← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7713–7752 · переход к 7718.

стр. 7713

سعدٍ من هذا الكتاب أنه كان يَسدُلُ ناصيتَه ثم فرَق بعدُ، ومضَى القولُ هناك في شعرِه ﷺ (١). وفي هذا الحديث دليلٌ على إباحةِ ترجيلِ الشعَر، وقد كرِه رسولُ اللَّه ﷺ لرجل رآه ثائرَ شعَرِ الرأس، ما رأى من ذلك، وأمَره بتسكين شعَرِه وترجيلِه (٢)، إلَّا أنه قد رُوِيَ عنه ﷺ أنه نهَى عن التَّرجُّل إلَّا غِبًّا. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو مسلم الكجِّيُّ (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد اللَّه الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن الحسن، عن عبدِ اللَّه بن مغفَّل: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نهى عن التَّرجُّل إلَّا غبًّا (٤). وفي هذا الحديثِ دليلٌ على إباحَةِ حَبْسِ الشَّعْرِ والجُمَم والوَفَرات (٥). والحَلْقُ أيضًا مباحٌ؛ لأنَّ رسولَ اللَّه ﷺ حَلَق رؤوسَ بني جعفرِ بنِ أبي طالبٍ

стр. 7714

بعدَ أنْ أتاهُ خبَرُ قتْلِه بثلاثةِ أيام (١)، ولو لم يَجُزِ الحَلْقُ ما حلقَهُم، والحَلْقُ في الحجِّ نُسُكٌ، ولو كان مُثلةً كما قال من قال ذلك، ما جاز في الحجِّ ولا في غيرِه؛ لأنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نهى عن المُثلَة (٢). وقد أجمعَ العلماءُ في جميع الآفاق على إباحةِ حبْسِ الشَّعَر، وعلى إباحَةِ الحِلاق، وكفَى بهذا حُجَّةً، وباللَّه التوفيق. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال: حدَّثنا عفّانُ بنُ مسلم وموسى بنُ إسماعيل، عن مهديِّ بنِ ميمون، عن محمدِ بنِ أبي يعقوب، عن الحسنِ بنِ سعد، عن عبدِ اللَّه بن جعفر: أنَّ النبيَّ ﷺ أتى آلَ جعفرٍ بعدَ ثلاث -يعني: من موتِ جعفر- فقال: "لا تبْكُوا على أخي بعدَ اليوم، ادعُوا لي بَني أخي"، قال: فجيءَ فأُغَيْلِمةٍ ثلاثةٍ كأنهم أفرُخٌ: محمدٌ، وعونٌ، وعبدُ اللَّه، قال: "ادْعُوا لي الحَلّاق"، قال: فجاءَ الحلّاقُ فحلَقَ رؤوسَهُم، ثم أخذ بيدِ عبدِ اللَّه فأشالَها فقال: "اللهمَّ أخْلِفْ جعفرًا في أهلِه، وبارِكْ لعبدِ اللَّه في صَفْقَةِ يَمينِه"، قال: فجاءت أمُّهُم فقال: "تخافينَ عليهم العَيْلَة وأنا وليُّهم في الدُّنيا والآخرة؟ " (٣).

стр. 7715

حديثٌ رابعَ عشرَ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: إنْ كان رسولُ اللَّه ﷺ لَيقبِّلُ بعضَ أزواجِه وهو صائمٌ. ثم تضحَكُ. قد مضى القولُ في القُبلة للصائم في باب زيدِ بنِ أسلم، عن عطاءِ بنِ يسار (٢) من هذا الكتاب. وقد رَوَى هذا الحديثَ أبو سَلَمة، عن عُروة، عن عائشة، وسماعُ أبي سَلَمةَ من عائشةَ صحيح، وهو أسَنُّ من عُروة (٣). حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ الخَصيبيُّ القاضي، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يعقوبَ القاضي، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال:

стр. 7716

حدَّثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن عُروة، عن عائشة: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يُقبِّلُ وهو صائم (١).

стр. 7717

حديث خامسَ عشَرَ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثواب بيضٍ سَحُولية، ليس فيها قميصٌ ولا عمامة. هذا أثبتُ حديث يُروَى في كفَنِ النبيِّ ﷺ ، وهو الأصلُ في كفَنِ الرَّجُل الميِّت. وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ كُفِّن في ثوبٍ حِبَرة (٢). ورُوِي أنه كُفِّن في رَيْطَتيْن (٣) وبُرْدٍ نَجْرانيٍّ (٤). وهذا غيرُ صحيح؛ لأنَّ عائشةَ قالت: أُخِّر عنه البُرْدُ. حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد (٥)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود،

стр. 7718

قال (١): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثنا الزهريُّ، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: أُدْرج رسولُ اللَّه ﷺ في ثوبٍ حِبَرَةٍ ثم أُخِّر عنه. وقد رُوِيَ من حديث أهل اليمن، عن وَهْبِ بن مُنبِّه، عن جابر، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إذا توفِّي أحدُكم فوجَد شيئًا فليُكفَّنْ في بُرْدٍ حِبَرَةٍ" (٢). وأما قولُه في هذا الحديث: "بِيضٍ سَحُولية"، فالسَّحوليةُ: ثيابُ قُطْن تُصنَعُ باليمن. وقيل: السَّحوليةُ: البيضُ. قال المسيَّبُ بنُ عَلَس:

стр. 7719

في الآلِ (١) يَخْفِضُها ويَرْفَعُها ... ريعٌ يَلُوحُ كأنّه سَحْلُ (٢) والسَّحْلُ: الثوبُ الأبيضُ، يُشبَّهُ الطريقُ به. ويقال: سَحُولُ: قريةٌ باليمن. حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن هشام بنِ عُروةَ، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرَتْني عائشةُ، قالت: كُفِّن رسولُ اللَّه ﷺ في ثلاثةِ أثوابٍ بيض، ليس فيها قميصٌ ولا عِمامة. ورواه حفصُ بنُ غِيَاث، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، وزاد: من كُرْسُف. قال: فذُكِر لعائشةَ قولهُم: في ثوبَين وبُرْدٍ حِبَرة، فقالت: أُتيَ بالبُرْد ولكنَّهم ردُّوه ولم يُكَفِّنوهُ فيه (٤). وكذلك روَى الثوريُّ، عن هشام، في هذا الحديث، أنها من كُرْسُف. والكُرْسُفُ: القطن. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سفيان،

стр. 7720

عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كُفِّن رسولُ اللَّه ﷺ في ثلاثةِ أثوابٍ سَحُولٍ كُرْسُف، ليس فيها قميصٌ ولا عِمامة (١). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمة، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كُفِّن رسولُ اللَّه ﷺ في ثلاثةِ أثوابِ سَحُوليةٍ بيضٍ يمانية ليس فيها قميصٌ ولا عِمامة، وكان عبدُ اللَّه بنُ أبي بكر قد أعطَاهم حُلَّةً حِبَرَةً فأدْرَجوا رسولَ اللَّه ﷺ فيها، ثم استَخْرَجوه منها (٢). قال إسماعيل (٣): وحدَّثنا هُدْبةُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، قال: ذُكِر لعائشةَ فقالت: نحنُ أعلمُ، إنما تلك الحُلَّةُ كانت لعبدِ اللَّه بن أبي بكر، أرادوا أن يكفِّنوه فيها فلم يَفْعلوا، كُفِّن رسولُ اللَّه ﷺ في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سَحُولية (٤). قال أبو عُمر: هذه الآثارُ الصِّحاحُ تَرُدُّ حديثَ يزيدَ بنِ أبي زياد، عن مِقسَم، عن ابن عباس، قال: كُفِّن رسولُ اللَّه ﷺ في ثلاثةِ أثواب: في قميصِه الذي مات فيه، وحُلَّةٍ له نَجْرانيّة (٥). وكيف يُكَفَّنُ في قميصِه وعائشةُ تقول: ليس فيها قميصٌ؟ وحديثُها من جهةِ الإسنادِ أثبتُ، وقد بانت فيه علَّةُ البُرْدِ، وأنه لم يتمَّ تكفينُه فيه، فهذه زيادةٌ يجبُ قبولُها، والمصيرُ إليها أوْلى؛ واللَّهُ أعلم.

стр. 7721

وأما الفقهاءُ فأكثرُهم يستحبُّون في الكفنِ ما في هذا الحديث، وكلُّهم لا يرَوْن في الكفنِ شيئًا واجبًا لا يجوزُ غيرُه، وما كُفِّن فيه الميتُ منها يُواري عورتَه ويُواريهِ ويستُرُه أجزَأ. قال مالكٌ ﵀: ليس في كفنِ الميتِ حدٌّ، ويُستحَبُّ الوترُ. وفي روايةٍ أخرى عنه: أحَبُّ إليَّ أن يُكفَّنَ الرجلُ في ثلاثةِ أثوابِ ويُعمَّم، ولا أُحِبُّ أن يُكفَّنَ في أقلَّ من ثلاثةِ أثواب (١). وقال أبو حنيفة وأصحابُه: أدنى ما تُكفَّنُ فيه المرأةُ ثلاثةُ أثواب، والسُّنة فيها خمسةٌ، والرجلُ في ثوبَيْن، والسُّنةُ فيه ثلاثة (٢). وقال الأوزاعيُّ والثوريُّ (٣): يُكفَّنُ الرجلُ في ثلاثةِ أثواب، والمرأةُ في خمسة. وهو أحدُ قولي الشافعيِّ، وهو قولُ أحمدَ، وإسحاق، وأبي ثور (٤). ورُوِي عن الشافعيِّ أيضًا أنه قال: أحَبُّ إليَّ أن لا يُجاوَزَ خمسةُ أثوابٍ في كفنِ المرأة، والثوبُ يجزِئُ (٥). واستحَبَّ ابنُ عُلَيّةَ القميصَ في الكفَن (٦). قال أبو عُمر: قولهُم في هذا الباب كلُّه استِحسانٌ، والأصلُ ما ذكَرتُ لك،

стр. 7722

وقد كُفِّن أبو بكرٍ في ثوبَين وثوبٍ كان يَلبَسُه باليًا. رواه عبدُ الرحمن بنُ القاسم، عن أبيه (١)، وهشامُ بنُ عُروة، عن أبيه (٢). وكان ابنُ عمرَ يُعمِّمُ الميتَ ويُسْدِلُ طرفَ العِمامةِ على وجهِه. رواه معمرٌ، عن أيوبَ، عن نافع (٣). ورواه ابنُ جريج (٤) وعُبيدُ اللَّه (٥)، عن نافع، عن ابن عمرَ. وروَى مالك (٦)، عن ابنِ شهاب، عن حميدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص، قال: الميتُ يُقَمَّصُ ويُؤزَّرُ ويُلَفُّ في الثياب، فإن لم يكنْ إلَّا ثوبٌ واحدٌ لُفَّ فيه. وروَى أيوبُ، عن نافع، أن ابنَ عمرَ كفَّن ابنَه واقدًا (٧) في خمسةِ أثواب؛ قميصٍ وثلاثِ لفائفَ وعمامة، وعمَّمه من تحتِ لحيتِه (٨). وأجمعوا أن حمزةَ كُفِّن في ثوبٍ واحد، وأن مصعبَ بن عميرٍ كفَّنه رسولُ اللَّه ﷺ في ثوبٍ واحد (٩). وهذا كلُّه يوضحُ لك أن ما حُدّ من العددِ في الكفنِ استحسانٌ واستحباب، فمن وجَد فليستعملْ ما استحبُّوا، ومن لم يَجدْ أجزَأه ما ستَره.

стр. 7723

وقيل لأبي بكر الصِّديق ﵁: ألا نَشتري لك ثوبًا جديدًا؟ فقال: الحيُّ أحوجُ إلى الجديدِ من الميِّت، إنما هو للمِهْلَة، كفِّنُوني في ثوبي هذا واغْسِلُوه -وكان به مِشْقٌ (١) - مع ثوبين آخرَيْن (٢). قال ابنُ حبيب (٣): المِهْلَةُ بكسرِ الميم: صديدُ الجسد، والمُهْلَةُ بضمِّ الميم: عَكَرُ الزيت، ومنه قولُ اللَّه : ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]. والمَهْلَةُ بنَصْب الميم: التَّمَهُّلُ. وأخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود،

стр. 7724

قال (١): حدَّثنا محمدُ بنُ عبيدٍ المُحارِبيُّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ هاشم (٢) أبو مالكٍ الجَنْبيُّ، عن إسماعيلَ بن أبي خالد، عن عامر، عن عليٍّ بنِ أبي طالب، قال: لا تُغالُوا في كفن، فإني سمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لا تُغالوا في الكَفَن؛ فإنه يُسْلَبُ سلْبًا سريعًا" (٣). قال أبو عمر: استحَبَّ مالكٌ أن يُعمَّمَ الميت، وزعَم أصحابُه أن العمامةَ عندَهم معروفةٌ بالمدينة في كفنِ الرجل، قالوا: وكذلك الخمارُ للمرأة. وكذلك استحَبَّ مالكٌ أيضًا أن يُقَمَّصَ الميت (٤). وأما الشافعيُّ فقال (٥): أحَبُّ الكفنِ إليَّ ثلاثةُ أثواب: لفائفُ بيضٌ ليس فيها قميصٌ ولا عِمامة، فإنَّ ذلك الذي اختاره اللَّهُ لنبيِّه ﷺ ، واختاره له أصحابُه ﵏. وقال عيسى بن دينار (٦): لا ينبغي لمن يجدُ أن يَنقُصَ الميتَ من ثلاثةِ أثواب يُدرَجُ فيها إدراجًا، لا يُجعلُ له إزارٌ ولا عِمامة، ولكن يُدرَجُ كما أُدْرِج النبيُّ ﷺ ، ولا يَنبغي أن يُزادَ الرجلُ على ثلاثةِ أثواب، وينبغي لمَن يجدُ أن لا ينقُصَ المرأةَ من خمسةِ أثواب؛ درع وخمارٍ وثلاثِ لفائف، أما الخمارُ فيخمَّرُ به رأسُها، وأما

стр. 7725

الدِّرعُ فيُفتَحُ في وسطِه ثم تُلْبَسُهُ ولا يُخاطُ في جوانبِه، وأحدُ اللفائفِ يُلَفُّ على حُجْزَتها وفَخِذَيها حتى يستويَ ذلك منها بسائرِ جسدِها، ثم تُدْرَجُ في اللِّفافتين الباقيتين كما يُدرَجُ الرجل. قال أبو عُمر: أما اللِّفافةُ التي تُلَفُّ على حُجْزيها فهو الحَقْوُ (١) الذي تُشعَرُ به يَلي جِلْدَها، وهو النِّطاقُ عندَ أهل العراق، وقد ذكَرناه عندَ قوله ﷺ : "أشعِرْنها إيّاه". في حديث أيوب (٢). وجمهورُ الفقهاء على أن الكفَنَ من رأس المال، قال عيسى بنُ دينار: يُجبَرُ الغُرَماءُ والورثةُ على ثلاثةِ أثوابٍ من مالِ الميتِ تكونُ من أوسطِ ثيابِه التي كانت تُتركُ عليه لو أفلَس. قال أبو عُمر: خيرُ ما كفِّن فيه الموتى البياضُ من الثياب، ثبَت عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مِن خيرِ ثيابِكم البَياضُ، فكفِّنوا فيها أمواتَكم، ولْيَلبَسْها أحياؤُكم" (٣). والحِبَرَةُ (٤) محمودٌ أيضًا في الكفنِ لمن قدَر عليه. ويُكرَهُ الخزُّ، والحرير، والثوبُ الرقيقُ الذي يَصِفُ، والمصبوغُ كلُّه غيرُه أفضلُ منه، وما كفِّن فيه الميتُ مما ستَر العورةَ ووارَى أجزَأ. وباللَّه التوفيق.

стр. 7726

حديثٌ سادسَ عشَرَ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، أنّ حمزةَ بنَ عَمْرو الأسلميَّ قال لرسول اللَّه ﷺ : إنّي رجلٌ أصومُ، أفأصومُ في السَّفَر؟ فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "إنْ شِئتَ فصُمْ، وإنْ شِئتَ فأفطرْ". هكذا قال يحيى: عن مالك، عن هشام، عن أبيه: "أنّ حمزةَ بنَ عمرٍو". وقال سائرُ أصحابِ مالك: عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ، أن حمزةَ بنَ عمرٍو الأسلميَّ، قال: يا رسولَ اللَّه، أصومُ في السَّفر؟ وكان كثيرَ الصِّيام (٢). والحديثُ محفوظٌ عن هشام، عن أبيه، عن عائشة. كذلك رواه جماعةٌ عن هشام، منهم: ابنُ عُيينة (٣)، وحمادُ بنُ سَلَمة (٤)،

стр. 7727

ومحمدُ بن عَجْلان (١)، وعبدُ الرحيم بنُ سليمان (٢)، ويحيى القطان (٣)، ويحيى بن هاشم (٤)، ويحيى بن عبد اللَّه بن سالم (٥)، وعمرُو بنُ هاشم (٦)، وابنُ نُمير (٧)، وأبو أسامة (٨)،

стр. 7728

ووَكيعٌ (١)، وأبو معاوية (٢)، والليثُ بنُ سعد (٣)، وأبو ضَمرة (٤)، وأبو إسحاقَ الفَزاريُّ (٥)، كلُّهم روَوْه عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، كما رواه جمهورُ أصحابِ مالكٍ عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة. ورواه أبو معشَرٍ المدنيُّ وجريرُ بنُ عبدِ الحميد والمفضَّلُ بنُ فَضالةَ (٦)، كلُّهم عن هشام، عن أبيه، أن حمزةَ بنَ عَمْرو. كما رواه يحيى عن مالك سواءً. حدَّثناهُ عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الجَهم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهاب، قال: أخبرنا أبو معشر المدنيُّ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، أن حمزةَ بنَ عمرٍو الأسلميَّ قال: جئتُ إلى النبيِّ ﷺ فسألتُه فقلت: يا رسولَ اللَّه، إني رجلٌ أصومُ، أفأصومُ في السَّفر؟ قال: "إن شئتَ فصُمْ، وإن شئتَ فأفطِرْ" (٧).

стр. 7729

وروَى ابنُ وَهْب في "موطئه" (١)، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارث، عن أبي الأسود، عن عُروةَ بنِ الزبير، عن أبي مُراوح، عن حمزةَ بنِ عمرٍو الأسلميِّ، أنه قال: يا رسولَ اللَّه، أجِدُ بي قوةً على الصيام في السَّفر، فهل عليَّ من جُناح؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "هي رخصةٌ من اللَّه، فمَن أخَذ بها فحسَنٌ، ومَن أحَبَّ أن يصومَ فلا جُناحَ عليه". فهذا أبو الأسود، وهو ثَبْتٌ في عُروةَ وغيرِه، قد خالَف هشامًا فجعَل الحديثَ عن عُروة، عن أبي مُراوح، عن حمزة. وهشامٌ يجعَلُه عن عُروة، عن عائشة. وفي رواية أبي الأسود ما يدُلُّ على أن روايةَ يحيى ليست بخطأ (٢). وقد روَى سليمانُ بنُ يسار هذا الحديثَ عن حمزةَ بنِ عمرٍو الأسلميِّ (٣)، وسنُّه قريبٌ من سنِّ عُروة. والحديثُ صحيحٌ لعُروة، وقد يجوزُ أن يكونَ عُروةُ سمِعه من عائشةَ ومن أبي مُراوح جميعًا، عن حمزةَ، فحدَّث به عن كلِّ واحدٍ منهما، وأرسلَه أحيانًا. واللَّهُ أعلم. وفي هذا الحديث: التَّخييرُ للصائم في رمضان، إن شاء أن يصومَ في سفرِه، وإن شاء أن يُفطِرَ، وهو أمرٌ مجتمَعٌ عليه من جماعةِ فقهاءِ الأمصار، وهو الصحيحُ في هذا الباب.

стр. 7730

وذكَر عبدُ الرزاق (١)، عن مَعْمر، عن أيوب، قال: دعا عمرُ بنُ عبدِ العزيز سالمَ بنَ عبدِ اللَّه وعُروةَ بنَ الزبير، فسألهما عن الصيام في السَّفر، فقال عُروة: يصومُ. وقال سالمٌ: لا يصوم. فقال عُروة: إنما أُحدِّثُ عن عائشة. وقال سالمٌ: إنما أُحدِّثُ عن عبدِ اللَّه بنِ عُمر. قال: فلما امْتَريا قال عُمر: اللهمَّ غَفْرًا، صُمْهُ في اليُسر، وأفطِرْهُ في العُسر. وقد بيَّنا ما في هذه المسألةِ من التَّنازُع بين السَّلف، وما فيها بينَ الخلَف من الاختلافِ في الأفضلِ من الصوم أو الفطرِ في السَّفر في رمضان، وأوضَحنا المعانيَ في ذلك وبسَطناها في غير موضع من كتابِنا هذا؛ منها: بابُ حُميدٍ الطويل (٢)، وبابُ ابن شهاب (٣) عن عُبيدِ اللَّه، وبابُ سُمَيٍّ (٤)، واللَّهُ الموفِّق للصّواب لا شَريكَ له.

стр. 7731

حديثٌ سابعَ عشَرَ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان يومُ عاشوراءَ يومًا تصومُه قريشٌ في الجاهلية، وكان رسولُ اللَّه ﷺ يصومُه في الجاهليّة، فلمّا قَدِم رسولُ اللَّه ﷺ صامَه وأمَر بصيامِه، فلمّا فُرِضَ رمضانُ كان هو الفريضةَ، وتُرِك يومُ عاشوراء؛ فمَن شاءَ صامَه، ومَن شاء تركَه. اختُلِف في ألفاظ هذا الحديثِ عن عائشةَ وغيرها، وقد ذكَرْنا ما يجبُ من القول في ذلك كلِّه في باب ابنِ شهاب، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمن من هذا الكتاب (٢)، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهنا. وأجمَع العلماءُ على أنْ لا فرضَ في الصوم غيرُ شهرِ رمضان، وعلى أنّ يومَ عاشوراءَ مندوبٌ إلى صومه، وأنّ له فضلًا على غيره، على ما قد بيَّناه في باب ابنِ شهاب، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوف. ومعنى قول عائشة: وتُرِك يومُ عاشوراء؛ أي: تُرِكَ صومُه على الإيجاب، إذ لا فَرْضَ غيرُ رمضان. ومثلُ حديثِ عائشةَ هذا حديثُ ابنِ عمر: رَوَى ابنُ القاسم، عن مالك، عن نافع، عن ابن عُمر، عن النبيِّ ﷺ ، أنه ذكَر يومَ عاشوراء، فقال: "كان يومًا يصومُه أهلُ الجاهلية، فمن شاء فلْيَصُمْه، ومَن شاء فلْيُفْطِرْه". وهذا إسنادٌ غريبٌ لمالك في هذا الحديث، لا أعلَمُه لغيرِ ابنِ القاسم عن مالك.

стр. 7732

حدَّثناه عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الخَضِر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، عن الحارثِ بنِ مسكين، عن ابنِ القاسم، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ . فذكَره (١). وهو محفوظٌ لنافع عن ابنِ عمر (٢). وقد ذكَرْنا في باب ابنِ شهاب، عن عُروةَ (٣)، أنّ فرضَ صيام رمضانَ كان بالمدينةِ قبلَ بدر، وقد صامه رسولُ اللَّه ﷺ تعظيمًا له إلى أن مات. رَوَى الحُميديُّ (٤) وغيرُه، عن ابن عُيينة، قال: سمِعتُ عبيدَ اللَّه بنَ أبي يزيد (٥)، قال: سمِعتُ ابنَ عباس يقول: ما علِمْتُ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ صام يومًا يَتحرَّى فضْلَه على الأيام إلَّا هذا اليوم؛ يعني: يومَ عاشوراء. ومن حديثِ ابنِ عباس، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إذا كان العامُ المقبلُ صُمْنا التاسعَ"، فلم يأتِ العامُ المقبلُ حتى مات ﷺ . وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ وغيرَه مما يدُلُّ

стр. 7733

على فضلِه، وذكَرْنا مذاهبَ العلماءِ في صومِه واهتبالَهم به، في باب ابنِ شهاب، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمن (١). والحمدُ للَّه. حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُس، قال: حدَّثنا زهيرٌ، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن الأسود، قال: ما رأيتُ أحدًا آمَرَ بصَوْم عاشوراءَ من عليِّ بن أبي طالب ﵁، وأبي موسى؛ يعني: الأشعريَّ.

стр. 7734

حديثٌ ثامنَ عشَرَ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، أنه قال: قلتُ لعائشةَ أُمِّ المؤمنين -وأنا يومئذٍ حديثُ السِّنِّ-: أرأيتِ قولَ اللَّه : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، فما على الرَّجُلِ شيءٌ ألّا يطَّوّفَ بهما؟ قالت عائشة: كلّا، لو كان كما تقول، لكانت: فلا جُناحَ عليه ألا يطَّوّفَ بهما؛ إنّما أُنزِلَتْ هذه الآيةُ في الأنصار، كانوا يُهِلُّونَ لمَناة، وكانت مَناةُ حَذْوَ قُدَيد، وكانوا يتحَرَّجُونَ أن يطُوفُوا بينَ الصّفا والمَروة؛ فلمّا جاء الإسلامُ، سألوا رسولَ اللَّه ﷺ عن ذلك، فأنزلَ : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. قال ابنُ وَهْب (٢): مَناةُ: حجَرٌ كان أهلُ الجاهلية يعبدونَه، وكان في المشَلَّل؛ الجبل الذي تَنحدِرُ منه إلى قُديد. قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ من قولِ عائشةَ دليلٌ على وجوبِ السّعْي بينَ الصفا والمروة في الحجِّ، وقد بيَّنتْ عائشةُ معنى نزولِ الآيةِ ومخرجَها، وجاءت بالعلم الصحيح في ذلك، وعلى قولها على وُجوبِ السَّعْي بينَ الصفا والمروة؛ مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُهما. وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور (٣). كلُّ هؤلاء يقول: إنّ السعيَ بينَ الصفا والمروةِ واجبٌ فرضًا، وعلى من نَسِيَه أو نَسيَ شوطًا

стр. 7735

واحدًا منه أن ينصرِفَ إليه حيثُ ذكَره في بلدِه أو غيرِ بلدِه حتى يأتيَ به كاملًا، كمن نَسيَ الطوافَ الواجبَ طوافَ الإفاضة سواءً، أو نَسيَ شيئًا منه. ولا خلافَ بينَ علماء المسلمين في وُجوبِ طوافِ الإفاضة -وهو الذي يُسمِّيه العراقيون طوافَ الزيارة- يومَ النحر بعدَ رمي جمرةِ العقبة، إلّا أن منهم من يقول: إنّ عملَ الحجِّ ينوبُ فيه التطوعُ عن الفرض. على ما بيّناه عنهم في غير هذا الموضع. واختلفوا في وجوبِ السعي بينَ الصفا والمروة؛ فذهَب مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُهما، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور، إلى ما ذكَرنا. وهو مذهبُ عائشةَ ﵂، ومذهبُ عُروة، وغيره. وكان أنسُ بنُ مالك، وعبدُ اللَّه بنُ الزبير، ومحمدُ بنُ سيرين، يقولون: هو تطوعٌ وليس ذلك بواجب (١). ورُوي ذلك عن ابن عباس (٢). ويُشبهُ أن يكونَ مذهبَ أُبيِّ بنِ كعب وابن مسعود؛ لأنَّ في مصحفِ أبيٍّ وابنِ مسعود: "فلا جناحَ عليه ألّا يَطَّوَّفَ بهما" (٣). وقال أبو حنيفةَ والثوريُّ (٤): من تَرك السعيَ بينَ الصفا والمروةِ فعليه دَمٌ. وهو قولُ الحسن البصريِّ؛ إلَّا أنّ تلخيصَ مذهبِ أبي حنيفةَ في ذلك: إن

стр. 7736

طاف أربعةَ أشواطٍ وتركَ ثلاثةً، فعليه إطعامُ ثلاثةِ مساكين، لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ من حِنْطةٍ؛ وإن ترَكَ شوطيْن، أطعَمَ مسكينَين كذلك؛ نصفَ صاعٍ لكلِّ واحدٍ منهما؛ وإن ترَكَ شوطًا واحدًا، أطعَمَ مسكينًا واحدًا؛ نصفَ صاع من حِنْطَةٍ، إلّا أن يكونَ طعامُه هذا يبلُغُ دمًا؛ فإن بلغَ دمًا، أطعَمَ من ذلك ما شاءَ فأجزى عنه، وإن ترَكَ السَّعْيَ كلَّه بين الصّفا والمرور في الحجِّ ناسيًا أو في العُمرة، فعليه دمٌ. ورُوِيَ عن طاووسٍ في هذا المسألة أنّه قال: على مَنْ ترَكَ السَّعْيَ بينَ الصَّفا والمروةِ عُمْرةٌ. واختُلف عن عطاءٍ في هذه المسألة على ثلاثة أقوال، أحدُها: أنّه لا شيءَ على مَن ترَكَ السَّعْيَ بين الصفا والمروة. والآخرُ: أنه عليه دمٌ. والثالث: أنه إن شاءَ أطعَمَ مساكين، وإن شاءَ ذبَحَ شاةً فأطعَمَها المساكين. قال أبو عُمر: قد مَضَت هذه المسألةُ مجوَّدةً ممهَّدةً مبسوطةً -بما فيها من الحجَّة لمَن قال بقولنا من جهةِ الأثر، إذْ لا مدخلَ فيها للنَّظَر- في باب جعفرِ بنِ محمدٍ (١) من كتابنا هذا، فكَرهْنا إعادةَ ذلك هاهنا.

стр. 7737

حديثٌ تاسعَ عشَرَ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ذكَر صفيةَ بنتَ حُيٍّ فقيل: إنها قد حاضَتْ. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "لعلَّها حابِسَتُنا"، فقالوا: يا رسولَ اللَّه، إنّها قد طافَتْ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "فلا إذَنْ". هذا حديثٌ لا خلافَ بين فقهاءِ الأمصارِ بالحجازِ والعراقِ والشام في القولِ به، وأنّ المرأةَ إذا حاضَت بعدَ طوافِها بالبيتِ طوافَ الإفاضةِ، أنها تنفِرُ ولا تنتظِرُ طُهْرَها لطوافِ الوداع، وأنّ طوافَ الوداع ساقطٌ عنها، ولا شيءَ في ذلك عليها، ولا يُحبَسُ عليها كَريٌّ ولا غيرُه (٢) اتباعًا لهذا الحديث، وهو أمرٌ مجتمَعٌ عليه عندَهم، وقد ذكَرْنا هذه المسألةَ وما فيها عن السلف، وما يجبُ في المرأة لو كان حيضُها قبلَ طوافِ الإفاضة، وما في ذلك كلِّه ووجوهَه ممهدًا في بابِ عبدِ اللَّه بنِ أبي بكر من هذا الكتاب (٣)، والحمدُ للَّه.

стр. 7738

حديثٌ مُوفي عشرينَ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، أن رجلًا قال لرسول اللَّه ﷺ : إنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نفسُها، وأُراها لو تكلَّمتْ تصدَّقَتْ، أفأتصدَّقُ عنها؟ فقال رسوُل اللَّه ﷺ : "نعم". وهذا الحديثُ أيضًا مجتمَعٌ على القول بمعناه، ولا خلافَ بينَ العلماءِ أنّ صدقةَ الحيِّ عن الميِّت جائزة، مرجُوٌّ نفعُها وقبولُها إذا كانت من طيّب، فإنّ اللَّهَ لا يقبَلُ إلّا الطيِّب، وليس الصدقةُ عندَهم من باب عَمَل البَدنِ في شيء، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يصلِّيَ عن أحد، وجائزٌ له أن يتصدَّقَ عن وليِّه وعن غيرِه، وهذا مما ثَبتتْ به السُّنة، ولم تختلفْ فيه الأمّة. ويقولون: إن الرجلَ المذكورَ في هذا الحديث هو سعدُ بنُ عبادة، وقد مضَى القولُ في قصةِ سعدِ بنِ عُبادة (٢) وصدقتِه عن أمِّه في غيرِ موضع من كتابنا هذا، والحمدُ للَّه. وأما قولُه: افتُلِتَتْ نفسُها، فإنه أراد: اختُلِسَتْ نفسُها وماتتْ فُجاءةً، قال الشاعر: مَنْ يأمَنِ الأيامَ بعدَ صُبَيرةِ القُرشيِّ ماتَا سَبَقَتْ منيَّتُه المَشِيبَ وكان مِيْتَتُه افتِلاتَا (٣)

стр. 7739

وقال خالدُ بنُ يزيد: فإنْ تَفْتَلِتْها فالخلافةُ تَنْفَلِتْ ... بأكْرَمِ عِلْقَيْ مِنْبَرٍ وسَريرِ (١) وقال أبو بكر بنُ شاذان: سألتُ أبا زيدٍ النحْويَّ عن قول عُمر: كانت بيعةُ أبي بكرٍ فَلْتةً، فقال: أراد: فُجاءةً، وأنشد قولَ الشاعر: وكان مِيْتَتُه افتِلاتَا (٢) قال: وتقولُ العربُ -إذا رأتِ الهلالَ بغير قصْدٍ إلى ذلك-: رأيتُ الهلالَ فَلْتةً.

стр. 7740

حديثٌ حادي وعشرونَ (١) لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (٢)، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: جاءَ عمِّي منَ الرَّضاعةِ يستأذِنُ عليَّ، فأبيْتُ أن آذَنَ له عليَّ، حتى أسألَ رسولَ اللَّه ﷺ ، قالت: فجاء رسولُ اللَّه ﷺ فسألتُه عن ذلك، فقال: "إنّه عَمُّكِ فأذَني له"، قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، إنّما أرضَعَتْني المرأةُ ولم يُرْضِعْني الرَّجُلُ، فقال: "إنّه عمُّكِ فلْيَلِجْ عليك". قالت عائشةُ: وذلك بعدَما ضُرِبَ علينا الحجاب. وقالت عائشة (٣): يَحرُمُ منَ الرَّضاعَةِ ما يَحرُمُ منَ الوِلادة. هذا أبينُ حديثٍ في تحريم لبنِ الفحل، ألا تَرى إلى قولِ عائشة: فقلت: يا رسولَ اللَّه، إنّما أرضَعتْني المرأةُ ولم يُرضِعْني الرّجلُ؟ والرّجلُ هو: أبو القُعَيس، والمُستأذِنُ على عائشةَ هو: أخوه أفلَحُ. وكذلك قال مالكٌ في حديثِه، عن ابن شهاب، عن عُروةَ، عن عائشة، أنها أخبَرتْه: أنّ أفلحَ أخا أبي القُعَيس استأذَن عليها -وهو عمُّها من الرَّضاعة- بعدَ أن ضُرِب الحجابُ. وذكَر الحديث على حسَبِ ما مضَى ذكرُه في بابِ ابنِ شهاب (٤).

стр. 7741

فأبو القُعَيْس هو الذي أرضَعتِ امرأتُه عائشةَ فصارَتْ أُمًّا لها من الرَّضاعة وصار هو أباها؛ لأنَّ اللبنَ منه تولَّدَ، وجاء أخوهُ يَستأذِنُ عليها، وهو أخو أبيها من الرَّضاعة، فظنَّتْ عائشةُ أن اللبنَ ليس من الفحْل، فقالت: إنما أرضَعَتْني المرأة. تريد: وليس هذا أخو المرأةِ فيكونَ عمِّي أو خالي، وإنَّما هو أخو زوجِها. فأخبَرها رسولُ اللَّه ﷺ أنّه عمُّها لأنَّ أخاهُ أبوها بإرضاع زوجتِه إيّاها. وهذا بيِّنٌ، وهو مذهبُ ابن عباس (١)، وإليه ذهَب فقهاءُ الأمصارِ بالحجازِ والعراقِ والشام؛ منهم: مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفة، والثوريُّ، والليثُ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، وعليه جماعةُ أهل الحديث (٢). قرأتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سفيان، أنّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن الحكَم، عن عِراكِ بنِ مالك، عن عُروةَ بنِ الزبير، قال: استأذَن أفلَحُ بنُ قُعَيس -أو ابنُ أبي قُعَيس- على عائشة، فقال: إنّي عمُّك، أرضَعَتْكِ امرأةُ أخي. فأبَتْ أن تأذَنَ له، فلمّا جاء النبيُّ ﷺ أخبرَتْه، فقال: "ائذَني له؛ فإنه عمُّكِ" (٣). أخبرنا خلفُ بنُ قاسم، قال: أخبَرنا أبو الطاهر محمدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ نصرِ بنِ بُجَيرِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ صالح بنِ أسامةَ الذُّهْليُّ القاضي، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ

стр. 7742

يعقوبَ القاضي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ كثير، قال: حدَّثنا سفيان، عن هشام بنِ عُروةَ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: دخلَ عليَّ أفلَحُ بنُ أبي القُعَيس. قالت: فاستَتَرتُ منه. فقال: أتَستَتِرينَ منِّي وأنا عمُّك؟ قالت: مِنْ أين؟ قال: أرضَعَتْكِ امرأةُ أخي، قالت: إنَّما أرضَعَتْني المرأةُ ولم يُرضِعْني الرّجُلُ. فدخل عليَّ رسولُ اللَّه ﷺ فحدَّثْتُه، فقال: "إنه عمُّكِ، فلْيَلِجْ عليكِ" (١). وأخبرنا خَلَفٌ (٢)، قال: حدَّثنا أبو الطاهر، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يعقوب، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ كثير، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ابن أبي ليلى، عن الحَكَم بن عُتيبةَ، عن عِراك، عن عُروةَ، عن عائشة، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "تَرِبَت يَداكِ -في هذا الحديث- أوَ ما علِمتِ أنه يَحرُمُ من الرَّضاعةِ ما يَحرُمُ من النسب؟ " (٣). فإلى هذا ذهبَ مَنْ ذكَرْنا من فُقهاءِ الأمصار، وذهبَ جماعةٌ منَ التابعينَ بالمدينةِ وغيرِها إلى أنّ لبنَ الفحْل لا يُحرِّم شيئًا، وقد ذكَرْنا مَن قال بالقولين جميعًا من العلماء، وذكَرْنا الحُجَّةَ لكلِّ فريقٍ منهم، وما نزَعُوا به لمذاهِبهم، وذكَرْنا الوجْهَ المُختارَ عندنا في ذلك، وهو ما وافقَ هذا الحديثَ وشبْهَهُ منَ السُّنَن، وأوضَحْنا ذلكَ كلَّه ومهَّدناهُ، في باب ابنِ شهابٍ عن عُروةَ من هذا الكتاب (٤)، فلم نرَ لتكريرِ ذلك هاهنا وجهًا، وباللَّه التوفيق.

стр. 7743

حديثٌ ثانٍ وعشرونَ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ سُئِلَ عن الرِّقاب: أيُّها أفضَلُ؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أغلاها ثمنًا وأنفَسُها عند أهلِها". هكذا روَى يحيى هذا الحديثَ في "الموطأ"، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة. وكذلك رواه أبو المصعَب (٢)، ومُطرِّفٌ (٣)، وابنُ أبي أُوَيْس، ورَوْحُ بنُ عُبادة. وحدَّث به إسماعيلُ بنُ إسحاق (٤)، عن أبي مُصعَب، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، مرسلًا، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ سُئلَ عن الرِّقاب. وهو عندَنا في "موطأ أبي المصعَب" عن عائشة (٥). ورواه قومٌ عن مالك، عن هشام، عن أبيه مرسلًا، لم يَذكُروا عائشة (٦).

стр. 7744

ورواه أصحابُ هشام بن عُروةَ، غيرَ مالك، عن هشام، عن أبيه، عن أبي مُراوح، عن أبي ذَرٍّ (١). وزعَم قومٌ أنَّ هذا الحديثَ كان أصلُه عندَ مالك: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، فلمّا بلَغه أنَّ غيرَه من أصحاب هشام يُخالفونَه في الإسناد، جعَله: عن هشام، عن أبيه، مرسلًا (٢). هكذا قالت طائفةٌ من أهل العلم بالحديث. فاللَّهُ أعلم. وعند ابنِ وَهْب وحدَه: عن مالك، عن ابنِ شهاب، عن حبيبٍ مولَى عُروة، عن عُروة، أنّه سمِعه يقول: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللَّه، أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: "إيمانٌ باللَّه"، قال: فأيُّ العتاقَةِ أفضلُ؟ قال: "أنفَسُها عندَ أهلِها"، قال: أرأيتَ إن لم أجِدْ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "فتُعينُ الصَّانِعَ، أو تصنَعُ لأخرق" (٣). قال: أفرأيتَ إن لم أستطِعْ؟ قال: "تَدَعُ الناسَ من شرِّكَ، فإنَّها صدقةٌ تصدَّقُ بها عن نفسِك" (٤). هكذا رواه يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، والحارثُ بنُ مسكين، وجماعةُ أصحابِ ابنِ وَهْب، عن ابنِ وَهْب، عن مالك، عن ابنِ شهاب. وتابَعه البَرْمَكيُّ (٥)، عن مَعْن، عن مالك.

стр. 7745

ورواه معمرٌ (١)، عن ابنِ شهاب، عن حَبِيب مولى عُروةَ، عن عُروةَ، عن أبي مُراوح، عن أبي ذرٍّ، مثلَ روايةِ هشام بنِ عُروةَ سواءً، في غير روايةِ مالك. أخبَرنا أحمدُ بنُ عمر (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيْس، قال: حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيم (٣)، قال: حدَّثنا مُطرِّفٌ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ سُئل: أيُّ الرقابِ أفضلُ؟ فقال: "أغلاها ثمنًا، وأنفَسُها عندَ أهلِها" (٤). وأخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بن محمد (٥)، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم والحسنُ بنُ عبد اللَّه، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ عليِّ بنِ الجارود، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ النُّعمان بنِ بشيرٍ المقدسيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُويس، قال: حدَّثني مالكٌ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، عن رسولِ اللَّه ﷺ مثلَه (٦).

стр. 7746

قال ابنُ الجارود: وحدَّثنا مسرورُ بنُ نوح، قال: حدَّثنا ابنُ نُمير (١)، قال: حدَّثنا رَوْحٌ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: سُئلَ رسولُ الله ﷺ . فذكَر مثلَه (٢). قال ابنُ الجارود: وحدَّثنا محمدُ بنُ يحيى (٣)، قال: حدَّثنا مُطرِّفٌ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ سُئلَ عن الرِّقاب: أيُّها أفضلُ؟ فقال: "أغلاها ثمنًا، وأنفَسُها عندَ أهلِها". قال ابنُ الجارود: لا أعلمُ أحدًا قال: "عن عائشة" غيرَ مالك. قال: ورواه الثوريُّ، ويحيى القطّانُ، وابنُ عُيينة (٤)، ووكيعٌ (٥)، وغيرُ واحد، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن أبي مُراوح، عن أبي ذرٍّ. قال أبو عُمر: أمّا حديثُ الثوريِّ، فحدَّثناه عبدُ الوارث بنُ سفيانَ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه (٦)، عن أبي مُراوح،

стр. 7747

عن أبي ذرٍّ، قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ حسِبتُه قال: أيُّ الرقاب أفضلُ؟ أنا أشُكُّ - قال: "أنفَسُها عندَ أهلِها، وأغلاها ثمنًا" (١). وأمّا حديثُ القطان، فحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشّار، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، قال: حدَّثني أبي، أنَّ أبا مُراوح الغفاريَّ أخبَره، أن أبا ذَرٍّ أخبَره، قال: قلت: يا رسولَ الله، أيُّ الأعمالِ أفضلُ - أو: أحبُّ - وأحبُّ إلى الله؟ قال: "إيمان بالله، وجهادٌ في سبيله". قال: فأيُّ الرقاب أفضلُ؟ قال: "أنفسُها عندَ أهلِها، وأغلاها ثمنًا" (٢). وأمّا حديثُ ابنِ عيينة، فحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٣): حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينة، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروةَ، قال: أخبرني أبي، عن أبي مُراوح الغفاريِّ، عن أبي ذرٍّ، قال: قلت: يا رسولَ الله، أيُّ العمل أفضلُ؟ قال: "إيمان بالله، وجهادٌ في سبيلِه". قلت: فأيُّ الرقابِ أفضلُ؟ قال: "أغلاها ثمنًا، وأنفسُها عندَ أهلِها".

стр. 7748

وذكَره البزارُ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بنُ أبانَ القرشيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمد، عن هشام، عن أبيه، عن أبي مُراوح، عن أبي ذرٍّ، عن النبيِّ ﷺ . وهكذا رواه حبيبٌ كاتبُ مالكٍ (٢) وسعيدُ بنُ داودَ الزَّنْبَريُّ (٣)، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن أبي مُراوح، عن أبي ذرٍّ. وليسَ في هذا الحديثِ معنًى يُشْكِلُ، ولا يحتاجُ إلى القولِ فيه، والحمدُ لله، وبه التوفيق.

стр. 7749

حديثٌ ثالثٌ وعشرونَ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: جاءَت بَريرةُ فقالت: إنِّي كاتَبتُ أهلي على تسع أوَاقيَّ، في كلِّ عام أُوقيّةٌ، فأعينيني. فقالت عائشة: إنّ أحَبَّ أهلُكِ أن أعُدَّها لهم وبكونَ ولاؤُكِ لي، فعَلتُ. فذهبتْ بَريرةُ إلى أهلِها، فقالت لهم ذلك، فأبوْا عليها، فجاءت من عندِ أهلِها ورسولُ الله ﷺ جالسٌ، فقالت لعائشة: إنِّي قد عرَضْتُ عليهم ذلك فأبَوا إلّا أن يكونَ الولاءُ لهم. فسمِع ذلك رسولُ الله ﷺ ، فسألها، فأخبَرتْه عائشةُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "خُذيها واشتَرطي لهُم الولاءَ، فإنَّما الولاءُ لمَن أعتَقَ"، ففعلتْ عائشةُ. ثم قامَ رسولُ الله ﷺ في الناس، فحمِد اللهَ وأثنَى عليه، ثم قال: "أمّا بعدُ، فما بالُ رجال يَشترِطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرطٍ ليس في كتابِ الله فهو باطلٌ وإن كان مئةَ شرْط، قضاءُ الله أحَقُّ، وشرطُ الله أوثَقُ، وإنّما الولاءُ لمَن أعتَقَ". قال أبو عُمر: الكلامُ في حديثِ بَريرَةَ قد سبق كثيرٌ من الناس إليه، وأكثَروا فيه من الاستنباط، فمنهم مَن جوَّد، ومنهم مَن خلَّط وأتى بما ليس له معنًى، كقول بعضهم: فيه إباحةُ البكاءِ في المحبّة؛ لبكاءِ زوجِ بَريرَة (٢). وفيه: قبولُ الهديّة بعدَ الغضَب. وفيه: إباحةُ أكل المرأةِ ما تحبُّ دونَ بعلِها. وفيه إباحةُ سؤالِ الرجُل عما يَراه في بيته من طعام، إلى كثيرٍ من مثلِ هذا القول الذي لا معنَى له في الفقهِ والعلم عندَ أحدٍ من العلماء.

стр. 7750

ونحن - بحمدِ الله وعونِه - نذكُرُ هاهنا ما في حديثها من الأحكام التي تُوجبُه ألفاظُه، ونُبيِّنُ ما رُويَ مما يُعارِضُه ويُوافقُه، ويوضِّحُ القولَ فيه بمبلَغ علمِنا، على مذاهبِ أهلِ العلم، مختصَرًا كافيًا، إلى ما قَدَّمْنا من القولِ في كثيرٍ من أحكام حديثِ بَريرَةَ في بابِ ربيعة (١). وبالله عونُنا، لا شريكَ له. في هذا الحديث من الفقه: استعمالُ عُموم الخطابِ في قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣]، لأنه دخل في ذلك الأمَةُ ذاتُ الزوج وغيرُها؛ لأنَّ بَريرَةَ كانت ذاتَ زوج خُيِّرَتْ تحتَه إذ أُعتِقَتْ. وفيه: جوازُ كتابةِ الأمَةِ دونَ زوجِها، وفي ذلك دليلٌ على أنَّ زوجَها ليس له منعُها من السَّعْي في كتابتِها. ولو استدلَّ مُستدِلٌّ من هذا العنى بأنَّ الزوجةَ ليس عليها خدمةُ زوجِها، كان حسنًا. وفيه: دليلٌ على أنَّ العبدَ زوجَ الأمَةِ ليس له منعُها من الكتابَةِ التي تؤولُ إلى عتقِها وفراقِها له، كما أن لسيِّدِ الأمَةِ عِتْقَ أمَتِه تحتَ العبد، وإن أدَّى ذلك إلى إبطالِ نكاحِه، وكذلك له أن يبيعَ أمَتَه من زوجِها الحُرِّ، وإن كان في ذلك بُطلانُ نكاحِه. وفيه: دليلٌ على جوازِ نكاحِ العبدِ الحرة، لأنها إذا خُيِّرَتْ فاختارَتْه بَقيَتْ معه وهي حرةٌ وهو عبدٌ. وفيه: أن المُكاتَبَ جائزٌ له السؤالُ والسعْيُ في كتابتِه والتكسُّبُ بذلك، وجائزٌ لسيِّدِه أن يُكاتبَه وهو لا شيءَ معه، ألا تَرى أنَّ بَريرَةَ جاءت عائشةَ تُخبرُها بأنّها كاتبَت أهلَها وسألَتها أن تُعينَها، وذلك كان في أولِّ كتابتِها قبلَ أن تُؤدِّيَ منها شيئًا. كذلك ذكَر ابنُ شهاب، عن عُروةَ في هذا الحديث. روى ابنُ وَهْب، عن يونسَ والليث، عن ابنِ شهاب، عن عُروةَ، عن عائشة،

стр. 7751

قالت: جاءَتْ بَريرةُ إليَّ فقالت: يا عائشةُ، إنِّي كاتَبتُ أهلي على تسع أواقيَّ، في كلِّ عام أُوقيّة، فأعينيني. ولم تكنْ قضَت من كتابتِها شيئًا، فقالت لها عائشة: ارجِعي إلى أهلِك، فإنْ أحَبُّوا أن أُعطِيَهم ذلك جميعًا، ويكونَ ولاؤُكِ لي، فعلتُ. فذهَبتْ بَريرَةُ إلى أهلِها، فعرَضَت ذلك عليهم، فاسبوا، وقالوا: إن شاءَت أن تَحتسبَ عليكِ فلتفعَلْ، ويكونَ ولاؤُك لنا. فذكَرَتْ ذلك لرسولِ الله ﷺ ، فقال: "لا يمنَعُكِ ذلك منها، ابتاعي وأعتِقي، فإنّما الولاءُ لمَن أعتَقَ". ففعَلتُ، وقام رسولُ الله ﷺ في الناس، فحمِدَ الله، ثم قال: "أما بعد، فما بالُ رجالٍ يَشترطونَ شروطًا ليست في كتاب الله؟ من اشتَرط شرطًا ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مئةَ شرْط؛ قضاءُ الله أحَقُّ، وشَرطُ الله أوثَقُ، وإنّما الولاءُ لمَن أعْتقَ" (١). ففي حديثِ ابنِ شهاب هذا عن عُروة، أن بَريرَةَ لم تكنْ قضَتْ من كتابتِها شيئًا حتى جاءَتْ تستعينُ عائشة. وفي هذا دليلٌ على إجازةِ كتابةِ الأمَةِ وهي غيرُ ذاتِ صَنْعَة ولا حِرْفَة ولا مال، إذ ظاهِرُ هذا الخبرِ أنها ابتدَأتْ بالسؤال من حينَ كُوتِبَتْ، ولم يقل النبيُّ ﷺ حينَ سمِع أنها كوتِبَتْ: هل لها كَسبٌ يُعلَمُ أو: عَمَلٌ واجبٌ أو: مالٌ؟ ولو كان هذا واجبًا لسألَ عنه ليقعَ حُكمُه عليه؛ لأنه بُعِثَ مُبيِّنًا ومُعلِّمًا، ﷺ . وهذا يُبيِّنُ ما رواه ابنُ وَهْب (٢)، عن مسلم بن خالد، عن العلاءِ بنِ

стр. 7752

عبدِ الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن كَسْبِ الأمَة، إلّا أنْ يكونَ لها عملٌ واجبٌ، أو كَسْبٌ يُعرَفُ وجهُه. وقد روَى شُعبةُ، عن محمد بن جُحادة، عن أبي حازم، عن أبي هريرةَ، قال: نَهى رسولُ الله ﷺ عن كَسْب الإماء (١). وهذا وما كان مثلَه يكونُ خوفًا عليهنَّ أن يكتسبنَ بفروجِهنَّ. وروَى أحمدُ بنُ حنبل (٢)، عن هاشم بن القاسم، عن عكرمةَ بنِ عمار، عن طارقِ بنِ عبد الرحمن القُرشيِّ، قال: جاء رفاعةُ بنُ رافع إلى مجلسِ الأنصار فقال:
следующие страницы →