← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7643–7682 · переход к 7648.

стр. 7643

ومذهبُ الشافعيِّ في هذا الباب كمذهب مالك؛ في المنبر بالمدينة، وبينَ الركن والمقام بمكةَ في القَسامةِ واللِّعان، وأما في الحُقوق، فلا يحلِفُ عندَه عند المنبَر في أقلَّ من عشرينَ دينارًا (١). وذكَر (٢) عن سعيدِ بن سالم القَدّاح، عن ابن جُريج، عن عِكْرمةَ، قال: أبصر عبدُ الرحمن بنُ عوف قومًا يحلِفون بينَ المقام والبيت، فقال: أعلى دم؟ قيل: لا. قال: أفعلَى عظيمٍ من الأمر؟ قيل: لا. قال: لقد خشيتُ أن يتهاونَ الناسُ بهذا المقام. هكذا رواه الزَّعْفرانيُّ، عن الشافعيِّ: يتهاونَ الناس. ورواه المزنيُّ والربيعُ في كتاب اليمين مع الشاهد، فقالا فيه: خَشِيتُ أن يَبْهأَ الناسُ بهذا المقام (٣). وهو الصحيح عندَهم. ومعنى: يبهأُ: يأنسُ الناسُ به، يقال: بَهَأتُ به؛ أي: أنِسْتُ به (٤). ومنبرُ النبيِّ ﷺ في التعظيم مثلُ ذلك؛ لما ورد فيه من الوعيدِ على مَن حلَف عندَه بيمينٍ آثمةٍ، تعظيمًا له. ودكَر (٥) حديثَ مالك، عن هاشم بن هاشم، وحديثَ مالك (٦)، عن داودَ بن

стр. 7644

الحُصَين، أنه سمع أبا غَطَفانَ بنَ طَريفٍ المُرِّيَّ، قال: اختَصمَ زيدُ بنُ ثابت وابنُ مُطيع إلى مروانَ بنِ الحكَم في دارٍ، فقضَى باليمين على زيدِ بنِ ثابتٍ على المنبر، فقال زيدٌ: أحْلِفُ له مكاني. فقال مروان: لا واللَّه، لا واللَّه، إلا عندَ مقاطع الحقوق. فجعل زيدٌ يحلفُ إنَّ حقَّه لحقٌّ، ويأبى أن يحلِفَ على المنبر، فجعَل مروانُ يعجَبُ من ذلك. قال مالك: كرِه زيدٌ صبرَ اليمين (١). قال الشافعيُّ (٢): وبلَغني أن عمرَ بنَ الخطاب حلَف على المنبر في خصومةٍ كانت بينَه وبينَ رجل، وأن عثمانَ ﵁ رُدَّت عليه اليمينُ على المِنْبر، فافتَدى منها، وقال: أخافُ أن تُوافقَ قدرَ بلاء، فيقال: بيمينِه. قال الشافعيُّ: واليمين على المِنْبر ما لا اختلافَ فيه عندَنا بالمدينةِ ومكةَ في قديم ولا حديث. قال الشافعيُّ: فعابَ قولَنا هذا عائب، ترَك فيه موضعَ حُجَّتنا بسُنَّة رسولِ اللَّه ﷺ والآثارِ بعدَه عن أصحابه، وزعَم أن زيدَ بنَ ثابتٍ كان لا يرى اليمينَ على المنبر، وأنّا روَينا ذلك عنه، وخالَفْناه إلى قولِ مروانَ بغيرِ حُجَّة. قال الشافعيُّ: هذا مروانُ يقول لزيد -وهو عندَه أحظَى أهل زمانِه وأرفعُهم منزلةً- لا واللَّه إلا عندَ مقاطع الحقوق. قال: فما منع زيدَ بنَ ثابت، لو لم يعلم أن اليمينَ على المنبر حقٌّ، أن يقول: مقاطعُ الحقوق مجلسُ الحكم؟ كما قال أبو حنيفةَ وأصحابه: ما كان زيدٌ ليمتنعَ من أن يقولَ لمروانَ ما هو أعظمُ من هذا، وقد قال له: أتُحلُّ الرِّبا يا مروان؟ فقال مروان: أعوذُ باللَّه، وما هذا؟ قال: فالناسُ يَتبايَعون الصُّكوكَ قبلَ أن يَقبِضُوها. فبعَث مروانُ الحرسَ يَنتَزِوعونها من أيدي الناس (٣).

стр. 7645

فإذا كان مروانُ لا يُنكِرُ على زَيْدٍ بهذا، فكيف يُنكِرُ عليه في نفسِه أن يقول: لا تلزَمُني اليمينُ على المنبر؟ لقد كان زيدٌ من أعظم أهل المدينةِ في عَيْن مَرْوانَ وآثرِهم عندَه، ولكنَّ زيدًا علم أنَّ ما قضَى به مروانُ هو الحقُّ، وكرِه أن يصبرَ يمينَه على المِنْبر. قال الشافعيُّ: وهذا الأمرُ الذي لا اختلافَ فيه عندَنا، والذي نقل الحديثَ فيه كأنه تَكَلُّفٌ، لاجتماعنا على اليمين عندَ المنبر. قال (١): وقد روى الذين خالَفونا في هذا حديثًا يُثبِتونَه عندَهم عن منصور، عن الشعبيّ، وعن عاصم الأحول، عن الشعبيِّ، أنَّ عمرَ جلَب قومًا من اليمن، فأدخَلهم الحِجْرَ فأحلَفهم (٢). فإن كان هذا ثابتًا عن عُمرَ، فكيف أنكَروا علينا أن يحلِفَ مَن بمكةَ بين الركنِ والمَقام، ومَن بالمدينةِ على المنبر، ونحن لا نَجْلِبُ أحدًا من بلدِه؟! ولو لم يُحتَجُّ عليهم بأكثرَ من روايتِهم، أو بما احتَجُّوا به علينا عن زيد، لكانت الحُجَّةُ بذلك لازمة، فكيف والحُجَّةُ فيها ثابتةٌ عن رسولِ اللَّه ﷺ ، وعن أصحابِه بعدَه، وهو الأمرُ الذي لا اختلافَ فيه عندَنا (٣). وذكَر (٤) حديثَ أبي بكرٍ الصدِّيق في قصةِ قيسِ بنِ مَكْشوح، فقال: أخبَرني مَن أثِقُ به، عن الضحاك بن عُثمان، عن المقبُريِّ، عن نوفل بن مُسَاحِقٍ العامريِّ،

стр. 7646

عن المهاجر بن أبي أمية، قال: كتب إليَّ أبو بكرٍ أن أبعثَ إليه بقيسِ بنِ مكْشُوح في وَثاق، فبَعثْتُ به إليه، فجعَل قيسٌ يحلِفُ ما قتل داذَوَيهِ، وأحْلَفَهُ أبو بكرٍ خمسينَ يمينًا مُردَّدةً عندَ منبر رسولِ اللَّه ﷺ باللَّه ما قتَله، ولا علم له قاتلًا، ثم عَفا عنه. وذكَر (١) حديثَ مالك، عن هاشم بن هاشم، المذكورَ في هذا الباب مثل لفظِ ابنِ بُكَير، وابنِ القاسم، والقَعْنَبيِّ، سواء. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سعد، قال (٢): حدَّثنا أبو ضَمْرة، قال: حدَّثني هاشمُ بنُ هاشم بن عتبةَ الزُّهريُّ، عن عبدِ اللَّه بنِ نِسْطاس، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّه يقول: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا يَحلِفُ رجلٌ على يمينٍ آثِمَةٍ عندَ هذا المنبر إلا تَبوَّأ (٣) مقعَدَه من النار، ولو على سِواكٍ أخضر". وحدَّثنا عبدُ الوارث (٤)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل الترمذيُّ، قال: حدَّثنا مكِّيُّ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا هاشمُ بنُ هاشم بن عُتبة بنِ أبي وقّاص، عن عبدِ اللَّه بنِ نِسْطاس مولى كثيرِ بنِ الصَّلْت، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّه، أنه سمع رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "مَن حلَف من غير سببٍ على مِنْبري هذا، ولو كان سِواكًا أخضر، تَبوَّأ مقعَدَه من النار" (٥).

стр. 7647

ففي هذه الآثار دليلٌ على أن اليمينَ تكونُ على المنبر لا في مجلس الحُكْم، واختلَف الفقهاءُ في اليمين على المنبر، وفي مِقْدارِ ما يُحلَفُ عليه عندَ المنبر، على حَسَبِ ما قدَّمنا، ونَزيدُ ذلك بيانًا، فنقول: مذهبُ مالكٍ وأصحابِهِ ألا يُحلَفَ على المنبرِ في مسجدٍ من المساجد الجوامع، إلا على منبر النبيِّ ﷺ بالمدينة، وأما ما عَداها فيَحلِفُ في الجامع، ويَحلِفُ قائمًا، ولا يُحْلَفُ على منبر رسولِ اللَّه ﷺ ، ولا في المسجدِ الجامع بغيرِه من البُلْدان، إلا في ثلاثة دراهم فصاعدًا، ولا يُحلَفُ في القَسامةِ والدِّماءِ والحقوقِ التي تكونُ بين الناس، إلا في المسجدِ الجامع دونَ المنبر من ذلك المِصْر، إلا بالمدينة، فإنه يَحلِفَ في القَسامةِ واللِّعانِ على منبر النبيِّ ﷺ وفي ثلاثة دراهمَ فصاعدًا (١). وقال الشافعيُّ (٢): مَن ادَّعى مالًا، أو ادُّعِي عليه، فوجَبَت اليمينُ في ذلك، نُظِر، فإن كان عشرينَ دينارًا فصاعدًا، فإن كان بالمدينةِ حلَف على منبر النبيِّ ﷺ ، وإن كان بمكةَ حلَف بين الرُّكنِ والمقام، إذا كان ما يَدَّعيه المُدَّعي عشرينَ دينارًا فصاعدًا. قال: ويَحلِفُ في ذلك على الطلاق، والحدودِ كلِّها، وجراحِ العَمْد، صَغُرَتْ أو كَبُرتْ، وجراح الخطأ، إن بلَغ أرْشُها عشرينَ دينارًا. قال: ولو أخطأ الحاكمُ في رجل عليه اليمينُ على منبر النبيِّ ﷺ ، أو بين الركنِ والمقام، فأحلَفه في مكانٍ آخرَ بمكةَ أو بالمدينة، ففيها قولان: أحدُهما: ألّا تُعادَ عليه اليمين. والآخر: أن تُعادَ عليه. واختارَ كثيرٌ من أصحابه ألّا تُعادَ عليه. قال الشافعيُّ (٣): وإن كان ذلك في بيتِ المَقْدس، أحلَفْناه في مواضع

стр. 7648

الحُرْمة من مسجدِها، وأقرب المواضع من أن يُعَظِّمَها، قياسًا على الركن والمقام والمنبر (١). قال: ولا يُجلَبُ أحدٌ من بلدٍ به حاكمٌ إلى مكةَ ولا إلى المدينة، ويحكمُ عليه حاكمُ بلدِه. وقال مالك: لا يُجلَبُ إلى المدينة للأيْمانِ مَن بَعُد عنها إلا في الدِّماء؛ أيمانِ القَسامة. قال مالك: ويَحلِفُ الناسُ في غير المدينة في مسجدِ الجماعاتِ ليَعظُمَ ذلك (٢). قال أبو عُمر: قد مضى في هذا الباب عن أبي بكر وعمرَ ﵄ أنهما جَلَبا إلى المدينةِ ومكةَ في الأيمان في الدِّماء، فقولُ مالكٍ في ذلك أولى؛ لما جاء عنهما. وباللَّه التوفيق. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: لا يجبُ الاستْحلافُ عند منبرِ النبيِّ ﷺ على أحد، ولا بين الرُّكنِ والمقام على أحد، في قليل الأشياء، ولا في كثيرها، ولا في الدِّماء ولا في غيرِها، ولكنَّ الحُكّامَ يَسْتَحلفُونَ مَنْ وَجبتْ عليه اليمينُ في مجالِسِهم (٣).

стр. 7649

هشامُ بن عُروة بن الزُّبَيْر بن العَوّام (١)، أبو المُنْذِر وكان أحد الحفاظ الثقات العدول؛ أخبرنا عبد اللَّه بن محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد بن إسماعيل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسن الأنصاري، قال: حدَّثنا الزُّبيرُ بن أبي بكر القاضي، قال: أخبرني عيسى بن سعيد بن زاذان، عن المُنذر بن عبد اللَّه، قال: رويتُ الشعرَ ثلاث عَشْرةَ سنة قبل أن أرْوي الحديث فلَقِي أبي هشامَ بنَ عُروة فقال له: إنَّ ابنَكَ يروي الشِّعْر؟ قال: نعم، قال: فأرْسِلهُ إليَّ، فقال لي أبي: اغدُ إلى هشام بن عُروة، فإنه قد استزارَكَ وهو بالعَقِيق؛ فأخذتُ حِمارًا ونَهَضْتُ إليه، فسلمتُ وجلست، فقال: بَلَغني أنك تروي الشعر، فلأي العَرَب أنت أرْوَى؟ قلتُ لبني سُلَيْم، قال: فتروي لفلان كذا، ولفلان كذا، فجعلَ يُنْشدني لشعراءَ من بني سُلَيْم لم أكن سمعتُ بهم، ثم قال لي: يا ابن أخي، اطلب الحديث، فمن ذلك اليوم رَوَيتُ الحديث. قال الزُّبير (٢): وحَدَّثني مُصْعب بن عُثمان، عن المُنذر بن عبد اللَّه، قال ما سمعتُ من هشام بن عُروة رَفَثًا قَط إلا يومًا واحدًا، فإن رَجُلًا من أهل البَصْرة كان يلزمه، فقال له: يا أبا المُنذر، نافع مولى ابن عُمر كان يُفَضِّل أباك على أخيه عبد اللَّه، فقال: كَذَب -واللَّه- نافع، وما يدري نافع عاض بَظْر أُمِّه! عبدُ اللَّه -واللَّه- خيرٌ وأفضلُ من عُروة. حدثنا عبدُ الوارث بن سُفيان قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٣): سمعتُ مُصعبُ بنُ عبد اللَّه، يقول: هشام بن عُروة أبو المنذر، قال وأُمّه أمُّ وَلَدٍ خُراسانية اسمها صافية.

стр. 7650

قال أحمد بن زُهير (١): وسمعتُ يحيى بن مَعِين. يقول: عُمر بن عبد العزيز وهشام بن عُروة والأعمش ولدوا في سنة إحدى وستين. قال: ورأيتُ في كتاب عليّ بن المَدِيني: سمعتُ يحيى بن سعيد يقول: كان هشام بن عُروة يَخْضِب بالحُمْرة. قال يحيى (٢): ومات هشام بن عُروة بعد الهَزِيمة - يعني هَزِيمة إبراهيم، كأنه يريد السنة التي بعدها، وكانت الهزيمة سنة خمس وأربعين ومئة. قال (٣): وسمعتُ يحيى بن مَعِين يقول: مات هشام بن عُروة سنة ست وأربعين ومئة. وقال المدائني (٤): تُوفي هِشام بن عُروة سنة سبع وأربعين ومئة بعد خروج إبراهيم، وكان مُحمد وَعَدَهُ أن يوليه المدينة. وقال الطبري: كان هشام بن عُروة من ساكني المدينة، وقَدِمَ بغداد في آخر عُمُره فمات بها في سنة ست وأربعين ومئة بعد أن هُزِمَ إبراهيم بن عبد اللَّه، فدُفِن في مَقْبُرة الخَيْزران. وقيل: مات بالكوفة سنة ثمان وأربعين ومئة. وقيل: توفي هشام بن عُروة سنة ست أو خمس وأربعين ومئة وهو ابن ست وتسعين سنة. وولد سنة خمسين، كل هذا قد قيل في مولده ووفاته ﵀. وقال يحيى بن معين: قال هشام بن عُروة: رأيتُ سَهْلَ بن سَعْد، وابنَ عُمر، وجابرَ بنَ عبد اللَّه، وأنسَ بنَ مالك. قال هشام: ومَسَحَ ابنُ عُمر على رأسِي ودَعَا لي وقَبَّلني، قال ورأيت عبد اللَّه بن عُمر وله جَمةٌ أو قال وَفْرةٌ.

стр. 7651

وذكر الزُّبير، قال (١): أخبرني عُثمانُ بنُ عبد الرحمن، قال: قال أميرُ المؤمنين المنصور لهشام بن عُروة حين دخلَ عليه هشام: يا أبا المُنْذر، تذكر يومًا دخلتُ عليك إنا وإخوتي مع أبي الخلائف - وأنت تَشربُ سَوَيقا بقَصَبةِ يَرَاع، فلما خَرَجنا من عندك قال لنا أبونا: اعرفوا لهذا الشيخ حَقَّهُ، فإنه لا يزال في قومكم بقية ما بَقِي؛ فقال هشام: لا أذكرُ يا أمير المؤمنين، فلما خرجَ قيل له: يُذَكِّرك أميرُ المؤمنين ما تَمُتُّ به إليه، فتقول لا أذكره! فقال: لم أكن أذْكُر، ولم يُعَوِّدني اللَّهُ في الصدق إلا خَيْرًا. قال (٢): وحدَّثني عَمِّي مُصْعب بن عبد اللَّه، عن جدي عبد اللَّه بن مُصْعب، عن هشام بن عُروة، قال: وَضَعَ عندي محمدُ بن عليّ بن عبد اللَّه بن العباس وصيتَهُ. قال الزبير (٣): تُوفي هشام بن عُروة بمدينة السلام عند أميرِ المؤمنين أبي جعفر المَنْصور في صَحَابتِه سنة ست وأربعين، وصَلَّى عليه المنصور، وكَبَّرَ عليه أربعًا وكَبَّرَ على مولًى له خَمْسًا وذلك في وقتٍ واحدٍ. لمالك عن هشام بن عُروة من مَرْفوعات "الموطأ" ستةٌ وخَمْسون حديثًا، منها ستة وثلاثون مُسْنَدةً مُتَّصلةً، وسائِرُها مَراسيل تستندُ من وجوهٍ صحاحٍ أحاديث عُروةَ عن عائشةَ.

стр. 7652

حديثٌ أولُ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروةَ بن الزُّبير، عن أبيه، عن عائشةَ أمِّ المؤمنينَ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان إذا اغتسلَ من الجَنابةِ بدَأ فغسَل يدَيه، ثم توضّأ كما يَتوضَّأُ للصَّلاة، ثم يُدخِلُ أصابعَه في الماء، فيُخلِّلُ بها أُصُولَ شَعَرِه، ثم يَصُبُّ على رأسِه ثلاثَ غَرَفات بيَدَيه، ثم يُفيضُ الماءَ على جِلْدِه كلِّه. في هذا الحديث كيفيةُ غُسْلِ المُغْتَسل من الجَنابة، وهو مِن أحسنِ حديثٍ رُوِيَ في ذلك، وفيه فرْضٌ وسُنّةٌ: فأما السُّنة فالوُضوءُ قبل الاغتسالِ من الجَنابة، ثبَتَ ذلك عن رسول اللَّه ﷺ ، أنه كذلك كان يفعل، إلا أن المُغتسِلَ من الجَنابة، إذا لم يتوضَّأ، وعمَّ جميعَ جسدِه ورأسَه ويدَيه ورجلَيه وسائرَ بدَنِه (٢) بالماء، وأسبغَ ذلك وأكملَه بالغُسل ومُرورِ يدَيه، فقد أدَّى ما عليه إذا قصَد الغُسْلَ ونواه وتمَّ غُسلُه؛ لأنَّ اللَّه إنما افترَض على الجُنُب الغُسلَ دونَ الوضوء بقوله : ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]. وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. وهذا إجماعٌ لا خلافَ فيه بين العلماء، إلا أنهم مُجمِعون أيضًا على اسْتِحباب الوُضوء قبلَ الغُسْل للجُنُب؛ تأسِّيًا برسولِ اللَّه ﷺ ، ولأنه أعْوَنُ على الغُسل وأهذَبُ فيه، وأما بعدَ الغُسل فلا. وروى أيوبُ السَّختيانيُّ هذا الحديث، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة، مثلَ رواية مالك، إلا أن في روايته: فيُخلِّلُ أصولَ شَعَرِه، مرَّتين أو

стр. 7653

ثلاثًا، ثم يُفرغُ الماءَ على سائر جَسَدِه، فإن بَقِيَ في الإناء شيءٌ صَبَّه عليه. فقال أيوب: فقلت لهشام: فغسَل رجلَيه؟ فقال: وضوءَه للصلاة، وضوءَه للصلاة. يعني كَفاه من ذلك. وهذا الوضوءُ قبل الغُسل لا بعدَه. حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصَر وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١)، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٢): حدَّثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان رسولُ اللَّه ﷺ لا يتوضَّأ بعدَ الغُسْل من الجَنابة. وروى جُميعُ بنُ عُمَير (٣)، والقاسمُ بنُ محمد (٤)، والأسودُ بنُ يزيد (٥)، عن عائشة وصفَها غُسلَ رسولِ اللَّه ﷺ من الجَنابة نحوَ حديثِ هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، بمعنًى واحدٍ مُتقارب. وفي حديث جُميع بنِ عُمَير: كان رسولُ اللَّه ﷺ يتوضَّأُ وضوءَه للصلاة، ثم يُفيضُ على رأسِه ثلاثَ مِرَارٍ، ونحن نُفيضُ على رؤوسِنا خمسًا من أجل الضَّفْر.

стр. 7654

وأما حديثُ ميمونةَ في صفة غُسل رسولِ اللَّه ﷺ ؛ فحدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ داود، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن كُرَيب، قال: حدَّثنا ابنُ عباس، عن خالتِه ميمونة، قالت: وضَعتُ للنبيِّ ﷺ غُسْلًا يغتسلُ به من الجَنابةِ، فأكفَأ الإناءَ على يدِه اليُسْرَى، فغسَلها مَرّتين أو ثلاثًا، ثم صبَّ على فَرْجِهِ، فغسَل فرجَه بشمالِه، ثم ضَرَبَ بيدِه الأرضَ فغسَلها، ثم مَضْمَضَ واستنشَقَ، وغسَلَ وجهَه ويدَيه، ثم صَبَّ على رأسِه وجَسَدِه، ثم تَنحَّى ناحيةً فغسَل رجلَيه، فناولْتُه المِنْديلَ فلم يأخُذْه، وجعل ينفِضُ الماءَ عن جَسَدِه. قال الأعمش: فذكرتُ ذلك لإبراهيم، فقال: كانوا لا يَرون بالمنديل بأسًا، ولكن كانوا يَكْرَهون العادة. هذا الحديثُ لصحتِه يردُّ ما رواه شُعبةُ مولى ابن عباس، عن ابن عباس، أنه كان إذا اغتسَلَ من الجنابة غسَل يدَيه سبعًا، وفَرْجَهُ سبعًا. وشعبةُ هذا ليس بالقويِّ، وقد رُوِيَ عن ابن عمر قال: كانت الصلاةُ خمسين، والغُسلُ من الجنابة سبْعَ مِرَارٍ، وغُسْلُ الثوب من البولِ سَبْعَ مِرَارٍ، فلم يَزلْ رسولُ اللَّه ﷺ يسألُ حتى جُعلتِ الصلاةُ خمسًا، والغُسْلُ من الجَنابة مرةً، وغُسْلُ الثوب من البولِ مرةً. وإسنادُ هذا الحديث أيضًا عن ابنِ عمرَ فيه ضَعْفٌ ولينٌ، وإن كان أبو داودَ قد خَرَّجه، وخرَّج الذي قبلَه عن شُعبة مولى ابن عباس (٢).

стр. 7655

وأما قولُهُ في حديث عائشة: يتوضَّأُ وضوءَه للصَّلاةِ. فيحتملُ أنها أرادت: بدأ بمواضِع الوُضوء. والدليلُ على ذلك أنه ليس في شيءٍ من الآثارِ الواردة عنه ﷺ في غُسْل الجنابة، أنه أعادَ غَسْلَ تلك الأعضاء، ولا إعادة المَضمضة، ولا الاستنشاق. وأجمَع العلماءُ على أنَّ ذلك كُلَّه لا يُعاد؛ مَن أوجَبَ منهم المَضْمَضَةَ والاستنشاق، ومَن لم يُوجِبْهما. وقد مَضَى القولُ في ذلك في باب زيدِ بنِ أسْلَم، والحمدُ للَّه (١). واختلفَ قولُ مالك في تَخْليلِ الجُنُب لحيتَه في غُسْلِه من الجَنَابة؛ فروى ابنُ القاسم عنه أنه قال: ليس ذلك عليه. وروى أشهَبُ عنه أن عليه تخليلَ لحيتِه من الجنابة (٢). قال ابنُ عبد الحَكَم: وهو أحبُّ إلينا؛ لأنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يُخلِّلُ شَعرَه في غُسْلِ الجَنابة. واختلافُ الفُقهاء في ذلك على هذين القَوْلين، وفي حديث عائشةَ هذا ما يَشهدُ لصحةِ قَوْل مَن رأى التَّخليلَ؛ لأنَّ قولها فيه: فيُدخِلُ أصابعَه في الماء، فيُخلِّلُ بها أصولَ شَعَرِه: يَقْتَضي عمومُه شعرَ لحيتِهِ ورأسِهِ، وإن كان الأظهَرُ فيه شَعَرَ رأسِه، واللَّهُ أعلم.

стр. 7656

واختَلف العلماءُ في الجُنُب يَغْتَسلُ في الماء، وَيعُمُّ جسدَه ورأسَه كلَّه بالغَسْلِ، أو ينغمِسُ في الماء ويَعُمُّ بذلك جميعَ جَسَدِه دونَ أن يَتدَلَّك: فالمشهورُ من مذهبِ مالك: أنه لا يُجزئُه حتى يتدلَّك؛ لأنَّ اللَّهَ أمرَ الجُنُبَ بالاغتسال، كما أمَر المتوضِّئَ بغَسْل وجهِه ويدَيه إلى المِرْفقَين، ولم يكُنْ بدٌّ للمُتوضِّئ من إمرارِ يَدَيه مع الماءِ على وَجْهِه وعلى يَدَيه، فكذلك جميعُ جسدِ الجُنُب، ورأسُه في حكم وجهِ المُتوضِّئ وحكم يدَيه (١). وهذا قولُ المُزَنيِّ واختيارُه، وفي بعض رواياتِ حديثِ ميمونة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ غسَل جسدَه من الجنابة. وقال أبو الفرج: وهذا هو المعقولُ من لفظِ الغَسْل؛ لأنَّ الاغتسالَ في اللغة هو الافتعال، ومتى لم يُمِرَّ يدَيه فلم يفعَلْ غيرَ صَبِّ الماء، ولا يسميه أهلُ اللسان غاسلًا بل يُسمُّونَه صابًّا للماء ومُنغَمِسًا فيه. قال: وعلى نحو ذلك جاءت الآثارُ عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "تحتَ كلِّ شَعَرةٍ جَنابةٌ، فبُلُّوا -أو اغسِلوا- الشَّعَر، وأنْقُوا البَشَرة" (٢). قال: وإنقاؤُه -واللَّه أعلم- لا يكونُ إلا بتَتبُّعِه، على حدِّ ما ذكرناه. قال أبو الفَرَج: وتخريجُ هذا عندي، واللَّه أعلمُ، أنه لمّا كان المُعتادُ من المُغْتَمِسِ في الماءِ وصابِّه عليه، أنهما لا يَكادان يَسْلَمان من تَنكُّبِ الماء مواضعَ المُبالغةِ المأمور بها، وجَب لذلك عليهما أن يُمِرَّا أيديَهما. قال: فأمّا إن طال مُكْثُ الإنسان في ماءٍ، أو والَى بينَ صبِّه عليه من غير أن يُمِرَّ يدَيه على بَدَنهِ، فإنه ينوبُ له عن إمرارِ يدَيه. قال: وإلى هذا المعنى، واللَّه أعلم، ذهَب مالكٌ ﵀ (٣).

стр. 7657

هذا كلُّه قولُ أبي الفَرَج، وقد عادَ إلى جوازِ الغُسل للمُنغَمِس في الماء، إذا أسبَغ وعمَّ؛ وعلى ذلك جماعةُ الفقهاء وجمهورُ العلماء. وقد رُوِي ذلك عن مالكٍ أيضًا نصًّا: أخبرنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بشر، قال: حدَّثنا مَسْلمةُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زَبّان، قال: حدَّثنا سَلمةُ بنُ شَبِيب، قال: حدَّثنا مروانُ بنُ محمد، قال: سألتُ مالكَ بنَ أنس عن رجل اغتَمَس في ماءٍ وهو جُنُبٌ، ولم يتوضَّأ وصلَّى. قال: مَضَت صلاتُه. فهذه الروايةُ فيها أنه لم يَتدَلَّكْ ولا توضَّأ، وقد أجزَأه عندَ مالك، لكنَّ المعروفَ من مذهبه ما وصَفْنا من التَّدلُّك. وقد رُوِيَ عن الحسن وعطاءٍ مثلُ ذلك، ورُوِي عنهما خلافُه (١). ذكَر دُحَيم (٢)، عن كثيرِ بنِ هشام، عن جعفرِ بنِ بُرْقان، عن ميمونِ بنِ مِهْران، قال: إذا اغتسَلتَ من الجنابةِ فادْلُكْ جلدَك وكلَّ شيءٍ نالَتْه يدُك. قال: وحدَّثنا الوليد (٣)، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن الزُّهريِّ في الجنُبِ يَنْغمِسُ في نهر. قال: يُجزِئُه. قال: وحدَّثنا أبو حفص (٤)، أنه سألَ الأوزاعيَّ عن جُنُبٍ طرَح نفسَه في نهر وهو جُنُب، لم يَزِدْ على أن انغمَسَ مكانَه. قال: يُجزِئُه. وعن الشعبيِّ ومحمدِ بنِ عليٍّ وعطاءٍ والحسنِ البصريِّ، قالوا: إذا اغتمَس الجُنُبُ في نهرٍ اغْتِماسةً أجزَأه (٥).

стр. 7658

وقال أبو حنيفة والشافعيُّ وأصحابُهما والثوريُّ والأزاعيُّ: يُجزِئُ الجُنُبَ إذا انغمَسَ في الماء وإن لم يَتدَلَّك. وبه قال أحمدُ بنُ حنبل، وأبو ثور، وإسحاقُ، وداودُ، والطبريُّ، ومحمدُ بنُ عبدِ الحكم، وهو قولُ الحسنِ البصريِّ، وإبراهيمَ النخعيِّ، وعامرٍ الشعبيِّ، وحمادِ بنِ أبي سُليمان، وعطاء؛ كلُّ هؤلاء يقول: إذا انغمَس في الماء، وقد وجَب عليه الوضوء، فعمَّ الماءُ أعضاءَ الوضوء، ونَوى بذلك الطَّهارة، أجْزَأه، وحُجَّتُهم أن كلَّ مَن صَبَّ عليه الماءَ فقد اغتسلَ، والعربُ تقول: غسَلَتْني السماء (١). وقد حكَت عائشةُ وميمونةُ صفةَ غُسْل رسولِ اللَّه ﷺ ، ولم تَذْكُرا فيه التَّدلُّك، ولو كان واجبًا ما ترَكه رسولُ اللَّه ﷺ ؛ لأنه المُبينُ عن اللَّه مُرادَه، ولو فعَله لنُقِل عنه كما نُقِل تخليلُ أُصولِ الشعَرِ بالماء، وغَرْفُه على رأسِه، وغيرُ ذلك من صفةِ غُسْلِه ووضوئِه ﷺ . ذكَر عبدُ الرزاق (٢)، عن معمَر، عن أبي إسحاق، عن رجل يقال له: عاصم. أن رَهْطًا أتوا عمرَ بنَ الخطاب، فسألوه عن الغُسْل من الجنابة فقال: أما الغسلُ، فتوضّأ وضوءَك للصلاة، ثم اغسِلْ رأسَك ثلاثَ مرات، وادْلُكْه، ثم أفِضِ الماءَ على جلدِك. وأما غَسْلُ المرأةِ رأسَها في الجَنابة، وصفةُ غُسلِها من ذلك، فقد جاء عن عائشةَ ما ذكَرنا من قولها: وأما نحن فنُفيضُ على رؤوسنا خمسًا من أجلِ الضَّفْر. وقد أنكَرتْ على عبدِ اللَّه بن عمرِو أمرَه النساءَ أن يَنْقُضْنَ رُؤوسَهن عندَ الغُسْل،

стр. 7659

وقالت: ما كنتُ أزيدُ على أن أُفرِغَ على رأسي ثلاثَ غَرَفاتٍ مع رسولِ اللَّه ﷺ ؛ رواه أيوبُ، عن أبي الزبير، عن عُبيدِ بنِ عُمَير، عن عائشة: أنه بلَغها عن عبدِ اللَّه بنِ عَمْرو (١). وفي حديث أمِّ سَلَمة، أنها قالت: يا رسولَ اللَّه، أنقُضُ رأسي عندَ الغُسْل. فقال: "يَكْفيكِ أن تَصُبِّي على رأسِكِ ثلاثَ مرات" (٢). وقال سعيدُ بنُ المسيِّب: لكلِّ صَبَّةٍ عَصْرَةٌ. وقال مالك: اغتسالُ المرأةِ من الحيضِ كاغتسالِها من الجَنابة، ولا تَنقُضْ رأسها. قال أبو عُمر: قد ثبَت عن النبيِّ ﷺ أنه كان يُخلِّلُ أصولَ شَعَرِه في غُسْلِه، ويُتبعُ ذلك بصَبِّ الماء عليه؛ فالواجبُ على كلِّ ذي شَعَر من رجل أو امرأة، أن يَفْتَقِدَ ذلك حتى يُوصِلَ الماءَ إلى البَشَرة، فإن لم يصلْ إلّا بالنَّقْض، نُقِضَ حتى يصلَ الماءُ إلى البَشَرة ويَجريَ عليها؛ لقوله ﷺ : "تحتَ كلِّ شَعَرةٍ جَنابةٌ، فاغسِلوا الشَّعَر". ويُروَى: "فأرْوُوا الشَّعَرَ، وأنْقُوا البَشَرة"، فإن وصَل الماءُ إلى جلدِ الرأس، فلا وجهَ لنَقْض الشَّعَر حينَئذ. حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمة، قال: أخبرنا

стр. 7660

عطاءُ بنُ السائب، عن زاذان، عن عليٍّ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "مَن تَركَ موضِعَ شَعَرةٍ من جَنابةٍ لم يَغْسِلْها، فُعِل به كذا وكذا (١) من النار". قال عليٌّ: فمِن ثمَّ عادَيْتُ رأسي. ثلاثًا، وكان يَجُزُّ شَعَرَه. وكان ابنُ عُيَينة يقولُ في تأويل الحديث: "وأنْقُوا البَشرَ": أنه أرادَ غَسْلَ الفَرْج وتَنظيفَه، وأنه كَنَى بالبشرةِ عن الفَرْج، وما رأيتُ هذا التفسيرَ لغير ابنِ عُيَينة. وقال ابنُ وَهْب: ما رأيتُ أعلمَ بتفسيرِ الأحاديثِ من ابنِ عُيَينة. وحديث: "بُلُّوا الشَّعَرَ، وأنْقُوا البَشَرَ". إنَّما يدورُ على الحارثِ بنِ وجيه، وهو ضعيف؛ حدَّثناه عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: حدَثنا الحارثُ بنُ وجيه، قال: حدَّثنا مالك بن دينار عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ :

стр. 7661

"إن تحتَ كلِّ شَعَرةٍ جَنابة، فاغسِلوا الشَّعَرَ، وأنْقُوا البَشَرَ". قال أبو داود: هذا حديثٌ ضعيف. وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ الدِّينَوَريُّ، قال: حدَّثنا أبو بكر عبدُ اللَّه بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَميُّ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ وجيه، عن مالكِ بنِ دينار، عن محمدِ بنِ سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : "تحتَ كلِّ شَعَرةٍ جَنابةٌ، فبُلُّوا الشَّعَر، وأنْقُوا البَشَرَ". وذكر عبدُ الرزاق، قال (١): أخبرنا معمرٌ، عن زيدِ بنِ أسلم، قال: سمِعتُ عليَّ بنَ حسين يقول: ما مسَّ الماءُ منك وأنتَ جُنُبٌ، فقد طَهُر ذلك المكان. واختلف الفقهاءُ في الغُسْل للجَنابة، وفي الوضوء من غير نيَّة: فقال مالكٌ وربيعةُ والشافعيُّ والليثُ وداودُ والطبريُّ وأحمدُ وأبو ثور وإسحاقُ وأبو عُبيد (٢): لا يُجزئُ الطهارةُ للصلاة، والغُسلُ من الجَنابة، ولا التيمُّمُ إلا بنيَّة. وحُجَّتُهم قوله ﷺ : "إنما الأعمالُ بالنِّيات، وإنما امرئ ما نَوى" (٣). وقال اللَّه : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. والإخلاص: النِّية في التَّقرُّب إليه، والقصدُ بأداءِ ما افتُرِضَ على المؤمن. وقال أبو حنيفة وأصحابُهُ والثَّوريُّ: تُجزِئُ كلُّ طهارةٍ بماءٍ بغيرِ نيَّة، ولا يُجزئُ التَّيممُ إلا بنيَّة.

стр. 7662

وقال الأوزاعيُّ والحسنُ بنُ حيٍّ: يُجزئُ الوضوءُ والتَّيمُّمُ بغيرِ نيَّة (١). وروَى أبو المغيرة عبدُ القدوس، عن الأوزاعيِّ، وسُئِل عن رَجلٍ يُعلِّمُ آخرَ التَّيمُّمَ ولا يَنْوي التَّيمُّمَ لنفسه، فحضَرَت الصَّلاةُ. قال: يُصَلِّي بتَيمُّمِه، كما لو توضَّأ وهو لا يَنوي الصَّلاةَ كان طاهرًا. ورَوَى عبدُ اللَّه بنُ المبارك والفِرْيابيُّ وعبدُ الرزاق (٢)، عن الثوريِّ، قال: إذا علَّمتَ الرجلَ التَّيمُّمَ لم يُجزئْكَ إلا أن يكونَ نَوَيْتَه، وإن علَّمتَه الوضوءَ أجْزَأك وإن لم تَنْوِه. وهو قولُ أبي حنيفة وأصحابه. واختُلف عن زُفَرَ في التَّيمُّم بغير نيَّة؛ فرُويَ عنه مثلُ قول الحسن بنِ حيٍّ (٣) والأوزاعيِّ (٤). ورُوِي عنه مثلُ قول أبي حنيفةَ والثوريِّ في الفرق بين الوضوءِ والتَّيمُّم. وحُجَّة مَن أسقَط النِّيةَ ولم يُراعِها في الوضوءِ بالماءِ، أنَّ الوضوءَ ليس فيه فَرض ونافلة فيَحتاجَ المُتوضئُ فيه إلى نيَّة. قالوا: وإنما يُحتاجُ إلى النِّية فيما فيه من الأعمال فَرضٌ ونَفْل؛ ليُفرَّقَ بالنِّية بين ذلك. وأما الوضوءُ، فهو فرضٌ للنافلةِ والفَرِيضةِ، ولا يصنعُه أحدٌ إلا لذلك، فاستُغْنيَ عن النِّية.

стр. 7663

قالوا: وأما التَّيمُّمُ فهو بَدلٌ من الوُضوء، فلا بدَّ فيه من النِّية. ومن جمَع في ذلك بين التَّيمُّم والوضوء، فحُجَّتُه في ذلك واحدة. ومن حُجَّتهم أيضًا الإجماعُ على إزالةِ النَّجاساتِ من الأبدانِ والثيابِ بغيرِ نيَّة، وهي طهارةٌ واجبةٌ فرضًا عندَهم، قالوا: فكذلك الوضوء. قال أبو عُمر: القولُ الصحيحُ قولُ مَن قال: لا تُجزئُ طهارةٌ إلا بنيَّة وقَصْدٍ؛ لأنَّ المفترَضات لا تُؤدَّى إلا بقصدٍ إلى أدائِها، ولا يُسمَّى الفاعلُ على الحقيقةِ فاعلًا إلا بقَصْدٍ منه إلى الفِعْل، ومحالٌ أن يتأدَّى عن المرءِ ما لم يقصِدْ إلى أدائِه ويَنْوِيه بفعلِه، وأيُّ تقرُّب يكونُ من غير مُتقرِّب ولا قاصدٍ، والأمرُ في هذا واضحٌ لمن أُلهِم رُشْدَه، ولم تَمِلْ به عَصَبيَّتُه. واختلف الفقهاءُ فيمَن اغتسل للجُمُعة وهو جُنُبٌ ولم يذكُرْ جَنابتَه: فقالت طائفة: يجزئُه؛ لأنه اغتسَل للصلاةِ واستِباحتِها، وليس عليه مراعاةُ الحَدَث ونوعِه، كما ليس عليه أن يُراعيَ حَدَثَ البَوْلِ من الغائطِ من الرِّيح، وغيرَ ذلك من الأحداث، وإنما عليه أن يتوضَّأ للصلاةِ، فكذلك الغُسْلُ للصلاةِ يومَ الجُمُعة يُجزئُه من الجنابة. وإلى هذا ذهَب المُزَنيُّ صاحبُ الشافعيِّ، وهو قولُ جماعةٍ من أصحاب مالك؛ منهم أشهبُ، وابنُ وَهْب، وابنُ كِنانةَ، ومُطرِّفٌ، وعبدُ الملك، ومحمدُ بنُ مَسْلمة (١). وقال آخرون: لا يُجزئُ الجُنُبَ الغُسلُ للجُمُعة إذا لم يَذكُرْ جنابتَه، ولا يُجزئُه عن الجَنابةِ إلا الغُسلُ الذي يُعتدُّ به لها بقَصْدٍ منه إلى ذلك، ونيَّة ورَفْع لجَنابتِه بإرادةِ ذلك وذِكرِه لها؛ لأنَّ الفرائضَ لا تُؤدَّى إلا بذلك، ولأن الغُسلَ

стр. 7664

للجُمعةِ سنَّةٌ واستِحباب، ومحالٌ أن تُجزئَ سُنّةٌ عن فرض، كما لا يُجزئُ ذلك في شيءٍ من الصلاةِ وسائرِ الأعمال التي فيها الفَرضُ والنَّفلُ. وهذا القولُ أصحّ في النظر، وهو قولُ مالك، والشافعيِّ، وداودَ بنِ عليٍّ، وأحمدَ بنِ حنبل، وإليه ذهَب ابنُ القاسم صاحبُ مالك، وابنُ عبدِ الحكم، وروَياه عن مالك (١). وأما حديثُ مالك، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة: كنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ اللَّه ﷺ من إناءٍ واحد (٢). فليس عندَ يحيى في "الموطأ" (٣)؛ ولذلك لم يَذكُرْه هاهنا، وعندَه في ذلك حديثُ ابنِ شهاب، عن عُروةَ، عن عائشة. وقد تقدَّم ذكرُه وما فيه من الأحكام في باب ابنِ شهاب من هذا الكتاب (٤)، وقد جمَعهما عنه ابنُ بُكَير وغيرُه؛ حديثُ هشام وحديثُ ابن شهاب، ورواه القَعْنبيُّ عن مالك، عن هشام أو ابنِ شهاب -على الشكّ- ولم يقل لفظَهما (٥) (٦).

стр. 7665

حديثٌ ثانٍ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: قالت فاطمةُ ابنةُ أبي حُبَيش: يا رسولَ اللَّه، إني لا أطهُرُ، أفأدعُ الصلاة؟ فقال لها رسولُ اللَّه ﷺ : "إنما ذلك عِرْقٌ وليسَ بالحَيْضة، فإذا أقبَلتِ الحَيضةُ، فاترُكي الصلاة، فإذا ذهبَ قدْرُها فاغْسِلي عنكِ الدَّمَ وصلِّي". هكذا روَى هذا الحديثَ عن مالك جماعة رواةُ "الموطأ" فيما علِمْتُ، لم يختلِفوا في إسنادِه ولفظِه (٢)، وكذلك لم يختلفِ الرواةُ عن هشام في إسنادِه، واختلَفوا عنه في بعض ألفاظه. وممن رواه عن هشام بهذا الإسنادِ: حمّادُ بنُ زيد، وأبو حنيفة، وأبو معاوية، وابنُ عُيينة، وحمّادُ بنُ سَلَمة، ومحمدُ بنُ كُنَاسة، وبعضُهم يذكرُ فيه ألفاظًا لا يذكُرُها غيرُه منهم، وربما أوجَبت تلك الألفاظُ أحكامًا. فروايةُ حمّادِ بنِ زيد، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أن فاطمةَ بنتَ أبي حُبيش استفتتِ النبيَّ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ اللَّه، إني أُستحاضُ فلا أطهرُ، أفأدعُ الصلاة؟ فقال: "إنما ذلك عِرْقٌ وليست بالحَيْضة، فإذا أقبَلتِ الحيضةُ، فدَعي الصلاةَ، فإذا أدبَرت فاغسلي عنك أثرَ الدَّم وتوضَّئي، فإنما ذلك عِرْقٌ وليست بالحيضة". فقيل لحماد: فالغُسلُ؟ فقال: ومَن يشُكُّ في ذلك! غُسلًا واحدًا بعدَ الحَيضة (٣).

стр. 7666

وأما روايةُ أبي حنيفة: فحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم بن سهل الحافظُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين بنِ صالح السَّبيعيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسن (١) بنِ سَماعة، قال: حدَّثنا أبو نُعيم الفضلُ بنُ دُكَين (٢)، واسمُ دُكين: عمرٌو، قال: حدَّثنا أبو حنيفة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ فاطمةَ بنتَ أبي حُبَيش، قالت: يا رسولَ اللَّه، إني أحيضُ في الشهر والشهرين، فقال النبيُّ ﷺ : "هذا عِرْقٌ من دمِك، فإذا أقبَلت حَيضتُكِ فدعي الصلاة، وإذا أدبَرت فاغتسلي لطُهرِكِ". وأما روايةُ أبي معاوية: فحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثني الحسينُ بنُ إسماعيلَ المَحامليُّ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقيُّ، قال: حدَّثنا أبو معاوية، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: جاءت فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيش إلى النبيِّ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ اللَّه، إني امرأةٌ أستحاضُ فلا أطهرُ، أفأدَعُ الصلاة؟ قال: "لا، إنما ذلك عِرْقٌ وليس بالحَيْضة، فإذا أقبَلت حَيضتُك، فدَعي الصلاة، فإذا أدبَرت فاغسلي عنك الدم، ثم اغتسلي". قال هشام: قال أبي: "ثم توضَّئي لكلِّ صلاةٍ حتى يجيءَ ذلك الوقت" (٣).

стр. 7667

حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١): حدَّثنا سفيان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ فاطمةَ ابنةَ أبي حُبَيش الأسديةَ كانت تُستحاضُ، فسألت رسولَ اللَّه ﷺ ، فقال لها: "إنما ذلك عِرْقٌ وليس بالحَيْضة، فإذا أقبَلتِ الحَيضة، فاترُكي الصلاة، وإذا أدبَرت فاغتسلي وصلِّي". أو قال: "اغسلي عنكِ الدَّمَ وصلِّي"، قالت عائشة: وهي إحدى نسائنا. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد الصائغ، قال: حدَّثنا عفّان، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمة، قال: أخبرنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ فاطمةَ قالت: يا رسولَ اللَّه، إني مُستحاضة، أفأتركُ الصلاة؟ قال: "إنما ذلك عِرْقٌ وليسَ بالحَيْضة، فإذا أقبَلتِ الحَيضة، فاترُكي الصلاة، وإذا ذهَب وقتُها فاغسلي عنك الدَّمَ ثم تطَهَّري وصلِّي". قال هشام: كان عُروةُ يقول: الغسلُ الأَوْلى ثم الطُّهرُ بعدُ (٢). وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم وعبدُ الوارث بن سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ وأحمدُ بنُ سعيدٍ الجمّال، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ كُنَاسة، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أتتْ فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيش النبيَّ ﷺ ، فقالت: إني أُستحاضُ فلا أطهُرُ، أفأدَعُ الصلاة؟

стр. 7668

قال: "إنما ذلك ليس بحيض، ولكنه عِرْقٌ، فإذا أقبَلتِ الحَيضةُ، فدَعي الصلاة، وإذا أدبَرت فاغسلي عنكِ الدَّمَ وصلِّي" (١). ورواه يحيى بنُ هاشم، عن هشام بنِ عُروة، بإسنادِه مثلَه، وقال فيه: "إذا أدبرَتْ فاغسلي عنك الدَّمَ وتوضَّئي عندَ كلِّ صلاةٍ وصلِّي" (٢). ورواه الزهريُّ، عن عُروة، فاختُلف فيه عليه اختلافًا كثيرًا، قال فيه الأوزاعيُّ: عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ وعَمرة، أن عائشة قالت: استُحيضَت أمُّ حَبيبةَ بنتُ جحش، وهي تحتَ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ سبعَ سنين، فأمرَها النبيُّ ﷺ : "إذا أقبَلتِ الحَيضةُ فدعي الصلاة، وإذا أدبَرت فاغتسلي وصلِّي" (٣). قال أبو داود (٤): ولم يذكُرْ هذا الكلامَ أحدٌ من أصحاب الزهريِّ غيرَ الأوزاعيِّ، رواه عن الزُّهريِّ عمرُو بنُ الحارث، ويونسُ بنُ يزيد، والليثُ، وابنُ أبي ذئب، ومَعْمر، وإبراهيمُ بنُ سعد، وسليمانُ بنُ كثير، وابنُ إسحاق، وابنُ عُيينة، لم يذكُروا هذا الكلام، وإنما هذا لفظُ حديثِ هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة. قال أبو داود: وزاد ابنُ عُيينة فيه: أمَرها أن تدعَ الصلاةَ أيامَ أقرائِها. وهو وَهَمٌ من ابن عُيينة، قال: وحديثُ محمدِ بنِ عَمْرو، عن الزُّهريِّ فيه شيءٌ يقرُبُ من الذي روَى الأوزاعيُّ في حديثه.

стр. 7669

حدَّثنا (١) محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن محمدِ بنِ عَمْرو، قال: حدَّثني ابنُ شهاب، عن عُروةَ بنِ الزبير، عن فاطمةَ بنتِ أبي حُبيش، أنها كانت تُستحاضُ، فقال لها النبيُّ ﷺ : "إذا كان دمَ الحيض، فإنه دمٌ أسودُ يُعرَفُ، فإذا كان ذلك فأمسِكي عن الصلاة، فإذا كان الآخرَ فتوضَّئي وصلِّي، فإنما ذلك عِرْقٌ". قال أبو داود: قال ابنُ المثنَّى: هكذا حدَّثنا به ابنُ أبي عَدِيٍّ من كتابه، ثم حدَّثنا بعدُ حفظًا فقال: حدَّثنا محمدُ بنُ عَمْرو، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشة، أنَّ فاطمةَ كانت تُستحاضُ، فذكَره. قال أبو عُمر: روَى هذا الحديثَ سهيلُ بنُ أبي صالح، عن الزُّهريِّ، عن

стр. 7670

عُروةَ بنِ الزبير، قال: حدَّثتْني فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيش، أو أسماءُ حدَّثتْني أنّ فاطمةَ. فلم يُقم الحديث (١). وقال فيه إبراهيمُ بنُ سعد: عن ابن شهاب، عن عَمرةَ بنتِ عبدِ الرحمن، أنها سمِعَتْ عائشةَ تقول: جاءت أمُّ حبيبةَ بنتُ جَحْش إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، وكانت قد استُحيضَت سبعَ سنين، فاشتَكت ذلك إليه واستفتَتْه، فقال لها: "إن هذا ليس بالحيضة، وإنما هو عِرْق فاغتسلي ثم صلِّي". قالت عائشة: فكانت أمُّ حبيبةَ تغتسلُ لكلِّ صلاةٍ وتصلِّي (٢). وقال فيه عمرُو بنُ الحارث: عن ابنِ شهاب، عن عُروةَ وعَمرة، عن عائشة، أنَّ أمَّ حبيبةَ بنتَ جحش خَتَنةَ رسولِ اللَّه ﷺ وتحتَ عبدِ الرحمن بنِ عوف استُحيضَت سبعَ سنين، فقال لها رسولُ اللَّه ﷺ : "إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عِرْقٌ فاغْتَسلي وصلِّي" (٣). وقد ذكَرنا الآثارَ وما لعلماءِ الأمصارِ من المذاهب في هذا الباب ممهَّدًا في باب نافع من هذا الكتاب، والحمدُ للَّه (٤). وأما حديثُ مالكٍ عن هشام، ففيه من الفقه: أنَّ الحيضَ يمنَعُ المرأةَ الحائضَ من الصلاة، وأنَّ من الدم الطاهر من الرحم دمًا لا تمتنعُ معه المرأةُ من الصلاة،

стр. 7671

وهو العِرْقُ الذي قال رسولُ اللَّه ﷺ ، ومعنى قوله: "إنما ذلك عِرْقٌ"؛ يريد: عرقٌ انفجَر أو انقطَع وهي الاستحاضة؛ ولهذا سألتْه فاطمةُ إذ أشكَل عليها ذلك، فأجابها بجواب يدلُّ على أنها كانت تميزُ انفصالَ دم حيضِها من دم استحاضتِها؛ فلهذا قال لها: "إذا أقبَلتِ الحيضةُ فاتْرُكي الصلاة، فإذا ذهَب قدْرُها، فاغتسلي وصلِّي". وهذا نصٌّ صحيحٌ في أن الحائضَ تتركُ الصلاة، ليس عن النبيِّ ﷺ في هذا الباب أثبتُ منه من جهةِ نقل الآحادِ العُدول، والأمّةُ مجمعةٌ على ذلك وعلى أن الحائضَ بعدَ طُهرِها لا تقضي صلاةَ أيام حَيضتِها؛ لا خلافَ في ذلك بين علماءِ المسلمين، فلزِمَت حُجَّتُه وارتفعَ القولُ فيه. وقد روَى أبو قلابةَ وقتادةُ جميعًا، عن مُعاذةَ العدَوية، عن عائشة، أن امرأةً سألتها: أتقضي الحائضُ الصلاة؟ فقالت لها عائشة: أحَرُوريّةٌ أنت؟ قد كُنّا نَحيضُ على عهدِ رسول اللَّه ﷺ ثم نَطهُرُ فلا نُؤمَرُ بقضاءِ الصلاة. وزاد بعضُهم: ونُؤمَرُ بقضاءِ الصوم (١). وهذا إجماعٌ أن الحائضَ لا تصومُ في أيام حَيضتِها، وتقضي الصومَ ولا تقضي الصلاة، لا خلافَ في شيءٍ من ذلك، والحمدُ للَّه. وما أجمعَ المسلمون عليه فهو الحقُّ والخبرُ القاطعُ للعُذْر، وقال اللَّه : ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. والمؤمنون هاهنا: الإجماع؛ لأنَّ الخلافَ لا يكونُ معَه اتباعُ غير سبيل المؤمنين، لأنَّ بعضَ المؤمنين مؤمنون، وقد اتَّبع المتَّبعُ سبيلَهم، وهذا واضحٌ يُغني عن القول فيه.

стр. 7672

وأمّا قولُه: "فإذا أدبَرت الحيضةُ فاغسلي عنك الدمَ وصلِّي". في رواية مالك، فقد فسَّره غيرُه ممن ذكَرنا روايتَه هاهنا؛ وهو أن تغتسلَ عندَ إدبارِ حيضتِها وإقبالِ دم استحاضتِها كما تغتسِلُ الحائضُ عندَ رؤيةِ طُهْرِها سواءً؛ لأنَّ المستحاضةَ طاهرٌ، ودمَها دمُ عرْقٍ كدم جُرح سواءً، فيلزَمُها عندَ انقطاع دم حيضتِها الاغتسال، كما يلزَمُ الطاهرَ التي لا ترَى دمًا. وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ المستحاضةَ لا يلزَمُها غيرُ ذلك الغُسْل؛ لأنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لم يأمُرْها بغيرِه، وفيه ردٌّ لقول مَن رأى عليها الغُسلَ لكلِّ صلاة، وردٌّ لقول مَن رأى عليها الجمعَ بين الظُّهر والعصر بغُسْل واحد، والمغرب والعشاء بغُسْل واحد، وتغتسِلُ للصبح؛ لأنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لم يأمُرْها بشيءٍ من ذلك في هذا الحديث، وهو أصحُّ حديث رُوِيَ في هذا الباب، وهو ردٌّ لقول من قال بالاستظهار يومين أو ثلاثًا أو أقلَّ أو أكثر. وقد استدلَّ بعضُ مَن يرَى الاستظهارَ من أصحابنا بقوله ﵇ في هذا الحديث: "فإذا ذهبَ قَدْرُها". قال: لأنَّ قدْرَ الحيض قد يَزيدُ مرةً وينقُصُ أخرى؛ فلهذا رأى مالكٌ الاستظهارَ بثلاثةِ أيام ليستبينَ فيها انفصالُ دم الحيض من دم الاستحاضة، واقتصَر على الثلاثةِ الأيام استدلالًا بحديثِ المُصرَّاة (١)، إذ حدَّ فيه رسولُ اللَّه ﷺ ثلاثةَ أيام في انفصالِ اللَّبَنيْن. وقال غيرُه ممن يخالفُه في الاستظهار: معنى قوله: "فإذا ذهَب قَدْرُها". تقول: إذا ذهبتْ وأدبَرتْ وخرَج وقتُها، ولم يكن في تقديرِك أنه بقيَ شيءٌ منه،

стр. 7673

فاغتسلي حينئذ ولا تمكُثي وأنتِ غيرُ حائض دون غسل ودون صلاة. قال: ومحالٌ أن يأمُرَها رسولُ اللَّه ﷺ وهي قد ذهَبت حيضتُها- أن تترُكَ الصلاةَ ثلاثةَ أيام لانتظارِ حيضٍ يجيءُ أو لا يجيءُ. ومعنى قوله: "فإذا ذهَب قدرُها" لا يخلُو من أن يكونَ أراد انقضاءَ أيام حيضتِها، أو انفصالَ دم حيضتِها من دم استحاضتِها، وأيُّ ذلك كان، فقد أمرها أن تغتسلَ وتصلِّي، ولم يأمُرْها باستظهار، ولو كان واجبًا عليها لأمَرها به، قالوا: والسُّنةُ تنفي الاستظهار؛ لأنَّ دمَ أيامِه جائزٌ أن يكونَ استحاضة، وجائزٌ أن يكونَ حيضًا، والصلاةُ فرضٌ بيقين، فلا يجوزُ لامرأةٍ أن تدَعَ الصلاةَ حتى تستيقِنَ أنها حائضٌ. وذكَروا أنَّ مالكًا وغيرَه من العلماء قد جاءَ عنهم أنهم قالوا: لأنْ تصلِّي المستحاضةُ وليس عليها ذلك خير من أن تدعَ الصلاةَ وهي واجبةٌ عليها. وفي هذا الحديث أيضًا ردٌّ على مَن أوجَب الوضوءَ على المستحاضةِ لكلِّ صلاة، لأنَّ رسول اللَّه ﷺ قال لها: "إذا ذَهبتِ الحيضةُ فاغتَسلي وصلِّي"، ولم يقل: توضَّئي لكلِّ صلاة. وقد ذكَرنا القائلين بإيجاب الوضوءِ عليها لكلِّ صلاة، والقائلين بإيجابِ الغسل، ووجهَ قولِ كلِّ واحدٍ منهم مبسوطًا ممهَّدًا في باب نافع عن سليمانَ بنِ يسار (١)، والحمدُ للَّه. قال أبو عُمر: إذا أحدَثتِ المستحاضةُ حدَثًا معروفًا معتادًا لزِمَها له الوضوء، وأمّا دمُ استحاضتِها فلا يوجبُ وضوءًا، لأنه كدَم الجُرح السائل، وكيف يجبُ من أجلِه وضوءٌ وهو لا ينقطعُ؟ ومَن كانت هذه حالَه من سلَس البول،

стр. 7674

والمَذْي، والاستحاضةِ لا يَرفَعُ بوضوئِه حدَثًا؛ لأنه لا يُتمُّه إلا وقد حصَل ذلك الحدَثُ في الأغلب، وإلى هذا المذهب ذهَب مالكٌ وأصحابُه، وهو ظاهرُ حديث هشام بنِ عُروةَ هذا في قصةِ فاطمةَ بنت أبي حُبَيش، إلا أن عُروةَ كان يُفتي بأن المستحاضةَ تتوضَّأُ لكلِّ صلاة، وذلك -عندَ مالكٍ- على الاستحبابِ لا على الإيجاب، وقد ذكَرنا ما في هذا الباب من الآثارِ المرفوعة وغيرِها على اختلافِها، وذكَرنا مَن تعلَّق بها وذهَب إليها من علماءِ الصحابةِ والتابعين وفقهاءِ المسلمين، وذكَرنا اختلافَهم في ذلك، وأصلَ كلِّ واحدٍ منهم في الحيضِ والطهرِ والاستحاضةِ، ممهَّدًا مبسوطًا في باب نافع عن سليمانَ من هذا الكتاب، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهنا، والحمدُ للَّه. روى مالكٌ في "موطئه" (١) عن هشام بن عُروة، عن أبيه، أنه قال: ليس على المستحاضةِ إلا أن تغتسلَ غسلًا واحدًا، ثم تتوضَّأ بعدَ ذلك لكلِّ صلاة. قال مالك (٢): الأمرُ عندَنا على حديثِ هشام بنِ عُروة، عن أبيه، وهو أحبُّ ما سمِعتُ إليَّ. ومن معاني هذا الحديثِ وجهٌ آخرُ أخَّرنا القولَ فيه في ذلك الباب إلى هذا الموضع، وهو قولُ العلماءِ في المرأة التي لم تَحِضْ قطُّ، فحاضت يومًا وطهُرت يومًا، أو حاضَت يومين وطهُرت يومًا أو يومين، ونحو هذا: فأما مالك وأصحابه، فقالوا: تجمعُ أيامَ الدم بعضَها إلى بعض وتطرَحُ أيامَ الطُّهْر، وتغتسلُ عند كلِّ يوم ترَى فيه الطُّهرَ أولَ ما تراه، وتصلِّي ما دامت طاهرًا، وتكُفُّ عن الصلاةِ في أيام الدم اليومَ واليومين، وتُحصي ذلك، فإذا كان

стр. 7675

ما اجتمَع لها من أيام الدم خمسةَ عشَرَ يومًا اغتسَلتْ وصلَّتْ، وإن زاد على خمسةَ عشَرَ يومًا فهي مستحاضةٌ، وإن كانت خمسةَ عشَرَ يومًا أو أقلَّ، فهى حيضةٌ تقطَّعت. هذه رواية المدنيين عن مالك (١). وروى ابنُ القاسم وغيره (٢) عنه أنها تضُمُّ أيامَ الدم بعضَها إلى بعض، فإن دام بها ذلك أيامَ عادتِها، استظهَرتْ بثلاثةِ أيام على أيام حيضتِها، فإن رأتْ في خلال أيام الاستظهارِ أيضًا طُهرًا ألغَتْه حتى تُحصِّلَ ثلاثةَ أيام للاستظهارِ وأيام الطُّهر، وتصلِّي وتصوم، ويأتيها زوجُها، ويكونُ ما جمعَتْ من أيام الدم بعضه إلى بعضٍ حيضةً واحدة، ولا تعتدُّ أيام الطُّهر في عدّةٍ من طلاق، فإذا استظهَرتْ بثلاثةِ أيام بعدَ أيام حيضتِها توضَّأت لكلِّ صلاة، وتغتسلُ كلَّ يوم من أيام الطُّهر عندَ انقطاع الدم. وإنما أُمِرت بالغسل لأنها لا تدري لعلَّ الدمَ لا يرجعُ إليها. وروايةُ الربيع عن الشافعيِّ (٣) مثلُ روايةِ المدنيين عن مالك في هذه المسألة، اعتبارُ الخمسةَ عشَرَ يومًا بلا استظهار. وكذلك قال محمدُ بنُ مَسلَمة. ولم يختلفْ مالكٌ والشافعيُّ، إذا كان تقطُّعُ حيضتِها يومًا كاملًا أو يومًا وليلة، أنها في يوم الحيض حائضٌ لا مستحاضةٌ، وفي يوم الطُّهر طاهرٌ، أو هي حيضةٌ متقطِّعة. وقال محمدُ بنُ مَسْلَمة: إذا كان طُهرُها يومًا وحَيضُها يومًا، فطُهرُها أقلُّ الطُّهر، وحَيضُها أكثرُ الحيض، فكأنها قد حاضَت خمسةَ عشَرَ يومًا متواليةً، وطهُرت خمسةَ عشَر؛ فخَبالُ حيضتِها لا يضُرُّها، واجتماعُ الأيام وافتراقُها سواءٌ، ولا تكونُ مستحاضة.

стр. 7676

وأمّا أبو حنيفةَ وأصحابُه فمذهبُهم في هذه المسألة اعتبارُ أقلِّ الطُّهرِ وأقلِّ الحيض؛ فأما أبو يوسُف (١) فاعتبَر أقلَّ الطُّهر خمسةَ عشَرَ يومًا، وجعَله كدم متَّصل، وأما محمدُ بنُ الحسن (٢) فاعتبَر مقدارَ الدم والطُّهر؛ فإذا كان بينَ الدَّمَين من الطُّهر أقلُّ من ثلاثةِ أيام، فإن ذلك كلَّه كدمٍ متَّصل، سواءٌ كان الحيضُ أكثرَ أو الطُّهرُ أكثرَ؛ نحوَ أن تَرى يومًا حيضًا أو يومين، ويومين طُهرًا، وساعةً دمًا، فيكون جميعُ ذلك حيضًا. وقال أبو جعفر الطحاويُّ (٣): قد اتفقوا أنه لو انقطَع ساعةً أو نحوَها أنه كدم متصل، فكذلك اليومَ واليومين؛ لأنه لا يُعتدُّ به من طلاق. وقد قال أبو الفرج: ليس بنكير أن تَحيضَ يومًا وتطهُرَ يومًا فتتقطَّعَ الحيضةُ عليها، كما لا يُنكرُ أن يتأخَّرَ حيضُها عن وقتِه؛ لأن تأخيرَ بعضِه عن اتصالِه كتأخيرِه كلِّه، فمن أجل ذلك كانت بالقليل حائضًا، ثم لم يكن القليلُ حيضة؛ لأنَّ الحيضةَ لا تكونُ إلا بأنْ يمضيَ لها وقتٌ تامٌّ وطُهرٌ تامٌّ، أقلُّه فيما روَى عبدُ الملك خمسةُ أيام، قال: ولو أن قلّة الدم يُخرِجُه من أن يكونَ حيضًا، لأخرجَتْه من أن تكونَ استحاضةً؛ لأنَّ دمَ العرْق هو الكثيرُ الزائدُ على ما يُعرَفُ. قال أبو عُمر: راعَى عبدُ الملك (٤) وأحمدُ بنُ المعذَّل في هذه المسألة ما أصَّلاه في أقلِّ الطُّهر خمسةَ أيام، وراعى محمدُ بنُ مسلمةَ خمسةَ عشَرَ طُهرًا، وجعل كلَّ ما يأتي من الدم قبلَ تمام الطُّهر عِرقًا لا تُترَكُ فيه الصلاة، وكذلك يلزَمُ كلَّ مَن

стр. 7677

أصَّل في أقلِّ الطُّهر أصلًا بعدَّةٍ معلومة، أن يعتبرَها في هذه المسألة، وقد ناقَض الكوفيون؛ لأنهم قالوا في هذه المسألة بمراعاةِ ثلاثةِ أيام طُهرًا، وقولِهم في أقلِّ الطُّهر: إنه خمسةَ عشَرَ يومًا، وقد ذكَرنا في باب نافع من أصول العلماء وفروع أقوالهم في الحَيْضِ والطُّهر والاستحاضةِ ما تقفُ به على صحةِ هذه المسألة وغيرِها في مذاهبِهم إن شاء اللَّه. قال أبو عُمر: إنما أجرَينا هذه المسألة هاهنا وإن كانت قد مرَّت في باب نافع (١)؛ لأنها داخلةٌ في معنى قول رسول اللَّه ﷺ : "إذا أقبَلتِ الحَيضةُ فاترُكي الصلاة، فإذا ذهب قدْرُها وأدبَرت فاغتسلي وصلِّي". وقد ذكَرنا حكمَ أقلِّ الحيض والطُّهر وأكثرِهما، واختلافَ العلماءِ في ذلك في باب نافع من هذا الكتاب، والحمدُ للَّه.

стр. 7678

حديثٌ ثالثٌ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، أن الحارثَ بنَ هشام سألَ رسولَ اللَّه ﷺ : كيف يأتيك الوحيُ؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أحيانًا يأتيني في مثل صَلْصَلَةِ الجرَس، وهو أشدُّه عليَّ، فيَفصِمُ عنِّي وقد وعَيتُ ما قال، وأحيانًا يَتمثَّلُ لي الملكُ رجلًا، فيُكلِّمُني فأعي ما يقول". قالت عائشة: ولقد رأيتُه يُنزَلُ (٢) عليه في اليوم الشَّديد البَرْد، فيفصِمُ عنه وإنّ جبينَه ليَتفصَّدُ عرَقًا. في هذا الحديث دليلٌ على أن أصحابَ رسول اللَّه ﷺ كانوا يسألونه ﵇ عن كثير من المعاني، وكان رسولُ اللَّه ﷺ يُجيبُهم ويُعلِّمُهم، وكانت طائفةٌ تسألُ، وطائفةٌ تحفظُ وتُؤدِّي وتُبلِّغُ، حتى أكمَل اللَّهُ دينَه، والحمدُ للَّه. وفي هذا الحديث نوعان أو ثلاثةٌ من صفة نُزول الوحي عليه، وكيفية ذلك، وقد ورد في غيرِ ما أثر ضروبٌ من صفة الوحي حتى الرُّؤيا؛ فرُؤيا الأنبياء وحيٌ أيضًا، ولكن المقصدَ بهذا الحديث إلى نزول القرآن، واللَّهُ أعلم. وقد بيَّنا معنى هذا الحديث وشبهِه في باب إسحاقَ بنِ عبد اللَّه بن أبي طلحةَ من هذا الكتاب (٣). والحمدُ للَّه. وأمّا قولُه: "صَلْصَلَة الجَرَس" فإنه أراد في مثل صوتِ الجرَس، والصَّلْصَلةُ: الصوت، يقال: صلْصلةُ الطَّسْت، وصَلْصلةُ الجرس، وصَلْصلةُ الفَخّار. وقد روَى حمّادُ بنُ سَلَمة، عن عطاءِ بنِ السائب، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن

стр. 7679

ابن عباس، أنه قال: كان الوحيُ إذا نزل سمِعَتِ الملائكةُ صوتَ مِرَارِ -أو إمرارِ- السِّلْسِلَةِ على الصَّفا (١). وفي حديث حُنين، أنهم سمِعوا صلصلةً بين السماء والأرض، كإمرارِ الحديدِ على الطَّست الجديد (٢). ورُوي عن مجاهدٍ في قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾. قال: أن ينفُثَ في نفسه، ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. قال: موسى حين كلَّمه اللَّه، ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]. قال: جبريلَ إلى محمد صلَّى اللَّه عليهما وسلم، وأشباهِه من الرسل. ورَوى ابنُ وَهْب (٣)، عن يونُس، عن ابن شهاب، أنه سُئل عن هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. قال: نرى هذه الآيةَ تعُدُّ مَن أوحى اللَّهُ إليه من البشر؛ فالكلام: ما كلَّم اللَّه بهِ موسى من وراء حجاب، والوحيُ: ما يُوحي اللَّهُ إلى النبيِّ من الهداية، فيُثبتُ اللَّهُ ما أراد من وحيِه في قلب النبيِّ ﷺ ، فيتكلَّمُ به النبيُّ ﷺ ويكتبُه، فهو كلامُ اللَّه ووحيُه، ومنه ما يكونُ بين اللَّه وبين

стр. 7680

رسُلِه، لا يكلِّمُ به أحدٌ من الأنبياء أحدًا من الناس، ولكنه يكونُ سرَّ غيبٍ بين اللَّه وبين رسُله، ومنه ما يتكلَّمُ به الأنبياء ولا يكتبونه، ولكنهم يُحدِّثون به الناسَ ويأمرونَهم بكتابِه ويُبيِّنون لهم أنّ اللَّه أمرَهم أن يُبيِّنوه للناس، ويُبلِّغوهم إيّاه. ومنَ الوحْي ما يُرسل اللَّهُ مَنْ يشاءُ من ملائكتِه فيُوحِيه وحيًا في قلوب مَنْ يشاءُ من رُسُله، وقد بيَّن لنا في كتابه أنّه كان يُرسل جبريلَ إلى محمد ﵉ فقال في كتابه: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، وقال : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]. وأما قولُه: "فيَفْصِمُ عنّي"، فمعناه: ينْفَرجُ عنّي ويذهَبُ، كما تفْصِمُ الخَلْخالَ إذا فتحْتَهُ لتُخرِجَه من الرِّجْل، وكلُّ عُقْدةٍ حللْتَها فقد فَصَمْتَها؛ قال اللَّه : ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وانفصامُ العُروة: أن تنفَكَّ عن موضِعِها، وأصلُ الفصْم عندَ العرب: أن يُفَكَّ الخَلْخالُ ولا يَبِينَ كسرُهُ، فإذا كَسَرتَهُ، فقد قَصَمْتَه، بالقاف. قال ذو الرُّمَّة (١): كأنَّه دُمْلُجٌ من فضّةٍ نَبَهٌ ... في ملْعَبٍ مِنْ عَذَارى الحَيِّ مفْصُومُ

стр. 7681

حديثٌ رابعٌ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: خسَفَت الشمسُ في عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فصلَّى رسولُ اللَّه ﷺ بالناس، فقامَ فأطالَ القيامَ، ثم ركَع فأطال الركوع، ثم قام فأطالَ القيامَ وهو دونَ القيام الأول، ثم ركع فأطالَ الركوعَ وهو دونَ الركوع الأول، ثم رفَع فسجَد، ثم فعَل في الركعةِ الآخرة مثلَ ذلك، ثم انصرَف وقد تجلَّت الشمسُ، فخطَب الناسَ، فحمِد اللَّهَ وأثنى عليه، ثم قال: "إنّ الشَّمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ اللَّه، لا يَخْسِفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُم ذلك فادعُوا اللَّه وكبِّروا وتصَدَّقوا". ثم قال: "يا أمةَ محمد، واللَّه ما من أحدٍ أغيرُ من اللَّه أن يَزنيَ عبدُه، أو تَزنيَ أمَتُه، يا أمةَ محمد، واللَّه لو تعلَمون ما أعلمُ، لضحِكتُم قليلًا، ولبكَيتُم كثيرًا". قال أهلُ اللغة: خسَفَت: إذا ذهَب ضَوْؤها ولونُها، وكسَفَت: إذا تغيَّر لونُها، يقال: بئرٌ خَسِيف: إذا ذهَب ماؤُها، و: فلانٌ كاسفُ اللون؛ أي: متغيِّرُ اللون. ومنهم مَن يجعلُ الخسوفَ والكسوفَ واحدًا، والأولُ أولى (٢). واللَّه أعلم. وقد تقدَّم القولُ في معاني هذا الحديث، وما للعلماء في صلاةِ الخسوف من المذاهب والمعاني ممهَّدًا في باب زيد بن أسلَم (٣) من هذا الكتاب، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهنا.

стр. 7682

وفي هذا الحديث حُجَّةٌ للشافعيِّ في قوله: إن الإمامَ يخطُبُ في الكُسوف بعدَ الصلاة كالعيدَين والاستسقاء (١). ألا ترى إلى قوله في هذا الحديث: "ثم انصرَف وقد تجلَّت الشمسُ (٢)، فخطَب الناسَ، فحَمِد اللَّهَ وأثنى عليه". وهو قولُ الطبريّ. وقال مالكٌ وأبو حنيفة وأصحابُهما (٣): لا خُطبةَ في الخسوف. والحُجَّةُ لهم أن خُطبةَ رسول اللَّه ﷺ يومئذ إنما كانت لأن الناسَ كانوا يقولون: كسَفت الشمسُ لموت إبراهيمَ، ابن النبيِّ ﷺ ، فخطَبهم ليُعْلِمَهم بأنه ليس كذلك، وأن الشمسَ والقمرَ آيتان من آياتِ اللَّه، لا يَخسِفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه. واحتجَّ الشافعيُّ ومَن قال بقوله في أنّ القمرَ يُصلَّى لكسوفه، كما يُصلَّى في كُسوف الشّمس، سواءً في جماعةٍ وعلى هيئتِها، بقوله ﷺ : "إنّ الشمسَ والقمرَ آيتان من آياتِ اللَّه، لا يَخْسِفان لموتِ أحَدٍ ولا لحياته؛ فإذا رأيتُم ذلك فصَلُّوا وادْعُوا (٤) "، فندَب رسولُ اللَّه ﷺ إلى الصلاة عند خُسُوفهما، ولم يَخُصَّ إحداهما دونَ الأخرى بشيء؛ وصلّى عند كُسوفِ الشّمس، فكان القمرُ في حُكْم ذلك عندَ كُسُوفِه، إذ لم يُنقَل عنه خلافُ ذلك ﷺ في القَمَر.
следующие страницы →