← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 783–822 · переход к 788.

стр. 783

وقال ابنُ القاسم: هو خفيفٌ، ولا نَرى فيه شيئًا. وكذلك روَى ابنُ وَهْبٍ في "موطَّئه" عن مالكٍ، أنّه استَخَفَّه، ولم يَرَ فيه شيئًا. وروَى مَعْنُ بن عيسى، عن مالكٍ، أنّ عليه دَمًا. وقال ابنُ القاسم: رَجَعَ عن ذلك. وقال عبدُ المَلكِ بن الماجِشُون: عليه دَمٌ. وهو قولُ الحَسَنِ البَصْريِّ وسُفيانَ الثَّوْريِّ (١). وذكَرَ ابن حَبيبٍ عن (٢) مُطَرِّفٍ وابن القاسم أنّ عليه في قليل ذلك وكثيرِه دَمًا. والحُجَّةُ لِمَا حَكاه ابنُ حَبيبٍ قولُ ابن عباسٍ: مَن ترَكَ من نُسُكِه شيئًا فعليه دَمٌ. ومن جعَلَه نُسُكًا حكَمَ فيه بذلك. والحُجَّةُ لمَن اسْتَخَفَّ ذلك أنّه شيءٌ مختَلَفٌ فيه؛ هل هو سُنّةٌ أم لا؟ وإيجابُ الدم عليه إيجابُ فَرضٍ وإخراجُ مالٍ من يَدِه، وهذا لا يجبُ إلّا بيقينٍ لا شَكَّ فيه. وقد جاءَ عن ابن عباسٍ نصًّا فيمنْ ترَكَ الرَّمَلَ، أنّه لا شيءَ عليه. وهو قولُ عطاءٍ (٣)، وابن جُرَيْج، والشافعيِّ فيمَن اتَّبعَه، وقولُ الأوزاعيِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِه، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، كلُّهم يقولُ: لا شيءَ عليه في تَرْكِ الرَّمَل. وهو أوْلَى ما قيلَ به في هذا الباب لِمَا ذكَرْنا، ولأنّه ليس بإسْقاطِ نَفْسِ عَمَلٍ، إنّما هو سُقُوطُ هيئة عَمَلٍ. وأجْمَعُوا أنْ ليس على النِّساءِ رَمَلٌ في طَوَافِهنَّ بالبيتِ، ولا هَرْولةٌ في سَعْيِهِنَّ بين الصَّفا والمَرْوَةِ.

стр. 784

حديث ثانٍ لجعفر بن محمد مُسْند مالكٌ (١)، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، قال: سمعتُ رسولَ الله يقولُ حين خرَجَ من المَسْجدِ وهو يريدُ الصَّفَا، وهو يقولُ: "نبدأُ بما بدَأ الله به". فبدَأ بالصَّفَا. قال أبو عُمر: في هذا الحديث أنّ الخروجَ إلى الصَّفا من المسجدِ؛ لأنّ الحاجَّ أو المُعتَمِرَ إذا دخَل أحدُهما مكةَ، أولُ شيءٍ يبدأُ به إذا لم يكن الحاجُّ مُراهَقًا يخشَى فوتَ الوقوف بعرفَة، أولُ ما يبدأُ به الطّوافُ بالبيت؛ يبدأُ بالحَجَر فيستلِمُه، ثم يطوفُ منه بالبيت سَبْعًا، فإذا طافَ به سبعًا صلَّى في المسجد عندَ المقامِ أو حيثُ أمكَنَه رَكْعتين بأثر أُسبوعِه، ثم يخرُجُ من باب الصَّفا، إن شاءَ، إلى الصَّفا فيرقَى عليها، ثم يبتدئُ السَّعيَ منها بين الصَّفا والمروة، لا بدَّ من ذلك. وهذا كلُّه منصوصٌ في حديث جابرٍ عن النبيِّ ﷺ ، وبعضُ الناس أحسنُ سياقةً له من بعض. حدَّثنا خلفُ بن قاسمٍ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ أحمدُ بن محمدِ بن يزيدَ الحَلَبيُّ القاضي، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاذ بن المُستَهِلِّ بن أبي جامعٍ البَصْريُّ؛ يُعرَفُ بدُرَّانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلَمةَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابرٍ، أنّ النبيَّ ﷺ طافَ بالبيت فرَمَلَ من الحجَرِ الأسودِ حتى انتهَى إليه ثلاثًا، ومشَى أربعةً، ثم صَلَّى رَكْعتين، فقرأ فيهما بـ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. ثم خَرجَ يُريدُ الصَّفا والمروةَ، فقال: "نبدأُ بما بدأ الله به". فبدأ بالصَّفا، فَرقَى عليه، فكبَّرَ ثلاثًا، وأهلَّ واحدةً، ثم هبَطَ، فلمّا انصَبَّتْ قدَماه سَعَى حتى ظهَرَ من طريق المَسِيل (٢).

стр. 785

وفي هذا الحديث دليلٌ على أنّ النَّسَقَ بالواو جائزٌ أنْ يُقالَ فيه: قبلُ وبعدُ؛ لقوله ﷺ : "نبدأُ بما بدأ الله به". فقد أخبرَ أنَّ اللهَ بدَأ بذِكْرِ الصَّفا قبلَ المروة، وعَطْفُ المروةِ عليها إنّما كان بالواو، وإذا كان الابتداءُ بالصَّفا قبل المروةِ سُنَّةً مسنونةً وعملًا واجبًا، فكذلك كلُّ ما رَتَّبه الله ونَسَقَ بعضَه على بعضٍ بالواو في كتابه من آيةِ الوضوء. وهذا موضعٌ اختلَف فيه العلماءُ وأهلُ الأمصارِ وأهلُ العربية؛ فمذهبُ مالكٍ في أكثر الروايات عنه وأشهَرِها أنّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّعقيبَ ولا تُعطى رُتبَةً. وبذلك قال أصحابُه، وهو قولُ أبي حنيفةَ وأصحابه، والثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، واللَّيث بن سعدٍ، والمُزنيِّ صاحبِ الشافعيِّ، وداودَ بن عليٍّ. قالوا فيمن غَسَلَ ذراعَيْه أو رجلَيْه قبل أن يغسِلَ وجهَه، أو قَدَّمَ غَسْلَ رجليه قبل غَسْلِ يدَيه، أو مَسَح برأسِه قبلَ غَسْلِ وجهِه: إنّ ذلك يُجزِئُه. إلّا أنّ مالكًا يَستَحِبُّ لمَن نكَّسَ وضُوءَه ولم يُصَلِّ أنْ يَستَأنِفَ الوضوءَ على نَسَقِ الآية، ثم يستأنفَ صلاتَه، فإن صلَّى لم يأمُرْه بإعادةِ الصلاة، لكنَّه يَستَحِبُّ له استنئافَ الوضوءِ على النَّسَقِ لمَا يستَقْبِلُ، ولا يَرى ذلك واجبًا عليه. هذا هو تحصيلُ مذهب مالكٍ. وقد روَى عليُّ بنُ زيادٍ، عن مالكٍ قال: مَن غَسَلَ ذراعَيه، ثم وجهَه، ثم ذكَرَ مكانَه، أعادَ غَسلَ ذراعيه، وإن لم يذكُرْ حتى صلَّى أعادَ الوضوءَ والصلاةَ. قال عليٌّ: ثم قال بعدَ ذلك: لا يُعيدُ الصلاةَ، ويُعيدُ الوضوءَ لِمَا يستَقبِلُ. وذكَرَ أبو مُصعَبٍ، عن مالكٍ وأهل المدينة، أنّ من قدَّمَ في الوضوءِ يدَيه على وجهِه، ولم يتوضَّأْ على ترتيبِ الآية، فعليه الإعادةُ لما صلَّى بذلك الوضوء. وكلُّ من ذكرناه من العلماءِ مع مالكٍ يَسْتَحِبُّ أن يكونَ الوضوءُ نَسَقًا، والحُجَّةُ لمالكٍ ومَن ذكَرنا من العلماء أنّ سِيبُويَةَ وسائرَ البَصريِّين من النَّحويِّين

стр. 786

قالوا - في قول الرَّجُل: أَعطِ زيدًا وعَمْرًا دينارًا -: إنّ ذلك إنّما يُوجِبُ الجمعَ بينهما في العطاء، ولا يُوجِبُ تَقدِمةَ زيدٍ على عمرٍو، فكذلك قولُ الله : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. إنّما يُوجِبُ ذلك الجمعَ بين الأعضاءِ المذكورة في الغَسل، ولا يوجبُ النَّسَقَ، وقد قال الله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فبدَأ بالحجِّ قبلَ العُمرة، وجائزٌ عندَ الجميع أنْ يعتَمِرَ الرَّجُلُ قبل أنْ يحُجَّ، وكذلك قولُه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠، النساء: ٧٧، النور: ٥٦، المزمل: ٢٠]. جائزٌ لِمَن وجبَ عليه إخراجُ زكاةِ مالِه في حين وقتِ صلاةٍ أن يبدَأ بإخراج الزكاةِ، ثم يُصلِّي الصلاةَ في وقتها عندَ الجميع، وكذلك قولُه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]. لا يختلفُ العلماءُ أنّه جائزٌ لمَن وجَب عليه في قتلِ الخَطإ إخراجُ الدَّية وتحريرُ الرقبةِ أن يُخْرِجَ الدِّيةَ ويُسلِّمَها قبلَ أن يُحرِّرَ الرَّقبةَ. وهذا كلُّه منسُوقٌ بالواو، ومثلُه كثيرٌ في القرآن، فدلَّ على أنَّ الواوَ لا تُوجِبُ رُتبةً. وقد رُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالبٍ (١)، وعبدِ الله بن مسعودٍ (٢)، أنهما قالا: ما أُبالي بأيِّ أعضائي بدَأْتُ في الوضوء إذا أتمَمْتُ وضوئي، وهم أهلُ اللِّسان، ولم يَبِنْ لهم من الآية إلّا معنَى الجَمع لا معنَى التَّرتيب، وقد أجمَعوا أنّ غَسلَ الأعضاءِ كلِّها مأمورٌ به في غُسْلِ الجَنابةِ، ولا ترتيبَ في ذلك عندَ الجميع، فكذلك غُسلُ أعضاءِ الوضوء لأنّ المعنى في ذلك الغَسلُ لا التَّبديةُ، وقد قال الله

стр. 787

عزَّ وجلَّ: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. ومعلومٌ أنّ السجودَ بعدَ الركوع، وإنّما أرادَ الجمعَ لا الرُّتبة. هذا جُملةُ ما احتجَّ به من احتَجَّ للقائلين بما ذكَرنا. وأما الذين ذهَبوا إلى إبطال وُضوءِ مَن لم يأت بالوُضوء على ترتيب الآية، وإبطالِ صلاتِه إنْ صلَّى بذلك الوُضوء المنكُوسِ - منهم الشافعيُّ وسائرُ أصحابِه والقائلين بقوله إلّا المُزنيَّ، ومنهم أحمدُ بن حنبلٍ، وأبو عبيدٍ القاسمُ بن سلّامٍ، وإسحاقُ ابن راهويَة، وأبو ثَورٍ، وإليه ذهَب أبو مصعبٍ صاحبُ مالكٍ، ذكَره في "مختصَرِه" وحكَاه عن أهل المدينة ومالك معهم - فمن الحُجَّةِ لهم أنّ الواو تُوجِبُ الرُّتبةَ والجمعَ جميعًا. وحكَى ذلك بعضُ أصحابِ الشافعيِّ، في كتاب "الأصول"، له، عن نحويِّي الكوفةِ: الكِسائيِّ، والفَرَّاء، وهشام بن معاويةَ، أنّهم قالوا في واو العطف: إنّها تُوجِبُ الجَمْعَ، وتدُلُّ على تَقدِمة المُقدَّم في قولهم: أَعْطِ زيدًا وعَمْرًا، قالوا: وذلك زيادةُ بيانٍ (١) في فائدة الخطاب مع الجمع. قالوا: ولو كانت الواوُ تُوجِبُ الرُّتبةَ أحيانًا ولا تُوجِبُها أحيانًا، ولم يكنْ بُدٌّ من بيان مُرادِ الله في الآية على ما زعَمَ مُخالفُونا، لكانَ في بيانِ رسول الله ﷺ لذلك بفعلِه ما يُوجِبُه؛ لأنه مُذ بعَثَه الله إلى أن ماتَ لم يَتوضَّأ إلّا على الترتيب، فصارَ ذلك فرضًا؛ لأنّه بيانٌ لمرادِ الله فيما احتملَ التَّأويلَ من آيةِ الوضوء، كتَبيينه عددَ الصلوات، ومقدارَ الزَّكوات، وغيرَ ذلك من بيانِه للفرائضِ المُجمَلاتِ التي لم يُختلَفْ أنّها مفروضاتٌ، فمَن توضَّأ على غير ما كان يفعَلُه رسولُ الله ﷺ لم يُجْزِئْه؛ بدليلِ قوله ﷺ : "كلُّ عملٍ ليس عليه أمرُنا (٢)

стр. 788

فهو رَدٌّ" (١). وبدليل قوله أيضًا وقد توضَّأ على الترتيب: "هذا وضوءٌ لا يَقبَلُ الله صلاةً إلّا به" (٢). قالوا: وأمّا الحديثُ عن عليٍّ وابن مسعودٍ، فغيرُ صحيحٍ عنهما؛ لأنّ حديثَ عليٍّ انفردَ به عبدُ الله بن عَمْرو بن هندٍ الجَمَليُّ، ولم يَسمَعْ من عليٍّ، والمُنقطعُ من الحديث لا تجِبُ به حُجَّةٌ. قالوا: وكذلك حديثُ عبد الله بن مسعودٍ أشدُّ انقطاعًا؛ لأنّه لا يُوجَدُ إلّا من روايةِ مُجاهدٍ عن ابن مسعودٍ، ومُجاهدٌ لم يَسمَعْ من ابن مسعودٍ، ولا رآه، ولا أدرَكه. وهو أيضًا حديثٌ مختلَفٌ فيه؛ لأنّ عبدَ الرزاق ومحمدَ بن بكرٍ البُرْسانيَّ رَوَياه عن ابن جُرَيْج، عن سُليمانَ الأحول، عن مُجاهدٍ، عن ابن مسعودٍ قال: ما أُبالي بأيِّهما بدأتُ، باليُمنَى أو باليُسرَى (٣). ورواه حفصُ بن غِيَاثٍ، عن ابن جُريج، عن سليمانَ بن موسَى، عن مُجاهدٍ، قال: قال عبد الله بن مسعودٍ: لا بأسَ أنْ تبدأ بيدَيكَ قبلَ رجلَيكَ (٤).

стр. 789

قالوا: وعبدُ الرَّزَّاق أثبَتُ في ابن جُريج من حفص بن غِيَاثٍ، وقد تابَعَه البُرْسانيُّ، وليس في روايتِهما ما يُوجِبُ تقديمًا ولا تأخيرًا؛ لأنّ اليُمنى واليُسرى لا تنازُعَ بين المُسلمين في تَقْديم إحداهُما على الأُخرى؛ لأنّه ليسَ فيهما نَسَقٌ بواو، وقد جمعهما الله بقوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾، وهذا لم يُختلَفْ فيه فيُحتاجَ إليه. قالوا: وقد رُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالب أنّه قال: أنتم تقرؤون الوصيّةَ قبلَ الدَّين، وقَضَى رسولُ الله بالدَّين قبلَ الوَصيَّة (١)، وهو مشهورٌ ثابتٌ عن عليٍّ ﵁ (٢). قالوا: فهذا عليٌّ قد أوجَبَت عندَه "أو" التي هي في أكثر أحوالِها بمعنى الواو، القَبلَ والبَعدَ؛ فالواوُ عندَه أحرَى بهذا وأولَى لا محالةَ؛ لأنّ الواوَ أقوَى عملًا في العطف من "أو" عندَ الجميع. ومن الحُجَّةِ لهم أيضًا ما أخبَرنا به عبدُ الوارثِ بن سفيان، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحيم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمادٍ، قال: حدَّثنا عمِّي إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبد الوهاب، قال: أخبرنا عطَّافُ بن خالدٍ، قال: أخبرني

стр. 790

إبراهيمُ بن مسلم بن أبي حُرَّةَ، عن عبد الله بن عباس، قال: ما نَدِمتُ على شيءٍ لم أكنْ عَمِلْتُ به؛ ما نَدِمتُ على المشي إلى بيتِ الله ألّا أكونَ مشَيتُ؛ لأني سمعتُ الله يقولُ حين ذكر إبراهيمَ وأمَرَه أن يُناديَ في الناس بالحجِّ، قال: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧] (١). فبدأ بالرِّجال قبلَ الرُّكبان. فهذا ابنُ عباسٍ قد صرَّحَ بأنّ الواوَ تُوجِبُ عندَه القَبلَ والبَعدَ والتَّرتيبَ. وأخبرنا خلفُ بن القاسم، قال: أخبرنا عبدُ الله بن جعفرِ بن الوَردِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمد بن سلّام، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بن أبي العوّام، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا أيوبُ بن مُدركٍ، عن أبي عُبيدةَ، عن عونِ بن عبد الله، في قوله : ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]. قال: ضَجَّ والله القومُ من الصِّغار قبلَ الكبار. فهذا أيضًا مثلُ ما تقدَّمَ عن ابن عباسٍ سواءً (٢). قالوا: وليس الصلاةُ والزكاةُ في التَّقدمَة في معنى هذا الباب في شيءٍ؛ لأنهما فرضَان مختلفان؛ أحدُهما في مالٍ، والثاني في بَدَنٍ، وقد يجِبُ الواحدُ على مَن لا يجبُ عليه الآخَرُ، وكذلك الدِّيةُ والرَّقبةُ شيئان لا يُحتاجُ فيهما إلى الرُّتبة. وأما الطهارةُ ففرضٌ واحدٌ مرتبطٌ بعضُه ببعض كالرُّكوعِ والسُّجود، وكالصَّفا والمَرْوةِ اللذيْن أُمِرْنا بالتَّرتيبِ فيهما.

стр. 791

قالوا: والفرقُ بينَ جمعِ زيدٍ وعَمْرٍو في العطاءِ، وبين أعضاءِ الوضوء؛ لأنّه (١) يُمكن أن يُجمعَ بينَ عمرٍو وزيدٍ معًا في عطيّةٍ واحدةٍ، وذلك غيرُ متمكِّنٍ في أعضاءِ الوضوءِ إلّا على الرُّتبة. فالواجبُ ألّا يُقدَّمَ بعضُها على بعضٍ؛ لأنّ رسولَ الله لم يفعلْ ذلك منذُ افترض (٢) الله عليه الوضوءَ إلى أنْ تُوفِّي ﷺ ، ولو كان ذلك جائزًا لفَعَله ﷺ ولو مرَّةً واحدةً؛ لأنّه كان إذا خُيِّرَ في أمرَيْن أخَذَ أيسرَهما، فلما لم يفعَلْ ذلك، علِمْنا أنّ الرُّتبةَ في الوضوءِ كالرُّكوع والسجود، ولا يجوزُ أنْ يُقدَّمَ السُّجودُ على الركوع بإجماع. واحتجُّوا أيضًا بأنّ الواوَ في آيةِ الوضوءِ في الأعضاءِ كلِّها معطوفةٌ على الفاءِ في قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٦]. قالوا: وما كان معطوفًا على الفاءِ، فحُكمُه حكمُ الفاءِ، بواوٍ كان معطوفًا أو بغير واوٍ؛ لأنّ أصلَه العطفُ على الفاءِ، وحُكمُها إيجابُ الرُّتبة والعَجَلَةِ. قالوا: وحروفُ العطفِ كلُّها قد أجمعُوا أنّها تُوجِبُ الرُّتبةَ إلّا الواوَ، فإنّهم قد اختلَفُوا فيها، فالواجبُ أن يكونَ حُكمُها حُكمَ أخواتها من حروفِ العطف في إيجابِ التَّرتيب. وأمّا قولُ الله : ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. فجائزٌ أن يكونَ عبادتُها في شريعَتِها الرُّكوعَ بعدَ السُّجودِ، فإنْ صحَّ أنّ ذلك ليس كذلك، فالوجهُ فيه أنّ اللهَ أمَرَها أولًا بالقُنُوتِ، وهو الطاعةُ، ثم السجودِ، وهي الصلاةُ بعينِها، كما قال: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠]. أي: أدبارَ الصَّلوات، ثم قال (٣): ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: اشكُري مع الشاكرين. ومنه قول الله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص: ٢٤]. أي: سجَدَ شُكرًا لله.

стр. 792

وكذلك قال ابنُ عباسٍ غيرُه: هي سجدةُ شُكرٍ. واحتجُّوا أيضًا بقولِ الله : ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]. مع إجماع المسلمين أنّه لا يجوزُ لأحدٍ أن يسجُدَ قبلَ أن يركَعَ. قالوا: فهذه الواو قد أوجَبَتِ الرُّتبةَ في هذا الوضعِ من غير خلافٍ. واحتجُّوا أيضًا بقول الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. مع قول رسولِ الله ﷺ : "نبدأُ بما بدَأ الله به". ورجَّحوا قولهم بأنّ الاحتياطَ في الصلوات واجبٌ، وهو ما قالوه؛ لأنّ مَن صلَّى بعدَ أن توضَّأ على النَسَقِ كانت صلاتُه تامةً بإجماع. قالوا: ومن الدليل على ثبوتِ الترتيب في الوضوءِ دخولُ المسح بينَ الغَسْل؛ لأنّه لو قدَّم ذِكرَ الرِّجلَينِ وأخَّرَ مسْحَ الرأسِ لَما فُهِمَ المرادُ من تقديم المَسح، فأدخَلَ المَسْحَ بين الغَسْلَين ليُعلِمَ أنّه مُقدَّمٌ عليه ليُثبتَ ترتيبَ الرأس قبلَ الرِّجلين، ولولا ذلك لقال: فاغسِلُوا وجوهَكم وأيديَكم وأرجُلَكم، وامسَحوا برءوسِكم، ولَما احتاجَ أن يأتيَ بلفظٍ مُلْتَبس مُحتمِلٍ للتأويلِ لولا فائدةُ التَّرتيبِ في ذلك؛ ألا ترَى أنّ تقديمَ ذِكْرِ الرأس ليس على مَن جعل الرِّجلَين ممسُوحَتَين، فلفائدة وجوبِ الترتيبِ ورَدَتِ الآيةُ بالتَّقديم والتأخير، واللهُ أعلمُ. هذا جملةُ ما احتَجَّ به الشَّافعيُّون في هذه المسألة. قال أبو عُمر: أمّا ما ادَّعَوْه عن العَرَب، ونَسَبُوه إلى الفَرّاء والكسائيِّ وهشام، فليس بمشهورٍ عنهم، والذي عليه جماعةُ أهل العربية أنّ الواوَ إنّما تُوجبُ التَّسويةَ، وأمّا ما ذكَرُوه من آيةِ الوصيَّةِ والدَّيْنِ فلا معنَى له؛ لأنّ المالَ إذا كان مأمُونًا وبدَرَ الورثةُ فنفَّذوا الوصيَّةَ قبلَ أداءِ الدَّين، ثم أدَّوا الدَّينَ بعدُ من مالِ الميتِ، لم تَجِبْ عليهم إعادةُ الوصيَّةِ، ولو نفَّذوا الوصيَّةَ ولم يكُنْ في المالِ ما يُؤدَّى منه الدَّينُ، وكانوا قد علِمُوا به ضمِنُوا؛ لأنّهم قد تعَدَّوا، وكذلك قولُه: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾. ولسنا نُنكِرُ إذا صحِبَ الواوَ بيانٌ يدُلُّ على التَّقدمة أنَّ ذلكَ كذلكَ لمَوْضعِ البيان،

стр. 793

وإنّما قلنا: إنَّ حقَّ الواو في اللُّغة التَّسويةُ لا غيرُ، حتى يأتيَ إجماعٌ يدُلُّ على غير ذلك ويُبيِّنُ المرادَ فيه. والإجماعُ في آيةِ الوضوءِ معدومٌ، بل أكثرُ أهلِ العلم على خلافِ الشافعيِّ في ذلك، معَ ما رُوِيَ في ذلك عن عليٍّ وابن مسعود. وأمّا ما ادَّعَوه من أنّ فِعْلَ رسولِ الله ﷺ في الآيةِ بيانٌ، كبَيانِه ركَعاتِ الصلواتِ، فخطَأٌ؛ لأنّ الصلواتِ فرضُها مُجمَلٌ لا سبيلَ إلى الوصولِ لمُرادِ الله منها إلّا بالبيان، فصارَ البيانُ فيها فرضًا بإجماعٍ، وليس آيةُ الوضوءِ كذلك؛ لأنّا لو تُرِكْنا وظاهِرَها، كان الظاهرُ يُغْنِينا عن غيرِه؛ لأنّها مُحكمَةٌ مُستَغْنيةٌ عن بيانٍ، فلم يكُنْ فعلُه فيها ﷺ إلّا على الاستحبابِ وعلى الأفضل، كما كان يَبْدأُ بيَمينه قبلَ يسارِه، وكان يُحبُّ التَّيامُنَ في أمرِه كلِّه، وليس ذلك بفرْضٍ عندَ الجميع. وأمّا ما احتَجُّوا به من قول الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ مع قول رسول الله ﷺ : "نبدَأُ بما بدأ اللهُ به". فلا حُجَّةَ فيه؛ لأنّا كذلك نقولُ: نبدأُ بما بَدَأ الله به. هذا الذي هو أولى، ولسنا نختلفُ في ذلك، وإنّما الخلافُ بيننا وبينهم فيمَنْ لم يبدأْ بما بَدَأ الله به، هل يفسُدُ عملُه في ذلك أم لا؟ وقد أَرَيْناهُم أنّه لا يفسُدُ بالدلائلِ التي ذكَرنا، على أنّ قوله ﷺ : "نبدأُ بما بَدَأ الله به" ظاهِرُه أنّه سُنّةٌ، واللهُ أعلمُ؛ لأنّ فعلَه ليس بفَرضٍ إلّا أن يصحَبَه دليلٌ يُدخِلُه في حيِّز الفُرُوض. ولو كان فَرْضًا لقال: ابدَءوا بما بَدَأ الله. يأمُرُهم بذلك. ولفظُ الأمر في هذا الحديث لا يُوجدُ إلا من رواية من يُحتجُّ به. وهذا الإدخالُ والاحتجاجُ على غير مذهَبِ أصحابِنا المالكيِّين؛ لأنهم يذهبُون إلى أنَّ أفعالَ رسول الله ﷺ على الوجوبِ أبدًا، حتى يقومَ الدليلُ على أنّها أُريدَ بها النَّدْبُ. وهذه المسألةُ خارجةٌ على مذهَبِهم عن أصلهم. هذا وقد يَنفصلُ من هذا بما يطولُ ذِكرُه. وقد يحتَمِلُ أن يُحتَجَّ بقولِه ﷺ : "نبدأُ بما بَدَأ الله به". على أنّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرتيبَ؛ لأنّها لو كانت تُوجِبُ التَّرتيبَ لم يحتَجْ رسولُ الله أنْ يقولَ لهم:

стр. 794

"نبدَأُ بما بَدأ اللهُ به"؛ لأنهم أهلُ اللِّسانِ الذي نزَلَ القرآنُ به، فلو كان مفهومًا في فَحْوَى الخطابِ أنّ الواوَ تُوجِبُ القَبْلَ والبَعْدَ ما احْتاجَ رسولُ الله ﷺ ، واللهُ أعلمُ، أن يُبيِّن لهم ذلك، وإنّما بيَّن لهم ذلك لأنّ المرادَ كانَ من السَّعْي بين الصفا والمروة، أن يبدأَ فيه بالصَّفا، ولم يكنْ ذلك بَيِّنًا في الخطاب، فبيَّنَه رسولُ الله ﷺ . وقد اختلفَ الفُقهاءُ فيمَنْ نكَّسَ السَّعْيَ بين الصَّفا والمَرْوة فبَدأ بالمروةِ قبلَ الصَّفا؛ فقال منهم قائلون: لا يُجزِئُه، وعليه أن يُلْغيَ ابْتداءَه بالمَرْوة ويَبْنيَ على سَعْيِه من الصَّفا ويَخْتُمَ بالمروة، منهم: مالكٌ، والشافعيُّ، والأوزاعيُّ، وأبو حنيفةَ، ومَن قال بقَولهم. وقال بعضُ العراقيِّين: يُجزِئُه ذلك. وإنّما الابتداءُ عندَهم بالصَّفا اسْتحبابٌ. وقد اختُلِفَ عن عطاءٍ؛ فرُوي عنه أنّه يُلْغِي الشَّوْطَ، وهو الذي عليه العملُ عندَ الفقهاء، ورُوِيَ عنه أنّه مَن جَهِلَ ذلك أجزَأ عنه. والحُجَّةُ لمالكٍ ومَن قال بقوله ما قدَّمنا ذِكْرَه. وأمّا تَرجيحُهم بالاحتياطِ في الصلاة، فأصْلٌ غيرُ مُطَّردٍ عند الجميع، ألا تَرَى أنّ الشافعيَّ لم يَرَ ذلك حُجَّةً في اختلاف نيّة المأموم والإمام، وفي الجُمُعة خَلفَ العَبْد، وفي الوضوءِ بما حَلَّت فيه النَّجاسةُ إذا كان فوقَ القُلَّتيْن ولم يتغيّر؟ وهذا كلُّه الاحتياطُ فيه غيرُ قوله، ولم يَرَ للاحتياطِ معنًى إذ قامَ له الدَّليلُ على صحَّة ما ذهبَ إليه، فكذلك لا معنى لِمَا ذكروه من الاحتياطِ مع ظاهرِ قولِ الله ، والمشهورِ من لسانِ العَرَب. وأمّا قولُهم: مَن فعَل فِعلَنا كان مُصلِّيًا بإجماع. فهذا أيضًا أصلٌ لا يُراعيه أحدٌ من الفقهاءِ مع قيامِ الدَّليل على ما ذهَب إليه. وأمّا قولهم: إنّ وجوبَ التَّرتيبِ أوجَبَ التَّقديمَ والتأخيرَ في آيةِ الوضوء، فظَنٌّ، والظَّنُّ لا يُغْني من الحقِّ شيئًا، والتَّقديمُ والتَّأخيرُ في القرآنِ كثيرٌ، وهو معروفٌ في لسانِ العَرب، مُتكرِّرٌ في كتاب الله، فليس في قولِهم ذلك شيءٌ يلزَم، واللهُ أعلمُ.

стр. 795

أخبَرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المؤمن، قال: أخبَرنا أحمدُ بن سَلْمانَ النَّجَّادُ ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمدَ بن حنْبلٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبد الله الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا عَوْفُ بن أبي جَميلةَ الأعرابيُّ، قال: حدَّثني عبدُ الله بن عَمْرِو بن هندٍ الجَمَليُّ، أنّ عليًّا قال: ما أُبالي بأيِّ أعضائي بدَأْتُ إذا أتْمَمْتُ وُضوئي. قال عوفٌ: ولم يَسمَعْ من عليٍّ (١). وذكَر عبدُ الرَّزّاق، عن ابن جُريج، عن عطاءٍ، قال: أحَبُّ إليَّ أن يبدأَ بالأول فالأول؛ المَضمَضةِ، ثم الاستنشاقِ، ثم الوجه، ثم اليَدَين، ثم المسح على الرأس، ثم الرِّجلين. قال: فإن قدَّمَ شيئًا على شيءٍ، فلا حرجَ. وهو يكرهُه. قال أبو عُمر: قولُ مالكٍ مثلُ قولِ عطاءٍ سواءٌ، وأمّا على قولِ من لم يَرَ بتَنكيسِ السَّعي وتَنكيسِ الطَّواف بأسًا، فالحُجَّةُ عليه أنّ رسولَ الله ﷺ بَدَأ بالصَّفا وخَتَمَ بالمروة في السَّعي، وطافَ بالبيت على رُتْبته، ثم قال: "خذُوا عنِّي مناسِكَكم" (٢). والحجُّ في الكتاب مُجمَلٌ، وبيانُه له كبيانِه لسائرِ المُجملاتِ من الصلواتِ والزَّكَوات، إلّا أن يُجمَعَ على شيءٍ من ذلك فيخرُجَ بدَليله، وبالله التوفيق. ذكَر عبدُ الرزاق (٣)، عن الثوريِّ، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: دفع رسول الله ﷺ وعليه السَّكِينةُ وأمرَهُم بالسَّكِينة وأن يوضعوا في وادي مُحَسّر وأمرهم بمثل حَصَى الخَذْف وقال: "خُذُوا عني مَناسككم لعلي لا أحج بعد عامي هذا" (٤).

стр. 796

حديثٌ ثالثٌ لجعفرِ بن محمد متّصلٌ مالكٌ (١)، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرِ بن عبد الله، أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ إذا وقَفَ على الصَّفا يُكبِّرُ ثلاثًا ويقولُ: "لا إله إلّا اللهُ وحدَه لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ". يصنَعُ ذلك ثلاثَ مراتٍ ويدعُو، ويصنَعُ على المَرْوة مثلَ ذلك. في هذا الحديث أنَّ الوُقوفَ على الصَّفا والمَرْوة، والمشْيَ بينَهما والسَّعيَ، من شعائرِ الحجِّ لقوله ﷺ : "خُذوا عَنِّي مَناسِكَكم". وفيه أنّ الصَّفا والمروةَ موضِعُ دعاءٍ تُرجَى فيه الإجابةُ. وفيه أنّ الدعاءَ يُفتَتَحُ بالتَّكْبيرِ والتَّهليل. وفيه أنّ عددَ التَّكبير في ذلك الموضعِ ثلاثٌ، والتَّهليلَ مرَّةٌ واحدةٌ، ثم الدُّعاءُ والذِّكْرُ. والدُّعاءُ في ذلك الموضِع وغيرِه من سائرِ مواقفِ الحجِّ مندوبٌ إليه، مُسْتَحبٌّ؛ لما فيه من الفضلِ ورجاءِ الإجابة، وليس بفَرض عند الجميع، ومَن زاد على ما ذُكِر في هذا الحديث من التكبير والتَّهليلِ والذِّكْرِ، فلا حَرَجَ، وأحَبُّ إليَّ استعمالُ ما فيه على حَسَبِه، وبالله التوفيقُ. وكذلك أُحِبُّ للمرتَقي على الصَّفا والمروةِ أن يَعْلُو عليهما حتى يَبْدُوَ له البيتُ؛ لما رواه عبدُ الرزاق، عن مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنّ النبيَّ ﷺ كان يصعَدُ على الصَّفا والمروة حتى يَبْدُوَ له البيتُ (٢).

стр. 797

وهو حديثٌ انفَرَدَ به عبدُ الرزاق، عن مالكٍ. فإنْ لم يفعَلْ فلا حَرَجَ. وكذلك انفرد الوليدُ بن مسلم عن مالك، عن جَعْفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، أنّ رسولَ الله ﷺ لمّا انتهى إلى المقام قرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فصلّى رَكْعتَيْنِ قَرأَ فيهما بفاتحة الكتاب و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثم عاد إلى الرُّكنِ فاستلَمَه، ثم خرجَ إلى الصَّفا فقال: "نبدأُ بما بدأ الله به ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] ". والذي انفردَ به الوليدُ وأغْرَبَ فيه عن مالك قولُه: "لمّا انتهى إلى مقام إبراهيم قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ "، وسائرُ ذلك في "الموطأ".

стр. 798

حديث رابعٌ لجعفر بن محمد مالكٌ (١)، عن جعفر بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابر، أنّ رسولَ الله ﷺ كانَ إذا نَزَلَ بينَ الصَّفا والمَرْوة مَشَى، حتى إذا انصبَّتْ قَدَماه في بَطْنِ المَسِيلِ سَعَى حتى يخرجَ منه. هكذا قال يحيى عن مالكٍ في هذا الحديث: إذا نَزَل بين الصَّفا والمروة. وغيرُه من رواة "الموطأ" يقول: إذا نَزَل من الصَّفا (٢) مشَى (٣)، حتى إذا (٤) انصبَّتْ قَدَماه في بطن المسيلِ سَعَى حتى يخرُجَ منه. ولا أعلمُ لروايةِ يحيى وجهًا إلّا أن تُحمَلَ على ما رواه الناسُ؛ لأنّ ظاهرَ قوله نزَلَ بين الصَّفا والمروة يدُلُّ على أنّه كان راكبًا فنزَل بين الصَّفا والمروة. وقولُ غيرِه: نزَل من الصَّفا. والصَّفا جبلٌ، لا يحتَملُ إلّا ذلك، وقد يُمكنُ أن يكونَ شُبِّهَ على يحيى برواية ابن جُريج، عن أبي الزبير، عن جابرٍ، أنّ رسولَ الله ﷺ طافَ في حجَّةِ الوداع على راحلَتِه بالبيت وبينَ الصَّفا والمروة؛ ليَراه الناسُ، وليُشرِفَ لهم ليسألوه؛ لأنّ الناسَ غَشُوه (٥). وهذا خبرٌ لم يَذْكُر فيه "وبين الصَّفا والمروة" غيرُ ابن جُرَيْج، وإنّما المحفوظُ في هذا حديثُ ابن شهابٍ، عن عُبيدِ الله بن عبد الله، عن ابن عباسٍ، أنّ النبيَّ ﷺ طاف بالبيت على راحِلَتِه يستَلِمُ الرُّكنَ بمِحْجَنِه (٦).

стр. 799

وهذا الحديثُ وإن كان ثابتَ الإسنادِ عندَهم (١) صحيحًا، فإنّ العلماءَ قد أجمَعوا على أنّه لم يكنْ لغيرِ عُذْرٍ وضرورةٍ. واختَلفُوا في العُذْرِ؛ فقال سعيدُ بن جبيرٍ وطائفةٌ: كان شاكيًا ﷺ (٢). وقال آخرون: بل كان ذلك منه لشدَّةِ ما غَشِيَه من السّائلينَ ليُشْرِفَ لهم ويُعلِّمَهم ويُفَهِّمهم، وذلك في حين طَوافِه بالبيت، لا بين الصَّفا والمروة. وقد وَهِم فيه ابنُ جريجٍ حين ذكَر فيه الصَّفا والمروةَ؛ لأنّ ذلك كان منه في طوافِ الإفاضةِ، واللهُ أعلمُ. وحديثُ ابن جريج حدَّثناه عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بن حنبلٍ، قال (٤): حدَّثنا يحيى، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنّه سَمِعَ جابرَ بن عبد الله يقولُ: طاف النبيُّ ﵇ في حَجَّةِ الوداع على راحلَتِه بالبيتِ وبين الصَّفا والمروة؛ ليَراه الناسُ وليسألُوه، فإنّ الناسَ غَشُوه. قال أبو عُمر: قولُه في هذا الحديث: وبين الصَّفا والمروة. تدفَعُه الآثارُ المتواترةُ عن جابرٍ بمثل رواية مالكٍ هذه؛ لأنّ قولَه: "انصبَّت قَدَماه في بَطْنِ المَسِيل" يدفَعُ أنْ يكونَ راكبًا. أخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال أخبرنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٥): حدَّثنا يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا

стр. 800

جعفرُ بن محمد، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا جابرٌ، أنّ رسولَ الله ﷺ نزَلَ - يعني على الصَّفا - حتى إذا انصبَّت قدَماه في الوادي رمَلَ، حتى إذا صَعِد مَشَى. والوجهُ عند أهلِ العلم في طوافِ رسولِ الله ﷺ راكبًا أنّه كانَ في طوافِ الإفاضَةِ، وحينئذٍ ألَظَّ (١) الناسُ به يَسألونَه، وفي حديث طاوسٍ بيانُ ذلك. روَى ابنُ عيينةَ، عن عبد الله بن طاوسٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ أمَرَ أصحابَه أن يُهَجِّرُوا بالإفاضة، وأفاضَ في نِسائه ليلًا، فطافَ على راحلتِه (٢). وفي حديثِ أمِّ سَلَمة أنّها اشتكَتْ يومئذٍ، فقال لها رسولُ الله ﷺ : "طُوفي راكبةً من وراءِ الناس" (٣). وممّا يدُلُّ على كَراهة الطَّوافِ راكبًا من غير عُذْرٍ، أنِّي لا أعلمُ خلافًا بين علماءِ المسلمين أنّهم لا يستحبُّون لأحدٍ أن يطوفَ بين الصَّفا والمروة على راحلةٍ راكبًا، ولو كان طَوافُه راكبًا لغيرِ عُذْرٍ لكان ذلك مُستحَبًّا عندَهم أو عندَ مَن صَحَّ عندَه ذلك منهم. وقد رَوَينا عن عائشةَ، وعروةَ بن الزبير، كراهيةَ أنْ يطوفَ أحد بين الصَّفا والمَرْوة راكبًا (٤)، وهو قولُ جماعةِ الفقهاء. فأمّا مالكٌ فلا أحفَظُ له فيه نصًّا، إلّا أنّه قال: مَن طاف بالبيت محمولًا أو راكبًا من غير عُذْرٍ لم يُجْزِئْه، وأعادَ (٥). وكذلك السَّعيُ بين الصَّفا والمروة عندي في قوله، بل السَّعيُ أوكَدُ ماشيًا؛ لِما ورَد فيه من اشتِدَادِ رسول الله ﷺ في سَعْيِه ماشِيًا على قدَمَيْه.

стр. 801

وقال مالكٌ: أنّه إن سَعَى أحدٌ حاملًا صبيًّا بين الصَّفا والمروة، أجزَأه عن نفسِه وعن الصبيِّ، إذا نَوَى بذلك. وقال في الطَّائف بالبيت محمولًا: إن رَجَع إلى بلادِه كان عليه أن يُهَريقَ دَمًا (١). وقال الليثُ بن سَعْدٍ: الطوافُ بالبَيْت وبين الصَّفا والمَرْوةِ سواءٌ، لا يُجْزِئُ واحدٌ منهما راكبًا إلّا أنْ يكونَ له عذْرٌ. وكذلك قال أبو ثَوْر (٢): من سَعَى بين الصَّفا والمروة راكبًا لم يُجْزئْه، وعليه أن يُعيدَ. وقال مجاهدٌ (٣): لا يركَبُ إلّا من ضرورةٍ، وهو قولُ مالكٍ. وقال الشافعيُّ (٤): لا ينبغي له أن يطوفَ بالبيت ولا يسعَى راكبًا، فإن فعَلَ فلا دَمَ عليه، من عُذْرٍ كان ذلك أو من غير عُذْرٍ، وذكَرَ أنّ أنسَ بن مالكٍ وعطاءً طافا راكبَيْن. وقال أبو حنيفة (٥): إنْ سَعَى راكبًا بين الصَّفا والمروةِ أعاد ما دام بمكة، وإن رَجَع إلى الكوفة فعليه دمٌ. وكذلك إن طافَ بالبيتِ راكبًا عندَه. وقال هشامُ بن عبيد الله، عن محمدِ بن الحسن: لو طاف بأُمِّه حاملًا لها، أجزَأه عنه وعنها، وكذلك لو استأجَرَتِ امرأةٌ رجلًا يطوفُ بها، كان الطوافُ لهما جميعًا، وكانت الأُجْرَةُ له (٦). قال أبو عُمر: قولُ مالكٍ، والليث بن سعدٍ، وأبي ثورٍ، أسعَدُ بظاهرٍ الحديث، وأقْيَسُ في قولِ مَن أوجَبَ السَّعيَ بين الصَّفا والمروة فَرْضًا.

стр. 802

وأمّا قولُ من قال: إنّ رسولَ الله كان شاكيًا، فحُجَّتُه في ذلك حديثُ عكرمة، عن ابن عباسٍ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا خالدُ بن عبد الله، قال: حدَّثنا يزيدُ بن أبي زيادٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس، أنّ رسولَ الله ﷺ قَدِمَ مكةَ وهو يشْتَكي، فطاف على راحلته، كلّما أتى على الركنِ استلَمَ بمحْجَنٍ، فلمّا فَرَغ من طوافِه أناخ فصلَّى رَكْعتين. ومثلُ هذا قولُه ﷺ لأمِّ سلمةَ حين اشْتَكَت إليه: "طوفي من وراءِ الناس وأنتِ راكبةٌ" (٢). وقد اختلف الفقهاءُ في السَّعي بينَ الصَّفا والمروة على الهيئةِ المذكورةِ فيه، هل هو من فروضِ الحجِّ أو من سُنَنِه؟ فالذي ذهَب إليه مالكٌ، والشافعيُّ، ومن اتَّبَعهما وقال بقولِهما، أنّ ذلك فرضٌ لا ينوبُ عنه الدَّمُ، ولا بُدَّ من الإتيان به، كالطَّواف بالبيتِ الطَّوافَ الواجبَ سواءً. وهو قولُ أحمدَ بن حنبلٍ، وإسحاقَ بن راهُويَةَ، وأبي ثورٍ، وداودَ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه والثوريُّ: السَّعيُ بين الصَّفا والمروةِ ليس بواجبٍ، فإنْ ترَكَه أحدٌ من الحجَّاج حتى يرجعَ إلى بلادِه جَبَره بالدَّم؛ لأنَّه سنَّةٌ من سُنن الحَجِّ، وسُننُ الحجِّ تُجبَرُ بالدَّم إذا سقَطَ الإتيانُ بها. هذا قولُ الثوريِّ (٣).

стр. 803

ورُوِي عن قتادةَ والحَسَنِ البصريِّ مثلُه (١). وأمّا أبو حنيفة وأصحابُه فقالوا: إن تَرَك أربعةَ أشواطٍ من السَّعْي بين الصَّفا والمروةِ فعليه دمٌ، وإن ترَك أقلَّ كان عليه لكلِّ شوطٍ إطعامُ مسكينٍ نصفَ صَاعٍ من حِنْطَةٍ. قالوا: وإن ترَكَ ذلك في العمرة أو في الحجِّ ناسيًا فعليه دمٌ (٢). وقال قومٌ: هو فرضٌ في العمرة، وليس بفَرضٍ في الحجِّ. وقال طاوسٌ: من تَرَك السَّعيَ بينَهما فعليه عُمرةٌ (٣). واختَلَف فيه قولُ عطاءٍ. ورُوِيَ عن ابن عباسٍ، وابن الزبير، وأنس بن مالكٍ، وابن سيرينَ، أنّه تطَوُّعٌ. وحجَّةُ أبي حنيفةَ ومَن قال بقوله في السعي بين الصَّفا والمروةِ أنّه ليس بفَرْض قولُ رسول الله ﷺ : "الحجُّ عرفاتٌ، فمَنْ أدرَكها فقد أدرَكَ الحَجَّ" (٤). قالوا: فصار ما سواه ينُوبُ عنه الدَّمُ. قالوا: وإنّما السَّعْيُ بين الصَّفا والمروة تَبَعٌ للطَّوافِ، كما أنّ المبيتَ بالمزدَلِفَة تَبَعٌ للوقوفِ بعرَفَة، فلمّا ناب عن المبيتِ بجَمْع الدَّمُ، فكذلك ينُوبُ عن السَّعي الدَّمُ. قال أبو عُمر: أمّا الوقوفُ بعرفةَ ففرضٌ مجتمَعٌ عليه، وأمّا المبيتُ أو حُضورُ المزدَلفَةِ للصلاةِ والذِّكر بها، فمختَلَفٌ في فَرْضِه، وإن كان مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافِعيُّ، لا يَرَوْنَه فَرْضًا. وسيأتي ذِكْرُ حُكْمِ الوقوفِ بعرَفَة والمبيتِ بجَمْعٍ في بابِ ابن شهابٍ، عن سالمٍ، إن شاء الله.

стр. 804

والحجَّةُ لمَن أوجَبَ السَّعيَ بين الصَّفا والمروةِ فرضًا على مَن لم يُوجِبْه، أنّ رسولَ الله ﷺ فعَلَه وقال: "خُذوا عنِّي مناسِكَكم" (١). فصار بيانًا لمُجمَلِ الحَجِّ، فالواجبُ أن يكون فَرْضًا، كبيانه لرَكَعات الصَّلواتِ وما كان مثلَ ذلك إذ لم يُتَّفَقْ على أنّه سُنَّةٌ أو تطَوُّعٌ، وقد قال الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. فإن احتَجَّ مُحْتَجٌّ بقراءة ابن مسعودٍ وما في مُصْحَفه، وذلك قولُه: "فلا جُناحَ عليه ألّا يَطَّوَّفَ بهما". قيل له: ليس فيما سقَطَ من مُصحفِ الجماعةِ حُجَّةٌ؛ لأنّه لا يُقطَعُ به على الله ، ولا يُحْكَمُ بأنّه قرآنٌ إلّا بما نَقَلتْه الجماعةُ بين اللَّوحين. وأحسنُ ما رُوِيَ في تأويل هذه الآية ما ذكَرَه هشامُ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كانت مَناةُ على ساحل البحر، وحولَها الفُرُوثُ والدِّماءُ ممّا يَذْبَحُ بها المشركون، فقالت الأنصارُ: يا رسولَ الله، إنّا كنّا إذا أحرَمْنا لمَناةَ (٢) في الجاهليّة لم يَحِلَّ لنا في ديننا أن نطوفَ بين الصَّفا والمروة، فأنزَل اللهُ : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قال عروةُ: أمّا أنا فلا أُبالي ألّا أطُوفَ بين الصّفا والمروة. قالت عائشة: لم يا ابن أُختي؟ قال: لأنّ الله يقولُ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. فقالت عائشةُ: لو كان كما تقولُ لكان: فلا جُناحَ ألّا يَطَّوَّفَ بهما. فلعَمْري ما تَمَّتْ حَجَّةُ أحدٍ ولا عُمرَتُه إن لم يَطُفْ بين الصَّفا والمروة (٣). ورواه الزهريُّ، عن عروةَ، عن عائشة مثله (٤).

стр. 805

وقال فيه مَعْمَرٌ، عن الزُّهريِّ: فذكَرْتُ ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال: هذا العِلْمُ (١)! وقد روَى مالكٌ هذا الحديث، عن هشامِ بن عروةَ بمعنًى واحدٍ، وسنذكُرُه في بابِ هشام من هذا الكتاب إن شاء الله (٢). ورَوَى ابن جُرَيْج، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، أنَّ رسول الله ﷺ قال لها: "طَوافُكِ بالبيت وبين الصَّفا والمروة يُجزِئُكِ - أو يَكفيكِ لحَجِّكِ وعُمْرتك" (٣). قال أبو عُمر: ولو لم يكنْ واجبًا لما قال: "يُجْزِئُكِ"، والله أعلمُ؛ فقد تبيَّنَ بما ذكَرَتْه عائشةُ مَخرَجُ نُزولِ الآيةِ على أيِّ شيءٍ كان، وبيَّن رسولُ الله ﷺ ذلك بطَوافِه بين الصَّفا والمَرْوة، وقوله: "اسْعَوا بينهما، فإنّ الله كَتَبَ عليكم السَّعيَ" (٤). و"كتَبَ" بمعنى "أوجَبَ"، كقول الله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]. وكقول رسولِ الله في الخمس الصلوات: "كتَبَهُنَّ اللهُ على العباد" (٥). ومثلُه كثيرٌ. أخبَرنا عبدُ الوارث بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٦): حدَّثنا سُرَيْجُ (٧) بن النُّعمان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن المؤمَّل،

стр. 806

عن عطاءٍ، عن صَفيَّة بنت شيبةَ، عن حبيبةَ بنت أبي تَجْرَاة، قالت: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَطُوفُ بين الصَّفا والمروة، والناسُ بين يديْه، وهو وراءَهم، وهو يَسْعَى حتى أرَى رُكبَتَيه من شدَّةِ السَّعي، وهو يقول: "اسْعَوا، فإنّ الله كتب عليكم السَّعيَ". هكذا قال: عن عبدِ الله بن المؤمَّل، عن عطاءٍ. وبين عطاءٍ وعبد الله بن المؤمَّلِ في هذا الحديث عمرُ بن عبد الرحمن بن مُحَيصِنٍ السَّهْميُّ. أخبَرنا عبيدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مسرورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسْكين، قال: أخبَرنا محمدُ بن سَنْجَرَ، قال: أخبَرنا الفَضْلُ بن دُكَينٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن المؤَمَّل، عن عُمرَ بن عبد الرحمنِ السَّهْميِّ، عن عطاءٍ، عن صفيّةَ بنت شَيبةَ، عن حبيبةَ بنت أبي تَجْراةَ امرأةٍ من أهل اليمن، قالت: لما سعَى النبيُّ ﷺ بين الصَّفا والمروةِ دخَلْنا في دار آل أبي حُسيْنٍ في نِسوةٍ من قريش، فرأيتُ النبيَّ ﵇ يَسْعَى بين الصفا والمروة في بَطْنِ الوادي وهو يقول: "اسْعَوا، فإنّ اللهَ كَتَب عليكم السَّعْيَ". حتى إن ثَوبَه يُديرُه من شِدَّةِ السَّعْي (١). وكذلك رواه الشافعيُّ، عن عبد الله بن المُؤمَّل (٢). أخبَرنا أحمدُ بن عبد الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا الميمونُ بن حمزةَ الحُسينيُّ، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الطحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزَنيُّ، قال: حدَّثنا

стр. 807

الشافعيُّ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن المُؤمَّلِ العائذيُّ (١)، عن عمرَ بن عبد الرحمنِ بن مُحَيْصنٍ، عن عطاءِ بن أبي رباح، عن صفيَّةَ بنت شَيبةَ، قالت: أخبَرتني ابنةُ أبي تَجرَاةَ إحدى نساءِ بني عبد الدّار قالت: دخلتُ مع نسْوَةٍ من قريشٍ دارَ أبي حُسَينٍ ننظُرُ إلى رسول الله ﷺ وهو يَسْعَى بين الصَّفا والمروة، فرأيتُه يَسعَى وإنّ مئْزَرَه ليدُورُ من شدَّة السَّعْي حتى أقولَ: أنّي لأرَى رُكْبتَيْه، وسَمِعْتُه يقولُ: "اسْعَوا، فإنّ الله كَتَبَ عليكمُ السَّعيَ" (٢). وذكَرَه أبو بكرٍ بن أبي شيبةَ فأخطَأ في إسنادِه؛ إمّا هو، وإمّا محمدُ بن بشرٍ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بن أبي شيبةَ (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشرٍ، قال: حدَّثنا عبد الله بن المؤمَّل، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أبي حسينٍ، عن عطاءٍ، عن حبيبةَ بنت أبي تَجْراةَ، قالت: نظَرْتُ إلى رسول الله ﷺ . فذكَرَ الحديث بمعنَى ما تقدَّمَ سواءً، ولكنّه أخطَأ في موضعين من الإسناد؛ أحدهما، أنّه جعَل في موضعِ عمرَ بن عبد الرحمن: عبدَ الله بن أبي حُسينٍ. والآخرُ، أنّه أسقَط صفيّةَ بنتَ شيبةَ من الإسناد، فأفسَدَ إسنادَ هذا الحديث، ولا أدري ممّن هذا؛ أمن أبي بكرٍ، أم من محمدِ بن بِشْرٍ؟ ومن أيِّهما كان فهو خَطَأٌ لا شكَّ فيه (٤).

стр. 808

وقد رواه محمدُ بن سِنانٍ العَوَقيُّ (١)، عن عبد الله بن المؤمَّل، فجعَلَه بالطوافِ بالبيت. ذكَر أبو جعفرٍ العُقيليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيُّوبَ، قال: أخبرنا محمدُ بن سنانٍ العَوَقيُّ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن المؤمَّل المكيُّ، قال: أخبَرنا عمرُ بن عبد الرحمن بن مُحَيْصنٍ السَّهْميُّ، عن صفيّة بنت شيبةَ، عن امرأةٍ يقالُ لها: حبيبةُ بنتُ أبي تَجْراةَ، قالت: دخلتُ المسجدَ أنا ونسوةٌ معي من قريش، قالت: والنبيُّ ﵇ يطوفُ بالبيت. قالت: وإنّه لَيسْعَى حتى إنّي لأرْثي له، وهو يقولُ لأصحابه: "اسْعَوا، فإنّ اللهَ كَتَب عليكم السَّعْيَ". هكذا قال: يطوفُ بالبيت. وأسقَط من إسنادِ الحديثِ عطاءً، والصحيحُ في إسنادِ هذا الحديث ومتْنِه ما ذكَره الشافعيُّ وأبو نُعيمٍ، إلّا أنّ قولَ أبي نعيم: امرأةٍ من أهلِ اليمن، ليس بشيءٍ، والصّوابُ ما قال الشافعيُّ، واللهُ أعلمُ. فإن قال قائل: إنّ عبدَ الله بن المؤمَّلِ ليس ممَّن يُحْتَجُّ بحديثِه لضَعْفِه، وقد انفَرَد بهذا الحديث. قيل له: هو سَيِّئُ الحفظ، فلذلك اضطرَبتِ الروايةُ عنه، وما علِمْنا له خُرْبَةً (٢) تُسقِطُ عدالتَه، وقد روَى عنه جماعةٌ من جلَّةِ العلماء، وفي ذلك ما يَرفَعُ من حالِه، والاضطرابُ عنه لا يُسْقِطُ حديثَه؛ لأنّ الاختلافَ على الأئمَّة كثيرٌ ولم يَقْدَحْ ذلك في روايَتِهم، وقد اتَّفَق شاهدانِ عَدْلانِ عليه؛ وهما الشافعيُّ وأبو نُعيمٍ، وليس مَن لم يَحفَظْ ولم يُقِمْ حُجَّةً على من أقامَ وحَفِظ (٣).

стр. 809

وممّا يشُدُّ حديثَ عبد الله بن المؤمَّلِ هذا، حديثُ المغيرَة بن حَكيمٍ، عن صفيّةَ بنت شيبةَ، فإنّه يبيِّنُ صِحَّةَ ما قاله عبدُ الله بن المؤمَّل (١). أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ الجُهَنيُّ، قال: أخبَرنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن شعيبٍ، قال (٢): أخبَرنا قتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا حمادُ بن زيدٍ، عن بُدَيلٍ، عن المغيرةِ بن حكيمٍ، عن صفيةَ بنتِ شيبةَ، عن امرأةٍ قالت: رأيتُ النبيَّ ﷺ يَسْعَى في بطنِ المَسِيلِ ويقول: "لا يُقطَعُ الوادي إلّا شدًّا" (٣). وقد ذكَرَ أبو جعفرٍ العقيليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن موسى النَّهْرُتيريُّ، قال: أخبَرنا يوسفُ بن موسى القطانُ، قال: أخبَرنا مِهْرانُ بن أبي عُمرَ الرّازيُّ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن مُثَنَّى بن الصَّبَّاح، عن المغيرةِ بن حكيمٍ، عن صفيّةَ بنتِ شيبةَ، عن تَمْلَكَ - قال العقيليُّ: يعني الشَّيْبيَّةَ - قالت: نظَرْتُ إلى النبيِّ ﷺ وأنا في غُرفَةٍ لي بين الصَّفا والمروة، وهو يقول: "يا أيُّها الناسُ، إنّ اللهَ كَتَب عليكم السَّعْيَ، فاسْعَوا" (٤). قال أبو عُمر: فهذا القولُ مع قول رسول الله ﷺ لعائشةَ: "طَوافُكِ بالبيتِ وبين الصَّفا والمروةِ يكفيكِ لحَجَّتِكِ وعُمرَتِكِ" يُوضِحُ وُجوبَ السَّعْي، وبالله التوفيق. وقد ذكَرنا اختلافَ أصحابنا فيمن ترك الرَّمَلَ في الطوافِ بالبيتِ، أو ترَك الهَرْوَلَة في السَّعْي بين الصَّفا والمروة، فيما تقَدَّم من كتابِنا هذا. والذي عليه أكثرُ الفقهاءِ أنّ ذلك خفيفٌ لا شيءَ فيه، وذلك، والله أعلمُ، لِمَا ذكَرَه عبدُ الرَّزَّاق، عن الثوريِّ، عن عبد الكريم الجزَريِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: رأيتُ ابنَ عُمرَ

стр. 810

يمشي بين الصَّفا والمروة، ثم قال: إن مشَيْتُ فقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَمشِي، وإن سَعَيْتُ فقد رأيتُ رسولَ الله يَسْعَى (١). وروَى سفيانُ أيضًا، عن عطاءِ بن السائب، عن كثيرِ بن جُمْهانَ، عن ابن عُمرَ مثلَه سواءً (٢)، وزاد: وأنا شيخٌ كبير (٣). قال أبو عُمر: لا ينبغي لأحدٍ قَوِيَ على السَّعْي والهَرْولَة والاشتدادِ تَرْكُه، ومن كان شيخًا ضعيفًا أو مريضًا، فاللهُ أعذَرُ بالعُذْرِ، ويُجزِئُه المشيُ، لأنّ السَّعْيَ العَمَلُ، وقد عَمِله بالمشي. واختلف العلماءُ فيمَن قدَّم السَّعيَ بين الصفا والمروة على الطواف بالبيت؛ فقال عطاءُ بن أبي رباح: يُجْزئُه، ولا يعيدُ السَّعيَ، ولا شيءَ عليه (٤). وكذلك قال الأوزاعيُّ وطائفةٌ من أهل الحديث. واختُلفَ في ذلك عن الثوريِّ؛ فرُوِيَ عنه مثلُ قول الأوزاعيِّ وعطاء، ورُويَ عنه أنّه يُعيدُ السَّعْيَ. وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهم: لا يُجزِئُه، وعليه أن يعيدَ، إلّا أنّ مالكًا وأبا حنيفةَ قالا: يُعيدُ الطَّوافَ والسَّعْيَ جميعًا.

стр. 811

وقال الشافعيُّ: يُعيدُ السَّعْيَ وحدَه ليكونَ بعدَ الطَّواف، ولا شيءَ عليه. واختلَفوا، والمسألةُ بحالِها، إذا خرَج من مكةَ فأبْعَد، أو وطِئَ النساءَ؛ فقال مالكٌ: يرجِعُ فيطوفُ ويَسْعَى، وإن كان وطِئَ النساءَ اعتَمَر وأهْدَى. يعني إذا كان وَطْؤُه بعدَ رَمْيِه جَمْرةَ العَقَبةِ وبعدَ الوقوفِ بعرفَةَ. وقال الشافعيُّ: يرجِعُ حيثُ كان، فيسعَى ويُهْدي، ولا معنَى للعمرة هاهنا. ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ مثلُ قولِ الشافعيِّ سواءً، ورُوِيَ عنه: إذا بلَغَ بلادَه أهدَى وأجزأه (١). قال أبو عُمر: لا فَرْقَ عند مالكٍ والشافعيِّ بين مَن نَسِي السَّعْيَ بين الصَّفا والمروةِ وبين مَن قَدَّم السَّعْيَ على الطواف، وعليه أنْ يأتيَ بالسَّعْي عندَهما أبدًا وإن أبعَدَ، على ما قدَّمْنا من اختلافِهما في إعادةِ الطَّواف معه، فإن وَطِئَ كان عليه هَدْيُ بَدَنةٍ عندَ الشافعيِّ لا غيرُ، مع الإتيانِ بالسَّعْي، وكان عليه عندَ مالكٍ أن يطوفَ ويَسْعَى ويعتَمِرَ ويُهْدِيَ. وكذلك مَن نَسِي الطَّوافَ الواجبَ بالبيتِ سواءً عندَهما، كمَن نَسِي السَّعْيَ بين الصَّفا والمروة، على أصْل كلِّ واحدٍ منهما، لا فَرْقَ بين شيءٍ من ذلك عندَهما وعندَ من قال بقولِهما. قال مالكٌ في "مُوَطئِه" (٢): من نَسِيَ السَّعْيَ بين الصَّفا والمروة في عُمْرَةٍ، فلم يَذْكُرْ حتى يستبْعِدَ من مكةَ، أنّه يَرجعُ فيَسْعَى، وإن أصاب النساءَ فليَرْجِعْ فليَسْعَ بين الصَّفا والمروة حتى يُتِمَّ ما بَقِيَ عليه من تلك العُمرة، ثم عليه عُمرةٌ أخرى والهَدْيُ. قال أبو عُمر: إنّما أوجبَ مالكٌ في هذه المسألة العمرةَ والهَدْيَ؛ ليكونَ سَعْيُه في إحرام صحيح، لا في إحرام فاسدٍ بالوَطْءِ، وليكونَ طَوافُه بالبيتِ في إحرام صحيح، لا في إحرام فاسدٍ، واللهُ أعلمُ.

стр. 812

حديثٌ خامسٌ لجعفرِ بن محمد مالكٌ (١)، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن عليِّ بن أبي طالبٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ نَحَرَ بعضَ هَدْيِه بيَدِه، ونَحَر غيرُه بعضَهُ. هكذا قال يحيى، عن مالكٍ في هذا الحديث: عن عليٍّ. وتابَعَه القَعْنَبيُّ فجَعَلَه عن عليٍّ أيضًا كما رواه يحيى (٢). ورواه ابن بُكير (٣)، وسعيدُ بن عُفيرٍ، وابنُ القاسم (٤)، وعبدُ الله بن نافعٍ، وأبو مصعبٍ (٥)، والشافعيُّ (٦)، فقالوا فيه: عن مالكٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ. وأرسَلَه ابنُ وَهْبٍ عن مالكٍ، عن جعفرٍ، عن أبيه، أنّ رسولَ الله ﷺ ... الحديثَ (٧). لم يقلْ: عن جابرٍ، ولا عن عليٍّ. قال أبو عُمر: الصحيحُ: فيه جعفرُ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ. وذلك موجودٌ في رواية محمدِ بن عليٍّ، عن جابرٍ، في الحديث الطَّويل في الحجِّ، وإنّما جاء حديثُ عليٍّ ﵁ من حديثِ عبد الرحمنِ بن أبي ليلى عنه، لا أحفَظُه من وجهٍ آخَرَ. وهذا المتْنُ صحيحٌ ثابتٌ من حديثِ جابرٍ وحديث عليٍّ. وفيه من الفقهِ أن يتولَّى الرجلُ نَحْرَ هَدْيِه بيَدِه، وذلك عندَ أهلِ العلم

стр. 813

مُسْتحبٌّ مستحسَنٌ؛ لفِعْلِ رسولِ الله ﷺ ذلك بيَدِه، ولأنّها قُربَةٌ إلى الله ، فمُباشَرَتُها أوْلَى. وجائزٌ أن ينحَرَ الهَدْيَ والضَّحايا غيرُ صاحِبها؛ ألا ترَى أنّ عليَّ بن أبي طالبٍ ﵁ نَحَر بعض هَدْي رسول الله ﷺ ، وهو أمرٌ لا خلافَ بين العلماءِ في إجازَته، فأغْنَى عن الكلامِ فيه. وقد جاءَتْ روايةٌ عن بعض أهل العلم أنّ مَن نَحَر أُضْحيتَه غيرُه كان عليه الإعادةُ ولم يُجْزِئْه. وهذا محمولٌ عندَ أهلِ الفَهْم على أنّها نُحِرَتْ بغيرِ إذن صاحبِها، وهو موضِعُ اختلافٍ. وأمّا إذا كان صاحبُ الهَدْي أو الضَّحيّة قد أمَرَ بنَحْر هَدْيِه، أو ذَبْح أُضْحِيَته، فلا خلافَ بين الفقهاء في إجازَة ذلك، كما لو وكَّلَ غيرَه بشراءِ هَدْيِه فاشْتَراه، جاز بإجماع. وفي نحْرِ غير رسولِ الله ﵇ دليلٌ على جوازِ الوَكالة؛ لأنّه معلومٌ أنّه لم يفعَلْ ذلك بغيرِ إذْنِه، وإذا صحَّ أنّه كذلك، صحَّت الوَكالةُ وجازَت في كلِّ ما يتصرَّفُ فيه الإنسانُ، أنّه جائزٌ أن يُولِّيَه غيرَه فينْفُذَ فيه فِعلُه، وقد روَى سفيانُ بن عيينةَ، عن شَبيبِ بن غَرْقَدَةَ في ذلك حديثَ عُروةَ البارقيِّ. أخبَرنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن شَبيبِ بن غَرْقَدةَ، قال: حدَّثني الحيُّ، عن عُروةَ، أنّ النبيَّ ﷺ أعطَاه دينارًا يشتري له به أُضحيةً - أو قال: شاةً - فاشترى له ثِنْتَين، فباع إحداهما بدينار، وأتى بشاةٍ ودينارٍ، فدعَا له بالبَرَكة في بيعِه، فكان لو اشْتَرى تُرابًا لَرَبحَ فيه (١). وهكذا رواه الشافعيُّ (٢)، عن ابن عيينةَ بنحو روايةِ مُسَدَّد.

стр. 814

وقد رُوِيَ من حديث حكيم بن حزامٍ نحوُ هذا المعنى (١)، ولا خلافَ في جواز الوَكالة عندَ العلماء. قال أبو عُمر: وقد اختلفَ العلماءُ أيضًا في معنَى هذا الحديث في الوكيل يَشتَري زيادةً على ما وُكِّلَ به، هل يلزَمُ الآمِرَ ذلك أم لا؟ كرجلٍ قال له رجلٌ: اشْتَرِ لي بهذا الدِّرهَم رَطْل لحم صفَتُه كذا. فاشترى له أربعةَ أرطالٍ من تلك الصِّفة بذلك الدِّرهَم، والذي عليه مالكٌ وأصحابُه أنّ الجميعَ يلزَمُه إذا وافَقَ الصِّفَة وزاد من جِنْسِها؛ لأنه مُحسِنٌ. وهذا الحديث يَعضُدُ قولَهم في ذلك، وهو حديثٌ جيدٌ، وفيه ثبوتُ صحَّة مِلك النبيِّ ﵇ للشَّاتين، ولولا ذلك ما أخَذَ منه الدِّينار، ولا أمضَى له البيعَ. وقد اختُلِفَ عن مالكٍ وأصحابِه فيمَن نُحِرَتْ أُضحِيَتُه بغيرِ إذنِه ولا أمرِه؛ فرُوِي عنه أنّها لا تُجْزئُ عن الذابح، وسواءٌ نوَى ذبحَها عن نفسِه أو عن صاحبِها، فعلى الذابح ضمانُها. ورُوِيَ عنه أن الذابحَ لها إذا كان مثلَ الولدِ أو بعضَ العيالِ فإنها تُجزئُ. وقال محمدُ بن الحسنِ في رجلٍ تطوَّعَ عن رجلٍ فذبَح له ضحيّةً قد أوجَبَها، أنّه إن ذبَحَها عن نفسِه متعمِّدًا لم تُجزِئْ عن صاحبِها، وله أن يُضَمِّنَ الذابحَ، فإن ضمَّنه إياها أجزَأت عن الضَّامنِ، وإن ذبَحها عن صاحبها بغيرِ أمرِه أجْزَأتْ عنه. وقال الثوريُّ: لا تُجْزِئُ، ويضمَنُ الذابحُ (٢).

стр. 815

وقال الشافعيُّ: تُجْزئُ عن صاحبِها، ويضمَنُ الذابحُ النقصانَ (١). وروَى ابنُ عبدِ الحكم، عن مالكٍ: إن ذبَح رجلٌ ضَحِيّةَ رجلٍ بغير أمرِه لم تُجْزِئْ عنه، وهو ضامنٌ لضَحيَّته، إلّا أن يكونَ مثلَ الولد أو بعضَ العِيَال، إنّما ذَبَحوها على وَجْه الكفايةِ له، فأرجُو أنْ تُجْزئَ. وقال ابنُ القاسم عنه: إذا كانوا كذلك فإنّها تُجْزِئُ. ولم يقل: أرجو. وإن أخْطَأ رجلان فذبَح كلُّ واحدٍ منهما ضحيّةَ صاحبه، لم تُجْزِئْ عن واحدٍ منهما في قول مالكٍ وأصحابِه، ويَضْمَنُ عندَهم كلُّ واحدٍ منهما قيمةَ ضحيّة صاحبه. لا أعلمُ خلافًا بين أصحاب مالكٍ في الضَّحايا. وأمّا الهَدْيُ فاختُلِف فيه عن مالكٍ، والأشهرُ عنه ما حكاه ابنُ عبد الحَكَم وغيرُه، أنّه لو أخطَأ رَجُلان كلُّ واحدٍ منهما بهَدْي صاحبِه، أجْزَأهما، ولم يكنْ عليهما شيءٌ. وهذا هو تحصيلُ المذهبِ في الهَدْي خاصّةً، وقد رُوِي عن مالكٍ في المُعتَمِرَيْن إذا أهدَيا شاتَيْن فذبَح كلُّ واحدٍ منهما شاةَ صاحبِه خَطَأً، أنّ ذلك لا يُجزئُ عنهما، ويضمَنُ كلُّ واحدٍ منهما قيمةَ ما ذَبَح، وائْتَنَفا الهديَ. وقال الشافعيُّ: يضمَنُ كلُّ واحدٍ منهما ما بينَ قيمة ما ذَبَح حيًّا ومَذْبوحًا، وأجْزَأتْ عن كلِّ واحدٍ منهما أُضْحيَتُه أو هَدْيُه (٢). وقال الطبريُّ: يُجزِئُ عن كلِّ واحدٍ منهما أضحيتهُ، أو هدْيُه، التي أوجَبَها، ولا شيءَ على الذَّابح؛ لأنّه فعَل ما لا بُدَّ منه، ولا ضمانَ على واحدٍ منهما، إلّا أنْ يَسْتَهلِكَ شيئًا من لحمِها، فيضمَن ما استهلَكَ. وقال ابنُ عبد الحكم أيضًا عن مالكٍ: لو ذَبَح أحدُهما - يعني المعتمِرَيْن - شاةَ صاحبِه عن نفسه، ضَمِنها، ولم تُجْزِئْه، وذَبَح شاتَه التي أوجَبَها، وغَرِم لصاحبه

стр. 816

قيمةَ شاتِه التي ذبَحَها، واشترى صاحبُه شاةً وأهداها. قال ابنُ عبد الحكم: والقولُ الأولُ أعجبُ إلينا. يعني المعتمِرَيْن يَذْبَحُ أحدُهما شاةَ صاحبِه وهو قد أخطَأ بها، أنّ ذلك يُجزئُهما. قال أبو عُمر: في حديثِ مالكٍ الذي قدَّمْنا ذكرَه أنّ رسولَ الله ﷺ نَحَر بعضَ هَديِه بيَدِه، ونَحَر غيرُه بعضَه. وغيرُه في هذا الموضع هو عليُّ بن أبي طالب ﵁. وذلك صحيحٌ في حديث جابرٍ وحديث عليٍّ أيضًا. أخبَرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سعيدٍ الأصبهانيُّ وهارونُ بن معروفٍ؛ قالا: حدَّثنا حاتمُ بن إسماعيلَ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، في حديثه الطويلِ في الحجِّ، قال: ثم انصَرَف - يعني رسولَ الله ﷺ بعدَ أن رَمَى الجمرةَ من بَطنِ الوادي بسبع حَصَياتٍ، فنَحَر ثلاثًا وستِّين بَدَنَةً، ثم أعطَى عليًّا فنَحَر سائِرَها. وذكَر الحديث (١). أخبَرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بن أبي شيبةَ، قال (٢): حدَّثنا حاتمُ بن إسماعيلَ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ في الحديث الطويل في الحجِّ مثلَه، قال: فنَحَر رسولُ الله ﷺ ثلاثًا وستِّينَ بَدَنَةً، ثم أعطَى عليًّا فنَحَرَ ما غبَر، وذكَر الحديث (٣). وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شعيبٍ، قال (٤): أخبَرنا عليُّ بن حُجْرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرِ بن عبد الله، قال: ساق رسولُ الله ﷺ مئةَ بَدَنةٍ، فنَحَرَ منها رسولُ الله ﷺ ثلاثًا وستِّينَ بيدِه، ونَحَر عليٌّ ما بَقي،

стр. 817

ثم أمَرَ رسولُ الله ﷺ أنْ تُؤخَذَ بَضعَةٌ من كلِّ بدَنَةٍ فتُجعلَ في قِدْرٍ، فأكَلا من لحمِها وحَسَيَا من مَرَقِها (١). وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ الجُهَنيُّ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ الكِنانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شعيبٍ النَّسائيُّ، قال (٢): حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الحكم، عن شُعيبِ بن الليث، قال: حدَّثني الليثُ، عن ابن الهادِ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرِ بن عبد الله، قال: قَدِم عليٌّ من اليمن بهَدْي لرسولِ الله ﷺ ، وكان الهديُ الذي قَدِم به رسولُ الله ﷺ وعليٌّ من اليمن مئةَ بَدَنةٍ، فنَحَر رسولُ الله ﷺ منها ثلاثًا وستِّينَ بَدَنةً، ونحَر عليٌّ سبعًا وثلاثين، وأشرَكَ عليًّا في بُدْنِه، ثم أخَذ من كلِّ بَدنةٍ بَضعَةً، فجُعِلت في قِدْرٍ فطَبَخَه، فأكَلَ رسولُ الله ﷺ وعليٌّ ﵁ من لَحْمِها، وشَرِبَا من مرَقِها. هكذا قال أكثرُ الرُّواة لهذا الحديث: عن جعفر بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، أنّ رسولَ الله ﷺ نَحَر من تلك البُدْن المئةِ ثلاثًا وستِّينَ، ونحَر عليٌّ بقيَّتَها، إلّا سفيانَ بن عيينةَ، فإنّه رَوَى هذا الحديثَ عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، قال: ونَحَر رسولُ الله ﷺ ستًّا وستِّينَ بَدَنةً، ونَحَر عليٌّ أربعًا وثلاثين (٣). وأمّا روايةُ عليّ بن أبي طالبٍ في ذلك، فحدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدِ بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ التَّمّارُ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤):

стр. 818

حدَّثنا هارونُ بن عبد الله، قال: حدَّثنا محمدٌ ويَعْلى ابنا عُبيدٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليٍّ ﵁، قال: لما نَحَر رسولُ الله ﷺ بُدْنَه فنحَر ثلاثين بَدَنةً بيَدِه، أمَرني فنَحَرْتُ سائِرَها. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا عبدُ الكريم الجَزَريُّ، قال: سمعتُ مجاهدًا يقولُ: سمعتُ عبدَ الرحمن بن أبي ليلى يقولُ: سمعتُ عليَّ بن أبي طالب يقولُ: أمَرَني رسولُ الله ﷺ أن أقومَ على بُدْنِه، وأن أقسِمَ جِلالَها وجُلُودَها، وألّا أُعطِيَ الجازِرَ منها شيئًا، وقال: "نحن نُعطِيه من عندِنا" (٢). قال سفيانُ: وحدَّثنا به ابنُ أبي نَجِيح، عن مجاهدٍ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليٍّ، وحديثُ عبد الكريم أتَمُّ (٣). قال أبو عُمر: في حديث هذا الباب أنّ رسولَ الله ﷺ أكَل من هديِه الذي ساقَه في حَجَّتِه، وهَدْيُه ذلك كان تطوُّعًا عند كلِّ مَن جعَلَه مفرِدًا، وأجمَعَ العلماءُ على جوازِ الأكلِ من التَّطوُّع إذا بلَغ مَحِلَّه؛ لقولِ الله : ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦]. واختلَفوا في جواز الأكلِ ممّا عدَا هديَ التَّطوُّع إذا بلَغ (٤)؛ فقال مالكٌ: يُؤكَلُ من كلِّ هَدْي سيقَ في الإحرام إلّا جزاءَ الصيدِ، فديَةَ الأذَى، وما نُذِرَ

стр. 819

للمساكين. والأصلُ في ذلك عندَ مالكٍ وأصحابِه أنّ كلَّ ما دخَلَه الإطعامُ من الهَدْي والنُّسُكِ لمَن لم يَجِدْه فسَبيلُه سبيلُ ما جُعِل للمساكين، ولا يجوزُ الأكلُ منه، وما سِوَى ذلك يُؤكَلُ منه؛ لأنّ اللهَ قد أطلَقَ الأكْلَ من البُدْنِ وهي من شعائرِ الله، فلا يجبُ أن يُمْتَنَعَ من أكلِ شيءٍ منها إلّا بدليلٍ لا مُعارِضَ له، أو بإجماع، وقد أجمَعُوا على إباحةِ الأكلِ من هَدْي التَّطوعِ إذا بلَغَ مَحِلَّه، ولم يجعلُوه رُجوعًا فيه، فكذلك كلُّ هَدْي إلّا ما اجتُمِعَ عليه (١). وقال أبو حنيفة: يأكُلُ من هَدْي المُتْعة وهَدْي التَّطوُّع إذا بلَغَ مَحِلَّه لا غيرُه (٢). وقال الشافعيُّ: لا يأكل من شيءٍ من الهَدْي الواجب. وقال في معنى قول الله : ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾: إنّ ذلك في هدْي التَّطوُّع لا في الواجب؛ بدليل الإجماع على أنّه لا يُؤكَلُ من جزاءِ الصيدِ وفديةِ الأذى، فكانت العلَّةُ في ذلك أنّه دمٌ واجبٌ في الإحرام من أجل ما أتاهُ المحرِمُ، فكلُّ هدي وجَبَ على المحرم بسبَبِ فعلٍ أتاه فهو بمنزلَته، والواجباتُ لا يجوزُ الرُّجوعُ في شيء منها، كالزكاة، وبالله التوفيق (٣) (٤).

стр. 820

حديثٌ سادسٌ لجعفرِ بن محمدٍ مُنْقطع مالكٌ (١)، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، أنَّ عُمرَ بن الخطاب ذكَر المجوسَ، فقال: ما أدْرِي كيف أصنعُ في أمرِهم؟ فقال عبدُ الرحمن بن عوفٍ: أشهدُ لَسمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتاب". هذا حديثٌ منقطعٌ؛ لأنّ محمدَ بن عليٍّ لم يَلقَ عُمرَ ولا عبدَ الرحمن بن عوفٍ (٢). وقد رواه أبو عليٍّ الحنفيُّ، عن مالكٍ، فقال فيه: عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جدِّه. وهو مع هذا أيضًا منقطِعٌ؛ لأنّ عليَّ بن حسينٍ لم يلقَ عُمرَ ولا عبدَ الرحمن بن عوفٍ (٣). أخبَرنا أحمدُ بن عبد الله بن محمدِ بن عليٍّ، أن أباه حدَّثه، قال: حدَّثنا محمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ الجارود، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بن أبي الجَحِيم (٤)، قال: حدَّثنا عَمْرو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عبد المجيدِ الحنفيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال عُمرُ: ما أدري ما أصنعُ بالمجوس؟ فقال له عبدُ الرحمن بن عوف: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتابِ" (٥).

стр. 821

وأخبَرنا محمدٌ (١)، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمرَ الحافظ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مخلَدٍ، قال: حدَّثنا العباسُ بن محمدٍ الدوريُّ، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحَنَفيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، قال: حدَّثني جعفرُ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ عمرَ بن الخطاب قال: ما أدري ما أصنعُ بالمجوس أهل الذِّمة؟ فقال عبد الرحمن بن عوفِ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "سُنَّتُهم سنَّةُ أهل الكتاب" (٢). قال مالكٌ: في الجزية. قال أبو الحسن عليُّ بن عُمر: لم يقل في هذا الإسناد: "عن جَدِّه" ممّن حدّث به عن مالكٍ غيرُ أبي عليٍّ الحَنَفيِّ، وكان ثقةً، وهو في "الموطأ": جعفرٌ، عن أبيه، أنَّ عُمَرَ. قال أبو عُمر: وهو مع هذا كلِّه منقطِعٌ، ولكنّ معناه مُتَّصِلٌ من وجوهٍ حسان. وفيه أن العالمَ الحبرَ قد يخفى عليه ما يوجَدُ عندَ مَن هو دونَه في العلم. وهذا موجودٌ كثيرٌ في علم الخَبَر الذي لا يُدرَكُ إلّا بالتوقيف والسَّمْع، فإذا كان عُمرُ ﵁ لا يبلُغُه من ذلك ما سمع غيرُه منه، مع موضعِه وجلالتِه، فغيرُه ممّن ليس مثلَه أحرَى ألّا يُنْكِرَ على نفسِه ذلك، ولا ينكَرَ عليه. وفيه أنَّ العالمَ إذا جهِل شيئًا أو أشكَل عليه، لزِمه السؤالُ والاعترافُ بالتقصيرِ والبحثُ حتى يقِفَ على حقيقةٍ من أمرِه فيما أشكَل عليه.

стр. 822

وفيه إيجابُ العمل بخبرِ الواحدِ العدلِ، وأنّه حجةٌ يلزَمُ العملُ بها والانقيادُ إليها؛ ألا تَرَى أنَّ عمرَ ﵁ قد أَشكَلَ عليه أمرُ المجوس، فلمّا حدَّثه عبدُ الرحمن بن عوفٍ عن النبيِّ ﵇، لم يَحتَجْ إلى غير ذلك وقَضَى به. وأمّا قولُه: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهل الكتاب"، فهو من الكلام الذي خرَجَ مَخرَجَ العُمومِ والمرادُ به (١) الخُصُوصُ؛ لأنّه إنّما أراد: سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتاب في الجِزية. وعليها خرَجَ الجوابُ، وإليها أُشيرَ بذلك، ألا ترَى أن علماءَ المُسلمين مُجْتَمعون على ألّا يُسَنَّ بالمجوس سُنَّةُ أهل الكتاب في نِكاحِ نِسَائهم، ولا في ذبائحِهم، إلّا شيءٌ رُوِي عن سعيد بن المسيِّب، أنّه لم يَرَ بذبحِ المجوسيِّ لشاةِ المسلم إذا أمَره المُسلمُ بذبحِها بأسًا. وقد رُوِي عنه أنّه لا يَجُوزُ ذلك، على ما عليه الجماعةُ، والخبرُ الأولُ عنه هو خبرٌ شاذٌّ، وقد اجتمَع الفقهاءُ على خلافِه، وليست الجزيةُ من الذبائحِ في شيءٍ؛ لأنّ أخذَ الجزيةِ منهم صَغارٌ وذِلَّةٌ لكُفرِهم، وقد ساوَوا أهلَ الكتاب في الكُفْرِ، بل هم أشدُّ كُفرًا، فوجَب أن يُجْرَوا مُجْراهم في الذُّلِّ والصَّغَارِ وأخذِ الجزيةِ منهم؛ لأنّ الجزيةَ لم تُؤخذْ من الكتابيِّين رِفْقًا بهم (٢)، وإنّما أُخِذت منهم تقويةً للمُسلمين وذُلًّا للكافرين، فلذلك لم يَفترِقْ حالُ الكتابيِّ وغيرِه عندَ مالكٍ وأصحابِه الذين ذهَبوا هذا المذهبَ في أخذِ الجزيةِ من جميعِهم، للعلةِ التي ذكَرنا. وليس نكاحُ نسائِهم ولا أكلُ ذبائحِهم من هذا الباب؛ لأنّ ذلك مَكرُمةٌ بالكتابيِّين لموضع كتابِهم واتّباعِهم الرُّسلَ، فلم يَجُزْ أن يُلحقَ بهم مَن لا كتابَ له في هذه المكرُمة. هذه جملةٌ اعتلَّ بها أصحابُ مالكٍ، ولا خلافَ بين علماءِ المسلمين أنَّ الجزيةَ تُؤخَذُ من المجوس؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ أخَذ الجزيةَ من مجوسِ أهل البَحْرين، ومن مجوس هَجَرَ، وفعَله بعدَ رسول الله ﷺ أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ.
следующие страницы →