةِ بدَنَةٍ مُجَلَّلةٍ مُتقبَّلة، وقولي: سبحان اللَّه مئةَ مرّة، فهو خيرٌ لكِ من مئةِ فَرسٍ مُسْرَجَةٍ مُلْجَمَةٍ تَحمِلُها في سبيل اللَّه، وقولي: الحمدُ للَّه مئةَ مرّة، فهو خيرٌ من مئةِ رَقَبةٍ تعتقُها من وَلدِ إسماعيل، وقولي: لا إلهَ إلّا اللَّهُ مئةَ مرّةٍ لا تَذَرُ ذَنْبًا ولا يُشْبِهُهُ عَمَلٌ" (٣).

стр. 7559

حديثٌ خامسٌ لسُمَيٍّ مالكٌ (١)، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "مَن قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير، في يوم مئةَ مرة، كانت له عَدْلَ عَشْرِ رقاب، وكُتِبت له مئةُ حسنة، ومُحِيت عنه مئةُ سيئة، ولم يأتِ أحدٌ بأفضلَ مما جاء به، إلّا أحدٌ عمل أكثرَ من ذلك". في هذا الحديث دليلٌ على أن الذِّكرَ أفضلُ الأعمال، ألا ترى أنّ هذا الكلامَ إذا قيل مئةَ من يَعدِلُ عَشْرَ رقاب إلى ما ذُكِر فيه من الحسَناتِ ومحْوِ السيِّئاتِ؟! وهذا أمرٌ كثير، فسُبحانَ المُتفضِّل المُنْعِم، لا إلهَ إلّا هو العليمُ الخبيرُ. ومن هذا الباب على ما قلنا قولُ أبي الدرداء: ألا أدلُّكم -أو أُخبرُكم- بخيرِ أعمالكم: أرفعِها (٢) في درجاتِكم، وأزكاها عندَ مليكِكم، وخيرٍ لكم من إعطاءِ الذَّهَب والوَرِق، وخيرٍ من كثير من الصدقةِ والصوم، وخيرٍ من أن تَلْقَوا عدُوَّكُم فتَضرِبُوا أعناقَهم ويَضرِبوا (٣) أعناقَكُم؟ قالوا: بلى. قال: ذِكرُ اللَّه (٤). وقال معاذُ بنُ جبل: ما عمِل ابنُ آدمَ من عمل أنجَى له من عذاب اللَّه من ذكرِ اللَّه (٥).

стр. 7560

وقالوا: ذكرُ اللَّه خيرٌ من حَطْم السيوف في سبيل اللَّه. وقال سعيدُ بنُ المسيِّب وغيرُه في قول اللَّه : ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [الكهف: ٤٦]: هي قولُ العبد: لا إلهَ إلّا اللَّهُ، والحمدُ للَّه، وسبحانَ اللَّه، واللَّهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلّا باللَّه (١). وقال اللَّهُ : ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦]. فحسْبُك بما في الكتاب والسُّنة من فضل الذِّكْر، وفَّقنا اللَّهُ وحبَّبَ إلينا طاعتَه، وأعاننا عليها بفضلِه ورحمتِه آمين. وهذا وما كان مثلَه يُوضِّحُ لك أنَّ الكلامَ بالخير: من ذكرِ اللَّه، وتلاوةِ القرآن، وأعمالِ البرِّ، أفضلُ من الصَّمت، وكذلك القولُ بالحقِّ كلِّه، والإصلاحُ بينَ الناس وما كان مثلَه، وإنما الصمتُ المحمودُ: الصَّمتُ عن الباطل. ذكَر معاويةُ بنُ صالح، عن عليٍّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس -في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣]- قال: عن الباطل (٢). وقال قتادةُ في قوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]. قال: لا يُساعدون أهلَ الباطل على باطلِهم ولا يُمالِئونهم (٣). وقال مجاهد (٤): إذا أُوذُوا صفَحُوا.

стр. 7561

وروى محمدُ بنُ يزيدَ بنِ خُنَيس، عن سفيان، عن سعيدِ بنِ حسّان، عن أمِّ صالح، عن صفيةَ بنتِ شيبة، عن أمِّ حبيبة، قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "كلامُ ابنِ آدمَ عليه لا له إلّا أمرٌ بمعروف، أو نهيٌ عن مُنْكَر، أو ذكرٌ للَّه" قال ابنُ خُنَيس: فتعجَّبَ القوم، فقال سفيان: ممَّ تعجَّبُون؟ أليسَ اللَّهُ يقول: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]، وقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨] (١)؟ قال أبو عُمر: مما يبيِّنُ لكَ أنّ الكلامَ بالخير والذِّكْرِ أفضلُ منَ الصَّمت: أنّ فضائلَ الذِّكرِ الثابتةَ في الأحاديثِ عن النبيِّ ﷺ لا يستحقُّها الصامتُ. روى شُعبةُ عن الحكم، عن عَمرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ قال: لا إلهَ إلّا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ له له المُلكُ وله الحمدُ، يُحيي ويُميتُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، مئةَ مرّةٍ إذا أصبَحَ، ومئةَ مرّةٍ إذا أمسى، لم يجئْ أحدٌ بأفضلَ من عمَلِه إلّا مَن قال أفضلَ من ذلك" (٢).

стр. 7562

حديثٌ سادسٌ لسُمَيٍّ مالكٌ (١)، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكرِ بنِ عبد الرحمن، عن أبي صالح السمّان، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "مَن اغتسلَ يومَ الجُمعة غُسْلَ الجنابة، ثم راحَ في الساعة الأولى، فكأنما قرَّبَ بَدَنةً، ومَن راحَ في الساعة الثانية، فكأنما قرَّبَ بقرةً، ومَن راحَ في الساعة الثالثة، فكأنما قرَّبَ كبشًا أقرنَ، ومَن راحَ في الساعة الرابعة، فكأنما قرَّبَ دجاجةً، ومَن راحَ في الساعة الخامسة، فكأنما قرَّبَ بيضةً، فإذا خرَج الإمامُ طُويتِ الصُّحُفُ وحضَرتِ الملائكةُ يَستمِعون الذِّكْرَ". قال أبو عُمر: الذكرُ هاهنا: الخطبةُ وما فيها من ذكرِ اللَّه وتلاوةِ القرآن. واختلَف العلماءُ في تأويل هذا الحديث؛ فقالت طائفة: أراد ساعاتِ النهارِ من أوله. واحتجُّوا بظاهر هذا الحديث، وقالوا: لا بأسَ بالمسير إلى الجمُعةِ مع طلوع الشمس، وهو أفضلُ عندَهم على هذا الحديث. وكان مالكٌ يكرهُ البُكورَ إلى الجمُعة غُدوةً وضُحًى، ويستحبُّ التهجيرَ على قَدْر، إلا مَن كان منزلُه بعيدًا عن المسجد، فليخرُجْ قدْرَ ما يأتي المسجدَ فيُدركُ الصلاةَ والخطبة. وقال الشافعيُّ وأبو حنيفة ودواد: يُستحبُّ البكورُ إلى الجمُعة (٢). قال الشافعيُّ: البُكورُ بعدَ الفجرِ إلى الزوال (٣). وذكر الأثرمُ (٤) قال: قيل لأبي عبد اللَّه -يعني أحمدَ بنَ حنبل-: كان مالكُ بنُ

стр. 7563

أنس يقول: لا ينبغي التهجيرُ يومَ الجمُعة باكرًا. فقال: هذا خلافُ حديث النبيِّ ﷺ وأنكَره، وقال: سبحانَ اللَّه! إلى أيِّ شيءٍ ذهَب في هذا والنبيُّ ﷺ يقول: "كالمُهدي جَزورًا، وكالمُهدي كذا" (١). وكان ابنُ حبيبٍ يميلُ إلى هذا القول ويُنكِرُ قولَ مالك، وقال: هو تحريفٌ في تأويل الحديث، ومحالٌ من وجوه. قال: وذلك أنَّه لا تكونُ ساعاتٌ في ساعةٍ واحدة. قال: والشمسُ إنما تزولُ في الساعةِ السادسةِ من النهار، وهو وقتُ الأذان وخروج الإِمام إلى الخُطبة، فدلَّ ذلك على أنّ الساعاتِ المذكورةَ في هذا الحديث هي ساعاتُ النهار المعروفات، فبدأ بأوَّل ساعاتِ اليوم فقال: "مَن راحَ في الساعة الأولى، فكأنما قرَّب بَدَنةً"، ثم قال في الخامسة: "بيضة"، ثم انقطَع التهجير، وحانَ وقتُ الأذان. قال: فشرحُ الحديث بيِّنٌ في لفظه، ولكنه حُرِّف عن وجهِه، وشُرح بالخُلْف (٢) من القول وبما لا يتكوَّنُ، وزهَّد شارحُه الناسَ فيما رغَّبهم فيه رسولُ اللَّه ﷺ من التهجير في أول النهار، وزعَم أن ذلك كلَّه إنما يجتمعُ في ساعةٍ واحدةٍ عندَ زوالِ الشمس. قال: وقد جاءت الآثارُ بالتهجير إلى الجمُعة في أولِ النَّهار، وقد سُقْنا من ذلك في موضعِه من كتاب "واضح السُّنن" ما فيه بيانٌ وكفاية. هذا كلُّه قولُ ابن حَبِيب (٣). قال أبو عُمر: هذا منه تحاملٌ على مالك ﵁، فهو الذي قال القولَ الذي أنكَره ابنُ حبيب، وجعله خُلفًا من القول وتحريفًا من التأويل، والذي

стр. 7564

قاله مالكٌ هو الذي تشهدُ له الآثارُ الصِّحاحُ الثابتةُ من روايةِ الفقهاءِ الأئمة، مع ما صحِبه عندَه من عمل العلماء ببلدِه؛ لأنَّ مثلَ هذا يصحُّ فيه الاحتجاجُ بالعمل، لأنَّ مالكًا كان مجُالسًا لعلماءِ المدينة ومُشاهدًا لوقتِ حركتِهم وخروجِهم إلى الجمُعة، وكان أشدَّ الفقهاءِ اتِّباعًا لسلفِه، ولو رآهم يُبكِّرون إلى الجمُعة ويَخرجون إليها معَ طلوع الشمس ما أنكَر ذلك معَ حرصِه على اتِّباعهم. قال أحمدُ بنُ حنبل (١): مالكٌ عندي أتبعُ من سفيان، يريدُ: أشدَّ اتِّباعًا من سفيان (٢) لسلفِه، واللَّهُ أعلم. قال يحيى بن عمر، عن حرملة: إنه سأل ابنَ وَهْب عن تفسيرِ هذه الساعات: أهو الغُدُوُّ من أول ساعات النهار، أو إنما أرادَ بهذه الساعات ساعةَ الرواح؟ فقال ابنُ وَهْب: سألتُ مالكًا عن هذا، فقال: أمّا الذي يقعُ في قلبي فإنه إنما أرادَ ساعةً واحدةً تكونُ فيها هذه الساعاتُ، مَن راح في أول تلك الساعةِ أو الثانيةِ أو الثالثة أو الرابعة أو الخامسة، ولو لم تكنْ كذلك ما صُلِّيتِ الجمُعةُ حتى يكونَ النهارُ تسعَ ساعاتٍ في وقتِ العصر أو قريبٍ من ذلك (٣). قال أبو عُمر: فهذا قولُ مالكٍ الذي أنكَره ابنُ حبيب. وأمّا الآثارُ التي تشهدُ لصحةِ ما ذهب إليه مالكٌ في ذلك؛ فأخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بن عمرَ أبو جعفر، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حرب، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، يبلُغُ به النبيَّ ﷺ ، قال: "إذا كان يومُ الجمُعة قام على كلِّ بابٍ من أبواب المسجدِ ملائكة يكتُبون الناسَ، الأولَ فالأول؛ المُهجِّرُ إلى الجمُعة كالمُهدي بَدَنةً، ثم الذي يَليه كالمُهدي بقرةً،

стр. 7565

ثم الذي يِليه كالمُهدي كبشًا" -حتى ذكَر الدَّجاجةَ والبيضة- "فإذا جلس الإمامُ طُويتِ الصُّحفُ واستمَعوا الخطبة" (١). ألا ترى إلى ما في هذا الحديث أنَّه قال: "يكتُبون الناسَ الأولَ فالأولَ؛ المُهجِّرُ إلى الجمُعة كالمُهدي بدَنَة، ثم الذي يليه" الحديثَ؟ فجعل الأولَ مُهجِّرًا، وهذه اللفظةُ إنما هي مأخوذةٌ من الهاجرةِ والهجير، وذلك وقتُ النهوض إلى الجمُعة، وليس ذلك عندَ طُلوع الشمس؛ لأنَّ ذلك الوقتَ ليس بهاجرةٍ ولا هجير. واللَّه أعلم. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢)، قال: حدَّثنا حامدُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا سفيان، عن الزُّهريِّ -وحفظتُه منه- عن سعيدِ بن المسيِّب، أنَّه أخبرَه، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا كان يومُ الجمُعة كان على كلِّ باب من المسجدِ ملائكةٌ يكتُبون الناسَ على منازلهم؛ الأولَ فالأول، فإذا خرَج الإمامُ طُويت الصُّحفُ واستمَعوا الخطبة: فالمُهجِّرُ إلى الصلاةِ كالمُهدي بدَنَةً، ثم الذي يَليه كالمُهدي بقرةً، ثم الذي يَليه كالمُهدي كبشًا" -حتى ذكَر الدَّجاجةَ والبيضة- قيل لسفيان: يقولون هذا عن الأعرج، عن أبي هريرة؟ قال: ما سمِعتُ الزُّهريَّ ذكَر الأعرجَ قطّ، ما سمِعتُه يقولُ إلا: عن سعيد، أنَّه أخبرَه عن أبي هريرة (٣).

стр. 7566

قال أبو عُمر: ففي هذا الحديث: "المُهجِّرُ" -كما ترى- ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثُمّ الذي يليه لم يذكُرِ الساعات. ورواه ابنُ أبي ذئب، عن الزُّهريِّ، عن الأعرج، عن أبي هريرة بنحوه (١): حدَّثناه سعيدُ بنُ نصر وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ رَوْح، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: أخبرنا محمدُ بنُ عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن الزُّهريِّ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "المتعجِّلُ إلى الجمُعة كالمُهدي بَدَنةً، ثم كالمُهدي بقرةً، ثم كالمُهدي شاةً، ثم كالمُهدي طائرًا" (٢). هكذا قال ابنُ أبي ذئب: المتعجِّلُ. ولم يقل: المُهجِّر (٣). ولا ذَكَر الساعاتِ المذكورةَ في حديث سُمَيٍّ.

стр. 7567

وروَى هذا الحديثَ سليمانُ بنُ بلال، عن يحيى بن سعيد، عن ابن شهاب، عن أبي سَلَمة وسعيدِ بنِ المسيِّب وأبي عبد اللَّه الأغرِّ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "المُهجِّرُ إلى الصلاة كالذي يُهدي بدَنَة، ثم كالذي يُهدي بقرة، ثم كالذي يُهدي كبشًا، ثم كالذي يُهدي دجاجة". قال: وحسبتُ أنَّه قال: كالذي يُهدي بيضةً. حدَّثناه سعيدُ بنُ نصر وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُويس، قال: حدَّثني أخي، عن سليمانَ بن بلال (١). وروى إبراهيمُ بنُ سعد، عن ابن شهاب، عن الأغرِّ أبي عبد اللَّه، عن أبي هريرة نحوَ هذا الحديث مختصرًا (٢). وقد روَى ابنُ عجلانَ حديثَ سُمَيّ فلم يذكُر فيه الساعاتِ التي ذكَر مالكٌ، وجاء بلفظٍ هو نحوُ حديثِ ابن شهاب: حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني

стр. 7568

محمدُ بنُ العَجلان، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، عن رسولِ اللَّه ﷺ ، أنَّه قال: "تقعُدُ ملائكةٌ يومَ الجمُعةِ على أبواب المسجدِ يكتُبون الناسَ على منازلهم، فالناسُ فيها كرجلٍ قدَّم بدَنةً، وكرجل قدَّم بقرةً، وكرجل قدَّم شاةً، وكرجل قدَّم دجاجةً، وكرجل قدَّم عصفورًا، وكرجل قدَّم بيضةً" (١). قال: وحدَّثني العَجلانُ مثلًا بمِثْل، إلا أنَّه لم يُضعِّف. ورواه يحيى بنُ أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، بمِثل حديث ابنِ شهاب، إلا أنَّه قال: المتعجِّلُ. ولم يقل: المهجِّرُ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبد اللَّه بن حَكَم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية (٢)، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حَسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمار (٣)، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد بنُ حبيب، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني يحيى بنُ أبي كثير، قال: حدَّثني أبو سَلَمة، قال: حدَّثني أبو هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ ، أنَّه قال: "المتعجِّلُ إلى الجمُعة كالمُهدي جَزُورًا، والذي يليه كالمُهدي بقرةً، والذي يليه كالمُهدي شاةً، والذي يليه كالمهدي الطيرَ، فإذا جلس الإمامُ على المنبر خُتِمتِ الصحفُ" (٤).

стр. 7569

فهكذا أحاديثُ الأئمةِ الفقهاءِ -مثلَ سعيدِ بنِ المسيِّب وأبي سلَمة- إنما فيها المُهجِّرُ والمتعجِّلُ، والذي يليه، والذي يليه، والذي يليه، ليس فيها ساعات، وهذه الآثارُ كلُّها تدلُّ على ما ذهب إليه مالكٌ، واللَّهُ أعلم. ورواه العلاءُ بنُ عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فلم يذكُر فيه الساعاتِ أيضًا؛ حدَّثناه يونسُ بنُ عبد اللَّه (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا أبو كُريب محمدُ بنُ العلاء، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ مَخْلد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا العلاءُ بنُ عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا تطلُعُ الشمسُ على يوم أفضلَ من يوم الجمُعة، وما من دابةٍ إلا وهي تفزَعُ ليوم الجمُعة إلا هذينِ الثقَلَين؛ الجنَّ والإنسَ، على كلِّ (٢) باب من أبواب المسجدِ ملَكان يكتُبان الأولَ فالأول، كرجل قدَّم بدنةً، وكرجل قدَّم بقرةً، وكرجل قدَّم شاةً، وكرجل قدَّم طيرًا، وكرجل قدَّم بيضةً، فإذا قعّد الإمامُ طُوِيتِ الصُّحف (٣) " (٤).

стр. 7570

قال أبو عُمر: لم أجِدْ ذكرَ الساعات إلا في حديث مالك عن سُمَيٍّ، وفي حديث عليِّ بنِ زيدٍ، عن أوس بن خالد، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إنّ الملائكةَ يومَ الجمُعةِ على أبواب المسجدِ يكتُبون الناسَ على منازلهم، جاء فلانٌ من ساعة كذا، جاء فلانٌ من ساعة كذا، جاء فلان والإمامُ يخطُبُ، جاء فلانٌ وقد أدرَك الصلاةَ، وجاء فلانٌ ولم يدرِك الجمُعةَ، إذا لم يُدرِك الخُطبة"؛ حدَّثناه سعيدُ بنُ نصر وعبدُ الوارث، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا عَفّانُ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمة، قال: أخبرنا عليُّ بنُ زيد (٢). وأخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، قال: أخبرنا عيسى -يعني: ابنَ يونُس- قال: أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ يزيدَ بنِ جابر، قال: حدَّثني عطاءٌ الخراسانيُّ، عن مولى امرأتِه أمِّ عثمان -يعني: ابنَ عطاء- قال: سمِعتُ عليًّا على مِنبر الكوفة يقول: "إذا كان

стр. 7571

يومُ الجمُعة غدَت الشياطينُ براياتها إلى الأسواق، فيرمُون الناسَ بالترابيث (١)، ويُبطئونَهم عن الجمُعة، وتغدُو الملائكةُ فيجلِسون على باب المسجد فيكتُبون الرجلَ من ساعة، والرجلَ من ساعتين، حتى يخرجَ الإِمام، فإذا جلس الرجلُ مجلسًا يستمكنُ فيه من الاستماع والنظر والصُّمْت ولم يَلْغُ، كان له كِفلانِ من أجر (٢)، وإن جلَس مجلسًا يستمكنُ فيه من الاستماع والنظر، فلغا ولم يُنصِتْ، كان له كِفلٌ من وِزْر، ومَن قال لصاحبه يومَ الجمُعة: صَهْ فقد لغا، ومَن لغا فليس له في جمُعته تلك شيءٌ". ثم يقولُ في آخر ذلك: سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ ذلك. قال أبو داود: رواه الوليدُ بنُ مسلم، عن ابنِ جابر، قال: "بالرَّبائث". وقال: مولى امرأتِه أمِّ عثمانَ بنِ عطاء. قال أبو عُمر: ففي هذه الأحاديث وجَدْنا ذكرَ الساعات، فاللَّهُ أعلم. وكان الشافعيُّ ﵀ يقول (٣): أُحِبُّ التبكيرَ إلى الجمُعة، وألا تُؤتَى إلا مشيًا. وفي قوله: "التبكير" دليل على أنَّه الاستعجالُ في أول النهار. وقد جاء في كثير من هذه الأحاديث: "المهجِّرُ"، وجاء فيها: "المتعجِّلُ". وقال بعضُ أصحاب الشافعيِّ: ليس في قوله: "المهجِّرُ" ما يدُلُّ على أنَّه من وقتِ الهجير والهاجرة. قال: وإنما هو من التهجير الذي يرادُ به البِدارُ والاستعجال، وتركُ الحاجات، واطِّراحُ الأشغال. ومن ذلك قيل: المُهاجِر، لمَن ترَك أهلَه ووطنَه وبادَر إلى صُحبةِ محمدٍ ﷺ . قال أبو عُمر: وقد استدلَّ بحديث سُمَيٍّ المذكور في هذا الباب الشافعيُّ

стр. 7572

وأصحابُه ومَن قال بقولهم في تفضيل البُدْن في الضحايا على الكِباش، وهذا موضعٌ اختلف فيه الفقهاء: فقال مالكٌ وأصحابُه (١): أفضلُ الضحايا: الفحولُ من الضأن، وإناثُ الضأن خيرٌ من فُحول المَعْز، وفحولُ المَعْز خيرٌ من إناثها، وإناثُ المَعْز خيرٌ من الإبل والبقر. وحُجَّةُ مَن ذهب هذا المذهبَ قولُ اللَّه : ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]. وذلك كبشٌ، لا جملٌ ولا بقرةٌ. وروى مجاهدٌ وغيرُه، عن ابن عبَّاس، أنَّه سأله رجلٌ فقال: إني نذَرتُ أن أنحرَ نفسي. فقال: يُجزئُك كبشٌ سَمينٌ. ثم قرأ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٢). وقال بعضُهم: لو علم اللَّهُ حَيَوانًا أفضلَ من الكبش لفدَى به إسحاقَ (٣). وضحَّى رسولُ اللَّه ﷺ بكبشَيْنِ أملحَيْن (٤)، وأكثرُ ما ضحَّى به الكِباش. وذكَر ابنُ أبي شيبة (٥)، عن ابن عُليّة، عن ليث، عن مجاهد، قال: الذِّبحُ العظيمُ: الشاة. حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان (٦)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحَيم، قال: حدَّثنا أبو

стр. 7573

جعفر محمدُ بنُ الحسين بن زيد، قال: حدَّثنا فهدُ بنُ سليمان (١)، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونسَ الحُنينيُّ، عن هشام بن سعد، عن زيدِ بنِ أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "نزل عليَّ جبريلُ في يوم عيد"، فقال له النبيُّ ﷺ : "يا جبريل، كيف رأيتَ عيدَنا؟ "، فقال: يا محمد، لقد تباهَى به أهلُ السماء. وقال: يا محمدُ، اعلمْ أنَّ الجذَعَ من الضأنِ خيرٌ من السيِّد (٢) من المعز، والجذَعَ من الضأن خيرٌ من السيِّد من البقر، والجذَعَ من الضأن خيرٌ من السيِّد من الإبل، ولو علم اللَّهُ ذبحًا هو خيرٌ منه لفدَى به إبراهيمُ ابنَه (٣). قال أبو عُمر: هذا الحديثُ عندَهم ليس بالقويِّ، والحُنينيُّ عندَه مناكير. وقال الشَّافعي (٤): الإبلُ أحبُّ إليَّ أن يُضحَّى بها من البقر، والبقرُ أحبُّ إليَّ من الغنم، والضأنُ أحبُّ إليَّ من المعز. وقال أبو حنيفة وأصحابه: الجزورُ في الأضحية أفضلُ ما ضُحِّيَ به، ثم يتلوه البقرُ في ذلك، ثم تتلوه الشاة. وحُجَّةُ من ذهَب إلى هذا المذهب قولُه ﷺ : "المُهجِّرُ إلى الجمُعة كالمُهدي بدَنَةً، ثم الذي يَليه كالمُهدي بقرةً، ثم الذي يَليه كالمُهدي شاةً". فبان بهذا

стр. 7574

الحديث أن التقرُّبَ إلى اللَّه بالإبل أفضلُ من التقرُّب إليه بالبقر، ثم بالغنم، على ما في هذا الحديث. وقد أجمعوا على أنّ أفضلَ الهدايا: الإبِلُ، واختلفوا في الضحايا، فكان ما أجمعوا عليه في الهدي قاضيًا على ما اختلفوا فيه في الأضاحي؛ لأنه قُربانٌ كلُّه، وقد أجمعوا على أنَّه ما استيسَر من الهدي: شاةٌ، فدلَّ على نُقصان ذلك عن مرتبة غيره. وقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أفضلُ الرِّقاب أغلاها ثمنًا، وأنفسُها عندَ أهلها" (١)، ومعلومٌ أنَّ الإبلَ أكثرُ ثمنًا من الغنم، فوجَب أن تكونَ أفضل؛ استدلالًا بهذا الحديث. وأمّا الذِّبح العظيمُ الذي فُدِي به الذبيح، فجائزٌ أن يُطلَقَ عليه عظيم؛ لما ذكَر ابنُ عبَّاس أنَّه كبشٌ رعَى في الجنة أربعينَ خريفًا، وأنه الذي قرَّبه ابنُ آدمَ فتُقُبِّل منه ورُفِع إلى الجنة (٢). قال أبو عُمر: لو لم يكنْ فضْلُ الكَبْش إلا أنَّه أولُ قُرْبان تُقرب به إلى اللَّه في الدُّنيا فتقبَّله، وأنه فُدي به نبىٌّ كريم من الذَّبح، قال اللَّه فيه: ﴿بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. ذكَر عبدُ الرزاق (٣)، عن مَعْمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمّد بن عبد الرحمن بن ثَوْبان، قال: مرَّ النُّعمانُ بنُ أبي قُطْبة على النبيِّ ﷺ بكَبْشٍ أعينَ، فقال النبىُّ ﷺ : "ما أشبهَ هذا الكَبْشَ بالكَبش الذي ذبحَه إبراهيمُ"، فاشترى معاذُ بن عفراءَ كبشًا أقرنَ أعين، وأهداهُ إلى النبيِّ ﷺ فضحَّى به.

стр. 7575

حديثٌ سابعٌ لسُمَيٍّ مالكٌ (١)، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح السمّان، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إذا قال الإِمام: سَمِع اللَّهُ لمَن حمِدَه فقولوا: اللهمَّ ربَّنا لك الحمد، فإنه مَن وافق قولُه قولَ الملائكة، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه". وهذا الحديثُ يُوجِبُ أن يقتصرَ الإمامُ على قول: سَمِع اللَّهُ لمَن حمدَه. وألّا يقولَ معها: ربَّنا لك (٢) الحمدُ، ويقتصرَ المأمومُ على: ربَّنا لك الحمدُ، ولا يقولَ معها: سَمِع اللَّهُ لمَن حمِدَه. وقد ذكَرنا اختلافَ العلماء في ذلك وفي سائر معاني هذا الباب في باب ابن شهاب عن أبي سَلَمة وسعيدٍ (٣) من هذا الكتاب (٤)، فلا معنى لتكرير ذلك هاهنا. ومعنى "سَمِع اللَّهُ لمَن حمِدَه": تقبَّل اللَّهُ حَمْدَ مَن حَمِدَه؛ ومنه قولهُم: سَمِع اللَّهُ دعاءَك، أي: أجابه اللَّهُ وتقبَّله. وأما قولُه في هذا الحديث: "فإنه مَن وافَق قولُه قولَ الملائكة غُفِر لهُ ما تقدَّم مِن ذنبِه" فقد مضى -في باب ابن شهاب (٥) في معنى التأمين- ما يدُلُّ على معنى هذا الباب إن شاء اللَّه. والوجهُ عندي في هذا -واللَّه أعلمُ- تعظيمُ فضل الذكر، وأنه يَحُطُّ الأوزارَ ويغفرُ الذنوب، وقد أخبَر اللَّهُ عن الملائكةِ أنهم يستغفِرون للذين آمنوا، ويقولون:

стр. 7576

﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧]، فمَن كانَ منه من القول مثلُ هذا بإخلاصٍ واجتهادٍ ونيّةٍ صادقةٍ وتوبةٍ صحيحة غُفرت ذنوبُه إن شاء اللَّه، ومثلُ هذه الأحاديثِ المُشكِلةِ العاني، البعيدةِ التأويل عن مخارج لفظِها واجبٌ ردُّها إلى الأصول المُجتمَع عليها وباللَّه التوفيق. وقد رُوِيَ عن عكرمةَ ما يدلُّ على أنَّ أهلَ السّماء يُصلّون في حين صلاة أهل الأرض على نحو صلاةِ أهل الأرض، ويُؤمِّنون أيضًا، فمن وافق ذلك منهم غُفِرَ له واللَّه أعلم، وكلُّ ذلك نَدْبٌ إلى الخير وإرشادٌ إلى البرِّ، وباللَّه التوفيق.

стр. 7577

حديثٌ ثامنٌ لسُمَيٍّ مالكٌ (١)، عن سُمَيّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "السَّفَرُ قطعة من العذاب، يَمنَعُ أحدَكم نومَه وطعامَه وشرابَه، فإذا قضَى أحدُكم نَهْمتَه (٢) من وجهِه، فليُعَجِّلْ إلى أهلِه". هذا حديثٌ انفرَد به مالكٌ عن سُمَيٍّ، لا يَصحُّ لغيرِه عنه، وانفرَد به سُمَيٌّ أيضًا، فلا يُحفظُ عن غيره. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الرحمن، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبد الجبار البغداديُّ، قال: حدَّثنا الهيثمُ بنُ خارجة، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "السفرُ قطعةٌ من العذاب، يمنَعُ الرجلَ طعامَه وشرابَه، فإذا قضَى أحدُكم نَهْمتَه من سفرِه، فليعجِّلِ الرُّجوعَ إلى أهلِه" (٣). وهكذا هو في "الموطأ" عندَ جماعة الرُّواة بهذا الإسناد (٤).
следующие страницы →