← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7608–7647 · переход к 7613.

стр. 7608

كان عليَّ حَجَّة، وكان أبو معقل -تعني زوجَها- قد أعدَّ بَكْرًا له في سبيل اللَّه في بني كَعْب، فسألته البَكْر، فذكَر لي ما صنع فيه. قالت: فسألته من صِرَام النَّخْل، فقال: قوتُ أهلي. فذكرتُ ذلك للنبيِّ ﷺ ، فقال: "ادفَعْ إليها البَكْرَ فلْتَحجَّ عليه، فإنه في سبيل اللَّه". قالت: وقد كان حجَّ مع رسولِ اللَّه ﷺ ماشيًا، فقالت: يا رسولَ اللَّه، إنّي قد كَبرْتُ وعليَّ حجةٌ، فما يُجزئُ منها؟ فقال: "عُمرةٌ في رمضانَ تُجزئُك من حجَّتِك" (١). وحدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مروان، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا ابنُ الجارود (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ هاشم (٣)، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، عن ابن جُريج، قال: أخبرني عطاء، قال: سمِعتُ ابنَ عباس، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ لامرأة من الأنصار -سماها ابنُ عبّاس فنَسيتُ اسمَها-: "ما منعَكِ أن تَحجِّي معنا العام؟ ". قالت: يا نبيَّ اللَّه، إنه كان لنا ناضِحان، فرَكِبَ أبو فلانٍ وابنُه -تعني زوجَها وابنَها- ناضحًا، وترَك ناضحًا ننضَحُ عليه الماء. فقال النبيُّ ﷺ : "فإذا كان رمضانُ فاعتمِري فيه، فإنَّ عُمرةً فيه تَعدِلُ حَجَّةً". أو قال: "كحَجَّة".

стр. 7609

وأخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكر (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو البزار، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدة، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: حدَّثنا حبيبٌ المُعلِّمُ، عن عطاء، عن ابن عباس، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "عُمرَةٌ في رمضانَ تعدِلُ حَجّةً" (٣). قال أبو عُمر: أحسنُ الناس سياقةً لهذا الحديث محمدُ بنُ إسحاق، عن عيسى بنِ مَعْقِل، عن يوسفَ بنِ عبدِ اللَّه بن سَلَام. حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ (٥) الطائيُّ، وحدَّثنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ منصور، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَر -واللفظُ لحديثه وهو أتمُّ- قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد الوَهْبيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاق، عن عيسى بن مَعْقِل ابن أمِّ مَعْقِل الأسَديّ، أسَدِ خُزَيمة، قال:

стр. 7610

حدَّثني يوسفُ بنُ عبدِ اللَّه بن سَلَام، عن جدتِه أمِّ مَعقِل، قالت: لما حجَّ بنا رسولُ اللَّه ﷺ حجةَ الوداع، أمرَ الناسَ أن يتهيَّئوا معه، قالت: ففعلوا. قالت: وأصابنا هذه القَرْحَة -الحَصْبةُ أو الجُدَريُّ- قالت: فدخلَ علينا من ذلكَ ما شاء اللَّه أن يدخلَ، فأصابني مرةً، وأصابَ أبا مَعْقِل، فأمّا أبو مَعْقِل فهلكَ فيها. قالت: وكان لنا جَملٌ نَنْضَحُ عليه نَخَلات، فكان هو الذي يريدُ أن يَحُجَّ عليه. قالت: فجعَلَهُ أبو مَعْقِل في سبيل اللَّه، وشُغِلْنا بما أصابَنا، وخَرَج رسولُ اللَّه ﷺ ، فلما فرغَ من حَجَّتِه جئتُ حينَ تماثلْتُ من وَجَعي، فدخلت، فقال: "يا أُمَّ مَعْقِل، ما منَعكِ أن تَخرُجي معنا في وجْهِنا هذا؟ ". قالت: يا نبيَّ اللَّه، لقد تهيّأ لنا ذلكَ، فأصابتنا هذه القَرْحة، فهلَك فيها أبو مَعْقِل، وأصابني منها مرضي هذا حتى صَحَحْتُ منها، وكان لنا جملٌ هو الذي يريدُ أن نَخْرُجَ عليه، فأوصَى به أبو مَعْقِل في سبيلِ اللَّه. قال: "فهَلّا خرَجْتِ عليه؛ فإنّ الحجّ من سُبُل اللَّه، إذْ فاتَتْكِ هذه الحجَّةُ معنا، فاعْتَمري عُمرةً في رمضان، فإنها كحَجَّة". قال (١): وكانت تقول: الحجُّ حجَّةٌ والعُمرةُ عُمرةٌ، وقد قال لي رسولُ اللَّه ﷺ ذلك، واللَّه ما أدري أخاصّة لي لما فاتَني من الحجّ، أم هي للناسِ عامّة. قال يوسُف: فحدَّثتُ بهذا الحديث مروانَ بنَ الحكم، وهو أميرُ المدينة زمن معاوية، فقال: مَن سَمِعَ هذا الحديث معك؟ قلت: ابنُها مَعْقِل بنُ أبي مَعْقِل، وهو رجلُ صِدْق. فأرسَل إليه، فحدَّثه بمثل ما حدَّثَتْني. قال: فقيل لمروان: إنها حيَّةٌ في دارِها، فواللَّه ما اطمَأنَّ إلى حديثِنا حتى ركِبَ إليها في الناس، فدخلَ إليها، فحدَّثَته هذا الحديث. وحدَّثنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرو، قال: حدَّثنا ابنُ سنْجَر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ

стр. 7611

إسحاق، عن يحيى بن عبّاد، عن الحارث بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، قال: كنتُ في الناس مع مروانَ حين دخل عليها، فسمِعْناها تُحدِّث بهذا الحديث، قال: فكان أبو بكر لا يَعتمِرُ إلا في العشر الأواخر من رمضانَ لذلك؛ من حديث أمِّ مَعقِل (١). حدَّثنا محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ نافع، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أبو عبد اللَّه، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن محمدِ بنِ المُنْكدر، عن يوسفَ بن عبد اللَّه بن سَلام، قال: بَعَثني مروانُ بنُ الحكم إلى رجل من الأنصار أسألُه عن العُمْرة في رمضان، فجئْتُه فحدَّثني أنّ رسولَ اللَّه ﷺ قال له ولامرأتِه: "اعتَمِرا في شَهْرِ رمضان، فإنّ عُمرةً فيه كحَجَّة" (٢). قال أبو عُمر: القولُ في هذا الحديث قولُ ابن إسحاق، واللَّه أعلم. وقد حدَّثنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَر، قال: حدَّثنا أبو المغيرة (٣)، قال: حدَّثنا

стр. 7612

الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني يحيى بنُ أبي كثير، عن أبي سلَمة، قال: حدَّثني ابنُ أمِّ مَعْقِل الأسَديّة، قال: قالت أُمِّي: يا رسولَ اللَّه، إني أريدُ الحجَّ وجمَلي أعجَفُ، فقال: "اعتَمِري في رمضان، فإن عُمرةً في رمضانَ كحَجَّة" (١). ورواه الأسودُ بنُ يزيدَ عن أمِّ مَعْقِل. أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ بدْر، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عابس، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن أمِّ مَعْقِل، قالت: أردتُ أن أحُجَّ، فقلتُ لأبي مَعقِل: أعْطِني بَكْرَكَ فأحُجَّ عليه، أو ثَمَرَ نخلِك، فأبى عليَّ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "اعتَمِري في رمضان، فإنّ عُمرةً في رمضانَ تَعدِلُ حجّةً" (٢).

стр. 7613

وقد رَوى أنسٌ عن النبيِّ ﷺ مثلَ حديثِ أُمِّ مَعْقِل هذا وابن عباس (١)؛ حدَّثنا محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ نافع، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سُويد، عن هلالِ بنِ يسار، عن أنسِ بنِ مالك، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "عُمْرةٌ في رمضانَ كحَجَّة" (٢). وقد ذكَرْنا حُكْمَ مَنِ اعتمَرَ في رمضانَ فحَلَّ من عُمرَتِه في شوّالٍ وأحكامَ التّمتُّعَ ووُجُوهَهُ في باب ابن شهابٍ عن محمّد بن عبد اللَّه (٣)، والحمدُ للَّه.

стр. 7614

باب الشين شَرِيكُ بن عبدِ اللَّه بن أبي نَمِرٍ اللَّيثيُّ (١) لمالك عنه حديثان؛ أحدُهما مرسَلٌ. كان صالحَ الحديث. وهو في عِدادِ الشُّيوخ، ليس به بأسٌ. روَى عنه جماعةٌ من الأئمّة، منهم: سعيدُ بنُ أبي سعيد المَقْبريُّ، والثَّوْريُّ، ومالكُ بنُ أنس، ومحمد بنُ عمرِو بن علقمة، وأبو ضمْرة أنسُ بنُ عياض. وتوفّي سنةَ أربعٍ وأربعينَ ومئة. [حديث أوَّلُ لشَرِيك بن عبدِ اللَّه بن أبي نَمِر] (٢) مالكٌ (٣)، عن شريكِ بنِ عبدِ اللَّه بن أبي نَمِر، عن أنسِ بنِ مالكٍ أنّه قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللَّه ﷺ فقال: يا رسولَ اللَّه، هلَكَت المواشي، وانقطَعَت السُّبُل، فادعُ اللَّه. فدَعا رسولُ اللَّه ﷺ ، فمُطِرْنا من الجُمُعة إلى الجُمُعة. قال: فجاء رجلٌ إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسولَ اللَّه، تهدَّمتِ البيوت، وانقَطَعت السُّبُل، وهلَكَت المواشي. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "اللَّهمَّ ظُهورَ الجبال والآكام، وبُطُونَ الأودية، ومَنابتَ الشَّجَر". قال: فانْجابَت عن المدينةِ انْجِيابَ الثوب. في هذا الحديث الفَزعُ إلى اللَّه، وإلى مَن تُرجَى دَعوتُه عند نُزول البلاء. وفيه: أنَّ ذكرَ ما نزل ليسَ بشكوى إذا كانَ على الوجهِ المَذْكور. وفيه: الدُّعاءُ في الاستسقاء. وفيه: ما عليه بنو آدمَ من قِلّة الصَّبْر عندَ البلاء، ألا ترَى سرعةَ شَكْواهم

стр. 7615

بالماء بعدَ الحاجة إليه، وذلك معنى قول اللَّه : ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١]. وفيه: إباحةُ الدُّعاءِ في الاستصحاءِ كما يُدْعَى في الاستسقاء. وفيه: ما كان عليه رسولُ اللَّه ﷺ من الخُلُق العظيم في إجابةِ كلَّ مَن دَعاه إلى ما أراد ما لم يكن إثمًا. وقد ذكَرنا أحكامَ الاستسقاءِ والصلاةِ فيها والقراءةِ وسائرَ سُنَنِها في باب عبدِ اللَّه بنِ أبي بكر من هذا الكتاب (١). وروَى هذا الحديث الليثُ، عن سعيدٍ المَقْبُريِّ، عن شَرِيك، عن أنس، قال: بينا نحنُ في المسجدِ يومَ (٢) الجمعةِ ورسولُ اللَّه ﷺ يخطُبُ، قامَ رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّه، تَقَطَّعتِ السُّبُل، وهلَكَتِ الأموالُ، وأجْدَبَتِ البلادُ، فادعُ اللَّه أن يَسْقينا. فرفَع رسولُ اللَّه ﷺ يدَيه حِذاءَ وجهِه وقال: "اللهمَّ اسْقِنا". وذكَر نحوَ حديثِ مالك، إلا أنه قال: "اللهمَّ حَوالَينا ولا علينا، ولكن الجبالَ ومنابتَ الشَّجَر". قال: فتمزَّقَ السحابُ، فما نَرى منه شيئًا (٣). ورواه إسماعيلُ بنُ جعفر، عن شَرِيك، عن أنس مثلَهُ، بأتمِّ معنًى، وأحسن سياقةً، وفي آخرِ حديثِه قال شَريك: سألتُ أنسًا، الرجلُ الذي أتاه آخرًا هو الرجلُ الأول؟ قال: لا (٤).

стр. 7616

ورواه ثابتٌ (١)، وحُميدٌ (٢)، وإسحاقُ بنُ عبدِ اللَّه بن أبي طَلْحة (٣)، كلُّهم عن أنس بمعنى حديثِ شريكٍ هذا. حدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عثمان، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ خُمَير وسعيدُ بنُ عثمان، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثنا النضرُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا عكرمةُ بنُ عمار، قال: حدَّثنا أبو زُمَيْل، قال: حدَّثني ابنُ عباس، قال: استَسْقَى رسولُ اللَّه ﷺ ، فمُطِر الناسُ حتى سالت قناةٌ أربعينَ يومًا، فأصبَح الناسُ منهم مَن يقول: لقد صدَق نَوْءُ كذا. ومنهم مَن يقول: هذه رحمةٌ وضَعها اللَّه (٤). أخبرنا أحمدُ بنُ قاسم ومحمدُ بنُ إبراهيم قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى بن جميل، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: أخبرنا الأصمعيُّ، قال: أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ عمرَ، عن أبي وَجْزةَ السَّعْديِّ، سَعْدِ بنِ بكر (٥)، عن أبيه، قال: شهدتُ عمرَ بنَ الخطاب يَسْتَسْقي، فجعَل يَسْتغفِرُ. قال: فجعلتُ أقول: ألا يأخذُ فيما خرَج له؟ ولا أشعرُ أنَّ

стр. 7617

الاستسقاءَ هو الاستغفار. قال: فقلَّدَتْنا السماءُ (١) قِلْدًا كلَّ خمسَ عَشَرة، حتى رأيتُ الأرنبةَ تأكلُها صِغارُ الإبل من وراءِ حِقاق العُرْفُط، قال: قلت: ما حِقاقُ العُرْفُط؟ قال: أبناءُ سنتَين وثلاث. قال: نصرٌ. قال الأصمعيُّ: الأرنبةُ شجرةٌ صغيرةٌ؛ يقول: فطالَت من الأمطار حتى صارَت الإبلُ كلُّها تَتناولهُا من فوق شجرِ العُرْفُط (٢). ويُروَى هذا الخبرُ عن مُسلم المُلائيِّ، عن أنس بغيرِ هذا، قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللَّه، أتَيْناكَ وما لنا صبيٌّ يَصْطَبح (٣)، ولا بعيرٌ يَئِطُّ، وأنشد: أتَيْناكَ والعَذْراءُ يَدْمَى لَبانُها ... وقد شُغِلت أمُّ الصبيِّ عن الطِّفْلِ وألقى بكَفَّيْه وخَرَّ اسْتِكانةً ... من الجُوع موتًا ما يُمِرُّ وما يُحْلي (٤) ولا شيءَ مما يأكُلُ الناسُ عندَنا ... سِوى الحَنظَل العاميِّ والعِلْهِزِ الفَسْلِ (٥) وليسَ لنا إلا إليك فرارُنا ... وأين فِرارُ النّاسِ إلا إلى الرُّسْلِ

стр. 7618

فقامَ رسولُ اللَّه ﷺ يجُرُّ رداءَه حتى صعِد المنبر، فرفَع يدَيه ثم قال: "اللهمَّ اسْقِنا غَيثًا مُغيثًا، غَدَقًا طَبقًا، نافعًا غيرَ ضارٍّ، عاجلًا غيرَ رائث (١)، تملأُ به الضرعَ، وتُنبتُ به الزرعَ، وتحيي به الأرضَ بعدَ موتها، ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩]. قال: فما ردَّ رسولُ اللَّه ﷺ يدَيه حتى التقَتِ السماءُ بأرْواقِها (٢) وجاء أهلُ البِطاح يضجُّون: الغَرقَ الغَرقَ. فقال النبيُّ ﷺ : "اللهمَّ حَوالَينا ولا علينا". فانْجابَ السَّحابُ عن المدينة حتى أحدَق بها كالإكليل فضَحِكَ النبيُّ ﷺ حتى بدَت نواجِذُه، ثم قال: "للَّه دَرُّ أبي طالب، لو كان حيًّا قرَّت عَيناهُ، مَن يُنشِدُنا قوله؟ ". فقال عليٌّ: أنا يا رسولَ اللَّه، لعلك تريد: وأبيضَ يُسْتَسْقَى الغَمامُ بوَجْهِه ... ثِمَالُ اليَتامَى (٣) عِصْمَةٌ للأراملِ يَطيفُ به الهُلّاكُ مِن آلِ هاشم ... فهم عندَه في نِعْمةٍ وفَواضلِ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أجَلْ". فقامَ رجلٌ من كِنانةَ فقال (٤): رسولُ اللَّه ﷺ : "إن يَكُ شاعرٌ أحسنَ فقد أحسنتَ"؛ أخبرناه خلفُ بنُ قاسم، قال: أخبرنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ بُجَيْرٍ القاضي، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ صدقةَ الواسطيُّ،

стр. 7619

ابنُ ابنةِ خالدٍ الطَّحّان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ رَشدِ بنِ (١) خُثيم، [عن عمِّه سعيد بن خُثيم] (٢)، عن مسلم المُلائيِّ، عن أنسِ بنِ مالك، فذكره (٣). قال القاضي: قال لنا إبراهيم: اللَّبّان: الصدرُ، والحَنْظَلُ العاميُّ: الذي له عامٌ، والعِلْهِزُ لا أعرِفُه. وهكذا قال الشيخ، وأظنُّه العَنْقَز، وهو أصولُ البَرْدي. وأما قوله: بعيرٌ يَئِطُّ. فالأطيطُ: الصوتُ، وغَدَقًا: كثيرًا، وطَبَقًا: يَطْبِقُ الأرض. وذكَر أبو عبد اللَّه محمدُ بنُ زكريا بنِ دينار الغَلابيُّ، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ بَكّار، قال: حدَّثنا عيسى بنُ يزيد، عن موسى بنِ عُقبة، أنَّ أعرابيًّا جاءَ إلى رسولِ اللَّه ﷺ وقد أجدَبت عليهم السَّنة، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنه مرَّتْ بنا سِنونَ كسِني يوسُف، فادْعُ اللَّهَ لنا. فقامَ رسولُ اللَّه ﷺ إلى المنبر يَجُرُّ رداءَه، وحوَّلَه على كتفِه، ثم قال: "اللهمَّ اسْقِنا غَيْثًا مُغِيثًا هَزِجًا سَحًّا". فما استتمَّ الدعاءَ حتى استقَلَّت سحابةٌ تُمطِرُ سحًّا، فلم تزلْ كذلك حتى قدِم أهلُ الأسافل يَصيحون: الغرقَ الغرقَ. فضحِك النبيُّ ﷺ حتى بدَت نواجِذُه، ثم قال: "للَّه أبو طالب، لو كان حاضرًا لقَرَّت عيناهُ، أما منكم أحدٌ يُنْشِدُني شعرَه؟ ". فقامَ عليُّ بنُ أبي طالب، فقال: لعلك تريدُ يا رسولَ اللَّه قوله: وأبيضَ يُسْتَسْقَى الغَمامُ بوجهِه ... ربيعُ اليَتامَى عِصْمَةٌ للأراملِ

стр. 7620

فقال: "نعم". فقال الأعرابيُّ، وكان من مُزَينة (١): لك الحمدُ والحمدُ ممن شَكَرْ ... سُقِينا بوجهِ النبيِّ المَطَرْ دَعا ربَّه المُصْطَفَى دعوةً ... فأسلَم معْها إليه النَّظَرْ فلم يَكُ إلا أن القَى الرِّداءَ ... وأسرَع حتى رأينا الدَّرَرْ (٢) ولم يَرْجِعِ الكفَّ عندَ الدُّعاءِ ... إلى النَّحْرِ حتى أفاضَ الغُدُرْ (٣) سَحابٌ وما في أدِيمِ السَّماءِ ... سَحابٌ يَراه الحديدُ البَصَرْ فكان كما قاله عمُّه ... وأبيضَ يُسْقَى به ذو غُدُرْ به يُنْزِلُ اللَّهُ غَيْثَ السَّماءِ ... فهذا العِيانُ لذاك الخَبَرْ فمَن يَشْكُرِ اللَّهَ يَلْقَ المزيدَ ... ومَن يكفُرِ اللَّهَ يَلْقَ الغِيَرْ (٤) ليس هذا البيت في رواية الغَلابيِّ. قال موسى بنُ عُقبة: فأمرَ له النبيُّ ﷺ براحِلتَين، وكَسَاهُ ثوبًا. وأمّا قوله: "الآكام": فهي الكداءُ والجُبارُ الصِّغارُ من التُّراب. الواحدةُ أكَمَة. و"منابتُ الشَّجر": مواضعُ المرعَى حيث تَرْعَى البهائمُ. و"انجياب الثّوب": انقطاع الثّوب، يعني الخَلِق، يقول: صارتِ السَّحابةُ قِطَعًا وانكَشَفتْ عن المدينة، كما ينكشِفُ الثّوبُ عن الشيءِ يكون عليه.

стр. 7621

حديثٌ ثانٍ لشَرِيكِ بنِ أبي نَمِرٍ مالكٌ (١)، عن شَرِيكِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي نَمِر، عن أبي سلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، أنه قال: سمع قومٌ الإقامةَ فقامُوا يُصَلُّون، فخرَج عليهم رسولُ اللَّه ﷺ فقال: "أصَلاتان معًا؟! أصَلاتان معًا؟! ". وذلك في صلاة الصُّبح في الرَّكْعتَين اللَّتين قبلَ الصُّبح. لم تختلفِ الرواةُ عن مالك في إرسالِ هذا الحديث فيما علِمتُ (٢) إلا ما رواه الوليدُ بنُ مسلم؛ فإنه رواه عن مالك، عن شريك، عن أنس؛ حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ أحمدَ القاضي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عُمَير بنِ جَوْصا، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وزير، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن شَرِيكِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي نَمِر، عن أنس، أنَّ ناسًا من أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ سمِعوا الإقامةَ فقامُوا يُصَلُّون، فخرَج عليهم رسولُ اللَّه ﷺ فقال: "أصَلاتان معًا؟! ". ورواه الدَّراورديُّ، عن شَرِيك، فأسنَده عن أبي سلمة، عن عائشة؛ حدَّثناه سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمزة، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمد، قال: حدَّثنا شَرِيكُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ أبي نَمِر، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن عائشة زوج النبيِّ ﷺ ، أنَّ النبيَّ ﷺ خرَج حينَ أُقِيمتِ الصلاة -صلاةُ الصبح- فرأى ناسًا يُصَلُّون، فقال: "أصَلاتان معًا؟! " (٣).

стр. 7622

وروَى نحوَ هذا المعنى عن النبيِّ ﷺ عبدُ اللَّه بنُ سَرْجِس، وابنُ بُحَينة، وأبو هريرة: أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: أخبرنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا سليمانُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن عاصم، عن عبدِ اللَّه بنِ سَرْجِس، قال: جاء رجلٌ والنبيُّ ﷺ يُصلِّي الصبح، فصلَّى الركعتين، ثم دخلَ مع النبيِّ ﷺ في الصلاة، فلما انصرَف قال: "يا فلانُ، أيتُهما صلاتُك؟ التي صلَّيتَ وحدَك، أو التي صلَّيتَ معنا؟ ". حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قال: حدَّثنا مُسَدَّد، قال: حدَّثنا يحيى، عن شعبة، عن سعدِ بنِ إبراهيم، عن حفصِ بنِ عاصم، عن ابن بُحَينة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ رأى رجلًا يُصلِّي ركعتَين قبل الصبح والمؤذنُ يُقيم، فلما فرَغ من صلاتِه ألاثَ به (٢)، وقال: "أتصلِّي الصبحَ أربعًا؟ " (٣).

стр. 7623

قال أبو عُمر: قوله ﷺ : "أصلاتان معًا؟ ". وقوله لهذا الرجل: "أيتُهما صلاتُك؟ ". وقوله في حديث ابن بُحَينة: "أتُصَلِّيهما أربعًا؟ ". كلُّ ذلك إنكارٌ منه ﷺ لذلك الفعل، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يُصلِّي في المسجدِ ركعتَي الفجر، ولا شيئًا من النوافل إذا كانت المكتوبةُ قد قامت، وقد ثبَت عنه ﷺ في هذا الباب ما هو أصحُّ من هذا، وعليه المُعوَّلُ في هذه المسألة عندَ أهل العلم، وذلك قوله ﵇: "إذا أُقِيمت الصلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبةَ"؛ يعني التي أُقِيمت، وهذا يوضِّحُ معنى: "أصَلاتان معًا؟ " ويفسِّرُه، وهو حديثٌ صحيحٌ، رواه عمرُو بنُ دينار، عن عطاءِ بنِ يسار، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ؛ كذلك رواه ابنُ جريج، وحمادُ بنُ سَلَمة، وحسينٌ المُعلِّمُ (١)، وزيادُ بنُ سعد، وورقاءُ، وأيوبُ السَّخْتيانيُّ، وزكريا بنُ إسحاق؛ مرفوعًا، وقد وقَفه قومٌ من رواتِه على أبي هُريرة، والقولُ قولُ مَن رفَعه، وهو حديثٌ ثابتٌ ظاهرُ المعنى. وباللَّه التوفيق. أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلمة. قال أبو داود (٣): وحدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شعبة، عن ورقاءَ.

стр. 7624

قال (١): وحدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: وحدَّثنا الحسنُ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، عن حمادِ بنِ زيد، عن أيوب. قال (٢): وحدَّثنا محمدُ بنُ المتوكل، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاق، قال: حدَّثنا زكريا بنُ إسحاق، كلُّهم عن عمرِو بن دينار، عن عطاءِ بنِ يسار، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ : "إذا أُقِيمت الصلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبةَ". أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبد العزيز، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمة، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ دينار، عن عطاءِ بنِ يسار، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، مثلَهُ (٣).

стр. 7625

حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ محمد بنِ إبراهيمَ الدَّيْبُليُّ، قال: حدَّثنا عامرُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زُنْبُور، قال: حدَّثنا فُضَيْلُ بنُ عِياض، قال: حدَّثنا زيادُ بنُ سعد، عن عَمْرِو بنِ دينار، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا أُقِيمت الصلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبةَ" (١). وقد روَى هذا الحديثَ أبو سَلَمة، عن أبي هريرة من وجهٍ صحيح أيضًا؛ حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ إسحاقَ بنِ مِهْران، قال: حدَّثنا عُمارةُ بنُ وثيمةَ بنِ موسى بنِ الفُرات، قال: حدَّثنا أبو صالح عبدُ الغفار بنُ داودَ الحرّانيُّ، قال: حدَّثنا الليثُ بنُ سعد، عن عبدِ اللَّه بنِ عياشِ بنِ عباس، [عن أبيه] (٢)، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا أُقِيمت الصلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبةَ التي أُقِيمت" (٣). وفي

стр. 7626

هذا الباب أيضًا حديثُ جابر (١)، وحديثُ ابنِ عباس (٢). واختلَف الفقهاءُ في الذي لم يُصَلِّ ركعتَي الفَجْر وأدرَكَ الإمامَ في الصَّلاة، أو دخَل المسجدَ ليُصَلِّيَهما فأُقِيمتِ الصلاةُ؛ فقال مالك (٣): إذا كان قد دخَل المسجدَ فلْيدخُلْ مع الإمام ولا يركَعْهما، وإن كان لم يدخُلِ المسجدَ، فإن لم يَخَفْ أن يفوتَه الإمامُ بركعةٍ فليركَعْ خارجَ المسجدِ، ولا يركَعْهما في شيءٍ من أفْنيةِ المسجدِ التي تُصَلَّى فيها الجمعةُ اللَّاصِقَةُ بالمسجد، وإن خافَ أن تفوتَه الركعةُ الأولى مع الإمام فليدخُلْ وليُصَلِّ معه، ثم يُصَلِّيهما إذا طَلَعَت الشمسُ إن أحَبَّ، ولأن يُصَلِّيَهما إذا طلعَت الشمسُ أحبُّ إليَّ وأفضلُ مِن تَركِهما. وقال الثوريُّ: إن خَشِي فوتَ رَكْعةٍ دخَل معهم ولم يُصَلِّهما، وإلا صَلّاهما وإن كان قد دخلَ المسجد (٤). وقال الأوزاعيُّ: إذا دخَل المسجدَ يركَعُهما، إلا أن يُوقِنَ أنه إن فعَل فاتَتْه الركعةُ الآخرة، فأما الركعةُ الأولى فيركَعُ وإن فاتَتْه.

стр. 7627

وقال الحَسَنُ بنُ حيٍّ: إذا أخَذ المُقيمُ في الإقامةِ فلا تطوعَ إلا رَكْعتَي الفجر. وقال أبو حنيفة وأصحابُه: إن خشيَ أن تفوتَه الرَّكْعتان ولا يُدْرِكَ الإمامَ قبلَ رَفْعِه من الرُّكوع في الثانية دخَل معه، وإن رَجَا أن يدركَ ركعةً صلَّى ركعتَي الفجر خارجَ المسجد، ثم يدخلُ مع الإمام (١). قال أبو عُمر: اتَّفق هؤلاء كلُّهم على أنه يركعُ رَكْعتَي الفَجْرِ والإمامُ يصلِّي، منهم مَن راعى فوْتَ الركعةِ الأولى (٢)، ومنهم مَن راعَى الثانية، ومنهم مَن اشترط الخروجَ عن المسجد، ومنهم مَن لم يُبالِه (٣)، على ما ذكَرنا عنهم. وحُجَّتُهم أنّ رَكْعتَي الفَجْر من السُّنَن المؤكَّدة التي كان رسولُ اللَّه ﷺ يُواظِبُ عليها، إلا أنَّ من أصحاب مالكٍ مَن قال: هما من الرغائب ولَيْسَتا من السُّنَن. وهذا قولٌ ضعيفٌ لا وجهَ له، وكلُّ ما فعَله رسولُ اللَّه ﷺ فسُنَّة، وآكدُ ما يكونُ من السُّنَن ما كان رسولُ اللَّه ﷺ يُواظِبُ عليه ويَندُبُ إليه ويأمُرُ به، ومن الدليل على تأكيدِهما أنه صلّاهما حين نامَ عن صلاة الصُّبح في سفرِه بعدَ طُلوع الشمس (٤)، وهذا غايةٌ في تأكيدِهما، ولا أعلمُ خلافًا بين علماءِ (٥) المسلمين في أنَّ رَكْعتَي الفَجْر من السُّننِ المؤكَّدة، إلا ما ذكَر ابنُ عبدِ الحكم وغيرُه من أصحابنا أنَّهما من الرَّغائب، وهذا لا يُفهَمُ ما هو، وأعمالُ البرِّ كلُّها مرغوب فيها، وأفضلُها

стр. 7628

ما واظَب رسولُ اللَّه ﷺ عليه (١) منها وسَنَّها، ولم يُختلَفْ عنه ﷺ أنه كان إذا أضاءَ له الفجرُ صلَّى رَكْعتين قبل صلاةِ الصُّبح، وأنه لم يترُكْ ذلك حتى ماتَ، فهذا عَمَلُه. وقالت عائشة: ما كان رسولُ اللَّه ﷺ على شيء من النوافل أشدَّ معاهدةً منه على رَكْعتَي الفَجْر. وقال ﷺ : "رَكْعَتا الفَجْرِ خيرٌ مِن الدُّنيا وما فيها". أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد؛ قالا: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن ابنِ جريج، قال: حدَّثني عطاءٌ، عن عُبيدِ بنِ عُمير، عن عائشة، قالت: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لم يكن على شيءٍ من النوافل أشدَّ معاهدةً منه على الرَّكْعتَين قبلَ الصُّبْح (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارث (٤)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرٌ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو عَوَانة، عن قَتادة، عن زُرارةَ بنِ أوْفَى، عن سعدِ بنِ هشام، عن عائشة، قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "رَكْعتا الفَجْرِ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها". قال أبو عُمر: فاحتجَّ مَن قدَّمْنا قولَهُ من الفُقهاء وأصحابِهم بهذه الآثار وما كان مِثْلَها في تأكيدِ رَكْعتَي الفَجْر، قالوا: هي سُنّةٌ مؤكَّدةٌ، فإذا أمكَن الإتيانُ

стр. 7629

بهما وإدراكُ ركعةٍ من الصُّبْح فلا معنى لتَركهما؛ لأنه لا تفوتُ الصلاةُ مَن أدرَك ركعةً منها. وقال منهم آخرون: إذا لم تَفُتْه الرَّكْعةُ الأولى من صلاةِ الصُّبْح، فلا بأسَ أن يُصَلِّيهما في المسجد. وقال مالكٌ وأبو حنيفة: خارجَ المسجد، لأنَّ النَّهيَ المذكورَ عندَهم في حديثِ ابنِ بُحَينةَ وعبدِ اللَّه بنِ سَرْجِسَ مع قوله: "أصَلاتان معًا؟ " يحتملُ أن يكونَ ذلك، لأنّه جمعٌ بينَ الفريضةِ والنافلةِ في مَوْضع واحد، كما نَهَى مَن صلَّى الجمعةَ أن يصليَ بعدَها تطوعًا في مقام واحدٍ حتى يتقدَّمَ أو يتكلم. هذا ما نزَع به الطَّحاويُّ (١)، وهو شيءٌ عندي ليس بالقويِّ. ومن حُجَّة مالك وأبي حنيفةَ أيضًا في أن يُصلِّيهما خارجَ المسجد إن رَجا أن يُدْرِك: ما حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصْر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سابِق، قال: حدَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى بنِ أبي كثير، عن زيدِ بنِ أسْلَم، عن ابنِ عُمر، أنه جاءَهُ والإمامُ يُصلِّي صلاةَ الصُّبْح، ولم يكنْ صلَّى الركعتَين قبل صلاةِ الصُّبح، فصلَّاهما في حُجْرةِ حَفْصة، ثم إنه صلَّى مع الإمام (٢). فهذا ابنُ عمرَ قد صلّاهما -بعدَ أن أُقِيمت المكتوبةُ- خارجَ المسجد، وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفة. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر،

стр. 7630

قال: حدَّثنا شعبةُ عن أبي بشْر، عن سعيدِ بنِ جبير، قال: إذا دخَل الرجلُ المسجدَ والقومُ يُصَلُّون، فلا يُصلِّ الرَّكْعتَين قبلَ الغَداة، ولكن ليُصَلِّهما خارجًا على دُكّان (١)، أو على شيء (٢)، وهذا مثلُه أيضًا. ومن حُجَّةِ الثوريِّ والأوزاعيِّ في أن يُصَلِّيَهما في المسجدِ إذا رجا أن يُدرِكَ صلاةَ الصُّبْح مع الإمام، ما رُوِيَ عن عبدِ اللَّه بنِ مسعود: أنه دخلَ المسجدَ وقد أُقيمتِ الصلاةُ، فصلَّى إلى أُسطُوانةٍ في المسجدِ رَكْعتَي الفَجْر، ثم دخَل في الصلاة، بمَحْضَرٍ من حُذَيفة وأبي موسى (٣). قالوا: وإذا جازَ أن يشتغلَ بالنّافلة عن المكتوبةِ خارجَ المسجد، جازَ له ذلك في المسجد. وقال الشافعيُّ (٤): مَن دخَل في المسجدِ وقد أُقيمت الصلاةُ -صلاةُ الصُّبْح- فليَدْخُلْ مع الناس ولا يركَعْ رَكْعتَي الفَجْر. ومن قوله أنه إذا أُقِيمت الصلاةُ دخَل مع الإمام ولم يَرْكَعْهما لا خارجَ المسجدِ ولا في المسجد. وكذلك قال الطبريُّ: لا يتشاغلْ أحدٌ بنافلةٍ بعدَ إقامةِ الفريضة. وقال أبو بكر الأثرم: سُئِل أحمدُ بنُ حنبل -وأنا أسمع- عن الرجل يدخُلُ المسجدَ والإمامُ في صلاةِ الصُّبْح ولم يركَع الركعتين، فقال: يدخلُ في الصلاة؛

стр. 7631

لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إذا أُقِيمت الصلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبةَ". واحتجَّ أيضًا بقوله: "أصلاتانِ معًا؟ " قال أحمد: ويَقضِيهما من الضُّحَى. قيل له: فإن صلّاهما بعدَ سلامِه وفراغِه من صلاةِ الفَجْر؟ فقال: يُجْزِئُه، وأما أنا فأختارُ أن يُصَلِّيهما من الضُّحى (١)، ثم قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عُليّة، عن أيوب، عن نافع، قال: كان ابنُ عمرَ يُصَلِّيهما من الضُّحَى (٢). قال أبو بكر الأثرم: وحدَّثنا عَفّان، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ المُفَضَّل، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ عَلْقَمة، قال: وقال محمدُ بنُ سيرين: كانوا يكرَهون أن يصلُّوهما إذا أُقِيمت الصلاة. وقال محمد: ما يَفوتُه من المكتوبةِ أحبُّ إليَّ منهما (٣). قال أبو عُمر: قد ثبت عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إذا أُقِيمت الصلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبةَ التي أُقِيمت". رواه أبو سَلَمة، عن أبي هريرة، وعطاءُ بنُ يسار، عن أبي هريرة، والحُجّةُ عندَ التنازع السُّنّةُ، فمَن أدلى بها فقد أَفْلَجَ (٤)، ومَن استعمَلها فقد نجا، وما توفيقي إلا باللَّه. [هذا آخر المجلد الثالث عشر من هذه الطبعة المحققة، والحمد للَّه، نسأل اللَّه أن ييسر إتمامه].

стр. 7632

باب الهاء هلالُ بنُ أسامة (١) وهو هلالُ بنُ أبي ميمونة، قال مصعبٌ: هو مولى عامرِ بنِ لؤيٍّ. قال أبو عُمر: روى عنه مالكٌ فقال: هلالُ بنُ أسامة. وروَى عنه يحيى بنُ أبي كثير، وزيادُ بنُ سعد فقالا: هلالُ بنُ أبي ميمونة. وروى عنه فُلَيحُ بنُ سُليمانَ فقال: هلالُ بنُ عليٍّ. وقيل: إنه هلال بنُ علي بنِ أسامة، وأبوه يُكْنَى أبا ميمونة، وبه يُعرف بالكُنية، وهو بها أشهَرُ. لمالكٍ عنه حديثٌ واحدٌ، اختَصَرهُ من حديثه الطَّويل. مالكٌ (٢)، عن هلالِ بنِ أُسامة، عن عطاءِ بنِ يسار، عن عُمرَ بنِ الحكَم، أنه قال: أتيتُ رسولَ اللَّه ﷺ فقلت: يا رسولَ اللَّه، إنَّ لي جاريةً كانت تَرعَى غنمًا لي، فجئْتُها وقد فُقِدتْ شاةٌ، فسألتُها عنها، فقالت: أكلها الذِّئب. فأسِفتُ عليها، وكنتُ من بني آدم، فلَطَمْتُ حرَّ وَجْهِها، وعليَّ رقَبةٌ، أفأُعْتِقُها؟ فقال لها رسولُ اللَّه ﷺ : "أينَ اللَّه؟ ". فقالت: في السماء. فقال: "مَن أنا؟ ". فقالت: رسولُ اللَّه. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أعْتِقْها". هكذا قال مالكٌ في هذا الحديث: عن هلال، عن عطاء، عن عمرَ بنِ الحكم. لم يختلفِ الرُّواةُ عنه في ذلك (٣)، وهو وَهْمٌ عندَ جميع أهل العلم بالحديث، وليس

стр. 7633

في الصحابة رجلٌ يقال له: عمرُ بنُ الحكم. وإنما هو معاويةُ بنُ الحكم، كذلك قال فيه كلُّ مَن روَى هذا الحديثَ عن هلال وغيرِه، ومُعاويةُ بنُ الحكم معروفٌ في الصحابة، وحديثُه هذا معروفٌ له، وقد ذكَرناه في "الصحابة" ونسَبْناه (١)، فأغْنانا عن ذكرِ ذلك هاهنا. وأما عمرُ بنُ الحكم (٢)، فهو من التابعين: وهو عمرُ بنُ الحكم بن أبي الحكم، وهو من بني عَمْرِو بنِ عامرٍ من الأوس، وقيل: بل هو حليفٌ لهم. وكان من ساكني المدينة، تُوفي بها سنةَ سبعَ عشرة ومئة، وهو عمُّ والدِ عبدِ الحميد بنِ جعفرٍ الأنصاريِّ. وعمرُ بنُ الحكم بنِ سِنان، لأبيه صحبةٌ، وعمرُ بنُ الحكم بنِ ثَوْبان، هؤلاء ثلاثةٌ مِن التابعين كلُّهم يُسمَّى عمرَ بنَ الحكم، وهم مَدَنيُّون، وليس فيهم مَن له صحبة، ولا مَن يَروي عنه عطاءُ بنُ يسار، وليس في الصحابة أحدٌ يُسمَّى عمرَ بنَ الحكم، وإنما هذا معاويةُ بنُ الحكم لا شكَّ فيه. حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب، قال سمِعتُ أحمدَ بنَ عمرٍ والبزّارَ يقول: روَى مالكٌ عن هلالِ بنِ أبي ميمونة، عن عطاءِ بنِ يسار، عن عمرَ بنِ الحكم السُّلَميِّ، أنه سألَ النبيَّ ﷺ . فوهَم فيه، وإنما الحديثُ لعطاءِ بنِ يسار، عن معاويةَ بنِ الحكم السُّلَميّ. قال أبو بكر البزار: وليس أحدٌ من أصحاب النبيِّ ﷺ يقال له: عمرُ بنُ الحكم. وقال أحمدُ بنُ خالد: ليس أحدٌ يقول فيه: عمرُ بنُ الحكم. غير مالك، وَهَم فيه، وكذلك رواه أصحابُه جميعًا عنه. قال: وإنما يقول ذلك مالكٌ في حديثه عن هلالِ بنِ أسامة، وقد رواه عن ابن شهاب، عن أبي سَلمة، عن معاويةَ بنِ الحكم السُّلّميِّ، كما رواه الناس.

стр. 7634

قال أبو عُمر: حديثُه هذا من روايةِ يحيى عن مالك مختصرٌ من حديثٍ فيه طولٌ، وقد ذكَرهُ بأكملَ من هذا عن مالكٍ قومٌ؛ منهم عبدُ اللَّه بنُ يوسف، وابنُ بُكَير، وكذلك رواه قتيبةُ (١) أيضًا والشافعيُّ (٢) عن مالكٍ بتمامِه، فيه ذِكْرُ الكُهّان والطِّيَرة. وقد روَى مالكٌ بعضَ ذلك الحديث، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلَمة، عن معاوية بنِ الحكم السُّلَميِّ، فذكر أمرَ الكُهّان والطِّيَرة، ولم يذكُر أمرَ الجارية، وقال فيه في روايتِهِ عن ابن شِهاب: معاويةُ بنُ الحَكَم (٣)، كما قال الناس، وإنما قال مالكٌ: "عمرُ بن الحكم" في حديثه عن هلالِ بنِ أسامة، ولم يُتابِعْه أحدٌ على ذلك، وكلُّ مَن رواه عن هلال قال فيه: "معاويةُ بنُ الحكم" وهو الصواب، وباللَّه التوفيق. قرأتُ على أحمدَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ محمد، أنَّ الميمونَ بنَ حمزةَ الحسينيَّ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أبو جعفر الطحاويُّ، قال (٤): حدَّثنا إسماعيلُ بنُ يحيى المُزَنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال (٥): أخبَرنا مالكٌ، عن هلالِ بنِ أسامة، عن عطاءِ بنِ يسار، عن عُمرَ بنِ الحكم، أنه قال: أتيتُ رسولَ اللَّه ﷺ فقلت: يا رسولَ اللَّه، إنَّ جاريةً لي كانت تَرعَى غنمًا لي، فجِئْتها وفَقَدتُ شاةً من الغنم، فسألتُها عنها، فقالت: أكلها الذئب. فأسِفْتُ عليها، وكُنتُ امرأً من بني آدم، فلَطَمتُ وجهَها، وعليَّ رقبةٌ، أفأُعتِقُها؟ قال لها رسولُ اللَّه ﷺ : "أينَ اللَّه؟ ". قالت: في السماء. قال:

стр. 7635

"فمَن أنا؟ ". قالت: أنت رسولُ اللَّه. قال عُمر: يا رسولَ اللَّه، أشياءُ كنّا نصنعُها في الجاهلية، كنّا نأتي الكهّان. فقال النبيُّ ﷺ : "فلا تأتوا الكُهّان". قال عمر: وكنّا نتطيّر. قال: "إنما ذلك شيءٌ يَجدُه أحدُكم في نَفْسِه، فلا يَصُدَّنّكم". قال الطَّحاويُّ (١): سمِعتُ المُزَنيَّ يقول: قال الشافعيُّ: مالكُ بنُ أنس يُسمِّي هذا الرجلَ عُمرَ بنَ الحكم، وإنما هو معاويةُ بنُ الحكم. قال الطَّحاويُّ: وهو كما قال الشافعيُّ. وقال الطَّحاويُّ (٢): وقال مالكٌ: هلالُ بنُ أسامة. وإنما هو هلالُ بنُ عليٍّ، غيرَ أن قائلًا قال: هو هلالُ بنُ عليِّ بنِ أسامة، فإن كان كذلك، فإنما نسَبه مالكٌ إلى جدِّه. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ جعفر بن الوَرْد، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ عبد الحكم، قال: أخبرنا مالك، عن هلالِ بنِ أسامة، عن عطاءِ بنِ يسار، عن عُمرَ بنِ الحكم، أنه قال: أتيتُ رسولَ اللَّه ﷺ فقلت: يا رسولَ اللَّه، إن لي جاريةً كانت تَرعَى غنمًا، فجئتُها وفَقَدْتُ شاةً من الغنم، فسألتُها عنها فقالت: أكَلها الذئبُ. فأسِفْتُ عليها، وكنتُ من بني آدم، فلَطَمتُ وجهَها، وعليَّ رقبةٌ، أفأُعتِقُها؟ فقال لها رسولُ اللَّه ﷺ : "أين اللَّه؟ ". قالت: في السماء. قال: "مَن أنا؟ ". قالت: أنت رسولُ اللَّه. قال: "أعْتِقْها". فقال عُمر: يا رسولَ اللَّه، أشياءُ كنّا نصنعُها في الجاهلية، كنّا نأتي الكُهّان. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا تأتُوا الكُهّان". قال: وكنّا نتطيَّرُ. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنما ذلك شيءٌ يَجدُه أحدُكم في نفسِه، فلا يَضُرُّكم".

стр. 7636

حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمد، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عبدِ اللَّه الزُّبَيديُّ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّه بنُ الجارود، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ عبدِ الحكم، أن ابنَ وَهْبٍ أخبَره، قال: أخبَرنا مالك، عن هلال بنِ أسامة، عن عطاءِ بنِ يسار، عن عمرَ بنِ الحكم، أنه أتى النبيَّ ﷺ . فذكرَ الحديثَ. قال أبو محمدِ بنُ الجارود: وكذلك حدَّثناه محمدُ بنُ يحيى، عن مُطَرِّف، عن مالك، عن هِلال، عن عطاء، عن عُمرَ بن الحكم. قال أبو محمد: وليس هو عُمرَ بنَ الحكم، إنما هو معاويةُ بنُ الحكم، وهو خطأٌ من مالك. وقرأتُ على عبدِ الوارث بن سُفيان، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل التِّرْمذيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ عبدِ اللَّه الأويسيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن ابنِ شهاب، قال: أخبَرني أبو سَلَمةَ بنُ عبد الرحمن، عن معاويةَ بنِ الحكم، أنه سأل رسولَ اللَّه ﷺ عن الطِّيَرة، فقال: "شيءٌ يَجدُه أحدُكم، فلا يَصُدَّنَّكم" (١). وأخبرنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو الطاهر، عن ابن وَهْب، قال أخبرني مالكُ بنُ أنس وابنُ أبي ذئب ويونسُ بنُ يزيد وابنُ سِمْعان، عن ابنِ شهاب، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن مُعاويةَ بنِ الحكم السُّلَميِّ، قال: قلت؟ يا رسولَ اللَّه، أمورٌ كنّا نصنَعُها في الجاهلية، كنّا نأتي الكُهّان. قال: "فلا تأتُوا الكُهّان". قال: قلت: كنّا نَتَطيَّرُ؟ قال: "ذلك شيءٌ يَجدُه أحدُكم في نفسه، فلا يَصُدَّنَّكم" (٣).

стр. 7637

فهذا مالكٌ يقولُ في هذا الحديث، عن ابن شهاب: معاويةُ بنُ الحكم. كما سمِعه منه وحَفِظَهُ عنه، ولو سَمِعه كذلك من هلال لأدّاه كذلك، واللَّهُ أعلم. وربما كان هذا من هلال، إلا أن جماعةً رَوَوه عن هلال، فقالوا فيه: معاويةُ بنُ الحكم، فاللَّهُ أعلم. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملك وعبيدُ بنُ محمد، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ مسرور، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مسكين. وأخبرنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ منصور، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ سَنجرَ الجُرْجانيُّ، قال: حدَّثنا أبو المغيرة، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني يحيى بنُ أبي كَثِير، عن هلال بن أبي مَيْمونة، عن عطاءِ بنِ يسار، عن معاويةَ بنِ الحكم، قال: قلت: يا رسول اللَّه، إنّا كنّا حديثَ عهدٍ بجاهليةٍ، فجاءَ اللَّهُ بالإسلام، وإنَّ رجالًا منّا يتَطيَّرون. قال: "ذلك شيءٌ يجدونَهُ في صُدورِهم، فلا يَضُرُّهم". قال: يا رسولَ اللَّه، ورجالًا منّا يأتُون الكاهِنين. قال: "فلا تأتوهم". قال: يا رسولَ اللَّه، ورجالًا منّا يخُطُّون. قال: "كان نبيٌّ من الأنبياءِ يَخُطُّ، فمَن وافَق خطَّه فذاك" (١). قال: وبينا أنا مع رسولِ اللَّه ﷺ في الصلاة، عطَس رجلٌ من القوم، فقلتُ: يرحمكَ اللَّه. فحذَفَني القومُ بأبصارِهم، فقلت: واثُكْلَ أُمِّياه، إنَّكُم تنظُرون إليَّ؟ قال: فضرَبوا على أفخاذِهم، فلما رأيتُهم يُسَكِّتُوني، لكني سكَتُّ.

стр. 7638

قال: فلما انصرَف رسولُ اللَّه ﷺ ، فبأبي هو وأُمي، ما رأيتُ معلِّمًا قبلَه ولا بعدَه أحسنَ تعليمًا منه، واللَّه ما ضرَبني، ولا كَهَرني (١)، ولا سَبَّني، ولكن قال: "إن صلاتَنا هذه لا يَصلُحُ فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هي للتَّسْبيح والتكبيرِ وتلاوةٍ للقُرآنِ". قال: ثم اطَّلَعتُ غُنَيمةً لي تَرعاها جاريةٌ لي في ناحية أُحُد، فوجدْتُ الذئبَ قد أصاب منها شاةً، وأنا رجلٌ من بني آدم، آسَفُ كما يأسَفُون، فصَكَكتُها صَكّة، ثم انصرَفْتُ إلى النبيِّ ﷺ فأخبرتُه، فعظَّمَ عليَّ. قال: فقلت: يا رسولَ اللَّه، فهلّا أُعتِقُها؟ قال: "ائتِني بها". قال: فجِئْتُ بها إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال لها: "أين اللَّهُ؟ ". فقالت: في السماء. فقال: "مَن أنا؟ ". فقالت: أنت رسولُ اللَّه. قال: "إنها مؤمنةٌ، فأعْتِقْها" (٢). قال أبو عُمر: معاني هذا الحديث واضحةٌ يُستَغنَى عن الكلام فيها. وأما قوله: "أينَ اللَّهُ؟ ". فقالت: في السماء. فعلى هذا أهلُ الحقِّ؛ لقول اللَّه : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]. ولقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]. ولقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤].

стр. 7639

ومثلُ هذا في القرآن كثير، قد أتينا عليه في بابِ ابن شهابٍ في حديث التَّنزُّل (١)، وفيه ردٌّ على المُعتزلة، وبيانٌ لتأويل قولِ اللَّه : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. ولم يَزل المسلمون في كلِّ زمانٍ إذا دَهَمَهُم أمرٌ، وكَرَبَهُم غمٌّ، يرفَعونَ وجوهَهُم وأيديَهُم إلى السماء، رغبةً إلى اللَّه في الكَشْفِ عنهم. حدَّثنا أحمدُ بنُ عمر، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا أبو عُبيد، قال: سمِعتُ ابنَ عليّة يحدِّثُ، عن سعيدٍ الجُرَيْريِّ، قال: حُدِّثتُ أن أبا الدرداءِ ترَك الغَزوَ عامًا، فأعْطَى رجلًا صُرَّةً فيها دراهم، فقال: انطلِقْ، فإذا رأيتَ رجلًا يسيرُ من القوم ناحية، في هيئتِه بَذاذةٌ، فادفَعْها إليه. قال: ففعل، فرفَع رأسَه إلى السماء وقال: اللهمَّ لم تَنسَ حُدَيْرًا، فاجعلْ حُدَيْرًا لا يَنْساك. قال: فرجَع الرجلُ إلى أبي الدرداء فأخبَره، فقال: وَلي النعمةَ ربُّها (٢). وقد مضى في هذا المعنى ما فيه كفايةٌ وبيانٌ في باب ابنِ شهاب، عن أبي عبدِ اللَّه الأغرِّ وأبي سَلَمة، من هذا الكتاب (٣) (٤).

стр. 7640

مالكٌ عن هاشم بن هاشم (١) حديثٌ واحدٌ وهو هاشمُ بنُ هاشم بنِ عُتبةَ بنِ أبي وقّاص، معروفٌ، مشهورُ النَّسبِ شريفٌ. وقيل فيه: هاشمُ بنُ هاشم بنِ هاشم (٢). روَى عنه مالكٌ، والدراوَرْديُّ، وشجاعُ بنُ الوليد أبو بدْرٍ السَّكُونيُّ، وأبو ضمْرة أنسُ بنُ عياض، ومكيُّ بنُ إبراهيم، وأبو أسامة، ومروانٌ الفَزَاريُّ. ذكره أبو حاتم الرازيُّ وغيرُه (٣). ويروي هاشمُ بنُ هاشم، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، وعامرِ بنِ سعدٍ، وعائشةَ بنتِ طَلْحة، وعبدِ اللَّه بنِ نِسْطاس. وحديث مالكٍ عنه: مالكٌ (٤)، عن هاشم بن هاشم بن عُتبةَ بن أبي وَقّاص، عن عبدِ اللَّه بن نِسْطاس، عن جابرِ بنِ عبد اللَّه، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "مَن حَلَف على مِنْبري آثمًا، تَبَوَّأ مقعَدَه من النّار". قال مصعبٌ الزُّبيريُّ: عبدُ اللَّه بنُ نِسْطاسٍ يَرْوي عن أبيه، عن جابر، ونِسْطاسٌ مولى أُبيِّ بنِ خلف، كان جاهليًّا (٥).

стр. 7641

لم يختلفِ الرُّواةُ عن مالك في إسنادِ هذا الحديث ومَتْنِه (١)، إلا أن أكثرَ الرواةِ عن مالك يقولون فيه: "مَن حلَف على مِنْبري هذا بيمين آثمة". كذا قال ابنُ بُكَير (٢)، وابنُ القاسم (٣)، والقَعْنَبيُّ (٤)، وغيرُهم (٥). وقال يحيى: "مَن حلَف على مِنْبري آثمًا". والمعنى واحدٌ، وفيه اشتراطُ الإثم، فالوعيدُ لا يقعُ إلا مع تعمُّدِ الإثم في اليمين، واقتطاع حقِّ المُسلم بها، وهذا المعنى موجودٌ في هذا الحديث، وفي حديثِ العلاء، على ما مَضَى في بابه من هذا الكتاب (٦). ومذهبُنا في الوعيدِ أنه غيرُ نافذٍ في هذا وفي كلِّ ما أوعَد اللَّهُ أهلَ الإيمان عليه النارَ والعذاب، فإنّ اللَّهَ بالخيار في عَبْدِه المُذنِب؛ إن شاءَ أن يغفِرَ له غَفَرَ له، وإن شاء أن يُعذِّبَه عذَّبه؛ لقولِ اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]. والتوبةُ تَمحُو السيِّئات كلَّها، كُفْرًا كانت أو غيرَ ذلك؛ قال اللَّه : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. إلا أنَّ حُقوق الآدميِّين لا بدَّ فيها بين

стр. 7642

المُسلمين من القِصاصِ بالحسنات والسيئات، وقد بيّنّا هذا المعنى في غير موضع من كتابنا هذا، والحمدُ للَّه. وأما اليمينُ على منبر النبيِّ ﷺ ، أو غيرِه من المنابر، فقد اختلفَ العلماءُ في ذلك؛ فذهَبَ ذاهِبون إلى أن اليمينَ عندَ المنبرِ وفي الجامع لا يكونُ في أقلَّ من رُبُع دينارٍ أو ثلاثةِ دَرَاهم، فإذا كان رُبُع دينارٍ أو ثلاثةَ دراهم، أو قيمةَ ذلك عَرْضًا، فما زاد، كانت اليمينُ فيه في مَقطَع الحقِّ بالجامع من ذلك البَلَد، وهذه جملةُ مذهب مالك. قال مالكٌ: يحلِفُ المسلمُ في القَسامة واللِّعان، وفيما له بالٌ من الحُقوق، يريدُ رُبُعَ دينارٍ فصاعدًا، في جامع بلدِه، في أعظم مواضعِه، وليس عليه التَّوجُّهُ إلى القبلة. هذه روايةُ ابنِ القاسم (١). ورَوَى ابنُ الماجِشون (٢)، عن مالك، أنه يحلِفُ قائمًا مُستقبِلَ القِبْلة. ولا يعرِفُ مالكٌ اليمينَ عندَ المنبر إلا منبرَ رسولِ اللَّه ﷺ فقط، يُحلَفُ عندَه في رُبُع دينار فأكثرَ (٣). قال مالكٌ (٤): ومَن أَبَى أن يحلِفَ عندَ المِنْبر، فهو كالناكِلِ عن اليمين. ويُجلَبُ في أيمان القَسامةِ عند مالكٍ مَن كان من عَمَل مكةَ إلى مكة، فيحلِفُ بينَ الرُّكْن والمقام، ويُجلَبُ في ذلك إلى المدينة مَن كان من عَمَلِها، فيحلفُ عند المنبر (٥).

стр. 7643

ومذهبُ الشافعيِّ في هذا الباب كمذهب مالك؛ في المنبر بالمدينة، وبينَ الركن والمقام بمكةَ في القَسامةِ واللِّعان، وأما في الحُقوق، فلا يحلِفُ عندَه عند المنبَر في أقلَّ من عشرينَ دينارًا (١). وذكَر (٢) عن سعيدِ بن سالم القَدّاح، عن ابن جُريج، عن عِكْرمةَ، قال: أبصر عبدُ الرحمن بنُ عوف قومًا يحلِفون بينَ المقام والبيت، فقال: أعلى دم؟ قيل: لا. قال: أفعلَى عظيمٍ من الأمر؟ قيل: لا. قال: لقد خشيتُ أن يتهاونَ الناسُ بهذا المقام. هكذا رواه الزَّعْفرانيُّ، عن الشافعيِّ: يتهاونَ الناس. ورواه المزنيُّ والربيعُ في كتاب اليمين مع الشاهد، فقالا فيه: خَشِيتُ أن يَبْهأَ الناسُ بهذا المقام (٣). وهو الصحيح عندَهم. ومعنى: يبهأُ: يأنسُ الناسُ به، يقال: بَهَأتُ به؛ أي: أنِسْتُ به (٤). ومنبرُ النبيِّ ﷺ في التعظيم مثلُ ذلك؛ لما ورد فيه من الوعيدِ على مَن حلَف عندَه بيمينٍ آثمةٍ، تعظيمًا له. ودكَر (٥) حديثَ مالك، عن هاشم بن هاشم، وحديثَ مالك (٦)، عن داودَ بن

стр. 7644

الحُصَين، أنه سمع أبا غَطَفانَ بنَ طَريفٍ المُرِّيَّ، قال: اختَصمَ زيدُ بنُ ثابت وابنُ مُطيع إلى مروانَ بنِ الحكَم في دارٍ، فقضَى باليمين على زيدِ بنِ ثابتٍ على المنبر، فقال زيدٌ: أحْلِفُ له مكاني. فقال مروان: لا واللَّه، لا واللَّه، إلا عندَ مقاطع الحقوق. فجعل زيدٌ يحلفُ إنَّ حقَّه لحقٌّ، ويأبى أن يحلِفَ على المنبر، فجعَل مروانُ يعجَبُ من ذلك. قال مالك: كرِه زيدٌ صبرَ اليمين (١). قال الشافعيُّ (٢): وبلَغني أن عمرَ بنَ الخطاب حلَف على المنبر في خصومةٍ كانت بينَه وبينَ رجل، وأن عثمانَ ﵁ رُدَّت عليه اليمينُ على المِنْبر، فافتَدى منها، وقال: أخافُ أن تُوافقَ قدرَ بلاء، فيقال: بيمينِه. قال الشافعيُّ: واليمين على المِنْبر ما لا اختلافَ فيه عندَنا بالمدينةِ ومكةَ في قديم ولا حديث. قال الشافعيُّ: فعابَ قولَنا هذا عائب، ترَك فيه موضعَ حُجَّتنا بسُنَّة رسولِ اللَّه ﷺ والآثارِ بعدَه عن أصحابه، وزعَم أن زيدَ بنَ ثابتٍ كان لا يرى اليمينَ على المنبر، وأنّا روَينا ذلك عنه، وخالَفْناه إلى قولِ مروانَ بغيرِ حُجَّة. قال الشافعيُّ: هذا مروانُ يقول لزيد -وهو عندَه أحظَى أهل زمانِه وأرفعُهم منزلةً- لا واللَّه إلا عندَ مقاطع الحقوق. قال: فما منع زيدَ بنَ ثابت، لو لم يعلم أن اليمينَ على المنبر حقٌّ، أن يقول: مقاطعُ الحقوق مجلسُ الحكم؟ كما قال أبو حنيفةَ وأصحابه: ما كان زيدٌ ليمتنعَ من أن يقولَ لمروانَ ما هو أعظمُ من هذا، وقد قال له: أتُحلُّ الرِّبا يا مروان؟ فقال مروان: أعوذُ باللَّه، وما هذا؟ قال: فالناسُ يَتبايَعون الصُّكوكَ قبلَ أن يَقبِضُوها. فبعَث مروانُ الحرسَ يَنتَزِوعونها من أيدي الناس (٣).

стр. 7645

فإذا كان مروانُ لا يُنكِرُ على زَيْدٍ بهذا، فكيف يُنكِرُ عليه في نفسِه أن يقول: لا تلزَمُني اليمينُ على المنبر؟ لقد كان زيدٌ من أعظم أهل المدينةِ في عَيْن مَرْوانَ وآثرِهم عندَه، ولكنَّ زيدًا علم أنَّ ما قضَى به مروانُ هو الحقُّ، وكرِه أن يصبرَ يمينَه على المِنْبر. قال الشافعيُّ: وهذا الأمرُ الذي لا اختلافَ فيه عندَنا، والذي نقل الحديثَ فيه كأنه تَكَلُّفٌ، لاجتماعنا على اليمين عندَ المنبر. قال (١): وقد روى الذين خالَفونا في هذا حديثًا يُثبِتونَه عندَهم عن منصور، عن الشعبيّ، وعن عاصم الأحول، عن الشعبيِّ، أنَّ عمرَ جلَب قومًا من اليمن، فأدخَلهم الحِجْرَ فأحلَفهم (٢). فإن كان هذا ثابتًا عن عُمرَ، فكيف أنكَروا علينا أن يحلِفَ مَن بمكةَ بين الركنِ والمَقام، ومَن بالمدينةِ على المنبر، ونحن لا نَجْلِبُ أحدًا من بلدِه؟! ولو لم يُحتَجُّ عليهم بأكثرَ من روايتِهم، أو بما احتَجُّوا به علينا عن زيد، لكانت الحُجَّةُ بذلك لازمة، فكيف والحُجَّةُ فيها ثابتةٌ عن رسولِ اللَّه ﷺ ، وعن أصحابِه بعدَه، وهو الأمرُ الذي لا اختلافَ فيه عندَنا (٣). وذكَر (٤) حديثَ أبي بكرٍ الصدِّيق في قصةِ قيسِ بنِ مَكْشوح، فقال: أخبَرني مَن أثِقُ به، عن الضحاك بن عُثمان، عن المقبُريِّ، عن نوفل بن مُسَاحِقٍ العامريِّ،

стр. 7646

عن المهاجر بن أبي أمية، قال: كتب إليَّ أبو بكرٍ أن أبعثَ إليه بقيسِ بنِ مكْشُوح في وَثاق، فبَعثْتُ به إليه، فجعَل قيسٌ يحلِفُ ما قتل داذَوَيهِ، وأحْلَفَهُ أبو بكرٍ خمسينَ يمينًا مُردَّدةً عندَ منبر رسولِ اللَّه ﷺ باللَّه ما قتَله، ولا علم له قاتلًا، ثم عَفا عنه. وذكَر (١) حديثَ مالك، عن هاشم بن هاشم، المذكورَ في هذا الباب مثل لفظِ ابنِ بُكَير، وابنِ القاسم، والقَعْنَبيِّ، سواء. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سعد، قال (٢): حدَّثنا أبو ضَمْرة، قال: حدَّثني هاشمُ بنُ هاشم بن عتبةَ الزُّهريُّ، عن عبدِ اللَّه بنِ نِسْطاس، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّه يقول: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا يَحلِفُ رجلٌ على يمينٍ آثِمَةٍ عندَ هذا المنبر إلا تَبوَّأ (٣) مقعَدَه من النار، ولو على سِواكٍ أخضر". وحدَّثنا عبدُ الوارث (٤)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل الترمذيُّ، قال: حدَّثنا مكِّيُّ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا هاشمُ بنُ هاشم بن عُتبة بنِ أبي وقّاص، عن عبدِ اللَّه بنِ نِسْطاس مولى كثيرِ بنِ الصَّلْت، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّه، أنه سمع رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "مَن حلَف من غير سببٍ على مِنْبري هذا، ولو كان سِواكًا أخضر، تَبوَّأ مقعَدَه من النار" (٥).

стр. 7647

ففي هذه الآثار دليلٌ على أن اليمينَ تكونُ على المنبر لا في مجلس الحُكْم، واختلَف الفقهاءُ في اليمين على المنبر، وفي مِقْدارِ ما يُحلَفُ عليه عندَ المنبر، على حَسَبِ ما قدَّمنا، ونَزيدُ ذلك بيانًا، فنقول: مذهبُ مالكٍ وأصحابِهِ ألا يُحلَفَ على المنبرِ في مسجدٍ من المساجد الجوامع، إلا على منبر النبيِّ ﷺ بالمدينة، وأما ما عَداها فيَحلِفُ في الجامع، ويَحلِفُ قائمًا، ولا يُحْلَفُ على منبر رسولِ اللَّه ﷺ ، ولا في المسجدِ الجامع بغيرِه من البُلْدان، إلا في ثلاثة دراهم فصاعدًا، ولا يُحلَفُ في القَسامةِ والدِّماءِ والحقوقِ التي تكونُ بين الناس، إلا في المسجدِ الجامع دونَ المنبر من ذلك المِصْر، إلا بالمدينة، فإنه يَحلِفَ في القَسامةِ واللِّعانِ على منبر النبيِّ ﷺ وفي ثلاثة دراهمَ فصاعدًا (١). وقال الشافعيُّ (٢): مَن ادَّعى مالًا، أو ادُّعِي عليه، فوجَبَت اليمينُ في ذلك، نُظِر، فإن كان عشرينَ دينارًا فصاعدًا، فإن كان بالمدينةِ حلَف على منبر النبيِّ ﷺ ، وإن كان بمكةَ حلَف بين الرُّكنِ والمقام، إذا كان ما يَدَّعيه المُدَّعي عشرينَ دينارًا فصاعدًا. قال: ويَحلِفُ في ذلك على الطلاق، والحدودِ كلِّها، وجراحِ العَمْد، صَغُرَتْ أو كَبُرتْ، وجراح الخطأ، إن بلَغ أرْشُها عشرينَ دينارًا. قال: ولو أخطأ الحاكمُ في رجل عليه اليمينُ على منبر النبيِّ ﷺ ، أو بين الركنِ والمقام، فأحلَفه في مكانٍ آخرَ بمكةَ أو بالمدينة، ففيها قولان: أحدُهما: ألّا تُعادَ عليه اليمين. والآخر: أن تُعادَ عليه. واختارَ كثيرٌ من أصحابه ألّا تُعادَ عليه. قال الشافعيُّ (٣): وإن كان ذلك في بيتِ المَقْدس، أحلَفْناه في مواضع
следующие страницы →