← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7678–7717 · переход к 7683.

стр. 7678

حديثٌ ثالثٌ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، أن الحارثَ بنَ هشام سألَ رسولَ اللَّه ﷺ : كيف يأتيك الوحيُ؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أحيانًا يأتيني في مثل صَلْصَلَةِ الجرَس، وهو أشدُّه عليَّ، فيَفصِمُ عنِّي وقد وعَيتُ ما قال، وأحيانًا يَتمثَّلُ لي الملكُ رجلًا، فيُكلِّمُني فأعي ما يقول". قالت عائشة: ولقد رأيتُه يُنزَلُ (٢) عليه في اليوم الشَّديد البَرْد، فيفصِمُ عنه وإنّ جبينَه ليَتفصَّدُ عرَقًا. في هذا الحديث دليلٌ على أن أصحابَ رسول اللَّه ﷺ كانوا يسألونه ﵇ عن كثير من المعاني، وكان رسولُ اللَّه ﷺ يُجيبُهم ويُعلِّمُهم، وكانت طائفةٌ تسألُ، وطائفةٌ تحفظُ وتُؤدِّي وتُبلِّغُ، حتى أكمَل اللَّهُ دينَه، والحمدُ للَّه. وفي هذا الحديث نوعان أو ثلاثةٌ من صفة نُزول الوحي عليه، وكيفية ذلك، وقد ورد في غيرِ ما أثر ضروبٌ من صفة الوحي حتى الرُّؤيا؛ فرُؤيا الأنبياء وحيٌ أيضًا، ولكن المقصدَ بهذا الحديث إلى نزول القرآن، واللَّهُ أعلم. وقد بيَّنا معنى هذا الحديث وشبهِه في باب إسحاقَ بنِ عبد اللَّه بن أبي طلحةَ من هذا الكتاب (٣). والحمدُ للَّه. وأمّا قولُه: "صَلْصَلَة الجَرَس" فإنه أراد في مثل صوتِ الجرَس، والصَّلْصَلةُ: الصوت، يقال: صلْصلةُ الطَّسْت، وصَلْصلةُ الجرس، وصَلْصلةُ الفَخّار. وقد روَى حمّادُ بنُ سَلَمة، عن عطاءِ بنِ السائب، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن

стр. 7679

ابن عباس، أنه قال: كان الوحيُ إذا نزل سمِعَتِ الملائكةُ صوتَ مِرَارِ -أو إمرارِ- السِّلْسِلَةِ على الصَّفا (١). وفي حديث حُنين، أنهم سمِعوا صلصلةً بين السماء والأرض، كإمرارِ الحديدِ على الطَّست الجديد (٢). ورُوي عن مجاهدٍ في قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾. قال: أن ينفُثَ في نفسه، ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. قال: موسى حين كلَّمه اللَّه، ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]. قال: جبريلَ إلى محمد صلَّى اللَّه عليهما وسلم، وأشباهِه من الرسل. ورَوى ابنُ وَهْب (٣)، عن يونُس، عن ابن شهاب، أنه سُئل عن هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. قال: نرى هذه الآيةَ تعُدُّ مَن أوحى اللَّهُ إليه من البشر؛ فالكلام: ما كلَّم اللَّه بهِ موسى من وراء حجاب، والوحيُ: ما يُوحي اللَّهُ إلى النبيِّ من الهداية، فيُثبتُ اللَّهُ ما أراد من وحيِه في قلب النبيِّ ﷺ ، فيتكلَّمُ به النبيُّ ﷺ ويكتبُه، فهو كلامُ اللَّه ووحيُه، ومنه ما يكونُ بين اللَّه وبين

стр. 7680

رسُلِه، لا يكلِّمُ به أحدٌ من الأنبياء أحدًا من الناس، ولكنه يكونُ سرَّ غيبٍ بين اللَّه وبين رسُله، ومنه ما يتكلَّمُ به الأنبياء ولا يكتبونه، ولكنهم يُحدِّثون به الناسَ ويأمرونَهم بكتابِه ويُبيِّنون لهم أنّ اللَّه أمرَهم أن يُبيِّنوه للناس، ويُبلِّغوهم إيّاه. ومنَ الوحْي ما يُرسل اللَّهُ مَنْ يشاءُ من ملائكتِه فيُوحِيه وحيًا في قلوب مَنْ يشاءُ من رُسُله، وقد بيَّن لنا في كتابه أنّه كان يُرسل جبريلَ إلى محمد ﵉ فقال في كتابه: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، وقال : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]. وأما قولُه: "فيَفْصِمُ عنّي"، فمعناه: ينْفَرجُ عنّي ويذهَبُ، كما تفْصِمُ الخَلْخالَ إذا فتحْتَهُ لتُخرِجَه من الرِّجْل، وكلُّ عُقْدةٍ حللْتَها فقد فَصَمْتَها؛ قال اللَّه : ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وانفصامُ العُروة: أن تنفَكَّ عن موضِعِها، وأصلُ الفصْم عندَ العرب: أن يُفَكَّ الخَلْخالُ ولا يَبِينَ كسرُهُ، فإذا كَسَرتَهُ، فقد قَصَمْتَه، بالقاف. قال ذو الرُّمَّة (١): كأنَّه دُمْلُجٌ من فضّةٍ نَبَهٌ ... في ملْعَبٍ مِنْ عَذَارى الحَيِّ مفْصُومُ

стр. 7681

حديثٌ رابعٌ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: خسَفَت الشمسُ في عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فصلَّى رسولُ اللَّه ﷺ بالناس، فقامَ فأطالَ القيامَ، ثم ركَع فأطال الركوع، ثم قام فأطالَ القيامَ وهو دونَ القيام الأول، ثم ركع فأطالَ الركوعَ وهو دونَ الركوع الأول، ثم رفَع فسجَد، ثم فعَل في الركعةِ الآخرة مثلَ ذلك، ثم انصرَف وقد تجلَّت الشمسُ، فخطَب الناسَ، فحمِد اللَّهَ وأثنى عليه، ثم قال: "إنّ الشَّمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ اللَّه، لا يَخْسِفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُم ذلك فادعُوا اللَّه وكبِّروا وتصَدَّقوا". ثم قال: "يا أمةَ محمد، واللَّه ما من أحدٍ أغيرُ من اللَّه أن يَزنيَ عبدُه، أو تَزنيَ أمَتُه، يا أمةَ محمد، واللَّه لو تعلَمون ما أعلمُ، لضحِكتُم قليلًا، ولبكَيتُم كثيرًا". قال أهلُ اللغة: خسَفَت: إذا ذهَب ضَوْؤها ولونُها، وكسَفَت: إذا تغيَّر لونُها، يقال: بئرٌ خَسِيف: إذا ذهَب ماؤُها، و: فلانٌ كاسفُ اللون؛ أي: متغيِّرُ اللون. ومنهم مَن يجعلُ الخسوفَ والكسوفَ واحدًا، والأولُ أولى (٢). واللَّه أعلم. وقد تقدَّم القولُ في معاني هذا الحديث، وما للعلماء في صلاةِ الخسوف من المذاهب والمعاني ممهَّدًا في باب زيد بن أسلَم (٣) من هذا الكتاب، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهنا.

стр. 7682

وفي هذا الحديث حُجَّةٌ للشافعيِّ في قوله: إن الإمامَ يخطُبُ في الكُسوف بعدَ الصلاة كالعيدَين والاستسقاء (١). ألا ترى إلى قوله في هذا الحديث: "ثم انصرَف وقد تجلَّت الشمسُ (٢)، فخطَب الناسَ، فحَمِد اللَّهَ وأثنى عليه". وهو قولُ الطبريّ. وقال مالكٌ وأبو حنيفة وأصحابُهما (٣): لا خُطبةَ في الخسوف. والحُجَّةُ لهم أن خُطبةَ رسول اللَّه ﷺ يومئذ إنما كانت لأن الناسَ كانوا يقولون: كسَفت الشمسُ لموت إبراهيمَ، ابن النبيِّ ﷺ ، فخطَبهم ليُعْلِمَهم بأنه ليس كذلك، وأن الشمسَ والقمرَ آيتان من آياتِ اللَّه، لا يَخسِفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه. واحتجَّ الشافعيُّ ومَن قال بقوله في أنّ القمرَ يُصلَّى لكسوفه، كما يُصلَّى في كُسوف الشّمس، سواءً في جماعةٍ وعلى هيئتِها، بقوله ﷺ : "إنّ الشمسَ والقمرَ آيتان من آياتِ اللَّه، لا يَخْسِفان لموتِ أحَدٍ ولا لحياته؛ فإذا رأيتُم ذلك فصَلُّوا وادْعُوا (٤) "، فندَب رسولُ اللَّه ﷺ إلى الصلاة عند خُسُوفهما، ولم يَخُصَّ إحداهما دونَ الأخرى بشيء؛ وصلّى عند كُسوفِ الشّمس، فكان القمرُ في حُكْم ذلك عندَ كُسُوفِه، إذ لم يُنقَل عنه خلافُ ذلك ﷺ في القَمَر.

стр. 7683

وقال مالكٌ وأبو حنيفة (١): يُصلِّي الناسُ عند كُسوف القمرِ وُحْدانًا ركعَتَين ركعَتَين ركعَتَين، ولا يصلُّون جماعةً، وكذلك القولُ عند أبي حنيفةَ في كُسوف الشَّمس في هيئة الصَّلاة. وقال الليثُ وعبدُ العزيز بنُ أبي سَلَمة (٢): لا يُجمع فيها، ولكن يُصلُّونها مُنفَرِديْنَ على هيئةِ الصّلاة في كُسوف الشَّمس. وقال الشافعيُّ وأصحابُه والطبريُّ (٣): الصلاةُ في خُسوف الشَّمسِ والقمرِ سواءٌ على هيئةٍ واحدةٍ ركعتان، في كلِّ ركْعَةٍ رُكوعان، جماعة. وروي ذلك عن عثمان بن عفان وابن عباس، وقد مضت هذه المعاني مهذَّبةً في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ من هذا الكتاب (٤). والحمدُ للَّه.

стр. 7684

حديثٌ خامسٌ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إذا نَعَسَ أحدُكُم في صلاتِه، فليَرْقُدْ حتى يذْهَبَ عنه النَّوم، فإنّ أحدَكُم إذا صلَّى وهو ناعِسٌ لا يدْرِي لعلَّه يذهَبُ يستَغفِرُ فيَسُبُّ نفسَه". في هذا الحديث دليلٌ على أنّ الصلاةَ لا ينبغي أن يقرَبَها مَن لا يعقِلُها ويعقِلُ حدودَها، وقد قال الضحّاكُ بنُ مُزاحم في قول اللَّه : ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]. قال: من النوم. وأما معنى هذا الحديث فبيّنٌ لا مدخلَ للقول فيه، إلا أنَّ الاستدلالَ منه بأنّ النُّعاسَ والنومَ اليسيرَ لا ينقُضُ الصَّلاة استدلالٌ صحيحٌ، وإذا لم يَنقُض الصلاةَ لم يَنقُض الوُضوء، وقد مضى القولُ في أحكام النوم في باب أبي الزناد (٢)، والحمدُ للَّه. وفي هذا الحديث أيضًا دليلٌ على أنّ ما شغَل القلبَ عن الصلاة، وعن خُشُوعها، وتمام ما يجبُ فيها، فواجبٌ تركُه، وواجبٌ ألّا يُصلِّيَ المرءُ إلّا وقلبُه مُتفرِّغٌ لصلاتِه، ليكونَ متيقِّظًا فيها مُقبلًا عليها، وباللَّه التوفيق. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٣)، قال: حدَّثنا موسى بنُ معاوية، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن سَلَمة،

стр. 7685

عن الضحاك -في قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ - قال: سُكرُ النوم (١). ولا أعلمُ أحدًا قال ذلك غيرَ الضحاك. وأما عكرمةُ فقال: نسخَتها: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآيةَ (٢) [المائدة: ٦]. وقال مجاهد: كانوا يُصلُّون وهم سُكارى قبل نُزول تحريم الخمر، فنزلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. ثم نسخها تحريمُ الخمر. وقال قتادة: كانوا يَجتَنبون الخمرَ حَضْرةَ الصلاة، ثم نزَل تحريمُ الخمر (٣). وقال ابنُ وَهْب (٤)، عن يونُس، عن ابن شهاب، قال: نزلت هذه الآيةُ قبل تحريم الخمر، فكانوا يَجتنبونها عندَ الصلاة، ثم نزَل تحريمُ الخمر بعدَ ذلك في "المائدة".

стр. 7686

حديثٌ سادسٌ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسولُ اللَّه ﷺ يُصلِّي من الليل ثلاثَ عشْرةَ ركعةً ثم ينصرِفُ، فإذا سمِع النداءَ بالصبح ركع ركعتَين خفيفتَين. ذكَر قومٌ من رواة هذا الحديث، بنِ هشام بنِ عُروة، أنه كان لا يجلِسُ في شيء من الخمس ركعاتٍ إلا في آخِرهنّ. رواه حمادُ بنُ سَلمة (٢)، وأبو عَوانة (٣)، ووُهيبٌ (٤)، وغيرُهم، عن هشام (٥) وذكَروا أنه كان لا يُسلِّمُ بينَهنَّ. وذلك كلُّه لا يَثبُتُ؛ لأنه قد عارضه عن عائشةَ ما هو أثبتُ منه، وأكثرُ الحُفّاظ روَوْا هذا الحديثَ عن هشام، كما رواه مالكٌ، والأصولُ تَعضُّدُ روايةَ مالك؛ لأنه قد ثبَت عنه ﷺ أنه قال: "صلاةُ الليل مثنَى مثنَى" (٦).

стр. 7687

وهذا من الأحاديث التي لم يُختلَف في إسنادِها ولا في متْنها، وهو حديثٌ ثابتٌ مجتمَعٌ على صحتِه، وهو قاضٍ في هذا الباب على ما كان ظاهرُه خلافَه، وقد أوضَحْنا هذا المعنى في غير موضع من كتابنا، وذكَرنا ما للعلماء في ذلك من التَّنازُع، وأخبرنا بالوجه المختار الصحيح عندَنا، والحمدُ للَّه، ولا وجهَ لتكرار ذلك هاهنا. قال أبو عُمر: الروايةُ المخالفةُ في حديث هشام بن عُروةَ هذا لرواية مالكٍ فيه، إنما حدَّث به عن هشام أهلُ العراق، وما حدَّث به هشامٌ بالمدينة قبلَ خروجِه إلى العراق أصحُّ عندَهم (١). ولقد حكى عليُّ بنُ المَدينيِّ، عن يحيى بن سعيد القطّان (٢)، قال: رأيتُ مالكَ بنَ أنس في النوم، فسألتُه عن هشام بن عُروة، فقال: أمّا ما حدَّث به عندَنا -يعني: بالمدينة قبل خُروجه- فكأنه يُصحِّحُه، وأما ما حدَّث به بعدَما خرج من عندِنا فكأنه يُوهِنُه. وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ ركْعَتي الفجر مما كان رسولُ اللَّه ﷺ يُواظِبُ عليهما، وهما عندنا من مؤكَّدات السُّنن وإن كان بعضُ أصحابنا يُخالف في ذلك؛ وقد بيَّنا الوجهَ فيه في باب شَريكِ بنِ أبي نَمرٍ وغيرِه (٣) من هذا الكتاب، والحمدُ للَّه.

стр. 7688

وفي هذا الحديث من الفقه: المُواظَبةُ على صلاةِ اللَّيل، وأنَّ صلاةَ الليل آخِرُها الوِتْر، إمّا بواحدَةٍ وإمّا بثلاث، وقد قيل غيرُ ذلك على حسَبِ ما أوضَحْناهُ في باب سعيدِ بنِ أبي سعيد، وباب نافع (١)، والحمدُ للَّه. وفيه: النِّداء للصُّبح بعدَ الفجْرِ وتخفيفُ ركعَتَي الفجر، وقد استدَلَّ به مَنْ زعمَ أنّ النِّداء للصُّبح لا يكونُ إلّا بعدَ الفجر؛ وقد مضى القولُ في ذلك في باب ابنِ شهابٍ عن سالم (٢)، والحمدُ للَّه وبه التوفيق.

стр. 7689

حديثٌ سابعٌ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان أحَبُّ العَمل إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، الذي يَدومُ عليه صاحبُه. ومعنى هذا الحديث مفهوم، لأنَّ العملَ الدائمَ يتَّصلُ أجرُه وحسناتُه، وما انقَطَع من العَمَل (٢) انقَطَع أجرُه وحسناتُه. وفي هذا الحديث -عندي- دليلٌ على أنّ قليلَ العمل إذا دام عليه صاحبُه أزْكى له، واللَّهُ يُحبُّ الرِّفقَ في الأمرِ كلِّه ويرضاهُ، ولا يرضَى العُنفَ؛ وباللَّه التوفيق.

стр. 7690

حديثٌ ثامنٌ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: صلَّى رسولُ اللَّه ﷺ -وهو شاكٍ، فصلَّى جالسًا، وصلَّى وراءَه قومٌ قيامًا، فأشار إليهم أن اجْلِسوا، فلمّا انصرَف قال: "إنما جُعِل الإمامُ ليُؤتَمَّ به؛ فإذا ركَع فارْكعوا، وإذا رفَع فارْفَعُوا، وإذا صلَّى جالسًا فصَلُّوا جُلوسًا". وقد تقدَّم القولُ في معنى هذا الحديث مُستوعَبًا مهذَّبًا في باب ابنِ شهاب عن أنس (٢) من هذا الكتاب. وقد روَى هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، مرسلًا في روايةِ مالك (٣)، ومسندًا في رويةِ غيره، نَسْخَ هذا المعنى في الصلاة جالسًا للصحيح خلفَ الإمام الجالسِ العليل، وسيأتي في بابه من هذا الكتاب إن شاء اللَّه (٤).

стр. 7691

حديثٌ تاسعٌ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها أخبرَتْه أنها لم ترَ رسولَ اللَّه ﷺ يُصلِّي صلاةَ الليل قاعدًا قطُّ حتى أسَنَّ، فكان يقرأُ قاعدًا، حتى إذا أراد أن يركعَ قام فقرأ نحوًا من ثلاثينَ أو أربعينَ آيةً، ثم ركع. في هذا الحديث: ما كان عليه رسولُ اللَّه ﷺ من الصَّبْر على الصَّلاة بالليل. وفيه: إباحةُ صلاةِ النافلة جالسًا، وهو أمرٌ مجتمَعٌ عليه لا خلافَ فيه. وفيه: ردٌّ على مَن أبى من أن يكونَ المُصلِّي يُصلِّي النافلةَ بعضَها جالسًا وبعضَها قائمًا، والذي عليه جمهورُ الفقهاء فيمَن افتَتح صلاةَ النافلة قاعدًا، أنه لا بأسَ أن يقومَ فيها ويقرأَ بما أحبَّ على ما في هذا الحديث وشِبهِه. واختلفوا فيمَن افتتَحها قائمًا ثم قعَد: فقال مالكٌ، والثوريُّ، وأبو حنيفة، والشافعيُّ (٢): يجوزُ أن يقعُدَ فيها كما يجوزُ له أن يفتتِحَها قاعدًا. وقال الحسنُ بنُ حيٍّ، وأبو يوسُف، ومحمد (٣): يُصلِّي قائمًا ولا يجلسُ إلا من ضرورة، لأنه افتتَحها قائمًا. وقال ابنُ جُريج: قلت لعطاء: استَفْتحتُ الصلاةَ قائمًا، فركعتُ ركعة، وسجَدتُ ثم قُمتُ، أفأجلسُ إن شئتُ بغير ركوع ولا سجود؟ قال: لا (٤).

стр. 7692

فأما المريضُ، فقال ابنُ القاسم (١) في المريض: يُصلِّي مُضْطَجعًا أو قاعدًا، ثم يَخفُّ عنه المرضُ فيَجدُ القوة: إنه يقومُ فيما بقيَ من صلاتِه، ويَبني على ما مضَى منها. وهو قولُ الشافعيِّ، وزُفَرَ، والطبريِّ (٢). وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد -فيمَن صلَّى مُضطَجِعًا ركعةً، ثم صحَّ-: إنه يستقبلُ الصلاةَ من أولها. ولو كان قاعدًا؛ يركَعُ ويسجُدُ، ثم صحَّ، بَنى في قول أبي حنيفة، ولم يَبنِ في قول محمد. وقال أبو حنيفةَ وأصحابه: إذا افتتحَ الصلاةَ قائمًا، ثم صار إلى حال الإيماءِ، فإنه يَبْني. ورُوي عن أبي يوسُفَ أنه يَستقبل (٣). وقال مالكٌ (٤) في المريض الذي لا يستطيعُ الركوعَ ولا السُّجود، وهو يَستطيعُ القيامَ والجلوس: إنه يُصلِّي قائمًا ويُومئُ إلى الركوع، فإذا أراد السجودَ جلس فأومَأ إلى السجود. وهو قولُ أبي يوسُف، وقياسُ قول الشافعيِّ. وقال أبو حنيفة وسائرُ أصحابه: يُصلِّي قاعدًا (٥). وقال مالكٌ، وأبو حنيفة، وأصحابُهما (٦): إذا صلَّى مُضْطَجِعًا، تكونُ رِجْلاه مما يلي القِبْلةَ مُستقبِلَ القِبْلة. وقال الثوريُّ، والشافعيُّ (٧): يُصلِّي على جَنْبه ووجْهُهُ إلى القِبْلة. وقد ذكَرنا كيفيةَ صلاةِ القاعدِ في باب إسماعيلَ بنِ محمد (٨)، والحمدُ للَّه.

стр. 7693

حديثٌ عاشرٌ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "مُروا أبا بكر فلْيُصلِّ للناس"، فقالت عائشة: إن أبا بكر إذا قامَ مقامَك لم يُسمِع الناسَ من البكاء، فمُرْ عمرَ فليُصلِّ للناس، قال: "مُروا أبا بكر فلْيُصلِّ للناس"، قالت عائشة: فقلتُ لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قامَ في مقامِك لم يُسمِع الناسَ من البكاء، فمُرْ عمرَ فليُصلِّ للناس. ففعلَتْ حفصةُ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنكنَّ لأنتُنَّ صواحبُ يوسُف، مُروا أبا بكر فلْيُصلِّ للناس". فقالت حفصةُ لعائشة: ما كنتُ لأُصيبَ منكِ خيرًا. في هذا الحديث من الفقه: أنّ القومَ إذا أجمعوا للصلاةِ فأحقُّهم وأوْلاهُم بالإمامة فيها أفضَلُهم (٢) أفقَهُهم؛ لأنَّ أبا بكر قدَّمه رسولُ اللَّه ﷺ للصلاةِ بجماعةِ أصحابه، ومعلومٌ أنهم كان فيهم مَن هو أقرأُ منه ولا سيّما أُبيُّ بنُ كعب وابنُ مسعودٍ وزيدٌ ومعاذ (٣). وهذه مسألةٌ اختلفَ فيها السلف: فقال مالكٌ (٤): يؤُمُّ القومَ أعلمُهم إذا كانت حالُه حسنةً، وللسِّنِّ حقٌّ. قيل له: فأكثرُهم قرآنًا؟ قال: لا، قد يقرأُ مَن لا يكونُ فيه خير. وقال الثوريُّ: يؤمُّهم أقرؤهم، فإن كانوا سواءً فأعلمُهم بالسُّنة، فإن استوَوْا فأسنُّهم.

стр. 7694

وقال الأوزاعيُّ: يؤمُّهم أفقهُهم في دينِ اللَّه (١). وقال أبو حنيفة: يؤمُّهم أقرؤهم لكتابِ اللَّه وأعلمُهم للسُّنة، فإن استوَوْا في القراءةِ والعلم بالسُّنّة فأكبرُهم سنًّا، فإن استوَوْا في القراءةِ والفقهِ والسِّنِّ فأورَعُهم. وقال محمدُ بنُ الحسن وغيرُه: إنما قيل في الحديث: "أقرؤهم"، لأنهم أسلَموا رجالًا فتفقَّهُوا فيما علموا من الكتاب والسُّنة، وأمّا اليومَ فيتعلَّمون القرآنَ وهم صِبيانٌ لا فقهَ لهم (٢). وقال اللّيثُ: يؤمُّهم أفضلُهم وخيرُهم، ثم أقرؤهم، ثم أسنُّهم إذا استوَوْا (٣). وقال الشافعيُّ (٤): يؤمُّهم أقرؤُهم وأفقهُهم، فإن لم يجتمعْ ذلك قُدِّم أفقهُهم إذا كان يقرأ ما يكتفي به في صلاتِه، وإن قُدِّم أقرؤهم وعَلِم ما يلزَمُه في الصلاة فحسَنٌ. وقال الأثرم: قلت لأحمدَ بنِ حنبل: رجُلان أحدُهما أفضلُ من صاحبه، والآخرُ أقرأُ منه. فقال: حديثُ أبي مسعود: "يؤمُّ القومَ أقرؤهم" (٥). قال: ألا ترَى

стр. 7695

أن سالمًا مولى أبي حُذيفةَ كان مع خيارِ أصحاب رسول اللَّه ﷺ منهم: عُمرُ وأبو سَلَمة بنُ عبد الأسد، فكان يؤمُّهم؛ لأنه جمع القرآن، وحديثُ عَمْرو بن سَلَمة؛ أمَّهم للقرآن (١). فقلت له: حديثُ النبيِّ ﷺ : "مُرُوا أبا بكر فليُصلِّ بالناس"، أليس هو خلافَ حديث أبي مسعودٍ عن النبيِّ ﷺ : "يؤُمُّ القومَ أقرؤُهم"؟ فقال: إنما قولُه لأبي بكر يُصلِّي بالناس إنما أراد الخلافة، وكان لأبي بكر فضلٌ بيِّن على غيرِه، وإنما الأمرُ في الإمامةِ إلى القراءة، وأما قصةُ أبي بكر فإنما أراد به الخلافة. قال أبو عُمر: لما قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مُرُوا أبا بكر يُصلِّي بالناس" في مرضِه الذي توفِّي فيه، واستخلَفه على الصلاة وهي عُظمُ الدين، وكانت إليه لا يجوزُ أن يتقدَّم إليها أحدٌ بحضرتِه ﷺ ، فلما مرِض استخلَف عليها أبا بكر، والصحابةُ متوافرون، منهم: عليٌّ وعُمرُ وعثمانُ ﵃، استدلَّ المسلمون بذلك وبغيره على فضل أبي بكر، وعلى أنه أحقُّ بالخلافة بعدَه، وعلِموا ذلك، فارتضَوا لدُنياهم وإمامتِهم وخلافتِهم مَن ارتضاه لهم رسولُ اللَّه ﷺ لأصل دينِهم؛ وذلك إمامتُهم في صلاتهم، ولم يكنْ يمنعُ رسولَ اللَّه ﷺ من أن يُصرِّحَ بخلافةِ أبي بكر بعدَه، واللَّهُ أعلم، إلا أنه كان لا ينطِقُ في دين اللَّه بهواه، ولا ينطِقُ إلا بما يُوحَى إليه فيه؛ قال اللَّه : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، ولم يكن يوحَى إليه في الخلافة شيء، وكان لا يتقدَّمُ بين يدَي ربِّه في شيء، وكان يحبُّ أن يكونَ أبو بكر الخليفةَ بعدَه، فلما لم ينزِلْ عليه في ذلك وحيٌ ونصٌّ: لم يَأمُرْ بذلك، ولكنه أراهُم موضعَ الاختيار، وموضعَ إرادتِه، فعرَف

стр. 7696

المسلمون ذلك منه، فبايَعوا أبا بكر بعدَه، فخِيرَ لهم في ذلك، ونفَعهم اللَّهُ به، وبارَك لهم فيه، فقاتَل أهلَ الرِّدَّة حتى أقامَ الدِّين كما كان، وعدَل في الرعية، وقسَم بالسَّويَّة، وسار بسِيْرة رسولِ اللَّه ﷺ حتى توفّاه اللَّهُ حميدًا، ﵁. وقد روَى هذا الحديثَ حمادُ بنُ سَلَمة، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، بمعنى حديث مالك (١). قال حمادٌ: وأخبَرنا أيوب، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عائشة، بمثله. قال ابنُ أبي مُليكة: وأيُّ خلافةٍ أبينُ من هذا؟ (٢). وقد جاءت عن النبيِّ ﷺ آثارٌ تدلُّ على أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يُسِرُّه ويَعلَمُ أن الخليفةَ بعدَه أبو بكر، واللَّهُ أعلم؛ منها: قولُه ﷺ : "اقتَدُوا باللَّذَين من بعدي؛ أبي بكر وعمرَ": حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا قَبِيصةُ بنُ عقبةَ الكوفيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ سعيد، عن عبدِ الملك بن عُمير، عن مولًى لرِبْعيٍّ، عن رِبْعيٍّ، عن حُذَيفة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "اقتَدُوا باللَّذَين من بعدي: أبي بكرٍ وعمرَ" (٣).

стр. 7697

وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبد اللَّه (١)، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا الطحاويُّ (٢)، قال: حدَّثني المُزنيُّ، قال (٣): حدَّثنا الشافعيُّ، قال: أخبرنا إبراهيمُ بن سعدِ بن إبراهيمَ، عن أبيه، عن محمدِ بنِ جبيرِ بنِ مُطعِم، عن أبيه، أن أمرأةً أتت رسولَ اللَّه ﷺ فسألتْه عن شيء، فأمَرها أن ترجعَ، قالت: يا رسول اللَّه، إن رجَعتُ فلم أجدْك؟ -قال: كأنها تعني الموت- قال: "فائْتي أبا بكر". قال الشافعيُّ: وفي هذا دليلٌ على خلافةِ أبي بكر. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد الصائغ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ داود، قال (٤): حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعد، قال: حدَّثني أبي، عن محمدِ بن جبيرِ بن مُطعم، عن أبيه، أن امرأةً أتَتِ النبيَّ ﷺ فسألتْه عن شيء، فقال لها: "ارجِعي". فقالت: يا رسولَ اللَّه، إن رجَعتُ فلم أجِدْك؟ -تعني الموت- قال: "فائْتي أبا بكر". حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا منصورُ بنُ سَلَمةَ الخُزاعيُّ أبو سَلَمةَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعد، عن أبيه، عن محمدِ بنِ جبير، عن أبيه، قال: أتتِ النبيَّ ﵇ امرأةٌ تكلِّمُه في شيء، فأمرَها أن ترجعَ إليه، فقالت: إن جئتُ ولم أجِدْك؟ قال: "فائْتي أبا بكر".

стр. 7698

أخبرنا أبو محمد عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ عبدِ اللَّه الشافعيُّ ببغدادَ إملاءً في الجامع يومَ الجمُعة سنةَ تسع وأربعينَ وثلاثِ مئة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بن أبي العوّام الرِّياحيُّ سنة ستٍّ وسبعين ومئتين، قال: أخبرني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيد (١)، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالد، عن زرٍّ، عن عبدِ اللَّه، قال: كان رجوعُ الأنصار يومَ سَقيفةِ بني ساعدةَ لكلام قاله عُمرُ: أنشدُكم باللَّه، أتعلمون أنّ رسولَ ﷺ أمر أبا بكر أن يُصلِّيَ بالناس؟ قالوا: نعم. قال: فأيُّكم تَطيبُ نفسُه أن يُزيلَه عن مقام أقامَه فيه رسولُ اللَّه ﷺ ؟ قالوا: كلُّنا لا تَطيبُ أنفسُنا أن يُزيلَه عن مقام أقامَه فيه رسولُ اللَّه ﷺ . وأخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو بكر محمدُ بنُ أبي العوّام، قال: حدَّثني أبي أحمد بن يزيدَ أبي العوّام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالد، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّه بن مسعود، قال: كان رجوعُ الأنصار يومَ سقيفةِ بني ساعدةَ بكلام قاله عُمرُ بنُ الخطاب: نشدتُكمُ اللَّه، هل تعلَمون أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أمَر أبا بكر أن يُصلِّيَ بالناس؟ قالوا: اللهمَّ نعم، قال: فأيُّكم تَطيبُ نفسُه أن يُزيلَه عن مقام أقامَه فيه رسولُ اللَّه ﷺ ؟ فقالوا: كلُّنا لا تَطيبُ نفسُه، نستغفرُ اللَّه (٢). وأجمعوا أنّ أبا بكر كان يكتبُ: "من خليفةِ رسولِ اللَّه ﷺ " في كتبه كلِّها. وذكر نافعُ بنُ عمرَ الجُمَحيُّ، عن ابن أبي مُليكةَ، أن رجلًا قال لأبي بكر: يا خليفةَ اللَّه. فقال أبو بكر: أنا خليفةُ رسولِ اللَّه ﷺ ، وأنا راضٍ بذلك.

стр. 7699

وبَعث عمرُ بنُ عبد العزيز محمدَ بنَ الزبير إلى الحسن يسألُه: هل استخلَف رسولُ اللَّه ﷺ أبا بكر؟ فقال: نعم (١). قال أبو عُمر: إنما قال هذا استدلالًا بنحو ما ذكَرنا من الحديث، واللَّهُ أعلم، ولم يُختلَفْ عن عمرَ أنّه لما حضرتْه الوفاةُ قال: إن أستخلِفْ فقدِ استَخْلَفَ أبو بكر، وإن لم أستَخلِفْ فلم يَستخلِفْ رسولُ اللَّه ﷺ . قال ابنُ عمر: فلمّا ذكَر رسولَ اللَّه ﷺ علِمتُ أنه لا يَستخلِفُ. وهذا معناه أنه لم يستخلِفْ نصًّا ولا تصريحًا. واللَّهُ أعلم. حدَّثنا عبد الوارث (٢)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوب، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعد، عن محمدِ بنِ إسحاق، عن الزُّهريِّ، عن عبدِ الملك بنِ أبي بكر بنِ عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبدِ اللَّه بن زَمعةَ بنِ الأسود، قال: قلتُ لعُمر: صلِّ بالناس -وأبو بكر غائبٌ في مرض رسولِ اللَّه ﷺ فلما كبَّر سمع رسولُ اللَّه ﷺ صوتَه، فقال: "وأينَ أبو بكر؟ يأبى اللَّهُ ذلك والمسلمون، يأبى اللَّهُ ذلك والمسلمون"، مرتين، فبعَث إلى أبي بكر، فجاء بعد أن صلَّى عمرُ تلك الصلاةَ، فصلَّى بالناس (٣).

стр. 7700

حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا ابنُ المفسِّر (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليٍّ القاضي، قال: حدَّثنا عبيدُ اللَّه بنُ عمرَ القواريريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ داود، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن ابن عُمر، قال: لما طُعن عمرُ ﵀ قالوا له: ألا تستخلِفُ؟ قال: أحتمِلُكم حيًّا وميِّتًا؟ ليت حظِّي منكم الكفافُ؛ لا عليَّ ولا لي، إن أترُكْكم فقد تركَكم مَن هو خيرٌ منِّي ومنكم؛ رسولُ اللَّه ﷺ ، وإن أستخلِفْ فقد استخلَف مَن هو خيرٌ منِّي؛ أبو بكر (٢). قال: وحدَّثنا أحمدُ بنُ علي (٣)، قال: حدَّثنا أبو بكر (٤) وعثمانُ ابنا أبي شيبة، قالا: حدَّثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن زائدةَ بنِ قُدامة، عن عاصم، عن زرٍّ، عن عبدِ اللَّه، قال: لما قُبِض رسولُ اللَّه ﷺ قالت الأنصار: منّا أميرٌ ومنكم أميرٌ. قال: فأتاهم عمرُ بنُ الخطاب فقال: يا معشرَ الأنصار، ألسْتُم تعلمونَ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "مُرُوا أبا بكرٍ يؤُمَّ الناسَ"؟ فأيُّكم تَطيبُ نفسُه يتقدَّم أبا بكر؟ قال: فقالت الأنصار: نعوذُ باللَّه أن نتقدَّم أبا بكر.

стр. 7701

قال أحمدُ (١): وحدَّثنا أبو خيثمةَ زُهيرُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا معاويةُ بنُ عَمْرو، عن زائدة، عن عاصم، عن زرٍّ، عن عبدِ اللَّه، مثله. أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ داسة، قال: حدَّثنا حسّانُ بنُ الحَسَن الإمام (٣)، قال: حدَّثنا حجاجُ بنُ منهال، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمة، عن حميدٍ وثابت، عن الحسن، عن قيسِ بنِ عُبَاد، قال: قال لي عليُّ بنُ أبي طالب: إن نبيَّكم ﷺ نبيَّ الرحمة لم يُقتَلْ قتلًا، ولم يَمُتْ فُجاءةً؛ مرض لياليَ وأيامًا يأتيه بلالٌ فيُؤْذِنُه بالصلاة وهو يرى مكاني، فيقول: "ائتِ أبا بكرٍ فليُصلِّ بالناس". فلما قُبِض رسولُ اللَّه ﷺ نظرتُ في أمري، فإذا الصلاةُ عُظْمُ الإسلام وقِوامُ الدين، فرضِينا لدُنيانا مَن رضِيَه رسولُ اللَّه ﷺ لديننا، فبايَعنا أبا بكر (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحُسَينُ بنُ عليٍّ الأُشنانيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثني عمرُو بنُ الحارث، قال: حدَّثني عبدُ اللَّه بنُ سالم، عن الزُّبيديِّ، قال: قال عبدُ الرحمن بنُ القاسم: أخبَرني القاسمُ، أن عائشةَ، قالت: سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لقد

стр. 7702

همَمتُ أن أُرسِلَ إلى أبي بكر فأعهدَ إليه، فإنه رُبَّ مُتمَنٍّ وقائل: أنا أنا، وسيدفعُ اللَّهُ ويأبى ذلك والمؤمنون" (١). وقد استدلَّ قومٌ من أهل العلم على خلافةِ أبي بكر بقول اللَّه : ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ الآيةَ [الفتح: ١٦]. ومعلومٌ أن الداعيَ لاولئك القوم غيرُ النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّ اللَّهَ قد منع المخلَّفين من الأعراب من الخروج مع رسولِ اللَّه ﷺ بقوله: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآيةَ [التوبة: ٨٣]. وقد أرادوا الخروجَ معه إلى بعض ما رجَوْا فيه الغنيمة، فأنزَل اللَّه: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥]، يعني قولَه: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾، ولا تبديلَ لكلمات اللَّه. وفي قول اللَّه : ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٦] أوضحُ الدلائل على وُجوب طاعةِ أبي بكر وإمامتِه؛ إذْ وعَدَ اللَّهُ المخلَّفين عن رسولِه إذا أطاعُوا الذي يدعوهم بعدَه بالأجرِ الحسن، وأوعَدَهم بالعذاب الأليم إن تولَّوا عنه. وللعلماء في قول اللَّه : ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ قولان لا ثالثَ لهما: أحدُهما: أنهم قالوا: أراد بقوله:

стр. 7703

﴿إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: بني حَنِيفةَ أهلَ اليمامةِ مع مُسَيْلِمة (١)، وقال آخرون: أراد فارسَ (٢). فإن كان كما قالوا: أهلَ اليمامة، فأبو بكر هو الذي دَعَا إلى قتالهم، وإن كانوا فارسَ فعمرُ دعاهُم إلى قتالهم، وعمرُ إنما استخلَفه أبو بكر، فعلى أيِّ الوجهَيْن كان فالقرآنُ يقتضي بما وصَفنا إمامةَ أبي بكر وخلافتَه، وإن كان أراد فارسَ فهو دليلُ إمامةِ عمرَ وخلافتِه. وقد قال مَن لا علمَ له بتأويل القرآن: إنهم هوازنُ وحُنينٌ، وهذا ليس بشيء؛ لقول اللَّه: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾، وقوله: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ الآيةَ. ومعلومٌ أنَّ مَن واسَى رسولَ اللَّه ﷺ وصحبَه أخيرًا لا يلحقُ في الفضل بمَن واساه ونصَره وصحِبه أولًا؛ قال اللَّه : ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠]. وكان أبو بكرٍ أولَ الناسِ عزَّر رسولَ اللَّه ﷺ ونصَره وآمَن به وصدَّقه وصبَر على الأذى فيه، فاستحقَّ بذلك الفضلَ العظيم؛ لأنَّ كلَّ ما صنَعه غيرُه بعدَه قد شارَكه فيه، وفاتَهم وسبَقهم بما تقدَّم إليه، فلِفَضْله ذلك استحقَّ الإمامة، إذ شأنُها أن تكونَ في الفاضل أبدًا ما وُجِد إليه السبيل. والآثارُ في فضائلِه ليس هذا موضعَ ذكرها، وإنما ذكَرنا استحقاقَه للخلافة بدليل الكتاب والسُّنة.

стр. 7704

وروَى إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن إبراهيم النَّخعيِّ، عن عبدِ الرحمن بنِ يزيد، قال: قال عبدُ اللَّه بنُ مسعود: اجعَلوا إمامَكم خيرَكم، فإنّ رسولَ اللَّه ﷺ جعَل إمامَنا خيرَنا بعدَه (١). حدَّثنا عبدُ الوارث (٢)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سَلَمة، عن عليِّ بنِ زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، أن رجلًا قال: يا رسولَ اللَّه، رأيتُ كأنَّ ميزانًا دُلِّيَ من السماء، فوُزِنتَ أنت فيه وأبو بكر فرجَحتَ بأبي بكر، ثم وُزِن فيه أبو بكر وعمر، فرجَح أبو بكر بعمرَ، ثم رُفِع الميزان. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "نُبوَّةٌ وخِلافةٌ، ثم يُؤتي اللَّهُ المُلكَ مَن يشاء" (٣). وأما قولُ رسولِ اللَّه ﷺ لعليٍّ: "أنتَ منِّي بمنزلةِ هارونَ من موسى" (٤)، واحتجاجُ أهل الزَّيغ به على أنه أراد بذلك استخلافَه، فقد أجابَه عن ذلك أبو إسحاقَ المَروزيُّ ﵀ بجواب على وجهين محتملين:

стр. 7705

أحدُهما: أن هارونَ كان خليفةَ موسى في حياته، ولم يكن عليٌّ خليفةَ رسولِ اللَّه ﷺ في حياتِه، وإذا جاز أن يتأخَّرَ عليٌّ عن خلافةِ رسولِ اللَّه ﷺ في حياتِه -على حسَبِ ما كان هارونُ خليفةَ موسى في حياتِه- جاز أن يتأخَّرَ بعدَ موتِه زمانًا، ويكونَ غيرُه مقدَّمًا عليه، ويكونَ معنى الحديثِ القصدَ إلى إثباتِ الخلافةِ له كما ثبت لهارون، لا أنه استحقَّ تعجيلَها في الوقت الذي تعجَّلها هارونُ من موسى ﵉. والوجهُ الآخر: أن هذا الكلامَ إنما خرَج من النبيِّ ﷺ في تفضيل عليٍّ ومعرفةِ حقِّه لا في الإمامة؛ لأنه ليس كلُّ مَن وجَب حقُّه وصار مُفضَّلًا استحقَّ الإمامة؛ لأنَّ هارونَ مات قبل موسى بزمان، واستخلَف موسى بعدَه يُوشَعَ بنَ نون، فهارونُ إنما كان خليفةَ موسى في حياتِه، وقد عُلِم أن عليًّا لم يكن خليفةَ النبيِّ ﷺ في حياتِه، ولم يكنْ هارونُ خليفةَ موسى بعد موتِه، فيكونَ ذلك دليلًا على أنَّ عليًّا خليفةُ رسولِ اللَّه ﷺ بعدَ موتِه. قال أبو عُمر: كان هذا القولُ من النبيِّ ﷺ لعليٍّ حينَ استخلَفه على المدينة في وقتِ خُروجِه غازيًا غزوةَ تبوك، وهذا استخلافٌ منه في حياتِه، وقد شرِكَه في مثل هذا الاستخلافِ غيرُه ممَّن لا يدَّعي له أحدٌ خلافةً؛ جماعةٌ قد ذكَرهم أهلُ السِّيَر، وقد ذكَرناهم في كتاب الصحابة، وليس في استخلافِه حينَ قال له ذلك القولَ دليلٌ على أنه خليفةٌ بعدَ موتِه. واللَّهُ أعلم. وأما قولُه ﷺ : "مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه" (١)، فمحتملٌ للتأويل؛ لأنَّ

стр. 7706

المولى يحتملُ وجوهًا في اللغة، أصحُّها أنه الوليُّ والناصر، وليس في شيءٍ منها ما يدُلُّ على أنه استخلَفه بعدَه. ولا يُنكِرُ فضلَ عليٍّ مؤمنٌ، ولا يجهلُ سابقتَه وموضعَه من رسولِ اللَّه ﷺ ومن دينِ اللَّه عالم، وقد ثبَت عنه ﵁ أنه فضَّل أبا بكر على نفسه، من طُرقٍ صِحاح، وقال: خيرُ النَّاس بعدَ رسولِ اللَّه ﷺ أبو بكر، ثم عمر (١). وحسبُك بهذا منه ﵁. وأما قولُ عائشة: إن أبا بكر إذا قام مقامَك لم يُسمِع الناسَ من البكاء، فمُرْ عمرَ فليُصلِّ للناس. فإنها كرِهتْ -فيما زعَموا- أن يتشاءمَ الناسُ بأبيها فيقولوا: إنه لم يُرَ إمامًا إلَّا في حين مرضِ رسولِ اللَّه ﷺ وحين موتِه، فقالت ما قالت، فأنكَر رسولُ اللَّه ﷺ ذلك عليها وعلى حفصة، وقال: "إنكنَّ صواحبُ يوسفَ". يريد: إنكنَّ فتنةٌ قد فتنتُنَّ يوسفَ وغيرَه، وصدَدْتُنَّه عن الحقِّ قديمًا؛ يريد: النساءَ

стр. 7707

ويَعيبُهنَّ بذلك، كلامًا خرَج على غضب لاعتراضِهنَّ له، وهُنَّ أمهاتُ المؤمنين وخيرُ نساءِ العالمين، ﵅. وكذلك قولُ حفصةَ لعائشة: ما كنتُ لأُصيبَ منك خيرًا. خرَج على جهةِ الغضب عليها؛ لأنها عرَّضتْها لِمَا كرهَه رسولُ اللَّه ﷺ منها من القول، فلِقيَت من رسولِ اللَّه ﷺ ما لا يَسُرُّها من إنكارِه عليها وانتهارِها، فرجَعت تلومُ عائشة، إذ كانت سببَ ذلك، وهذا كلُّه موجودٌ في طباع بني آدم، وإذا كان ذلك في أولئك فغيرُهم أحرَى بأن يُسامَحَ في ذلك وشِبهِه؛ وباللَّه التوفيق. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم وسَلَمةُ بنُ سعيدِ بنِ سَلَمة، قالا: حدَّثنا الحسنُ بنُ رشيق، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ محمدٍ البصريُّ، قال: حدَّثنا خُشَيشُ بنُ أصرَم، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاق (١)، عن معمر، عن الزُّهريِّ، عن حمزةَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ عُمر، عن عائشة، أنها قالت: واللَّه ما كانت مراجعتي للنبيِّ ﷺ إذ قال: "مرُوا أبا بكرٍ أن يُصلِّي للناس" إلَّا كراهيةَ أن يتشاءمَ الناسُ بأولِ رجُلٍ يقومُ مقامَ رسولِ اللَّه ﷺ ، فيكونَ ذلك الرجلُ أبي. وأما قولُها (٢): "إنّ أبا بكر إذا قام مقامَك لم يُسمِع الناسَ من البكاء" ففيه دليلٌ على أن البكاءَ في الصلاة لا يقطَعُها ولا يضُرُّها، إذا كان من خوفِ اللَّه، أو على مصيبةٍ في دينِ اللَّه. ذكر ابنُ المبارك (٣)، عن حمّادِ بنِ سَلَمة، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن مطرِّفِ بنِ

стр. 7708

عبدِ اللَّه بنِ الشِّخِّير، عن أبيه، قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ وهو يُصلِّي ولجوفِه أزيزٌ كأزيز المِرْجَل. يعني: من البكاء. واختلَف الفقهاءُ في الأنين في الصلاة؛ فقال مالك: الأنينُ لا يقطعُ الصلاةَ للمريض، وأكرَهُه للصحيح. ورَوَى ابنُ عبدِ الحكم، عن مالك: التَّنَحْنُحُ والأنينُ والنفْخُ لا يقطعُ الصلاة. وقال ابنُ القاسم: يقطَعُ (١). وقال الثوريُّ: أكرَهُ الأنينَ للصحيح (٢). وقال الشافعيُّ: إن كان له حروفٌ تُسمَعُ وتُفهَمُ قطَع الصلاة (٣). وقال أبو حنيفة: إن كان من خوفِ اللَّه لم يقطَعْ، وإن كان من وجَعٍ قطَع. ورُوِي أبي يوسفَ أن صلاتَه تامةٌ في ذلك كلِّه؛ لأنه لا يخلُو مريضٌ ولا ضعيفٌ من الأنين (٤). قال أبو عُمر: في حديثِ هذا الباب مع حديث ابن الشِّخِّير دليلٌ على أنّ البكاءَ لا يقطَعُ الصَّلاة، وهذا ما لم يكنْ كلامًا تُفهَمُ حُروفُه، ولم يكنْ رياءً (٥) وعَبَثًا، وكان من خشْيَة اللَّه، أو فيما أباحَه اللَّهُ تعالى وجلَّ، وبه التوفيق (٦).

стр. 7709

حديثٌ حاديَ عشَرَ لهشام بنِ عُروةُ مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: أُتيَ رسولُ اللَّه ﷺ بصَبيٍّ، فبالَ على ثَوبِه، فدعا رسولُ اللَّه ﷺ بماءٍ فأتبَعَهُ إيّاهُ. قد مضى القولُ في معنى هذا الحديثِ وما للعُلماءِ فيه من المذاهب في باب ابنِ شهابٍ عن عُبيدِ اللَّه من هذا الكتاب (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بنُ محمد بن حَبابَة، قال: حدَّثنا البغَوِيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجعْدِ. قال (٣): أخبَرني المباركُ بنُ فَضالةَ، عن الحسَن، عن أُمِّه، عن أُمِّ سَلمةَ، قالت: بَوْلُ الغُلام يُصَبُّ عليه الماء، وبَولُ الجاريةِ يُغسَلُ، طَعِمَتْ أم (٤) لم تَطْعَم. قال أبو عُمر: وهو قولُ ابنِ وَهْبٍ ﵀. وروى حُميدٌ عن الحسَنِ، أنه قال في بَوْلِ الجارية: يُغْسَل غَسْلًا، وبولُ الغُلام يُتبَعُ بالماء. وعلى هذا القول تكون الآثارُ المرفوعةُ في هذا البابِ كلُّها غيرَ متدافِعةٍ ولا متضادَّةٍ، وقد ذكَرْنا كثيرًا من الآثار في هذا الباب ومعانيه في باب ابنِ شهابٍ عن عُبيدِ اللَّه (٥) من هذا الكتاب (٦).

стр. 7710

حديثٌ ثانيَ عشَرَ لهشام بن عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ رأى في جِدارِ القِبْلةِ بُصاقًا أو مُخاطًا أو نُخامةً، فحَكَّهُ. قال أبو عُمر: يقال: إنَّ البُصاقَ: ما خرجَ من الفَم، وفيه لغتان: بُصاقٌ وبُزاقٌ. والمُخاطُ: ما خرجَ من الأنف. والنُّخامةُ: ما خرَجَ من الحَلْق. وليس شيءٌ من ذلك بنَجِس، ولكنَّ القِبْلةَ يجبُ أن تُنزَّهَ عن ذلك، وقد تقدَّم القولُ في معنى هذا الحديثِ في باب نافع (٢) من هذا الكتاب، والحمدُ للَّه.

стр. 7711

حديثٌ ثالثَ عشَرَ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كنتُ أُرجِّلُ رأسَ رسولِ اللَّه ﷺ وأنا حائضٌ. هكذا روَى هذا الحديثَ أكثرُ الرُّواة (٢)، ومنهم من يقول فيه: وهو مُعتَكِفٌ وأنا في حُجْرَتي. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ إسحاقَ السَّراجُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسن، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ مسلمة، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسولُ اللَّه ﷺ يُخرجُ إليَّ رأسَه من المسجدِ وهو مجاورٌ وأنا في حُجْرَتي، فأُرَجِّلُ رأسَه وأنا حائض (٣). وقد مضى القولُ في معنَى العمل في الاعتكافِ وما يجتنبُه المعتكفُ، وما لا بأسَ عليه في عمله، مجوَّدًا في باب ابنِ شهاب (٤). وفي هذا الحديث تفسيرٌ لقول اللَّه : ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].

стр. 7712

وفيه: بيانُ أنَّ مباشرةَ المرأةِ للرجل ليست كمباشرةِ الرجل لها، وأن المعنى المرادَ بالمباشرة هاهنا: الجماعُ وما كان في معناه، وقد تقدَّم القولُ في ذلك كلِّه، والحمدُ للَّه. وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ الحائضَ ليست بنجَس، وهو أمرٌ مجتمَعٌ عليه، وقد قال ﷺ لعائشة: "ناوليني الخُمرَةَ"، فقالت: إنِّي حائضٌ، فقال: "إنّ حيضتَكِ ليست في يَدِكِ" (١). وقد مضَى القولُ في معنى هذا الحديث في باب ربيعة. وفي ترجيل عائشةَ شعرَ رسولِ اللَّه ﷺ وهي حائضٌ تفسيرٌ لقول اللَّه : ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ لأنَّ اعتزالَهُنَّ كان يحتملُ ألا يُقرَبْنَ في البيوت، ولا يُجتمعَ معهنَّ في مواكَلَةٍ ولا مُشارَبة، ويَحتملُ أن يكونَ اعتزالَ الوطءِ لا غير، ويَحتملُ أن يكونَ مباشرتَهنَّ مُؤْتِزرات؛ فبيّن رسولُ اللَّه ﷺ مرادَ اللَّه من ذلك على ما قد أوضحناه، وذكَرنا اختلافَ العلماءِ فيه وما جاء في ذلك من الآثار عن النبيِّ ﵇ في باب ربيعة (٢)، وقد ذكَرنا كثيرًا من حُكْم طهارةِ الحائض في باب ابنِ شهاب عن عُروةَ في حديثِ الاعتكاف (٣)، وذكَرنا في باب نافع (٤) الحُكْم في الوُضوء بسُؤْرِ المرأةِ وفضل وُضوئها والاغتسال معها في إناءٍ واحد، وهو أمرٌ صحَّت به الآثارُ واتفقَ عليه فقهاءُ الأمصار. وفيه دليلٌ على أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان ذا شعَر، وقد مضَى في باب زيادِ بنِ

стр. 7713

سعدٍ من هذا الكتاب أنه كان يَسدُلُ ناصيتَه ثم فرَق بعدُ، ومضَى القولُ هناك في شعرِه ﷺ (١). وفي هذا الحديث دليلٌ على إباحةِ ترجيلِ الشعَر، وقد كرِه رسولُ اللَّه ﷺ لرجل رآه ثائرَ شعَرِ الرأس، ما رأى من ذلك، وأمَره بتسكين شعَرِه وترجيلِه (٢)، إلَّا أنه قد رُوِيَ عنه ﷺ أنه نهَى عن التَّرجُّل إلَّا غِبًّا. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو مسلم الكجِّيُّ (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد اللَّه الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن الحسن، عن عبدِ اللَّه بن مغفَّل: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نهى عن التَّرجُّل إلَّا غبًّا (٤). وفي هذا الحديثِ دليلٌ على إباحَةِ حَبْسِ الشَّعْرِ والجُمَم والوَفَرات (٥). والحَلْقُ أيضًا مباحٌ؛ لأنَّ رسولَ اللَّه ﷺ حَلَق رؤوسَ بني جعفرِ بنِ أبي طالبٍ

стр. 7714

بعدَ أنْ أتاهُ خبَرُ قتْلِه بثلاثةِ أيام (١)، ولو لم يَجُزِ الحَلْقُ ما حلقَهُم، والحَلْقُ في الحجِّ نُسُكٌ، ولو كان مُثلةً كما قال من قال ذلك، ما جاز في الحجِّ ولا في غيرِه؛ لأنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نهى عن المُثلَة (٢). وقد أجمعَ العلماءُ في جميع الآفاق على إباحةِ حبْسِ الشَّعَر، وعلى إباحَةِ الحِلاق، وكفَى بهذا حُجَّةً، وباللَّه التوفيق. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال: حدَّثنا عفّانُ بنُ مسلم وموسى بنُ إسماعيل، عن مهديِّ بنِ ميمون، عن محمدِ بنِ أبي يعقوب، عن الحسنِ بنِ سعد، عن عبدِ اللَّه بن جعفر: أنَّ النبيَّ ﷺ أتى آلَ جعفرٍ بعدَ ثلاث -يعني: من موتِ جعفر- فقال: "لا تبْكُوا على أخي بعدَ اليوم، ادعُوا لي بَني أخي"، قال: فجيءَ فأُغَيْلِمةٍ ثلاثةٍ كأنهم أفرُخٌ: محمدٌ، وعونٌ، وعبدُ اللَّه، قال: "ادْعُوا لي الحَلّاق"، قال: فجاءَ الحلّاقُ فحلَقَ رؤوسَهُم، ثم أخذ بيدِ عبدِ اللَّه فأشالَها فقال: "اللهمَّ أخْلِفْ جعفرًا في أهلِه، وبارِكْ لعبدِ اللَّه في صَفْقَةِ يَمينِه"، قال: فجاءت أمُّهُم فقال: "تخافينَ عليهم العَيْلَة وأنا وليُّهم في الدُّنيا والآخرة؟ " (٣).

стр. 7715

حديثٌ رابعَ عشرَ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: إنْ كان رسولُ اللَّه ﷺ لَيقبِّلُ بعضَ أزواجِه وهو صائمٌ. ثم تضحَكُ. قد مضى القولُ في القُبلة للصائم في باب زيدِ بنِ أسلم، عن عطاءِ بنِ يسار (٢) من هذا الكتاب. وقد رَوَى هذا الحديثَ أبو سَلَمة، عن عُروة، عن عائشة، وسماعُ أبي سَلَمةَ من عائشةَ صحيح، وهو أسَنُّ من عُروة (٣). حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ الخَصيبيُّ القاضي، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يعقوبَ القاضي، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال:

стр. 7716

حدَّثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن عُروة، عن عائشة: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يُقبِّلُ وهو صائم (١).

стр. 7717

حديث خامسَ عشَرَ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثواب بيضٍ سَحُولية، ليس فيها قميصٌ ولا عمامة. هذا أثبتُ حديث يُروَى في كفَنِ النبيِّ ﷺ ، وهو الأصلُ في كفَنِ الرَّجُل الميِّت. وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ كُفِّن في ثوبٍ حِبَرة (٢). ورُوِي أنه كُفِّن في رَيْطَتيْن (٣) وبُرْدٍ نَجْرانيٍّ (٤). وهذا غيرُ صحيح؛ لأنَّ عائشةَ قالت: أُخِّر عنه البُرْدُ. حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد (٥)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود،
следующие страницы →