← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7783–7822 · переход к 7788.

стр. 7783

أبي هريرة وزيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنيِّ، في الرَّجُلين اللّذَينِ أتيا رسولَ الله ﷺ فقالا: يا رسولَ الله، اقضِ بينَنا بكتاب الله. فقال رسولُ الله ﷺ : "والذي نفسي بيدِه، لأقضِيَنَّ بينكما بكتاب الله، أمّا المئةُ شاةٍ والخادمُ فردٌّ عليك، وعلى ابنِك جَلدُ مئةٍ وتغريبُ عام" (١). فقد أقسَم رسولُ الله ﷺ أن يقضيَ بينهما بكتابِ الله، وهو صادِقٌ في قوله ﷺ ، وليس في كتابِ الله أنَّ على الزاني والزانيةِ نفيَ سنةٍ مع الجَلْد، ولا فيه أنَّ على الثيِّبِ الرجمَ، وهذه الأحكامُ كلُّها إنما هي في سُنَّةِ رسولِ الله ﷺ . وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّ الشُّروطَ وإن كثُرت حتى تبلُغَ مئةَ شرطٍ أو أكثرَ، أنَّها جائزٌ اشتراطُها إذا كانت جائزةً، لا يردُّها كتابٌ ولا سنّةٌ، ولا ما كان في معناهما، ألا ترَى إلى قوله: "كلُّ شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئةَ شرط، قضاءُ الله أحقُّ، وشرطُه أوثَقُ، وإنَّما الولاءُ لمَن أعتَقَ "؟ وفي قوله: "إنَّما الولاءُ لمَن أعتقَ" نفيُ أن يكونَ الولاءُ إلّا لمُعتِق، وذلك ينفي أن يكونَ لمَن أسلَم على يدَيه ولاءٌ، أو لمُلتَقِطٍ ولاءٌ، وأن يُواليَ أحدٌ أحدًا بغيرِ عَتاقَة. وقولُه: "لمن أعتَقَ" يدخلُ فيه الذكرُ والأنثى، والواحدُ والجميعُ؛ لأنَّ "مَن" يصلحُ لذلك كلِّه، إلّا أنَّ النساءَ ليس لهنَّ من الولاءِ إلّا ولاءُ مَن أعتَقنَ أو عَتيقِه، وقد ذكَرنا كثيرًا من أحكام الولاءِ مُستوعَبةً ممهَّدةً في باب ربيعةَ من هذا الكتاب (٢)، فلا وجهَ لتكريرِ ذلكَ هاهنا. وفيه أيضًا دلالةٌ على أنَّ المُكاتَبَ إذا بِيعَ للعتقِ برضًا منه بعدَ الكتابة، وقبَضَ بائعُه ثَمنَه، لم يَجبْ عليه أن يُعطيَه من ثمنِه شيئًا، وسواءٌ باعَه لعتقٍ أو لغيرِ عتق،

стр. 7784

وليسَ ذلك كالسيدِ يُؤدِّي مكاتَبُه إليه كتابتَه فيؤتيه منها أو يضعُ عنه من آخرِها نجمًا أو ما شاء، على ما أمَر الله به في قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣؛] لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يأمرْ مواليَ بَريرَةَ بإعطائِها مما قبَضوا شيئًا، وإن كانوا قد باعوها للعتق (١). واختلَف أهلُ العلم في معنى قول الله : ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، فذهبَت طائفة من أهل العلم - وهو قولُ بعض أهل النظر من متأخِّري أصحابِ الشافعيِّ - إلى أنَّ قولَه : ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ لم يُرِدْ به سيِّدي المُكاتَبين، وإنما هو خطابٌ عامٌ للناس، مقصودٌ به إلى من آتاه اللهُ مالًا تجبُ عليه فيه زكاةٌ، فأعلمَ اللهُ عبادَه أنَّ وضْعَ الزكاةِ في العبدِ المكاتَب جائزٌ وإن كان لا يؤمَنُ عليه العجزُ، وخصَّه من بين سائرِ العبيدِ بذلك، فجعَل للمُكاتَبينَ حقًّا في الزَّكَواتِ بقوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٥]. قالوا: وهذا هو الوجهُ الذي يجبُ الاعتمادُ عليه في الإيتاءِ الذكورِ في الآية؛ لأنَّ وضْعَ بعض الكتابةِ لا تسمِّيه العربُ إيتاءً ولا عطاءً؛ لأن الإعطاءَ هو: ما تتناولُه الأيدي بالدَّفع والقبض، هذا هو المعروفُ عندَ أهل اللسان. قالوا: ولو أراد الوضعَ عن المكاتَب، لقال: ضعُوا عنهم، أو: فأعينُوهم به. بل هو من مالِ غير الكتابة، ومعروفٌ في نظام القرآن أن يَنسُقَ بضميرٍ على غيرِه، كما قال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. والمأمورُ بتركِ العَضْل الأولياءُ لا المُطلِّقون، ومثلُه قولُه: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦]. والمُبَرَّؤونَ غيرُ القائلين، وهذا كثيرٌ في القرآن. وقال مالكٌ والشافعيُّ (٢): هو أن يُوضعَ عن المكاتَبِ من آخرِ كتابته شيء.

стр. 7785

قال مالكٌ (١): وقد وضَع ابنُ عمرَ خمسةَ آلافِ درهم من خمسةٍ وثلاثينَ ألفًا. وكان مالكٌ يرَى هذا ندْبًا واستحسانًا، ويستحِبُّه، ولا يُجبِرُ عليه ولا يُوجِبُه. وكان الشافعيُّ يُوجِبُه ولا يَحُدُّ فيه حدًّا. وكانا جميعًا يستحبّان أن يُوضعَ عنه من آخرِ الكتابةِ ربُعُها. وهو قولُ الثوريِّ، وإسحاقَ بنِ راهُوية، في استحبابِ الوضع من الكتابة (٢). وكان الشافعيُّ (٣) يرَى أن يُجبَرَ السيِّدُ على أن يضعَ من آخرِها، لا يَحُدُّ. وقال قتادةُ: يُوضَعُ عنه عُشرُ الكتابة (٤). ورُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالب، وابن عباس، في قول الله : ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. قال: الرُّبُعُ من كتابتِه (٥). وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: ليس على السيدِ أن يضعَ عن مكاتبِه شيئًا من

стр. 7786

كتابتِه (١). وتأويلُ قولِ الله عندَهم: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ على النّدْبِ والحضِّ على الخيرِ لا على الإيجاب. وممّن رُوِيَ عنه أنَّ الأمرَ بالإيتاءِ ندْبٌ وحضٌّ: بُريدةُ الأسلميُّ، والحسنُ البصريُّ، وإبراهيمُ النَّخَعيُّ، وسفيانُ الثوريُّ (٢). وكان داودُ بنُ عليٍّ يرى الكتابةَ فرضًا إذا ابتغاها العبدُ وعُلِمَ فيه الخيرُ، وكان يرى الإيتاءَ أيضًا فرضًا من غير حدٍّ، ولا يرى وضْعَ آخرِها من هذا المعنى. وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على إباحةِ تسْجيعِ الكلام فيما يجُوز وينبغي منَ القول، وذلك بيانٌ لقوله في تسجيع الأعرابيِّ: إنّما هو من إخوان الكُهّان، وقد مضى هذا المعنى مجوَّدًا في باب ابن شهاب (٣) من هذا الكتاب، ومضى ذِكْرُ الوَلاءِ واختلافُ العلماءِ في أحكامِه في باب ربيعةَ (٤) والحمدُ لله.

стр. 7787

حديثٌ رابعٌ وعشرونَ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: لما قَدِم رسولُ الله ﷺ المدينةَ وُعِكَ أبو بكرٍ وبلالٌ. قالت: فدخَلْتُ عليهما فقلت: يا أبتِ، كليف تَجِدُكَ؟ ويا بلال، كيف تَجِدُكَ؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذَتْهُ الحُمّى يقول: كلُّ امرئ مُصبَّحٌ في أهلِهِ ... والموتُ أدنَى من شِراكِ نَعْلِهِ وكان بلالٌ إذا أُقلِع عنه يرفَعُ عقيرتَه ويقول: ألا ليتَ شِعْري هل أبيتَنَّ ليلةً ... بوادٍ وحَوْلي إذخرٌ وجَلِيلُ وهل أرِدَنْ يومًا مياهَ مَجَنَّةٍ ... وهل يَبْدُوَنْ لي شامَةٌ وطَفيلُ قالت عائشة: فجئتُ رسولَ الله ﷺ فأخبرتُه، فقال: "اللهُمَّ حَبِّبْ إلينا المدينةَ كحُبِّنا مكةَ أو أشدَّ، وصَحِّحْها، وبارِكْ لنا في صاعِها ومُدِّها، وانقُلْ حُمّاها واجعَلْها في الجُحفَة" (٢). أمّا قولُه: "إذخِرٌ وجَليلُ" فهما نَبْتان من الكَلأ طيِّبا الرائحة، يكونان بمكةَ وأوديَتِها، لا يكادان يُوجَدان بغيرها. و"شامةٌ وطَفيلُ" جبلان بمكة، وقيل: أحدُهما بجُدَّة، وقيل: بوادي فَخٍّ. لم يختلِفْ رُواةُ "الموطأ" فيما علِمتُ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديث ولا في مَتْنه (٣)، ولم يذكُرْ مالكٌ فيه قولَ عامر بن فُهَيْرة، وسائرُ رُواةِ هشام يذكُرونه

стр. 7788

عنه فيه بهذا الإسناد. وذكَره مالكٌ في "الموطأ" (١)، عن يحيى بن سعيد، قال: قالت عائشة: وكان عامرُ بنُ فُهَيرة يقول: قد رأيتُ الموتَ قبلَ ذَوْقِهِ ... إنّ الجَبانَ حَتْفُهُ من فَوقِهِ ورواه ابنُ عُيينة (٢)، ومحمدُ بنُ إسحاق (٣)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشةَ. فجعَلا الداخلَ على أبي بكرٍ وبلالٍ وعامرٍ رسولَ الله ﷺ لا عائشة. وقد تابَع مالكًا على روايته في ذلك سعيدُ بنُ عبدِ الرحمن المخزوميُّ. أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ داود، قال: حدَّثنا سُحنونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني سعيدُ بنُ عبدِ الرحمن، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنها قالت: لما قَدِم رسولُ الله ﷺ المدينةَ وُعِك أبو بكرٍ وبلالٌ وعامرُ بنُ فُهَيرة. قالت: فدخَلتُ عليهم وهم في بيت، فقلت: يا أبتِ، كيف تَجِدُكَ؟ يا بلالُ، كيف تَجِدُكَ؟ يا عامرُ، كيف تَجِدُكَ؟ فكان أبو بكرٍ إذا أخَذته الحُمَّى يقول: كلُّ امرئ مُصبَّح في أهلِهِ ... والموتُ أدْنَى من شِراكِ نَعْلِهِ

стр. 7789

ويقول عامرُ بنُ فُهيرَة: قد ذُقْتُ طَعْمَ الموتِ قبلَ ذَوْقِهِ ... إنّ الجَبانَ حَتْفُهُ من فَوقِهِ وكان بلالٌ إذا أُقلع عنه يرفَعُ عقيرتَه فيقول: ألا ليتَ شِعْري فذكَر البيتين. والحديثُ إلى آخرِه كروايةِ مالكٍ سواء، إلا أنه ذكَر فيه قولَ عامرِ بنِ فُهَيرة كما ترى، وجعَل الداخلةَ عليهم عائشة. وأما حديثُ ابن عيينة، فحدَّثناه سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل الترمذيُّ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (١): حدَّثنا سفيان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لما دخَل رسولُ الله ﷺ المدينةَ حُمَّ أصحابُه. قالت: فدخَل رسولُ الله على أبي بكر يعودُه، فقال: "كيف تَجِدُك يا أبا بكر؟ " فقال أبو بكر: كلُّ امرئ مُصَبَّحٌ في أهلِهِ ... والموتُ أدنَى من شِراكِ نَعلِهِ قالت: ودخَل على عامرِ بنِ فُهَيرة فقال: "كيف تَجِدُكَ؟ " فقال: وجَدتُ طَعْمَ الموتِ قبلَ ذَوْقِهِ ... إنّ الجَبانَ حَتْفُهُ من فَوقِهِ كالثورِ يَحْمِي جِلْدَه برَوْقِهِ (٢) قالت: ودخَل على بلالٍ فقال: "كيف تَجِدُك؟ " فقال: ألا ليتَ شعْرِي هل أبيتَنَّ لَيلةً ... بفَخٍّ وحَوْلِي إذْخِرٌ وجَليلُ

стр. 7790

وربَّما قال سفيان: بوادٍ. وهل أرِدَنْ يومًا مِياهَ مَجَنَّةٍ ... وهل يَبْدُوَنْ لي شامَةٌ وطَفِيلُ فقال رسولُ الله ﷺ : "اللَّهُمَّ إنّ إبراهيمَ عبدُك وخَليلُك، دعاكَ لأهلِ مكة، وأنا عبدُكَ ورسولُكَ، أدعُوكَ لأهل المدينةِ بمثلِ ما دعاك إبراهيمُ لأهلِ مكة، اللهُمَّ بارِكْ لنا في صاعِنا، وبارِكْ لنا في مُدِّنا، وبارِكْ لنا في مدينتِنا" - قال سفيان: وأُراه قال: "وفي فَرَقِنا" - "اللَّهُمَّ حبِّبْها إلينا ضِعْفَيْ ما حبَّبتَ إلينا مكةَ أو أشدَّ، وصَحِّحْها، وانقُلْ وباءَها إلى خُمٍّ (١) أو الجُحْفَة". هكذا قال ابنُ عيينةَ في هذا الحديث، أنَّ رسولَ الله ﷺ هو كان الداخلَ على أبي بكرٍ وعلى بلالٍ وعامرِ بنِ فُهَيرةَ يعودُهم، وهو كان المخاطِبَ لهم. وشكَّ في قولِ بلال في البيت الذي أنشَده: بفخٍّ أو: بوادٍ. وروَى ابنُ إسحاق (٢) هذا الحديث، عن عبدِ الله بنِ عُروة، عن عُروة، عن عائشةَ بمثل روايةِ ابنِ عُيينةَ سواءً في المعنى، إلا أنه قال: بفَخٍّ. من غير شَكٍّ، ولم يقل: بوادٍ. قال الفاكهيُّ (٣): وفَخٌّ: الوادي الذي بأصلِ الثَّنيةِ البيضاءِ إلى بَلْدَح.

стр. 7791

قال أبو عُمر: وهو بقُربِ وادي ذي طَوًى، وإيّاه عنى الشاعرُ النُّمَيريُّ (١) حيث قال: تَضَوَّعَ مِسْكًا بطنُ نَعْمانَ أنْ ... مشَتْ به زينبٌ في نِسوةٍ خَفِراتِ (٢) مَرَرْنَ بفخٍّ رائحاتٍ عَشِيّةً ... يُلَبِّينَ للرَّحمنِ مُعْتَمِراتِ ونَعْمانُ: وادي عرفات. وقال آخرُ: ماذا بفَخٍّ من الإشراقِ والطِّيبِ ... ومن جَوارٍ نَقيّاتٍ رَعابيبِ (٣) وأما قولُ ابنِ عُيينة: "وانْقُلْ وباءَها إلى خُمٍّ أو الجُحْفَة". شَكٌّ، فإنَّ "خُمّ" أيضًا من الجُحْفَةِ قَريبٌ. وقال ابنُ إسحاقَ في حديثه: "وانْقُلْ وباءَها إلى مَهْيعَةَ": وهي الجُحْفة. وقد روَى ابنُ أبي الزناد، عن موسى بن عُقْبةَ، عن سالم، عن ابنِ عمر، قال: سمِعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "رأيتُ في المنام امرأةً سوداءَ ثائرةَ الشَّعَرِ تَفِلةً (٤)، أُخْرِجت من المدينة فأُسْكِنت مَهْيعةَ، فأوَّلتُها وباءَ المدينةِ يَنقُلُها اللهُ إلى مَهيعةَ" (٥).

стр. 7792

وفي هذا الحديثِ: بيانُ ما هو مُتعارَفٌ حتى الآنَ من تَنكُّرِ البُلدانِ على مَن لم يعرِفْ هواها، ولم يُغَذَّ بمائها. وفيه: عيادةُ الجِلَّةِ السادةِ لإخوانهم ومواليهم الصالحين، وفي فضلِ العيادةِ آثارٌ كثيرةٌ قد وقَعت في مواضِعها من هذا الكتاب. وفيه: سؤالُ العليل عن حاله بـ: كيفَ تَجِدُكَ؟ وكيف أنت؟ ونحو ذلك. وفيه: أنّ إشارةَ المريض إلى ذكرِ ما يجدُ ليس بشَكْوَى، وإذا جاز استخبارُ العليل جاز إخبارُه عمّا به، ومَن رضيَ فله الأجرُ والرِّضا، ومَن سَخِط فله السَّخَطُ والبَلْوَى. وفيه: إجازةُ إنشادِ الشِّعر والتَّمثل به واستِماعِه، وإذا كان رسولُ الله ﷺ يَسمَعُه وأبو بكر يُنشِدُه، فهل للتقليدِ والاقتداءِ موضعٌ أرفَعُ من هذا؟ وما استَنْشَده رسولُ الله ﷺ وأُنْشِد بينَ يدَيْه أكثرُ من أن يُحصَى، ولا يُنكِرُ الشِّعرَ الحسنَ أحدٌ من أُولي العلم ولا من أُولي النُّهَى. قال آخَر: ماذا بفَخٍّ من الإشراقِ والطِّيب ... ومن جَوارِ نقياتٍ رَعابيب (١) وليس أحدٌ من كبارِ الصحابةِ وأهل العلم وموضعِ القُدْوةِ إلا وقد قال الشِّعرَ وتمثَّل به، أو سمِعَه فَرضِيَه، وذلك ما كان حِكْمةً أو مباحًا من القول، ولم يكنْ فيه فُحْشٌ ولا خَنًى (٢)، ولا لمسلم أذًى، فإن كان ذلك فهو والمنثورُ من الكلام سواءٌ، لا يحلُّ سماعُه ولا قولُه. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملك (٣)، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا

стр. 7793

الزَّعفرانيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن عبدِ الملك بنِ عُمَير، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ على المنبرِ يقول: "أصدَقُ - أو أشعرُ - كلمةٍ قالَتها العربُ كلمةُ لبيد: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ" (١). وروينا من وجوه عن ابن سرين - وكان منَ الورَع بمنزلةٍ ذهَبت مثلًا - أنه أنشَد شِعرًا، فقال له بعضُ جُلسائه: مثلُك يُنشِدُ الشعرَ يا أبا بكر؟ فقال: ويلَك يا لُكعُ، وهل الشِّعرُ إلا كلامٌ، لا يُخالِفُ سائرَ الكلام إلا في القوافي، فحَسَنُه حسَنٌ، وقبيحُه قبيح. قال: وقد كانوا يتذاكَرون الشعرَ. قال: وسمِعتُ ابنَ عمرَ ينشدُ: يُحِبُّ الخمرَ من مالِ النَّدامَى ... ويكْرَهُ أن تُفارقَهُ الفلوسُ (٢) حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٣)، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ السَّكَن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسف (٤)، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال: أخبر نا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهريِّ، قال: أخبرني أبو بكر بنُ عبدِ الرحمن، أن مروانَ بنَ الحكَم أخبَره، أن عبدَ الرحمن بنَ الأسود بنِ عبد يغوثَ أخبرَه، أن أُبيَّ بنَ كعبِ أخبَره، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنّ مِن الشِّعْرِ حكمةً" (٥).

стр. 7794

وقد كان لرسولِ الله ﷺ شُعراءُ يُناضِلون عنه وَيرُدُّون عنه الأذى: وهم حسانُ بنُ ثابت، وكعبُ بنُ مالك، وعبدُ الله بنُ رواحة، وفيهم نزلت: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]؛ لأنه لمّا نزلت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦]. جاؤوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسولَ الله، قد أنزَل اللهُ هذا في الشعراء. فنزلت: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾، فقال رسولُ الله ﷺ : "أنتُمْ هُم". ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. قال رسولُ الله ﷺ : "أنتُمْ هُم" (١). وفي هذا دليلٌ بيِّنٌ على أن الشِّعرَ لا يضُرُّ من آمَن وعمِل صالحًا وقال حقًّا، وأنه كالكلام المنثور، يؤجَرُ منه المرءُ على ما يؤجرُ منه، ويُكرَه له منه ما يُكرَهُ منه. واللهُ أعلم. قال أبو عُمر: وأما قولُه ﷺ : "لأن يمتلئ جوفُ أحدِكم قَيْحًا حتى يَرِيَه، خيرٌ من أن يمتلئ شِعرًا" (٢). فأحسنُ ما قيل في تأويلِه، واللهُ أعلم، أنه الذي قد غلَب الشِّعرُ عليه وامتلأ صدرُه منه دونَ عِلمٍ سِواهُ، ولا شيءَ من الذِّكرِ غيرُه ممّن يخوضُ به في الباطل، ويسلُكُ به مسالكَ لا تُحمَدُ له، كالمُكْثِر من الهَذَر، واللَّغَط، والغِيبة، وقبيح القَوْل، ولا يَذكُرُ اللهَ كثيرًا، وهذا كلُّه ممّا اجتمَع العلماءُ على معنى ما

стр. 7795

قلتُ منه. ولهذا قلنا فيما رُوِيَ عن ابنِ سيرين، والشّعبيِّ، ومَن قال بقولهما من العلماء: الشعرُ كلامٌ، فحسَنُه حسَنٌ، وقبيحُه قبيحٌ: إنه قولٌ صحيحٌ. وبالله التوفيق. وأما قولُه في حديث مالك: "فرفَع بلالٌ عَقيرَتَه" فمعناه: رفَع بالشِّعرِ صوتَه كالمتغَنِّي به ترنُّمًا، وأكثرُ ما تقولُ العرب: رفَع عقيرتَه: لمَن رفَع بالغناءِ صوتَه (١). وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أن رَفْعَ الصوتِ بإنشادِ الشعرِ مباحٌ، ألا ترَى أنَّ رسولَ الله ﷺ لم يُنكِرْ على بلالٍ رَفْعَ عَقيرته بالشِّعر؟ وكان بلالٌ قد حَمَلَهُ على ذلك شدَّةُ تشوُّقِه إلى وطنِه، فجرَى في ذلك على عادتِه، فلم يُنكِرْ ذلك رسولُ الله ﷺ . وهذا البابُ من الغناءِ قد أجازه العلماء، وورَدتِ الآثارُ عن السَّلفِ بإجازته، وهو يُسمَّى غناءَ الرُّكبان، وغِناءَ النَّصْب (٢)، والحُداء، هذه الأوجُهُ من الغناءِ لا خلافَ في جوازِها بين العلماء. روَى ابنُ وَهْب، عن أسامةَ وعبدِ الله ابنَي زيدِ بنِ أسلم، عن أبيهما زيدِ بنِ أسلم، عن أبيه، أن عمرَ بنَ الخطاب قال: الغناءُ من زادِ الراكب. أو قال: زادِ المسافر (٣). أخبرنا أحمدُ بنُ محمد (٤)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ

стр. 7796

جرير، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى الفَزاريُّ، قال: أخبَرنا سفيانُ بنُ عيينة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه قال: قال عمر: نِعم زادُ الراكب الغناءُ نَصْبًا (١). وأخبرنا أحمدُ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا محمدٌ (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جرير، قال: حدَّثني أبي، قال: سمِعتُ محمد بن إسحاق يحدِّثُ، عن صالح بنِ كَيسان، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، قال: رأيتُ أُسامةَ بنَ زيدٍ مضطجعًا على باب حُجرتِه رافعًا عَقيرتَه يَتغنَّى (٣). قال: وحدَّثنا ابنُ بشار، قال: أخبرنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابنُ جريج، قال: قال ابنُ شهاب، عن عمرَ بنِ عبد العزيز، أن محمدَ بنَ نوفل أخبَره، أنَّه رأى أُسامةَ بنَ زيدٍ واضِعًا إحدَى رجلَيه على الأُخرى يَتغنَّى النَّصْب (٤).

стр. 7797

وروَى شعيبُ بنُ أبي حمزة، عن الزُّهريِّ، قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتبةَ، أن أباه أخبَره، أنَّه سمِع عبدَ الله بنَ الأرقم رافعًا عَقيرتَه يَتغنَّى. قال عبدُ الله بنُ عتبة (١): ولا والله، ما رأيتُ رجلًا كانَ أخشَى لله من عبدِ الله بنِ الأرقم. وقد ذكَر أهلُ الأخبارِ أن عمرَ بنَ الخطاب أتى دارَ عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ فسمِعه يتغنَّى بالرُّكبانيّة (٢): وكيف ثوائي بالمدينةِ بعدَما ... قضَى وطَرًا منها جميلُ بنُ مَعْمَرِ هكذا ذكَر هذا الخبرَ الزُّبيرُ بنُ بكّارٍ (٣)، وذكَره المُبرِّدُ (٤) مقلوبًا (٥)، أن عبدَ الرحمن سمِع ذلك من عمرَ. والصوابُ ما قاله الزبيرُ، واللهُ أعلم. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (٦)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثني أبو السائب، قال: حدَّثنا ابنُ إدريس، عن ابن جريج، قال: سألتُ عطاءً عن الحُداء، والشِّعْر، والغناء، قال ابنُ إدريس: يُغنِّي غناءَ الرُّكبان. فقال: لا بأسَ به ما لم يكنْ فُحْشًا (٧).

стр. 7798

وقد كان رسولُ الله - صلي الله عليه وسلَّم - يُحْدَأُ له في السَّفَر. رُوِيَ ذلك من حديثِ ابنِ مسعود (١)، وابنِ عباس (٢). وروى شعبةُ، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن أنس، قال: كان رسولُ الله - صلي الله عليه وسلَّم - في مَسيرٍ ومعهم حادٍ وسائقٌ (٣). حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ قراءةً منِّي عليه، أنَّ أحمدَ بنَ الفَضْل بنِ العباس حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جريرِ بنِ يزيدَ، قال: حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن أنسِ بنِ مالك، قال: كان البَرَاءُ جيدَ الحُداء، وكان حادِيَ الرجال، وكان أنْجَشَةُ يَحْدو بالنِّساء، فحَدا ذاتَ ليلةٍ فأعنَقتِ الإبل، فقال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلَّم -: "ويحَكَ يا أنْجَشَةُ،

стр. 7799

رويدًا سوقَك بالقوارير" (١). وقد حَدَا به ﷺ عبدُ الله بنُ رَوَاحة (٢)، وعامرُ بنُ سنان (٣)، وجماعةٌ، فهذا مما لا أعلمُ فيه خلافًا بينَ العلماء إذا كان الشِّعرُ سالمًا من الفُحشِ والخَنَى.

стр. 7800

وأما الغناءُ الذي كرِهه العلماءُ، فهو الغناءُ بتقطيع حروفِ الهجاء، وإفسادِ وَزنِ الشعرِ والتَّمطيطِ به طلبًا للَّهو والطَّرب، وخُروجًا عن مذاهبِ العرب، والدليلُ على صحَّة ما ذكَرنا، أن الذين أجازوا ما وصَفنا من النَّصْب والحُداءِ هم كرِهوا هذا النوعَ من الغناء، وليس منهم مَنْ يأتي شيئًا وهو يَنهَى عنه. روَى شعبةُ (١) وسفيانُ (٢)، عن الحَكَم وحماد (٣)، عن إبراهيم، قال: قال عبدُ الله بنُ مسعود: الغناءُ يُنبتُ النفاقَ في القلب. وروَى ابنُ وَهْب، عن سليمانَ بنِ بلال، عن كثيرِ بنِ زيد، أنَّه سمِع عُبيدَ الله بنَ عبدِ الله بنِ عمرَ يقول للقاسم بنِ محمد: كيف ترَى في الغناء؟ فقال القاسم: هو باطل. قال: قد عرفتُ أنَّه باطلٌ، فكيف ترَى فيه؟ قال القاسم: أرأيتَ الباطلَ أين هو؟ قال: في النار. قال: فهو ذاك.

стр. 7801

ورُوِيَ من حديثِ أنس (١)، وحديثِ عبدِ الرحمن بنِ عوف (٢)، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال معنى ما أقول لك: "صَوْتانِ مَلْعونان فاجِرانِ أنْهَى عنهما: صوتُ مزمار، ورَنَّةُ شيطانٍ عندَ نِعْمَةٍ ونَوْحٌ، ورَنَّة عند مُصيبة، ولَطْمُ وُجُوه، وشَقُّ جُيوب". فهذا ما أتى في كراهيةِ الغناء، وقد أتَى ما هو أثبَتُ من هذا من جهةِ الإسنادِ في خصوصِ الرُّخصةِ في ذلك في الأعيادِ والإملاكِ خاصّة.

стр. 7802

روَى ابنُ شهاب (١)، وهشامُ بنُ عُروة (٢)، عن عُروةَ، عن عائشة، أن أبا بكر دخَل عليها وعندَها جاريَتانِ تُغنِّيان في يوم عيد، أو في أيام منًى، ويضرِبان بالدُّفِّ ورسولُ الله - صلي الله عليه وسلَّم - يَسمعُ ذلك ولا ينْهاهما، فانتهَرهما أبو بكر، فقال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلَّم -: "دَعْهما يا أبا بكر، فإنها أيامُ عيد". وفي كلا الوجهين آثارٌ عن السَّلَف كثيرةٌ تركتُ ذِكْرَها؛ لأنَّ مدارَ الباب كلِّه على ما أورَدْنا فيه، واللهَ أسألُه العِصْمةَ والتوفيق. وقد رُوِيت الرُّخصةُ في الألحان التي تَعرِفُها العربُ ورفع العَقيرةِ بها دونَ ألحانِ الأعاجم المكروهة، عن جماعة من علماء السَّلف، لو ذكَرناهم لطالَ الكتابُ بذِكْرِهم، وحسبُكَ منهم بسعيدِ بنِ المسيِّب، ومحمدِ بنِ سِيْرين، وهما ممّن يُضرَبُ المثلُ بهما. ذكَر وكيع محمدُ بنُ خلف، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ أبي سعد، قال: حدَّثني الحسنُ بنُ عليٍّ بنِ منصور، قال: أخبرني أبو عتّاب، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ العباسِ المطَّلبيِّ، أنَّ سعيدَ بنَ المسيب مرَّ في بعض أزِقَّةِ مكة، فسمِع الأخضرَ الجُدِّيَّ يتغنَّى في دارِ العاصي بن وائل: تضوَّعَ مسكًا (٣) بطنُ نَعمانَ أن ... مَشَت به زينبٌ في نسوةٍ خَفِراتِ فضَرب سعيدٌ برجلِه، وقال: هذا والله ما يَلذُّ استماعُه! ثم قال: وليسَت كأخْرَى أوسَعت جَيبَ دِرْعِها ... وأبْدَت بَنانَ الكفِّ بالجَمَراتِ

стр. 7803

وعَلَّت بِنانَ المِسكِ وَحْفًا مرجَّلًا ... على مثلِ بَدرٍ لاحَ في ظُلماتِ (١) وقامَت تَراءَى يومَ جَمْعٍ فأفتَنت ... برؤيتِها مَن راحَ مِن عَرَفاتِ قال: فكانوا يَرونَ أن هذا الشعرَ لسعيدِ بنِ المسيب (٢). قال أبو عُمر: يُحفَظُ لسعيدٍ أبياتٌ كثيرةٌ، وتمثَّل أيضًا بأبياتٍ لغيرِه كثيرة، وليس هذا في شعرِ النُّميريِّ، والذي حَفِظناه من شعرِ النُّميريِّ وروَيْناه ليس فيه هذه الأبيات (٣)، فهي لسعيد. واللهُ أعلم. والنُّميريُّ هذا ليس هو من بني نُمير، إنما هو ثَقَفيٌّ، وهو محمدُ بنُ عبدِ الله، نُسِب إلى جدِّه. وروَى قتيبةُ بنُ سعيد، عن أبي بكرِ بنِ شعيبِ بنِ الحَبْحابِ المِعْوليِّ،

стр. 7804

عن أبيه قال: كنتُ عندَ ابنِ سيرينَ، فجاءه إنسان يسألُه عن شيءٍ من الشِّعرِ قبلَ صلاةِ العصر، فأنشَده ابنُ سيرين: كأنَّ المُدامةَ والزَّنْجَبيلْ ... وريحَ الخُزامى (١) وذَوْبَ العسَلْ يُعَلُّ به بَرْدُ أنيابِها (٢) ... إذا النجمُ وَسْطَ السماءِ اعْتَدَلْ وقال: اللهُ أكبرُ. ودخَل في الصلاة (٣). وهذا الشِّعرُ أيضًا للنُّمَيريِّ المذكورِ في زينبَ أختِ الحَجّاج التي له فيها الشِّعرُ الثاني، أوله: ألا مَن لقَلْبٍ مُعَنّى غَزِلْ ... يُحِبُّ المُحِلَّةَ أختَ المُحِلْ تراءت لنا يومَ فرعَ الأرا ... كِ بينَ العِشاءِ وبينَ الأُصُلْ كأن القَرنفلَ والزَّنجبيلْ ... وريحَ الخُزامى وذوبَ العسَلْ يُعَلُّ به بَرْدُ أنيابِها .... إذا ما صغَا (٤) الكوكبُ المُعتَدِلْ وقد مضَى في مواضعَ من هذا الكتابِ في أمرِ استتارِ النساءِ والحجابِ وفضائلِ المدينةِ ما يُغْني عن تكريرِه في هذا الباب. والحمدُ لله.

стр. 7805

حديثٌ خامسٌ وعشرونَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّه قال: سُئل أسامةُ بنُ زيدٍ وأنا جالسٌ: كيف كان رسولُ الله - صلي الله عليه وسلَّم - يسيرُ في حَجّةِ الوداع حينَ دفَع من عَرَفة؟ فقال: كان يسيرُ العَنَق، فإذا وجَد فُرجةً نَصَّ. قال هشام: والنَّصُّ: فوقَ العَنَق. هكذا قال يحيى: "فُرجةً" وتابعَه جماعةٌ؛ منهم أبو المُصعب (٢)، وابنُ بُكير، وسعيدُ بنُ عُفير. وقالت طائفةٌ منهم ابنُ وَهْب (٣)، وابن القاسم (٤)، والقَعْنَبيُّ (٥): فإذا وجد فَجْوةً. والفجوةُ والفُرجةُ سواءٌ في اللغة. وليس في هذا الحديث أكثرُ من معرفةِ كيفيةِ السير في الدَّفعةِ من عرفة إلى مُزْدَلِفة، وهو شيءٌ يجبُ الوقوفُ عليه وامتثالُه على أئمةِ الحاجِّ فمن دونَهم؛ لأنَّ في استعجالِ السَّيرِ إلى مُزْدَلِفَة استعجالَ الصلاةِ بها، ومعلومٌ أنّ المغربَ لا تُصَلَّى تلك الليلةِ إلا مع العشاء، وتلك سنَّتُهما، فيجبُ أن يكونَ ذلك على حسبِ ما فعَله رسولُ الله - صلي الله عليه وسلَّم -، فمَن قصَّر عن ذلك أو زادَ فقد أساءَ، إذا كان عالمًا بما جاء في ذلك.

стр. 7806

وأما حُكمُ الصلاتين بينَ المُزْدلفة (١)، فقد ذكَرناها في بابِ ابنِ شهابٍ من هذا الكتاب (٢). والحمدُ لله. والعَنَقُ: مشيٌ معروفٌ للدوابِّ لا يُجهَلُ، وقد يُستعملُ مجازًا في غير الدوابِّ. قال الشاعر: يا جارتي يا طويلةَ العُنُقْ ... أخرَجتِني بالصُّدود عن عَنَقْ والنَّصُّ هاهنا كالخَبَب، وهو فوقَ العَنَقِ وأرفعُ في الحركة، وأصلُ النَّصِّ في اللغة: الرَّفْعُ، يقال منه: نصَصْتُ الدّابةَ في سيرِها. قال الشاعر (٣): ألستِ التي كلَّفتِها سَيرَ ليلةٍ ... من أهْل منًى نصًّا إلى أهلِ يثربِ وقال اللَّهَبيُّ (٤): يا رُبَّ بَيْداءَ وليلٍ داجِ ... قطَعتُه بالنَّصِّ والإدلاجِ وقال آخر (٥): ونصَّ الحديثَ إلى أهلِهِ ... فإنَّ الوثيقَةَ في نصِّهِ

стр. 7807

أي ارفعْهُ إلى أهلِه وانسُبْهُ إليهم. وقال أبو عُبيد (١): النَّصُّ التحريكُ الذي يُستخرجُ به من الدَّابةِ أقصى سَيْرها، وأنشدَ قولَ الرَّاجز: تقطعُ الخَرْقَ بسَيْرِ نصِّ. وأما النَّصُّ في الشريعة فما استوَى من خطاب القُرآنِ وغيره ظاهرُه مع باطنه وفَهْم مُرادِه من ظاهره، ومنهم من قال: النَّصُّ ما لا يصحُّ أن يُرَدَّ عليه التخصيصُ ويَسْلمُ من العِلل، ولهم في حُدوده كلامٌ كثيرٌ ليس هذا مَوضع ذكرِه، وبالله التوفيق.

стр. 7808

عُرْوةُ عن عَبْدِ الله بن الأرقم حديثٌ سادسٌ وعشرونَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ عبدَ الله بنَ الأرقم كان يؤُمُّ أصحابَه، فحضَرتِ الصَّلاةُ يومًا، فذهَب لحاجتِه، ثم رجع فقال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إذا أرادَ أحدُكم الغائِطَ فليَبدَأ به قبلَ الصَّلاة". قد ذكَرنا عبدَ الله بنَ الأرقم في كتابنا في "الصحابة" (٢) بما يُغني عن ذكرِه هاهنا. ولم يخُتلَفْ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ ولفظِه (٣)، واختُلف فيه عن هشام بنِ عُروة، فرواه مالكٌ، كما تَرَى، وتابَعه زُهيرُ بنُ مُعاوية (٤)، وسُفيانُ بنُ عُيَيْنة (٥)، وحَفْصُ بنُ غِياث (٦)، ومحمدُ بنُ إسحاق، وشُجاعُ بنُ الوليد، وحَمّادُ بنُ زيد (٧)، ووكيع، وأبو معاوية (٨)، والمُفضَّلُ بنُ فَضَالةَ،

стр. 7809

ومحمدُ بنُ كُناسة (١)، كلُّهم رواه عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ الأرقم، كما رواه مالكٌ. ورواه وُهيبُ بنُ خالد، وأنسُ بنُ عِياض، وشُعيبُ بنُ إسحاق، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن رجل حدَّثه، عن عبدِ الله بنِ الأرقم. فأدخَلَ هؤلاءِ بينَ عُروةَ وبينَ عبدِ الله بنِ الأرقم رجلًا. ذكَر ذلك أبو داود (٢). ورواه أيوبُ بنُ موسى، عن هشام، عن أبيه، أنَّه سمِعه من عبدِ الله بنِ الأرقم. فاللهُ أعلم (٣). ذكَر عبدُ الرزاق (٤)، قال: أخبَرنا ابنُ جريج، عن أيوبَ بنِ موسى، عن هشام بنِ عُروة، عن عُروة، قال: خرَجنا في حجٍّ أو عُمْرةٍ مع عبدِ الله بنِ الأرقم الزُّهريِّ، فأقامَ الصَّلاةَ ثم قال: صلُّوا. وذهَب لحاجتِه فلمّا رجَع قال: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا أُقيمتِ الصَّلاةُ وأرادَ أحدُكُم الغائطَ فلْيَبدَأ بالغائط".

стр. 7810

فهذا الإسنادُ يشهَدُ بأن روايةَ مالكٍ ومَن تابعَه في هذا الحديثِ متصلة، وابنُ جريج وأيوبُ بنُ موسى ثقتان حافظان. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ الجمّالُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ كُناسة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ الأرقم، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا حضَرتِ الرجلَ الصلاةُ وأراد الخلاءَ، بدَأ بالخلاء" (١). وحدَّثنا عبدُ الوارث (٢)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد (٣)، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّاد بنُ زيد، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ الأرقم، أنّه كان يسافرُ، فكان يُؤذِّنُ لأصحابِه ويَؤمُّهم، فثَوَّب بالصَّلاةِ يومًا فقال: ليَؤُمَّكم أحدُكم، فإنِّي سمِعتُ رسولَ الله - صلي الله عليه وسلَّم - يقول: "إذا أرادَ أحدُكم أن يأتيَ الخلاءَ وأُقيمتِ الصلاةُ، فلْيَبدأ بالخلاء" (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير،

стр. 7811

قال (١): حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ الأرقم، قال: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلَّم -: فذكَر نحوَه. ورواه أبو الأسود (٢)، عن عُروة، عن عبدِ الله بنِ الأرقم. ذكَره ابنُ وَهْب، عن ابن لَهيعةَ، عن أبي الأسود. في هذا الحديثِ من الفقهِ ألّا يصلِّيَ أحدٌ وهو حاقنٌ. واختلف الفقهاءُ فيمَن صلَّى وهو حاقنٌ؛ فقال ابنُ القاسم، عن مالك: إذا شغَله ذلك فصلَّى كذلك، فإنِّي أُحبُّ أن يُعيدَ في الوقتِ وبعدَه (٣). وقال الشافعيُّ وأبو حنيفة وعبيدُ الله بنُ الحسن: يُكرَهُ أن يُصلِّيَ وهو حاقنٌ، وصلاتُه جائزةٌ مع ذلك إن لم يترُكْ شيئًا من فَرضِها (٤). وقال الثوريُّ: إذا خاف أن يسبِقَه البولُ قدَّم رجلًا وانصرَف (٥). وقال الطحاويُّ (٦): لا يختلِفون أنّه لو شغَل قلبَه بشيءٍ من أمرِ الدنيا لم تُستَحبَّ له الإعادة، كذلك إذا شغَله البول.

стр. 7812

قال أبو عُمر: أحسنُ شيءٍ رُوِي مسندًا في هذا الباب، حديثُ عبدِ الله بنِ الأرقم وحديثُ عائشة، فأما حديثُ عبدِ الله بنِ الأرقم فقد مضَى، وأما حديثُ عائشة، فأحسنُ أسانيدِه ما حدَّثناه عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، ومحمدُ بنُ عيسى، ومسددٌ، المَعْنَى، قالوا: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ القَطّان، عن أبي حَزْرَة، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد - يعني ابنَ أبي بكر - أخو القاسم بن محمد، قال: كُنا عندَ عائشةَ فجيء بطعامِها، فقام القاسمُ يصلِّي، فقالت: سمِعتُ رسولَ الله - صلي الله عليه وسلَّم - يقول: "لا يصلِّي أحدٌ بحضرةِ الطعام، ولا هو يدافعُه الأخبَثان". وهذا حديثٌ ثابتٌ صحيح. وأما ما رُوِيَ عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أنس، أنَّ رسولَ الله - صلي الله عليه وسلَّم - قال: "لا يُصلِّي أحدُكم وهو يدافعُ الأخبَثين، الغائطَ والبول". فلا أصلَ له في حديثِ مالك، وهو موضوعُ الإسناد. قال أبو عُمر: قد أجمَعوا أنّه لو صلَّى بحضرةِ الطعام فأكملَ صلاتَه ولم يَتْرُكْ من فَرائضِها شيئًا أن صلاتَه مجزئَةٌ عنه، فكذلك إذا صَلّاها حاقِنًا فأكملَ

стр. 7813

صلاتَه، وفي هذا دليلٌ على أن النَّهي عن الصَّلاةِ بحضرةِ الطعام من أجل خَوفِ اشتغالِ بالِ المُصلِّي بالطعام عن الصَّلاةِ وتَركِه إقامتَها على حدودِها، فإذا أقامَها على حدودِها خرَجَ من المعنَى المَخُوف عليه، وأجْزأته صلاتُه لذلك. وقد روَى يزيدُ بنُ شُريح الحَضْرَميُّ، عن أبي حيٍّ المؤذِّن، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لا يحلُّ لمؤمنٍ أن يصلِّيَ وهو حاقنٌ جدًّا". رواه ثورُ بنُ يزيدَ الشاميُّ، عن يزيدَ بنِ شُريح (١). ورواه حبيبُ بنُ صالح، عن يزيدَ بنِ شريح، عن أبي حيٍّ المؤذِّن، عن ثوبان،

стр. 7814

عن النبيِّ ﷺ (١). ومثلُ هذا الخبرِ لا تقومُ به حجةٌ عندَ أهلِ العلم بالحديث (٢)، ولو صحَّ كان معناه أنّه إذا كان حاقنًا جدًّا لم يتهيّأ له إكمالُ صلاتِه علي درجهِها، واللهُ أعلم. وقد رُوِيَ عن عمرَ بنِ الخطاب أنَّه قال: من استَطاع منكم فلا يُصلِّي وهو موجَحٌ (٣) من خلاءٍ أو بَول. وهذا واللهُ أعلمُ يدلّ على الاستحباب. ورُوِيَ عنه أيضًا أنّه قال: لا يدافِعنَّ أحدُكم الخبثَ في الصلاة. ذكَره ابنُ المبارك، قال: أخبَرنا عمرانُ بنُ حُدير، عن نصرِ بنِ عاصم، عن عمرَ بنِ الخطاب. والخبرُ الأولُ عن عمرَ ذكَره أيضًا ابنُ المبارك، عن حَيوةَ بنِ شريح، عن جعفرِ بنِ ربيعة، عن عبدِ الله بنِ رافع الحضرميِّ المصريِّ، عن عمرِو بنِ معدي كَرِب سَمِعَ عمرَ. وذكر مالكٌ (٤)، عن زيدِ بنِ أسلم، أن عمرَ بنَ الخطاب قال: لا يُصلِّينَّ أحدُكم وهو ضامٌّ بينَ وَرِكَيه.

стр. 7815

وقرأتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سفيان، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل الترمذيُّ، قال: حدَّثنا نعيمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك، قال: أخبرنا هشامٌ، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: لأن أصلِّي وهو في ناحيةٍ من ثوبي، أحبُّ إليَّ من أن أصلِّي وأنا أُدافعُه (١). فهؤلاء كَرِهوا الصلاةَ للحاقِن، وجاءت فيه رُخصةٌ عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ، وطاوسٍ اليمانيِّ. ذكَر ابنُ المبارك، عن الثوريِّ، عن الحسنِ بنِ عُبيدِ الله، عن إبراهيم، قال: لا بأسَ به ما لم يُعجِلْك (٢). وعن سفيان، عن إبراهيمَ بنِ ميسرة، عن طاوس، قال: إنّا لنَصُرُّه صَرًّا، وإنّا لنضغَطُه (٣). قال أبو عُمر: الذي نقول به: إنّه لا ينبغي لأحدٍ أن يفعلَه، فإن فعَل وسَلِمت له صلاتُه، أجزَأت عنه، وبئسما صنَع. وفي قوله في هذا الحديث وغيره: "إذا أراد أحدُكم الغائطَ". ما يدُلُّك على هروبِ العربِ من الفُحشِ والقَذْع، ودَناءةِ القولِ وفُسولتِه، ومجانَبتِهم للخَنَا كلِّه، فلهذا قالوا لموضع الغائط: الخلاء، والمذهَبُ والمخرَجُ، والكَنيفُ، والحُشُّ، والمرحاضُ. وكلُّ ذلك كنايةٌ وفرارٌ عن التصريح في ذلك.

стр. 7816

عُروةُ عن المِسْوَر حديثٌ سابعٌ وعشرونَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمة، أنّه أخبره، أن سُبيعةَ الأسلميةَ نُفِست (٢) بعدَ وفاةِ زوجِها بليال، فقال لها رسولُ الله - صلي الله عليه وسلَّم -: "قد حلَلْتِ، فانكِحي مَن شئت". قد مضَى القولُ في معنَى هذا الحديثِ في بابِ عبدِ ربِّه بنِ سعيد (٣)، فلا معنَى لتكريرِه هاهنا. وأكثرُ رواةِ "الموطأ" ليس هذا الحديثُ عندَهم بهذا الإسناد. وفِقهُ هذا الحديث أن المُتوفَّى عنها الحاملَ عدَّتُها أن تضَعَ ما في بطنِها، خلافَ قولِ مَن قال: عدَّتُها آخِرُ الأجلَين. وقد بيَّنّا ذلك كلَّه وأوضَحنا القولَ فيه والحُجَّة. والحمدُ لله.

стр. 7817

عُروةُ عن عُمر بن أبي سَلَمَة حديثٌ ثامنٌ وعشرونَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عُمرَ بن أبي سَلَمة أنَّه رأى رسولَ الله - صلي الله عليه وسلَّم - يصلِّي في ثوبٍ واحدٍ مُشْتَمِلًا به في بيتِ أمِّ سلَمَة، واضعًا طرفَيْهِ على عاتِقَيْه. لم يُختلَفْ عن مالكٍ في إسنادِ الحديثِ ولفظِه (٢)، وكذلك رواه جماعةُ أصحاب هشام، كما رواه مالكٌ بإسنادِه. وقد روَى ابنُ أبي الزِّناد، عن أبيه، عن عُروةَ بنِ الزُّبير، عن عبدِ الله بنِ أبي أميّة أخي أمِّ سَلَمة، أنَّه أبصَر رسولَ الله - صلي الله عليه وسلَّم - يصلِّي في بيتِ أمِّ سَلَمةَ ملتحِفًا في ثوب. ذكَره ابنُ أبي فُديك، عن ابنِ أبي الزِّناد (٣)، وهذا عندي، واللهُ أعلمُ، خطأ، والقولُ قولُ مالك، وكذلك رواه الناسُ عن هشام، كما رواه مالكٌ، وروايةُ هشام أولى من روايةِ ابنِ أبي الزِّناد عندَهم، وابنُ أبي الزِّناد ضعيفٌ لا يُحتجُّ به وبما خولفَ فيه أو انفردَ به، ولو انفردَ بروايتِه هذه لكان الحديثُ مرسلًا؛ لأنَّ عُروةَ لم يدركْ عبدَ الله بنَ أبي أميّة أخا أمِّ سَلَمة؛ لأنه استُشهِدَ يومَ الطائف، شهدَ مع رسولِ الله ﷺ المشهدَ ورُمي بسهم يومئذٍ فماتَ منه بعدَ ذلك.

стр. 7818

وقال الأخفشُ: الاشتمالُ أن يلتفَّ الرجلُ بردائِه وبكسائِه من رأسِه إلى قدمَيه، يردُّ طرفَ الثوبِ الأيمنَ على مَنكبِه الأيسر، فهذا هو الاشتمال. قال: وقد حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عمرَ بنِ أبي سَلَمة قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصلِّي في ثوبٍ واحدٍ قد خالفَ بينَ طرفَيْه (١). قال: وهذا هو التوشُّحُ، وهو أن يأخذَ طرفَ الثوبِ الأيسرَ من تحتِ يدِه اليسرى فيلقيَه على مَنْكبِه الأيمن، ويُلقيَ طرفَ الثوبِ الأيمنَ من تحتِ يدِه اليمنى على مَنكبِه الأيسر. قال: فهذا التوشُّحُ الذي جاء عن رسولِ الله ﷺ أنَّه صلَّى في ثوبٍ واحدٍ متوشِّحًا به. وقد مضى القولُ في معنى هذا الحديث مستوعبًا ممهَّدًا في بابِ ابن شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب من هذا الكتاب (٢).

стр. 7819

عُرْوةُ عن حُمْران حديثٌ تاسعٌ وعشرون لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن حُمْرانَ مولى عثمانَ بنِ عفان، أنّ عثمانَ بنَ عفانَ جلَس على المقاعد (٢)، فجاء المؤذنُ، فآذنَه بالصَّلاةِ للعَصْر، فدعا بماءٍ فتوضَّأ، ثم قال: والله، لأحدِّثنَّكم حديثًا لولا أنَّه في كتاب الله ما حدَّثتُكموه. ثم قال: سمِعتُ رسولَ الله - صلي الله عليه وسلَّم - يقول: "ما من امرئ يتوضَّأُ فيُحسنُ وضوءَه، ثم يصلِّي الصلاةَ، إلا غُفِر له ما بينَه وبينَ الصلاةِ الأُخرى حتى يصلِّيَها". قال مالكٌ: أُراه يريدُ هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. وحُمْرانُ مولى عثمان (٣): هذا هو حُمْرانُ بنُ أعينَ بنِ خالدِ بنِ عبدِ عمرٍو بنِ عُقَيْلِ بنِ كعب بنِ سعدِ بنِ جَندلةَ بنِ مسلم بنِ أوسِ بنِ زيدِ مناةَ بنِ النمرِ بنِ قاسط، وهو ابنُ عمِّ صهيبِ بنِ سنان، يلتقي هو وصهيبٌ في خالدِ بنِ عبدِ عمرٍو. وكان حُمْران من سبي عَيْنِ التَّمر، وهو أوَّل سبيٍ دخل المدينةَ في خلافةِ أبي بكر الصديق، سَباهُ خالدُ بنُ الوليد، فرآه غُلامًا أحمرَ مَخْتونًا كيِّسًا، فوَجَّهَ به إلى عثمانَ ﵁ فأعتقه. ودارُ حُمْرانَ بالبصرةِ مُشرِفة على رَحْبَةِ المسجدِ الجامع، وكان عثمانُ أقطَعهُ إياها، وأقطَعهُ أيضًا أرضًا على فراسِخَ من الأُبلَّةِ فيما يلي البحرَ، ذكرَ ذلكَ أهلُ السِّير والعلم بالخبر، قالوا: وكان حُمْرانُ أحدَ العلماءِ الجُلَّةِ أهلِ الوجاهةِ والرأي

стр. 7820

والشَّرف بولائِه ونَسَبِه، وهو أحد الشاهدين على الوليدِ بنِ عُقبةَ بشرب الخمر، فجلَدهُ بشهادتِه عليٌّ، جعلَ ذلك إليه عثمانُ، وتولى ضرب الوليد بيده عبدُ الله بنُ جعفرٍ بأمرِ عليّ له بذلك، وكان جَلْدُه له أربعين جَلْدةً. وهكذا رَوى هذا الحديثَ عن مالكٍ جماعةُ رواةِ "الموطأ" (١) وغيرِه، وليس فيه صفةُ الوضوءِ ثلاثًا ولا اثنتين، وقد رواه جماعةٌ عن هشام بن عُروةَ بإسنادِه، عن عُروةَ، عن حُمْرانَ، عن عثمانَ، فذكروا فيه صفةَ الوضوء؛ المضمضمةُ، والاستنشاقُ، وغسلُ الوجهِ واليدين، ثلاثًا ثلاثًا، واختلَفوا في ألفاظِه؛ منهم شعبةُ (٢)، وأبو أسامة (٣)، وابنُ عيينة، وجماعةٌ (٤)، ورواه عن عُروةَ جماعةٌ أيضًا؛ منهم أبو الزِّناد (٥)، وأبو الأسود (٦)، وعبدُ الله بنُ أبي بكر (٧)، وفي حديثهم أنَّ النبيَّ ﷺ توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا.

стр. 7821

حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (١): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن حُمْرانَ، قال: توضَّأ عثمانُ بنُ عفانَ على المقاعدِ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: هكذا رأيتُ رسولَ الله ﷺ يتوضَّأ. ثم قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ما مِن رجلٍ يتوضَّأ، فيُحسِنُ الوضوءَ، ثم يصلِّي، إلّا غُفِر له ما بينَه وبينَ الصلاةِ الأخرى حتى يصلِّيَها". ففي هذا الحديث، والحمدُ لله، أنَّ الصلاةَ تكفِّرُ الذنوبَ، وهو تأويلُ قولِ الله : ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. على حسَب ما نزَع به مالكٌ ﵀، والقولُ في هذا عندي كالقولِ في حديثِه ﷺ : "الجمعةُ إلى الجمعةِ كفارةٌ لِما بينَهما" (٢)، "والعمرةُ إلى العمرةِ كفارةٌ لِما بينَهما" (٣). فسبحان المتفضل المنعم المحسن، هو اللهُ وحدَه لا شريكَ له. وقد روَى هذا الحديث، أعني حديثَ الوضوء، عن حُمْرانَ جماعةٌ كثيرةٌ من الجِلَّةِ ومَن دونَهم؛ منهم: عُروةُ، وعطاءُ بنُ يزيدَ الليثيُّ (٤)، وجامعُ بنُ شدادٍ أبو صخرة (٥)،

стр. 7822

ومَعْبَدٌ الجهنيُّ (١)، وشقيقُ بنُ سَلَمةَ أبو وائل (٢)، وأبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمن (٣)، ومسلمُ بنُ يسار (٤)، ومحمدُ بنُ كعب القرظيُّ (٥)، وموسى بنُ طلحة (٦)، وزيدُ بنُ أسلم (٧)،
следующие страницы →