← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7748–7787 · переход к 7753.

стр. 7748

وذكَره البزارُ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بنُ أبانَ القرشيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمد، عن هشام، عن أبيه، عن أبي مُراوح، عن أبي ذرٍّ، عن النبيِّ ﷺ . وهكذا رواه حبيبٌ كاتبُ مالكٍ (٢) وسعيدُ بنُ داودَ الزَّنْبَريُّ (٣)، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن أبي مُراوح، عن أبي ذرٍّ. وليسَ في هذا الحديثِ معنًى يُشْكِلُ، ولا يحتاجُ إلى القولِ فيه، والحمدُ لله، وبه التوفيق.

стр. 7749

حديثٌ ثالثٌ وعشرونَ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: جاءَت بَريرةُ فقالت: إنِّي كاتَبتُ أهلي على تسع أوَاقيَّ، في كلِّ عام أُوقيّةٌ، فأعينيني. فقالت عائشة: إنّ أحَبَّ أهلُكِ أن أعُدَّها لهم وبكونَ ولاؤُكِ لي، فعَلتُ. فذهبتْ بَريرةُ إلى أهلِها، فقالت لهم ذلك، فأبوْا عليها، فجاءت من عندِ أهلِها ورسولُ الله ﷺ جالسٌ، فقالت لعائشة: إنِّي قد عرَضْتُ عليهم ذلك فأبَوا إلّا أن يكونَ الولاءُ لهم. فسمِع ذلك رسولُ الله ﷺ ، فسألها، فأخبَرتْه عائشةُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "خُذيها واشتَرطي لهُم الولاءَ، فإنَّما الولاءُ لمَن أعتَقَ"، ففعلتْ عائشةُ. ثم قامَ رسولُ الله ﷺ في الناس، فحمِد اللهَ وأثنَى عليه، ثم قال: "أمّا بعدُ، فما بالُ رجال يَشترِطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرطٍ ليس في كتابِ الله فهو باطلٌ وإن كان مئةَ شرْط، قضاءُ الله أحَقُّ، وشرطُ الله أوثَقُ، وإنّما الولاءُ لمَن أعتَقَ". قال أبو عُمر: الكلامُ في حديثِ بَريرَةَ قد سبق كثيرٌ من الناس إليه، وأكثَروا فيه من الاستنباط، فمنهم مَن جوَّد، ومنهم مَن خلَّط وأتى بما ليس له معنًى، كقول بعضهم: فيه إباحةُ البكاءِ في المحبّة؛ لبكاءِ زوجِ بَريرَة (٢). وفيه: قبولُ الهديّة بعدَ الغضَب. وفيه: إباحةُ أكل المرأةِ ما تحبُّ دونَ بعلِها. وفيه إباحةُ سؤالِ الرجُل عما يَراه في بيته من طعام، إلى كثيرٍ من مثلِ هذا القول الذي لا معنَى له في الفقهِ والعلم عندَ أحدٍ من العلماء.

стр. 7750

ونحن - بحمدِ الله وعونِه - نذكُرُ هاهنا ما في حديثها من الأحكام التي تُوجبُه ألفاظُه، ونُبيِّنُ ما رُويَ مما يُعارِضُه ويُوافقُه، ويوضِّحُ القولَ فيه بمبلَغ علمِنا، على مذاهبِ أهلِ العلم، مختصَرًا كافيًا، إلى ما قَدَّمْنا من القولِ في كثيرٍ من أحكام حديثِ بَريرَةَ في بابِ ربيعة (١). وبالله عونُنا، لا شريكَ له. في هذا الحديث من الفقه: استعمالُ عُموم الخطابِ في قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣]، لأنه دخل في ذلك الأمَةُ ذاتُ الزوج وغيرُها؛ لأنَّ بَريرَةَ كانت ذاتَ زوج خُيِّرَتْ تحتَه إذ أُعتِقَتْ. وفيه: جوازُ كتابةِ الأمَةِ دونَ زوجِها، وفي ذلك دليلٌ على أنَّ زوجَها ليس له منعُها من السَّعْي في كتابتِها. ولو استدلَّ مُستدِلٌّ من هذا العنى بأنَّ الزوجةَ ليس عليها خدمةُ زوجِها، كان حسنًا. وفيه: دليلٌ على أنَّ العبدَ زوجَ الأمَةِ ليس له منعُها من الكتابَةِ التي تؤولُ إلى عتقِها وفراقِها له، كما أن لسيِّدِ الأمَةِ عِتْقَ أمَتِه تحتَ العبد، وإن أدَّى ذلك إلى إبطالِ نكاحِه، وكذلك له أن يبيعَ أمَتَه من زوجِها الحُرِّ، وإن كان في ذلك بُطلانُ نكاحِه. وفيه: دليلٌ على جوازِ نكاحِ العبدِ الحرة، لأنها إذا خُيِّرَتْ فاختارَتْه بَقيَتْ معه وهي حرةٌ وهو عبدٌ. وفيه: أن المُكاتَبَ جائزٌ له السؤالُ والسعْيُ في كتابتِه والتكسُّبُ بذلك، وجائزٌ لسيِّدِه أن يُكاتبَه وهو لا شيءَ معه، ألا تَرى أنَّ بَريرَةَ جاءت عائشةَ تُخبرُها بأنّها كاتبَت أهلَها وسألَتها أن تُعينَها، وذلك كان في أولِّ كتابتِها قبلَ أن تُؤدِّيَ منها شيئًا. كذلك ذكَر ابنُ شهاب، عن عُروةَ في هذا الحديث. روى ابنُ وَهْب، عن يونسَ والليث، عن ابنِ شهاب، عن عُروةَ، عن عائشة،

стр. 7751

قالت: جاءَتْ بَريرةُ إليَّ فقالت: يا عائشةُ، إنِّي كاتَبتُ أهلي على تسع أواقيَّ، في كلِّ عام أُوقيّة، فأعينيني. ولم تكنْ قضَت من كتابتِها شيئًا، فقالت لها عائشة: ارجِعي إلى أهلِك، فإنْ أحَبُّوا أن أُعطِيَهم ذلك جميعًا، ويكونَ ولاؤُكِ لي، فعلتُ. فذهَبتْ بَريرَةُ إلى أهلِها، فعرَضَت ذلك عليهم، فاسبوا، وقالوا: إن شاءَت أن تَحتسبَ عليكِ فلتفعَلْ، ويكونَ ولاؤُك لنا. فذكَرَتْ ذلك لرسولِ الله ﷺ ، فقال: "لا يمنَعُكِ ذلك منها، ابتاعي وأعتِقي، فإنّما الولاءُ لمَن أعتَقَ". ففعَلتُ، وقام رسولُ الله ﷺ في الناس، فحمِدَ الله، ثم قال: "أما بعد، فما بالُ رجالٍ يَشترطونَ شروطًا ليست في كتاب الله؟ من اشتَرط شرطًا ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مئةَ شرْط؛ قضاءُ الله أحَقُّ، وشَرطُ الله أوثَقُ، وإنّما الولاءُ لمَن أعْتقَ" (١). ففي حديثِ ابنِ شهاب هذا عن عُروة، أن بَريرَةَ لم تكنْ قضَتْ من كتابتِها شيئًا حتى جاءَتْ تستعينُ عائشة. وفي هذا دليلٌ على إجازةِ كتابةِ الأمَةِ وهي غيرُ ذاتِ صَنْعَة ولا حِرْفَة ولا مال، إذ ظاهِرُ هذا الخبرِ أنها ابتدَأتْ بالسؤال من حينَ كُوتِبَتْ، ولم يقل النبيُّ ﷺ حينَ سمِع أنها كوتِبَتْ: هل لها كَسبٌ يُعلَمُ أو: عَمَلٌ واجبٌ أو: مالٌ؟ ولو كان هذا واجبًا لسألَ عنه ليقعَ حُكمُه عليه؛ لأنه بُعِثَ مُبيِّنًا ومُعلِّمًا، ﷺ . وهذا يُبيِّنُ ما رواه ابنُ وَهْب (٢)، عن مسلم بن خالد، عن العلاءِ بنِ

стр. 7752

عبدِ الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن كَسْبِ الأمَة، إلّا أنْ يكونَ لها عملٌ واجبٌ، أو كَسْبٌ يُعرَفُ وجهُه. وقد روَى شُعبةُ، عن محمد بن جُحادة، عن أبي حازم، عن أبي هريرةَ، قال: نَهى رسولُ الله ﷺ عن كَسْب الإماء (١). وهذا وما كان مثلَه يكونُ خوفًا عليهنَّ أن يكتسبنَ بفروجِهنَّ. وروَى أحمدُ بنُ حنبل (٢)، عن هاشم بن القاسم، عن عكرمةَ بنِ عمار، عن طارقِ بنِ عبد الرحمن القُرشيِّ، قال: جاء رفاعةُ بنُ رافع إلى مجلسِ الأنصار فقال:

стр. 7753

نهانا رسولُ الله ﷺ عن كَسْبِ الأمَة إلا ما عمِلتْ بيدِها. وقال هكذا بأصابعِه؛ نحوَ الخبزِ والغَزْل والنَّفْش (١). وهذا نحوُ ما جاء عن عثمانَ ﵁ من النهي عن ذلك؛ لئلا يَكْسِبْنَ بفروجِهنَّ (٢)، على ما كُنَّ يصنَعنَ بإذن مواليهنَّ وبغيرِ إذنهم في الجاهليةِ من البغاء. وأمّا المُكاتبة، فليسَت من ذلك في شيء، لأنها قد أُبيح لها السؤال، لانفرادِها بكسبِها دونَ مَواليها. ونُدِب الناسُ إلى عونِ المُكاتَبين؛ لما في ذلك من فكِّ الرِّقاب من الرِّقِّ، وسنُبيِّنُ هذا ونوضحُه إن شاء الله. وفي هذا رَدٌّ على مَن قال: لا تجوزُ كتابةُ المكاتَب حتى يكونَ له مالٌ. واحتجَّ بقول الله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]. رُوِيَ عن جماعة؛ منهم: ابنُ عباس وعطاءٌ، في قول الله : ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قال: المال (٣). وعن عَمْرو بن دينار: المالُ والصلاح (٤). وقال مجاهد: الغِنَى والأداء (٥).

стр. 7754

وكان ابنُ عمرَ يكرَهُ أن يُكاتِبَ عبدَه إذا لم تكن له حِرفة (١). وقال إبراهيمُ النَّخَعيُّ في قوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قال: صدقًا ووفاءً (٢). وقال عكرمةُ: قوةً. وقال الثوريُّ: دينًا وأمانة. وقال الشافعيُّ (٣): إذا جمع القوةَ على الاكتساب والأمانة. قال الشافعيُّ (٤): وليس الخيرُ هاهنا المالَ في الظاهر؛ لمعنيَين، أحدُهما: أنَّ المالَ يكونُ عندَه لا فيه، والثاني: أنَّ المالَ الذي في يدِهِ لسيِّدِه، فكيف يُكاتِبُه بمالِه؟ ولكن يكونُ فيه الاكتسابُ الذي يفيدُه المال. قال: وسواءٌ ذو الصَّنعةِ وغيرِها من عبدٍ أو أمَة. ذكَر ذلك كلَّه المُزَنيُّ عن الشافعيِّ في "المختصر الكبير". وذكَر الربيعُ، عن الشافعيِّ، قال (٥): قد يكونُ المكاتَبُ قويًّا على الأداءِ بما فرَض اللهُ له في الصدَقات، فإنَّ الله فرَض فيها للرِّقاب، وهم عندنا المُكاتَبون. قال (٦): ولهذا لم أكرَهْ كتابةَ الأمةِ غيرِ ذاتِ الصَّنعَة، مع رغبةِ الناس في الصدقةِ على المُكاتَبين تطوعًا. قال: ولا تُشبِهُ الكتابةُ أن تكلَّفَ الأمَةُ الكسبَ؛ لأنها لا حقَّ لها حينئذٍ في الصدقات، ولا رغبةَ للناس في الصدقةِ عليها كرغبتِهم في الصدقةِ على المُكاتَبة. وذكَر سعيدُ بنُ منصور، عن هُشَيْم (٧)، عن يونُسَ بنِ عُبيد، قال: كنّا جلوسًا عندَ الحسن وعندَه أخوه سعيدُ بنُ أبي الحسن، فتذاكَرْنا هذه الآية: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ

стр. 7755

إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. فقال سعيد: إن كان عندَه مالٌ فكاتِبْه، وإن لم يكنْ عندَه مال، فلا تُعَلِّقْه صحيفة يغدُو بها على الناس ويروح، فيسألُهم فيحرِجُهم فيُؤثِمُهم. فقال الحسن: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾: صدقًا وأمانة، مَن أعطاه كان مأجورًا، ومن سُئِل فرَدَّ خيرًا كان مأجورًا (١). قال أبو عُمر: قد رخَّص مالكٌ، وأبو حنيفة، والشافعيُّ، في مكاتبةِ مَن لا حِرفةَ له، وإن كان قد اختَلف قولُ مالكٍ في ذلك (٢). وكرِه الأوزاعيُّ وأحمدُ وإسحاق مكاتبةَ مَن لا حرفةَ له (٣)، ورُوِيَ نحوُ ذلك عن عمر، وابنِ عمر، ومسروق (٤). والحجَّةُ في السُّنةِ لا فيما خالفَها. وفي حديث بَريرَةَ هذا دلالةٌ على أنَّ قولَ الله : ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. أنَّه الكسبُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يَسألْ بَريرَة: أمعكِ مالٌ أم لا؟ ولم يَنهَها عن السؤال، وقد يكونُ الكسبُ بالمسألة، وقد قيل: المسألةُ آخِرُ كسبِ المؤمن (٥). وقد كُوتبَت بَريرَةُ ولم يُعلَمْ لها كسبٌ واجب، واللهُ أعلم، ولم ينكِرْه النبيُّ ﷺ .

стр. 7756

وفي هذا الحديث دليلٌ على إجارر أخذِ السيدِ نجومَ المكاتَبِ (١) من مسألةِ الناس؛ لتركِ النبيِّ ﷺ زجرَها عن مسألةِ عائشة، إذ كانت تستعينُها في أداءِ نَجْمِها، وهذا يردُّ قولَ مَن كَرِه كتابةَ المكاتَبِ الذي يسألُ الناس، وقال: تُطعِمُني أوساخَ الناس! وليس كما قال، ولا كما ظنَّ؛ لأنَّ ما طاب لبَريرَةَ أخذُه، كان لسيدِها قبضُه منها في الكتابة؛ لأنه داخلٌ عليه من غيرِ الجهةِ التي دخَل عليها. وقد بيَّنا هذا المعنى في باب ربيعةَ (٢) عندَ ذكرِ اللحم الذي تُصُدِّقَ به على بَريرة، فقال رسولُ الله ﷺ : "هو عليها صدقةٌ، ولنا هديةٌ". وكيف لا يبدُرُ الناسُ إلى إعطاءِ المكاتَب، ويَطيبُ له ما أُعطيَ، فيصيرُ مالَه ويُؤدِّيه عن نفسِه، والنبيُّ ﷺ قد حَضَّ على إعطائِه، وندَب إلى ذلك. روَى سهلُ بنُ حنيف وغيرُه، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "مَن أعان غازيًا في سبيل الله، أو غارمًا في عُسرتِه، أو مُكاتبًا في رقبتِه، أظلَّه اللهُ في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه" (٣).

стр. 7757

وقد روَى عبدُ الرحمن بنُ عَوسَجة، عن البراءِ بنِ عازب، قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، علِّمْني عملًا يُدخلُني الجنة. قال: "لئن كنتَ أقصَرتَ في الخطبة، لقد أعرضْتَ في المسألة، أعتِقِ النَّسَمة، وفُكَّ الرقبة". قال: أو ليسا واحدًا؟ قال: "لا، عِتقُ النَّسمةِ أن تُفرِدَ عتقَها، وفَكُّ الرقبةِ أن تُعينَ في ثمنِها". وذكَر تمامَ الحديث (١). ولو كان غيرَ جائزٌ للسيدِ أن يأخُذَ من مُكاتَبِه ما تُصُدِّقَ به عليه، لكان محظورًا أيضًا على كلِّ غنيٍّ أن يأخُذَ من الفقيرِ ما تُصُدِّق به عليه، ولو كان ذلك كذلك ما انتفَع الفقيرُ بشيء يأخُذُه من المال، ولضاق عليه التصرُّفُ فيه والانتفاعُ به، وهذا ما لا يخفَى فسادُه على أحد، وحسبُك برسولِ الله ﷺ ؛ كان قد حرَّم الله عليه الصَّدَقة، ولم يمتَنعْ لذلك من قبولِ هديةِ بَريرةَ مما تُصدِّق به عليها.

стр. 7758

حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام بن ثعلبة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشّار بُندار، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر غُنْدَرٌ، قال: حدَّثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبيِّ ﷺ ، أنه أُتيَ بلَحْم قالوا: إنه تُصدِّقَ به على بَرِيرَة، فقال: "هو لها صدقةٌ، ولنا هديّةٌ" (١). واختلَف العلماءُ في الكتابة: هل تجبُ فرضًا على السيدِ إذا ابتَغاها العبدُ وعَلِم فيه خيرًا؟ فقال عطاءٌ وعَمْرُو بنُ دينار: ما نَرى ذلك إلا واجبًا (٢). وهو قولُ الضحاك بن مزاحم، قال: هي عَزْمة (٣). وإلى هذا ذهَب داودُ، واحتجَّ بظاهرِ القرآنِ في الأمرِ بالكتابةَ، واحتجَّ أيضًا بأن سيرينَ أبا محمدِ بنِ سيرينَ سأل أنسَ بنَ مالك، وهو مولاه، الكتابة، فأبى أنسٌ، فرفَع عليه عمرُ الدِّرَّة، وتلا: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، فكاتبَه أنسٌ (٤). وقال داود: ما كان عمرُ ليرفعَ الدِّرَّة على أنس فيما له مباحٌ ألا يفعلَه. وحُجةُ قائلي هذه المقالةِ ظاهرُ قولِ الله : ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. وهذا أمر، وحقيقتُه الوجوب، إذا لم يُتَّفقْ على أنه أُريدَ به الندب. وقال مالكٌ: والثوريُّ، وأبو حنيفة، والشافعيُّ، والأوزاعيُّ، وأصحابُهم: ليستِ الكتابةُ بواجبة، ومَن شاءَ كاتَبَ، ومَن شاءَ لم يُكاتِبْ. وهو قولُ الشعبيِّ، والحسن البصريِّ، وجماعة (٥).

стр. 7759

ومن حُجتِهم: أنه لما لم يكنْ عليه واجبٌ أن يبيعَه ولا يهبَه، بإجماع، وفي الكتابةِ إخراجُ ملكِه عن يدِه بغيرِ تراضٍ ولا طيبِ نفس منه، كانت الكتابةُ أحرَى ألا تجبَ عليه، وكان ذلك دليلًا على أنَّ الآيةَ على الندب لا على الإيجاب. ويحتملُ أن يكونَ فعلُ عمرَ لأنسَ على الاختيارِ والاستحسان، لا على الوجوب. وقال إسحاقُ بنُ راهُويةَ (١): لا يسعُ السيدَ إلّا أن يُكاتبَه إذا اجتمع فيه الأمانةُ والخير، من غيرِ أنْ يُجبرَه الحاكمُ عليه، وأخشَى أن يأثمَ إن لم يفعل. وأمّا قولهُا: "إنِّي كاتبتُ أهلي على تسع أواقيَّ، في كلِّ عام أوقيّة". ففيه دليلٌ على أنَّ الكتابةَ تكونُ بقليل المال وكثيره، وتكونُ على أنجُم. وهذا ما لا خلافَ فيه بينَ العلماء، كلُّهم يقولُ - فيما علمتُ -: إنَّ الكتابةَ حكمُها أن تكونَ على أنجُم معلومة. قال الشافعيُّ: أقلُّها ثلاثة (٢). واختلَفوا في الكتابة إذا وقعَت على نَجْم واحد، أو وَقَعت حالّةً، فأكثرُ أهل العلم يُجيزونَها على نجم واحد. وقال الشافعيُّ (٣): لا تجوزُ على نجم واحد، ولا تجوزُ حالّةً البتة. قال أبو عُمر: ليست كتابةً إذا كانت حالّةً، وإنّما هو عتقٌ على صفة، كأنّه قال: إذا أدَّيتَ إليَّ كذا وكذا فأنتَ حرّ. وقد احتجَّ بهذا الحديث - أعني: بقوله فيه: "في كلِّ عام أُوقيّةٌ" - مَن أجاز النجومَ في الدُّيونِ كلِّها على مثل هذا، في كلِّ شهرٍ كذا، وفي كلِّ عام كذا، ولا يقول: في أولِ الشهرِ أو وسَطِه أو آخرِه. وأبَى من ذلك آخرونَ حتى يُسمّيَ الوقتَ من الشهرِ والعام، ويكونَ محدودًا معروفًا.

стр. 7760

والحجةُ في هذا الحديث لمن نزَع به صحيحة، لأنَّ رسولَ الله ﷺ لم يقلْ لها: إنها كتابةٌ فاسدةٌ، إذ لم يعرِفْ متى يأخذُ النجمَ أو الأُوقيّةَ من العام. وحسبُهم في ذلك أنّ العامَ إذا انقَضى أو انسَلخ الشهر، وجَب النجمُ، ومَن أدّاه قبل ذلك قُبِل منه. وليست الكتابةُ كالبُيوع في كلِّ شيءٍ عندَ العلماء، لأنَّ العبدَ مع سيدِه أكثرُهم لا يرَى بينَهما ربًا، ألا ترى أنَّ المكاتبَ لو عجَز حلَّ لسيدِه ما أخَذ منه، وليس ذلك كبيع العُربان. وللكلام في هذه المسألةِ موضعٌ غيرُ هذا. وأما قولُه: "تسعُ أواقيَّ" فالأُوقيّةُ مؤنثة في اللفظ، مقدارُها أربعون درهمًا كيلًا، لا اختلافَ في ذلك، والدِّرهمُ: الكيلُ درهمٌ وخُمسان بدراهمِنا على ما قَد مضَى ذكرُه في باب عَمْرو بن يحيى (١). وتُجمَعُ الأوقيّةُ أواقيَّ بالتشديد، كذلك قال أبو زيدٍ الأنصاريُّ وغيرُه من أهل اللغة، قال أبو زيد: وقد يُتجاوَزُ في الجمع فيقال: أواقٍ. وقال أبو حاتم: يقال: أوقيّةٌ وأواقيُّ، وبُخْتِيّةٌ وبَخاتيُّ (٢)، وأُمنيّةٌ وأمانيُّ، وسُرِّيّةٌ وسراريُّ. قال: وبعضهم يقول: بُخاتٍ، وأمانٍ، وسَرارٍ، وأواقٍ (٣). وأما قولُ عائشة: "إنْ أحبَّ أهلُكِ أن أعُدَّها لهم عدَدْتُها لهم" ففيه دليلٌ على أنَّ العدَّ في الدراهم الصِّحاح تقومُ مقامَ الوزن، وأنَّ الشراءَ بها جائزٌ من غير ذكرِ الوزن، لأنها لم تقل: أزِنُها لهم. ولم يقل النبيُّ ﷺ : عددُ الأواقيِّ غيرُ جائز. ولو كان غيرَ جائزٍ لقال لهم: إنَّ العدَّ في مثل هذا لا يجوزُ. وفي هذا الحديث أيضًا: دليلٌ على أنَّ التبايُعَ كان بينَ الناس في ذلك الزمان بالأواقيِّ، وبالنَّواة، وبالنَّشِّ، وهي أوزانٌ معروفةٌ، فالأُوقيّةُ: أربعونَ درهمًا،

стр. 7761

والنَّشُّ: نصفُها، والنَّواةُ: زِنَةُ خمسةِ دراهم. فقد ذكَرنا ذلك كلَّه في باب حميدٍ (١) من هذا الكتاب. ذكَر الواقديُّ قال: وفيها - يعني: سنةَ ستٍّ وسبعين - أمرَ عبدُ الملك بنُ مروانَ أن تُنقَشَ الدنانيرُ والدراهم. حدَّثني بذلك سعدُ بنُ راشد، عن صالح بن كَيْسان (٢). قال: وحدَّثني ابنُ أبي الزِّناد (٣)، عن أبيه: أنَّ عبدَ الملك بنَ مروانَ ضرَب الدنانيرَ والدراهم، وهو أولُ مَن أحدَث ضربَها في الإسلام (٤). قال: وحدَّثني عبدُ الرحمن بنُ حزم الليثيُّ، عن هلال بن أُميّة، قال: سألتُ ابنَ المسيِّب: في كم تجبُ الزكاةُ من الدنانير؟ قال: في كلِّ عشرينَ مثقالًا بالشاميِّ نصفُ مثقال. قلت: ما بالُ الشاميِّ من البصريِّ؟ قال: هو الذي يُضرَبُ عليه الدَّنانير، وكان ذلكَ وزنَ الدَّنانير قبلَ أن تُضرَبَ، كانت اثنين وعشرينَ قيراطًا إلّا حبةً، وكانت العشَرةُ وزنَ سبعة (٥). وقال غيرُ الواقدي: كانت الدنانيرُ في الجاهليّة وأوّل الإسلام بالشام وعندَ عربِ الحجاز كلُّها روميّةً، تُضْربُ ببلادِ الروم، عليها صورةُ الملكِ واسمُ الذي ضُرِبت في أيامِه مكتوبٌ بالروميّة، ووزنُ كلِّ دينار منها مثقالٌ كمثقالِنا هذا، وهو وزنُ درهم ودانِقيْن (٦) ونصفٍ وخمسةِ أسباع حبّة، وكانت الدراهمُ بالعراق

стр. 7762

وأرضِ المشرقِ كلُّها كسرويّةً، عليها صورةُ كسرى، واسمُه فيها مكتوبٌ بالفارسيّة، ووزنُ كلِّ درهم منها مثقالٌ، فكتب ملِكُ الروم، واسمُه: لاوي بنُ فلقط، إلى عبدِ الملك، أنّه قد أعدَّ له سِككًا ليوجِّهَ بها إليه فيَضربَ عليها الدنانير، فقال عبدُ الملك لرسوله: لا حاجةَ لنا فيها، قد عمِلنا سِككًا نقَشنا عليها توحيدَ الله واسمَ رسولِه ﷺ . وكان عبدُ الملك قد جعَل للدنانير مثاقيلَ من زجاج لئلّا تُغيَّرَ أو تُحوَّلَ إلى زيادةٍ أو نقصان، وكانت قبلَ ذلك من حجارة، وأمَر فنوديَ ألّا يَتبايعَ أحدٌ بعدَ ثلاثة أيام من ندائِه بدينارٍ روميٍّ، فكثُرت الدنانيرُ العربيّةُ، وبطَلتِ الروميّة. وذكَر أبو عبيدٍ في كتاب "الأموال" (١)، وذكَر ذلك جماعةٌ من أهلِ العلم بالسِّيرِ والخبر، أنَّ الدراهمَ كانت غيرَ معلومةٍ إلى أيام عبدِ الملكِ بنِ مروانَ، فجمَعها وجعَل كلَّ عشَرةٍ من الدراهم وزنَ سبعةِ مثاقيل. قال: وكانتِ الدراهمُ يومئذ، درهمٌ من ثمانيةِ دَوانقَ زيْف، ودرهمٌ من أربعةِ دَوانِقَ جيِّد. قال: فاجتمَع رأيُ علماءِ ذلك الوقتِ لعبدِ الملك على أنْ جمَعوا الأربعةَ الدَّوانقِ إلى الثمانية، فصارَتِ اثنيْ عشَرَ دانقًا، فجعَلوا الدرهمَ ستةَ دوانِقَ، وسمَّوه كيلًا، فاجتمَع لهم في ذلك أنَّ في كل مئتَي درهم زكاةً، وأنَّ أربعين درهمًا أوقيّة، وأنَّ في الخمس الأواق التي قال رسولُ الله ﷺ : "ليس فيما دونَها صدقةٌ" (٢) مئتَي درهم لا زيادة، وهي نصابُ الصدقة. وأما قولهُا: "إنْ أحبَّ أهلُكِ أن أعُدَّها لهم ويكونَ ولاؤُك لي فعلتُ"، وفي حديث ابنِ شهاب، عن عُروة: إن أحبُّوا أن أُعطِيَهم لكِ جميعًا ويكونَ ولاؤُكِ

стр. 7763

لي فعلتُ (١). فظاهرُ هذا الخطابِ أنّها أرادَتْ أن تشتريَ منهم الولاءَ بعدَ عقدِ الكتابة، وأن تؤدِّيَ في ذلك جميعَ الكتابة، فأبى القومُ من ذلك، وطلَبوا أن يكونَ الولاءُ لهم عندَ أداءِ عائشةَ لجميع الكتابة، كأنّها تبرَّعَت بذلك، وأرادَتِ الولاءَ، أو قصَدت إلى ابتياع الولاء. وهذا لا يصحُّ عندَنا، واللهُ أعلم؛ لأنه لا خلافَ بينَ علماءِ المسلمينَ أنَّ الولاءَ لا يُباعُ، وأنَّ مَن أدَّى عن مُكاتبٍ كتابتَه مُتبرِّعًا لم يكنْ له الولاء، ولو صَحَّ هذا كان يكونُ النكيرُ حينئذٍ على عائشةَ رحمها اللهُ في إرادتها أن يكونَ الولاءُ لها بأدائِها الكتابةَ عنها، ولكنْ في حديثِ هشام بنِ عُروة (٢): "خُذيها واشتَرطي الولاءَ لهم، فإنّما الولاءُ لمن أعتَق"، ففعلَت عائشة. وقد قال وُهَيْبٌ (٣)، وكان من الحفّاظ، في هذا الحديث، عن هشام بنِ عُروة: إن أحَبَّ أهلُكِ أن أعُدَّها عَدَّةً واحدةً وأُعتِقَكِ، ويكونَ ولاؤُكِ لي، فعلتُ. فقولهُا: "وأُعتِقَكِ" دليلٌ على شرائِها لها شراءً صحيحًا؛ لأنّها لا تُعتِقُها إلّا بعدَ شرائِها لها، وهذا هو الظاهرُ في قولها: "أُعتِقَكِ"، واللهُ أعلم. وفي حديث ابنِ شهاب، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال لعائشة: "لا يمنَعُكِ ذلك، ابتاعي وأعتقي". وقولُه: "ابتاعي وأعتقي" في حديثِ ابنِ شهاب، يُفسِّرُ قولَه في حديث هشام: "خُذيها"؟ لأنَّ قولَه: "ابتاعيها وأعتِقيها" أمرٌ منه ﷺ لعائشةَ بالشراء ابتداءً، وعِتْقِها لها بعدَ مِلْكِها ليكونَ الولاءُ لها، وهذا هو الصحيحُ في الأصول، وإيّاه يعضُدُ سائرُ الآثارِ عن عائشةَ في هذه القصة، ألا ترَى إلى ما روَى مالك (٤)،

стр. 7764

عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ عائشةَ أرادَت أن تشتريَ بَريرَةَ فتُعتِقَها، فقال أهلُها: نبيعُكِها على أنَّ الولاءَ لنا، فذكَرتْ ذلك لرسولِ الله ﷺ ، فقال: "لا يمنَعُكِ ذلك، فإنَّما الولاءُ لمَن أعتَقَ"؟ وقد ذكَرنا هذا الخبرَ في بابِ نافع مِن كتابِنا هذا (١). وليسَ في شيء من أخبارِ بَريرةَ أصحُّ من هذا الإسنادِ عن ابنِ عمر، وليس فيه اختلافٌ كما في حديثِ هشام من اختلافِ ألفاظِه. وقد بانَ في حديثِ ابنِ عمرَ أنَّ عائشةَ أرادَت شراءَ بَريرَةَ وعِتقَها، فأراد أهلُها اشتراطَ الولاءِ لهم، وفي مثل هذا يصحُّ الإنكارُ المذكورُ في حديثِ هشام بنِ عُروةَ على أهل بَريرَةَ، لأنَّ الولاءَ ثبَت للمُشتَري المُعتِقِ ثُبوتَ النَّسَب، فلا يجوزُ لأحدٍ تحويلُه عنه ببيعٍ ولا اشتراطٍ، وكذلك في سياقةِ أكثرِ الأحاديثِ ما يدلُّ على أنَّ بَريرَةَ بِيعَت من عائشةَ لا أنَّها أدَّت عنها كتابتَها، إلّا أنّ في هذا الحديثِ شرْطَ الولاءِ مع البيع، وإباحةَ النبيِّ ﷺ شراءَها على ذلك دونَ إعمالِ الشرْط، وفي ذلك صِحّةُ البيع وإبطالُ الشرْط. وروِى الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، أنَّ أهلَ بَريرةَ أرادوا أن يبيعوها ويشترطُوا الولاءَ، فذكَرَتْ ذلك لرسولِ الله ﷺ ، فقال: "اشتريها وأعتِقيها، فإنَّما الولاءُ لمَن أعتَقَ" (٢). فبان بحديثِ الأسودِ عن عائشة، وبحديثِ ابنِ شهابِ أيضًا المتقدِّم ذِكرُه، أنَّ رسولَ الله ﷺ أمَرها بالشراءِ ابتداءً، وبعتقِها بعدَ مِلْكِها، ليَكونَ الولاءُ لها.

стр. 7765

وهذه الروايةُ عن عائشةَ موافِقةٌ لما رواه ابنُ عمر، وهو الصحيحُ في ذلك على ما قدَّمنا ذكرَه. وفي رواية إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أيضًا ما يبيِّنُ روايةَ هشام، عن أبيه، عن عائشةَ، في قوله ﵇: "خُذِيها، ولا يمنعُكِ ذلك، فإنَّما الولاءُ لمَن أعتَقَ". وفيه دليلٌ، بل نصٌّ، على صحةِ شرائِها وصحةِ مِلْكِها، وصحةِ عتقِها بعد ذلك، واستحقاقِ ولائِها - واللهُ أعلم - واشتراطِ أهلِ بَريرةَ ولاءَها مع بَتْلِ بيعِها (١) على العتق، فهو الذي خطَبهم رسولُ الله ﷺ بإنكارِه؛ لتقدُّمه إليهم وإلى غيرهم في النَّهْي عن بيع الولاءِ وهبتِه. وفي هذا الحديث على ما ذكَرنا: إجازةُ البيع على شرطِ العتق، وهذه مسألةٌ اختلَف الفقهاءُ فيها، وقد ذكَرناها في باب نافع، عن ابنِ عمرَ من هذا الكتاب (٢)، فلا معنى لتكريرِ ذلك هاهنا. وفيه دليلٌ على أنَّ المُكاتبَ عبدٌ ما بقيَ عليه من كتابتِه شيءٌ؛ لأنَّه لو لم يكن عبدًا ما جاز بيعُه، وفي كونِه عبدًا ردٌّ لقولِ من قال: إذا عُقدت كتابتُه فهو غريم من الغُرَماء، وردٌّ لقول مَن قال: إذا أدَّى قيمتَه فهو غريم، وردٌّ لقول من قال: إذا أدَّى الثُّلثَ فهو غريم، وردٌّ لقولِ مَن قال: إذا أدَّى الشطرَ فهو غريم، وردٌّ لقولِ مَن قال: يُعتَقُ منه بقدرِ ما أدَّى. وروَى الحكمُ بنُ عُتَيبةَ، عن عليٍّ، قال: تجْري العَتاقةُ فيه من أوّل نَجْم (٣).

стр. 7766

وروَى إبراهيمُ، عن عليٍّ، قال: تجري الحدودُ عليه بقدرِ ما أدَّى. وقال عنه عامر (١): يُعتَقُ منه بقدرِ ما أدَّى، ويَرِثُ ويَحجُبُ بقدرِ ما أدَّى. وكان الحارثُ العُكْليُّ يقول: كان عليٌّ ﵁ أفقهَ من أن يقول: يَعتِقُ من المُكاتَبِ بقدرِ ما أدَّى. منكِرًا لذلك عنه. وهذه أقاويلُ اختُلِف فيها عن عليٍّ وابنِ مسعود (٢)، وما أعلمُ أحدًا من الفقهاء تعلَّقَ بها. ورُوِيَ عن شُريح أنّه قال: إذا أدَّى الثلثَ فهو غريمٌ (٣). وعن النَّخَعيِّ: إذا أدَّى الشَّطْرَ فهو غريمٌ (٤). ورُوِيَ ذلك عن عمرَ وعليٍّ (٥)، وهو غيرُ صحيح. واللهُ أعلم. وقال جابرُ بنُ عبد الله: مَن كاتبَ مُكاتَبًا، فإن شرطَ عليه أن يعودَ في الرِّقِّ إن عجَز، كان كذلك، وإنْ شرطَ أن يَعتِقَ منه بقدْرِ ما أدَّى، فهو كذلك (٦). وقد ذكَرنا حُكمَ ولاءِ الرِّقِّ، ومَن أجاز بيعَ ولائِه ومَن كَرِهه، ومَن قال: لا بُدَّ من شرطِه العتقَ عندَ الأداء، وإلّا فهو على الرِّقِّ أبدًا، ومَن أجازَ للمكاتَبِ

стр. 7767

أن يشترِطَ ولاءَ نفسِه، في باب عبدِ الله بنِ دينار (١) من هذا الكتاب، فأغنى ذلك عن ذكرِه هاهنا. وفي حديثِ بَريرَةَ هذا مع صحَّتِه عن النبيِّ ﷺ دليلٌ واضحٌ على أنَّ المُكاتَبَ عبدٌ، ولولا ذلك ما بِيْعَت بَريرَة. وقد رُوِيَ عن عمرَ، وابن عمر، وزيدِ بنِ ثابت، وعائشة، وأمِّ سَلَمة: المكاتَبُ عبدٌ ما بقيَ عليه درهم (٢). وهو قولُ سعيدِ بنِ المسيِّب، والقاسم، وسليمانَ بنِ يسار، والزهريِّ، وقتادةَ، وعطاء (٣). وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفة، وأصحابُهم، والثوريُّ، وابنُ شُبرُمة، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور، وداودُ، والطبريُّ (٤). وقد روَى عمرُو بنُ شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ قال: "المُكاتَبُ عبدٌ ما بقيَ عليه درهمٌ" (٥).

стр. 7768

واختلَف القائلون: "هو عبدٌ ما بقيَ عليه درهم " إذا مات قبلَ أن يؤدِّيَ وترَك مالًا؛ فقالت طائفة: كلُّ ما ترَك فهو لسيِّدِه؛ قليلًا كان أو كثيرًا، وإن عجَز عادَ رقيقًا. وممّن قال بهذا؛ مجاهدٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيز، والشافعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، وأبو ثور (١). ورُوِيَ عن ابن السيِّب، وشريح، والزهريِّ نحوُه. قال الزهريُّ: حُكْمُه حكمُ العبد، وجنايتُه في عُنُقِه. وهو قولُ الثوريِّ. وروَى الحكمُ، عن عليٍّ، وابنِ مسعود، وشريح: يُعطَى سيدُه من تركتِه ما بقيَ من كتابتِه، فإنْ فضَل شيءٌ، كان لورثةِ المكاتَب. وروَى عطاءٌ، وإبراهيمُ، وأبو البَختريِّ، عن عليٍّ نحوَه. وقد رُوِيَ عن الزُّهريِّ نحوُه. وبه قال ابنُ المسيِّب، وأبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمن، والنَّخَعيُّ، والشعبيُّ، والحسنُ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه، ومالكُ بنُ أنس، جعَلوه كغريم حلَّ دَيْنُه، غيرَ أنَّ مالكًا جعَل مَن كان معه في كتابتِه أحقَّ ممَّن لم يكنْ معَه من ورثتِه. وقد روَى الشَّعبيُّ، عن عليٍّ: إذا مات المُكاتَبُ وترَك مالًا، قُسِمَ ما ترَك على ما أدَّى وعلى ما بقيَ، فما أصاب ما أدَّى فهو لورثتِه، وما أصاب ما بقيَ فلمَواليه (٢). وهذا خلافُ ما روَى الحكمُ، وعطاءٌ، وإبراهيمُ، وأبو البَختَريّ، عن عليٍّ ﵁. وقد احتَجَّ مَن قال في المكاتَب: يَعتِقُ منه بقدرِ ما أدَّى، بروايةِ ابنِ شهاب في هذا الحديث، وذلك قولُه: "ولم تكنْ أدَّت من كتابتِها شيئًا" (٣).

стр. 7769

واحتَجَّ مَن قال: يعتِقُ منه بقدرِ ما أدَّى، بحديث يحيى بن أبي كثير، عن عكرمةَ، عن ابن عباس، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "يُودَى المكاتَبُ بقدرِ ما أدَّى ديةَ الحرِّ، وبقدرِ ما رُقَّ منه ديةَ عبد". رواه حجَّاجٌ الصوّافُ وهشامٌ الدَّستُوائيُّ وغيرُهما، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس مسنَدًا (١). وقد رُوِيَ عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس مثلُه مسنَدًا (٢). وقد أرسَله بعضُهم عن عكرمة (٣).

стр. 7770

قال يحيى بنُ أبي كثير: وكان عليُّ بنُ أبي طالب ومروانُ بنُ الحَكَم يقولان ذلك (١). وبه كان عكرمةُ يُفتي، وكان يقول: المكاتَبُ يودَى (٢) بقدرِ ما أُعتِقَ منه، وإن جنَى جنايةً، أو أصاب حدًّا، فبقدرِ ما أُعتِقَ منه. وقد ناظَر عليَّ بنَ أبي طالب زيدُ بنُ ثابتٍ في المكاتَب، فقال لعليٍّ: أكنتَ راجِمَه لو زنَى، أو مجيزًا شهادتَه إن شَهِد؟ فقال عليٌّ: لا. فقال زيدٌ: فهو عبدٌ ما بقيَ عليه شيءٌ. وفيه: إجازةُ بيع المكاتَبِ إذا رضِيَ بالبيع وإن لم يكنْ عاجزًا عن أداءِ نجم قد حَلَّ عليه، خلافَ قولِ مَن زعَم أنَّ بيعَ المكاتَبِ غيرُ جائزٍ إلّا بالعجز؛ لأنَّ بَريرةَ لم تذكُرْ أنها عجَزت عن أداءِ نجم، ولا أخبَرت بأنَّ النجمَ قد حلَّ عليها، ولا قال لها النبيُّ ﷺ : أعاجزةٌ أنتِ؟ أم: هل حلَّ عليكِ نجمٌ فلمْ تؤدِّيه؟ ولو لم يجزْ بيعُ المكاتَبِ والمكاتَبةِ إلّا بالعجزِ عن أداءِ نجم قد حلَّ، لكان النبيُّ ﷺ قد سألها: أعاجزٌ هي أم لا؟ وما كان ليأذَنَ في شرائها إلّا بعدَ علمِه ﷺ أنّها عاجزةٌ ولو عن أداءِ نجم واحد قد حلَّ عليها، وفي خبر الزهريِّ أنَّها لم تكنْ قضَت من كتابتِها شيئًا، ولا أعلمُ في هذا الباب حجةً أصحَّ من حديثِ بَريرَةَ هذا، ولم يُروَ عن النبيِّ ﷺ شيءٌ يعارِضُه، ولا في شيءٍ من الأخبارِ دليلٌ على عجزِها. وأمّا اختلافُ الفقهاء في بيعِ المكاتَب، فإنَّ ابنَ شهاب وأبا الزِّناد وربيعةَ كانوا يقولون: لا يجوزُ بيعُه إلّا برضًا منه، فإن رضيَ بالبيع فهو عجزٌ منه، وجاز بيعُه. وقال مالكٌ: لا يجوزُ بيعُ المكاتَبِ إلّا أن يعجِزَ عن الأداء، فإن لم يَعجِزْ فليس له ولا لسيدِه بيعُه. قال: وإذا كان المكاتَبُ ذا مالٍ ظاهر، فليس له تعجيزُ نفسه، وإن لم يظهَرْ له

стр. 7771

مالٌ فذلك إليه، وله تعجيزُه دونَ السلطان، ويُمضي ذلك، وكذلك إن عجَّز نفسَه قبلَ مَحَلِّ النَّجم بالأيام والشهر، وإنّما الذي لا يُعجِّزُه إلّا السلطانُ فهو الذي يريدُ سيدُه تعجيزَه بعدَما حلَّ عليه ما عليه وهو يأبى العجزَ ويقول: نُؤدِّي. إلا أَنَّه يَمطُلُ سيدَه، فالسلطانُ يتلوَّمُ له، فإن رأى له وجهَ أداءٍ ترَكه، وإن لم يرَ ذلك له عجَّزه بعدَ التلوُّم، ولا يُعجِّزُه السيدُ وهو آبٍ، ولو أخَّر نجمًا أو أنجمًا، إلّا بالسلطان. قال: ولو شرَط ذلك عليه، لم يكنْ عاجزًا إلّا بقضيّة سلطان. قال: ولو غاب المكاتَبُ فحَلَّت نجومُه، فليسَ إشهادُ السيد بتعجيزِه تعجيزًا إلّا بنظرِ السلطان، وهو إذا قدِمَ على كتابتِه إن أدَّى، وإلّا نظَر في ذلك السلطان. وقال مالكٌ: الذي يقعُ بنفسي في قصةِ بَريرَةَ، أنها كانت قد عجَزت، ولذلك اشتَرتْها عائشة (١). وقال إبراهيمُ النَّخَعيُّ، وعطاءٌ، والليثُ بنُ سعد، وأحمدُ، وأبو ثور: جائزٌ بيعُ المكاتَبِ على أن يَمضيَ في كتابتِه، فإنْ أدَّى عَتَقَ، وكان ولاؤُه للذي ابتاعَه، وإن عجَز فهو عبدٌ له. وقال أبو حنيفة (٢) وأصحابُه (٣): لا يجوزُ بيعُ المكاتَبِ ما دام كاتبًا حتى يَعجِزَ، ولا يجوزُ بيعُ كتابتِه بحال. وهو قولُ الشافعيِّ بمصر، لا يجوز بيعُ المكاتَب. وكان بالعراق يقول: بيعُه جائزٌ. وأما بيعُ كتابتِه فغيرُ جائزة عندَه (٤).

стр. 7772

وقال أبو حنيفة، والشافعيُّ: جائزٌ تعجيزُ المكاتَب بغيرِ حضرةِ السلطان. وفعَل ذلك ابنُ عمرَ، وهو قولُ شُريح، والنَّخَعيِّ (١). وقال ابنُ أبي ليلى: لا يجوزُ إلّا عندَ قاض (٢). وكان الشافعيُّ، وأبو حنيفة، وأصحابُهم (٣) يقولون: للسيد أن يُعجِّزَه إذا حلَّ نجم مِن نجومِه. قال أبو حنيفة: فإن قال: أخِّروني. وكان له مالٌ حاضرٌ أو غائب يرجُو قُدومَه، أخَّرتُه يومَين أو ثلاثةً لا أزيدُه على ذلك شيئًا. وبه قال محمدُ بنُ الحسن. وقال الحكمُ، وابنُ أبي ليلى، والحسنُ بنُ صالح: أقلُّ ما يَعجِزُ به حُلولُ نجمَين. وهو قولُ أبي يوسف (٤). وقال الثوريُّ: منهم مَن يقول: نجمٌ، ومنهم مَن يقول: نجمان (٥). قال: والاستيناءُ به أحبُّ إليَّ (٦). وقال أحمدُ: نجمانِ أحبُّ إلينا (٧). وقال الأوزاعيُّ: يَستأني به شهرين ونحوَ ذلك. ورُوِيَ عن الحسن البصْريِّ في هذه المسألة قولٌ شاذٌّ، أنَّ المكاتَبَ إذا عجَز استُسعيَ بعد العجْزِ سنتَينِ (٨). وهذا ليس بشيء. وأجمع العلماءُ على أنَّ المكاتَبَ إذا حلَّ عليه نجمٌ من نُجومِه، أو نَجْمان،

стр. 7773

أو نُجومُه كلُّها، فوقَف السيدُ عن مطالبتِه وترَكه بحالِه، أن الكتابةَ لا تنفَسِخُ ما داما على ذلك ثابتَين. واختلَفوا إذا كان قويًّا على الأداء، أو كان له مالٌ فعجَّز نفسَه؛ فقال مالكٌ ما قدَّمنا ذكرَه، أنه ليس ذلك له إلّا إنْ لم يُعلَمْ له مالٌ. وقال الأوزاعيُّ: لا يُمكَّنُ من تعجيزِ نفسِه إذا كان قويًّا على الأداء. وقال الشافعيُّ: له أن يُعجِّزَ نفسَه، عُلِم له مالٌ أو قوةٌ على الكتابةِ أم لم يُعلَمْ، وإذا قال: قد عجَزتُ وأبطلْتُ الكتابة، فذلك إليه (١). قال أبو عُمر: يحتملُ حديثُ بريرَةَ أن يَنزِعَ منه مالكٌ لمذهبِه، والشافعيُّ لمذهبِه هذا. وبالله التوفيق. واختلَفوا في المُكاتَبِ يَعجِزُ وبيدِه مالٌ من الصَّدقات تُصُدِّقَ به عليه؛ فقال أكثرُ أهل العلم: إنَّ كلَّ ما قبَضه السيدُ منه من كتابتِه، وما فضَل بيدِه بعد عَجْزِه من صدَقةٍ وغيرِها، فهو لسيِّدِه، يَطيبُ أخذُ ذلك كلِّه له. هذا قولُ الشافعيِّ وأبي حنيفة وأصحابِهما، وأحمدَ بنِ حنبل، وروايةٌ عن شُريح (٢). وقال بعضُ أصحاب الشافعيِّ: إذا كان ما أخَذه السيِّدُ من المكاتَب قبلَ عجزِه هو مِن كسْبِ العبد، لم يرُدَّه، وإن كان استقرَضه العبدُ أو أخَذه من زكاةِ رجُلٌ، فعلى السيدِ ردُّه. وعن الشعبيِّ، عن مسروق، في مكاتَبٍ عجَزَ، كيف يصنَعُ سيِّدُه بما أخَذ منه؟ قال: يجعَلُه في مثلِه من الرقاب. قال: وقال شريحٌ: إنْ عجَز رُدَّ في الرِّقِّ، ولم يأخُذْ من مولاه ما أخَذ منه (٣).

стр. 7774

وقال مالكٌ: إذا عجَز المكاتَبُ، فكلُّ ما قبَضه منه السيدُ قبلَ العجزِ حِلٌّ له، كان من كسبِه أو من صدقةٍ عليه. قال: وأما ما أُعينَ به على فِكاكِ رقبتِه فلم يَفِ ذلك بكتابتِه، كان لكلِّ مَن أعانَه الرجوعُ بما أعطَى، أو يُحلِّلُ منه المكاتَبُ، ولو أعانوه صدقةً لا على فكاكِ رقبتِه، فذلك إن عجَز حلٌّ لسيِّدِه، ولو تمَّ به فِكاكُه وبقيَت فَضلةٌ، فإن كان بمعنَى الفِكاكِ ردَّها إليهم بالحِصَص، أو يُحلِّلونَه عنها. هذا كلُّه مذهبُ مالكٍ فيما ذكر ابنُ القاسم (١). وقال الثوريُّ: يجعلُ السيدُ ما أُعطاه في الرقاب. وهو قولُ مسروق، والنَّخَعيِّ، وروايةٌ عن شُريح (٢). وقالت طائفة: ما قبَض منه السيِّدُ، فهو له، وما فضَل بيدِه بعدَ العجز، فهو له دونَ سيِّده. وهذا قولُ بعض مَن ذهَب إلى أنّ العبدَ يَملِكُ (٣). وقال إسحاق (٤): ما أُعطِيَ لحالِ الكتابةِ رُدَّ على أربابه. وهذه المسائلُ كلُّها في معنى الحديث المذكور في هذا الباب في قصةِ بَريرَة، فلذلك ذكَرناها، وأما فروعُ مسائل المُكاتَب، فكثيرةٌ جدًّا، لا سبيلَ في مثل تأليفِنا هذا إلى إيرادِها على شرطِنا. وبالله توفيقُنا. وفيه أيضًا: أنّ عقدَ الكتابةِ من غير أداءٍ لا يُوجِبُ شيئًا من العتق، خلافَ

стр. 7775

قولِ مَن جعلَه غريمًا من الغُرماء، وقد مضَى ذكرُ ذلك عندَ ذكرِ قولِ مَن قال: يَعتِقُ منه بقَدْرِ ما أدَّى (١). والدليلُ على أن عقدَ الكتابةِ لا يوجبُ عتقًا، أنَّ النبيَّ ﷺ قد أجاز بيعَها، ولو كان فيها شيءٌ من العتقِ ما أجاز بيعَ ذلك، إذ من سُنَّتِه المُجتمع عليها ألّا يُباعَ الحُرُّ. وأما قولُ هشام بنِ عُروةَ في حديثه هذا: "خُذِيها واشتَرطي لهم الولاء، فإنَّما الولاءُ لمن أعتَقَ". فكذلك رواه جمهورُ الرُّواةِ عن مالك: "واشترِطي لهم الولاءَ". ورواه الشافعيُّ، عن مالك، عن هشام، بإسنادِه ولفظِه، إلا أنه قال: "أَشْرِطي لهم الولاءَ". ذكَر ذلك عنهم الطحاويُّ (٢)، فلم يُدخلِ التاء. قال الطحاويُّ (٣): ومعنى: "أشرِطي لهم الولاءَ"؛ أي: أظهِري لهم حُكْمَ الولاء. "فإنَّما الولاءُ لمَن أعتَقَ". أي: أظهرِي لهم ذلك، وعرِّفيهم أنّ الولاءَ لمَن أعتَقَ؟ لأنَّ الإشراطَ هو الإظهارُ في كلام العرب، قال أوسُ بنُ حَجَر (٤): فأشْرطَ فيها نفسَه وهْو مُعصِمٌ ... وألقَى بأسبابٍ لهُ وتوكَّلا يعني: أظهَر نفسَه لما حاوَل أن يفعل. قال: وأمّا روايةُ سائرِ الرُّواةِ عن مالكٍ في ذلك: "واشتَرطي لهم الولاءَ". فيحتمِلُ أن يكون: "اشتَرطي لهم الولاءَ"، أي: اشتَرطي عليهم الولاءَ أنَّه لكِ إذا

стр. 7776

اشتَريتِ وأعْتَقْتِ (١)، كقوله : ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]. بمعنى: عليها. وكقوله: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢]. يعني: عليهم اللعنةُ. قال: ويجوزُ أن يكونَ معناه الوعيدَ، كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤]. قال أبو عُمر: ليس في حديث الشافعيِّ عندَنا من روايةِ المُزَنيِّ إلا: "اشتَرطي"، بالتاء (٢)، فاللهُ أعلم. وقال أبو بكر بنُ داود: قولُ رسولِ الله ﷺ : "اشتَرطي لهم الولاء، فإنَّما الولاءُ لمَن أعتَقَ" معلومٌ أنَّه لم يكنْ إلّا بعدَ تحريم اشتراطِ الولاء؛ لأنه لا يجوزُ في صفتِه ﷺ أن يأمُرَ بتركِ شيءٍ ثم يخبرَ أنه لمَن ترَكه بغيرِ سببٍ حادثٍ من المتروك له. قال: وإنّما معناه: اشتَرطي لهم الولاءَ، فإنَّ اشتراطَهم إيّاه بعدَ علمِهم بأنَّ اشتراطَه لا يجوزُ، غيرُ ضائرٍ لكِ ولا نافعٌ لهم، لا أنَّه ﷺ أمَر باشراطِ الولاءِ لهم ليقعَ البيعُ بينَها وبينَهم، فيبطُلَ الشرطُ ويصحَّ البيعُ وهم غيرُ عالمينَ بأنَّ اشتراطَهم ذلك لأنفسِهم غيرُ جائزٍ لهم؛ لأنَّ هذا مكرٌ وخديعةٌ لهم، ورسولُ الله ﷺ أبعدُ الناسِ من أن يَفعلَ ما يَنهَى عن فعلِه، أو يرضَى لنفسِه ما لا يرضاه لغيرِه، وإنما كان هذا القولُ منه تهدُّدًا لمَن رغِب عن حُكمِه، وخالفَ عن أمرِه، ويُقدمُ على فعل ما قد نَهى عن فعلِه، وتهاونًا بالشرطِ إذ كان غيرَ نافع لمشترطِه، قال الله : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦]. والله لم يُجِزْ للمشركين كيدَ الأنبياءِ والمرسلين، ولا أباح لهم أن يكونوا بدُعاءِ الأصنام مُعتَصِمينَ، وإنما أعلَمهم أنَّ ذلك غيرُ ضائرٍ للمؤمنين، ولا نافعٌ للمشركين.

стр. 7777

قال: ومثلُه قولُه تعالى ذكرُه: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ الآيةَ [الأعراف: ١٩٥ - ١٩٦]. وكذلك قولُ هود: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ الآيةَ [هود: ٥٥ - ٥٦]. وهذا ليس بأمرٍ ولا إغراء، ولكنه تهاونٌ بكَيْدِهم، واستخفافٌ بتوعُّدِهم، وإظهارٌ لعجزِهم. وذكَر آياتٍ كثيرةً من هذا الباب، وقال: هذا البابُ مشهورٌ في كلام العرب، يستعمِلُه منهم مَن فَلَج بحُجَّتِه (١)، وأمِن من كَيْدِ خَصمِه، قال المتلمِّسُ (٢) يهجُو عمرَو بنَ هندٍ حين قتل طرفةَ بنَ العبد، يُخبرُ أنه غيرُ خائفٍ من توعُّدِه، ولا جازع من تهدُّدِه: فإذا حَلَلْتُ ودُونَ بيتيَ غاوةٌ ... (٣) فابْرُقْ بأرضِك ما بدا لك وارْعُدِ قال: فليس هذا القولُ أمرًا منه له بالدوام على تهدُّدِه، ولا نهيًا له عن الإقامةِ على تخويفِه وتوعُّدِه، وإنّما هو إعلامٌ أنَّ إيعادَه غيرُ ضائر له، وأنَّ مكائدَه غيرُ لاحقةٍ به. قال: وكذلك قولُه: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤]. ثم قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥]. فهذا كلُّه داخلٌ في باب التهاوُنِ والتحذير، خارجٌ من باب الإباحةِ والتفويض، ومن معنى الإغراءِ

стр. 7778

والتحريض؛ لأنَّه قد أخبَر أنَّ فِعْلَه ذلك غيرُ ضائرٍ لمَن تولّاه من عبادِه وأحبَّ هدايتَه، وأنّه لا سُلطانَ له عليهم، وكَفى بربِّكَ وكيلًا. أخبرنا محمدٌ (١)، قال: حدَّثنا علي، قال: حدَّثني أبو محمدٍ يحيى بنُ محمدِ بنِ صاعد وأبو سهلِ بنُ زياد (٢) وعثمانُ بنُ أحمدَ الدَّقّاقُ، قالوا: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثني أبو ثابت (٣)، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ وَهْب، قال: أخبَرني مالكٌ، أنه سأل ابنَ شهاب عن رجل خطَب على عبدِه وليدةَ قوم، واشترَط أنَّ ما ولَدتِ الأمةُ من ولدٍ فلي شطرُه، وقد أعطاها العبدُ مهرَها؟ قال ابنُ شهاب: هذا من الشرطِ الذي لا نرَى له جوازًا. قال: وقال ابنُ شهاب: أخبرَني عُروةُ بنُ الزبير، أنَّ عائشةَ قالت: قام رسولُ الله ﷺ فخطَب الناسَ، فقال: "يا معشرَ المسلمين، ما بالُ قوم يشتَرطونَ شروطًا ليسَت في كتاب الله؟ مَن اشترطَ شرطًا ليس في كتاب الله، وإن كان شرَطَ مئةَ شرط، فليس له شرط، شرطُ الله أحقُّ وأوثق". قال أبو الحسن: هذا حديثٌ صحيحٌ غريبٌ من حديثِ مالك، تفرَّدَ به إسماعيلُ بنُ إسحاق، عن أبي ثابت. قال أبو عُمر: وفي هذا الحديث أيضًا دليلٌ على أنَّ بيعَ الأمَة ذاتِ الزوج ليس بطلاقٍ لها؛ لأنَّ العلماءَ قد أجمَعوا، ولم تختلِفْ في ذلك الآثارُ أيضًا، أنَّ بَريرةَ كانت إذ اشتَرتْها عائشةُ ذاتَ زوج، وإنما اختلَفوا في زوجِها؛ هل كان حُرًّا أو عبدًا؟ وقد أجمع علماءُ المسلمين على أنَّ الأمةَ إذا أُعتِقَت وزوجُها عبدٌ، أنّها تُخيَّرُ. واختلَفوا إذا كان زوجُها حرًّا، هل تُخيَّرُ أم لا؟ وقد ذكَرنا اختلافَهم في ذلك كلِّه،

стр. 7779

وفي حُكمِها إذا خُيِّرت، وحُكمَ فُرقتِها وعِدَّتها، وسائرَ معانيها، وحجةَ كلِّ فرقةٍ منهم، في باب ربيعةَ (١) من هذا الكتاب. والحمدُ لله. وفي إجماعِهم على أنَّ بَريرةَ قد خُيِّرَت تحتَ زوجِها بعدَ أن اشترَتها عائشةُ فأعتَقتها، خيَّرها النبيُّ ﷺ بينَ أن تقرَّ عندَ زوجِها وبينَ أن يُفسَخَ نكاحُها، وفي تخييرِه لها في ذلك دليلٌ على أنَّ بيعَ الأمَةِ ليس بطلاقِها، لأنَّ بيعَها لو كان طلاقًا ما خُيِّرت وهي مطلقة. وعلى القول بأنَّ بيعَ الأمَةِ ليس بطلاقِها، جماعةُ فقهاءِ الأمصار من أهل الرأي والحديث، وجمهورُ السلف. وقد رُوِيَ عن بعضِهم أنَّ بيعَ الأمَة طلاقُها. وممّن رُوِيَ ذلك عنه: ابنُ مسعود، وابنُ عباس (٢). وقال أبو بكر محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ خزيمةَ ﵀: في فتوى ابنِ عباس ﵁ أنّ بيعَ الأمةِ طلاقُها، مع روايته لقصةِ بَريرَةَ وتخييرِ رسولِ الله ﷺ إيّاها بعدَ البيع والعتق، وشهادتِه أنه رأى زوجَها يتبعُها في سككِ المدينة، دليلٌ على أنَّ المخبرَ عن النبيِّ ﷺ بالخبرِ وإن كان فقيهًا عالمًا مبرَّزًا، قد يَعزُبُ عنه بعضُ دلائل الخبرِ الذي رواه عن النبيِّ ﷺ ، لأنَّ ابنَ عباس قد عزَب عنه مع علمِه وفَهْمِه وفقهِه موضعُ الاستدلال بذلك، إذ كان يقول: بيعُ الأمةِ طلاقُها. قال: ومن هذا الباب قولُ النبيِّ ﷺ : "نضَّر اللهُ أمرأً سمع مقالتي فوعاها،

стр. 7780

ثم أدَّاها إلى مَن لم يسمعْها، فرُبَّ مبلِّغ أوعَى له من سامع" (١). وروَى ابنُ سيرينَ هذا الخبرَ، وقال: قد - والله - كان ذلك، رُبَّ مبلِّغ كان أوْعَى للخبر من سامعِه. وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّ من شأنِ الخُطبةِ أن يقالَ فيها: أمّا بعدُ. وقد اختُلِف في قول الله : ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٥]. فقال قوم: فَصْلُ الخِطاب: أمّا بعدُ (٢). وقال آخرون: فصلُ الخِطاب: البيِّناتُ، والشُّهودُ، ومعرفةُ القضاء (٣). وفيه أيضًا: أنَّ النبيَّ ﷺ أجاز بيعَ بَريرةَ على ذلك الشرط الفاسد، وهو اشتراطُ موالي بَريرَةَ لأنفُسِهم الولاءَ دون عائشة وهي المُعتِقةُ، وهذا خلافُ قولِ مَن زعمَ أنَّ البيعَ يفسُدُ إذا كان فيه شرط فاسدٌ. وفي إجارر النبيِّ ﷺ البيعَ وشرطَ العتقِ معًا، وإبطالِه شرطَ الولاءِ لغير المعتِقَةِ دليلٌ على أنَّ من الشروط ما يبطُلُ ولا يَلزَمُ، ولا يَضرُّ البيع. والشروطُ في البيع على وجوه ثلاثة: أحدُها: مثلُ هذا، فاسدٌ ولا يبطُلُ البيعُ لبُطلانِه، بل يصحُّ البيعُ ويبطُلُ الشرط. والآخَر: يجوزُ اشتراطُه، فيجوزُ البيعُ والشرطُ معًا. والثالث: قد يكونُ في البيع شروطٌ يكونُ البيعُ معَها فاسدًا. ولبيانِ ذلك وبَسْطِه وتلخيصِه موضعٌ غيرُها.

стр. 7781

أخبرنا خلفُ بنُ القاسم وعبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الله بن أشْتَةَ الأصبهانيُّ المقرئُ، قال: أخبرنا أبو عليٍّ أحمدُ بنُ محمدٍ الصَّحّافُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أيوبَ بن زاذانَ الضريرُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سليمانَ الذُّهليُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيد، قال: قدِمتُ مكة، فوجَدتُ بها أبا حنيفةَ وابنَ أبي ليلى وابنَ شُبرُمة، فسألتُ أبا حنيفة، فقلت: ما تقولُ في رجلٍ باع بيعًا وشرَط شرطًا؟ فقال: البيعُ باطلٌ والشرطُ باطلٌ. ثم أتيتُ ابنَ أبي ليلى فسألتُه، فقال: البيعُ جائزٌ والشرطُ باطل. ثم أتيتُ ابنَ شُبرُمةَ فسألتُه، فقال: البيعُ جائزٌ والشرطُ جائزٌ. فقلت: يا سبحانَ الله! ثلاثةٌ من فقهاءِ العراقِ اختلفتُم في مسألةٍ واحدة. فأتيتُ أبا حنيفةَ فأخبرتُه، فقال: لا أدري ما قالا، حدَّثني عمرُو بنُ شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن بيع وشرطٍ. البيعُ باطلٌ، والشرطُ باطلٌ. ثم أتيتُ ابنَ أبي ليلى فأخبرتُه، فقال: لا أدري ما قالا، حدَّثني هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أمرني رسولُ الله ﷺ أن أشتريَ بَريرَةَ فأُعتقَها وإن اشترطَ أهلُها الولاءَ؛ فإنما الولاءُ لمَن أعتَق. البيعُ جائزٌ والشرطُ باطلٌ. ثم أتيتُ ابنَ شُبرُمةَ فأخبرتُه، فقال: ما أدري ما قالا: حدَّثني مِسْعَرُ بنُ كِدام، عن محاربِ بنِ دثار، عن جابرِ بنِ عبد الله، قال: بعتُ من النبيِّ ﷺ ناقةً وشرط لي حِلابَها أو ظهرَها إلى المدينة. البيعُ جائزٌ والشرطُ جائزٌ (١).

стр. 7782

قال أبو عُمر: كان ذلك من رسولِ الله ﷺ مع جابرٍ في غزوةِ ذاتِ الرِّقاع، وذلك سنةَ أربع من الهجرة، كذلك ذكَر ابنُ إسحاق (١)، عن وَهْبِ بنِ كيسان، عن جابر، قال: خرجتُ مع رسولِ الله ﷺ إلى غزو ذاتِ الرِّقاع. وذكَر الحديثَ في شرائِه منه جملَه، ولم يذكُرْ أنه اشترطَ عليه فيه شيئًا. واضطرابُ ألفاظِ الناقلين لخبر جابرٍ في ذلك كثير. وأما قوله: "كلُّ شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل". فمعناه: كلُّ شرطٍ ليس في حُكم الله وقضائِه في كتابِه أو سنَّةِ رسولِه ﷺ ، لأنَّ اللهَ قد قرَن طاعةَ رسولِه بطاعتِه في آياتٍ كثيرِةٍ من كتابه، وقال الله : ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. يريد: حكمَ الله عليكم وقضاؤُه فيكم أنْ حرَّم عليكم ما ذكَر في تلك الآية. وقد أخبَر النبيُّ ﷺ أنَّ قضاءَ الله وشرطَه أن يكونَ الولاءُ لمَن أعتقَ، ولا يُعلَمُ في نصِّ كتابِ الله ولا في دلالةٍ منه أن الولاءَ للمُعتِق، وإنما ذلك في سنّةِ رسولِ الله المأثورةِ عنه بنقلِ أهلِ العدالةِ من جهةِ الخبرِ الخاصِّ. ولمّا أمرَ اللهُ باتباع رسولِه ﷺ جاز أن يقالَ لكلِّ حُكم حَكَم به رسولُ الله ﷺ : حكمُ الله وقضاؤه. ألا ترَى إلى حديثِ الزُّهريِّ، عن عبيدِ الله، عن

стр. 7783

أبي هريرة وزيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنيِّ، في الرَّجُلين اللّذَينِ أتيا رسولَ الله ﷺ فقالا: يا رسولَ الله، اقضِ بينَنا بكتاب الله. فقال رسولُ الله ﷺ : "والذي نفسي بيدِه، لأقضِيَنَّ بينكما بكتاب الله، أمّا المئةُ شاةٍ والخادمُ فردٌّ عليك، وعلى ابنِك جَلدُ مئةٍ وتغريبُ عام" (١). فقد أقسَم رسولُ الله ﷺ أن يقضيَ بينهما بكتابِ الله، وهو صادِقٌ في قوله ﷺ ، وليس في كتابِ الله أنَّ على الزاني والزانيةِ نفيَ سنةٍ مع الجَلْد، ولا فيه أنَّ على الثيِّبِ الرجمَ، وهذه الأحكامُ كلُّها إنما هي في سُنَّةِ رسولِ الله ﷺ . وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّ الشُّروطَ وإن كثُرت حتى تبلُغَ مئةَ شرطٍ أو أكثرَ، أنَّها جائزٌ اشتراطُها إذا كانت جائزةً، لا يردُّها كتابٌ ولا سنّةٌ، ولا ما كان في معناهما، ألا ترَى إلى قوله: "كلُّ شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئةَ شرط، قضاءُ الله أحقُّ، وشرطُه أوثَقُ، وإنَّما الولاءُ لمَن أعتَقَ "؟ وفي قوله: "إنَّما الولاءُ لمَن أعتقَ" نفيُ أن يكونَ الولاءُ إلّا لمُعتِق، وذلك ينفي أن يكونَ لمَن أسلَم على يدَيه ولاءٌ، أو لمُلتَقِطٍ ولاءٌ، وأن يُواليَ أحدٌ أحدًا بغيرِ عَتاقَة. وقولُه: "لمن أعتَقَ" يدخلُ فيه الذكرُ والأنثى، والواحدُ والجميعُ؛ لأنَّ "مَن" يصلحُ لذلك كلِّه، إلّا أنَّ النساءَ ليس لهنَّ من الولاءِ إلّا ولاءُ مَن أعتَقنَ أو عَتيقِه، وقد ذكَرنا كثيرًا من أحكام الولاءِ مُستوعَبةً ممهَّدةً في باب ربيعةَ من هذا الكتاب (٢)، فلا وجهَ لتكريرِ ذلكَ هاهنا. وفيه أيضًا دلالةٌ على أنَّ المُكاتَبَ إذا بِيعَ للعتقِ برضًا منه بعدَ الكتابة، وقبَضَ بائعُه ثَمنَه، لم يَجبْ عليه أن يُعطيَه من ثمنِه شيئًا، وسواءٌ باعَه لعتقٍ أو لغيرِ عتق،

стр. 7784

وليسَ ذلك كالسيدِ يُؤدِّي مكاتَبُه إليه كتابتَه فيؤتيه منها أو يضعُ عنه من آخرِها نجمًا أو ما شاء، على ما أمَر الله به في قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣؛] لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يأمرْ مواليَ بَريرَةَ بإعطائِها مما قبَضوا شيئًا، وإن كانوا قد باعوها للعتق (١). واختلَف أهلُ العلم في معنى قول الله : ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، فذهبَت طائفة من أهل العلم - وهو قولُ بعض أهل النظر من متأخِّري أصحابِ الشافعيِّ - إلى أنَّ قولَه : ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ لم يُرِدْ به سيِّدي المُكاتَبين، وإنما هو خطابٌ عامٌ للناس، مقصودٌ به إلى من آتاه اللهُ مالًا تجبُ عليه فيه زكاةٌ، فأعلمَ اللهُ عبادَه أنَّ وضْعَ الزكاةِ في العبدِ المكاتَب جائزٌ وإن كان لا يؤمَنُ عليه العجزُ، وخصَّه من بين سائرِ العبيدِ بذلك، فجعَل للمُكاتَبينَ حقًّا في الزَّكَواتِ بقوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٥]. قالوا: وهذا هو الوجهُ الذي يجبُ الاعتمادُ عليه في الإيتاءِ الذكورِ في الآية؛ لأنَّ وضْعَ بعض الكتابةِ لا تسمِّيه العربُ إيتاءً ولا عطاءً؛ لأن الإعطاءَ هو: ما تتناولُه الأيدي بالدَّفع والقبض، هذا هو المعروفُ عندَ أهل اللسان. قالوا: ولو أراد الوضعَ عن المكاتَب، لقال: ضعُوا عنهم، أو: فأعينُوهم به. بل هو من مالِ غير الكتابة، ومعروفٌ في نظام القرآن أن يَنسُقَ بضميرٍ على غيرِه، كما قال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. والمأمورُ بتركِ العَضْل الأولياءُ لا المُطلِّقون، ومثلُه قولُه: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦]. والمُبَرَّؤونَ غيرُ القائلين، وهذا كثيرٌ في القرآن. وقال مالكٌ والشافعيُّ (٢): هو أن يُوضعَ عن المكاتَبِ من آخرِ كتابته شيء.

стр. 7785

قال مالكٌ (١): وقد وضَع ابنُ عمرَ خمسةَ آلافِ درهم من خمسةٍ وثلاثينَ ألفًا. وكان مالكٌ يرَى هذا ندْبًا واستحسانًا، ويستحِبُّه، ولا يُجبِرُ عليه ولا يُوجِبُه. وكان الشافعيُّ يُوجِبُه ولا يَحُدُّ فيه حدًّا. وكانا جميعًا يستحبّان أن يُوضعَ عنه من آخرِ الكتابةِ ربُعُها. وهو قولُ الثوريِّ، وإسحاقَ بنِ راهُوية، في استحبابِ الوضع من الكتابة (٢). وكان الشافعيُّ (٣) يرَى أن يُجبَرَ السيِّدُ على أن يضعَ من آخرِها، لا يَحُدُّ. وقال قتادةُ: يُوضَعُ عنه عُشرُ الكتابة (٤). ورُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالب، وابن عباس، في قول الله : ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. قال: الرُّبُعُ من كتابتِه (٥). وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: ليس على السيدِ أن يضعَ عن مكاتبِه شيئًا من

стр. 7786

كتابتِه (١). وتأويلُ قولِ الله عندَهم: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ على النّدْبِ والحضِّ على الخيرِ لا على الإيجاب. وممّن رُوِيَ عنه أنَّ الأمرَ بالإيتاءِ ندْبٌ وحضٌّ: بُريدةُ الأسلميُّ، والحسنُ البصريُّ، وإبراهيمُ النَّخَعيُّ، وسفيانُ الثوريُّ (٢). وكان داودُ بنُ عليٍّ يرى الكتابةَ فرضًا إذا ابتغاها العبدُ وعُلِمَ فيه الخيرُ، وكان يرى الإيتاءَ أيضًا فرضًا من غير حدٍّ، ولا يرى وضْعَ آخرِها من هذا المعنى. وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على إباحةِ تسْجيعِ الكلام فيما يجُوز وينبغي منَ القول، وذلك بيانٌ لقوله في تسجيع الأعرابيِّ: إنّما هو من إخوان الكُهّان، وقد مضى هذا المعنى مجوَّدًا في باب ابن شهاب (٣) من هذا الكتاب، ومضى ذِكْرُ الوَلاءِ واختلافُ العلماءِ في أحكامِه في باب ربيعةَ (٤) والحمدُ لله.

стр. 7787

حديثٌ رابعٌ وعشرونَ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: لما قَدِم رسولُ الله ﷺ المدينةَ وُعِكَ أبو بكرٍ وبلالٌ. قالت: فدخَلْتُ عليهما فقلت: يا أبتِ، كليف تَجِدُكَ؟ ويا بلال، كيف تَجِدُكَ؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذَتْهُ الحُمّى يقول: كلُّ امرئ مُصبَّحٌ في أهلِهِ ... والموتُ أدنَى من شِراكِ نَعْلِهِ وكان بلالٌ إذا أُقلِع عنه يرفَعُ عقيرتَه ويقول: ألا ليتَ شِعْري هل أبيتَنَّ ليلةً ... بوادٍ وحَوْلي إذخرٌ وجَلِيلُ وهل أرِدَنْ يومًا مياهَ مَجَنَّةٍ ... وهل يَبْدُوَنْ لي شامَةٌ وطَفيلُ قالت عائشة: فجئتُ رسولَ الله ﷺ فأخبرتُه، فقال: "اللهُمَّ حَبِّبْ إلينا المدينةَ كحُبِّنا مكةَ أو أشدَّ، وصَحِّحْها، وبارِكْ لنا في صاعِها ومُدِّها، وانقُلْ حُمّاها واجعَلْها في الجُحفَة" (٢). أمّا قولُه: "إذخِرٌ وجَليلُ" فهما نَبْتان من الكَلأ طيِّبا الرائحة، يكونان بمكةَ وأوديَتِها، لا يكادان يُوجَدان بغيرها. و"شامةٌ وطَفيلُ" جبلان بمكة، وقيل: أحدُهما بجُدَّة، وقيل: بوادي فَخٍّ. لم يختلِفْ رُواةُ "الموطأ" فيما علِمتُ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديث ولا في مَتْنه (٣)، ولم يذكُرْ مالكٌ فيه قولَ عامر بن فُهَيْرة، وسائرُ رُواةِ هشام يذكُرونه
следующие страницы →